← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

عطف، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما ملكته أيمانهم. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الفاء تعليلية، ﴿إنّهم﴾ ناصب واسمه، ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الاستثناء. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾. ﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حكم هذا الاستثناء، وأردت بيان حكم من ابتغى وراء ذلك فأقول لك: من ابتغى. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط أو هما، ﴿ابْتَغَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، فقد خرجت ﴿وَرَاءَ﴾ عن الظرفية؛ أي: طلب وراء الاستمتاع بالنكاح، أو بملك اليمين. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿هُمْ﴾ ضمير فصل، ﴿الْعَادُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية جواب لـ ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مقول لجواب (إذا) المقدرة، وجملة (إذا) المقدرة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المتعاطفين. ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على الموصول الأول أيضًا، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَاعُونَ﴾، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ معطوف على ﴿آماناتهم﴾، ﴿رَاعُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على الموصول الأول أيضًا، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قَائِمُونَ﴾، و ﴿قَائِمُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُحَافِظُونَ﴾، وجملة ﴿يُحَافِظُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ خبر المبتدأ، ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خبر ثان، ولك أن تعلق ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ بـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾. ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾. ﴿فَمَالِ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ،

стр. 14002

﴿للذين﴾ جار ومجرور خبر ﴿ما﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿قِبَلَكَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف حال من ﴿الَّذِينَ﴾؛ أي: متوجهين قبلك أو متعلق بـ ﴿مُهْطِعِينَ﴾، و ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال من الموصول أيضًا؛ أي؛ مسرعين إليك. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ جار ومجرور، حال من الموصول؛ أي: كائنين في جهة يمينك. ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾. وقيل: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أو بـ ﴿عِزِينَ﴾، و ﴿عِزِينَ﴾ حال من الموصول أيضًا. فالأربعة أحوال من الموصول. وقيل: غير ذلك. ﴿أَيَطْمَعُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، ﴿يطمع﴾ فعل مضارع، ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ فاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لـ ﴿امْرِئٍ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾ حرف نصب، ﴿يُدْخَلَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بـ ﴿أن﴾، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾، ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ مفعول به ثان، منصوب على السعة، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: أيطمع في دخوله جنة نعيم ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر عن طمعهم بدخول الجنة ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿خَلَقْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر ﴿إِنَّا﴾. ﴿مِمَّا﴾ متعلقان بـ ﴿خَلَقْنَاهُمْ﴾. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية؛ ﴿لا﴾ زائدة، ﴿أُقْسِمُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه، والجملة مستأنفة، ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ متعلق بـ ﴿أُقْسِمُ﴾، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَقَادِرُونَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، و ﴿قادرون﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿عَلَى﴾ حرف جر، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿نُبَدِّلَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾؛ أي: على تبديلنا. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قادرون﴾، ﴿خَيْرًا﴾ مفعول به، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿ما﴾ حجازية، ﴿نَحْنُ﴾ اسمها، ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾ خبرها، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نُبَدِّلَ﴾.

стр. 14003

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾. ﴿فَذَرْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنهم لا يفوتوننا، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿ذرهم﴾. ﴿ذر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والهاء: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿يَخُوضُوا﴾ فعل مضارع، مجزوم بالطلب السابق، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَخُوضُوا﴾، ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿يُلَاقُوا﴾ فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، و ﴿الواو﴾: فاعل، ﴿يَوْمَهُمُ﴾ مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، تقديره: إلى ملاقاتهم يومهم الذي يوعدون، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ذرهم﴾، ﴿الَّذِي﴾ نعت لـ ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وجملة ﴿يُوعَدُونَ﴾ من الفعل المغيّر، ونائب فاعله صلة الموصول. ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وجملة ﴿يَخْرُجُونَ﴾ في محل الجرح بإضافة الظرف إليه ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْرُجُونَ﴾، ﴿سِرَاعًا﴾ حال من الواو في ﴿يَخْرُجُونَ﴾، ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُوفِضُونَ﴾، وجملة ﴿يُوفِضُونَ﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿كأنّ﴾، وجملة ﴿كأنّ﴾ في محل النصب حال ثانية من الواو أيضًا، فتكون مترادفة أو من الضمير في ﴿سِرَاعًا﴾، فتكون متداخلة ﴿خَاشِعَةً﴾ حال من فاعل ﴿يُوفِضُونَ﴾، أو من فاعل ﴿يَخْرُجُونَ﴾، والأول أقرب، ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ فاعل بـ ﴿خَاشِعَةً﴾، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة حال ثانية من فاعل ﴿يُوفِضُونَ﴾، ولك أن تجعلها مستأنفة. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿الْيَوْمُ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة أو مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿الَّذِى﴾ صفة لـ ﴿يوم﴾، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُوعَدُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة الموصول. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ قرىء ﴿سَألَ﴾ بهمزة هي عين الفعل، وعليه فقوله: ﴿سَائِلٌ﴾ لا

стр. 14004

إعلال فيه، اسم فاعل من سأل المهموز. وقرىء ﴿سال﴾ بألف ليّنة وتحتمل أوجهًا: الأوّل: أن يكون من السؤال كالقراءة بالهمز، لكن الهمزة أبدلت ألفًا على غير القياس، لكنه مسموع عن العرب، ومنه: قول حسان بن ثابت ﵁: سَالَتْ هُذِيل رَسُوْلَ اللهِ فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِمَا جَاءَتْ وَلَمْ تُصِبِ فقوله: سَالَتْ يعني: سألت ومنه: قول الفرزدق: رَاحَتْ بِمَسْلَمَةً البِغَالُ عَشِيَّةً ... فَارْعيْ فَزَاوَةً لَا هَنَاكَ المَرْتَعُ فقوله: لا هنَّاك؛ أي: لا هناك، فأبدل الشاعران الهمزة في البيتين ألفًا. ومن ذلك قراءة نافع وأبي عمرو البصري ﴿منساته﴾ بألف لينة. وعلى هذا فليس في ﴿سَائِلٌ﴾ إعلال. والوجه الثاني: أن الألف فيه مبدلة من واو كالألف في ﴿خاف﴾، وعليه فتكون الهمزة في ﴿سَائِلٌ﴾ مبدلة من واو كما في خائف. والوجه الثالث: أن تكون الألف فيه مبدلة من ياء، والأصل: سيل من السيل، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح كالألف في قال، وعليه فتكون الهمزة في ﴿سَائِلٌ﴾ بدلًا من ياء. وفسروه بأنه وأد في جهنم اسمه سائل. فالمعنى: سأل هذا الوادي الذي في جهنم بعذاب، وعليه فالباء هنا في موضعها، وإذا جعل من السؤال فالباء بمعنى عن. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾؛ أي: المصاعد، والمعارج: جمع معرج بفتح الميم هنا بمعنى مصعد، وهو موضع الصعود. قال الراغب: العروج: ذهاب في صعود، والمعارج: المصاعد. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ أصله: يرأيونه، نقلت حركة الهمزة إلى الراء نقلًا مطردًا كما تقدم ثم حذفت للتخفيف، فصار اللفظ: يريونه فقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لما التقت سنة مع واو الجماعة. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ أصله أيضًا: نرأيه فعل بالهمز ما فعل بهمزة ﴿يرونه﴾، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ولم تحذف لعدم التقاء الساكنيني. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ المهل: درديّ الزيت، وهو ما يكون في قعر الإناء منه

стр. 14005

لسيلانه على مهل لثخانته، أو خبث الحديد ونحوه مما يذاب على مهل وتدريج. وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلونها أو كالقير والقطران في سوادهما. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ ﴿والعهن﴾: الصوف مطلقًا، وقيل: بقيد كونه أحمر، وقيل: بقيد كونه مصبوغًا، وقيل: بقيد كونه مصبوغًا بألوان شتّى اهـ سمين. وهذه الأقوال في معنى ﴿العهن﴾ في اللغة اهـ. ﴿حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ و ﴿الحميم﴾: القريب. ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يبصر الأحماء الأحماء، ويرونهم. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾؛ أي: يتمنى الكافر، أصله: يودد مضارع ودد بكسر العين. وفي "المصباح": نقلت حركة الدال إلى الواو، وهذا النقل غير معهود؛ إذ المعهود نقل حركة حرف اللين إلى الساكن الصحيح، وهنا بالعكس. فلما وقع هذا النقل سكنت الدال الأولى، وأدغمت في الثانية. ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾ من الافتداء، والافتداء: حفظ الإنسان نفسه عن النائبة بما يبذل عنه. ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ الفصيلة؛ العشيرة، وقال ثعلب: الآباء الأدنون، فهي فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: مفصول منها. ﴿تُؤْوِيهِ﴾ من أوى إلى كذا: انضم إليه، وآواه غيره، كما قال تعالى: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾؛ أي: ضمه إلى نفسه. فمعنى ﴿تُؤْوِيهِ﴾: تضمه إليها في النسب، أو عند الشدائد، فيلوذ بها. ﴿كَلَّا﴾ ردع للمجرم عن الودادة، وتصريح بامتناع إنجاء الافتداء؛ أي: ليس الأمر كما يتمنى. ﴿إنَهَا لَظَى﴾ علم لجهنم؛ لأنها تتلظى؛ أي: تتلهب على من يصلاها. ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ يقال: نزع الشيء: جذبه من مقره وقلعه. والشوى: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، وفيه إعلال بالقلب، أصله: الشوي قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أوعى فيه إعلال بالقلب، أصله: أوعى بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿هَلُوعًا﴾ قال في "الصحاح": الهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، يقال: هلع بالكسر من باب فرح، فهو هلع وهلوع على التكثير، والهلوع مبالغة هالع. وقال عكرمة: هو الضجور، وقيل غير ذلك، فالهلوع والجزوع والمنوع كل من الثلاثة صيغة مبالغة؛ لأنها على زنة فعول كضروب بمعنى: كثير الضرب. ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ أصله: المصليين بياءين، الأولى لام الكلمة والثانية ياء الجمع، حذفت حركة الياء الأولى للتخفيف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ الأصل: داومون بالواو، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على فعله "دام" في الإعلال، فأصل دام

