← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

الأوضاع الفلكية كثرة الماء ﴿أُغْرِقُوا﴾ في الدنيا بالطوفان ﴿فَادْخُلُوا﴾ عقب ذلك ﴿نَارًا﴾ عظيمة هائلة. وفي هذا زجر لمرتكب الخطايا مطلقًا. وعبّر عن المستقبل بالماضي لتحقّقه. والمراد (١) إما عذاب القبر، فهو عقب الإغراق وإن كانوا في الماء، فإن من مات في ماء أو نار أو أكلته السباع أو الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحاك: أنهم كانوا يغرقون من جانب؛ أي: بالأبدان، ويحرقون من جانب؛ أي: بالأرواح. فجمعوا بين الماء والنار، كما قال الشاعر: الخَلْقُ مُجتَمِعٌ طَوْرًا ومُفَتَرِقٌ ... والْحَادِثَاتُ فُنُونٌ ذَاتُ أَطْوَارِ لا تَعْجبَنَّ لأضْدَادٍ إذَا اجْتَمَعَتْ ... فالله يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالنَّارِ أو عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لإغراقهم لاقترابه وتحقّقه لا محالة واتصال زمانه كما دل عليه قوله ﷺ : "من مات فقد قامت قيامته". على أنَّ النار إما نصف نار، وهي للأرواح في البرزخ، وإما تمام نار وهي للأرواح والأجسام جميعًا بعد الحشر. وقس على الجحيم النعيم. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ﴾؛ أي: لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾؛ أي: لم يجد أحد منهم لنفسه واحدًا من الأنصار ينصرهم على من أخذهم بالقهر والانتقام. وفيه (٢) تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله، وبأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكّم بهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حال متقدّمة من قوله: ﴿نَارًا﴾، والجملة الاستئنافية أعني قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ إلى هنا من كلام الله سبحانه إشعارًا بإجابة دعوة نوح، وتسلية للرسول ﷺ وأصحابه، وتخويفًا للعاصي من العذاب وأسبابه. والمعنى: أي من أجل معاصيهم وذنوبهم أغرقهم الله بالطوفان، وسيعذّبهم في قبورهم، ولا يجدون من آلهتهم أنصارًا ولا أعوانًا يدفعون عنهم ما كتب عليهم، وبذا ضل سعيهم وخاب فألهم. وقرأ الجمهور (٣): ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ جمعًا بالألف والتاء مهموزًا، وأبو رجاء كذلك، إلّا أنه أبدل الهمزة ياءً وأدغم فيها ياء المد. والجحدري وعبيد عن أبي عمرو على الإفراد مهموزًا، والحسن وعيسى والأعرج بخلاف عنهم، وأبو عمرو

стр. 14037

﴿خطاياهم﴾. جمع تكسير. وقرأ عبد الله ﴿من خطيئاتهم ما أغرقوا﴾ بزيادة ما بين ﴿أُغْرِقُوا﴾ و ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾. وقرأ الجمهور ﴿أُغْرِقُوا﴾ بالهمزة، وزيد بن عليّ ﴿غُرِّقُوا﴾ بالتشديد، وكلاهما للنقل. ٢٦ - ﴿وَقَالَ نُوحٌ﴾ ﵇ بعدما قنط من اهتدائهم قنوطًا تامًا بالأمارات الغالبة وبأخبار الله تعالى: ﴿رَبِّ﴾ أي: يا مالكي ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي لا تترك على الأرض ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لك وبما جاء من عندك. حال متقدمة من قوله: ﴿دَيَّارًا﴾ أي: أحدًا يدور في الأرض، فيذهب ويجيء. أي: فأهلكهم بالاستئصال. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، وقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ اعتراض، وسّط بين دعائه ﵇ للإيذان من أوّل الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيئاتهم التي عددها نوح. وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع بن أنس وابن زيد وعطية (١): إنّما قال هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنةً، وقيل: بأربعين سنةً. قال قتادة: لم يكن فيهم صبيّ وقت العذاب. وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم .. كان عذابًا من الله لهم وعدلًا فيهم، ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب، ثم أهلكهم بالعذاب. و ﴿دَيَّارًا﴾ من الأسماء المستعملة (٢) في النفي العامّ، وهو فيعال من الدوران فمعناه على هذا: لا تترك أحدًا يدور في الأرض فيذهب ويجيء، أو من الدار فمعناه عليه: لا تذر أحدًا ممن ينزل الدار ويسكنها، وأنكر بعضهم كونه من الدوران، وقال: لو كان من الدوران .. لم يبق على وجه الأرض جني ولا شيطان، وليس المعنى على ذلك، وإنما المعنى: أهلك كل ساكن دار من الكفّار، أي: كل إنسي منهم. يقول الفقير: جوابه سهل فإن المراد كل من يدور على الأرض من أمة الدعوة، وليس الجن والشيطان منها؛ إذ لم يكن نوح مبعوثًا إلى الثقلين. وليس ﴿دَيَّارًا﴾ فعالًا من الدار وإلا قيل: دوّار, لأن أصل دار دور، فقلبت واوه ألفًا فلما ضعفت عينه كان دوارًا بالواو الصحيحة المشدّدة؛ إذ لا وجه لقلبها ألفًا.

