﴿خَيْرًا﴾، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لعسى، ولكنّه في تأويل اسم الفاعل؛ أي: عسى ربنا إبدالنا؛ أي: مبدلًا إيّانا خيرًا منها. وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل النصب مقول قالوا، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿إِلَى رَبِّنَا﴾ متعلق بـ ﴿رَاغِبُونَ﴾، و ﴿رَاغِبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول قالوا على كونها معلّلة لما قبلها. ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر مقدم، ﴿الْعَذَابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام حرف ابتداء، ﴿عذاب الآخرة﴾ مبتدأ، ﴿أَكبر﴾ خبر، والجملة مستأنفة أيضًا. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يعَلَمُونَ﴾ خبره، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: لو كانوا يعلمون أنّه أكبر لما فرط منهم ما سلف من ظلم وإحجام عن الاستثناء، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خبرها مقدم، ﴿عِندَ رَبِهِمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من جنات أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخّر ومضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان ما أعدّ الله للمتقين يوم القيامة. ﴿أَفَنَجْعَلُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالمجرمين، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿نجعل﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على تلك المحذوفة، ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ مفعول أوّل، ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ في موضع المفعول الثاني، وهذا أوّل توبيخ وتقريع للكافرين، ستأتي بعده ستة توبيخات أخرى. وقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ هو التقريع الثاني. ﴿مَا﴾ اسم استفهام، مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبر، والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تَحْكُمُونَ﴾، و ﴿تَحْكُمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب على الحال من ضمير ﴿لَكُمْ﴾، وهذا هو التقريع الثالث. ﴿أَم﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابيّة وهمزة الإنكار، وهذا هو التقريع الرابع، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿تَدْرُسُونَ﴾ فعل
стр. 13897
وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿لكم﴾ أو مستأنفة.
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب قائم مقام ﴿أنّ﴾ المفتوحة في كونه معمولًا لما قبله، ولكن كسرت همزته لمكان اللام بعدها، ﴿لَكُمْ﴾ خبرها مقدم، ﴿فِيهِ﴾ حال من ما الموصولة المذكورة بعده، ﴿لَمَا﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب اسمها مؤخر، وجملة ﴿تَخَيَّرُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾، علق عنها باللام؛ لأنها هي المدروسة. ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ هذا هو التقريع الخامس، ﴿أَم﴾ منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿أَيْمَانٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿عَلَيْنَا﴾ صفة أولى لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾، ﴿بَالِغَةٌ﴾ صفة ثانية، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أعني: ﴿لَكُمْ﴾ أو بـ ﴿بَالِغَةٌ﴾؛ أي: تبلغ إلى ذلك اليوم، وتنتهي إليه. وفي قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ ...﴾ إلخ، معنى القسم كأنه قيل: أقسمنا لكم أيمانًا موثقة، وجملة قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جواب القسم الملحوظ، فلا محل لها من الإعراب، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لَكُمْ﴾ خبرها مقدم، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿مَا﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخّر، وجملة ﴿تَحْكُمُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿سَلْهُمْ﴾ فعل أمر، وفاعل مستتر، ومفعول أوّل، والجملة مستأنفة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، ﴿بِذَلِكَ﴾ متعلق بزعيم، و ﴿زَعِيم﴾ خبر ﴿أَيُّهُمْ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾؛ لأنّها تنصب مفعولين، علّقت عن العمل في لفظه بالاستفهام الذي هو التقريع السادس.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ هذا هو التقريع السابع، ﴿أم﴾ منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿شُرَكَاءُ﴾ مبتدأ مؤخّر، وهذه الجملة معطوفة في المعنى على جملة ﴿أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾. ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر كذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لهم .. فأقول لك: ﴿ليأتوا بشركائهم﴾. واللام لام الأمر، ﴿يأتوا﴾ فعل مضارع، مجزوم بلام
стр. 13898
الأمر، والواو: فاعل، ﴿بِشُرَكَائِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يأتوا﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كَانُوا صَادِقِينَ﴾ فعل ناقص واسمه، وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: إن كانوا صادقين فليأتوا بشركائهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ اذكر مقدّرًا؛ أي: واذكر لهم أهوال يوم يكشف عن ساق، أو متعلق بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾، ﴿يُكْشَفُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ نائب فاعل له، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، ﴿وَيُدْعَونَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يدعون﴾ فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿يُكْشَفُ﴾، ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ متعلق بـ ﴿يدعون﴾، ﴿فَلَا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يدعون﴾، ﴿خَاشِعَةً﴾ حال من ضمير ﴿يدعون﴾، ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ فاعل ﴿خَاشِعَةً﴾، ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول به، ﴿ذِلَّةٌ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب حال ثانية من ﴿واو﴾ ﴿يُدْعَوْنَ﴾، ﴿وَقَد﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُدْعَوْنَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾ في محل النصب حال ثالثة من ﴿واو﴾ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ الأوّل، ﴿إِلَى السُّجُودِ﴾ متعلق بـ ﴿يدعون﴾، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم سالمون﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ﴿واو﴾ ﴿يدعون﴾ الثاني.
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾.
﴿فَذَرْنِي﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كانت أحوالهم كذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ذرني. وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿ذرني﴾ فعل أمر، ونون وقاية، ومفعول به، وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، معطوف على الياء، أو في محل النصب مفعول معه، والأوّل أرجح كما مرّ. ﴿يُكَذِّبُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر والجملة صلة الموصول، ﴿بِهَذَا﴾ متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، ﴿الْحَدِيثِ﴾ بدل من اسم الإشارة. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ السين حرف استقبال، ﴿نستدرجهم﴾ فعل مضارع وفاعل
стр. 13899
مستتر ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية التعذيب المستفاد من الأمر السابق إجمالًا، والضمير لـ ﴿مَن﴾، والجمع باعتبار معناها كما أنَّ الإفراد في ﴿يُكَذِّبُ﴾ باعتبار لفظها، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الجر بإضافة الظرف إليه، ﴿وَأُمْلِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أملي﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿كَيْدِي﴾ اسمها، ﴿مَتِينٌ﴾ خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾.
﴿أَمْ﴾ حرف عطف بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر، ومفعولان، والجملة معطوفة من حيث المعنى على قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾. ﴿فَهُم﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وسبب، ﴿هم﴾ مبتدأ، ﴿مِنْ مَغْرَمٍ﴾ متعلق بـ ﴿مثقَلُونَ﴾، و ﴿مُثْقَلُونَ﴾ خبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها مسبّبة عنها. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف بمعنى بل وهمزة الاستفهام، ﴿عِندَهُمُ﴾ خبر مقدم، ﴿الْغَيْبُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَكْتُبُونَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: اصبر. ﴿اصبر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اصبر﴾ ومضاف إليه، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمد، ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر ﴿تكن﴾، وجملة ﴿تكن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اصبر﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمضاف محذوف تقديره؛ أي: ولا يكن حالك كحال يونس إذ نادى، وقصتك كقصته في وقت ندائه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضمير والمغاضبة فتبتلى ببلائِهِ. ﴿نَادَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هو مكظوم﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نادى﴾.
стр. 13900
﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾.
﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود مضمّن معنى الشرط، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿تَدَارَكَهُ﴾ فعل ماض، ومفعول به في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿نِعْمَةٌ﴾ فاعل، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ صفة لنعمة، وذكر الفعل لأنَّ تأنيث النعمة غير حقيقي. والجملة الفعليّة مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ خبره محذوف وجوبًا تقديره: لولا تدارك نعمة من ربّه موجود ﴿لَنُبِذ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لولا﴾، ﴿نبذ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿يونس﴾، ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ متعلق بـ ﴿نبذ﴾. أي: بالأرض الفضاء الجرداء، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ مستأنفة. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هُوَ مَذْمُومٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مرفوع ﴿نبذ﴾.
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾.
﴿فَاجْتَبَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على مقدر معلوم من السياق تقديره: فأدركته نعمة من ربه فاجتباه. ﴿اجتبى﴾ فعل ماض، والهاء: مفعول به، ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿جعله﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول أوّل، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في موضع المفعول الثاني، والجملة معطوفة على جملة ﴿اجتباه﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وإنّه، ﴿يَكَادُ﴾ فعل مضارع من أفعال المقاربة، ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لَيُزْلقُونَكَ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿يزلقونك﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، ﴿والواو﴾: فاعل، الكاف: مفعول به، ﴿بِأَبْصَارِهِمْ﴾ متعلق به، وجملة ﴿يزلقونك﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة. ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿يزلقونك﴾ ﴿سَمِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿الذِّكْر﴾ مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾، أو ﴿لَمَّا﴾ شرطية وجوابها محذوف تقديره: لمّا سمعوا الذكر كادوا يزلقونك، والأوّل أولى بل هو المتعين من حيث المعنى. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ فعل،
стр. 13901
وفاعل، معطوف على ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿مجنون﴾ خبره، الجملة في محل النصب مقول ﴿يقولون﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿ما﴾ نافية مهملة لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿إلا﴾ أداة حصر، ﴿ذِكْرٌ﴾ خبر المبتدأ، ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿ذِكْرٌ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يقولون﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ والقلم: ما يكتب به، وعن بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم ولولا القلم .. لما قام دين، ولا صلح عيش، كما مرّ. ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ أي: وما يكتبون. والسطر: الصفّ من الكتابة ومن الشجر المغروس، ومن القوم الوقوف. ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ والجنون: شيء حائل بين النفس والعقل، وجنّ فلان إذا أصابه الجن أو أصاب جنانه أو حيل بين نفسه وعقله، فجن عقله ذلك. ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير مقطوع، يقال: منه السير إذا أضعفه، والمنين: الضعيف. ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ يقال: أبصرته وبصرت به: علمته وأدركته، فإن البصر يقال للجارحة الناظرة ولقوة القلب المدركة، ولا يكاد يقال للجارحة: بصيرة. ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ المفتون إما اسم مفعول بمعنى المجنون، أو مصدر بمعنى الفتون، وهو الجنون كالمعقول بمعنى العقل. والمجنون: هو من لا يفرق بين ما يضره وينفعه، فيحسب التفسير نفعًا والنفع ضرًا، والضال كذلك.
﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿ضلّ﴾ أصله: ضلل بوزن فعل، أدغمت اللام الأولى في الثانية، وقوله: ﴿المهتدين﴾ فيه إعلال بالحذف، أصله: المهتديين بياءين: الأولى لام الكلمة، والثانية ياء الجمع، حذفت حركة الياء الأولى للتخفيف فسكنت فحذفت لالتقائها ساكنة مع ياء الجمع الساكنة. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ أصله: تطوع، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت فالتقت ساكنة مع آخر الفعل المجزوم لدخول الجازم، وهو ﴿لا﴾ الناهية، فحذفت الواو لذلك. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ من الإدهان، والإدهان في الأصل مثل التدهين، واشتقاقهما من الدهن، لكن جعل عبارة عن الملاينة وترك الجد. وقال الليث: الإدهان: اللين والمصانعة والمقاربة في الكلام. وقال المبرد: يقال: داهن الرجل في دينه، وداهن في أمره إذا
стр. 13902
أظهر خلاف ما يضمر.
﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾؛ أي: كثير الحلف في الحقّ والباطل. ﴿مَهِينٍ﴾ حقير الرأي والتدبير، من المهانة، وهي الذثة والحقارة. ﴿هَمَّازٍ﴾؛ أي: عيّاب طعّان مغتاب. وقيل: الهمّاز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، والهمّاز مبالغة هامز، والهمز: الطعن والضرب والكسر والعيب. وفي "المختاردا: واللمز: العيب، وأصله: الإشارة بالعين ونحوها، وبابه: ضرب ونصر. وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. ورجل لمّازٌ لُمزة بوزن هُمزة أي: عيّاب، وفيه أيضًا، والهمز كاللمز وزنًا ومعنى، يقال: رجل هُمزة وامرأة هُمزة، ومنه: المهمز والمهماز بكسر الميم: حديدة تطعن بها الدابّة، قيل لأعرابيّ: أتهمز الفأرة؟ قال: السنور يهمزها. ﴿مَشَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة؛ أي: ساع بالكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم. ﴿بِنَمِيمٍ﴾ النميم قيل: هو مصدر كالنميمة، وقيل: هو اسم جنس لها كتمرة وتمر، وهو نقل الكلام الذي يسوء سامعه ويحرش بين الناس لتأريث نار البغضاء في الصدور. وفي "المصباح"؛ نمَّ الرجل الحديث نما من بابي قتل وضرب: سعى به ليوقع فتنة أو وحشة، فالرجل ثم تسمية له بالمصدر، ونمّام مبالغة، والاسم: النميمة والنميم أيضًا. وقال الزمخشري: النميم والنميمة: السعاية بين الناس بالإفساد.
وقوله: ﴿مَشَّاءٍ﴾ فيه إعلال بالإبدال، أصله: مشّاي، أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾؛ أي: بخيل بالمال، والخير هنا يراد به عموم ما يطلق عليه. ﴿عُتُلٌ﴾؛ أي: غليظ جاف. قيل: في الطبع، وقيل: في الجسم. وقال أبو عبيدة: هو الفاحش اللئيم، وقيل: الغليظ الجافي اهـ. وقيل: الشديد الخصومة الفظّ الغليظ، ووزنه فعل بضمتين وتشديد اللام. ﴿مُعْتَدٍ﴾ والمعتدي الذي يتجاوز الحق ويسير في الباطل. ﴿أَثِيمٍ﴾ والأثيم: كثير الآثام والذنوب. قوله: ﴿عُتُلٍّ﴾ أيضًا من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. قال الراغب: العتل: الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر كمثل البعير. وفي "القاموس": العتل بضمتين مشددة اللام الأكول المنيع الجافي الغليظ. ﴿زَنِيمٍ﴾ والزنيم الذي يعرف بالشر واللؤم، كما تعرف الشاة بزنمتها "الجزء المسترخي من أذنها حين تشق، ويبقى كالشيء المعلق". قال الراغب: الزنيم والمزنم: الزائد في القوم وليس منهم والدعي. قال حسان بن ثابت:
стр. 13903
وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيْطَ فِي آل هَاشِمٍ ... كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ
يخاطب حسّان بهذا البيت الوليد بن المغيرة، فيقول: إنّه زنيم؛ أي: معلق في آل هاشم كالزنمة في الإهاب، وهي قطعة جلد صغيرة تترك معلقة بطرقه فشبهه بها، وشبهه بالقدح المنفرد الفارخ المعلق خلف الراكب. ويروى: أنه لما نزلت هذه الآية قال الوليد لأمه: إن محمدًا وصفني بتسع صفات أعرفها غير التاسع منها، فإن لم تصدقيني الخبر ضربت عنقك، فقالت له: إن أباك عنين فخفت على المال، فمكنت الراعي من نفسي، فأنت منه.
﴿سَنَسِمُهُ﴾ أصله: سنوسمه، من الوسم، وهو إحداث السمة بالكسر؛ أي: العلامة، والميسم بالكسر؛ المكواة؛ أي: آلة الكي، وفيه إعلال بالحذف أصله في القياس: "سنوسمه، لأنّه مضارع وسم المثاليّ، لكن فاؤه حذفت من المضارع اطرادًا لوقوعها بين فتحة وكسرة. ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ الخرطوم: أنف السباع، وغالب ما يستعمل في أنف الفيل والخنزير. وفي "القاموس": الخرطوم بوزن زنبور: الأنف أو مقدمه.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾؛ أي: امتحنّاهم واختبرناهم. يقال: بلي الثوب بليًا؛ أي: خلق بلوته: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، والبلايا: اختبارات. ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ الصرام والصرم: قطع ثمار النخيل من صرمه إذا قطعه، يقال: صرم العذق عن النخلة، وأصرم النخل؛ أي: حان صرامه مثل: أركب المهر، وأحصد الزرع؛ أي: حان ركوبه وحصاده. وفي "المختار": صرم النخل: جده، وبابه: ضرب، وأصرم النخل: حان له أن يُصْرَمَ، والانصرام: الانقطاع، والتصارم: التقاطع، والتصرم: التقطع. وقوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ فيه إعلال بالحذف، أصله: ليصرمونها فدخلت نون التوكيد الثقيلة على الفعل فصار ليصرموننها، فاجتمع ثلاث نونات فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فصار ليصرمونّها، فالتقى ساكنان فحذفت الواو، ولذلك الفعل هنا معرب لعدم مباشرة نون التوكيد؛ لأنَّ المحذوف لعلة صرفية مقدَّر.
﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ أصله: يستثنيون بوزن يستفعلون، استثقلت الضمّة على الياء، فحذفت للتخفيف فالتقى ساكنان فحذفت الياء، وضمت النون لمناسبة الواو. قال الراغب: الاستثناء: إيراد لفظ يقتضي رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدم أو
стр. 13904
يقتضي رفع حكم اللفظ، كما هو فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، ومن الثاني قوله: "لأفعلن كذا إن شاء الله، وعبده عتيق وامرأته طالق إن شاء الله.
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال الراغب: الطوف: الدوران حول الشيء، ومنه: الطائف لمن يدور حول البيت حافظًا كما مرّ، وأصله: طوف قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. وقوله: ﴿طَائِفٌ﴾ فيه إعلال بإبدال الواو همزة، أصله: طاوف أبدلت الواو همزة حملًا للوصف على الفعل في الإعلال.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ جمع نائم، وأصله: ناوم من نام ينام، وأصل نام: نوم قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، وأصل ﴿نَائِمُونَ﴾ على هذا: ناومون أبدلت الواو همزةً حملًا للوصف على الفعل في الإعلال. والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، أو أن يتوفَّى الله النفسَ من غير موت إلى آخر ما تقدم. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ فعيل بمعنى مفعول؛ أي: كالبستان الذي صرمت ثماره بحيث لم يبق فيها شيء. ﴿فَتَنَادَوْا﴾ أصله: تناديوا قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة بواو الجماعة. ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ أصله: اغدووا، حذفت حركة الواو لام الكلمة للتخفيف فلما سكنت وبعدها واو الجماعة الساكنة حذفت لام الكلمة، فوزنه: افعوا. قال الراغب: الحرث: إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع، ويسمى المحروث حرثًا، قال تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾. ﴿وَغَدَوْا﴾ أصله: غدووا، قلبت الواو الأولى ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة بواو الجماعة، فوزنه: فعوا. ﴿مِسْكِينٌ﴾ والمسكين: هو الذي لا شيء له، وهو أبلغ من الفقير. ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ الحرد: المنع عن حدة وغضب، يقال: نزل فلان حريدًا؛ أي: ممتنعًا عن مخالطة القوم، وحاردت السنة: منعت قطرها، والناقة: منعت درّا، وحرد: غضب. وفي "المختار": حرد قصد، وبابه: ضرب، وقوله تعالى: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾؛ أي: على قصد وقيل: على منع، والحرد بالتحريك: الغضب. وقال أبو نصر صاحب الأصمعيّ: هو مخفف، فعلى هذا بابه: فهم. وقال ابن السكيت: وقد يحرك، وعلى هذا بابه: طرب، فهو حارد وحردان. ﴿قَادِرِينَ﴾ إما من القدرة، وهو الظاهر، وإما من التقدير وهو التضييق، أي: مضيقين علي المساكين.
стр. 13905
﴿يَتَخَافَتُونَ﴾؛ أي: يتسارون فيما بينهم، وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ أصله: رأيوها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ الأصل: لضاللون، أدغمت اللام الأولى في الثانية. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾؛ أي: أعدلهم وخيرهم من قولهم: فلان من وسطة قومه، وأعطني من وسطات مالك، ومنه: قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال الراغب: الوسط تارةً يقال فيما له طرفان مذمومان كالجود الذي بين البخل والسرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به، نحو: السواء والعدل، ونحو: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وعلى ذلك ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾. وتارةً يقال فيما له طرف محمود، وطرف مذموم كالخير والشر، ويكنى به عن الرذل، نحو قولهم: وسط بين الرجال تنبيهًا على أنه قد خرج من حد الخير. ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أصله طاغيين بياءين، الأولى لام الكلمة، والثانية ياء الجمع، حذفت حركة الياء الأولى للتخفيف فالتقى ساكنان فحذفت الياء الأولى، فوزنه: فاعين.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال الراغب: ﴿عِنْدَ﴾ لفظ موضوع للقرب، فتارةً يستعمل في المكان، وتارةً يستعمل في الاعتقاد نحو: عندي كذا، وتارةً في الزلفى والقرب والمنزلة كقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وعلى ذلك قيل: الملائكة المقربون انتهى. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ أصله: تتخيرون فحذفت منه إحدى التاءين. تخيّر الشيء واختياره: أخذ خيره. قال الراغب: الاختيار: طلب ما هو خير فعله، وقد يقال ما يراه الإنسان: خيرًا وإن لم يكن خيرًا. ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ قال في "المفردات": درس الشيء معناه: بقي أثره، ودرست العلم: تناولت أثره بالحفظ. ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ يقال: لفلان عليَّ يمين بكذا إذا ضمنت وكفلت له به وحلفت له على الوفاء. ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ أمر من سأل يسأل بحذف العين وهمزة الوصل، قياس هذا الأمران يقال: اسألهم بهمزة الوصل وإثبات عين الكلمة الهمزة، لكن الهمزة في بعض الأحيان نقلت حركتها إلى السين، ثم حذفت تخفيفًا فاستغني عن همزة الوصل لتحرك الفاء، فقيل: سلهم بوزن فلهم. وفي بعض الأحيان يأتي الفعل على الأصل فيقال: اسأل، قال تعالى: ﴿اسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، لكن همزة الوصل حذفت من الخط في رسم المصحف مراعًاة لقراءة من
стр. 13906
قرأ ﴿سَلْهُمْ﴾ بدون همزة. و ﴿الزعيم﴾ بمعنى القائم بالدعوة وإقامة الحجة عليها. قال الراغب: قوله: ﴿زَعِيمٌ﴾ إمّا من الزعامة؛ أي: الكفالة أو من الزعم بالقول، وهو حكاية قول يكون مظنة للكذب. وقيل للمتكفل والرئيس: زعيم للاعتقاد في قولهم: إنه مظنة للكذب. ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ أصله: فليأتيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين وضمّت التاء لمناسبة الواو. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ والساق فيه إعلال بالقلب، فالألف فيه منقلبة عن واو، أصله: سوق، وساق الشيء: أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان كما مرّ.