стр. 14006

دوم، أعِلّ بقلب الواو ألفًا فحمل عليه الوصف فاعل بقلب الواو همزة. ﴿حَقٌّ لِلسَّائِلِ﴾ والسائل: هو الذي يسأل ويظهر الفقر. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ هو الذي لا يسأل إما حياء أو توكلا على الله، فيظن أنه غني فيحرم. ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ جمع فرج من الانفراج، وهو الفتحة، وفرج الرجل والمرأة سوءتهما؛ أي: قبلهما. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ جمع ملوم، اسم مفعول من لام الثلاثي، وأصله: ملوومين نقلت حركة الواو إلى اللام فسكنت فالتقى ساكنان فحذفت واو مفعول على الصحيح. ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾ جمع عاد من العدوان، يقال: عدا عليه إذا تجاوز في الظلم. ﴿مُهْطِعِينَ﴾؛ أي: مسرعين نحوك مادي أعناقهم مقبلين بأبصارهم عليك، فهو من الكلمات التي يحتاج في تفسيرها إلى جمل. وفي "القاموس": هطع كمنع هطعًا وهطوعًا: أسرع مقبلًا خائفًا، وأقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه، وهطع: مد عنقه وصوب رأسه كاستهطع وكأمير الطريق الواسع وكمحسن من ينظر في ذل وخضوع لا يقلع بصره، أو الساكت المنطلق إلى من هتف به، وبعير مهطع في عنقه: تصويبٌ خلقةً، وقد تقدم شرح هذه المادة في سورة إبراهيم. ﴿عِزِينَ﴾ جمع عزة. قال أبو عبيدة: جماعات في تفرقة، وقيل: الجمع اليسير كثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الأصمعي: في الدار عزون؛ أي: أصناف من الناس. وعزين: جمع عزةٍ، والهاء فيه عوض عن لام الكلمة التي قيل: إنها واو، يقال: عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وقيل: إنها ياء يقال: عزيته بالياء أعزيه بمعنى: عزوته. وقيل: إنها هاء، والأصل: عزهة. والقولان الأولان أولى من الثالث، وعليه فلام الكلمة محذوفة، والياء الموجودة ياء الجمع؛ لأن هذا اللفظ من الألفاظ الملحقة بالجمع المذكر السالم، فوزنه: فعين. ﴿يَخُوضُوا﴾ أصله: يخوضوا بوزن يفعلوا، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد. ﴿يُلَاقُوا﴾ أصله: يلاقيوا، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت القاف لمناسبة الواو، فوزنه: يفاعوا. ﴿نُصُبٍ﴾ تقدم القول فيه مفصلًا، ونضيف إليه هنا أنه قرىء ﴿نصب﴾ بالفتح والإسكان، وقراءتنا بضقتين، وقرىء بفتحتين، وقرىء بضم فسكون، فالأول اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع الشخص نحوه. وقال أبو عمرو: هو شبكة الصائد يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه:

стр. 14007

أحدها: أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة. والثاني: أنه جمع نصاب ككتب وكتاب. والثالث: أنه جمع نصب كرهن في رهن وسقف في سقف، وجمع الجمع: أنصاب. وأما الثالثة ففعل بمعنى مفعول؛ أي: منصوب كالقبض بمعنى المقبوض، والرابعة تخفيف من الثانية. ﴿يُوفِضُونَ﴾ من الإيفاض، وهو الإسراع. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وقوله: ﴿تَعْرُجُ﴾ و ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾. ومنها: إيراد صيغة تدل على الماضي في قوله: ﴿وَاقِعٍ﴾ دون سيوقع، للدلالة على تحقق وقوعه إمّا في الدنيا كما في يوم بدر، وإمّا في الآخرة وهو عذاب النار. ومنها: فن التمثيل والتشبيه في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾، فهذا من التمثيل، فليس المراد حقيقة ذلك العدد، بل المراد الإشارة إلى أنه يبدو للكافر طويلًا لما يلقاه خلاله من الهول والشدائد، فلا تنافي مع آية السجدة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر. قال الشاعر: فَقِصَارُهُنَ مَعَ الْهُمُومِ طَوِيلَةٌ ... وَطِوَالُهُنَّ مَعَ السُّرُوْرِ قِصَارُ أو من باب التشبيه البليغ، والأصل كمقدار مدة خمسين ألف سنة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾. ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، فالروح هو جبريل، أفرده بالذكر إظهارًا لشرفه وفضله. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ لحذف وجه الشبه، ووجه الشبه فيه التلون، وكذلك قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾، ووجه الشبه في هذا التطاير والتناثر. وقد رمق أبو العلاء هذه السماء العالية من البلاغة، إذ قال في رثاء أبيه:

стр. 14008

فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلَ يَخِفُّ وَقَارُهُ ... إِذَا صَارَ أُحْدٌ في الْقِيامَةِ كَالعِهْن ومنها: الطباق بين قوله: ﴿بَعِيدًا﴾ و ﴿قَرِيبًا﴾ وبين ﴿الْيَمِينِ﴾ و ﴿الشِّمَالِ﴾ وبين ﴿الْمَشَارِقِ﴾ و ﴿الْمَغَارِبِ﴾. ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ إفادة للتعميم. ومنها: ذكر العام بعد الخاص في قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾، جاء بالتعميم في قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ بعد التخصيص فيما قبله لبيان هول الموقف. ومنها: إيراد لفظ ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ تغليبًا للعاقل على غيره. ومنها: المجاز العقليّ في قوله: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾، فهو مجاز عن إحضارهم كأنها تدعوهم فتحضرهم، أو من مجاز الحذف؛ أي: تدعو زبانيتها، فهو على حذف مضاف، أو من الإسناد المجازي حيث أسند فعل الداعي إلى المدعوّ له. ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾، قابله بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾. ومنها: تقديم لفظ ﴿هم﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ إفادة لتقوية الحكم، وتقريره في ذهن السامع كما في قولك: هو يعطي الجزيل قصدًا إلى تحقيق أنه يفعل إعطاء الجزيل. ومنها: الطباق بين السائل والمحروم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾. ومنها: التعبير عن سوءتي الرجل والمرأة؛ أي: قبلهما بلفظ الفروج في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾، تعليمًا للأدب في الكلام وأدب المرء خير من ذهبه. ومنها: التعبير بـ ﴿ما﴾ في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من الولائد إجراءً لهن لمملوكيتهن مجرى غير العقلاء، أو لأنوثتهن المنبئة عن القصور كما مرّ. ومنها: تكرير الصلاة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ اهتمامًا بشأنها وتنويهًا بفضلها، وفيه أيضًا تصدير الجملة بالضمير تقويةً للحكم وتقريرًا له

стр. 14009

في ذهن السامع. ومنها: تقديم الجار والمجرور على الفعل إفادة للاختصاص الدال على أن محافظتهم مقصورة على صلاتهم، لا تجاوز إلى أمور دنياهم. ومنها: فعلية الخبر، فتفيد الجملة الاسمية الدوام والاستمرار. وتفيد الجملة الفعلية التجدد مع الاستمرار. وهذا نمط عجيب انفرد به كتاب الله تعالى. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخيّ في قوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾. ومنها: إيراد لفظ ﴿كُلُّ﴾ في قوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ﴾ إشعارًا بأن من آمن منهم بعد قولهم هذا، وأطاع الله ورسوله حق له الطمع، وتعميمًا للردع لكل منهم كائنًا من كان ممن لم يؤمن. ومنها: تنكير ﴿جَنَّةَ﴾ إشعارًا بأنهم مردودون من كل جنة، وإن كانت الجنان كثيرة. ومنها: توصيفها بنعيم إشعارًا بأن كل جنة مملوءة بالنعمة، وأن من طرد من راحة النعيم، وقع في كدر الجحيم، كما مرّ جميع ذلك. ومنها: الكناية الفائقة الرائقة في قوله: ﴿إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، فإنّه كناية عن المنيّ القذر مع النزاهة التامّة في التعبير، وحسن الإيقاظ والتذكير بألطف عبارة وأبلغ إشارة. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، وفي هذا التشبيه تهجين لحالهم الجاهلية، وتهكّم بهم بذكر جهالتهم التي اعتادوها من الإسراع إلى ما لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين، حيث أسرعوا إلى عبادة من لا يستحق العبادة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. * * *

стр. 14010

خلاصة ما حوته السورة الكريمة من أغراض ومقاصد اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - وصف يوم القيامة وأهواله. ٢ - وصف النار وعذابها. ٣ - صفات الإنسان التي أوجبت له الجحيم، وكيف يجتهد لإزالة ما به من النقص حتى يرتقي إلى المعارج، ويخرج من عالم المادّة. ٤ - وعيد الكافرين على ما يلاقونه في ذلك اليوم الرهيب من الأهوال العجيبة (١). والله أعلم * * *

стр. 14011

سورة نوح ﵇ سورة نوح ﵇ مكيّة، نزلت بعد سورة النحل. وأخرج ابن الضريس والنحاس، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ بمكة. وآياتها (١): سبع أو ثمان وعشرون آية. وكلماتها: مئتان وأربع وعشرون كلمة. وحروفها: تسع مئة وتسعة وتسعون حرفًا. مناسبتها لما قبلها (٢): ١ - أنّه قال في السورة السابقة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ وذكر هنا قصة نوح المشتملة على إغراقهم. إلا من قد آمن، وإبدالهم بمن هو خير منهم، فكأنَّها وقعت موقع الاستدلال على تلك الدعوى. ٢ - تواخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعود به الكفار. وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها (٣): أنه تعالى لما أقسم على أن يبدل خيرًا منهم، وكانوا قد سخروا من المؤمنين، وكذَّبوا بما وعدوا به من العذاب ذكر قصة نوح وقومه معه، وكانوا أشد تمردًا من المشركين، فأخذهم الله أخذ استئصال حتى إنه لم يبق لهم نسلًا على وجه الأرض، وكانوا عباد أصنام كمشركي مكة، فحذَّر تعالى قريشًا أن يصيبهم عذاب يستأصلهم إن لم يؤمنوا. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم: سورة نوح كلها محكم، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وسميت سورة نوح لذكر قصة نوح فيها. والله أعلم * * *

стр. 14012

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾. المناسبة قد تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والسورة التي قبلها، وأخبر سبحانه في بداية هذه السورة أنه أرسل نوحًا إلى قومه، وأمره أن ينذرهم بأسه قبل حلوله بهم، فقال نوح: يا قوم إني لكم نذير، فعليكم أن تعبدوا الله وحده وتطيعوه، فإن فعلتم ذلك .. غفر لكم ذنوبكم، ومد في أعماركم، ودرأ عنكم العذاب، وأمر الله إذا جاء لا يرد ولا يدفع، فهو العظيم الذي قهر كل شيء العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما

стр. 14013

قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن نوحًا أمر أن ينذر قومه قبل أن يحل بهم بأس ربهم وعظيم بطشه، وأنه لبى نداءه، فأنذرهم وأمرهم بتقواه وطاعته ليغفر ذنوبهم ويمد في أعمارهم .. أردف ذلك بمناجاته لربه وشكواه إليه أنه أنذرهم بما أمره به، فعصوه وردوا عليه ما آتاهم به من عنده، ولم يزدهم دعاؤه، إلا إدبارًا عنه وهربًا منه، وأنه كان يدعوهم تارةً جهرةً وتارة سرًّا، وأمرهم أن يطلبوا من ربهم مغفرة ذنوبهم ليرسل المطر عليهم، ويمدهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم الجنات والأنهار. ثم نبههم إلى عظمته تعالى وواسع قدرته، ولفت أنظارهم إلى خلقه تعالى لهم أطوارًا. وخلقه للسموات طباقًا، وجعل القمر فيهن نورًا، وجعل الشمس سراجًا، وجعل الأرض كالبساط، يتنقلون فيها من واد إلى واد، ومن قطر إلى قطر. قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها (١): أنَّ الله سبحانه لقا ذكر فيما سبق إنذار نوح قومه .. أخبر هنا عن نوح أنه أعلم ربه العلم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة أنه مع ما استعمله من الوسائل، والأساليب المختلفة المشتملة على الترغيب طورًا، والترهيب طورًا آخر .. كذّبوه وعصوه واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر ربه ومتع بمال وولد، وقالوا: لا نترك آلهتنا التي عبدناها نحن وآباؤنا من قبل، ولا عجيب فقد أضلت الأصنام خلقًا كثيرًا، فدعا عليهم: رب اخذل هؤلاء القوم الظالمين ولا تزد هم إلا ضلالًا. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر مقالة نوح، وشكواه إليه .. أردفه بما جازاهم به من الغرق والعذاب، وأنهم لم يجدوا من يدفعهما عنهم. ثم أخبر بدعاء نوح على قومه، وعلل هذا بأنهم يضلون الناس، وأنهم لو نسلوا لم يلدوا إلا الكفرة الفجرة. ثم دعا لنفسه ولوالديه ولمن دخل سفينته من المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة، ودعا على قومه بالتبار والهلاك. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ وبعثنا ﴿نُوحًا﴾ بالتوحيد والشرائع والأحكام ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ جميع