стр. 14038

والمعنى: أي وقال نوح: ربّ لا تدع على وجه الأرض منهم أحدًا إلا أهلكته. ٢٧ - ثم بين علة هذا الدعاء بشيئين: ١ - ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾؛ أي: إن تتركهم على الأرض كلَّا أو بعضًا ولم تهلكهم ﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ الذين آمنوا بك عن طريق الحقّ. روي: أنّه كان الرجل منهم ينطلق بابنه إلى نوح، فيقول له: احذر هذا، فإنّه كذّاب وإنّ أبي حذّر بنيه وأوصاني بمثل هذه الوصيّة، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك. وهذا بيان لوجه دعائه عليهم إظهار بأنه كان من الغيرة في الدين، لا لغلبة غضب النفس لهواها. ٢ - ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا﴾ يترك طاعتك ﴿كَفَّارًا﴾؛ أي: كثير الكفران لنعمتك. والمعنى: إلا من سيفجر ويكفر، فالوخه ارتفاعهم عن وجه الأرض، والعلم لك. فوصفهم بما يصيرون إليه بعد البلوغ، فهو من مجاز الأول، وكأنه اعتفارٌ مما عسى يرد عليه من أنّ الدعاء بالاستئصال مع احتمال أن يكون من أخلافهم من يؤمن منكر، وإنما قاله بالوحي لقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قال بعضهم: لا يلد الحيّة إلا الحيّة، وذلك في الأغلب. ومن هناك قيل: إذا طاب أصل المرء طابت فروعه، ونحوه: الولد سرّ أبيه. قال بعضهم في توجيهه: إن الولد إذا كبر إنما يتعلم من أوصاف أبيه، أو يسرق من طباعه بل قد يصحب المرء رجلًا، فيسرق من طباعه الخير والشرّ. واعلم: أنه لا يجوز أن يدعى على كافر معيّن؛ لأنَّا لا نعلم خاتمته. ويجوز على الكفار والفجار مطلقًا، وقد دعا ﵇ على من تحزب على المؤمنين. وهذا هو الأصل في الدعاء على الكافرين. ٢٨ - ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه، ووالديه والمؤمنين، فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ذنوبي، وهي ما صدر منه من ترك الأولى. ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ ذنوبهما، وكانا (١) مسلمين على ملّة إدريس ﵇، وأبوه: لامك بن متوشلخ بصيغ اسم

стр. 14039

الفاعل على وزن متدحرج أو هو بضم الميم، والتاء المشدّدة المضمومة وفتح الشين المعجمة وسكون اللام، وروى بعضهم الفتح في الميم. وأمّه سمحاء بنت أنوش. قال ابن عباس ﵄: لم يكفر لنوح أب ما بينه وبين آدم. وفي "إشراق التواريخ" أمه قسوس. بنت كابيل، وفي "كشف الأسرار": هيجل بنت لاموس بن متوشلخ بنت عمّه. وقيل: المراد بوالديه آدم وحوّاء ﵉، وقال سعيد بن جبير: أراد بوالديه أباه وجدّه. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ بالتثنية. وقرأ سعيد بن جبير، والجحدري ﴿ولوالدي﴾ بكسر الدال وتخفيف الياء بالإفراد، فإما أن يكون خصّ أباه الأقرب، أو أراد جميع من ولدوه إلى آدم ﵇. وقرأ الحسين بن علي ويحيى بن يعمر والنخعي والزهري وزيد بن علي ﴿ولولديّ﴾ تثنية ولد. يعني: سامًا وحامًا. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾؛ أي: منزلي، وقيل: مسجدي، فإنّه بيت أهل الله، وإن كان بيت الله من وجه. وقيل: سفينتي، فإنها كالبيت في حرز الحوائج وحفظ النفوس عن الحرّ والبرد وغيرهما. وقيل: لمن دخل في ديني. وقوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ حال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾؛ أي: حال كون الداخل مؤمنًا. أي: متصفًا بصفة الإيمان بالله سبحانه. وبهذا القيد جرجت امرأته واعلة وابنه كنعان، ولكن لمْ يجزم ﵇ بخروجه إلا بعد. ما قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. ثم عمم الدعوة فقال: ﴿وَلِل﴾ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: ولكلّ متصفا بالإيمان بي، أو من لدن آدم إلى يوم القيامة من الذكور والإناث. ثمّ عاد إلى الدعاء على الكافرين فقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المتصفين بالظلم ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾؛ أي: إلَّا هلاكًا وخسرانًا ودمارًا، وقد شمل دعاؤه هذا كلّ ظالم إلى يوم القيامة كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. قال في الأول (٢): ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ لأنه وقع بعد قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، وفي المثاني: ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾ لأنه وقع بعد قوله: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ إلخ. فذكر

стр. 14040

في كل مكان ما اقتضاه وما شاكل معناه. والظاهر: أنه ﵇ أراد بالكافرين والظالمين الذين كانوا موجودين في زمانه متمكّنين في الأرض ما بين المشرق والمغرب، فمسؤوله أن يهلكهم الله، فاسْتُجيب دعاؤه، فعمّهم الطوفان بالغرق. وما نقل عن بعض المنجمين من أنه أراد جزيرة العرب، فوقع الطوفان عليهم دون غيرهم من الآفاق مخالف لظاهر الكلام وتفسير العلماء، وقول أصحاب التواريخ بأن الناس بعد الطوفان توالدوا وتناسلوا وانتشروا في الأطراف مغاربها ومشارقها من أهل السفينة. ودل الكلام هنا على أنّ الظالم إذا ظهر ظلمه وأصر عليه ولم ينفعه النصح استحق أن يُدعى عليه وعلى أعوانه وأنصاره. قيل: غرق معهم صبيانهم أيضًا، لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وأمّهاتهم بإراءة إهلاك أطفالهم الذين كانوا أعزَّ عليهم من أنفسهم. قال النبيّ ﷺ : "يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتّى". ومعنى الآية: أي ربّ استر عليّ ذنوبي وعلى والديّ وعلى من دخل مسجدي ومصلّاي مصدقًا بنبوّتي، وبما فرضته عليّ وعلى المصدّقين بوحدانيتك والمصدّقات بذلك من كلّ أمة إلى يوم القيامة، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بك إلَّا خسرانًا وبعدًا من رحمتك. الإعراب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿نُوحًا﴾ مفعول به ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿أَنّ﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿أَنْذِرْ﴾ فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية مبنيّ على السكون، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى نوح، ﴿قَوْمَكَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: إنّا أرسلنا نوحًا إلى قومه بإنذار قومه. والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ويجوز أن تكون أن مفسّىرة كما مرّ؛ لأنّ الإرسال في معنى القول؛ أي: قلنا له: أنذر قومك. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ جار ومجرور