﴿وَيُدْعَوْنَ﴾ أصله: يدعوون بوزن يفعلون، قلبت الواو لام الكلمة ألفًا لتحركها بعد فتح ثمّ حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيه إعلال بالنقل والتسكين والقلب، أصله: يستطوعون نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر كسرة فقلبت ياء حرف مدّ. ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ والرهق: غشيان الشيء الشيء. ﴿ذِلَّةٌ﴾ يقال: ذلَّ يذلّ ذلا بالضم، وذلة بالكسر وهو ذليل يعني: خوار. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقال: استدرجه إلى كذا إذا استنزله درجة درجة حتى يورطه، واستدرجه إلى كذا: قربه إليه ورقاه من درجة إلى درجة وجعله يدرج على الأرض. قال الخطيب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: سناخذهم بعظمتنا على التدريج لا على غرّة في عذاب لا شك فيه. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال بعضهم: الكيد: إظهار النفع وإبطان الضر للمكيد. وفي "المفردات": الكيد ضرب من الاحتيال، وقد يكون محمودًا ومذمومًا، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر، وكذلك الاستدراج والمكر. ولكون بعض ذلك محمودًا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، قال بعضهم: أراد بالكيد العذاب والصحيح: أنه الإمهال المؤدّي إلى العذاب انتهى. وفي "التعريفات" الكيد: إرادة مضرّة الغير خفيةً، وهو من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق في الخلق كما مرّ ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾؛ أي: مملوء غمًّا وكربًا. قال الماوردي: والفرق بينهما أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم: محبوس، والكظم: الحبس، قال المبرد: إنه المأخوذ بكظمه، وهو مجر النفس، ويقال: كظم السقاء إذا ملأه وشدَّ رأسه. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلّة الاعتداد به، والعراء: الأرض الخالية من الأشجار. قال الراغب: العراء: مكان لا سترة فيه، والهمزة فيه مبدلة من ياء أصله: العرا، أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، كما تقدم أنَّ ذلك
стр. 13907
مطرد في الواو والياء. ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ يقال: جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، والاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء. ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصل يكاد: يكون، قلبت حركة الواو إلى الكاف ثم أبدلت ألفا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿لَيُزْلقُونَكَ﴾؛ أي: ينظرون إليك نظرًا شديدًا يكاد يصرعك ويسقطك من مكانك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المناسبة اللفظيَّة في قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، وهي عبارة عن الإتيان بلفظات متّزنات مقّفات.
ومنها: الجناس الناقص بين لفظي ﴿مَجْنُونٍ﴾ و ﴿مَمْنُونٍ﴾ لاختلاف الحرف الثاني.
ومنها: الوعيد والتهديد في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ وحذف المفعول فيه للتهويل؛ أي: يوم القيامة.
ومنها: إعادة ﴿أَعْلَمُ﴾ في قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ لزيادة التقرير والتأكيد.
ومنها: التهييج للتصميم على مباينتهم ومخالفتهم في قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾.
ومنها: صيغ المبالغة في قوله: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ﴾ ﴿مَنَّاعٍ﴾ ﴿أَثِيمٍ﴾ ﴿زَنِيمٍ﴾.
ومنها: المناسبة في مجيء هذه الصفات مسرودة على نمط عجيب خلاب، فجاء ﴿حَلَّافٍ﴾ وما بعده ﴿مَهِينٍ﴾؛ لأنّ النون فيها مع الميم تراخ، ثم جاء ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ بصفتي المبالغة ثم جاء ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾، وبعدما عد له من المثالب والنقائص أتى بصفتين من أشد معايبه.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿هَمَّازٍ﴾، لأنه حقيقة في الضراب والطعان، فاستعير للمغتاب الذي يذكر الناس بالمكروه ويظهر عيوبهم ويكسر أعراضهم كأنّه يضربهم بأذاه إيّاهم.
стр. 13908
ومنها: الكناية في قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ لأنه كناية عن الإهانة والإذلال والاستيلاد؛ إذ صار كالبهيمة لا يملك الدفع عن وسمه في الأنف، وإذا كان الوسم في الوجه شيئًا فكيف به في أكرم عضو فيه؟ وقد قيل: الجمال في الأنف، قال بعضهم:
وَحُسْنُ الْفتى فِي الأَنْفِ وَالأَنفُ عَاطِلٌ ... فَكَيْفَ إِذَا مَا الْخَالُ كَانَ لَهُ حَلْيا
وجعلها الرازي استعارة، استعار الخرطوم للأنف؛ لأنَّ الخرطوم حقيقة في أنف الفيل والخنزير، فاستعير لأنف الإنسان. وفي "السمين": وهو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل باسم الجزء، لأنّه أظهر ما فيه وأعلاه، فيكون مجازًا مرسلًا.
ومنها: الطباق بين ﴿ضَلَّ﴾ و ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾، وبين ﴿المُسْلِمِينَ﴾ و ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾.
ومنها: تنكير ﴿طَائِفٌ﴾ للإبهام تعظيمًا لما أصاب جَنَّتهم.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾.
ومنها: التقريع والتوبيخ في قوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾ والجمل التي بعدها.
ومنها: التشبيه المقلوب بجعل المشبه به مشبّهًا والعكس في قوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾؛ لأنّ الأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والمثوبة، فقلب التشبيه ليكون أبلغ وأروع.
ومنها: تقدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿كَذَلِكَ العَذَابْ﴾ لإفادة الحصر.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ لتأكيد الرد وتشديده.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ على ما قالوا: شبهت حال من اشتد عليه الأمر في الموقف بالمخدّرات اللاتي اشتد عليهنّ الأمر، فاحتجن إلى تفسير سوقهنّ في الهرب بسبب وقوع أمر هائل بالغ إلى نهاية الشدّة مع أنّهنّ لا يخرجن من بيوتهنّ، ولا يبدين زينتهن لغير محارمهنّ لغاية خوفهنّ، وزوال
стр. 13909
عقلهنّ من دهشتهن وفرارهن لخلاص أنفسمهن، فاستعمل في حق أهل الموقف من الأشقياء ما يستعمل في حقهن من غير تصرف في مفردات التركيب، بل التصرف إنما هو في الهيئة التركيبية، فكشف الساق استعارةٌ تمثيلية في اشتداد الأمر وصعوبته. قال الفناري في تفسير سورة الفاتحة: فالساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة.
ومنها: تنكير الساق لغرض الإبهام مبالغة في الدلالة على أنّه أمر مبهم في الشدّة منكر خارج عن المألوف المعتاد.
ومنها: المجاز العقلي، في قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾؛ لأنّ نسبة الخشوع إلى الأبصار مجاز عقلي؛ لأنّ ما في القلب يُعْرف من العين.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ لزيادة التقرير، أو لأن المراد بالسجود هنا الصلاة، وخص السجود حينئذٍ بالذكر؛ لأنّه أعظم أركانها.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، سمى إمهاله إياهم ومرادفة المنعم والآلاء. عليهم كيدًا؛ لأنّه سبب التورط والهلاك؛ لأنّ الكيد إيصال الضرر إلى الغير بطريق خفي.
ومنها: المجاز المرسل أيضًا في قوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي: مملوء؛ لأنَّ اللوم في الحقيقة سبب للذم، فالعلاقة السبيبة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 13910
خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من الموضوعات
تضمنت هذه السورة المقاصد التالية:
١ - محاسن الأخلاق النبوية إلى قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.
٢ - سوء أخلاق بعض الكفار وجزاؤهم من قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.
٣ - ضرب المثل لهم بأصحاب الجنة من قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
٤ - تقريع المجرمين وتوبيخهم وإقامة الحجج عليهم.
٥ - تهديد المشركين المكذّبين بالقرآن بقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ إلخ.
٦ - أمره ﷺ بالصبر على أذى المشركين حتى لا يكون كصاحب الحوت.
وصلى الله ، وسلم على سيّدنا ونبينا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين (١).
والله أعلم.
* * *
стр. 13911
سورة الحاقّة
سورة الحاقّة مكيّة، قال القرطبي: في قول الجميع، نزلت بعد سورة الملك. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس: نزلت سورة الحاقّة بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
مناسبتها لما قبلها من وجوه:
١ - أنّه (١) وقع في ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ذكر يوم القيامة مجملًا، وهنا فصّل نبأه وذكر شأنه العظيم.
٢ - أنّه ذكر فيما قبلها من كذّب بالقرآن وما توعّده به، وهنا ذكر أحوال أمم كذبوا الرسل، وما جرى عليهم ليزدجر المكذّبون المعاصرون له ﷺ .
وعبارة أبي حيّان: مناسبتها لما قبلها (٢): أنه لما ذكر شيئًا من أحوال السعداء والأشقياء وقال: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، ذكر حديث القيامة، وما أعد الله تعالى لأهل السعادة، وأهل الشقاوة، وأدرج بينهما شيئًا من أحوال الذين كذّبوا الرسل: كعاد، وثمود، وفرعون. ليزدجر بذكرهم، وما جرى عليهم الكفّار الذين عاصروا رسول الله ﷺ . وكانت العرب عالمةً بهلاك عاد وثمود وفرعون، فقص عليهم ذلك.
وآياتها (٣): إحدى أو اثنتان وخمسون آية، وكلماتها: مئتان وستّ وخمسون كلمة، وحروفها: ألف وأربع مئة وثمانون حرفًا. وسميت الحاقة لذكر الحاقة فيها.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم: سورة الحاقة كلها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
فضلها: ومما يدل على فضلها ما أخرجه الطبراني عن أبي برزة: أنّ النبيّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بالحاقّة ونحوها.
والله أعلم
* * *
القيامة حق لا شك فيه، وأن الأمم التي عصت رسلها، وكذّبتهم أصابها الهلاك والاستئصال بألوان من العذاب، فثمود أهلكت بالصاعقة، وعاد أهلكت بريح صرصر عاتية، سلّطها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام متتابعة، فصاروا صرعى كأنّهم أصول نخل جوفاء، لم يبق منهم ديار ولا نافخ نار، وكذلك أهلك فرعون وقومه بالغرق، وقوم لوط بالزلزال الشديد الذي قلب قراهم، وجعل عاليها سافلها، وأهلك قوم نوح بالطوفان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما قص هذه القصص الثلاثة، ونبه بها على ثبوت القدرة والحكمة، وبها ثبت إمكان وقوع يوم القيامة .. شرع يذكر تفاصيل أحوال هذا اليوم، وما يكون فيه من أهوال.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر أنهم يعرضون على الله ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم .. فصَّل أحكام هذا العرض، فأخبر بأن من يؤتى كتابه بيمينه يشتد فرحه حتى يقول لكل من لقيه: خذ كتابي واقرأه؛ لأنه يعلم ما فيه من خير وفضل من الله، ويقول: إني كنت أعلم أنَّ هذا اليوم آت لا ريب فيه، وأني سأحاسب على ما أعمل، وحينئذٍ يكون جزاؤه عند ربه جنة عالية ذات ثمار دانية، ويقال له ولأمثاله: كلوا واشربوا هنيئًا مما قدمتم لأنفسكم في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر سرور السعداء بصحائف أعمالهم ثم بين حسن أحوالهم في معايشهم ومساكنهم .. أردف ذلك بذكر غمّ الأشقياء الكافرين وحزنهم بوضع الأغلال والقيود في أعناقهم وأيديهم وإعطائهم الغسلين طعامًا، ثم أعقبه بذكر سبب هذا، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحثّون على مساعدة ذوي الحاجة والبائسين.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله لما أقام الدليل على إمكان القيامة؛ ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال المؤمنين السعداء والكافرين الأشقياء .. أردف ذلك بتعظيم القرآن والرسول
стр. 13914
المنزل عليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله لما أثبت أن القرآن تنزيل من رب العالمين، وليس بشعر ولا كهانة ... أكد هذا بأن محمدًا لا يستطيع أن يفتعله؛ إذ لو فعل ذلك لأبطلنا حجته وأمتنا دعوته، أو سلبناه قوة البيان فلا يتكلم بهذا الكذب، أو قتلناه فلم يستطع نشر الأكاذيب، وقد جرت سنتنا بأن كل متكلف للقول لا يقبل قوله، ولا يصغي السامعون إلى كلامه، كما قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. ولا يستطيع أحد بعدئذٍ أن يدافع عنه.