стр. 14014

أهل الأرض من الآدميّين أهل عصره. وروى (١) قتادة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أوّل نبيٍّ أرسل نوح ﵇، وأرسل إلى جميع أهل الأرض، ولذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعًا". قال ابن عباس: وأرسل نوح وهو ابن أربعين سنة. وقال عبد الله بن شدّاد: وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة. وقال وهب: وهو ابن خمسين سنة اهـ خطيب. وقوله في الحديث: "أول نبي أرسل نوح" لعل المراد منه أنه أول نبي أرسل بالنهي عن عبادة غير الله؛ لأن عبادة غيره إنما حدثت في زمن نوح، وإلّا فمن المعلوم أن قبله رسلًا آدم وشيث وإدريس اهـ شيخنا. وفي "الشهاب": ونوح أطول الأنبياء عمرًا بل أطول الناس، وهو أوّل من شرعت له الشرائع، وأول رسول أنذر من الشرك وأهلكت أمته. والمعنى (٢): أنّه أوّل من أرسل إلى من يعبد الأصنام، لأن عبادة الأصنام أوّل ما حدثت في قومه، وأرسله الله إليهم ينهاهم عن ذلك. وكان أكثر أهل الأرض في زمانه أولاد قابيل، وهم أوّل من عبدوا الأصنام، وأمّا آدم فأرسله الله سبحانه إلى أولاده بالإيمان وتعليم شرائعه، وكذا شيث وإدريس كلّ منهما أرسل إلى أولاده بالتوحيد والشرائع. وأمّا أولاد قابيل وكانوا أكثر أهل الأرض وعبدوا الأصنام، فأرسل الله إليهم نوحًا، فكانت رسالته عامّة لجميع أهل الأرض من أهل عصره. فإن قلت: إذا كانت رسالة نوح عامّة لجميع أهل الأرض كانت مساويةً لرسالة نبيّنا محمد ﷺ ؟ قلت: رسالة نوح ﵇ عامّة لجميع أهل الأرض في زمنه، ورسالة نبيّنا محمد ﷺ عامّة لجميع من في زمنه، ومن يوجد بعد زمنه إلى يوم القيامة، فلا مساواة. وهو (٣) نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن برد بن مهلائيل بن أنوش بن فينان بن شيث بن آدم ﵇. ويقال له: شيخ المرسلين، وآدم الثاني. ونوح لقبه، واسمه عبد الغفّار، لقب به لكثرة نوحه على

стр. 14015

نفسه أو على الناس بالدعوة إلى التوحيد، أو هو اسم سرياني معناه: الساكن؛ لأنّ الأرض طهرت به عن خبث الكفّار، سكنت إليه. وهو أوّل من أوتي الشريعة في قول، وأوّل أولى العزم من الرسل على قول الأكثرين، وأوّل نذير على الشرك، وكان قومه يعبدون الأصنام، وأوّل من عذَّبَتْ أمته. ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾؛ أي: بأن خوف قومك عن عبادة غير الله تعالى، فتكون ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون هي المفسرة؛ لأن في الإرسال معنى القول؛ أي: أنذر قومك. وقرأ ابن مسعود ﴿أنذر﴾ بدون أن، وذلك على تقدير القول؛ أي: فقلنا له: أنذرهم من قبل أن ياتيهم عذاب أليم؛ أي: خوّفهم بالنار على عبادة الأصنام كي ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا بالله وحده. والحاصل (١): أن ﴿أَنْ﴾ على قراءة الجمهور يجوز أن تكون مفسرة لما في الإرسال من معنى القول كما مرّ آنفًا، ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل إليها الفعل؛ أي: بأن أنذرهم، وجعلت صلتها أمرًا كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ لأنَّ مدار وصلها بصيغ الأفعال دلالتها على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبريّة والإنشائية ووجوب كون الصلة خبريّة في الموصول الاسميّ إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل، وهي لا توصف إلا بالجمل الخبريّة، وليس الموصول الحرفي كذلك، وحيث استوى الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدر استويا في صحة الوصل بها، فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته، فيبقى الحدث المجرد عن معنى الأمر والنهي والمضيّ والاستقبال، كأنّه قيل: أرسلناه بالإنذار كذا في "الإرشاد". ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ﴾ من الله تعالى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: عذاب شديد عاجل كالطوفان والغرق، أو آجل كعذاب الآخرة، لئلا يبقى لهم عذر ما أصلا، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. و ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى المؤلم أو المتألم مبالغة، والألم إمّا جسمانيّ وإما روحاني، والثاني أشدّ. ٢ - وجملة قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال

стр. 14016

مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال نوح؟ فقال: قال نوح لهم: يا قوم؛ أي: يا قومي. خاطبهم بظهار الشفقة عليهم وإرادة الخير لهم وتطييبًا لهم. ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: منذر مخوّف من عاقبة الكفر والمعاصي. وأفرد الإنذار بالذكر مع كونه بشيرًا أيضًا؛ لأن الإنذار أقوى في تأثير الدعوة، لما أن أكثر الناس يطيعون أوّلًا بالخوف من القهر، وثانيًا بالطمع في العطاء، وأقلهم يطيعون بالمحبة للكمال والجمال. يقول الفقير: الظاهر (١) أن الإنذار أول الأمر، كما قال تعالى لنبينا ﷺ : ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾، والتبشير ثاني الأمر كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فالإنذار يتعلق بالكافرين، والتبشير يتعلق بالمؤمنين، وإن أمكن تبشير الكفّار بشرط الإيمان لا في حال الكفر، فإنهم في حال الكفر إنما يستحقون التبشير التهكمي كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾. ﴿مُبِينٌ﴾ موضح لحقيقة الأمر بلغة تعرفونها، أو بين الإنذار، أو مبين لما فيه نجاتكم. والمعنى (٢): أي إنا أرسلنا نوحًا رسولًا إلى قومه، وقلنا له أنذرهم بأس الله وعذابه قبل أن يغرقهم الطوفان. ثم أخبر بأنه لما أمره بذلك امتثل الأمر فقال لقومه: يا قومي إني أنذركم عذاب الله فاحذروا أن ينزل بكم على كفركم به. ٣ - ثم فصّل ما أنذرهم به، فذكر ثلاثة أشياء: ١ - ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: آمركم بعبادة الله وحده. وهو متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾، فـ ﴿أنْ﴾ هي المفسرة لـ ﴿نَذِيرٌ﴾ أو هي المصدرية. والأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب والجوارح. ٢ - ﴿وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: وآمركم بتقواه وخوف عذابه بأن تتركوا محارمه وتجتنبوا مآثمه. والأمر بالتقوى يتناول الزجر عن جميع المحظورت والمكروهات. ٣ - ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: وانتهوا، إلى ما آمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم. والأمر بالطاعة يتناول أمرهم بطاعته في جميع المأمورات والمنهيّات والاعتقاديّات والعمليّات. وفي "التأويلات النجمية": ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: في أخلاقي وصفاتي

стр. 14017

وأفعالي وأعمالي وأقوالي وأحوالي انتهى. وهذا وإن كان داخلًا في الأمر بعبادة الله وتقواه إلا أنه خصه بالذكر تأكيدًا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره. قال بعضهم: وأصله (١): وأطيعوني بالياء، ولم يقل: وأطيعوه بالهاء مع مناسبته لما قبله. يعني: أسند الإطاعة إلى نفسه لما أن إطاعة الرسول إطاعة الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. فإذا كانوا مأمورين بإطاعة الرسول، فكان للرسول أن يقول: وأطيعون، وأيضا أنّ الإجابة كانت تقع له في الظاهر. ٤ - ولما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدهم عليها بشيئين، فقال: ١ - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الأمر ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، أي: بعض ذنوبكم. وهو ما سلف في الجاهلية، فإنّ الإِسلام يجب ما قبله لا ما تأخر عن الإِسلام. فإنه يؤاخذ به، ولا يكون مغفورًا بسبب الإيمان، ولذلك لم يقل: يغفر لكم ذنوبكم بطيّ من التبعيضيّة، فإنه يعم مغفرة جميع الذنوب ما تقدم منها وما تأخّر. وقيل: المراد ببعض الذنوب بعض ما سبق على الإيمان، وهو ما لا يتعلق بحقوف العباد. أي: إذا فعلتم (٢) ما أمركم به وصدّقتم ما أرسلت به إليكم، غفر لكم ذنوبكم، وسامحكم فيما فرط منكم من الزلّات. وفي هذا وعد لهم بإزالة مضارّ الآخرة عنهم وأمنهم من مخاوفها. ٢ - ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ بالحفظ من العقوبات المهلكة كالقتل والإغراق والإحراق ونحوها من أسباب الهلاك والاستئصال، وكان اعتقادهم أنَّ من أهلك بسبب من هذه الأسباب لم يمت بأجله، فخاطبهم على المعقول عندهم. فليس يريد أنّ الإيمان يزيد في آجالهم، كذا في بعض التفاسير. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: معتن مقدر عند الله. والأجل: المدّة المضروبة للشيء. قال في "الإرشاد": وهو الأمد الأقصى الذي قدّره الله لهم بشرط الإيمان والطاعة. وهذا صريح في أنّ لهم أجلًا آخر لا يجاوزنه إن لم يؤمنوا به، وهو المراد بقوله الآتي: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 14018

