﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. قال الراغب: الزنيم والمزنّم: الزائد في القوم، وليس منهم؛ أي: المنتسب إلى قوم، وهو معلّق بهم لا منهم تشبيهًا بالزنمتين من الشاة، وهما المتدلّيتان من أذنها ومن الحلق. وفي "الكشاف": الزنيم من الزنمة، وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها؛ لأنه زيادة معلقة بغير أهله. والظاهر من قول ابن عباس ﵄ الحقيقة حيث قال: إنه لم يعرف حتى قيل: زنيم فعرف أنه كان له زنمة في حلقه. ويقال: كان يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال مجاهد: كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام إصبع زائدة. والظاهر: أنّ هذه الأوصاف ليست لمعين. قال العتيبيُّ: لا نعلم أن الله سبحانه وصف أحدًا، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عارًا لا يفارقه أبدًا. وفي قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ دلالة على أن دعوته أشد معايبه وأقبح قبائحه. وكان الوليد دعيًّا في قريش، وليس من نسبهم وسنخهم؛ أي: أصلهم. ادعاه أبوه المغيرة بعد ثماني عشرة سنة من مولده. وقيل: بغت أم الوليد ولم يعرف، حتى نزلت هذه الآية. فمعنى ﴿زَنِيمٍ﴾ حينئذٍ: ولد الزنا. قال الشاعر:
زَنيْمٌ لَيْسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبَوهُ ... بِغَيُّ الأمِّ ذُو حَسبٍ لَئِيْمُ
وقال سعيد بن جبير: الزنيم: المعروف بالشرّ. وقيل: هو رجل من قريش، كان له زنمة كزنمة الشاة. وقيل: هو الظلوم. وقيل: نزلت الآية في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، وكان ثقفيًّا مصطلقيّا في قريش، فلذلك قال: زنيم لا على جهة الذمّ لنسبه، ولكن على جهة التعريف به، ذكره السهيلي. قال ابن عطية: وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا مستمرّة باقي الزمن لا سيّما لولاة الأمور. فقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هاهنا نظير ﴿ثمّ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من حيث إنها للتراخي رتبة.
ثم هذا الترتيب إنما هو في قول الواصف لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلًا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. وفي "برهان القرآن": قوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ إلى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أوصاف تسعة، ولم يدخل بينها واو العطف، ولا بعد السابع، فدل على أن ضعف القول بواو الثمانية صحيح. وقرأ الحسن ﴿عتل﴾ برفع اللام على الذمّ، والجمهور بجرّها.
стр. 13862
١٤ - ثم ذكر بعض ما ربما دعاه إلى طاعتهم، فقال: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ على تقدير الجار؛ أي: لا تطع يا محمد من هذه مثالبه ومعايبه؛ لأنه كان مشمولًا ذا مال كثير مستظهرًا بالبنين؛ أي: لا تطعه من جراء ماله وكثرة أولاده وتقويه بهم، فإن ذلك لا يجديه نفعًا عند ربه، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.
وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، والمغيرة، وأبو حيوة ﴿آن كان﴾ بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ حمزة وأبو بكر والمفضل ﴿أأن كان﴾ بهمزتين مخففتين. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر. وعلى قراءة الاستفهام يكون المراد به التوبيخ والتقريع، حيث جعل شكر نعمة الله الكفر به وبرسوله. وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط.
١٥ - ثم ذكر سبب النهي عن طاعته، فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ استئناف جار مجرى التعليل للنهي؛ أي: إذا تقوأ عليه آيات كلامنا القديم. يعني: القرآن ﴿قَالَ﴾ ذلك الخلاف المهين هي ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أحاديث لا نظام لها، اكتتبها الأقدمون كذبًا فيما زعموه لقوله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾. قال السدي: أساجيع الأوّلين؛ أي: جعل مجازاة النعم التي خولناها من المال والبنين، وشكرها الكفر بآياتنا. قال المبرد: الأساطير جمع أسطورة نحو: أحدوثة وأحاديث.
والمعنى: أي إذا تلي عليه القرآن قال: ما هو إلا من كلام البشر، ومن قصص الأولين التي دونت في الكتب، وليس هو من عند الله تعالى.
١٦ - وبعد أن ذكر قبائح أفعاله توعده، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾؛ أي: سنجعل له سمةً وعلامةً يعرف بها بالكيّ على أكرم مواضعه لغاية إهانته وإذلاله. وأصل (١) ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سنوسمه، كما سيأتي. من الوسم، وهو إحداث السمة بالكسر؛ أي: العلامة بالميسم، والميسم بالكسر: المكواة؛ أي: آلة الكيّ. والخرطوم كزنبور: الأنف أو مقدمه. وفي التعبير عن الأنف بلفظ الخرطوم استهانة بصاحبه واستقباح له، لأنّه لا يستعمل إلّا في الفيل والخنزير، وكلما كان الحيوان أخبث وأقبح كانت
стр. 13863
الاستهانة والاستقباح أشد وأكثر. قيل: أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر، فبقيت علامتها. قال صاحب "الكشف": هو ضعيف، فإنّ الوليد مات قبله فلم يوسم بوسم بقي أثره مدة حياته.
والمراد: أنَّا سنبين أمره بيانًا واضحًا حتى لا يخفى على أحد كما لا يخفى ذو السمة على الخرطوم. وفي هذا إذلالٌ ومهانة له؛ لأنّ السمة على الوجه شين، فما بالك بها في أكرم موضع؟ وهو الأنف الذي هو مكان العزّة والحمية والأنفة، ومن ثم قالوا: الأنف في الأنف، وقالوا: حمي أنفه، وقالوا: هو شامخ العرنين. وعلى عكسه قالوا في الذليل: جدع أنفه ورغم أنفه. قال جرير:
لمَّا وَضَعْتُ على الْفَرَذْدَقِ مَيْسِمِيْ ... وَعَلَى الْبُعَيْثِ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ
وفي التعبير بلفظ الخرطوم، استخفاف به؛ لأنه لا يستعمل إلا في الفيل والخنزير، كما مرّ. وفي استعمال أعضاء الحيوان للإنسان كالمشفر للشفة، والظلف للقدم دلالة على التحقير كما لا يخفى.
والخلاصة: سنذله في الدنيا غاية الإذلال، ونجعله ممقوتًا مذمومًا مشهورًا بالشرّ، ونسمُهُ يوم القيامة على أنفه ليعرف بذلك كفره وانحطاط درجته؛ أي: سنُعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها من سائر الكفرة بأن نسود وجهه غاية التسويد، إذ كان بالغًا في عداوة سيد المرسلين عليه وعليهم السلام أقصى مراتب العداوة. فيكون الخرطوم مجازًا عن الوجه على طريق ذكر الجزء وإرادة الكلّ.
١٧ - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: إنَّا نحن ابتلينا وامتحنا كفار مكة بالقحط والجوع. والابتلاء: الاختبار. وهذا كلام مرتب على محذوف تقديره: أعطينا أهل مكة الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط سبع سنين بدعوة رسول الله ﷺ حتى أكلوا الجيف والجلود والعظام والدم لتمردهم وكفرانهم نعم الله تعالى. ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي (١): ابتلاء مثل ابتلاء أصحاب الجنة المعروف. خبرها عندهم، واللام في الجنة للعهد، والكاف في موضع النصب على أنها نعت لمصدر محذوف، و ﴿ما﴾ مصدرية. والجنة: البستان، وأصحاب الجنة: قوم من
стр. 13864
أهل صنعاء اليمن، وذلك أنّها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حقَّ الله منها، فمات وصارت إلى أولاده فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها. قال الواحدي: هم قوم من ثقيف، كانوا باليمن مسلمين، ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزروع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظًّا للمساكين عند الحصاد والصرام، فقال بنوه: المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله سبحانه في كتابه. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله تعالى أن حرق جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بصوران وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير.
وقوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ وحلفوا. ظرف لبلونا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾؛ أي: والله ليصرمن ثمارها من الرطب والعنب، ويقطعنها، ويجمعن محصولها من الزرع وغيره ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: حال كونهم داخلين في الصباح مبكرين إليها، وسواد الليل باق. و ﴿يصرمنها﴾ جواب القسم، و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يصرمنها﴾ وجاء جواب القسم على خلاف منطوقهم، ولو جاء على منطوقهم .. لقيل: لنصرمنها بنون التكلم.
١٨ - ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾؛ أي: لا يقولون: إن شاء الله. وتسميته استثناء مع أنه شرط من حيث إن مؤداه مؤدى الاستثناء، فإن قولك: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا إن شاء الله بمعنى واحد، والجملة مستأنفة، أو حال بعد حال.
والأظهر أنَّ المعنى (١): ولا يستثنون حصة المساكين، أي: لا يميزونها ولا يخرجونها كما يفعله أبوهم. وقال أبو حيان: ولا يثنون عما عزموا عليه من منع المساكين، ولعل إيراد الاستثناء بعد إيراد إقسامهم على فعل مضمر لمقصودهم مستنكر عند أرباب المروءة، وأصحاب الفتوة لتقبيح شأنهم بذكر السببين لحرمانهم، وإن كان أحدهما كافيًا فيه، لكن ذكر الإقسام على أمر مستنكر أولًا، وجعل ترك الاستثناء حالًا منه ثانيًا يفيد أصالته وقوته في اقتضاء الحرمان.
ومعنى الآية (٢): أنّا امتحنا كفار مكة بما تظاهر عليهم من النعم والآلاء وما رحمناهم به من واسع العطاء لنرى حالهم أيشكرون هذه النعم، ويؤدون حقها
стр. 13865
وينيبون إلى ربهم ويتبعون الداعي لهم إلى سبيل الرشاد؛ وهو الرسول ﷺ الذي بعثناه لهم هاديًا وبشيرًا ونذيرًا، أم يكفرون به ويكذبونه فيجحدون حق الله عليهم فيبتليهم بعذاب من عنده، ويبيد تلك النعم جزاء كفرانهم وجحودهم كما اختبرنا أصحاب ذلك البستان الذين منعوا حق الله فيه، وعزموا على أن لا يؤدوا زكاته لبائس ولا فقير، فحق عليهم من الجزاء ما هم له أهل. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ ... إلخ؛ أي: حين حلفوا ليجدُّن ثمرها غدوة حتى لا يعلم بهم سائل ولا فقير فيتوافر لهم ما كان يأخذه هؤلاء الفقراء، ولم يثنوا عما همُّوا به.