ثم ذكر أن القرآن عظة لمن يتقي الله ويخشي عذابه، وأنه حسرة على الكافرين حينما يرون ثواب المؤمنين، وإنه لحق لا ريب فيه. ثم أمر رسوله بأن يقدس ربه ويشكره على ما آتاه من النعم، وعلى ما أوحى به إليه من القرآن العظيم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤ ١)﴾ ... إلخ، قال مقاتل: سبب نزول هذه الآيات: أنّ الوليد بن المغيرة قال: إنّ محمدًا ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة: كاهن. فنزلت الآيات ردًّا عليهم.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ هي من أسماء القيامة من حق الشيء إذا ثبت ووجب، أي: الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء. سمّيت الساعة حاقّة لوجوب مجيئها وثبوت وقوعها. وهو مبتدأ،
٢ - و ﴿مَا﴾ مبتدأ ثان ﴿الْحَاقَّةُ (٢)﴾ خبر للمبتدأ الثاني، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه، هذا ما ذكروه في إعراب هذه الجملة ونظائرها؛ أي: الحاقة أي شيء هي في حالها وصفتها تفخيمًا لشأنها وتعظيمًا لهولها.
ومقتضى التحقيق: أن تكون ﴿ما﴾ الاستفهامية خبرًا لما بعدها، فإن مناط الفائدة بيان أن الحاقة أمر بديع وخطب فظيع، كما يفيده كون ﴿ما﴾ خبرًا، لا بيان
стр. 13915
أن أمرًا بديعًا، الحاقة كما يفيده كونها مبتدأ وكون الحاقة خبرًا، كذا في الإرشاد.
٣ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾؛ أي: وأيُّ شيء أعلمك يا محمد ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾؛ أي: جواب أي شي هي، فلا علم لك بحقيقتها؛ إذ بلغت من الشدة والهول أن لا يبلغها علم المخلوقين. وقوله: ﴿مَا﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبرها، وجملة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ معطوفة على جملة ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾، و ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾؛ والجملة (١) الكبرى تأكيد لهول الساعة وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علم المخلوقات على معنى، أن عظم شأنها ومدى هولها، وشدَّتها بحيث لا يكاد تبلغه دراية أحد ولا وهمه، وكيفما قدرت حالها، فهي أعظم من ذلك وأعظم، فلا يتسنى الإعلام. قال بعضهم: إنّ النبي ﷺ وإن كان عالمًا بوقوعها ولكن لم يكن عالمًا بكمال كيفيتها. ويحتمل أن يقال ذلك للنبي ﷺ إسماعًا لغيره.
قال المراغي (٢): وهذا أسلوب من الكلام يفيد التفخيم والمبالغة في الغرض الذي يساق له الكلام، فكأنه قيل: أي شيء هي في حالها وصفتها، فإن ﴿ما﴾ يسأل بها عن الصفة والحال لا عن الحقيقة. ثم زاد سبحانه في تفظيع شأنها وتفخيم أمرها وتهويل حالها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾؛ أي: أي شي أعلمك ما هي، فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقات لعظم شأنها، ومدى هولها وشدتها، فلا تبلغها دراية أحد، ولا وهمه، فكيفما قدرت حالها فهي فوق ذلك وأعظم؟. قال سفيان بن عيينة: كل ما في القرآن قال فيه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾، فإنه ﷺ أُخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾، فإنه لم يخبر به.
قال الواحدي (٣): الحاقة هي القيامة في قول كل المفسرين، وسمّيت بذلك؛ لأنّها ذات الحواق من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود.
قال الكسائي والمؤرخ: الحاقة يوم الحقّ. وقيل: سميت بذلك؛ لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أحقت لقوم النار
стр. 13916
وأحقت لقوم الجنة.
٤ - ثم ذكر بعض الأمم التي كذبت بها، وما حاق بها من العذاب، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾؛ أي: قوم صالح، من الثمد، وهو الماء القليل الذي لا مادة له؛ لأنهم نازلون عليه. ﴿وَعَادٌ﴾؛ أي: قوم هود، وهي قبيلة أيضًا، وتمنع كما في "القاموس" ﴿بِالْقَارِعَةِ﴾؛ أي: بالقيامة، وهي من (١) جملة أسماء الساعة أيضًا. سميت بذلك؛ لأنها تقرع الناس؛ أي تضربهم بفنون الأفزاع والأهوال؛ أي: تصيبهم بها كأنها تقرعهم بها والسماء بالانشقاق والانفطار والأرض والجبال بالدك والنسف والنجوم بالطمس والانكدار. ووضعت موضع ضمير الحاقة للدلالة على معنى القرع فيها زيادة في وصف شدتها، فإن في القارعة ما ليس في الحاقة من الوصف، يقال: أصابتهم قوارع الدهر؛ أي: أهواله وشدائده، قيل: منها قوارع القرآن للآيات التي تقرأ حين الفزع من الجن والإنس، لقرع قلوب المؤذين بذكر جلال الله والاستمداد من رحمته وحمايته، مثل: آية الكرسيّ ونحوها.
وفي الآية: تخويف لأهل مكة من عاقبة تكذيبهم بالبعث والحشر، وهذه الجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقّة.
٥ - ثم فصل ما نزل بكل أمة من العذاب، فقال:
١ - ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ وكانوا عربًا، منازلهم بالحجر بين الشام والحجاز يراها حجاج الشام ذهابًا وايابًا. ﴿فَأُهْلِكُوا﴾؛ أي: أهلكهم الله سبحانه لتكذيبهم. فأخبر عن الفعل؛ لأنه المراد دون الفاعل؛ لأنه معلوم.
وقرأ الجمهور ﴿فَأُهْلِكُوا﴾ رباعيًا مبنيًا للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ ﴿فهلكوا﴾ ثلاثيًا مبنيًا للفاعل، ذكره في البحر. ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾؛ أي: بالصيحة التي جاوزت عن حد سائر الصيحات في الشدّة، فرجفت منها الأرض والقلوب، وتزلزلت. فاندفع ما يقال من التعارض بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وبين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ والقصة واحدة.
٢ - ٦ ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ وكانت منازلهم بالأحقاف، وهي الرمل بين عمان إلى
стр. 13917
حضرموت واليمن، وكانوا عربًا أيضًا ذوي بسطة في الخلق، وكان أطولهم مئة ذراع، وأقصرهم ستين، وأوسطهم ما بين ذلك. وكان رأس الرجل منهم كالقبة يفرخ في عينيه ومنخره السباع. وتأخيره عن ثمود مع تقدّمهم زمانًا من قبيل الترقّي من الضالّ الشديد إلى الأضلّ الأشدّ. ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ﴾ هي الدبور لقوله ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" ﴿صَرْصَرٍ﴾؛ أي: شديدة الصوت، لها صرصرة في هبوبها. أو شديدة البرد تحرق ببردها النبات والحرث، فإن الصر بالكسر: شدة البرد. ولم يقل: صرصرة كما قال: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ مع أن الريح مؤنثة؛ لأن الصرصر وصف مختص بالريح، فأشبه باب: حائض وطامث وحامل، بخلاف عاتية فإنها غير الريح من الأسماء المؤنثة يوصف به، ذكره في مشتبه القرآن. ﴿عَاتِيَةٍ﴾؛ أي: مجاوزة للحد في شدّة العصيان؛ كأنها عتت على خزانها، فلم يتمكنوا من ضبطها. والرياح مسخرة لميكائيل تهب بإذنه وتنقطع بإذنه، وله أعوان كأعوان ملك الموت.
روي (١): أنه ما يخرج من الريح شيء إلا بقدر معلوم، ولما اشتد غضب الله على قوم عاد أصابتهم ريح خارجة عن ضبط الخزّان، ولذلك سمّيت ﴿عَاتِيَةٍ﴾. أو المعنى: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ على عاد فلم يقدروا على ردّها بحيلة من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم.
٧ - ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ التسخير: سوق الشيء إلى الغرض المختصّ به قهرًا، والمسخر هو المقيض للفعل. والمعنى: سلط الله تلك الريح الموصوفة على قوم عاد بقدرته القاهرة كما شاء.
والظاهر: أن هذه الجملة صفة أخرى لـ ﴿ريح﴾، ويجوز أن تكون حالًا منها لتخصّصها بالصفة. وقيل: هي مستأنفة لدفع ما يتوهم من كونها باتصالات فلكيّة مع أنه لو كان كذلك .. لكان بتسبّبه وتقديره، فلا يخرج من تسخيره تعالى. ﴿سَبْعَ لَيَالٍ﴾ منصوب على الظرفية لقوله: ﴿سَخَّرَهَا﴾، وذكر اسم العدد لكون المعدود مؤنثًّا؛ لأن الليالي جمع ليلة، وهي مؤنثة، وتجمع الليلة على الليالي بزيادة الياء على غير القياس، فيحذف ياؤها حالة التنكير بالإعلال، مثل: الأهالي والأهال في
стр. 13918
جمع أهل، إلا في حالة النصب نحو قوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾؛ لأنّه غير منصرف، والفتح خفيف. ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ أنث اسم العدد لكون المعدود مذكّرًا، لأنّ الأيام جمع يوم، وهو مذكر. وهو معطوف على ﴿سَبْعَ لَيَالٍ﴾. ﴿حُسُومًا﴾ جمع (١) حاسم كشهود جمع شاهد، وهو حال من مفعول ﴿سَخَّرَهَا﴾ بمعنى حاسمات. عبّر عن الريح الصرصر بلفظ الجمع لتكثرها باعتبار وقوعها في تلك الليالي والأيّام. وقال بعضهم: صفة لما قبله، والمعنى على الأول: حال كون تلك الريح متتابعات ما خفق هبوبها في تلك المدة ساعة حتى أهلكتهم تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكيّ على داء الدابة مرة بعد أخرى حتى ينحسم وينقطع الدم، فهو من استعمال المقيد في المطلق؛ إذ الحسم هو تتابع الكيّ. أو حسمات حسمت كل خير واستأصلته أو قاطعات قطعت دابرهم.