والمعنى: أي ويمدّ في أعماركم إلى الأمد الأقصى الذي قدّره الله إذا آمنوا وأطاعوا وراء ما قدّره لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان. واستدل العلماء بهذه الآية على أن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة، كما جاء في الحديث: "صلة الرحم تزيد في العمر". ولا ريب أن التقوى والطاعة تؤثر هذا الأثر؛ إذ طهارة الأرواح ونقاء الأشباح تطيل العمر، فبها يحفظ الأمن وتكتب الفضائل وتجتلب المنافع المادّية. والخلاصة (١): أنَّ الأجل أجلان على ما قاله الزمخشري، وعبارته: فقد قضى الله مثلًا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسع مئة سنة. فقيل لهم: آمنوا يؤخّر إلى أجل مسمّى، أي: إلى وقت سمّاه الله وضربه أمدًا تنتهون إليه، وهو الوقت الأطول، وهو تمام الألف اهـ. ثم أخبر أنّه إذا جاء ذلك الأجل الأقرب المشروط ببقائهم على الكفر لا يؤخر، فقال: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ وهو (٢) ما قدّر لكم على تقدير بقائكم على الكفر، وهو الأجل القريب المعلق غير المبرم، بخلاف الأجل المسمى فإنه البعيد المبرم. وأضيف الأجل هنا إلى الله؛ لأنّه المقدر والخالق أسبابه، وأسند إلى العباد في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهم﴾ لأنهم المبتلون المصابون. ﴿إِذَا جَاءَ﴾ وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر ﴿لَا يُؤَخَّرُ﴾ فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر، فلا يجيء، ويتحقق شرط التأخير إلى الأجل المسمى، فتؤخّروا إليه. فالمحكوم عليه بالتأخير هو الأجل المشروط بشرط الإيمان والطاعة، والمحكوم عليه بامتناعه هو الأجل المشروط بشرط البقاء على الكفر، فلا تناقض لانعدام وحدة الشرط. ويجوز أن يراد به وقت إتيان العذاب المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإنه أجل مؤقت له حتمًا. قيل (٣): المعنى: أنّ أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان. وقيل: المعنى إذا جاء الموت لا يؤخّر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب. ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: شيئًا من العلم لسارعتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم أنّ أجل الله إذا جاء لا تأخير فيه ولا إمهال. وفيه إشارة إلى أنّهم ضيّعوا أسباب

стр. 14019

العلم وآلات تحصيله بتوغلهم في حب الدنيا، وطلب لذّاتهم حتى بلغوا بذلك إلى حيث صاروا كأنّهم شاكّون في الموت. وقيل: المراد بأجل الله في قوله: ﴿إنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الأجل الأطول. والمعنى عليه: أي إنّ أجل الله الذي كتبه على خلقه في أمّ الكتاب إذا جاء لا يؤخّر عن ميقاته لو كنتم من أهل العلم، لكنّكم لستم من أهله، ولذا لم تسارعوا إلى العمل بما أمركم به. وفي قوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ زجر لهم عن حبّ الدنيا والتهالك عليها والإعراض عن أوامر الدين ونواهيه، وكأنّهم قد بلغ بهم الأمر إلى أنهم شاكّون في الموت. ٥ - ﴿قْالَ﴾ أي: نوح مناجيًا لربّه وحاكيًا له، وهو أعلم بحال ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال في تلك المدد الطوال بعدما بذل في الدعوة غاية المجهود، وجاوز في الإنذار كل حد معهود، وضاقت عليه الحيل، وعيت به العلل. ﴿رَبِّ﴾ أي: يا ربّي ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى الإيمان والطاعة ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾؛ أي: في الليل والنهار؛ أي: دائمًا من غير فتور ولا توان، فهما ظرفان لدعوت، أراد بهما الدوام على الدعوة؛ لأنّ الزمان منحصر فيهما، وكان يأتي باب أحدهم ليلًا فيقرع الباب، فيقول صاحب البيت: من على الباب؟ فيقول: أنا نوح، قل: لا إله إلا الله. ٦ - ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ مما دعوتهم إليه، وتباعدًا عنه. فالاستثناء فيه مفرغ، فالمستثنى منه مقدر؛ أي: فلم يزدهم دعائي شيئًا من أحوالهم التي كانوا عليها إلا فرارًا؛ أي: بعدًا وإعراضًا عن الإيمان، كأنّهم حمر مستنفرة اهـ خطيب. وفي "التأويلات النجمية": إلّا فرارًا من متابعتي وديني، وما أنا عليه من آثار وحيك. وهو مفعول ثان لقولهم: ﴿لَمْ يَزِدْهُمْ﴾؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين يقال: زاده الله خيرًا، والاستثناء مفرّغ. وإسناد (١) الزيادة إلى الدعاء مع أنها فعل الله تعالى لسببيته لها. والمعنى: أنّ الله يزيد القرار عند الدعوة بصرف المدعو اختياره إليه. قرأ

стр. 14020

الجمهور (١) ﴿دعائي﴾ بفتح الياء. وقرأ الكوفيّون ويعقوب والدوري عن أبي عمرو بإسكانها. والمعنى (٢): أي قال نوح ﵇: ربّ إنّي أنذرت قومي ولم أترك دعاءهم ليلًا ولا نهارًا امتثالًا لأمرك، وكلّما دعوتهم ليقتربوا من الحق فرّوا منه وحادوا عنه. ٧ - ثم أخبر عن أحوال أخرى لهم، تدل على الفظاظة وجفاء الطبع، فقال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾؛ أي: إلى الإيمان. وفي "التأويلات النجمية": كلّما دعوتهم بلسان الأمر مجرّدًا عن انضام الإرادة الموجبة لوقوع المأمور، فإن الأمر إذا كان مجرّدًا عن الإرادة لا يجب أن يقع المأمور به، بخلاف ما إذا كان مقرونًا بالإرادة، فإنه لا بد حينئذٍ من وقوع المأمور به؛ أي: كلّما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك والطاعة ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ بسببه ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾. لئلا يسمعوا صوتي؛ أي: سدّوا مسامعهم من استماع الدعوة. فالجعل المذكور كناية عن هذا السدّ، ولا مانع من الحمل على حقيقته بأن يدخلوا أصابعهم في ثقب آذانهم قصدًا إلى عدم الاستماع. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾؛ أي: (٣) غطّوا بها وجوههم؛ لئلا يروني، فإن المبطل يكره رؤية المحق للتضادّ الواقع بينهما. وقيل: جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سدّ الآذان. وقيل: هو كناية عن العداوة، يقال: لبس فلان ثياب العداوة، والاستغشاء مأخوذ من الغشاء، وهو الغطاء. وفي الأصل اشتمال من فوق، ولما كان فيه معنى الستر استعمل بمعناه، وأصل الاستغشاء طلب الغشي؛ أي: الستر، ولكن معنى الطلب هنا ليس بمقصود بل هو بمعنى التغطي والستر، وإنّما جيء بصيغته التي هي السين للمبالغة، والثياب جمع ثوب سمّي به لثوب الغزل؛ أي: رجوعه إلى الحالة التي قدر لها. والمعنى: وبالغوا في التغطّي بثيابهم كأنهم طلبوا منها أن تغشاهم؛ أي: جميع أجزاء بدنهم آلة الإبصار وغيرها، لئلا يبصروه كراهة النظر إليه. ﴿وَأَصَرُّوا﴾؛ أي: أكبّوا وأقاموا واستمروا على الكفر والمعاصي، ولم يقلعوا عنه، ولا تابوا منه. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن قبول الحق وعن امتثال ما أمرهم به؛ أي: تعظموا

стр. 14021

عن طاعتي واتباعي، وأخذتهم العزة في ذلك. ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ شديدًا؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنُؤمنُ لَكَ وَاَتبَعَكَ اَلأَرذَلُونَ﴾. والمعنى: أي وإنّي كلّما دعوتهم إلى الإقرار بوحدانيتك والعمل بطاعتك، والبراءة عن عبادة كلّ ما سواك لتغفر لهم ذنوبهم سدّوا مسامعهم حتى لا يسمعوا دعائي، وتغطوا بثيابهم كراهة النظر إليَّ، وأكبّوا على الكفر والمعاصي، وتعاظموا عن الإذعان للحق وقبول ما دعوتهم إليه من النصح. ٨ - ثم بين أنه ما ترك وسيلة في الدعوة إلا فعلها، قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ﴾ دعوة ﴿جِهَارًا﴾؛ أي: بأعلى صوتي. والجهر: ظهور الشيء بإفراط لحاسة البصر أو حاسة السمع؛ أي: رفعت صوتي لهم بالدعوة رفعًا بليغًا بحيث يسمعه القريب والبعيد. ٩ - ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ﴾ وأظهرت ﴿لَهُمْ﴾ الدعوة مجتمعين ﴿وَأَسْرَرتُ﴾ أي: أخفيت ﴿لَهُمْ﴾ الدعوة منفردين ﴿إِسْرَارًا﴾؛ أي: إخفاء بحيث لا يسمعها غير المدعوّ. وفي هذا إشارة إلى ذكر عموم الحالات بعد ذكر عموم الأوقات؛ أي: دعوتهم تارة بعد تارة ومرّة غبّ مرّة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة. و ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوت الوجوه، فإنّ الجهر أشد عن الإسرار، والجمع بينهما أغلظ من الإفراد. والإعلان ضدّ الإسرار، يقال: أسررت إلى فلان حديثًا: أفضيت به إليه في خفية؛ أي: عن غير اطلاع أحد عليه. وجهرت به أظهرته بحيث اطلع عليه الغير. ويجوز أن يكون ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي بعض الوجوه عن بعض بحسب الزمان بأن ابتدأ بمناصحتهم ودعوتهم في السرّ، فعاملوه بالأمور الأربعة، وهي: الجعل والتغطي والإصرار والاستكبار. ثمّ ثنى بالمجاهرة بعد ذلك، فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار؛ أي: خلط دعاءه بالعلانية بدعاء السرّ، فكما كلمهم جميعًا كلمهم واحدًا واحدًا سرًّا. فالجهر: النداء بالدعوة ورفع الصوت بها بلا دخول مجمعهم، والإعلان: إظهار الدعوة في مجامعهم، والإسرار: الدعوة لكل واحد منهم فردًا فردًا خفية بحيث لا يسمعه الغير. وفي بعض التفاسير: أنّ نوحًا ﵇ (١) لما آذوه بحيث لا يوصف حتى

стр. 14022

كانوا يضربونه في اليوم مرّات عيل صبره، فسأل الله أن يواريه عن أبصارهم بحيث يسمعون كلامه، ولا يرونه فينالوه بمكروه، ففعل الله ذلك به، فدعاهم كذلك زمانًا فلم يؤمنوا، فسأل الله أن يعيده إلى ما كان. وهو قوله: ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾. والمعنى (١): أي ثم إني كنت أسر لهم بالدعوة تارةً، وأجهر لهم بها تارة أخرى، وطورًا كنت أجمع بين الإعلان والإسرار. والخلاصة: أنّه ﵇ لم يترك سبيلًا للدعوة إلا فعلها، فاستعمل طرقا ثلاثةً: ١ - بدأهم بالمناصحة في السر، فعاملوه بما ذكر في الآية السابقة من سدّ الآذان، والاستغشاء بالثياب والإصرار على الكفر والاستعظام عن سماع الدعوة. ٢ - جاهرهم بالدعوة، وأعلنهم على وجه ظاهر لا خفاء فيه. ٣ - جمع بين الإعلان والإسرار. ١٠ - ثم بين ما كان يقول لهم، فقال: ﴿فَقُلْتُ﴾ لهم عقيب الدعوة، عطف على قوله: ﴿دَعَوْتُ﴾. ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: اطلبوا المغفرة منه لأنفسكم بالتوبة عن الكفر والمعاصي قبل الفوت بالموت. والمعنى: أي فقلت لهم: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم وعبادة ما سواه من الآلهة، ووحّدوه، وأخلصوا له العبادة. ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿كَانَ غَفارًا﴾ للتائبين بجعل ذنوبهم كأن لم تكن. والمراد (٢) من كونه غفارًا في الأزل كونه مريدًا للمغفرة في وقتها المقدّر، وهو وقت وجود المغفور له. والغفّار أبلغ من الغفور، وهو من الغافر، وأصل الغفر: الستر والتغطية، ومنه قيل لجنة الرأس: مغفر؛ لأنه يستر الرأس. والمغفرة من الله: ستره للذنوب وعفوه عنها بفضله ورحمته، لا بتوبة العباد وطاعتهم. وإنما التوبة والطاعة للعبودية وعرض الافتقار.