١٩ - ثم أخبر سبحانه عما جازاهم لكفرانهم بهذه النعم ومنعهم حق الفقراء فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على تلك الجنة؛ أي: أحاط بها ﴿طَائِفٌ﴾؛ أي: بلاء طائف كقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. وذلك إذ لا يكون الطائف إلا بالليل، وأيضًا دل عليه ما بعده من ذكر النوم. وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء، فأحرقتها. وقيل: الطائف جبريل اقتلعها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: مبتدىء من جهته تعالى. قال الراغب: الطوف: الدّوران حول الشيء، ومنه: الطائف لمن يدور حول البيت حافظًا، ومنه: استعير الطائف من الجن والحبال والخادم وغيرها. قال تعالى: ﴿فَطَافَ﴾ إلخ، تعريضًا بما نالهم من النائبة انتهى. ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: وهم (١) غافلون عما جرت به المقادير، أو غافلون عن طوافه بالنوم الذي هو أخو الموت. والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، أو أن يتوفى الله النفس من غير موت؛ أي: أن يقطع ضوء الروح عن ظاهر الجسد دون باطنه، أو النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل. وكلّ هذه التعريفات صحيحة.
٢٠ - ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾؛ أي: فصارت تلك الجنة بالاحتراق ﴿كَالصَّرِيمِ﴾؛ أي: شبيهة بالبستان الذي صرمت وقطعت ثماره بحيث لم يبق منها شيء؛ لأنَّ النار السماوية أحرقتها، أو صارت كالليل في اسودادها؛ لأنّ الليل يقال له: الصريم؛ أي: صارت سوداء كالليل لاحتراقها، أو كالنهار في ابيضاضها من فرط اليبس، والصريم فعيل بمعنى مفعول.
والمعنى (٢): فطرق تلك الجنة طارق من أمر الله ليلًا، وهم نيام، إذ أرسل
стр. 13866
عليها صاعقة فاحترقت وصارت تشبه الليل البهيم في السواد. أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إيّاكم والمعصية، فإنَّ العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإنّ العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا قد كان هيّء له، ثم تلا ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ ... الآية. قد حرموا خير جنتهم بذنبهم".
٢١ - ﴿فَتَنَادَوْا﴾؛ أي: نادى بعضهم بعضًا حال كونهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلين في الصباح
٢٢ - ﴿أَنِ اغْدُوا﴾؛ أي: (١) أنّ اغدوا وبكروا على أن ﴿أَنِ﴾ مفسرة؛ لأن في التنادي معنى القول، أو بأن اغدوا وبكّروا على أنّها مصدرية؛ أي: اخرجوا غدوة وأول النهار. ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ وبستانكم وضيعتكم والمراد بالحرث: الثمار والزروع. يقول الفقير: فالحرث يجوز أن يراد به الحاصل مطلقًا، وأن يراد به الزرع خصوصًا؛ لأنه أعزُّ شيء يعيش به الإنسان. وتعدية الغدو بعلى لتضمنه معنى الإقبال والاستيلاء. وقال بعضهم: إنه يتعدى بعلى كما في "القاموس": غدا عليه غدوًّا وغدوة بالضم واغتدى: بكر. قال الراغب: الحرث: إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع، ويسمى المحروث: حرثًا. قال تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾؛ أي: قاصدين للصرم وقطع الثمرة، وجمع المحصول. وجواب الشرط محذوف؛ أي: إن كنتم صارمين فاغدوا. وقيل: معنى ﴿صَارِمِينَ﴾ ماضين في العزم من قولهم: سيف صارم.
والمعنى (٢): فنادى بعضهم بعضًا عند طلوع الفجر؛ أي: هلموا واذهبوا إلى الثمار والزروع والأعناب فاصرموها؛ إن كنتم قاصدين للصرم، ولا تخبروا المساكين.
٢٣ - وقد أحكموا التدبير، وأخذوا الأمر جد الخفية حتى لا يستمع لهم أحد، كما قال: ﴿فَانْطَلَقُوا﴾؛ أي: فمضوا وذهبوا إلى جنتهم وحرثهم ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ ويسرون الكلام بينهم؛ لئلا يعلم أحد بهم. وقيل (٣): المعنى: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم فيقصدوهم كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد.
٢٤ - والأوّل أولى لقوله: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾؛ أي: الجنة ﴿الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ من
стр. 13867
المساكين فضلًا عن أن يكثروا. لأنَّ ﴿أن﴾ هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول.
والمعنى: يسرّ بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم.
والمعنى (١): يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة والسر كي لا يسمع أحد بهم، ولا يدخل عليهم. وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾ بإسقاط أن على إضمار يقولون. والمسكين: هو الذي لا شيء له، وهو أبلغ من الفقير، والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم: لا أرينك هاهنا، فإنّ دخول المسكين عليهم لازم لتمكينهم إيّاه من الدخول كما أنَّ رؤية المتكلم المخاطب لازم لحضوره عنده، فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم.
٢٥ - ﴿وَغَدَوْا﴾؛ أي: مشوا بكرة مصممين ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾؛ أي: على منع المساكين وحرمانهم. والحرد: المنع عن حدة وغضب، يقال: نزل فلان حريدًا، أيّ: ممتنعًا من مخالطة القوم، وحاردت السنة: منعت قطرها، والناقة: منعت درها، وحرد: غضب. وقرأ الجمهور ﴿حَرْدٍ﴾ بسكون الراء، وقرأ أبو العالية، وابن السميفع بفتحها. ﴿قَادِرِينَ﴾ حال مقدرة من فاعل ﴿غَدَوْا﴾، فإنَّ القدرة مع الفعل عند أهل الحقّ.
والمعنى: أي وخرجوا أول الصباح مصممين على امتناع من أن يتناول المساكين من جنتهم حال كونهم قادرين على نفعهم أو على الاجتناء، والصرم بزعمهم، فلم يحصل إلّا الكد والحرمان، فهم قد تعجلوا الحرمان، وكان أولى بهم أنت تكون هممهم متوجهة إلى النفع الذي هم قادرون عليه. ولكن (٢) واخيبة أملاه، وواضياع مسعاهم، ويا هول ما رأوه مما لا تصدقه العين، ولا يخطر لهم ببال بستان كان بالأمس عامرًا زاخرًا بالخير والبركة أصبح قاعًا صفصفًا قد تغيرت معالمه، ودرست رسومه حتى تشككوا فيه حين رأوه،
٢٦ - كما قال سبحانه؛ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾؛ أي: فلما صاروا إلى جنتهم ورأوها محترقة أنكروها، وشكوا فيها، و ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعضٍ: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ عن طريق جنتنا، وما هي بها لما رأوا من هلاكها، أي: قالوا: أبستاننا هذا أم نحن ضالون طريقه؟.
٢٧ - ولكن بعد أن تبينت لهم معالمه
стр. 13868
واستيقنوها عادوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا مضربين عن قولهم الأوّل: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾؛ أي: لسنا بضالين بل نحن قد حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا بشؤم عزمنا على البخل، ومنع مساعدة البائسين والمعوزين،
٢٨ - وندموا على ما فرط منهم حيث لا ينفع الندم، كما يرشد إلى ذلك قوله سبحانه حاكيًا عنهم: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾؛ أي: أرجحهم رأيًا وأحسنهم تدبيرًا ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا قوم ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾؛ أي: هلا تذكرون الله سبحانه بالتسبيح والتلهيل والتكبير وغيرها، وتشكرونه على ما أولاكم من النعم، فتؤدّوا حق البائس الفقير، وتتوبون إليه من خبث نيتكم ليبارك لكم فيما أنعم وتفضل، ولكنكم أعرضتم عما أظهرتُ لكم به من الرأي، وضربتم به عرض الحائط، وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا إليه من هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم.
وفي الآية (١): دليل على أنّ العزم على المعصية مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، والعزم: قوة قصد الفعل والجزم به، والمحققون على أنه يؤاخذ به. وأما الهم وهو ترجيح قصد الفعل فمرفوع.
٢٩ - وبعد اللتيا والتي (٢) وبعد ضياع الفرصة تبين لهم خطأ ما كانوا عزموا عليه، واعترفوا بذنوبهم، كما حكى عنهم سبحانه بقوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾؛ أي: تنزيهًا لربنا عن أن يكون ظالمًا فيما صنع بجنتنا؛ أي: قالوا معترفين بالذنب، والاعتراف به يعد من التوبة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾؛ أي: تنزه مالك أمرنا عن كل سوء ونقصان سيما عن أن يكون ظالمًا فيما فعل بنا. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسنا بقصد حرمان المساكين اتباعًا لشح النفس، كأنهم قالوا: نستغفر الله من سوء صنيعنا، ونتوب إليه من خبث نيتنا حيث قصدنا عدم إخراج حق المساكين من غلة بستاننا، ولو تكلموا بهذه الكلمة قبل نزول العذاب لنجوا من نزوله، لكنّهم تكلَّموا بعد خراب البصرة، هيهات هيهات فقد ضاعت الفرصة، وحل مكانها الغصة. وهكذا شأن الإنسان.
стр. 13869
٣٠ - وبعد أن حدث ما حدث ألقى كلّ منهم تبعة ما وقع على غيره، وتشاحنوا وهذا ما أشار إليه بقوله سبحانه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ حال كونهم ﴿يَتَلَاوَمُونَ﴾؛ أي: يلوم (١) بعضهم بعضًا على ما فعلوا، فإنَّ منهم من أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيًا به، ومنهم من أنكره. فيقول هذا لهذا: أنت الذي أشرت علينا بهذا الرأي، وبقول ذاك لهذا: أنت الذي خوفتنا الفقر، ويقول الثالث لغيره: أنت الذي رغّبتني في جمع المال.
٣١ - ثم نادوا عفى أنفسهم بالويل والثبور، كما أشار إلى ذلك سبحانه حاكيًا عنهم ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ ويا هلاكنا أقبل إلينا لنتعجب منك، أي: قالوا: أقبل أيها الهلاك فلا نستحق غيرك. ثم بينوا علة هذا الدعاء بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾؛ أي: عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء. قال ابن كيسان أي: طغينا في نعم الله فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل.
٣٢ - ثم رجعوا إلى الله، وسألوه أن يعوضهم بخير منها، فقالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا﴾؛ أي: نترجى ربنا ﴿أَنْ يُبْدِلَنَا﴾ ويعطينا بدلًا ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي: من جنتنا بتوبتنا من زلَّاتنا، ويكفر عنا سيئاتنا. قيل: إنهم تعاقدوا فيما بينهم، وقالوا: إن أبدلنا الله خيرًا منها لنصنعن كما صنع أبونا، فدعوا الله وتضرّعوا إليه، فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها. قيل: إنَّ الله أمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها. وقرأ الجمهور (٢) ﴿يُبْدِلَنَا﴾ بالتخفيف من الإبدال. وقرأ أبو عمرو وأهل المدينة بالتشديد من التبديل، وهما لغتان. والإبدال: رفع الشيء جملةً ووضع آخر مكانه. والتبديل: تغيير ذات الشيء أو تغيير صفته.
﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾؛ أي: راجون العفو منه، طالبون الخير منه، راجعون إليه تعالى. و ﴿إِلَى﴾ لانتهاء الرغبة؛ لأنّ الله تعالى منتهى رجائهم، وطلبهم أو لتضمنها معنى الرجوع، وإلا فالمشهور أن تتعدى الرغبة بكلمة في أو عن دون إلى. روى عن مجاهد: أنهم تابوا فأبدلهم الله تعالى خيرًا منها.
٣٣ - ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر مقدم لإفادة القصر ﴿الْعَذَابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والألف واللام فيه
стр. 13870
للعهد؛ أي: مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة، وأصحاب الجنة المذكورة العذاب؛ أي: عذاب الدنيا النازل فيها على من طغى بمنع حقوق الله تعالى. وفي "كشف الأسرار": كذلك أفعل بأمتك يا محمد إذا لم تعطف أغنياؤهم على فقرائهم بأن أمنعهم القطر، وأرسل عليهم الجوائح، وأرفع البركة من زروعهم وتجارتهم. ففيه وعيد لمانعي الزكاة والصدقة بإهلاك المال، وإنزال العذاب بأيّ طريق كان.
والمعنى (١): وهكذا عذاب من خالف أمر الله تعالى، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق البائس الفقير، وإذا كانت هذه حال من فعل الذنب اليسير كأصحاب الجنة، فما بالكم بذنب من يعاند الرسول ويصر على الكفر والمعصية.
وبعد أن أبان لهم أن عذاب الدنيا كما سمعتم، ورأيتم أشار إلى عذاب الآخرة، فقال: ﴿وَلَعَذَابُ اَلأَخِرَةِ﴾ المعد للكفرة والطغاة ﴿أَكْبَرُ﴾؛ أي: أشدُّ وأعظم لبقائه ودوامه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لو كان المشركون يعلمون أنه أكبر وأعظم لاحترزوا عما يؤديهم إليه، ويطرحهم ويرميهم فيه، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولذلك أصروا على إشراكهم وتكذيبهم للنبي ﷺ . وجواب الشرط محذوف كما قدرنا.
والخلاصة: أنَّ عذاب الآخرة أشد وأنكى من عذاب الدنيا، فما عذاب هذه إلا هلاك الأموال والثمرات، وعذاب تلك نار وقودها الناس والحجارة، لو كانوا من ذوي العلم والمعرفة .. لارتدعوا عن غيّهم، وثابوا إلى رشدهم، وهذا نعي عليهم بالغفلة، وأنهم ليسوا من أرباب النهى والمعرفة.
٣٤ - ولما فرغ من ذكر حال الكفّار وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة .. ذكر حال المتقين، وما أعده لهم من الخير، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الدار الآخرة ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغّصه خوف زوال. وذكر (٢) ﴿عِنْدَ﴾ للتشريف والتكريم، وذلك لأنه لا ملك فيها حقيقة ولا صورة إلا لله تعالى، فكأنها حاضرة عنده تعالى يتصرف فيها كيف يشاء، وإلا فمحال كون عندية الجنة بالنسبة إلى الله تعالى مكانيةً، وهي ظرف معمول للاستقرار الذي تعلق به للمتقين.
стр. 13871
ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف منصوب على الحالية من المنويّ في قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ولا يجوز أن يكون حالًا من جنات لعدم العامل. والأظهر: أنّ معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في جوار القدس، فالمراد عنديّة المكانة المنزهّة عن الجهة والتحيز لا عندية المكان، كما في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، إذ للمقرّبين قرب معنويّ من الله تعالى. ومعنى ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال، كما عليه نعيم الدنيا. واستفيد الحصر من الإضافة اللامية الاختصاصية، فإنها تفيد اختصاص المضاف إليه.
وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فإذا سمعوا ذكر الآخرة، وما وعد الله المسلمين فيها قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا.
٣٥ - فرد الله سبحانه عليهم مكذّبًا لهم بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ ... إلخ. والهمزة (١) فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنحيف في الحكم فنجعل المؤمنين كالكافرين في حصول النجاة والوصول إلى الدرجات، فنسوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء، كلا ورب الأرض والسماء. والمراد (٢) بالمجرمين الكافرون على ما دل عليه سبب النزول، وهم المجرمون الكاملون الذين أجرموا بالكفر والشرك، وإلا فالإجرام في الجملة لا ينافي الإسلام نعم المسلم المطيع ليس كالمسلم الفاسق. ففيه وعظ للعاقل وزجر للمتبصر.
٣٦ - ثم قيل لهم بطريق الالتفات لتأكيد الرد وتشديده: ﴿مَا لَكُمْ﴾ أيها المجرمون ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج الأقبح، كأنَّ أمر الجزاء مفوض إليكم فتحكمون فيه بما شئتم. وهذا تعجيب من حكمهم، واستبعاد له، وإيذان بأنّه لا يصدر عن عاقل. و ﴿مَا﴾ الاستفهامية في موضع رفع بالابتداء، والاستفهام للإنكار؛ أي: لإنكار أن يكون لهم وجه مقبول يعْتدّ به في دعواهم حتى يتمسّك به، و ﴿لَكُمْ﴾ خبرها.
والمعنى: أيّ شيء ظهر لكم حتى حكمتم هذا الحكم القبيح كأنَّ أمر الجزاء مفوّض إليكم فتحكمون فيه بما شئتم. ومعنى ﴿كيفَ﴾ في أيّ حال حكمتم أفي حال
стр. 13872
العلم حكمتم أم في حال الجهل؟ فيكون ظرفًا أو أعالمين حكمتم أم جاهلين؟ فيكون حالًا.
والخلاصة: أي ماذا حصل لكم من فساد الرأي وخبل العقل حتى قلتم ما قلتم؟
٣٧ - ثم سد عليهم طريق القول، وقطع عليهم كلَّ حجة يستندون إليها فيما يدّعون، فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ﴾؛ أي: بل ألكم ﴿كِتَابٌ﴾ نازل من السماء. و ﴿أَمَّ﴾ فيه منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الإنكار. ﴿فِيهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أي: تقرؤون فيه
٣٨ - ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ أي: في ذلك الكتاب، أو في يوم القيام ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ وتشتهون؛ أي: بل ألكم كتالت نازل من السماء فيه تقرؤون أنّ لكم في ذلك الكتاب ما تشتهونه في الآخرة. وأصل الكلام: ﴿أنّ لكم﴾ بالفتح؛ لأنّه مدروس فيكون مفعولًا واقعًا مَوْقِعَ المفرد، وتكون لام الابتداء زائدة. فلا تكسر همزة ﴿إنّ﴾ ولكن لما جيءَ باللام كسرت، فإن لام الابتداء لا تدخل على ما هو في حيّز ﴿أنّ﴾ المفتوحة، وهذه اللام للابتداء، داخلة على اسم ﴿إنّ﴾.
والمعنى: تدرسون في الكتاب أنّ لكم في الآخرة ما تختارونه لأنفسكم، وأن يكون العاصي المطيع بل أرفع حالًا منه، فأتوا بكتاب إن كنتم صادقين. ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾، فيكون الموضع من مواضع كسر همزة ﴿إنّ﴾ لعدم وقوعها موقع المفرد، حكاه الله في القرآن بصورته. والفرق بين الوجهين: أنّ المدروس في الأول ما انسبك من الجملة، وفي الثاني الجملة بلفظها. وقوله: ﴿فِيِه﴾ لا يستغنى عنه بفيه أوّلًا، فقد يكتب المؤلف في كتابه ترغيبًا للناس في مطالعته أنّ في هذا الكتاب كذا وكذا.
قال سعديٌّ المفتي: لك أن تمنع كون الضمير للكتاب، بل الظاهر أنّه ليوم القيام المعلوم بدلالة المقام.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ بكسر الهمزة، فقيل: هو استئناف قول على معنى: إن لكم كتابًا فلكم فيه متخيَّر. وقيل: ﴿أنَّ﴾ معمولة لتدرسون؛ أي:
стр. 13873
تدرسون في الكتاب أنّ لكم لما تخيّرون؛ أي: تختارون من النعيم. وكسرت الهمزة من ﴿إنّ﴾ لدخول اللام في الخبر، وهي بمعنى ﴿أنّ﴾ بفتح الهمزة، قاله الزمخشريّ، وبدأ به، وقال: ويجوز أن تكون حكاية للمدروس كما هو كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ انتهى. وقرأ طلحة بن مصرف والضحاك ﴿أن لكم﴾ بفتح الهمزة، واللام في ﴿لَمَا﴾ زائدة كهي في قراءة من قرأ ﴿ألا أنهم ليأكلون الطعام﴾ بفتح همزة أنهم. وقرأ الأعرج ﴿أأنّ لكم﴾ على الاستفهام.
وحاصل معنى الآية (١): أفبأيديكم كتاب نزل من السماء تدرسونه، وتتداولونه ينقله الخلف من السلف، يتضمن حكمًا مؤكَّدًا كما تدّعون أن لكم ما تختارون وتشتهون، وأنَّ الأمر مفوّض إليكم لا إلى غيركم.
وخلاصة هذا: أفسدت عقولكم حتى حكمتم بهذا؟ أم جاءكم كتاب فيه تخييركم، وتفويض الأمر إليه.
٣٩ - ثم زاد سبحانه في التوبيخ، فقال: ﴿أَمَّ لَكُمْ﴾؛ أي: بل ألكم أيّها المشركون ﴿أَيْمَانٌ﴾؛ أي: مواثيق وعهود مؤكّدة بالأيمان مضمونة لكم ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ نهاية الصحة وغاية الجودة، لا نخرج من عهدتها ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ على ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ وتشتهون. و ﴿أَمَّ﴾ منقطعة تقدر بـ (بل) الإضرابية وهمزة الإنكار، نظير ما مرّ. و ﴿عَلَيْنَا﴾ (٢) صفة ﴿أَيْمَانٌ﴾، وكذا ﴿بَالِغَةٌ﴾؛ أي: متناهية في التوكيد والصحة؛ لأنّ كل شيء يكون في نهاية الجودة وغاية الصحة يوصف بأنّه بالغ، يقال لفلان عليَّ يمين بكذا إذا ضمنت وكفلت له به، وحلفت له على الوفاء به؛ أي: بل أضمنا لكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة، فثبت لكم علينا عهود مؤكدة بالأيمان مستمرة إلى يوم القيامة لا نخرج من عهدتها إلا بوفائها. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ متعلّق بالمقدر في ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا نخرج من عهدتها حتى نحكمكم يومئذٍ، ونعطيكم ما تحكمون، أو متعلق بـ ﴿بَالِغَةٌ﴾؛ أي: أيمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه الذي هو التحكيم واتباعنا لحكمهم.