стр. 14041

متعلق بـ ﴿أَنْذِرْ﴾، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ فعل مضارع ومفعول به منصوب بـ ﴿أن﴾، ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل، ﴿أَليِمٌ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من قبل إتيان عذاب أليم إياهم. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، والجملة في محل النصب مقول قال، ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾، و ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة نذير، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَنّ﴾ مصدرية ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، ﴿والواو﴾: فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: إنّي لكم نذير بعبادة الله. ويجوز أن تكون مفسرةً لأنّ الإنذار في معنى القول؛ أي: بـ ﴿أن﴾ أقول لكم: أعبدوا الله. ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ معطوفان على ﴿اعْبُدُوا﴾، وحذفت ياء المتكلم من ﴿أطيعون﴾ لمناسبة رؤوس الآي، والأصل: أطيعوني. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾. ﴿يَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق, وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾ والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَغْفِرْ﴾، ﴿من﴾ اسم بمعنى بعض، في محل النصب مفعول به، و ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ مضاف إليه؛ أي: بعض ذنوبكم. أو ﴿من﴾ زائدة على رأي الأخفش المجيز زيادتها في الإثبات وغيره، وأمّا البصريّون ومعظم الكوفيّين يشترطون لزيادتها أن يسبقها نفي أو نهي، أو استفهام، وأن تدخل على النكرة. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يَغْفِرْ﴾. ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿يؤخر﴾، ﴿مُسَمًّى﴾ صفة أجل، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه، ﴿إذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط، متعلق بالجواب الآتي، وجملة ﴿جَاءَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذَا﴾ على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿لَا يُؤَخَّرُ﴾ من الفعل المغيّر ونائبه جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: إن أجل الله غير مؤخّر وقت مجيئه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول قال على كونها معللة لما قبلها. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾

стр. 14042

خبره وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون ذلك .. لآمنتم. وجملة ﴿لَوْ﴾ في محل النصب، مقول قال. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، حذف منه حرف النداء وجملة النداء في محل النصب مقول قال، ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ ظرفان متعلقان بـ ﴿دَعَوْتُ﴾، وجملة ﴿دَعَوْتُ﴾ في محل الرفع خبر إنّ، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿يَزِدْهُمْ﴾ فعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿دُعَائِي﴾ فاعل، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿فِرَارًا﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعليّة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿دَعَوْتُ﴾. ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾. ﴿وَإِنِّي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿وَإِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿كُلَّمَا﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانيّة مبنيّ على السكون، والظرف متعلّق بالجواب الآتي، ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لِتَغفِرَ﴾ اللام حرف جرّ وتعليل، ﴿تغفر﴾ فعل مضارع، منصوب بأن مضمرةً بعد لام كي، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لغفرانك لهم، الجار والمجرور متعلّق بـ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلّق بـ ﴿تغفر﴾، ﴿جَعَلُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ مفعول أوّل لـ ﴿جَعَلُوا﴾، ﴿فِي آذَانِهِمْ﴾ في موضع المفعول الثاني، وجملة ﴿جَعَلُوا﴾ جواب كلّما، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إِنِّي﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿جَعَلُوا﴾، ﴿وَأَصَرُّوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَعَلُوا﴾، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ معطوف عليه أيضًا، ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ مفعول مطلق، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع التراخي، ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، وجملة ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة

стр. 14043

﴿إنّ﴾ في قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾. ﴿جِهَارًا﴾ مفعول مطلق على أنّه مصدر من المعنى؛ لأنّ الدعاء يكون جهارًا وغيره، فهو من باب رجع القهقرى. ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال؛ أي: مجاهرًا أو ذا جهار، وجعل نفس المصدر مبالغة، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿أَعْلَنْتُ﴾ خبرهُ، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على ما قبلها ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلنَتُ﴾، ﴿وَأَسْرَرْتُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿أَعْلنَتُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلّق بـ ﴿أَسْرَرْتُ﴾، ﴿إِسْرَارًا﴾ مفعول مطلق. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾. ﴿فَقُلْتُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قلت﴾ معطوف على ﴿أَعْلنَتُ﴾، ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ فعل أمر، مبنيّ على حذف النون، ﴿والواو﴾: فاعل، ﴿رَبَّكُمْ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلت﴾، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَ غَفَّارًا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب على كونها معلّلة للأمر بالاستغفار، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، مجزوم بالطلب السابق أعني: ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُرْسِلِ﴾، ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿يُرْسِلِ﴾، ﴿بِأَمْوَالٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾، ﴿وَبَنِينَ﴾ معطوف على ﴿بِأَمْوَالٍ﴾، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ معطوف على ﴿يُرْسِلِ﴾ أيضًا، ﴿لَكُمْ﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول به أوّل، ﴿وَيَجْعَلْ﴾ معطوف على يرسل، ﴿لَكُمْ﴾ في موضع المفعول الثاني ﴿أَنْهَارًا﴾ مفعول به أوّل. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾. ﴿مَا﴾ اسم استفهام للاستفهام التوبيخي في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾ خبر لـ ﴿مَا﴾ الاستفهامية، والجملة في محل النصب مقول قلت، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿تَرْجُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الكاف﴾ في ﴿لَكُمْ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿وَقَارًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿وَقَارًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَرْجُونَ﴾، ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿قد﴾ حرف

стр. 14044

تحقيق، ﴿خَلَقَكُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَرْجُون﴾، ﴿أَطْوَارًا﴾ حال من الكاف في ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ولكنها في تأويل مشتقّ تقديره: حال كونكم متنقلين من حال إلى حال. ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ الهمزة للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿تَرَوْا﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿والواو﴾: فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلت﴾، والرؤية علمية؛ أي: لم تعتبروا، ولم تتفكّروا، ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجّبيّ في محل النصب على الحال من ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، والعامل فيها ﴿خَلَقَ﴾، و ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مفعول به، ﴿طِبَاقًا﴾ نعت لـ ﴿سَبْعَ﴾، وجملة خلق في محل النصب، سدّت مسدّ مفعولي ﴿تَرَوْا﴾ المعلّقة عن العمل بالاستفهام. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به أوّل، معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿فِيهِنَّ﴾ حال من ﴿نُورًا﴾، و ﴿نُورًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعولان، معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ خبره، والجملة في محل النصب معطوفة على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾، على كونها مقول ﴿قلت﴾، ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ فعل، وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾. ﴿نَبَاتًا﴾ مفعول مطلق، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يُعِيدُكُمْ﴾، ﴿وَيُخرِجُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يُعِيدُكُمْ﴾، ﴿إِخْرَاجًا﴾ مفعول مطلق. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿جَعَلَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ﴾. ﴿جَعَلَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، ﴿لَكُمْ﴾ حال من ﴿بِسَاطًا﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول أوّل، ﴿بِسَاطًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿لِتَسْلُكُوا﴾ اللام حرف جرّ وتعليل ﴿تَسْلُكُوا﴾ فعل مضارع، منصوب بـ (أن) مضمرة بعد لام كي، والواو: فاعل، ﴿مِنْهَا﴾ حال من ﴿سُبُلًا﴾؛ أي: كائنة من الأرض، ولو تأخّر .. لكان صفة لها، ﴿سُبُلًا﴾ مفعول به، ﴿فِجَاجًا﴾ نعت لـ ﴿سُبُلًا﴾، وجملة ﴿تَسْلُكُوا﴾ مع ﴿أن﴾ المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لسلوككم سبلًا

стр. 14045

فجاجًا منها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾. ﴿قَالَ نُوحٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو بدل من ﴿قَالَ﴾ الأول. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿عَصَوْنِي﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ونون وقاية، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿عَصَوْنِي﴾، ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿لَمْ﴾ حرف جزم، ﴿يَزِدْهُ﴾ فعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿مَالُهُ﴾ فاعل، ﴿وَوَلَدُهُ﴾ معطوف على ﴿مَالُهُ﴾، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿خَسَارًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿يَزِدْهُ﴾، ﴿وَمَكَرُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿عَصَوْنِي﴾، ﴿مَكْرًا﴾ مفعول مطلق ﴿كُبَّارًا﴾ نعت لـ ﴿مَكْرًا﴾، ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿عَصَوْنِي﴾، ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَذَرُنَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشدّدة نون التوكيد. ﴿آلِهَتَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿وَقَالُوا﴾، ﴿وَلَا تَذَرُنَّ﴾ معطوف على ﴿وَلَا تَذَرُنَّ﴾ الأولى، ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ ﴿وَدًّا﴾ وما عطف عليه مفعول ﴿تَذَرُنَّ﴾، ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ ممنوعان من الصرف للعلمية ووزن الفعل إن كانا عربيّين، وللعلمية والعجمة إن كانا عجميّين. وقرىء ﴿ولا يغوثا ويعوقا﴾ مصروفين لأمرين: أحدهما: أنّ صرفهما للتناسب، إذ قبلهما اسمان منصرفان وبعدهما اسم منصرف، الثاني أنّه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقًا، وهي لغة حكاها الكسائيّ. ﴿وَنَسْرًا﴾ معطوف على ﴿وَدًّا﴾ أيضًا. ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على قوله: ﴿عَصَوْنِي﴾، على كونه خبر ﴿إِنَّهُمْ﴾ أو حال من فاعل ﴿عَصَوْنِي﴾، أو مقول لقول محذوف، معطوف على ﴿قَالَ﴾ الأول؛ أي: ﴿قَالَ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ وقال ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. ﴿كَثِيرًا﴾ مفعول به لـ ﴿أَضَلُّوا﴾، ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة، ﴿لا﴾ دعائية سلوكًا مسلك الأدب مع البارىء سبحانه، ﴿تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الدعائية، والجملة في محل النصب،

стр. 14046

معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿ضَلَالًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تَزِدِ﴾. ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾. ﴿مِمَّا﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جرّ، ﴿ما﴾ زائدة، ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾ مجرور بـ ﴿مِنْ﴾ التعليلية، والجار والمجرور متعلّق بـ ﴿أُغْرِقُوا﴾، و ﴿أُغْرِقُوا﴾ فعل ماض مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل، والجملة مستأنفة من كلام الربّ سبحانه. ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿أُغْرِقُوا﴾، ﴿نَارًا﴾ مفعول به ثان على السعة، ﴿فَلَم﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿يَجِدُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أدخلوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿يَجِدُوا﴾، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حال من أنصارا، و ﴿أَنْصَارًا﴾ مفعول أوّل لـ ﴿يَجِدُوا﴾، ﴿وَقَالَ نوُحٌ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالَ﴾ الأول، ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، ﴿لَا﴾ دعائية جازمة، ﴿تَذَرْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الدعائية، والجملة في محل النصب مقول قال، ﴿عَلَى الْأَرْضِ﴾ متعلّق بـ ﴿تَذَرْ﴾، ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حال من ﴿دَيَّارًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿دَيَّارًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَذَرْ﴾، ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه، ﴿إِن﴾ حرف شرط جازم، ﴿تَذَرْهُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿يُضِلُّوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿عِبَادَكَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿إِنّ﴾ الشرطية من فِعْلِ شرطها وجوابها في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معلّلة للنهي المذكور قبلها. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَلِدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يُضِلُّوا﴾ على كونه جواب الشرط، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿فَاجِرًا﴾ مفعول ﴿يَلِدُوا﴾، ﴿كَفَّارًا﴾ نعت ﴿فَاجِرًا﴾. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب

стр. 14047

مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿اغْفِرْ﴾ فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على اللهَ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿اغْفِرْ﴾، ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ معطوف على ﴿لِي﴾، ﴿وَلِمَن﴾ معطوف أيضًا على ﴿لِي﴾، وجملة ﴿دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿دَخَلَ﴾ فعل وفاعل مستتر، ﴿بَيْتِيَ﴾ مفعول به على السعة، ﴿مُؤْمِنًا﴾ حال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ معطوفان أيضًا على ﴿لِي﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾ دعائية جازمة، ﴿تَزِدِ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الدعائية، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعول به أوّل، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿تَبَارًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تَزِدِ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اغْفِرْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ الأصل: اوتقيوه، استثقلت الضمة على الياء فحذفت .. فلما سكنت التقى ساكنان؛ فحذفت الياء، وضمَّت القاف لمناسبة الواو، ثم أبدلت الواو فاء الكلمة تاء، وأدغمت في تاء الافتعال. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: معيّن مقدر عند الله، والأجل: المدة المضروبة للشيء. ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾، أصله: يزيدهم بوزن يفعل، نقلت حركة الياء إلى الزاي فسكنت فدخل الجازم ﴿لم﴾ فسكن آخر الفعل فالتقى ساكنان فحذفت الياء لذلك، فوزنه يفلهم. وقوله: ﴿دُعَائِي﴾ الهمزة في مادّة الدعاء مبدلة من واو لتطرّف الواو إثر ألف زائدة، وهذا مطرود في الواو والياء. ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾. والآذان: جمع أذن، أصله: أأذان على وزن أفعال، أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أصله: استغشيوا بوزن استفعلوا، قلبت. الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة. وقوله: ﴿ثِيَابَهُمْ﴾ الياء فيه مبدلة من واو، أصله: ثوابهم أعل هذا الإعلال بإبدال الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وقبل ألف في جمع معتل العين في المفرد. ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أصله: أصرروا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو الأولى إلى الصاد فسكنت، فأدغمت في الراء الثانية. وقوله أيضًا: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ والاستغشاء مأخوذ من الغشاء، وهو الغطاء، وهو في الأصل اشتمال من فوق، ولما كان فيه

стр. 14048

معنى الستر استعمل بمعناه، وأصل الاستغشاء: طلب الغشي؛ أي: الستر، لكن معنى الطلب هنا ليس بمقصود بل هو بمعنى التغطّي والستر، وإنما جيء بصيغته التي هي السين للمبالغة. ﴿والثياب﴾ جمع ثوب، سمّي به لثوب الغزل؛ أي: رجوعه إلى الحالة التي قدّر لها اهـ من الروح. وقوله أيضًا: ﴿وَأَصَرُّوا﴾؛ أي: أكبوا وأقاموا على الكفر والمعاصي يقال: أصر الحمار على الأتانة إذا ضم أذنيه إلى رأسه، وأقبل عليها يكدمها ويطردها طلبًا للسفاد، استعير للإقبال على الكفر والمعاصي، والإكباب عليهما بتشبيه الإقبال المذكور بإصرار الحمار على الأتانة يكدمها ويطردها للسفاد، ولو لم يكن في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار .. لكفى به مزجرةً، فكيف والتشبيه في أسوأ حاله؛ وهو حال الكدم والطرد للسفاد. ﴿جِهَارًا﴾ والجهر: ظهور الشيء بإفراط لحاسة السمع أو لحاسة البصر. والإعلان ضدّ الإسرار. ﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: كثير الدرور، وهو حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، ولم يؤنّث؛ لأنّه على زنة مفعال ومفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: رجل مذكار وامرأة مئناث، وهو من أوزان المبالغة، كقولهم: وإنه لمنحار بوائكها. ﴿وَقَارًا﴾ والوقار في الأصل: السكون والحلم، وهو هاهنا بمعنى العظمة؛ لأنّه يتسبب عنها في الأغلب. ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ جمع طور، وهو الحال والتارة. وفي "المصباح": والطور بالفتح: التارة مثل: ثوب وأثواب، وتعدى طوره؛ أي: حا له التي تليق به انتهى. ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أصل تروا: ترأيوا بوزن تفعلوا، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت للتخفيف ثم أبدلت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾؛ أي: إنباتًا عجيبًا، وأنشأكم منها إنشاء غريبًا على أن ﴿نَبَاتًا﴾ وضع موضع إنباتًا على أنه مصدر مؤكد؛ لـ ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ بحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر. ﴿فِجَاجًا﴾؛ أي: واسعة جمع فج، وهو الطريق الواسع. وقيل: هو المسلك بين الجبلين، قال في "المفردات": الفج: طريق يكتنفها جبلان، ويستعمل في الطريق الواسع. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ أصله: عصيوني قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ﴿وَاتَبَعُوا﴾ فيه إدغام التاء فاء الفعل في تاء الافتعال. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾؛ أي: عظيمًا. والمكر: الحيلة الخفية. وفي "كشف