والحاصل: أن تلك الرياح فيها ثلاث حيثيات:
الأولى: تتابع هبوبها.
والثانية: كونها قاطعة لكل خير ومستأصلة لكل بركة أتت عليها.
والثالثة: كونها قاطعة دابرهم، فسميت حسمًا بمعنى حاسمات إما تشبيهًا لها بمن يحسم الداء في تتابع الفعل؛ وإما لأن الحسم في اللغة: القطع والاستئصال وسمي السيف حساما لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته. وقرأ الجمهور ﴿حُسُومًا﴾ بضم الحاء. وقرأ السدّي: ﴿حَسُوْمًا﴾ بفتحها، ومنه قول الشاعر:
فَأَرْسَلْتِ رِيْحًا دَبُوْرًا عَقِيْمَا ... فَدَارَتْ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ حَسُوْمَا
قال ابن زيد: أي حسمتهم فلم تبق منهم أحدًا. واختلف في أولها فقيل: غداة الأحد، وقيل: غداة الجمعة، وقيل: غداة الأربعاء لثمان بقين من شوال، وقيل: آخر أسبوع من شهر صفر إلى غروب الأربعاء الآخر، وهو آخر الشهر.
وتلك الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز. وإنمّا سميت عجوزًا لأن عجوزًا من عاد توارت في سرب؛ أي: في بيت في الأرض، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل: هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء ذات برد ورياح
стр. 13919
شديدة. فمن نظر إلى الأول قال: برد العجوز، ومن نظر إلى الثاني قال: برد العجز. وفي "روضة الأخيار": رغبت عجوز إلى أولادها أن يزوجوها، وكان لها سبعة بنين، فقالوا لها: إلى أن تصبري على البرد عارية لكل واحد منا ليلة، ففعلت. فلما كانت في السابعة ماتت، فسميت تلك الأيام أيام العجوز. وأسماء هذه الأيام الصن، وهو بالكسر: أول أيام العجوز كما في "القاموس": والصنبر وهي الريح الباردة، والثاني من أيام العجوز كما في "القاموس"، والوبر وهو ثالث أيام العجوز، والمعلل لمحدث وهو الرابع من أيّامها، ومطفىء الجمر وهو خامس أيام العجوز، أو رابعها كما في "القاموس": وقيل: مكفىء الظعن؛ أي: ممليها، وهم جمع ظعينة، وهو الهودج فيه امرأة أم لا، والآمر والمؤتمر. قال في "القاموس": آمر ومؤتمر: آخر أيام العجوز، قال الشاعر:
كَسَعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةِ غَبَر ... أَيَّامَ شَهْلَتِنا من الشّهرِ
فَإذا انْقَضَتْ أَيَّامُ شَهْلَتِنَا ... بِالصِنّ والصّنْبَرِ والوَبَرِ
وَبَآمِرِ وَأَخِيْهِ مؤتمر ... ومعللٍ وبمطفىء الجمرِ
ذهبَ الشتاءُ مُوليًا هَربا ... وأتَتْك موقدةٌ من الحرِ
قال في "الكواشي": ولم يسم الثامن؛ لأنَّ هلاكهم وإهلاكهم كان فيه. وفي "عين المعاني": إنّ الثامن هو مكفىء الظعن ثم قال في "الكواشي": ويجوز أنها سميت أيام العجوز لعجزهم عما حل بهم فيها، ولم يُسمّ الثامن على هذا لإهلاكهم فيه، والذي لم يُسمّ هو الأول وإن كان العذاب واقعًا في ابتدائه؛ لأن ليلته غير مذكورة فلم يسم اليوم تبعًا لليلة؛ لأن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام. فالصنُّ ثاني الأيام أول الأيام المذكورة لياليها انتهى.
يقول الفقير: وسرّ العدد أن عمر الدنيا بالنسبة إلى الإنس سبعة أيام من أيام الآخرة، وفي اليوم الثامن تقع القيامة ويعم الهلاك.
﴿فَتَرَى﴾ يا محمد أو يا من شأنه أن يرى ويبصر لو كنت حاضرًا وقتئذٍ ﴿الْقَوْمَ﴾؛ أي: قوم عاد، فاللام للعهد. ﴿فِيهَا﴾ أي: في محال هبوب تلك الريح أو في تلك الليالي والأيام، ورجحه أبو حيان للقرب وصراحة الذكر. ﴿صَرْعَى﴾؛ أي: موتى. جمع صريع كقتلى وقتيل، حال من القوم؛ لأنّ الرؤية بصرية. والصريع
стр. 13920
بمعنى المصروع؛ أي: المطروح على الأرض الساقط عليها؛ لأن الصرع: الطرح، وقد صرعوا بموتهم. وجملة كأن في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال إما من القوم على قول من جوز حالين من ذي حال واحد أو من المنويّ في ﴿صَرْعَى﴾ عند من لم يجوز ذلك؛ أي: ترى القوم حال كونهم مصروعين مشبهين بـ ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾؛ أي: بأصول نخل، كما قال في "القاموس". وأعجاز النخل أصولها انتهى. والنخل: اسم جنس مفرد لفظًا وجمع معنى، واحدتها: نخلة. ﴿خَاوِيَةٍ﴾؛ أي: متآكلة الأجواف خاليتها لا شيء فيها، بمعنى أنهم متساقطون على الأرض أمواتًا طوالًا غلاظًا كأنهم أصول نخل مجوفة بلا فروع. شبهوا بها من حيث إن أبدانهم خوف، وخلت من أرواحهم كالنخل الخاوية. وقيل: كانت الريح تدخل من أفواههم، فتخرج ما في أجوافهم من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية. وأصل الخوى: الخلاء، يقال: خوى بطنه من الطعام إذا خلا. وفيه إشارة إلى عظم خلقهم وضخامة أجسادهم، ولذا كانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، وإلى أنّ تلك الريح أبلتهم فصاروا كالنخل الموصوفة. وقرأ أبو نهيك (١) ﴿أعجز﴾ على وزن أفعل كضبع وأضبع. وحكى الأخفش أنّه قرىء ﴿نخيل خاوية﴾.
٨ - وقال ابن جريج: كانوا في سبعة أيام في عذاب ثم في الثامن ماتوا، وألقتهم الريح في البحر، فذلك قوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ والاستفهام (٢) لإنكار الرؤية. والباقية اسم كالبقية لا وصف والتاء للنقل إلى الاسميّة، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿بَاقِيَةٍ﴾ مفعول ترى. أي: ما ترى منهم بقية من صغارهم وكبارهم وذكررهم وإناثهم غير المؤمنين. ويجوز أن يكون صفة موصوف محذوف بمعنى نفس باقية أو مصدرًا بمعنى البقاء كالكاذبة والطاغية. والبقاء: ثبات الشيء على الحالة الأولى، وهو يضاد الفناء.
ومعنى الآية: فترى قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيّام المتتابعة صرعى هالكين، كأنهم أصول نخل متأكلة الأجواف لم يبق منهم ولا من نسلهم أحد. وجاء في آية أخرى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾.
٣ - ٩ ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾؛ أي: فرعون موسى. أفرده بالذكر لغاية علوّه واستكباره.
стр. 13921
﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾؛ أي: ومن تقدمه من الكفرة غير عاد وثمود. فهو من قبيل التعميم بعد التخصيص. و ﴿مَنْ﴾ موصولة، و ﴿قبل﴾ نقيض بعد.
وقرأ أبو رجاء (١) وطلحة، والجحدري، والحسن بخلاف عنه، وعاصم في رواية أبان، والنحويّان: أبو عمرو والكسائي، ويعقوب ﴿ومِنْ قِبَله﴾ بكسر القاف وفتح الباء بمعنى: ومن معه من القبط من أهل مصر. وقرأ باقي السبعة، وأبو جعفر، وشيبة، والسلمي ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بفتح القاف وسكون الباء؛ أي: ومن تقدمه من القرون الماضية والأمم الخالية. واختار (٢) أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الأولى لقراءة ابن مسعود وأبي ﴿ومن معه﴾، وقراءة أبي موسى الأشعري ﴿ومن يَلقَاه﴾.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾؛ أي: وجاءت المؤتفكات؛ أي: أهل قرى قوم لوط؛ لأنّها عطفت على ما قبلها من فرعون. ومن قبله من (٣) ائتفكت البلدة بأهلها؛ أي: انقلبت، والله تعالى قلب قرى قوم لوط عليهم، فهي المنقلبات بالخسف. وهي خمس قريات: صعبه، وسعده، وعمرة، ودوما، وسدوم وهي أعظم القرى. ثم هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم للتتميم؛ لأنَّ قوم لوط أتوا بفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين. وقرأ الجمهور ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ بالجمع. وقرأ الحسن والجحدري ﴿والمؤتفكة﴾ بالإفراد، واللام للجنس، فهي في معنى الجمع.
والمعنى: وجاءت المؤتفكات ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾؛ أي: بالفعلة الخاطئة، أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم التي من جملتها تكذيب البعث والقيامة. فالخاطئة على هذين صفة لمحذوف، ويكون الكلام من المجاز العقليّ كشعر شاعر، قاله مجاهد. أو بالخطأ فيكون الخاطئة مصدرًا جاء على وزن فاعله كالعاقبة والكاذبة، قاله الجرجاني. والباء للملابسة أو التعدية، وهو الأظهر. والمراد أنّ هؤلاء الأمم المذكورة جاؤوا بالخاطئة؛ أي: بالشرك وأنواع المعاصي.
١٠ - ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها حين نهاهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح. فالرسول هنا بمعنى الجمع؛ لأن فعولًا وفعيلًا يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجمع، فهو من مقابلة الجمع بالجمع
стр. 13922
المستدعية لانقسام الآحاد على الآحاد، فالإضافة ليست للعهد بل للجنس.
﴿فَأَخَذَهُمْ﴾ الله تعالى بالعقوبة، أي: أخذ كل قوم منهم ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾؛ أي: زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفّار، أو على القدر المعروف عند الناس لما زادت معاصيهم في القبح على معاصي سائرة الكفرة. والمعنى: فعاقبهم عقوبة شديدة أغرق من كذّب نوحًا، وهم كل أهل الأرض غير من ركب معه في السفينة، وحمل مدائن قوم لوط بعد أن نتقها من الأرض على متن الريح بواسطة من أمره بذلك من الملائكة، ثم قلبها وأتبعها بالحجارة، وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه. وأغرق فرعون وجنوده أيضًا في بحر القلزم أو في النيل، وهكذا عاقب كل أمة عاصية بحسب أعمالهم القبيحة، وجازاهم جزاء وفاقًا. وفي كل ذلك تخويف لقريش، وتحذير لهم عن التكذيب، وفيه عبرة موقظة لأولي الألباب.
والمعنى: وجاء فرعون ومن تقدمه من الأمم التي كفرت بآيات الله كقوم نوح وعاد وثمود، والقرى التي ائتفكت بأهلها، وصار عاليها سافلها بسبب خطيئتها ومعصيتها. ثم بين هذه الخطيئة بقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: فعصى هؤلاء الذين تقدم ذكرهم رسل الله الذين أرسلوا إليهم، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ وأذاقهم وبال أمرهم بعقوبة زائدة على عقوبة سائر الكفّار، كما زادت قبائحهم على قبائح غيرهم. ونحو الآية قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾.