стр. 14023

والمعنى: أي إنه تعالى كان غفارًا لذنوب من أناب إليه وتاب منها متى صدقت العزيمة، وخلصت النية وصحت التوبة فضلًا منه وجودًا وإن كانت كزبد البحر. ١١ - ولما كان الإنسان مجبولًا على محبّة الخيرات العاجلة، كما قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ لا جرم أعلمهم أنّ إيمانهم بالله يجمع لهم إلى الحّظ الأوفر من الآخرة الخصب والغنى وكثرة الأولاد في الدنيا، ومن ثم وعدهم بخمسة أشياء: ١ - ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾؛ أي: ينزل الله سبحانه المطر، كما قال الشاعر: إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... فَحُلُّوْا حَيْثُمْا نَزَلَ السَّمَاءُ وقال بعضهم؛ أي: ماء السماء، فحذف المضاف. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا قومي حال كونه ﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: كثير الدُّرور؛ أي: السيلان والانصباب. وفي الإرسال مبالغة بالنسبة إلى الإنزال، وكذا المدرار صيغة مبالغة، ومفعال مما يستوي فيه المذكّر والمؤنّث كقولهم: رجل أو امرأة معطار، ولذلك لم يؤنّثه مع كون السماء مؤنثًا معنويًا. و ﴿يُرْسِلِ﴾ جواب شرط محذوف؛ أي: إن تستغفروا يرسل السماء، وفي قول النحاة في مثله جواب الأمر، وهو هاهنا استغفروا تسامح في العبارة اعتمادًا على وضوح المراد، وكسر اللام في الوصل لالتقاء الساكنين. كأن قوم نوح تعللوا وقالوا (١): إن كنا على الحق فكيف نتركه؟ وإن كنا على الباطل فكيف يقيلنا بعدما عكفنا عليه دهرًا طويلًا؟. فأمرهم الله تعالى بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي ويجلب عليهم المنافع، وهو الاستغفار، ولذلك وعدهم بالعوائد العاجلة التي هي أوقع في قلوبهم من المغفرة وأحب إليهم؛ إذ النفس حريصة بحب العاجل، ولذلك جعلها جواب الأمر بأن قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ إلخ، دون المغفرة بأن قال: ﴿ويغفر لكم﴾ ليرغبوا فيها، ويشاهدوا أن أثرها وبركتها ما يقاس عليه المغفرة، فالاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات، كما أن المعصية سبب لخراب العالم بظهور أسباب القهر الإلهي. وقيل: لما كذّبوه بعد

стр. 14024

تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم أرحام النساء أربعين سنة، وقيل: سبعين سنة. فوعدهم إن آمنوا أن يرزقهم الله الخصب، ويدفع عنهم ما كانوا فيه. يقول الفقير: هذا القول هو الموافق للحكمة؛ لأنَّ الله تعالى يبتلي عباده بالخير والشر ليرجعوا إليه، ألا ترى إلى قريش حيث إنّ الله جعل لهم سبع سنين كسني يوسف بدعاء النبي ﷺ .. ليرجعوا عما كانوا عليه من الشرك، فلم يرفعوا له رأسًا. والمعنى (١): أي يرسل المطر عليكم متتابعًا، فتزرعون ما تحبون، ويكثر الخصب والغلات النافعة لكم في معاشكم من حبوب وثمار، وتحدث لكم طمأنينة وأمن وراحة لتوافر ما تشتهون مما هو سبب السعادة والهدى. ٢ - ١٢ ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾؛ أي: ويكثر لكم الأموال والخيرات على سائر ضروبها واختلاف ألوانها. ٣ - ﴿وَبَنِينَ﴾؛ أي: ويكثر لكم الأولاد. فقد ثبت لدى علماء الاجتماع أن النسل لا يكثر في أمة إلا إذا استتب فيها الأمن وارتفع منها الظلم، وساد العدل بين الأفراد، وتوافرت لهم وسائل الرزق. ٤ - ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ذوات أشجار وثمار؛ أي: ويوجد لكم بساتين عامرة تأخذون من ثمارها ما به تنتفعون، ولم يطمع الناس في الفاكهة إلا إذا وجدت لديهم الأقوات وكثرت الغلات. ٥ - ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ فيها ﴿أَنْهَارًا﴾ جارية بها يكثر الخصب والزرع بمختلف ألوانه وأشكاله، لا جرم أن الأمة الكثيرة البساتين والمزارع يعمها الرخاء وتسعد في حياتها الدنيوية، وتزينها بالنبات، وتحفظها عن اليبس، وتفرح القلوب وتسقي النفوس. وكان الظاهر (٢) تقديم الجنات والأنهار على الإمداد لكونهما من توابع الإرسال، وإنما أخرهما لرعاية رأس الآية، وللإشعار بأن كلا منهما نعمة الهبة على حدة. وعن الحسن البصريّ: إن رجلًا شكا إليه الجدب، فقال له: استغفر الله،

стр. 14025

وشكا إليه آخر الفقر وقلة النسل، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه ثالث جفاف بساتينه، فقال له: استغفر الله. فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون إليك أنواعًا من الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من نفسي شيئًا إنما اعتبرت قول الله حكاية عن نبيّه نوح ﵇ أنّه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية. ١٣ - وبعد (١) أن أدبهم الأدب الخلقي بطلبه منهم تهذيب نفوسهم واتباعهم مكارم الأخلاق ... شرع يؤدِّبهم الأدب العلمي بدراسة التشريح وعلم النفس ودراسة أحوال العوالم العلوية والسفليّة، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾، إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارًا على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد. والوقار: العظمة. و ﴿ما﴾ للإستفهام الإنكاري التوبيخي في محل الرفع مبتدأ، و ﴿لكم﴾ خبرها، و ﴿لَا تَرْجُونَ﴾ حال من ضمير المخاطبين، والعامل فيها معنى الاستقرار في ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بمحذوف وقع حالًا من ﴿وَقَارًا﴾، ولو تأخر لكان صفة له. والمعنى: أيُّ سبب حصل لكم واستقر لكم حال كونكم غير معتقدين لله عظمةً موجبة لتعظيمه بالإيمان والطاعة له؟ أي: لا سبب لكم في هذا مع تحقق مضمون الجملة الحالية. ومن (٢) استعمال الرجاء بمعنى الخوف قول الهذيل: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها. وقال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح: ما لكم ترجون لله ثوابًا، ولا تخافون منه عقابًا. وقال مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمةً. وعن ابن عباس ﵄: ما لكم لا تخشون منه عقابًا، ولا ترجون منه ثوابًا بتوقيركم إيّاه. ١٤ - وجملة قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ في محل النصب على الحال من الجلالة؛ أي: والحال أنه قد خلقكم على أطوار مختلفة وصفات متفاوتة وحالات متنوّعة. والطور في اللغة: المرة، وقال ابن الأنباري: الطور: الحال، ويقال: فعل كذا طورًا بعد طور أي: تارة بعد تارة.

стр. 14026

والمعنى (١): والحال أنكم على حالة منافية لما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون أنه تعالى خلقكم وقدركم تارات؛ أي: مرّات حالًا بعد حال عناصر ثمّ أغذيةً ثم أخلاطًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم أنشأكم خلقًا آخر. فإنّ التقصير في توقير مَنْ هذه شؤونه في القدرة القاهرة الإحسان التامّ مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل. وقال بعضهم (٢): وهي إشارة إلى الأطوار السبعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾. فهذه التارات والأحوال السبع المترتّب بعضها على بعض كلّ تارة أشرف مما قبلها، وحال الإنسان فيها أحسن مما تقدمها. وقيل: خلقكم صبيانًا وشبّانًا وشيوخًا. وقيل: طوالًا وقصارًا، وأقوياء وضعفاء مختلفين في الخلق والخلق. وقيل غير ذلك. والخلاصة (٣): أي ما لكم لا تخافون عظمة الله وقد خلقكم على أطوار مختلفة، فكنتم نطفة في الأرحام ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم كسا عظامكم لحمًا ثم أنشأكم خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد ذكرت هذه الأطوار في سور كثيرة كسورة آل عمران وسورة المؤمنين وغيرهما. ١٥ - وبعد أن ذكر النظر في الأنفس أتبعه بالنظر في العالم العلويّ والسفليّ، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ يا قومي. والاستفهام للتقرير، والرؤية بمعنى العلم، لعلهم علموا ذلك بالسماع من أهله، أو بمعنى الإبصار، والمراد مشاهدة عجائب الصنع الدال على كمال العلم والقدرة. ﴿كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ حال كونها ﴿طِبَاقًا﴾؛ أي: متطابقًا، أي: بعضها فوق بعض ملتزقة الأطراف، كما سبق في سورة المُلك. ومعنى ﴿طِبَاقًا﴾؛ أي: بعضها فوق بعض كلّ سماء مطبّقة على الأخرى كالقباب. قال الحسن: خلق الله سبع سموات على سبع أرضين، بين كلّ سماء وسماء وأرض وأرض خلق وأمر، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾.