стр. 13874
وعبارة الخازن هنا: معناه: ألكم عهود ومواثيق مؤكَّدة عاهدناكم عليها فاستوثقتم بها منا إلى يوم القيامة؛ أي: لا تنقطع تلك الأيمان والعهود إلى يوم القيامة إن لكم في ذلك العهد لما تحكمون لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله تعالى، انتهى.
وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جواب القسم، وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: ليس الأمر كذلك.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بَالِغَةٌ﴾ بالرفع على النعت لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾. وقرأ الحسن وزيد بن علي بنصبها على الحال من ﴿أَيْمَانٌ﴾؛ لأنّها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، أو من الضمير في ﴿عَلَيْنَا﴾. وقرأ الأعرج ﴿إن لكم علي﴾ كالتي قبلها على الاستفهام.
والمعنى: أم معكم عهود منا مؤكدة لا نخرج من عهدتها إلى يوم القيامة على أنه سيحصل لكم كل ما تهوون وتشتهون.
وخلاصة ذلك: أم أقسمنا لكم قسما على أنَّ لكم كل ما تحبون.
٤٠ - ثم طلب إلى رسوله ﷺ أن يسألهم على طريق التوبيخ والتقريع، فقال: ﴿سَلْهُمْ﴾ أمر من (٢) سأل يسأل بحذف العين وهمزة الوصل. وهو تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله ﷺ بإسقاطهم عن درجة الخطاب؛ أي: سل يا محمّد هؤلاء المشركين مبكتًا لهم ﴿أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾ الحكم الخارج عن المعقول ﴿زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيل متصدٍّ لتصحيحه كفيل لهم بأنَّ لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها. والزعيم: هو القائم بالدعوى وإقامة الحجة عليها؛ أي: قل لهم: من الكفيل لهم بتنفيذ هذا الحكم الخارج عن الصواب.
٤١ - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ أي: بل ألهم ناس يشاركونهم في هذا الرأي والقول الفاسد، ويذهبون مذهبهم، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين في الآخرة. وإن كان الأمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ وموافقيهم في هذا الرأي القبيح ﴿إنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في دعواهم، وقولهم هذا، إذ لا أقل من التقليد. وهو أمر تعجيز،
стр. 13875
وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. يعني (١): أنه كما ليس لهم دليل عقلي في إثبات هذا المذهب، وهو التسوية بين المحسن والمسيء كما قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾، ولا دليل نقلي، وهو كتاب يدرسونه، ولا عهود موثقة بالأيمان فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول حتى يقلدوهم، وإن كان التقليد لا يفلح من تشبث بذيله. فثبت أن ما زعموا باطل من كل الوجوه. وقيل: المعنى (٢) أم لهم شركاء وآلهة يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة.
وقصارى هذا الحجاج (٣): نفي جميع ما يمكن أن يتعلقا به في تحقيق دعواهم، فنبه أوَّلًا إلى نفي الدليل العقلي بقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ ثم إلى نفي الدليل النقلي بقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾ ثم إلى نفي الوعد بذلك ووعد الكريم دين عليه بقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ ثم إلى نفي التقليد الذي هو أوهن من حبال القمر بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة ﴿فليأتوا بشركهم﴾. قيل: والمراد في القراءتين الأصنام، أو ناس يشاركونهم في قولهم ويوافقونهم فيه؛ أي: لا أحد يقول بقولهم كما أنه لا كتاب لهم ولا عهد من الله، ولا زعيم بذلك فليأتوا بشركائهم. وهذا استدعاء وتوقيف وتعجيز.
٤٢ - وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ منصوب بـ (اذكر) المقدر، و ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ نائب فاعل لـ ﴿يُكْشَفُ﴾، والمراد به يوم القيامة؛ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين ولسائر أمّتك أهوال يوم يكشف الله سبحانه عن ساقه، ويتجلى لعباده، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. وقيل: الساق متعلق بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ أي: فليأتوا بشركائهم، وآلهتهم يوم يكشف عن ساق ليشفعوا لهم. وقيل: التقدير: يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، حذف للتهويل العظيم بما يكون فيه من الحوادث. ﴿وَيُدْعَوْنَ﴾ أي: ويُدعى الكفّار والمنافقون ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ له تعالى توبيخًا وتعنيفًا لهم على تركهم إيّاه في الدنيا، وتحسيرًا لهم على تفريطهم في ذلك، لا على سبيل التكليف والتعبّد؛ لأنَّ يوم القيامة ليس دار تعبّد وتكليف. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: الكفرة والمنافقون على
стр. 13876
السجود لزوال القدرة الحقيقية عليه عنهم. وفيه دلالة على أنهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك. قال ابن مسعود ﵁: تعقم أصلابهم؛ أي: ترد عظامًا بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض، فيبقون قيامًا على حالهم حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على تفريطهم في الدنيا.
قال الواحدي: قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدةً، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود. قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا.
فصل في الاختلاف في معنى الساق
وهذا التفسير الذي ذكرناه في بيان معنى الساق وإيضاح معنى الآية هو المذهب الأسلم الذي عليه السلف، ونلقى عليه الرب سبحانه. فساق الله صفة ثابتة له نثبتها، ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ومعنى كشف الساق رفع الحجاب بينه وبين عابده. وقد دلت على هذا المعنى أحاديث مرفوعة صحيحة.
وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، وهذا الحديث ثابت من طرق كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف.
وأخرج ابن منده عن أبي هريرة ﵁ في الآية قال: "يكشف الله عن ساقه". وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال: يكشف عن ساقه ﵎. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "عن نور عظيم فيخرون له سجدًا".
وقيل: معنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب. وكشف الساق مثل في ذلك، ولا كشف ولا ساق ثمة كما تقول للأقطع الشحيح: يده
стр. 13877
مغلولة ولا يد ثمة ولا غل، وإنما هو مثل في البخل بأن شبهت حال البخيل في عدم تيسر الإنفاق له بحال من غلت يده، وكذا شبهت هنا حال من اشتد عليه الأمر في الموقف بالمخدرات اللاتي اشتد عليهن الأمر، فاحتجن إلى تشمير سوقهن في الهرب بسبب وقوع أمر هائل بالغ إلى نهاية الشدة مع أنهن لا يخرجن من بيوتهن، ولا يبدين زينتهن لغير محارمهن لغاية خوفهن، وزوال عقلهن من دهشتهن، وفرارهن لخلاص أنفسهن، فاستعمل في حق أهل الموقف من الأشقياء ما يستعمل في حقهن من غير تصرف في مفردات التركيب، بل التصرف إنما هو في الهيئة التركيبية. فكشف الساق استعارةٌ تمثيلية في اشتداد الأمر وصعوبته.
ومعنى الآية على هذا القول: فليأتوا بهؤلاء الشركاء ليعاونوهم إذا اشتد الهول وعظم الخطب يوم القيامة، ويدعون إلى السجود توبيخًا لهم على تركهم إيّاه في الدنيا فلا يستطيعون، فتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه حين دعوا إليه في الدنيا، وهم سالمون أصحاء فلم يفعلوا.
وقيل: الساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها إذا عظم أمرها، وتقول لمن وقع في أمر عظيم شديد يحتاج فيه إلى جهد ومقاساة؛ شمر عن ساقك، وكذلك التفت الساق بالساق؛ أي: دخلت الأهوال والأمور العظام بعضها إلى بعض يوم القيامة.
والمعنى عليه: يوم يكشف عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة. وتنكيره على هذا الوجه للتهويل؛ لأنَّ يوم القيامة يوم يقع فيه أمر فظيع هائل منكر خارج عن المألوف.
وقيل: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فإنَّ ساق الشجر مثلًا أصله والأغصان تنبت على ذلك الأصل وتقوم به.
والمعنى عليه: يوم يكشف عن ساق الأمور وأصولها وحقائقها بحيث تظهر وتصير عيانا. وعلى هذا فالتنوين للتعظيم. وقيل: يكشف عن ساق جهنم، وقيل: عن ساق العرش، وقيل: هو عبارة عن القرب، وقيل: يكشف الرب عن نوره. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵁: أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فقال: إذا خفي عليكم شيء
стр. 13878
من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر:
سَنَّ لَنَا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأَعْنَاقِ ... وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
قال ابن عباس: هذا يوم كرب شديد، روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا، فليس كمثله شيء، ولقد أجاد من قال:
دَعُوا كُلَّ قولِ عِنْدَ قَوْلٍ مُحَمَّدٍ ... فَمَا آمِنٌ فِي دِيْنِهِ كَمُخَاطِرِ
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُكْشَفُ﴾ بالتحتية مبنيًا للمفعول. وقرأ ابن مسعود وابن عباس، وابن أبي عبلة ﴿تكشف﴾ بفتح الفوقية مبنيًا للفاعل، أي: الشدّة والساعة. وقرأ ابن عباس وابن مسعود أيضًا، وابن هرمز بالنون. وقرىء بالفوقية مبنيًا للمفعول. وقرىء ﴿يكشف﴾ بالياء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف، ومنه: أكشف الرجل: انقلبت شفته العليا.
٤٣ - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿يُدْعَوْنَ﴾ على أنَّ ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ مرتفع به على الفاعلية. ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره فيها، وإلا فالأعضاء أيضًا خاشعة ذليلة متواضعة بل الخاشع في الحقيقة هو القلب لكونه مبدأ الخشوع. وذلك أن المسلمين إذا رفعوا رؤوسهم من السجود صارت بيضاء كالثلج، فلما نظر إليهم اليهود والنصارى والمنافقون، وهم الذين لم يقدروا على السجود حزنوا واغتموا واسودت وجوههم، كما قال تعالى: ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ أي: تلحقهم وتغشاهم ﴿ذِلَّةٌ﴾؛ شديدة تخزيهم وحسرة وندامة، كأنّه تصير لخشوع أبصارهم. ﴿وَقَدْ كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿يُدْعَوْنَ﴾ دعوة التكليف ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾؛ أي: إليه. والإظهار (٢) في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو لأن المراد به الصلاة أو ما فيها من السجود. وخص السجود بالذكر من حيث إنه أعظم الطاعات. قال بعضهم: يدعون بدعوة الله صريحًا مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ أو ضمنا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فإن الدعوة إلى الصلاة دعوة إلى السجود، وبدعوة الرسول ﷺ صريحًا
стр. 13879
كقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". قالوا؛ أي: السجود. أو ضمنًا كقوله ﷺ : "صلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم". وبدعوة علماء كل عصر ومن أعظم الدعوة إلى السجود أذان المؤذنين وإقامتهم، فإن قولهم: حي على الصلاة دعوة بلا مرية، فطوبى لمن أجاب دعوتهم بطوع لا بإكراه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾. والجملة حال من ضمير ﴿يُدْعَوْنَ﴾، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ حال من مرفوع يدعون الثاني؛ أي: أصحاء في الدنيا معافون من العلل، سلمت أعضاؤهم ومفاصلهم من الآفات والعلل، متمكنون من الفعل وأداء السجدة وقبول الدعوة أقوى تمكن؛ أي: فلا يجيبون إليه، ويأبونه. وإنما ترك ذكره ثقة بظهوره. وفي الآية وعيد لمن ترك الصلاة المفروضة أو تخلف عن الجماعة المشروعة. قال رجل لرسول الله ﷺ : ادع الله أن يرزقني مرافقتك في الجنة، فقال: أعني بكثرة السجود. وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتهم التكبيرة الأولى مع الإِمام، وسبعة أيام إذا فاتهم الجماعة.