стр. 14049

الأسرار": المكر في اللغة: غاية الحيلة، وهو من فعل الله تعالى إخفاء التدبير. ﴿كُبَّارًا﴾ بضمّ الكاف وتشديد الباء وهو بناء مبالغة، وهو أبلغ من ﴿كبارًا﴾ بالضمّ والتخفيف. ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ﴾ أصله: تذرونن، الأولى نون الرفع والثانية نون التوكيد الثقيلة، فتحذف نون الرفع للجازم ﴿لَا﴾ الناهية، فصار اللفظ تذرون فاجتمع ساكنان فحذفت الواو. ﴿يَغُوثَ﴾ أصله: يغوث إن كان عربيًا، نقلت حركة الواو إلى الغين فسكّنت فصارت حرف مدّ، فهو على وزن الفعل، وكذلك القول في قوله: ﴿يعوق﴾ لا يختلف. ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ أصله: أضللوا، نقلت حركة اللام الأولى إلى الضاد، فسكنت فأدغمت في اللام الثانية. ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ أصله: تزيد بوزن تفعل نقلت حركة الياء إلى الزاي، فسكنت ثم جزم الفعل بـ ﴿لا﴾ الناهية فسكن آخره فالتقى ساكنان فحذفت الياء، فوزنه تفل. ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ﴿رَبِّ﴾ أصله: ربي حذفت منه ياء الإضافة اكتفاء عنها بالكسرة. ﴿دَيَّارًا﴾ قال الزمخشري: هو من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالدار ديّار وديّور كقيام وقيوم، وهو فيعال من الدوار أو من الدار، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل بأصل سيد وميت، ولو كان فعالًا .. لكان دوّارًا. وعبارة أبي حيان: ﴿دَيَّارًا﴾ من ألفاظ العموم التي تستعمل في النفي، وما أشبهه، ووزنه فيعال، أصله: ديوار، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت. وفي "القاموس": "وما داري وديار ودوري وديور" أي: أحد. ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾ هذا الفعل حذفت فاؤه في جميع التصاريف، فأصل المادة: وذر، لكن الماضي منه مهجور، والمضارع والأمر حذفت منهما الفاء. وقوله: ﴿يُضِلُّوا﴾ أصله: يضللوا بوزن يفعلوا، نقلت حركة اللام الأولى إلى الضاد فسكنت فأدغمت في اللام الثانية. ﴿وَلَا يَلِدُوا﴾ فيه إعلال بالحذف أصله: يولدوا بوزن يفعلوا، حذفت الواو فاء الكلمة لوقوعها بين عدوتيها الياء المفتوحة والكسرة. ﴿إِلَّا فَاجِرًا﴾ من الفجر، وهو شق الشي شقًّا واسعًا كفجر الإنسان السكر وهو بالكسر اسم لسد النهر وما سد به النهر. والفجور: شق ستر الديانة. ﴿كَفَّارًا﴾ قال الراغب: الكفار أبلغ من الكفور، وهو المبالغ في كفران النعمة.

стр. 14050

البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: إفراد الإنذار في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ مع كونه بشيرًا أيضًا؛ لأن الإنذار أقوى في تأثير الدعوة، لما أن أكثر الناس يطيعون أوّلًا بالخوف من القهر وثانيًا بالطمع في العطاء كما مرّ. ومنها: إسناد الزيادة إلى الدعاء في قوله ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ مع أنها فعل الله تعالى لسببيته لها. ومنها: الطباق بين ﴿لَيْلًا﴾ و ﴿نَهَارًا﴾، وبين ﴿أَعْلنَتُ﴾ و ﴿أَسْرَرْتُ﴾ وبين ﴿جِهَارًا﴾ و ﴿إِسْرَارًا﴾، وبين ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ و ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ﴾ المراد رؤوس الأصابع من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ لأنّه كناية عن المبالغة في إعراضهم عمّا دعاهم إليه، فهم بمثابة من سدّ سمعه وغشى بصره كيلا يسمع ولا يرى. وقيل: الكلام حقيقي كما مرّ. ومنها: تكرار الدعاء في قوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾ تأكيدًا ومبالغة في الدعاء. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وعلاقته المحلية، فقد أراد بالسماء المطر؛ لأنّ المطر ينزل من السماء، كما قال الشاعر: إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاه وَإِنْ كَانُوْا غِضَابَا ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾؛ لأنّه شبّههم بالنبات، فقد استعار الإنبات للإنشاء، فاشتق من الإنبات بمعنى الإنشاء أثبت بمعنى أنشأ على طريقة الاستعارة التصريحيّة التبعيّة، وكانت هذه الاستعارة ذات فائدة؛ لأنها دلت على الحدوث، فإنهم إذا كانوا نباتًا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات.

стр. 14051

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة أيضًا في قوله: ﴿وَأَصَرُّوا﴾، شبه إقبالهم على الكفر والمعاصي بإقبال الحمار على الأتانة للسفاد بجامع كون كلّ منهما إقبالًا سيّئًا. ومنها: التأكيد بالمصدر للمبالغة في قوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ ﴿نَبَاتًا﴾ و ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾، و ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾. ويسمى هذا في علم المعاني بالإطناب. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾؛ أي: كالسراج، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ كالبساط والفراش. ومنها: تكرار لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ بعد قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ﴾ للتعظيم والتيّمن والتبّرك. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ ﴿نَبَاتًا﴾ ﴿يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ الآية، مع اندراجها فيما قبلها؛ لأنّها كانت أكبر أصنامهم وأعظم ما عندهم، وهو عند أرباب المعاني نوع من الإطناب. ومنها: عكسه الذي هو ذكر العام بعد الخاص في قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تكريرًا للدعاء للخاص. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ علاقته ما يؤول إليه؛ لأنّه لم يفجروا وقت الولادة بل بعدها بزمن طويل. ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ على عامله إفادة للحصر، فإنه يدل على أنّ إغراقهم بالطوفان لم يكن إلا من أجل خطيئاتهم تكذيبًا لقول المنجمين كما مرّ. ومنها: زيادة ﴿ما﴾ الإبهامية بين الجار والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور. ومنها: تنكير ﴿نَارًا﴾ في قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ للدلالة على تعظيمها؛ أي: نارًا عظيمة وإفادة للتهويل منها.