стр. 14027

وانتصاب (١) ﴿طِبَاقًا﴾ على المصدرية، تقول: طابقه مطابقة وطباقًا أو على الحالية من سبع سموات لتخصّصه بالإضافة؛ أي: ذات طباق، فحذفت ذات وأقام طباقًا مقامه. وأجاز الفرّاء في غير القرآن جرّه على النعت. ١٦ - ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾؛ أي: في السموات السبع. ونسبته (٢) إلى الكل مع أنّه في السماء الدنيا؛ لأنّ كل واحدة من السموات شفّافة لا يحجب ما وراءها، فيرى الكل كأنها سماء واحدة، ومن ضرورة ذلك أن يكون ما في واحدة منها كانّه في الكل على أنه ذهب ابن عباس وابن عمرو ووهب بن منبه ﵃ إلى أن الشمس والقمر النجوم وجوهها مما يلي السماء وظهورها مما يلي الأرض، وهو الذي يقتضيه لفظ السراج؛ لأنّ ارتفاع نوره في طرف العلو، ولولا ذلك .. لأحرقت جميع ما في الأرض بشدّة حرارتها، فجعلها الله نورًا وسراجًا لأهل الأرض والسموات. فعلى هذا ينبغي أن يكون تقدير ما بعده وجعل الشمس فيهنّ سراجًا على أنّه حذف لدلالة الأول عليه. ﴿نُورًا﴾ أي: منوّرًا وجه الأرض في ظلمة الليل. ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ﴾ هي في السماء الرابعة، وقيل: في الخامسة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة. ولو أضاءت من الرابعة أو من السماء الدنيا لم يطق لها شيء، وهذا غريب جدًّا. ﴿سِرَاجًا﴾ من باب (٣) التشبيه البليغ؛ أي: كالسراج والمصباح يزيل ظلمة الليل عند الفجر، ويبصر أهل الدنيا في ضوئها الأرض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، وليس القمر بهذه المثابة إنما هو نور في الجملة. والمعنى (٤): أي ألم تروا كيف خلق السموات متطابقة بعضها فوق بعض، وجعل للقمر بروجًا ومنازل، وفاوت نوره فجعله يزداد حينًا حتى يتناهى ثم يبتدىء ينقص حتى يستتر ليدل ذلك على مضيّ المشهور والأعوام، وجعل الشمس كالسراج يزيل ظلمة الليل. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ الله ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ

стр. 14028

لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾. ١٧ - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾؛ أي: إنباتًا عجيبًا، وأنشأكم منها إنشاء غريبًا بواسطة إنشاء أبيكم آدم منها، أو أنشأ الكل منها من حيث إنّه خلقهم من النطف المتولدة عن النبات المتولد من الأرض، استعير الإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض؛ لأنهم إذا كانوا نباتًا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات. ووضع (١) ﴿نَبَاتًا﴾ موضوع إنباتًا على أنه مصدر مؤكّد لأنبتكم بحذف الزوائد، ويسمّى اسم مصدر، دل عليه القرينة الآتية، وهي قوله: ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. وقال بعضهم: ﴿نَبَاتًا﴾ حال لا مصدر، ونبّه بذلك على أن الإنسان من وجه نبات من حيث إنّ بدأه ونشأته من التراب، وأنه ينمو نموّه، ويلدون ويموتون، وأيديهم وأرجلهم كأفرع النبات، وعروقهم المتشعبة في الجسم والتي يجري فيها الدم، وينتشر في الأطراف تشبه ما في الشجر، وأحوالهم مختلفة كأحوال النبات، فمنه: الحلو المرّ والطيّب والخبيث، واستعدادهم مختلف كاستعداد النبات. فلكلّ امرىء خاصّة كما أنّ لكلّ نوع من النبات خاصّةً، وإن كان له وصف زائد على النبات. والنبات: ما يخرج من الأرض، سواء كان له ساق كالشجر، أو لم يكن له كالنجم، لكن اختص في التعارف بما لا ساق له، بل اختصّ عند العامّة بما يأكله الحيوان. ١٨ - ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الأرض بالدفن عند موتكم. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ منها عند البعث والحشر ﴿إِخْرَاجًا﴾ محقّقًا لا ريب، وذلك لمجازاة الأولياء ومحاسبة الأعداء، ولم يقل: ثم يخرجكم بل ذكر بالواو الجامعة إيَّاها مع ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ رمزًا إلى أن الإخراج مع الإعادة في القبر كشيء واحد، لا يجوز أن يكون بعضها محقّق الوقوع دون بعض. والمعنى: أي ثم يعيدكم في الأرض كما كنتم ترابًا، ويخرجكم متى شاء أحياء كما كنتم بشرًا.

стр. 14029

١٩ - ثم أخذ يعدّد النعم التي أعدّها للإنسان في الأرض، وذكر أنّ الأرض مهيّأة مسخّرةً لأمره كتسخير البساط للرجل يتقلّب عليه كما يشاء، ويظهر مواهبه لاستخراج ما في بطنها من المعادن المختلفة وخيراتها المتنوّعة، فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ كرّر الاسم الجليل للتعظيم والتيمّن به والتبرّك. ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ أي: لمنافعكم ﴿الْأَرْضَ﴾ سبق بيانها في سورة الملك وغيرها. ﴿بِسَاطًا﴾؛ أي: مبسوطة متسعة كالبساط والفراش، تتقلَّبون عليها تقلّبكم على بسطكم في بيوتكم. قال أبو حيان: ظاهره أن الأرض ليست كروية بل هي مبسوطة. قال سعدي المفتي: وإنما هو في التقلب على ما فسروه انتهى. وقد مرّ مرارًا أن كروية الأرض لا تنافي الحرث والغرس ونحوهما لعظم دائرتها كما يظهر الفرق بين بيضة الحمامة وبيضة النعامة. ٢٠ - ﴿لِتَسْلُكُوا﴾ من السلوك، وهو الدخول لا من السلك، وهو الإدخال. ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿سُبُلًا﴾ جمع سبيل؛ أي: طرقًا ﴿فِجَاجًا﴾؛ أي: واسعة. جمع فجّ، وهو الطريق الواسع، فجرد هنا لمعنى الواسع فجعل صفة لـ ﴿سُبُلًا﴾. وقيل: هو المسلك بين الجبلين. و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بما قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ؛ أي: لتسلكوا متخذّين من الأرض سبلا، فتصرفوا فيها ذهابًا وإيابًا أو بمضمر هو حال من ﴿سُبُلًا﴾؛ أي: سبلًا كائنة من الأرض، ولو تأخّر .. لكان صفة لها، ثم جعلها بساطًا للسلوك المذكور لا ينافي غيره من الوجوه كالنوم والاستراحة والحرث والغرس ونحوها، ثم السلوك إمّا جسماني بالحركة الأينية الموصلة إلى المقصد، وإما روحاني بالحركة الكيفية الموصلة إلى المقصود، ولكل منهما فوائد جليلة كطلب العلم والحج والتجارة وغيرها وكتحصيل المحبة والمعرفة والإنس ونحوها. والمعنى: أي والله بسط لكم الأرض، ومهدها، وثبتها بالجبال الراسيات، ثم بين حكمة هذا فقال: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا﴾؛ أي: لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها المختلفة. وقصارى ما سلف: أن نوحًا ﵇ أمر قومه بالنظر في علوم الأنفس والآفاق من معدن ونبات وحيوان وإنسان وسماء وأرض وشموس وأقمار. ٢١ - ﴿قَالَ نُوحٌ﴾ أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه. فهو بدل من

стр. 14030

﴿قَالَ﴾ الأوّل، ولذا ترك العطف. وفي "فتح الرحمن": قاله هنا بلا واو، وقاله فيما بعد بواو, لأنَّ الأول استئناف والثاني معطوف عليه انتهى؛ أي: قال مناجيًا له تعالى: ﴿رَبِّ﴾؛ أي: يا ربي ويا معبودي ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾؛ أي: داموا على عصياني ومخالفتي فيما أمرتهم به مع ما بالغت في إرشادهم بالعظة والتذكير. ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي: استمروا على اتباع رؤسائهم الذين أبطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم، وصارت تلك الأموال والأولاد سببًا لزيادة خسارتهم في الآخرة، فصاروا أسوة لهم في الخسار. وفي وصفهم بذلك إشعارٌ بأنهم إنما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا من شبهة مصححة للاتباع، كما قالت قريش: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، فجعلوا الغنى سببًا مصححًا للاتباع. ودل الكلام (١) على أن ازدياد المال والولد كثيرًا ما يكون سببًا للهلاك الروحانيّ، ويورث الضلال في الدين أوّلًا والإضلال عن اليقين ثانيًا. قال ابن الشيخ: المفهوم من نظم الآية أنّ أموالهم وأولادهم عين الخسار، وأن ازديادهما إنما ازدياد خسارهم، والأمر في الحقيقة كذلك، فإنهما وإن كانا من جملة المنافع المؤدّية إلى السعادة الأبدية بالشكر عليهما وصرفهما إلى وجوه الخير، إلا أنهما إذا أديا إلى البطر والاغترار وكفران حق المنعم بهما، وصارا وسيلتين إلى العذاب المؤبّد في الآخرة صارا كأنّهما محض الخسار؛ لأن الدنيا في جنب الآخرة كالعدم، فمن انتفع بهما في الدنيا خسر سعادة الآخرة، وصار كمن أكل لقمةً مسمومةً من الحلوى، فهلك، فإنّ تلك اللقمة في حقه هلاك محض؛ إذ لا عبرة لانتفاعه بها في جنب ما أدّت إليه. ٢٢ - ﴿وَمَكَرُوا﴾ عطف على صلة ﴿مَنْ﴾؛ لأنّ المكر الكبار يليق بكبرائهم، والجمع باعتبار معناها. ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾؛ أي: مكرًا كبيرًا عظيمًا في الغاية. والمكر: الحيلة الخفيّة. وقرىء ﴿كُبَّارًا﴾ بالتخفيف كما سيأتي، وهو أبلغ من الكبير نحو: طوّال وطوال وطويل. ومعنى مكرهم الكبار: احتيالهم في منع الناس عن الدين وتحريشهم لهم على أذيّة نوح ﵇. قال الشيخ: لمّا كان التوحيد أعظم المراتب كان

стр. 14031

المنع منه: والأمر بالشرك أعظم الكبائر، فلذا وصفه الله تعالى بكونه مكرًا كبّارًا. وقرأ ابن الزبير (١) والحسن، والنخعيّ، والأعرج، ومجاهد، والأخوان الكسائي وحمزة، وابن كثير، وأبو عمرو، ونافع في رواية خارجة ﴿وولده﴾ بضمّ الواو وسكون اللام. وقرأ السلميّ والحسن أيضًا، وأبو رجاء، وابن وثّاب، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم، وابن عامر بفتحهما، وهما لغتان كبخل وبخل. وقرأ الحسن أيضًا، والجحدري، وقتادة، وزرّ، وطلحة وابن أبي إسحاق، وأبو عمرو في رواية بكسر الواو وسكون اللام. وقال أبو حاتم: يمكن أن يكون الولد بالضمّ جمع الولد كخشب وخشب، وقد قال حسّان بن ثابت ﵁: يَا بَكْرَ آمَنِةً الْمُبَارَكِ بِكْرُهَا ... مِنْ وُلْدِ مُحْصَنَةٍ بِسَعْدِ الأسْعَدِ وقرأ الجمهور (٢): ﴿كُبَّارً﴾ بتشديد الباء، وهو بناء فيه مبالغة كثيرة. قال عيسى بن عمر: هي لغة يمانيّة، ويقال: حسان وطوال وجمال. وقرأ عيسى، وابن محيصن، وأبو السمال بتخفيف الباء وهو بناء مبالغة. وقرأ زيد بن عليّ وابن محيصن فيما روى عنه أبو الأخيرط وهب بن واضح ﴿كِبَارا﴾ بكسر الكاف وفتح الباء. وقال ابن الأنباري: هو جمع كبير كأنه جعل مكرًا مكان ذنوب أو أفاعيل انتهى. يعني: فلذلك وصفه بالجمع. والمعنى: أي قال نوح: ربّ إنهم عصوني فيما أمرتهم به، وأنكروا ما دعوتهم إليه، واتبعوا رؤساءهم الذين بطروا بأموالهم واغتروا بأولادهم. فكان ذلك زيادة في خسرانهم وخروجًا عن محجة الصواب وبعدًا من رحمة الله تعالى، ومكروا مكرًا كبيرًا، فاحتالوا في الدين، وصدوا الناس عنه بأساليب شتى، وأغروهم بأذى نوح ﵇. ٢٣ - ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الرؤساء للأتباع والسفلة: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وتعبدوا رب نوح ﵇. ومن عطف ﴿مَكَرُوا﴾ على ﴿اتَّبَعُوا﴾ يقول: معنى ﴿وَقَالُوا﴾: وقال بعضهم لبعض، فالقائل ليس هو الجمع. وآلهتهم هي الأصنام والصور التي كانت لهم ثم عبدتها العرب من بعدهم، وبهذا قال الجمهور.