والمعنى (١): يدعون إلى السجود، وتكون أبصارهم خاشعة وتغشاهم ذلة في ذلك اليوم، وقد كانوا في الدنيا متكبرين متجبرين، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه في الدنيا ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾؛ أي: إنهم لمّا دعوا إلى السجود في الدنيا، فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامة أبدانهم عوقبوا في الآخرة بعدم قدرتهم عليه، فإذا تجلى الرب سجد له المؤمنون ولم يستطع أحد من الكافرين والمنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، فكلّما همّ السجود خرّ لقفاه بعكس السجود في الدنيا. وقال النخعي، والشعبيّ: المراد بالسجود الصلوات المفروضة. وقال آخرون: إنّ المراد جميع العبادات.
٤٤ - والفاء في قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حالهم في الدنيا والآخرة، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ذرني ومن يكذب .. إلخ. و ﴿مَنْ﴾ (٢) الموصولة في محل النصب على أنه معطوف على ضمير المتكلم أو على أنّه مفعول معه، وهو مرجوح
стр. 13880
لإمكان العطف من غير ضعف؛ أي: إذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرني؛ أي: دعني واتركني ومن يكذب بالقرآن وخلّ بيني وبينه، ولا تشغل قلبك بشأنه، وتوكل عليّ في الانتقام منه، فإنّي عالم بما يستحقه من العذاب، ويطيق له وكافيك أمره. يقال: ذرني وإيّاه يريدون كله إلى فإني أكفيك. قال في "فتح الرحمن": وعيد ولم يكن ثمّة مانع ولكنه كما تقول: دعني مع فلان؛ أي: سأعاقبه. والمراد بالحديث هنا القرآن؛ لأنَّ كلَّ كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث.
والمعنى (١): كِلْ أيها الرسول أمر هؤلاء المكذّبين بالقرآن إليَّ ولا تشغل قلبك بشأنهم، فأنا أكفيك أمرهم، وهذا كما يقول القائل لمن يتوعد رجلًا: دعني وإياه وخلّني واياه، وأنا أعلم بمساءته والانتقام منه، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ، وتهديد للمشركين، كما لا يخفى. والخلاصة: حسبك انتقامًا منهم أن تأكل أمرهم إليّ، وتخليَ بيني وبينهم.
ثم بين كيف يكون ذلك التعذيب المستفاد إجمالًا من الكلام السابق، فقال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: سنتنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة بالإحسان وإدامة الصحة وازدياد النعمة حتى نوقعهم فيه. فاستدراج (٢) الشخص إلى العذاب عبارة عن هذا الاستنزال والاستدناء، يقال: استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة درجة حتى يورطه فيه. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنّه استدراج، وهو الإنعام عليهم؛ لأنّهم يحسبونه إيثارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم في العاقبة. وهذه الجملة (٣) مستأنفة مسوقة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ والضمير عائد إلى ﴿مَنْ﴾ باعتبار معناها، والمعنى: سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنّهم يظنونه إنعامًا ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم، وينسيهم الشكر. وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه،
стр. 13881
وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج: ترك المعاجلة، وأصله: النقل من حال إلى حال.
وفي الحديث: "إذا رأيت الله ينعم على عبد، وهو مقيم على معصيته، فاعلم أنه مستدرج، وتلا هذه الآية. وقال أمير المؤمنين علي ﵁: "من وسع عليه دنياه، فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع من عقله". قال بعض أهل المعرفة من المكر الإلهي بالعبد أن يرزق العلم ويحرم العمل به أو يرزق العمل ويحرم الإخلاص فيه، فمن علم اتصافه بهذا من نفسه فليعلم أنه ممكور به، وأخفى ما يكون المكر الإلهي في المتأولين من أهل الاجتهاد وغيرهم، ومن يعتقد أن كل مجتهد مصيب يدعو الناس على بصيرة وعلم قطعي. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾.
٤٥ - ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين، فقال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أي: وأمهلهم بإطالة العمر، وتأخير الأجل ليزدادوا إثمًا وهم يزعمون أنّ ذلك لإرادة الخير بهم. ﴿إنَّ كَيْدِي﴾ بالإمهال المؤذي إلى العذاب ﴿مَتِينٌ﴾ أي: قويّ شديد لا يطاق، ولا يدفع بشيء.
والمعنى: أمهلهم وأؤخرهم وأنسىء في آجالهم ملاوة ومدة من الزمان على كفرهم، وتمردهم عليَّ لتتكامل حججي عليهم، وإنّ كيدي لأهل الكفر لقوي شديد. وسمى سبحانه إحسانه إليهم كيدًا. والكيد: ضرب من الاحتيال لكونه في صورته من قبل أنه تعالى يفعل بهم ما هو نفع لهم ظاهرًا، وهو يريد الضرر لما علم من حيث طويتهم، وسوء استمدادهم وتماديهم في الكفر وتدسيتهم أنفسهم بالآثام والمعاصي.
وفي "الصحيحين" عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.
وفي "الكشاف": سمي إحسانه وتمكينه لهم كيدًا كما سمّاه استدراجًا لكونه في صورة الكيد، حيث كان سببًا للتورط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوة أثر
стр. 13882
إحسانه في التسبب للهلاك. قال بعضهم: الكيد: إظهار النفع وإبطان الضر للمكيد. وفي "التعريفات": الكيد؛ إرادة مضرة الغير خفية. وهو من الخلق الحِيْلَةُ السيئة، ومن الله التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق من حيث لا يعرف.
قلت: والقول الأصح الأسلم الموافق لمذهب السلف. أن يقال في تعريف الكيد في حقه تعالى: إنه صفة ثابتة لله نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها بها مجازاة الخلق على أعمالهم السيئة في الدنيا.
٤٦ - ثم ذكر من الشبه ما ربما يكون هو المانع لهم عن قبول الحق فقال:
١ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ معطوف في المعنى على قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ أي: بل أتسأل أيها الرسول هؤلاء المكذبين لك ﴿أَجْرًا﴾؛ أي: ثوابًا دنيويًا وتلتمس منهم مكافأة على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله سبحانه. ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾؛ أي: من غرامة ذلك الأجر وحملها ﴿مُثْقَلُونَ﴾؛ أي: مكلّفون حملًا ثقيلًا فيعرضون عنك، أي: يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب. والاستفهام هنا كسابقه فيما مرّ للإنكار؛ أي: لا تسأل منهم ذلك فليس لهم عذر في إعراضهم وفرارهم منك. والمغرم مصدر ميميّ بمعنى الغرامة، والغرامة (١): هي ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه.
والمعنى: بل أتسأل أيها الرسول هؤلاء المشركين بالله على ما آتيتهم من النصيحة والدعوة إلى الحق أجرًا دنيويًا، فهم من غرم ذلك الأجر مثقلون بأدائه، فتحاموا لذلك قبول نصيحتك، وتجنّبوا لعظم ما أصابهم من الغرم الدخول في الدين الذي دعوتهم إليه.
وخلاصة ذلك: أن أمرهم لعجيب، فإنك لتدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم بل ترجو ثواب ذلك من ربك، وهم مع ذلك يكذبونك فيما جئتهم به من الحق جهلًا وعنادًا.
٢ - ٤٧ ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾؛ أي: اللوح المحفوظ، أو كل ما غاب عنهم ﴿فَهُمْ﴾ من ذلك الغيب ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدل على ما
стр. 13883
يقولون من التسوية بين المؤمن والكافر، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن الإجابة لك والامتثال لما تقوله.
٤٨ - ولما بالغ في تزييف طريق الكافرين، وزجرهم عمّا هم عليه أمر رسوله بالصبر على أذاهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها الرسول الكريم ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾؛ أي: لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه. قيل: والحكم هو إمهالهم وتأخير نصرته عليهم. وقيل: هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة. قيل: وهذا منسوخ بآية السيف كما مرَّ في أول السورة عن ابن حزم.
والمعنى: فاصبر على قضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين، وامض لما أمرك به ولا يثنك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم لك، وأذاهم إيّاك. روي: أنه ﷺ أراد أن يدعو على ثقيف لما آذوه حين عرض نفسه على القبائل بمكة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ أيها الرسول الكريم في التضجر والعجلة بعقوبة قومك ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يونس بن متّى ﵇؛ أي: مثله. ﴿إِذْ نَادَى﴾ صاحب الحوت داعيًا إلى الله في بطن الحوت بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَهُوَ مَكظُومٌ﴾؛ أي: مملوء غيظًا وغما، والجملة حال من فاعل ﴿نَادَى﴾، وعليها يدور النهي؛ لأنّها عبارة عن الضجرة والمغاضبة المذكورة صريحًا في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. لا على النداء، فإنه أمر مستحسن، ولذلك لم يذكر المنادى. و ﴿إِذْ﴾ منصوب بمضاف محذوف؛ أي: لا يكن حالك كحاله وقت ندائه، أي: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجرة والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، وهو التقام الحوت أو بنحو ذلك. قال قتادة: إنّ الله سبحانه يعزي نبيه ﷺ ، ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت. وقد تقدّم بيان قصته في سورة الأنبياء، ويونس والصافات.
ومعنى الآية (١): ولا تكن يا محمد كيونس بن متّى حين ذهب مغاضبًا لقومه، فكان من أمره ما كان من ركوب البحر، والتقام الحوت له، وشروده به في البحار، فنادى ربه في الظلمات من بطن الحوت، وهو مملوء غيظًا من قومه إذ لم يؤمنوا
стр. 13884
حين دعاهم إلى الإيمان" وجاء في الآية الأخرى ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
وقال بعضهم: المعنى (١): فاصبر لحكم ربك بسعادة من سعد وشقاوة من شقي ونجاة من نجا وهلاك من هلك، ولا تكن كصاحب الحوت في استيلاء صفات النفس عليه، وغلبة الطيش والغضب للاحتجاب عن حكم الرب حتى رد عن جناب القدس إلى مقر الطبع، فالتقمه حوت الطبيعة السفلية في مقام النفس، وابتلي بالاجتنان في بطن حوت الرحم انتهى.