١١ - ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ المعهود وقت الطوفان؛ أي: جاوز حدّه المعتاد حتى ارتفع على كل شيء خمس مئة ذراع، وقال بعضهم: ارتفع على أرفع جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعًا. أو جاوز حذه في المعاملة مع خزّانه من الملائكة بحيث لم يقدروا على ضبطه. وذلك الطغيان ومجاوزة الحدّ بسبب إصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه فيما أوحي إليه من الأحكام التي من جملتها أحوال القيامة، فانتقم الله منهم بالإغراق. ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أيّها الناس، أي: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، فكأنّكم محمولون بأشخاصكم. وفيه تنبيه على المنّة في الحمل؛ لأنّ نجاة آبائهم سبب ولادتهم. ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني: في سفينة نوح؛ لأنّ من شأنها أن تجري على الماء. والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام الطوفان، لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة ﴿في﴾، فإنها ليست بعلّة
стр. 13923
للحمل، بل متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله؛ أي: رفعناكم فوق الماء، وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية بأمرنا، وحفظنا من غير غرق ولا خرق. وفيه تنبيه على أنّ مدار نجاتهم محض عصمته تعالى، وإنّما السفينة سبب صوري.
١٢ - ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾؛ أي: لنجعل الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ﴿لَكُمْ﴾ أيتها الأمة المحمدية ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عبرةً ودلالةً على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته. فضمير ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ إلى الفعلة والقصة بدلالة ما بعد الآية من الوعي، وقد أدرك السفينة أوائل هذه الأمّة، وكان ألواحها على الجوديّ أو لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرةً وعظةً، تستدلّون بها على عظيم قدرة الله وبديع صنعه.
﴿وَتَعِيَهَا﴾؛ أي: وتعي هذه القصة، وتحفظها ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾؛ أي: أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره والتفكر فيه، ولا تضيعه بترك العمل به. والوعي: أن تحفظ العلم، يقال: وعيت ما قلته؛ أي: حفظت، ومنه قوله ﷺ : "لا خير في العيش إلّا لعالم ناطق ومستمع واع" والإيعاء: أن تحفظه في غير نفسك من وعاء، يقال: أوعيت المتاع في الوعاء، ومنه قوله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "لا توعي فيوعي الله عليك أرضخي ما استطعت" قال الشاعر:
الْخَيْرُ يَبْقَى وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ ... وَالشَّرُّ أَخْبَثُ مَا أَوْعَيْتَ مِنْ زَادِ
ويقال: الوعي فعل القلب، ولكن الآذان تؤدي الحديث إلى القلوب الواعية، فنعتت الآذان بنعت القلوب. والتنكير والتوحيد حيث لم يقل: الآذان الواعية للدلالة على قلَّتها، وأن من هذا شأنه مع قلته يتسبَّبُ لنجاة الجم الغفير وإدامة نسلهم. يعني: أنّ من وعى هذه القصة إنّما يعيها، ويحفظها لأجل أن يذكرها للناس ويرغّبهم في الإيمان المنجي، ويحذّرهم عن الكفر المردي، فيكون سببًا للنجاة والإدامة المذكورتين.
قال في "الكشاف": الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالي بهم وإن ملَؤُوا ما بين الخافقين. وفي الحديث: "أفلح من جعل الله له قلبًا واعيًا". وروي: أنَّ النبي ﷺ قال لعلي: "إني دعوت الله أن يجعلها أذنك يا علي". قال علي كرم الله وجهه: فما سمعت شيئًا
стр. 13924
فنسيته، وما كان لي أن أنسى إذ هو الحافظ للأسرار الإلهية، وقد قال: ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة. وفي رواية: أخذ بأذن عليّ بن أبي طالب وقال: هي هذه ذكره النقاش، ولكن لا يصح هذا الحديث.
والمعنى (١): لنجعل نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين عظة وعبرة لكم لدلالتها على كمال قدرة الصانع وحكمته وسعة رحمته، وتفهمها أذن حافظة سامعة عن الله، فتنتفع بما سمعت من كتابه، ولا تضيع العمل بما فيه، وتبلغها إلى من يأتي بعد.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين وفتح الياء مخفّفة. وقرأ طلحة بن مصرف، وحميد، والأعرج، وأبو عمرو في رواية هارون، وخارجة، وقنبل بخلاف عنه بإسكان العين وفتح الياء مخفّفة. وقرأ حمزة بإخفاء الحركة ووجه الإسكان التشبيه في الفعل بما كان على وزن فعل في الاسم والفعل، نحو: كبد وفخذ وعلم وسمع. وتعي ليس على وزن فعل، بل هو مضارع وعي فصار إلى فعل، وأصله: يفعل حذفت واوه. وروي عن عاصم عصمة وحمزة الأرزق ﴿وتعيها﴾ بتشديد الياء. قيل: وهو خطأ، وينبغي أن يتأوّل على أنه أريد شدة بيان الياء احترازًا ممن سكنها لا إدغام حرف في حرف، ولا ينبغي أن يجعل ذلك من باب التضعيف في الوقف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. وإن كان قد ذهب إلى ذلك بعضهم. وروي عن حمزة وعن موسى بن عبد الله العنسي ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بإسكان الياء. فاحتمل الاستئناف، وهو الظاهر، واحتمل أن يكون مثل قراءة ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ بسكون الياء.
١٣ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ وهذا شروع (٣) في بيان الحاقّة وكيفية وقوعها بعد بيان عظم شأنها بإهلاك مكذّبيها. والنفخ: إرسال الريح من الفم. والصور: قرن من نور أوسع من السماوات، ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله، فيحدث صوت عظيم، فإذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون، ثمّ يموتون إلّا من شاء الله تعالى. والمصدر المبهم هو الذي يكون لمجرد التأكيد، وإن كان لا يقام مقام الفاعل فلا يقال: ضرب ضرب؛ إذ لا يفيد أمرًا زائدًا على مدلول الفعل، إلّا أنه حسن إسناد الفعل في الآية إلى المصدر وهو النفخة لكونها نفخًا مقيدًا بالوحدة
стр. 13925
والمرة لا نفخًا مجردًا مبهمًا.
والمراد بها هاهنا: النفخة الأولى التي لا يبقى عندها حيوان إلّا مات، ويكون عندها خراب العالم لما دل عليه الحمل والدك الآتيان. وفي "الكشاف": فإن قلت: هما نفختان فلم قيل واحدة؟
قلت: معناه: أنها لا تثنى في وقتها انتهى. يعني. أنَّ حدوث الأمر العظيم بالنفخة، وعلى عقبها إنما استعظم من حيث وقوع النفخ مرة واحدة، لا من حيث إنه نفخ. فنبه على ذلك بقوله: "واحدة".
وقرأ الجمهور (١): ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ بالرفع فيهما على أنَّ ﴿نَفْخَةٌ﴾ مرتفعة على النيابة، و ﴿وَاحِدَةٌ﴾ تأكيد لها. وحسن تذكير الفعل لوقوع الفصل؛ ولأن تأنيث النفخ مجازي. وقرأ أبو السمال بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور، قال الزجاج: ﴿فِي الصُّورِ﴾ يقوم مقام ما لم يسم فاعله.
١٤ - ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾؛ أي: قلعت ورفعت من أماكنها بمجرد القدرة الإلهية أو بالريح العاصفة، فإن الريح من قوة عصفها تحمل الأرض والجبال كما حملت أرض وجود قوم عاد وجبال جمالهم مع هوادجها أو بواسطة الملائكة. وقرأ الجمهور ﴿وَحُمِلَتِ﴾ بتخفيف الميم، وابن أبي عبلة، وابن مقسم والأعمش، وابن عامر في رواية يحيى بتشديدها للتكثير أو للتعدية.
﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها، أو فضربت (٢) الجملتان جملة الأرضين وجملة الجبال إثر رفعها بعضها ببعض ضربة واحدة بلا احتياج إلى تكرار الضرب وتثنية الدك حتى تندق وترجع كثيبًا مهيلًا وهباء منبثًا. قال الفراء: ولم يقل: فدككن مع كونه مقتضى الظاهر لإسناد الفعل إلى الأرض والجبال، وهي أمور متعددة، لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة والأرض كذلك، فثنى الضمير نظيره.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ حيث لم يقل: كن. وقيل: ﴿دكتا﴾: بسطتا بسطةً واحدةً، ومنه: اندكّ سنام البعير إذا انفرش على ظهره.
стр. 13926
١٥ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: فحينئذٍ، وهو منصوب بقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾؛ أي: قامت القيامة. فالواقعة اسم من أسماء القيامة بالغلبة لتحقق وقوعها، وبهذا الاعتبار أسند إليه ﴿وَقَعَتِ﴾؛ أي: إذا كان الأمر كذلك قامت القيامة التي توعدون بها أو نزلت النازلة العظيمة التي هي صيحة القيامة. وهو جواب لقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل، من ﴿إذا﴾، كرّر لطول الكلام، والعامل فيهما ﴿وَقَعَتِ﴾.
١٦ - ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: تشققت وانفرجت لنزول الملائكة لأمر عظيم أراده الله تعالى كما قال في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾. أو بسبب شدّة ذلك اليوم، وهو معطوف على ﴿وَقَعَتِ﴾. ﴿فَهيَ﴾؛ أي السماء ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ انشقت ﴿وَاهِيَةٌ﴾ أي: ضعيفة مسترخية ساقطة القوة جدًّا كالغزل المنقوض بعدما كانت محكمة مستمسكة، وإن كانت قابلة للخرق والالتئام.
ومعنى الآيات: فإذا نفخ إسرافيل النفخة الأولى التي عندها خراب العالم، ورفعت الأرض والجبال مِنْ أماكنها، ولا ندري كيف رفعت؛ لأنّ ذلك من أنباء الغيب، فقد يكون ذلك بريح يبلغ من قوة عصفها أن تحملهما أو أنَّ ملكًا يحملهما أو بقدرة الله من غير سبب ظاهر، أو بمصادمة بعض الأجرام كذوات الأذناب، فتنفصل الجبال؛ وترتفع من شدّة المصادمة، وترتفع الأرض من حيّزها، فضرب بعضهما ببعض ضربة واحدة حتى تقطعت أوصالها وصارتا كثيبًا مهيلًا وهباء منبثًا، لا يتميز شيء من أجزائهما عن الآخر، فحينئذٍ تقوم القيامة وتتصدع السماء؛ لأنها يومئذٍ ضعيفة المنة كالعهن المنفوش بعد أن كانت شديدة الأسر عظيمة القوة.
١٧ - ﴿وَالْمَلَكُ﴾؛ أي: والملائكة ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾؛ أي: على جوانب السماء ينظرون إلى أهل الأرض، ولا ندري كيف ذلك، ولا الحكمة فيه؛ فناع تفصيل ذلك ونؤمن به، كما جاء في الكتاب ولا نزيد عليه.