стр. 14032

ثم فصل تلك الآلهة بقوله: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ جرَّد (١) الأخيرين عن حرف النفي؛ إذ بلغ التأكيد نهايته، وعلم أن القصد إلى كل فرد فرد لا إلى المجموع من حيث هو مجموع، والمعنى: ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوصًا، فهو من عطف الخاص على العام خصوصًا بالذكر مع اندراجها فيما سبق؛ لأنّها كانت أكبر أصنامهم وأعظم ما عندهم. قال محمد بن كعب (٢): هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم .. كان أنشط لكم وأسوق إلى العبادة، ففعلوا. ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس: إنّ الذين من قبكلم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم. فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت هذه الصور بهذه الأسماء؛ لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم الصالحين. وقد انتقلت (٣) هذه الأصنام بأعيانها عنهم إلى العرب، فكان ود لكلب بدومة الجندل بضم قال دومة، ولذلك سمت العرب بعبد ودٍّ. قال الراغب: الود: صنم سمي بذلك إما لمودتهم له أو لاعتقادهم أن بينه وبين البارىء تعالى مودّة، تعالى الله عن ذلك. وكان سواع لهمدان بسكون الميم قبيلة باليمن، ويغوث لمذ حجٍ كمجلس بالذال المعجمة، وآخره جيم، ومنه: كانت العرب تسمى عبد يوث. ويعوق لمراد، وهو كغراب أبو قبيلة، سمّي به لأنّه تمرّد. ونسر لحمير بكسر الحاء وسكون الميم بوزن درهم، موضع غربيّ صنعاء اليمن. وقيل: انتقلت أسماؤها إليهم فاتخذوا أمثالها، فعبدوها إذ يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام، كيف وقد خربت الدنيا في زمان الطوفان، ولم يضعها نوح في السفينة؛ لأنّه بعث لنفيها. وجوابه: أنّ الطوفان دفنها في ساحل جدة فلم تزل مدفونة حتى أخرجها اللعين لمشركي العرب. نظيره: ما روي أنَّ آدم ﵇ كتب اللغات المختلفة في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض الغرق بقي مدفونًا، ثم وجد كل قوم كتابًا فكتبوه، فأصاب إسماعيل ﵇ الكتاب العربي. وقيل: هي أسماء قوم رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح. وقيل: من أولاد آدم، ماتوا

стр. 14033

فحزن الناس عليهم حزنًا شديدًا، واجتمعوا حول قبورهم لا يكادون يفارقونها، وذلك بأرض بابل، فلما رأى إبليس فعلهم ذلك جاء إليهم في صورة إنسان، وقال لهم: هل لكم أن أصور لكم صورهم إذا نظرتم إليها ذكرتموهم واستأنستم وتبركتم بهم؛ قالوا: نعم. فصور لهم صورهم من صفر ونحاس ورصاص وخشب وحجر، وسمى تلك الصور بأسمائهم. ثم لما تقادم الزمن وانقرضت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم: إن من قبلكم كانوا يعبدون هذه الصور، فعبدوها في زمان مهلاييل بن فينان، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية. وذلك إمّا بإخراج الشيطان اللعين تلك الصور كما سبق أو بأنه كان لعمرو بن لحي، وهو أول من نصب الأوثان في الكعبة فقال له تابع من الجن: اذهب إلى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس، وهي ود إلخ. فذهب وأتى بها إلى مكة، ودعا إلى عبادتها، فانتشرت عبادة الأوثان في العرب. وعاش عمرو بن لحي ثلاث مئة وأربعين سنة، ورأى من ولده وولد ولد ولده ألف مقاتل، ومكث هو وولده في ولاية البيت خمس مئة سنة، ثم انتقلت الولاية إلى قريش، فمكثوا فيها خمس مئة أخرى، فكان البيت بيت الأصنام ألف سنة. وفي "التكملة": روى تقيُّ بن مخلد: أن هذه الأسماء المذكورة في هذه السورة كانوا أبناء آدم ﵇ من صلبه، وأن يغوث كان أكبرهم، وهي أسماء سريانية. ثم رفعت تلك الأسماء إلى أهل الهند، فسموا بها أصنامهم التي زعموا أنها على صور الدراري السبعة، وكانت الجن تكلمهم من جوفها، فاقتدوا بها. ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، فمن قبله سرت إلى أرض العرب. وقيل: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر، وهو طائر عظيم؛ لأنّه ينسر الشيء ويقتلعه. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بخلاف عنهم (١): ﴿ودّا﴾ بضمّ الواو، والحسن والأعمش وطلحة، وباقي السبعة بفتحها. وقرأ الجمهور ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ بغير تنوين، فإن كانا عربيّين فمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإن كانا عجميّين

стр. 14034

فللعجمة والعلمية. وقرأ الأشهبـ ﴿ولا يغوثا ويعوقا﴾ بتنوينهما. قال "صاحب اللوامح": جعلهما فعولًا فلذلك صرفهما، وكذلك الأعمش صرفهما. وقال ابن عطية: وذلك وهم، والأولى حمله على التناسب؛ أي: صرفا لمناسبة ما قبلهما وما بعدهما، كما قالوا في صرف سلاسلًا وأغلالًا وقوارير كما سيأتي. وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: صارت هذه الأوثان في العرب بعد. فكان: ود لكلب. وسواع لهذيل، ويغوث لغطيف بالجرف عند سبأ، ويعوق لهمدان، ونسر لحمير آل ذي الكلاع. وهناك أصنام أخرى لأقوام آخرين (١): اللات لثقيف بالطائف، العزّى لسليم وغطفان وجشم، ومناة لخزاعة بقديد، وإساف لأهل مكة، ونائلة لهم أيضًا، وهبل لهم أيضًا، وهو أكبر الأصنام وأعظمها عندهم، ومن ثم كان يوضع فوق الكعبة. وليس المراد أن أعيان هذه الأصنام صارت إليهم بل المراد أنهم أخذوا هذه الأسماء، وسموا بها أصنامهم. ٢٤ - وجملة قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ حال (٢) من فاعل ﴿قالوا﴾؛ أي: قال الرؤساء للأتباع: لا تذرون آلهتكم، والحال أنهم قد أضلوا ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس بدعوتهم إلى الشرك. وقيل: الضمير راجع إلى الأصنام؛ أي: قد أضل الأصنام كثيرًا من الناس؛ أي: ضل بسببها كثير من الناس، نظير قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، وأجرى عليها ضمير جمع العقلاء لاعتقاد الكفار الذين يعبدونها أنها تعقل. وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ﴾ يا ربّ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ بالإشراك؛ لأن الشرك ظلم عظيم، فأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فهل شيء أسوأ من وضع أخس المخلوق وعبادته موضع الخالق وعبادته؛ ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلًا عليهم بالظلم. ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ وبعدًا وطردًا من رحمتك، معطوف على ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾؛ أي: قال ربّ إنهم عصوني، وقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. ومعنى ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ أي: عذابًا، وقيل: إلا خسرانًا، وقيل: إلا فتنة بالمال والولد، وقيل:

стр. 14035

إلا ضياعًا وهلاكًا في تمشية مكرهم وترويجه مصالح دنياهم لا في أمر دينهم حتى لا يتوجه أنه إنما بعث ليصرفهم عن الضلال، فكيف يليق به أن يدعو الله عليهم في أن يزيد ضلالهم؛ وأنّ هذا الدعاء يتضمن الرضا بكفرهم، وذلك لا يجوز في حقّ الأنبياء، وإن كان يمكن أن يجاب بأنه بعدما أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأنّ المحذور هو الرضا المقرون باستحسان الكفر. ونظيره: دعاء موسى ﵇ بقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قالوا: دعا نوح الأبناء بعد الآباء حتى بلغوا سبعة قرون، فلمّا أيس من إيمانهم دعا عليهم. فيكون المعنى: ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا وغيًّا ليزدادوا عقابًا. والمعنى: أي ولا تزد الظالمين لكفرهم بآياتك إلا ضلالًا وطبعًا على قلوبهم حتى لا يهتدوا إلى حقّ، ولا يصلوا إلى رشد. وقصارى ما قاله ﵇: أن دعا عليهم بالخذلان، وأن دعا لنفسه بالنصر وظهور دينه كما جاء في قوله: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. ٢٥ - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾؛ أي: (١) من أجل خطيئات قوم نوح وأعمالهم المخالفة للصواب، وهي الكفر والمعاصي. و ﴿ما﴾ مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾، فإنه يدل على أنَّ إغراقهم بالطوفان لم يكن إلا من أجل خطيئاتهم تكذيبًا لقول المنجمين من أن ذلك كان لاقتضاء الأوضاع الفلكية إياه، ونحو ذلك. فإنه كفر لكونه مخالفًا لصريح هذه الآية. ولزيادة ﴿ما﴾ الإبهامية فائدة غير التأكيد، وهي تفخيم خطيئاتهم؛ أي: من أجل خطيئاتهم العظيمة، ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة، وجعل ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾ بدلًا منها. والخطيئات: جمع خطيئة. وقرأ أبو عمرو ﴿خطاياهم﴾ بلفظ الكثرة, لأنّ المقام مقام تكثير خطيئاتهم؛ لأنهم كفروا ألف سنة. والخطيئات لكونه جمع السلامة لا يطلق على ما فوق العشرة إلا بالقرينة. والظاهر من كلام الرضيّ: أن كلا من جمع السلامة والتكسير لمطلق الجمع من غير نظر إلى القلة والكثرة فيصلحان لهما, ولذا قيل: إنهما مشتركان بينهما، واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. أي: من أجل خطيئاتهم وأعمالهم الخبيثة لا لما يقوله المنجمون من اقتضاء