٤٩ - ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ﴾؛ أي: ناله، وبلغه، ووصل إليه ﴿نِعْمَةٌ﴾؛ أي: رحمة كائنة ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ سبحانه، وهو توفيقه للتوبة وقبولها منه. وحسن تذكير الفعل للفصل بالضمير، و ﴿أن﴾ المصدرية مع الفعل في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره: ولولا تدارك نعمة من ربه حاصل ﴿لَنُبِذَ﴾؛ أي: طرح من بطن الحوت، فإن النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به. ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ أي: بالأرض الخالية من الأشجار. قال الراغب: العراء: مكان لا سترة به. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي مليم مطرود من الرحمة والكرامة، لكنّه رحم فنبذ غير مذموم بل سقيمًا من جهة الجسد. والجملة حال من مرفوع ﴿نبذ﴾ عليها يعتمد جواب ﴿لَوْلَا﴾؛ لأنها هي المنفية لا النبذ بالعراء، كما في الحال الأولى؛ لأنه نبذ غير مذموم بل محمود. ومليم من ألام الرجل بمعنى أتى ما يلام عليه، ودخل في اللوم. فإن قلت: فسر المذموم بالمليم وقد أثبته الله تعالى بقوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.
أجيب: عن ذلك التفسير: بأن الإلامة حين الالتقام لا تستلزم الإلامة حين النبذ، إذ التدارك نفاها، فالتفت على ما هو حكم لولا الامتناعية، كما أشير إليه في تصوير المعنى آنفًا.
والخلاصة: أي لولا أنْ تداركته نعمة الله بتوفيقه للتوبة وقبولها منه .. لطرح بالقضاء من بطن الحوت وهو مليم مطرود من الرحمة والكرامة.
وقرأ الجمهور: ﴿تَدَارَكَهُ﴾ فعلًا ماضيًا، ولم تلحقه علامة التأنيث لتحسين
стр. 13885
الفصل وقرأ أبي، وابن مسعود، وابن عباس ﴿تداركته﴾ بتاء التأنيث. وقرأ الحسن، وابن هرمز، والأعمش بتشديد الدال، والأصل: تتداركه بتاءين مضارعًا، فأدغم، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال الماضية.
٥٠ - وقوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ معطوف على مقدّر، أي: فتداركته نعمة ورحمة من ربه، فاصطفاه وجمعه إليه، وقرّبه بالتوبة عليه بأن رد إليه الوحي، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون. يقال: جببت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له جابية، والاجتباء: الجمع على طرق الاصطفاء. وقيل: معناه: استنبأه إن صح أنه لم يكن نبيًّا قبل هذه الواقعة، ومن أنكر الكرامات والإرهاص لا بد أن يختار القول الأول؛ لأنّ احتباسه في بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكن إرهاصًا ولا كرامة لا بد أن يكون معجزة، وذلك يقتضي أن يكون رسولًا قبل هذه الواقعة؛ أي: استخلصه واصطفاه واختاره للنبوة. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي؛ من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل فعلًا يكون تركه أولى. وقيل: رد إليه النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون كما تقدم. رُوي: أنها نزلت بأحد حين همَّ رسول الله ﷺ أن يدعو على المنهزمين، فتكون الآية مدنية. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف، كما مرّ. ودلت الآية على فضيلة الصبر، وعلى أن ترك الأولى يصدر من الأنبياء ﵈، وإلا لما كان يونس ﵇ مليمًا، وعلى أن الندم على ما فرط من العبد والتضرع إلى الله لذلك من وسائل الإكرام، وعلى أن توفيق الله نعمة باطنة منه، وعلى أن الصلاح درجة عالية لا ينالها إلا أهل الاجتباء، وعلى أن فعل العبد مخلوق لله لدلالة قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وعلى أن الصلاح إنما يكون بجعل الله وخلقه، وإن كان للعبد مدخل فيه بسبب الكسب بصرف إرادته الجزئية خلافًا للمعتزلة.
٥١ - ثم بين سبحانه بالغ عداوتهم له ﷺ ، فذكر أنها سرت من القلب إلى النظر، فقال: ﴿وَإِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واللام دليل عليها؛ أي: وإن الشأن والحال ﴿يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من كفّار مكة؛ أي: يقرب الذين كفروا ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ وينظرونك ﴿بِأَبْصَارِهِمْ﴾ نظرًا شديدًا بمؤخر العين لشدة عداوتهم وبغضهم إياك، بحيث يصيبونك بعيونهم ويصرعونك على الأرض كالمغمى عليه. وقيل: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ ليأخذونك بالعين.
стр. 13886
وقرأ الجمهور: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء من أزلقه إذا أزل رجله. وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من: زلق عن موضعه إذا تنحى. وقرأ ابن مسعود وابن عباس، والأعمش، وعيسى، ومجاهد، وأبو وائل ﴿ليزهقونك﴾. أي: يهلكونك بأبصارهم، ذكره في البحر.
وذلك (١) أن الكفار أرادوا أن يصيبوا النبي ﷺ بالعين، فنظرت قريش إليه وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. والمعنى: وإن يكاد الذين كفروا ليصيبونك بعيونهم عند سماع القرآن منك كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه لشدّة حسدهم وبغضهم إياك. وروي: أنّه كان في بني أسد عيّانون، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله ﷺ فعصمه الله، وأنزل عليه هذه الآية. قيل: كانت العين في بني أسد حتى إن كانت الناقة، أو البقرة لتمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول لجاريته: خذي المكتل والدراهم فائتنا بلحم من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر. وقيل: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل، فيقول: لم أر كاليوم إبلًا ولا غنمًا أحسن من هذه، فما تذهب إلا قليلًا حتى يسقط ما عناه، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل به مثل ذلك، فعصم الله نبيه ﷺ ، وأنزل ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. قال ابن عباس ﵄: معناه: ينفذونك ويطعنونك بأبصارهم لشدّة بغضهم إيّاك. وقيل: يصرعونك بأبصارهم على الأرض كالمغمى عليه. وقيل: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة.
وإنما أراد سبحانه أنهم ينظرون إليك إذا قرأت نظرًا شديدًا بالعداوة والبغض يكاد يسقطك على الأرض، ومنه: قولهم: نظر إليَّ نظرًا: يكاد يصرعني أو يكاد يهلكني، يدل على صحة هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن، وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ لأنهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة، ويحدون النظر إليه بالبغضاء. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: يقول بعضهم لبعض: إذا سمعوه يقرأ القرآن: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن محمدًا ﷺ ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ حيرةً في أمره وتنفيرًا للناس منه.
أي: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ (٢) لغاية حيرتهم في أمره ﷺ ونهاية جهلهم بما في القرآن من
стр. 13887
بدائع العلوم، لتنفير الناس منه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم: ﴿إِنَّهُ﴾ ﷺ ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ أي: مصابٌ بريح من الجن. والظاهر أنه مثل قولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أي: يأتيه رئي من الجن فيعلمه.
٥٢ - ولما كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه ﷺ .. رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع برهانه، فقال: ﴿وَمَا هُوَ﴾؛ أي: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ من الجن والإنس. والجملة حالى من فاعل ﴿يقولون﴾، مفيدة (١) لغاية بطلان قولهم، وتعجيب للسامعين من جراءتهم على التفوّه بتلك الجريمة العظيمة؛ أي: يقولون ذلك، والحال أنَّ القرآن ذكر للعالمين من الثقلين؛ أي: تذكير وعظة لهم، وبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، فأين من أنزل عليه ذلك، وهو مطلع على أسراره طرًّا؟ ومحيط بجميع حقائقه خبرًا مما قالوا في حقه من الجنون؛ أي: إن هذا القرآن من أولى الأمور الدالة على كمال عقله وعلو شأنه، فمن نسب إليه القصور فإنما هو من جهله وجنته، فإن الفضل لا يعرفه إلا ذووه.
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيْحَةٌ ... فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ
وقيل معناه: وما هو إلا فضل وشرف للعالمين لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. وقيل: الضمير لرسول الله ﷺ وكونه ذكرًا وشرفًا للعالمين لا ريب فيه. وفيه إشارة إلى سادات أمته وأركان دينه.
خاتمة
وعن الحسن البصريّ قال: دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية. وفي "الأسرار المحمدية" قيل: إنَّ في هذه الآية خاصية لدفع العين حملا وغسلًا وشربًا انتهى. وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حقّ"، زاد البخاري و"نهى عن الوشم". وأخرج مسلم عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".
وعن عبيد الله بن رفاعة الزرقي ﵁: أنّ أسماء بنت عميس كانت
стр. 13888
تقول: يا رسول الله إنّ ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" أخرجه الترمذي؛ أي: "لو كان شيء مهلكًا أو مضرًا بغير قضاء الله وقدره .. لكان العين" أي: إصابتها لشدة ضررها. ومعنى "العين حقّ" أي: أثرها في المعين واقع، ولما كان ظهور القضاء بعد العين .. أضيف ذلك إليها.
وقد صح من عدة طرق حديث: "أنّ العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر". وروى أحمد عن أبي ذرّ مرفوعًا: "أن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالفًا ثم يتردى منه".
والأحاديث في هذه الباب كثيرة، وسرُّ هذا أنَّ من خصائص بعض النفوس أن تؤثر في غيرها بوساطة العين لما فيها من كهربية خاصة يكون بها تأثير فيما تنظر إليه، والله يختص ما شاء بما شاء، وشبيه بهذا تأثير بعض النفوس في بعض بوساطة التنويم المغناطيسي الذي أصبح الآن فنًّا له أساليب علمية لا يمكن إنكارها.
ولا تختص العين بالإنس بل تكون في الجن أيضًا. وقيل: عيونهم أنفذ من أسنة الرماح. وعن أمّ سلمة ﵂: أنَّ النبي ﷺ رأى في بيتها جارية تشتكي وفي وجهها صفرة، فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة" وأراد بها العين "أصابتها من الجن". وورد في الرقية عنها أحاديث منها: حديث أم سلمة هذا.
ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في أوّل النهار، فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فوجدته معافى فقال: إن جبريل أتاني فرقاني، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد، الله يشفيك، قال النبي ﷺ فأفقت. والرقية مصدر رقاهُ الراقي رقيا ورقية إذا عوذه ونفث في عوذته، فالرقية القراءة على المريض، وينفث عليه. وإنما تكره الرقية إذا كانت بغير لسان العرب، ولا يدرى ما هو ولعله يدخله سحر أو كفر. وأما ما كان بآي من القرآن، أو بشيء من الدعوات والأذكار، وأسماء الله تعالى فلا بأس به، كما في حديث عبادة بن الصامت.