ومعنى ﴿وَالْمَلَكُ﴾؛ أي: الخلق المعروف بالملك، وهو أعم من الملائكة، ألا ترى إلى قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد أعم من قولك: من ملائكة.
قال الزمخشري: فإن قلت (١): ما الفرق بين قولك: والملك وبين أن يقال:
стр. 13927
والملائكة؟
قلت: الملك أعم من الملائكة ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد أعم من قولك: ما من ملائكة انتهى. ولا يظهر (١) أن الملك أعم من الملائكة؛ لأن المفرد المحلى بالألف واللام الجنسية قصاراه أن يراد به الجمع المحلى بهما، ولذلك صح الاستثناء منه، فقصاراه أن يكون كالجمع المحلى بهما. وأما دعواه أنه أعم منه بقوله: ألا ترى إلخ، فليس دليلًا على دعواه؛ لأن (من ملك) نكرة مفردة في سياق النفي قد دخلت عليها (من) المخلصة للاستغراق، فشملت كل ملك، فاندرج تحتها الجمع لوجود الفرد فيه، فانتفى كل فرد فرد بخلاف من ملائكة فإن (من) دخلت على جمع منكر فعم كل جمع جمع من الملائكة، ولا يلزم من ذلك انتفاء كل فرد فرد من الملائكة. لو قلت: ما في الدار من رجال جاز أن يكون فيها واحد؛ لأن النفي إنما انسحب على جمع ولا يلزم من انتفاء الجمع أن ينتفي المفرد. والملك في الآية ليس في سياق نفي دخلت عليه ﴿مِنْ﴾، فيكون أعم من جمع دخلت عليه ﴿مِنْ﴾، وإنما جيء به مفردًا؛ لأنه أخف، ولأن قوله: ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يدل على الجمع لأن الواحد بما هو واحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد بل في أوقات. والمراد - والله تعالى أعلم - أن الملائكة على أرجائها، لا أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات.
أي: جنس (٢) الملك على أطرافها وجوانبها، وهي جمع رجا مقصور وتثنيته رجوان مثل: قفا وقفوان.
والمعنى: أنها لما تشققت السماء وهي مساكنهم لجؤوا إلى أطرافها. قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض، ويحيطون بالأرض ومن عليها. وقال سعيد بن جبير: المعنى: والملك على حافات الدنيا؛ أي: ينزلون إلى الأرض، وقيل: إذا صارت السماء قطعًا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها. قالوا: وقوفهم لحظة على أرجائها وموتهم بعدها، فإن الملائكة يموتون عند النفخة الأولى لا ينافي التعقيب المدلول عليه بالفاء في قوله: ﴿فَهِيَ﴾.
стр. 13928
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ﴾ يا محمد. وهو الفلك التاسع، وهو جسم عظيم لا يعلم عظمه إلا الله تعالى. والفائدة (١) في ذكر العرش عقيب ما تقدم أن العرش بحاله خلاف السماء والأرض، ولذلك لا يفنى. وعن عليّ بن الحسن ﵄ قال: إن الله خلق العرش رابعة لم يخلق قبله إلا ثلاثة: الهواء، والقلم، والنور ثم خلق العرش من أنوار مختلفة من ذلك نور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار. ﴿فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء أو فوق الثمانية؛ أي: ويحملون العرش فوق أنفسهم، فالمحمول لا يلزم أن يكون فوق الحامل فقد يكون في يده، وقد يكون في جيبه، وكل واحد من قوله: ﴿فَوْقَهُمْ﴾. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لقوله: ﴿يحمل﴾، وأما على التقدير الأول فالظاهر أن ﴿فَوْقَهُمْ﴾ حال من ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ قدمت عليها لكونها نكرة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ من الملائكة. وعن النبي ﷺ : "هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيّدهم الله بأربعة أخرى فيكون ثمانية".
وفي "الشوكاني": أي يحمله (٢) فوق رؤوسهم يوم القيامة ثمانية أملاك. وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عددهم إلّا الله . وقيل: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، قاله الكلبي وغيره انتهى.
١٨ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ العامل فيه قوله: ﴿تُعْرَضُونَ﴾ على الله؛ أي: (٣) تسألون وتحاسبون. عبّر عنه بذلك تشبيهًا له بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحوا اطم، يقال: عرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر ما حالهم. والخطاب عامّ للكلّ على التغليب؛ أي: يومئذٍ يعرض العباد على الله لحسابهم، ومثله قوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالمًا به، وإنما هو عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال.
روي: أن في يوم القيامة ثلاث عرضات. فاما عرضتان فاعتذار واحتاج وتوبيخ، وأمّا الثالثة ففيها تنشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك بشماله. أخرجه أحمد والترمذي بلفظ آخر. وهذا العرض، وإن كان بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم اسمًا لزمان متسع يقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب
стр. 13929
وإدخال أهل الجنة الجنة، وإدخال أهل النار النار صح جعله ظرفًا للكل، كما تقول: جئت عام كذا، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته.
وجملة قوله: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير ﴿تُعْرَضُونَ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ كان في الأصل صفة لـ ﴿خَافِيَةٌ﴾ فقدم للفاصلة، فتحول حالًا.
والمعنى: تعرضون على الله حال كونكم غير خاف عليه تعالى فعلة خفيّة منكم تخفونها عن غيركم؛ أي: سر من أسراركم؛ لأنّ العرض لإفشاء الحال والمبالغة في العدل، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾. فقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعلق بما قبله وبما بعده على التجاذب. قال في "الكشاف": ﴿خَافِيَةٌ﴾؛ أي؛ سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا بستر الله عليكم، والسر والسريرة هو الذي يكتم ويخفى، فتظهر يوم القيامة أحوال المؤمنين، فيتكامل بذلك سرورهم وتظهر أحوال غيرهم فيحصل الحزن والافتضاح. ففي الآية زجر عظيم عن المعصية لتأديتها إلى الافتضاح على رؤوس الخلائق، فقلب الإنسان ينبغي أن يكون بحال لو وضع في طبق وأدير على الناس لما وجد فيه ما يورث الخجالة، وهو صفة أهل الإخلاص والنصيحة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَا تَخْفَى﴾ بتاء التأنيث. وقرأ عليّ، وابن وثّاب، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وابن مقسم عن عاصم، وابن سعدان بالياء.
والمعنى (٢): فيومئذٍ تحاسبون وتسألون لا يخفى على الله شيء من أمورك، فانه تعالى عليم بكل شيء لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، كما جاء في آية أخرى ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. وفي هذا تهديد شديد، وزجر عظيم، ومبالغة لا تخفى، وفضيحة للكافرين، وسرور للمؤمنين بظهور ما كان خفيًّا عليهم من أعمالهم، وبذلك يتكامل حبورهم وسرورهم. وفي هذا العرض إقامة للحجة، ومبالغة في إظهار العدل.
أخرج الإِمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة، وابن مردويه
стр. 13930
عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله" وقال الترمذي: لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ .
١٩ - ولما ذكر سبحانه العرض ذكر ما يكون فيه، فقال: ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيل لأحكام العرض ﴿مَنْ﴾ موصولة ﴿أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾؛ أي: أعطي مكتوبه الذي كتبت الحفظة فيه تفاصيل أعماله. ﴿بِيَمِينِهِ﴾ تعظيمًا له؛ لأنّ اليمين يتيمن بها أخذًا وعطاء. والباء بمعنى في أو للإلصاق، وهو الأوجه، والمراد بهم الأبرار، فإن المقربين لا كتاب لهم، ولا حساب لهم لمكانتهم من الله .
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال: هيهات زفته الملائكة إلى الجنة". يقول الفقير: لعل هذا مكافأة له حين أخذ سيفه بيده، وخرج من دار الأرقم وهو يظهر الإِسلام على ملاء من قريش، فبسيفه ظهر الإِسلام ﵁. دل الحديث على أن رتبة أبي بكر فوق رتبة غيره؛ لأن الصديقية تلي النبوة كما في حديث: "أثبت أحد فإنما عليك نبيّ وصديق وشهيدان" وكان عليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فتحرك الجبل، فقال له ذلك.
﴿فَيَقُولُ﴾ فرحًا وسرورًا، فإنه لما أوتي كتابه بيمينه .. علم أنه من الناجين من النار، ومن الفائزين بالجنة، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله. ﴿هَاؤُمُ﴾؛ أي: خذوا يا أهل بيتي وقرابتي وأصحابي كتابي، وتناولوه و ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ و"هاء" اسم فعل أمر بمعنى خذ، يقال: هاء يا رجل بفتح الهمزة وهاء يا امرأة بكسرها، هاؤما يا رجلان أو امرأتان، وهاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نسوة بمعنى: خذ خذا خذوا خذي خذا خذن. وقد يكون فعلًا صريحًا لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها، وفيه ثلاث لغات كما هو معروف في علم الإعراب. ومفعوله هنا محذوف دل عليه مفعول ﴿اقْرَءُوا﴾ و ﴿كتابي﴾ مفعول ﴿اقْرَءُوا﴾؛ لأنّه أقرب العاملين،
стр. 13931
فهو أولى بالعمل في المذكور كما هو مذهب البصريّين لكونه بمنزلة العلة القريبة. وأصله: هاؤمو كتابي، واقرؤوا كتابي فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، نظيره قوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
مبحث هاء السكت
والهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ للوقف والاستراحة والسكت، تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، كما هو الأصل في هاء السكت؛ لأنّها إنّما جيء بها حفظًا للحركة؛ أي: لتحفظ حركة الموقوف عليه، إذ لولا الهاء لسقطت الحركة في الوقف، فتثبت حال الوقف، إذ لا حاجة إليها في حال الوصل، فلذلك كان حقَّها أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل. إلَّا أن القراء السبعة اتفقوا في كل المواضع على إثباتها وقفًا ووصلًا إجراء للوصل مجرى الوقف، واتباعًا لرسم الإِمام، فإنها ثابتة في المصحف في كل المواضع. وهي ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾، و ﴿مَالِيَهْ﴾، و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، و ﴿مَا هِيَهْ﴾ في القارعة. وما كان ثابتًا فيه لا بد أن يكون مثبتًا في اللفظ، إلا أن حمزة أسقط الهاء من ثلاث كلم وصلًا، وهي: ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ و ﴿مَا هِيَهْ﴾، وأثبتها وقفًا على الأصل، ولم يعمل بالأصل في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾، وأثبتها في الحالين جمعًا بين اللغتين. وتبين من هذا التقرير أن المستحب إيثار الوقف إتباعًا للوصل، وأن إثباتها وصلًا أنما هو لاتباع المصحف.
قال في "القاموس": هاء السكت هي اللاحقة لبيان حركة أو حرف نحو: ﴿مَا هِيَهْ﴾، وها هناه، وأصلها أن يوقف عليها، وربما وصلت بنية الوقف انتهى. وهذه الهاء لا تكون إلا ساكنة، وتحريكها لحن؛ أي: خطأ؛ لأنه لا يجوز الوقف على المتحرك. وهاء (١) السكت في القرآن في سبعة مواضع: في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، وفي ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وفي ﴿كِتَابِيَهْ﴾ وفي ﴿حِسَابِيَهْ﴾، وفي ﴿مَالِيَهْ﴾، وفي ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، وفي ﴿مَا هِيَهْ﴾. وأما الهاء التي في ﴿الْقَاضِيَةَ﴾، وفي ﴿هَاوِيَة﴾، وفي ﴿خَاوِيَة﴾ و ﴿ثَمَانِيَةً﴾ و ﴿عَالِيَةٍ﴾ و ﴿دَانِيَةٌ﴾، وأمثالها فللتأنيث فيوقف عليهن بالهاء يوصلن بالتاء.