стр. 14036

الأوضاع الفلكية كثرة الماء ﴿أُغْرِقُوا﴾ في الدنيا بالطوفان ﴿فَادْخُلُوا﴾ عقب ذلك ﴿نَارًا﴾ عظيمة هائلة. وفي هذا زجر لمرتكب الخطايا مطلقًا. وعبّر عن المستقبل بالماضي لتحقّقه. والمراد (١) إما عذاب القبر، فهو عقب الإغراق وإن كانوا في الماء، فإن من مات في ماء أو نار أو أكلته السباع أو الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحاك: أنهم كانوا يغرقون من جانب؛ أي: بالأبدان، ويحرقون من جانب؛ أي: بالأرواح. فجمعوا بين الماء والنار، كما قال الشاعر: الخَلْقُ مُجتَمِعٌ طَوْرًا ومُفَتَرِقٌ ... والْحَادِثَاتُ فُنُونٌ ذَاتُ أَطْوَارِ لا تَعْجبَنَّ لأضْدَادٍ إذَا اجْتَمَعَتْ ... فالله يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالنَّارِ أو عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لإغراقهم لاقترابه وتحقّقه لا محالة واتصال زمانه كما دل عليه قوله ﷺ : "من مات فقد قامت قيامته". على أنَّ النار إما نصف نار، وهي للأرواح في البرزخ، وإما تمام نار وهي للأرواح والأجسام جميعًا بعد الحشر. وقس على الجحيم النعيم. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ﴾؛ أي: لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾؛ أي: لم يجد أحد منهم لنفسه واحدًا من الأنصار ينصرهم على من أخذهم بالقهر والانتقام. وفيه (٢) تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله، وبأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكّم بهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حال متقدّمة من قوله: ﴿نَارًا﴾، والجملة الاستئنافية أعني قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ إلى هنا من كلام الله سبحانه إشعارًا بإجابة دعوة نوح، وتسلية للرسول ﷺ وأصحابه، وتخويفًا للعاصي من العذاب وأسبابه. والمعنى: أي من أجل معاصيهم وذنوبهم أغرقهم الله بالطوفان، وسيعذّبهم في قبورهم، ولا يجدون من آلهتهم أنصارًا ولا أعوانًا يدفعون عنهم ما كتب عليهم، وبذا ضل سعيهم وخاب فألهم. وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ جمعًا بالألف والتاء مهموزًا، وأبو رجاء كذلك، إلّا أنه أبدل الهمزة ياءً وأدغم فيها ياء المد. والجحدري وعبيد عن أبي عمرو على الإفراد مهموزًا، والحسن وعيسى والأعرج بخلاف عنهم، وأبو عمرو

стр. 14037

﴿خطاياهم﴾. جمع تكسير. وقرأ عبد الله ﴿من خطيئاتهم ما أغرقوا﴾ بزيادة ما بين ﴿أُغْرِقُوا﴾ و ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾. وقرأ الجمهور ﴿أُغْرِقُوا﴾ بالهمزة، وزيد بن عليّ ﴿غُرِّقُوا﴾ بالتشديد، وكلاهما للنقل. ٢٦ - ﴿وَقَالَ نُوحٌ﴾ ﵇ بعدما قنط من اهتدائهم قنوطًا تامًا بالأمارات الغالبة وبأخبار الله تعالى: ﴿رَبِّ﴾ أي: يا مالكي ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي لا تترك على الأرض ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لك وبما جاء من عندك. حال متقدمة من قوله: ﴿دَيَّارًا﴾ أي: أحدًا يدور في الأرض، فيذهب ويجيء. أي: فأهلكهم بالاستئصال. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، وقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ اعتراض، وسّط بين دعائه ﵇ للإيذان من أوّل الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيئاتهم التي عددها نوح. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع بن أنس وابن زيد وعطية (١): إنّما قال هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنةً، وقيل: بأربعين سنةً. قال قتادة: لم يكن فيهم صبيّ وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم .. كان عذابًا من الله لهم وعدلًا فيهم، ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب. و ﴿دَيَّارًا﴾ من الأسماء المستعملة (٢) في النفي العامّ، وهو فيعال من الدوران فمعناه على هذا: لا تترك أحدًا يدور في الأرض فيذهب ويجيء، أو من الدار فمعناه عليه: لا تذر أحدًا ممن ينزل الدار ويسكنها، وأنكر بعضهم كونه من الدوران، وقال: لو كان من الدوران .. لم يبق على وجه الأرض جني ولا شيطان، وليس المعنى على ذلك، وإنما المعنى: أهلك كل ساكن دار من الكفّار، أي: كل إنسي منهم. يقول الفقير: جوابه سهل فإن المراد كل من يدور على الأرض من أمة الدعوة، وليس الجن والشيطان منها؛ إذ لم يكن نوح مبعوثًا إلى الثقلين. وليس ﴿دَيَّارًا﴾ فعالًا من الدار وإلا قيل: دوّار, لأن أصل دار دور، فقلبت واوه ألفًا فلما ضعفت عينه كان دوارًا بالواو الصحيحة المشدّدة؛ إذ لا وجه لقلبها ألفًا.

стр. 14038

والمعنى: أي وقال نوح: ربّ لا تدع على وجه الأرض منهم أحدًا إلا أهلكته. ٢٧ - ثم بين علة هذا الدعاء بشيئين: ١ - ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾؛ أي: إن تتركهم على الأرض كلَّا أو بعضًا ولم تهلكهم ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ الذين آمنوا بك عن طريق الحقّ. روي: أنّه كان الرجل منهم ينطلق بابنه إلى نوح، فيقول له: احذر هذا، فإنّه كذّاب وإنّ أبي حذّر بنيه وأوصاني بمثل هذه الوصيّة، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك. وهذا بيان لوجه دعائه عليهم إظهار بأنه كان من الغيرة في الدين، لا لغلبة غضب النفس لهواها. ٢ - ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا﴾ يترك طاعتك ﴿كَفَّارًا﴾؛ أي: كثير الكفران لنعمتك. والمعنى: إلا من سيفجر ويكفر، فالوخه ارتفاعهم عن وجه الأرض، والعلم لك. فوصفهم بما يصيرون إليه بعد البلوغ، فهو من مجاز الأول، وكأنه اعتفارٌ مما عسى يرد عليه من أنّ الدعاء بالاستئصال مع احتمال أن يكون من أخلافهم من يؤمن منكر، وإنما قاله بالوحي لقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قال بعضهم: لا يلد الحيّة إلا الحيّة، وذلك في الأغلب. ومن هناك قيل: إذا طاب أصل المرء طابت فروعه، ونحوه: الولد سرّ أبيه. قال بعضهم في توجيهه: إن الولد إذا كبر إنما يتعلم من أوصاف أبيه، أو يسرق من طباعه بل قد يصحب المرء رجلًا، فيسرق من طباعه الخير والشرّ. واعلم: أنه لا يجوز أن يدعى على كافر معيّن؛ لأنَّا لا نعلم خاتمته. ويجوز على الكفار والفجار مطلقًا، وقد دعا ﵇ على من تحزب على المؤمنين. وهذا هو الأصل في الدعاء على الكافرين. ٢٨ - ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه، ووالديه والمؤمنين، فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ذنوبي، وهي ما صدر منه من ترك الأولى. ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ ذنوبهما، وكانا (١) مسلمين على ملّة إدريس ﵇، وأبوه: لامك بن متوشلخ بصيغ اسم

стр. 14039

الفاعل على وزن متدحرج أو هو بضم الميم، والتاء المشدّدة المضمومة وفتح الشين المعجمة وسكون اللام، وروى بعضهم الفتح في الميم. وأمّه سمحاء بنت أنوش. قال ابن عباس ﵄: لم يكفر لنوح أب ما بينه وبين آدم. وفي "إشراق التواريخ" أمه قسوس. بنت كابيل، وفي "كشف الأسرار": هيجل بنت لاموس بن متوشلخ بنت عمّه. وقيل: المراد بوالديه آدم وحوّاء ﵉، وقال سعيد بن جبير: أراد بوالديه أباه وجدّه. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ بالتثنية. وقرأ سعيد بن جبير، والجحدري ﴿ولوالدي﴾ بكسر الدال وتخفيف الياء بالإفراد، فإما أن يكون خصّ أباه الأقرب، أو أراد جميع من ولدوه إلى آدم ﵇. وقرأ الحسين بن علي ويحيى بن يعمر والنخعي والزهري وزيد بن علي ﴿ولولديّ﴾ تثنية ولد. يعني: سامًا وحامًا. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾؛ أي: منزلي، وقيل: مسجدي، فإنّه بيت أهل الله، وإن كان بيت الله من وجه. وقيل: سفينتي، فإنها كالبيت في حرز الحوائج وحفظ النفوس عن الحرّ والبرد وغيرهما. وقيل: لمن دخل في ديني. وقوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ حال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾؛ أي: حال كون الداخل مؤمنًا. أي: متصفًا بصفة الإيمان بالله سبحانه. وبهذا القيد جرجت امرأته واعلة وابنه كنعان، ولكن لمْ يجزم ﵇ بخروجه إلا بعد. ما قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. ثم عمم الدعوة فقال: ﴿وَلِل﴾ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: ولكلّ متصفا بالإيمان بي، أو من لدن آدم إلى يوم القيامة من الذكور والإناث. ثمّ عاد إلى الدعاء على الكافرين فقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المتصفين بالظلم ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾؛ أي: إلَّا هلاكًا وخسرانًا ودمارًا، وقد شمل دعاؤه هذا كلّ ظالم إلى يوم القيامة كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. قال في الأول (٢): ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ لأنه وقع بعد قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، وفي المثاني: ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾ لأنه وقع بعد قوله: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ إلخ. فذكر

стр. 14040

في كل مكان ما اقتضاه وما شاكل معناه. والظاهر: أنه ﵇ أراد بالكافرين والظالمين الذين كانوا موجودين في زمانه متمكّنين في الأرض ما بين المشرق والمغرب، فمسؤوله أن يهلكهم الله، فاسْتُجيب دعاؤه، فعمّهم الطوفان بالغرق. وما نقل عن بعض المنجمين من أنه أراد جزيرة العرب، فوقع الطوفان عليهم دون غيرهم من الآفاق مخالف لظاهر الكلام وتفسير العلماء، وقول أصحاب التواريخ بأن الناس بعد الطوفان توالدوا وتناسلوا وانتشروا في الأطراف مغاربها ومشارقها من أهل السفينة. ودل الكلام هنا على أنّ الظالم إذا ظهر ظلمه وأصر عليه ولم ينفعه النصح استحق أن يُدعى عليه وعلى أعوانه وأنصاره. قيل: غرق معهم صبيانهم أيضًا، لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وأمّهاتهم بإراءة إهلاك أطفالهم الذين كانوا أعزَّ عليهم من أنفسهم. قال النبيّ ﷺ : "يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتّى". ومعنى الآية: أي ربّ استر عليّ ذنوبي وعلى والديّ وعلى من دخل مسجدي ومصلّاي مصدقًا بنبوّتي، وبما فرضته عليّ وعلى المصدّقين بوحدانيتك والمصدّقات بذلك من كلّ أمة إلى يوم القيامة، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بك إلَّا خسرانًا وبعدًا من رحمتك. الإعراب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿نُوحًا﴾ مفعول به ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿أَنّ﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿أَنْذِرْ﴾ فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية مبنيّ على السكون، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى نوح، ﴿قَوْمَكَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: إنّا أرسلنا نوحًا إلى قومه بإنذار قومه. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ويجوز أن تكون أن مفسّىرة كما مرّ؛ لأنّ الإرسال في معنى القول؛ أي: قلنا له: أنذر قومك. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ جار ومجرور
следующие страницы →