ويجوز التعوذ والتحصن منها، فقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، فيقول: أعوذ بكلمات الله التامة من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة، ويقول:
стр. 13889
هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق ﵈. ويجوز الاحتراز منها، فقد كان يعقوب ﵇ خاف على أولاده من العين، لأنهم كانوا أعطوا جمالًا وقوةً وامتداد قامة، وكانوا ولد رجل واحد، فقال: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. فأمرهم أن يتفرقوا في دخولها لئلا يصابوا بالعين.
ومما يدفع العين ما روي: أن عثمان بن عفان ﵁ رأى صبيًّا مليحًا فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين؛ أي: سودوا نقرة ذقنه. قالوا: ومن هذا القبيل نصب عظام الرؤوس في المزارع والكروم، ووجهه أن النظر الشؤم يقع عليها أوَّلًا فتكسر سورته فلا يظهر أثره.
ومن الشفاء من العين: أن يقرأ على ماء في إناء نظيف قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، والفاتحة، وآية الكرسي، وست آيات الشفاء، وهي: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. ويسقى المريض من ذلك الماء، ويغسل به.
ومن الشفاء: أن يؤمر العائن فيغتسل، أو يتوضأ بماء ثم يغتسل به المعين، كما ورد به الحديث.
قيل وجه إصابة العين: أن الناظر إذا نظر إلى شيء واستحسنه، ولم يرجع إلى الله، وإلى رؤية صنعه قد يحدث الله سبحانه في المنظور علة بجناية نظره على غفلة ابتلاء لعباده، ليقول المخق؛ إنه من الله وغيره من غيره، فيؤاخذ الناظر لكونه سببها.
ووجَّهها بعضهم (١): بأن العائن قد ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، كما قيل ذلك في بعض الحيّات، وبه يحصل الجواب عمن أنكر إصابة العين، كبعض المعتزلة وقال: إنها لا حقيقة لها؛ لأن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة ولا مماسة هنا، فامتنع حصول التأثير انتهى.
وفائدة الرقي: أن الروح إذا تكيفت به، وقويت واستعانت بالنفث والتفل
стр. 13890
قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة والخواص الفاسدة فأزالته.
والحاصل: أن الرقية بما ليس بشرك مشروعة، لكن التحرز من العين لازم، وأنه واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك ويقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، ومن عرف بإصابة العين منع مداخلة الناس دفعًا لضرره. وفي هذا المقام مباحث كثيرة نافعة جدًا من المسائل الفقهية والطبية ضربنا عنها صفحًا خوفًا من الإطالة.
الإعراب
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾.
﴿ن﴾: تقدم غير مرّة أنّ الأصح الأسلم في الحروف المقطعة في أوائل السور أنها من المشتبهات التي استأثر الله سبحانه بعلمها، فليس معناها معلومًا لنا، فإذًا لا إعراب لها؛ لأن الإعراب فرع عن إدراك المعنى. ﴿وَالْقَلَمِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم، ﴿القلم﴾ مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بالقلم. وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًّا، أقسم تعالى به تعظيمًا لشأنه. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية، معطوفة على ﴿القلم﴾، وجملة ﴿يَسْطُرُونَ﴾ صلة للموصول الاسميّ، والعائد محذوف؛ أي: وما يسطرونه، والتقدير: أقسم بالقلم أوّلًا، ثم بمسطور الملائكة. أو صلة للموصول الحرفيّ، والتقدير: أقسم بالقلم، ثم بسطر الملائكة، فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء: نفي الجنون عنه، وثبوت الأجر له، وكونه على الملة الحنيفية السمحاء. ﴿مَا﴾ نافية حجازية، ﴿أَنْتَ﴾ اسمها، ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمعنى النفي المدلول عليه بـ ﴿ما﴾، والباء سببية، ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ خبر ﴿ما﴾ الحجازية، والباء زائدة في خبرها، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والمعنى: انتفى عنك الجنون بسب إنعام ربّك عليك بالنبوة. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنَّ﴾ حوف نصب ﴿لَكَ﴾ خبرها مقدم، ﴿لَأَجْرًا﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿أجرا﴾ اسمها مؤخر، ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ صفة ﴿أجرًا﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿مَا﴾ الحجازية على كونها جواب القسم.
стр. 13891
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾.
﴿وَإِنَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَعَلَى خُلُقٍ﴾ جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، واللام: حرف ابتداء، ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة ﴿خُلُقٍ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة أيضًا على جملة ﴿ما﴾ الحجازية على كونها جواب القسم. ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ الفاء: استئنافية والسين حرف استقبال، ﴿تبصر﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿وَيُبْصِرُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾. ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ اختلف المعربون في إعرابه اختلافًا كثيرًا، ونورد أرجح الأقوال منها، وهي أربعة:
الأوّل: أنّ الباء مزيدة في المبتدأ، و ﴿الْمَفْتُونُ﴾ خبره، والتقدير: أيّكم المفتون. فزيدت الباء كزيادتها في نحو: بحسبك درهم.
والثاني: أنّ الباء بمعنى في الظرفية، وهي مع مجرورها خبر مقدم، ﴿الْمَفْتُونُ﴾ مبتدأ مؤخّر نظير قولك: زيد بالبصرة؛ أي: فيها. والمعنى أي: في أيّ فرقة وطائفة منكم المفتون.
والثالث: أنّه على حذف مضاف؛ أي: بأيّكم فتن المفتون، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتكون الباء سببية.
والرابع: أنَّ المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير: بأيّكم الفتون. والجملة على كل التقادير في محل النصب معمولة لما قبلها؛ لأنه معلق عنها باسم الاستفهام.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿بِمَن﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ وجملة ﴿ضَلَّ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ متعلق بضل، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع معطوفة على ما قبلها على كونها خبر لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من علم الله بحال كل من الفريقين، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: لا
стр. 13892
تطع. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تُطِعِ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمّد مجزوم بلا الناهية، ﴿المُكَذِبِينَ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَدُّوا﴾ فعل ماض، والواو: فاعل، ﴿لَوْ﴾ مصدرية، ﴿تُدْهِنُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة صلة لـ ﴿لو﴾ المصدرية، ﴿لو﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ودّوا إدهانك معهم. ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والفاء: عاطفة سببية، والجملة معطوفة على صلة ﴿لو﴾ المصدرية، والتقدير: تمنوا إدهانك معهم فدهانهم معك. فالمتمنى شيئان، ثانيهما متسبب عن الأوّل. وجملة ﴿ودوا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة على كونها معلّلة لجملة النهي قبلها.
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.
﴿وَلَا تُطِعْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية، ﴿تُطِعْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾. ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿مَهِينٍ﴾ صفة أولى لـ ﴿حَلَّافٍ﴾ ﴿هَمَّازٍ﴾ صفة ثانية له، ﴿مَشَّاءٍ﴾ ثالثة، ﴿بِنَمِيمٍ﴾ متعلق بـ ﴿مَشَّاءٍ﴾، ﴿مَنَّاعٍ﴾ رابعة، ﴿لِلْخَيْرِ﴾ متعلق بـ ﴿مَنَّاعٍ﴾، ﴿مُعْتَدٍ﴾ خامسة، ﴿أَثِيمٍ﴾ سادسة، ﴿عُتُلٍّ﴾ سابعة، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿زَنِيمٍ﴾، و ﴿زَنِيمٍ﴾ صفة ثامنة، وهذه البعدية في الرتبة؛ أي: هذا الوصف، وهو زنيم متأخر في الرتبة والشناعة عن الصفات السابقة. فـ ﴿بَعْدَ﴾ هنا كـ ثمّ التي للترتيب والتراخي في الرتبة، كما مرّ. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص في محل النصب بـ ﴿أنْ﴾، واسمها ضمير يعود على كلّ حلاف، ﴿ذَا مَالٍ﴾ خبرها، ﴿وَبَنِينَ﴾ معطوف على مال، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: لكونه ذا مال وبنين. قال الزمخشري: الجار والمجرور متعلقّ بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾: أي: لا تطعه مع هذه المثالب لكونه ذا مال وبنين. وقيل: متعلق بما دل عليه إذا تتلى؛ أي: كذّب بآياتنا لكونه ذا مال وبنين، ولا يصحُّ أن يكون معمولًا لـ ﴿قال﴾ الذي هو جواب الشرط؛ لأنَّ ما بعد أداة الشرط لا يعمل
стр. 13893
فيما قبلها، ولا أن يكون معمولًا لفعل الشرط؛ لأنّ إذا تضاف للجملة بعدها، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿تُتْلَى﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿آيَاتُنَا﴾ نائب فاعل لـ ﴿تُتْلَى﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونه فِعْلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الخلاف، وجملة قال جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أساطير الأوّلين، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿سَنَسِمُهُ﴾ السين حرف استقبال، ﴿نسمه﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ متعلق بـ ﴿سَنَسِمُهُ﴾.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾.
﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والهاء: عائد إلى أهل مكة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه، و ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، وجملة ﴿ما﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: إنا بلوناهم بلاء كائنًا كبلائنا أصحاب الجنة. ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مجرّد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿بلونا﴾ الثاني، ﴿أَقْسَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ اللام موطئة للقسم ﴿يصرمن﴾ فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، أصله: ليصرموننها، والهاء مفعول به، ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يصرمنها﴾، وهو اسم فاعل من أصبح التامة بمعنى دخل في الصباح، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية أو استئنافية، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَسْتَثْنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل أقسموا أو مستأنفة، أي: لا يستثنون في أيمانهم. ويضعف كون الواو حالية من حيث إن المضارع المنفيّ بـ ﴿لا﴾ كالمثبت في عدم في خول الواو عليه، وإلا فبإضمار مبتدأ قبله حتى تكون الجملة اسمية.
стр. 13894
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾.