٢٠ - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾؛ أي: علمت وأيقنت ﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: حساب أعمالي.
стр. 13932
والحساب بمعنى المحاسبة، وهو عد أعمال العباد في الآخرة خيرًا وشرًّا للمجازاة؛ أي: علمت وأيقنت في الدنيا أني مصادف حسابي في ديوان الحساب الإلهي، وأني أحاسب على أعمالي في الآخرة. والظن هنا بمعنى العلم واليقين، فإن الظن قد أتى بمعنى اليقين في مواضع كثيرة من القرآن:
منها: هذا الموضع.
ومنها: قوله تعالى حكاية: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ وهم المؤمنون بالآخرة.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾؛ أي: علم وأيقن بالعلامة القوية، وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾. ولعل التعبير عن العلم بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد، وما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبًا. يعني: أن الظن استعير للعلم الاستدلالي؛ لأنه لا يخلو عن الخطرات والوساوس عند الذهول عما قاد إليه من الدليل للإشعار المذكور. وفي "الكشاف": وإنما أجري الظن مجرى العلم؛ لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام، ويقال: أظن ظنًا كاليقين أن الأمر كيت وكيت.
وقرأ الجمهور (١): ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ في موضعيهما، و ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ وفي القارعة و ﴿مَا هِيَة﴾ بإثبات هاء السكت وقفًا ووصلًا لمراعاة خط المصحف. وقرأ ابن محيصن بحذفها وصلًا ووقفًا وإسكان الياء، وذلك ﴿كتابي﴾ و ﴿حسابي﴾ و ﴿مالي﴾ و ﴿سلطاني﴾، ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه في ﴿مَا هِيَة﴾ في القارعة وقرأ ابن أبي إسحاق والأعمش بطرح الهاء فيهما في الوصل لا في الوقف. وطرحها حمزة في ﴿مالي﴾ و ﴿سلطاني﴾ و ﴿ما هي﴾ في الوصل لا في الوقف وفتح الياء فيهن. وما قاله الزهراوي من أن إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عند أحد علته ليس كما قال، بل ذلك منقول نقل التواتر، فوجب قبوله.
ومعنى الآية (٢): أي فأما من أعطي كتابه بيمينه فيقول: تعالوا يا أصحابي اقرؤوا كتابي فرحًا به؛ لأنه لما أوتيه باليمين علم أنه من الناجين الفائزين بالنعيم؛
стр. 13933
فأحب أن يظهره لغيره حتى يفرحوا بما نال. ثم ذكر العلة في حسن حاله فقال: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾؛ أي: إني فرح مسرور الآن؛ لأنّي علمت في الدنيا أن ربي سيحاسبني حسابًا يسيرًا، وقد حاسبني كذلك، فالله عند ظن عبده به. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك. وقال الحسن في الآية: إنّ المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل للآخرة، وإن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل لها.
٢١ - ثم بين عاقبة أمره، فقال: ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: من أوتي كتابه بيمينه ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: في عيشة وحياة مرضية لا مكروهة، أو في عيشة ذات رضي يرضاها صاحبها؛ أي: من يعيش فيها. وفي "التأويلات النجمية": ﴿رَاضِيَةٍ﴾: هنيئة مريئة صافية عن شوائب الكدر طاهرة عن نوائب الحذر.
وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ﴾؛ أي: في نوع فخيم من العيش. والعيش (١) بالفتح وكذا العيشة والمعاش والمعيش: الحياة المختصة بالحيوان، وهو أخص من الحياة؛ لأن الحياة تقال في الحيوان وفي البازي وفي الملك، ويشتق منه المعيشة لما يتعيش منه. ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذات رضي يرضاها صاحبها على معنى النسبة بالصيغة، فإن النسبة نسبتان نسبة بالحرف كمكي ومدني، ونسبة بالصيغة كلابن وتامر بمعنى ذي لبن وذي تمر. ويجوز أن يجعل الفعل لها، وهو لصاحبها، فيكون من قبيل الإسناد المجازي. ومآل الوجهين كون العيشة مرضية.
وكون العيشة مرضية لاشتمالها على أمور ثلاثة:
الأول: كونها منفعة صافية عن الشوائب.
والثماني: كونها دائمة لا يترقب زوالها وانقطاعها.
والثالث: كونها بحيث يقصد بها تعظيم من رضي بها وإكرامه، وإلا يكون استهزاء واستدراجًا. وعيشة من أعطيَ كتابه بيمينه جامعة لهذه الأمور الثلاثة، فتكون مرضيًّا كمال الرضا. قال ابن عباس ﵄: يعيشون فلا يموتون،
стр. 13934
ويصحون فلا يمرضون، وينعمون فلا يرون بؤسًا أبدًا.
والمعنى: فهو يعيش عيشة مرضية خالية مما يكدرها مع دوامها، وما فيها من إجلال وتعظيم.
٢٢ - ثم فصل ذلك بقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾؛ أي: مرتفعة المكان؛ لأنها في السماء كما أن النار سافلة؛ لأنها تحت الأرض. أو مرتفعة الدرجات أو الأبنية والأشجار، فيكون عالية من الصفات الجارية على غير من هي له، وهو بدل من ﴿عِيشَةٍ﴾ بإعادة الجار. ويجوز كونه متعلقًا بـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: يعيش عيشًا مرضيًّا في جنة عالية.
٢٣ - ﴿قُطُوفُهَا﴾؛ أي: ثمرات تلك الجنة، جمع قطف بالكسر، وهو ما يقطف ويجتنى بسرعة، والقطف بالفتح مصدر. قال سعدي المفتي: اعتبار السرعة في مفهوم القطف محل خلاف، قال ابن الشيخ: معنى السرعة قطع الكل بمرّة. وفي "القاموس": القطف بالكسر: العنقود، واسم للثمار المقطوفة انتهى. فلا حاجة إلى أن يقال: غلب هنا في جميع ما يجتني من الثمر عنبًا كان أو غيره. ﴿دَانِيَةٌ﴾؛ أي: قريبة من مريدها وآخذها، ينالها القائم والقاعد والمضطجع من غير تعب ولا كدّ. وقيل معناه: لا يتأخّر إدراكها انتهى. وإذا أراد أن تدنو إلى فيه دنت بخلاف ثمار الدنيا، فإن في قطفها وتحصيلها تعبًا ومشقة غالبًا، وكذا لا تؤكل إلا بمزاولة اليد. يقول الفقير: أشجار الجنة على صورة الإنسان. يعني: أن أصل الإنسان رأسه، وهي في طرف العلو، ورجله فرعه مع أنها في طرف السفل، فكذلك أصول أشجار الجنة في طرف العلو، وأغصانها متدلية إلى جانب السفل، ولذا لا يرون تعبًا في القطف على أن نعيم الجنة تابع لإرادة المتنعم به، فيصرف فيه كيف يشاء من غير مشقّة.
٢٤ - وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ مقول لقول مضمر، والجمع بعد قوله: ﴿فَهُوَ﴾ باعتبار المعنى، والأمر أمر امتنان وإباحة لا أمر تكليف ضرورة أنَّ الآخرة ليست بدار تكليف. وجمع بين الأكل والشرب؛ لأن أحدهما شقيق الآخر فلا ينفك عنه، ولذا لم يذكر هنا الملابس، وإن ذكرت في موضع آخر. والمعنى؛ أي: يقال لمن أوتي كتابه بيمينه: كلوا من طعام الجنة وثمارها واشربوا من شرابها مطلقًا. ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: أكلًا وشربًا هنيئًا؛ أي: سائغًا لا تنغيص فيه في الحلقوم، وجعل الهنيء صفة لهما؛ لأن المصدر يتناول المثنى أيضًا، من هنؤ الطعام والشراب؛
стр. 13935
أي: صار هنيئًا سائغًا. وإسناد الهناءة إلى الأكل والشرب مجاز للمبالغة؛ لأنّها للمأكول والمشروب. وقولهم: ﴿هَنِيئًا﴾ عند شرب الماء ونحوه بمعنى صحة وعافية؛ لأن السائغ محظوظ منه بسبب الصحة والعافية غالبًا. ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾؛ أي: بمقابلة ما قدمتم من الأعمال الصالحة أو بدله أو بسببه. ومعنى الإسلاف في اللغة: تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير، فهو كالإقراض، ومنه: يقال: أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله، وأسلم. ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾؛ أي: الماضية في الدنيا. وعن مجاهد: أيام الصيام، فيكون المعنى: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله في أيام الصيام لا سيما في الأيام الحارة، وهو الأولى؛ لأن الجزاء لا بد وأن يكون من جنس العمل وملائمًا له.
والمعنى: أي ويقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا يا معشر من رضيت عنه فأدخلته جنتي من ثمارها وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشربتها أكلًا وشربًا هنيئًا، لا تتأذون بما تأكلون وما تشربون جزاء من الله وثوابًا على ما قدمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعتي.
٢٥ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ﴾ وأعطي ﴿كِتَابَهُ﴾؛ أي: كتاب أعماله ﴿بشِمَالِه﴾ تحقيرًا له؛ لأنّ الشمال يتشاءم بها بأن تلوى يساره إلى خلف ظهره، فيأخذه بها، ويرى ما فيه من قبائح الأعمال. ﴿فَيَقُولُ﴾ تحزّنًا وتحسرًّا وخوفًا مما فيه من السيئات، وهو من قبيل الألم الروحانيّ الذي هو أشدّ من الألم الجسمانيّ. ﴿يا﴾ هؤلاء يا معشر المحشر ﴿لَيْتَنِي﴾ من التمني بالمحال؛ أي: أتمنّى أنّي ﴿لَمْ أُوتَ﴾ مضارع مبني للمتكلم المجهول من الإيتاء بمعنى لم أعط. ﴿كِتَابِيَهْ﴾؛ أي: كتابي هذا الذي جمع جميع سيئاتي.
٢٦ - ﴿وَلَمْ أَدْرِ﴾ مضارع مبني للمتكلم المعلوم من الدراية بمعنى العلم، أي: ولم أعلم ﴿مَا حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: أيّ شيء حسابي من ذكر العمل وذكر الجزاء عليه، لأن كله عليه. فـ ﴿ما﴾ استفهامية علق بها الفعل عن العمل، ويجوز أن تكون موصولة بتقدير المبتدأ في الصلة.
٢٧ - ﴿يَا لَيْتَهَا﴾ تكرير للتمني وتجديد للتحسر، أي: يا هؤلاء ليت الموتة التي متّها وذقتها ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾؛ أي: القاطعة لحياتي وأمري، ولم أبعث بعدها، ولم ألق ما ألقى. والمعنى: أنه تمنّى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله وما يصير إليه من العذاب، فالضمير في ﴿ليتها﴾ يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها، وإن لم تكن مذكورة؛ لأنها لظهورها كانت كالمذكورة.