﴿فَطَافَ﴾ الفاء عاطفة، ﴿طاف﴾ فعل ماض، ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بطاف، ﴿طَائِفٌ﴾ فاعل، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ صفة لطائف، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْسَمُوا﴾. ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير عليها على تقدير صاحب الحال؛ أي: على جنتهم. ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾ الفاء عاطفة، ﴿أصبحت﴾ فعل ناقص، واسمها ضمير يعود على الجنة، تقديره: هي. ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿طاف﴾. ﴿فَتَنَادَوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تنادوا﴾ فعل ماض وفاعل، ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تنادوا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْسَمُوا﴾، ﴿أَنِ﴾ مفسرة؛ لأنّها مسبوقة بما فيه معنى القول دون حروفه، ويجوز أن تكون مصدرية، فتكون هي ومدخولها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والجار المقدر متعلق بـ ﴿تنادوا﴾، أي: تنادوا بالغدوّ ﴿اغْدُوا﴾ فعل أمر، ﴿والواو﴾: فاعل، ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ متعلق به، الجملة مفسرة لـ ﴿تنادواو﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنُتم﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، ﴿صَارِمِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم صارمين فاغدوا على حرثكم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿تنادوا﴾، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿انطلقوا﴾، ﴿أَن﴾ مفسّرة أو مصدرية ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَدْخُلَنَّهَا﴾ ﴿يدخلن﴾ فعل مضارع في محل الرفع، أو في محل النصب مبنيّ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والهاء: مفعول به على السعة، و ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يدخلن﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به أيضًا، ﴿مِسْكِينٌ﴾ فاعل، والجملة مفسرة لـ ﴿تنادوا﴾ أيضًا، لا محل لها من الإعراب. أو في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: فتنادوا بأن لا يدخلنها عليكم مسكين، أي: بعدم دخول مسكين فيها عليكم. ﴿وَغَدَوْا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿انطلقوا﴾، ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ متعلق بـ ﴿قَادِريِنَ﴾، و ﴿قَادِريِنَ﴾ حال من فاعل ﴿غدوا﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)
стр. 13895
قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لما﴾ اسم شرط غير جازم، في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان ﴿رَأَوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به والجملة فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾، في محل جر بالإضافة والرؤية هنا بصرية، ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل جواب لمّا، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لمّا﴾ معطوفة على جملة ﴿غدوا﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَضَالُّونَ﴾ خبره، واللام: حرف ابتداء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب، ﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريريّ، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿أَقُل﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على المتكلم مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلّا، ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: تسبّحون الله. والجملة في محل النصب مقول ﴿أَقُلْ﴾، وإن شئت قلت: مقول محكيّ لـ ﴿أَقُلْ﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿سُبْحَانَ﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا تقديره: نسبّح ربّنا تسبيحًا، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، و ﴿رَبِّنَا﴾ مضاف إليه، ﴿إنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿ظَالِمِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
﴿فَأَقْبَلَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أقبل بعضهم﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالُوا﴾، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿أقبل﴾، وجملة ﴿يَتَلَاوَمُونَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿أقبل﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء ﴿ويلنا﴾ منادى مضاف والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كُنَّا طَاغِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿عَسَى﴾ فعل ماض ناقص من أفعال الرجاء، و ﴿رَبُّنَا﴾ اسمها، ﴿أَن﴾ حرف نصبـ ﴿يُبْدِلَنَا﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، و ﴿نا﴾ مفعول أوّل، وفاعله ضمير يعود على الربّ سبحانه، ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثان، ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ
стр. 13896
﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لعسى، ولكنّه في تأويل اسم الفاعل؛ أي: عسى ربنا إبدالنا؛ أي: مبدلًا إيّانا خيرًا منها. وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل النصب مقول قالوا، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿إِلَى رَبِّنَا﴾ متعلق بـ ﴿رَاغِبُونَ﴾، و ﴿رَاغِبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول قالوا على كونها معلّلة لما قبلها. ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر مقدم، ﴿الْعَذَابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام حرف ابتداء، ﴿عذاب الآخرة﴾ مبتدأ، ﴿أَكبر﴾ خبر، والجملة مستأنفة أيضًا. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يعَلَمُونَ﴾ خبره، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: لو كانوا يعلمون أنّه أكبر لما فرط منهم ما سلف من ظلم وإحجام عن الاستثناء، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خبرها مقدم، ﴿عِندَ رَبِهِمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من جنات أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخّر ومضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان ما أعدّ الله للمتقين يوم القيامة. ﴿أَفَنَجْعَلُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالمجرمين، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿نجعل﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على تلك المحذوفة، ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ مفعول أوّل، ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ في موضع المفعول الثاني، وهذا أوّل توبيخ وتقريع للكافرين، ستأتي بعده ستة توبيخات أخرى. وقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ هو التقريع الثاني. ﴿مَا﴾ اسم استفهام، مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبر، والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تَحْكُمُونَ﴾، و ﴿تَحْكُمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب على الحال من ضمير ﴿لَكُمْ﴾، وهذا هو التقريع الثالث. ﴿أَم﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابيّة وهمزة الإنكار، وهذا هو التقريع الرابع، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿تَدْرُسُونَ﴾ فعل
стр. 13897
وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿لكم﴾ أو مستأنفة.
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب قائم مقام ﴿أنّ﴾ المفتوحة في كونه معمولًا لما قبله، ولكن كسرت همزته لمكان اللام بعدها، ﴿لَكُمْ﴾ خبرها مقدم، ﴿فِيهِ﴾ حال من ما الموصولة المذكورة بعده، ﴿لَمَا﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب اسمها مؤخر، وجملة ﴿تَخَيَّرُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾، علق عنها باللام؛ لأنها هي المدروسة. ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ هذا هو التقريع الخامس، ﴿أَم﴾ منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿أَيْمَانٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَلَيْنَا﴾ صفة أولى لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾، ﴿بَالِغَةٌ﴾ صفة ثانية، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أعني: ﴿لَكُمْ﴾ أو بـ ﴿بَالِغَةٌ﴾؛ أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وفي قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ ...﴾ إلخ، معنى القسم كأنه قيل: أقسمنا لكم أيمانًا موثقة، وجملة قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جواب القسم الملحوظ، فلا محل لها من الإعراب، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لَكُمْ﴾ خبرها مقدم، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿مَا﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخّر، وجملة ﴿تَحْكُمُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿سَلْهُمْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول أوّل، والجملة مستأنفة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، ﴿بِذَلِكَ﴾ متعلق بزعيم، و ﴿زَعِيم﴾ خبر ﴿أَيُّهُمْ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾؛ لأنّها تنصب مفعولين، علّقت عن العمل في لفظه بالاستفهام الذي هو التقريع السادس.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ هذا هو التقريع السابع، ﴿أم﴾ منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿شُرَكَاءُ﴾ مبتدأ مؤخّر، وهذه الجملة معطوفة في المعنى على جملة ﴿أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر كذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لهم .. فأقول لك: ﴿ليأتوا بشركائهم﴾. واللام لام الأمر، ﴿يأتوا﴾ فعل مضارع، مجزوم بلام
стр. 13898
الأمر، والواو: فاعل، ﴿بِشُرَكَائِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يأتوا﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كَانُوا صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه، وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: إن كانوا صادقين فليأتوا بشركائهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ اذكر مقدّرًا؛ أي: واذكر لهم أهوال يوم يكشف عن ساق، أو متعلق بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾، ﴿يُكْشَفُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ نائب فاعل له، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، ﴿وَيُدْعَونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يدعون﴾ فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿يُكْشَفُ﴾، ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ متعلق بـ ﴿يدعون﴾، ﴿فَلَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يدعون﴾، ﴿خَاشِعَةً﴾ حال من ضمير ﴿يدعون﴾، ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ فاعل ﴿خَاشِعَةً﴾، ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول به، ﴿ذِلَّةٌ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب حال ثانية من ﴿واو﴾ ﴿يُدْعَوْنَ﴾، ﴿وَقَد﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُدْعَوْنَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾ في محل النصب حال ثالثة من ﴿واو﴾ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ الأوّل، ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ متعلق بـ ﴿يدعون﴾، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم سالمون﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ﴿واو﴾ ﴿يدعون﴾ الثاني.
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾.
﴿فَذَرْنِي﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كانت أحوالهم كذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ذرني. وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿ذرني﴾ فعل أمر، ونون وقاية، ومفعول به، وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، معطوف على الياء، أو في محل النصب مفعول معه، والأوّل أرجح كما مرّ. ﴿يُكَذِّبُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر والجملة صلة الموصول، ﴿بِهَذَا﴾ متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، ﴿الْحَدِيثِ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ السين حرف استقبال، ﴿نستدرجهم﴾ فعل مضارع وفاعل
стр. 13899
مستتر ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الأمر السابق إجمالًا، والضمير لـ ﴿مَن﴾، والجمع باعتبار معناها كما أنَّ الإفراد في ﴿يُكَذِّبُ﴾ باعتبار لفظها، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الجر بإضافة الظرف إليه، ﴿وَأُمْلِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أملي﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿كَيْدِي﴾ اسمها، ﴿مَتِينٌ﴾ خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾.
﴿أَمْ﴾ حرف عطف بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة معطوفة من حيث المعنى على قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾. ﴿فَهُم﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وسبب، ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿مِنْ مَغْرَمٍ﴾ متعلق بـ ﴿مثقَلُونَ﴾، و ﴿مُثْقَلُونَ﴾ خبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها مسبّبة عنها. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿عِندَهُمُ﴾ خبر مقدم، ﴿الْغَيْبُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَكْتُبُونَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: اصبر. ﴿اصبر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اصبر﴾ ومضاف إليه، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمد، ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿تكن﴾، وجملة ﴿تكن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اصبر﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمضاف محذوف تقديره؛ أي: ولا يكن حالك كحال يونس إذ نادى، وقصتك كقصته في وقت ندائه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضمير والمغاضبة فتبتلى ببلائِهِ. ﴿نَادَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هو مكظوم﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نادى﴾.
стр. 13900
﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾.
﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود مضمّن معنى الشرط، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿تَدَارَكَهُ﴾ فعل ماض، ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿نِعْمَةٌ﴾ فاعل، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ صفة لنعمة، وذكر الفعل لأنَّ تأنيث النعمة غير حقيقي. والجملة الفعليّة مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ خبره محذوف وجوبًا تقديره: لولا تدارك نعمة من ربّه موجود ﴿لَنُبِذ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿نبذ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿يونس﴾، ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ متعلق بـ ﴿نبذ﴾. أي: بالأرض الفضاء الجرداء، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ مستأنفة. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هُوَ مَذْمُومٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مرفوع ﴿نبذ﴾.
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.
﴿فَاجْتَبَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على مقدر معلوم من السياق تقديره: فأدركته نعمة من ربه فاجتباه. ﴿اجتبى﴾ فعل ماض، والهاء: مفعول به، ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿جعله﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أوّل، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في موضع المفعول الثاني، والجملة معطوفة على جملة ﴿اجتباه﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وإنّه، ﴿يَكَادُ﴾ فعل مضارع من أفعال المقاربة، ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لَيُزْلقُونَكَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿يزلقونك﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، ﴿والواو﴾: فاعل، الكاف: مفعول به، ﴿بِأَبْصَارِهِمْ﴾ متعلق به، وجملة ﴿يزلقونك﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة. ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿يزلقونك﴾ ﴿سَمِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿الذِّكْر﴾ مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾، أو ﴿لَمَّا﴾ شرطية وجوابها محذوف تقديره: لمّا سمعوا الذكر كادوا يزلقونك، والأوّل أولى بل هو المتعين من حيث المعنى. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ فعل،