стр. 14052

ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا﴾؛ لأنّ فيه تعريضًا باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى. ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾؛ لأنّه وسّط بذلك بين دعائه ﵇ أوّلًا ودعائه عليهم فيما بعد للإيذان من أوّل الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطيئاتهم التي عدّدها نوح ﵇. ومنها: التهكم بهم في قوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 14053

خلاصة مقاصد هذه السورة اشتملت هذه السورة على مقصدين. الأوّل: دعوة نوح قومه إلى الإيمان وقد حوت تلك الدعوة أمورًا: ١ - طلب تركهم للذنوب وأنّهم إذا فعلوا ذلك أكثر الله لهم الأموال والبنين. ٢ - النظر في خلق السموات والأرض والأنهار والبحار. ٣ - النظر في خلق الإنسان، وأنّه يخلق من الأرض كما يخلق النبات منها، وأنَّ الأرض مسخرة لهم يتصرّفون فيها كما يشاؤون. والثاني: كفر قومه وعقابهم في الدنيا والآخرة (١). فائدة: سورة نوح ثمان وعشرون آية. (ثمان) بكسر النون إن أعلَّ إعلال قاض فيكون منقوصًا، وإعرابه على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين كقولهم: جاء قاض. وبرفع النون إن حذفت الياء اعتباطًا وتخفيفًا لا لعلة تصريفية، فيكون كـ: يد ودم اهـ شيخنا. والله أعلم * * *

стр. 14054

سورة الجن سورة الجنّ مكيّة، قال القرطبيّ في قول الجميع: نزلت بعد سورة الأعراف. وأخرج ابن الضريس والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الجن بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة، وابن الزبير مثله. وهي ثمان وعشرون آية. وكلماتها (١): مئتان وخمس وثمانون كلمة. وحروفها: ثمان مئة وسبعون حرفا. ومناسبتها لما قبلها من وجوه (٢): ١ - أنّه جاء في السورة السابقة ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وجاء في هذه السورة ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾. ٢ - أنه ذكر في هذه السورة شيء يتعلق بالسماء كالسورة التي قبلها. ٣ - أنه ذكر عذاب من يعصي الله سبحانه في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وذكر هناك مثله في قوله: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾. وقال أبو حيان (٣): مناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه لما حكى تمادي قوم نوح في الكفر وعكوفهم على عبادة الأصنام، وكان ﵇ أول رسول إلى أهل الأرض كما أن محمدًا ﷺ آخر رسول إلى أهل الأرض. والعرب الذين هو منهم كانوا عباد أصنام كقوم نوح حتى إنهم عبدوا أصنامًا مثل أصنام أولئك في الأسماء، وكان ما جاء به محمد ﷺ من القرآن هاديًا إلى الرشد، وقد سمعته العرب، وتوقّف عن الإيمان به أكثرهم. أنزل الله تعالى سورة الجن إثر سورة نوح تبكيتًا لقريش والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان؛ إذ كانت الجن خيرًا منهم، وأقبل للإيمان بهذا، وهم من غير جنس الرسول ﷺ ، ومع ذلك فبنفس ما سمعوا القرآن استعظموه

стр. 14055

وآمنوا به للوقت، وعرفوا أنه ليس من نمط كلام الناس، بخلاف العرب؛ فإنه نزل بلسانهم، وعرفوا كونه معجزًا وهم مع ذلك مكذّبون له، ولمن جاء به حسدًا وبغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. التسميه: وسميت سورة الجن لذكر قصة استماع الجن للقرآن فيها. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم: سورة الجن كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. والله أعلم * * *

стр. 14056

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾. المناسبة قد تقدم بيان المناسبة بين هذه السورة، والتي قبلها آنفًا، وأمّا المناسبة بين آياتها فليست معتبرة؛ لأنّها نزلت في مقصد واحد. واعلم: أنَّ الله سبحانه سمى سور كتابه بأسماء تبعث على النظر والاعتبار

стр. 14057

وتوجب التفكير. فسمى (١) بالأنعام وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت، وبما هو ألطف من ذلك كالنور، كما سمى ببعض الأنبياء كيوسف ويونس وهود وببعض الأخلاق كالتوبة، وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم، وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى، وببعض المعادن كالحديد، وببعض الأماكن كالبلد، وببعض النبات كالتين، وكل ذلك مما نراه. وهنا سمى هذه السورة بعالم لا نراه، وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإِسلام إلا من طريق الوحي، وليس للعقل دليلٌ عليه، ولقد أصبحت هذه العوالم المستترة عنا الشغل الشاغل اليوم للعلماء والباحثين، فصار علماء أوربا يدرسون عالم الملائكة، وعالم الجن وعالم الأرواح، ويطلعون على غوامض هذه العوالم، فتحدث الناس مع أرواح أصحابهم الذين ماتوا، واتصل العالم الإنسي بالعالم الجنّي، وبعالم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات: ما أخرجه (٢) البخاري، والترمذي وغيرهما عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، ولكنه انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: ما هذا إلا لشيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا هذا الذي حدث، فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ ، وهو بنخلة، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا. فأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾، وإنما أوحي إليه قول الجنّ. وأخرج ابن الجوزي في كتاب "صفوة الصفوة" بسنده عن سهل بن عبد الله قال: كنت في ناحية ديار عاد؛ إذ رأيت مدينة من حجر منقور في وسطها قصر من

стр. 14058

حجارة تأويه الجن، فدخلت فإذا شيخ عظيم الخلق يصلي نحو الكعبة، وعليه جبة صوف فيها طراوة؛ فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبي من طراوة جبته، فسلمت عليه، فرّد عليّ السلام وقال: يا سهل: إنّ الأبدان لا تخلق الثياب، وإنما تخلقها روائح الذنوب ومطاعم السحت، وإنَّ هذه الجبة عليّ من سبع مئة سنة، لقيت فيها عيسى ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام، فآمنت بهما. فقلت له: ومن أنت؟ قال: من الذين نزلت فيهم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن كردم عن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أوَّل ما ذكر رسول الله ﷺ ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملًا من الغنم فوثب الراعي، فقال: عامر الوادي جارك، فنادى مناد "لا نراه يا سرحان"، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، فأنزل الله على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ...﴾ الآية. وأخرج (١) ابن سعد عن أبي رجاء العطارديّ من بني تميم قال: بعث رسول الله ﷺ ، وقد رعيت على أهلي وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي ﷺ خرجنا هرابًا، فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا: إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذلك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، من أقر بها أمن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإِسلام، قال أبو رجاء: إني لأرى هذه الآية نزلت فيَّ وفي أصحابي: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الآية. وروي عن مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ....﴾ قال: نزلت في كفّار قريش حين منع المطر سبع سنين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت الجن للنبيّ ﷺ : كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون عنك؟ أو كيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت

стр. 14059

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرميّ: أنه ذكر له أنّ جنيًّا من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن يجيره الله وأنا أجيره، فأنزل الله : ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك ليعرفوا بذلك أنّك مبعوث إلى الجنّ كالإنس ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: ألقي عليّ بطريق الوحي، واخبرت بإعلام من لله تعالى. والإيحاء: إعلام في خفاء. وفائدة (١) إخباره بهذه الأخبار بيان أنه رسول الثقلين، والنهي عن الشرك والحث على التوحيد، فإن الجن مع تمردهم وعدم مجانستهم إذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم؟. ﴿أَنَّهُ﴾ بفتح الهمزة؛ لأنّه نائب فاعل لـ ﴿أُوحِيَ﴾. وعند الكوفيين والأخفش يجوز نيابة الجار والمجرور مع غيره، والضمير للشأن والحديث؛ أي: إنَّ الشأن والحديث ﴿اسْتَمَعَ﴾؛ أي: أصغى القرآن أو طه أو اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه. والاستماع: الإصغاء، والمستمع من كان قاصدًا للسماع مصغيًا إليه، والسامع: من اتفق سماعه من غير قصد إليه، فكل مستمتع سامع من غير عكس. ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة. قال في "القاموس": النفر: ما دون العشرة من الرجال كالنفير، والجمع أنفار. وفي"المفردات": النفر: عدة رجال يمكنهم النفر إلى الحرب. والجن واحده جني كروم ورومي ونحوه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ رباعيًا. وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو إياس جوبة بن عائد الأسدي، والعتكي عن أبي عمرو ﴿وحي﴾ ثلاثيًا، يقال: وحي وأوحي بمعنى واحد، وهما لغتان. وقرأ زيد بن عليّ، وجوبة فيما روى عن الكسائي، وابن أبي عبلة أيضًا ﴿أحي﴾ بإبدال الواو همزة، ما قالوا في وعد: أعد. وقال الزمخشري: وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة انتهى. وليس كما ذكر بل في

стр. 14060

ذلك تفصيل، وذلك أنَّ الواو المضمومة قد تكون أوّلًا وحشوا وآخرًا، ولكل منها أحكام، وفي بعضها تفصيل، وخلاف مذكور في كتب النحو. قال الزمخشري: وقد أطلقه المازني في المكسور أيضًا كإشاح وإسادة وإعاء أخيه انتهى. واختلف (١) هل رآهم النبي ﷺ أو لم يرهم؛ فظاهر القرآن: أنّه لم يرهم لأنّ المعنى: قل يا محمد لأمّتك أوحي إليّ علي لسان جبريل ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. ويؤيّد هذا ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. وقال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. وقيل غير ذلك، كما مرّ آنفًا؛ إذ لو رآهم (٢) لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي، فإن ما عرف بالمشاهدة لا يستند إثباته إلى الوحي، وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم، ولم يقرأ عليهم. وإنّما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، فسمعوها فأخبره الله تعالى بذلك، وقد مضى ما فيه من التفصيل في سورة الأحقاف فلا نعيده. وقال الضحاك: والجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين. وقال الحسن: إنهم ولد إبليس. وقيل: هم أجسام رقاق في صورة تخالف صورة الملك والإنس عاقلة كالإنس خفيّة عن أبصارهم لا يظهرون لهم، ولا يكلّمونهم إلا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية أو الهوائية، ويدل على الأوّل مثل قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾، فإن المشهور أنَّ المركبات كلها من العناصر، فما يغلب فيه النار فناري كالجن، وما يغلب فيه الهواء فهوائي كالطير، وما يغلب فيه الماء فمائي كالسمك، وما يغلب فيه التراب فترابي كالإنسان، وسائر الحيوانات الأرضية. وقيل: هي نوع من الأرواح المجردة؛ أي: الملائكة. وقيل: هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها. وأكثر الفلاسفة ينكرون وجود الجن في الخارج، واعترف به جمع عظيم من قدمائهم، وكذا جمهور أرباب الملل المصدّقين بالأنبياء. قال الفاشانيّ: إنّ في الوجود نفوسًا أرضيّة قوية لا في غلظ النفوس السبعية والبهيمة وكثافتها وقلة إدراكها, ولا على هيئات النفوس الإنسانية واستعدادها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة

стр. 14061

الغالب عليها الأرضية، ولا في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي، وتتجرد، أو تتعلق ببعض الأجرام السماويّة متعلقة بأجرام لطيفة غلبت عليها الهوائية، أو النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها. سماها بعض الحكماء الصور المعلقة، ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا وإدراكاتنا, ولما كانت قريبة الطبع إلى الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقي من عالمها بعض الغيب، فلا يستبعد أن ترتقي أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة؛ أي: النفوس المجردة. ولما كانت أرضيّة ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت تلك القوى، فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأنها وإدراك مداها من العلوم، ولا ينكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق، وتهلك أو تنزجر عن الارتقاء إلى الأفق السماوي، فتتسفل فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان. وقد اختلف (١) أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ وقول الجنّ فيما سيأتي في هذه السورة: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ وغير ذلك من الآيات. فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى لقوله في سورة الرحمن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك، فراجعها. وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلًا منهم بل الرسل جميعًا من الإنس، وإن أشعر قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أنّ الله سبحانه لم يرسل الرسل إلّا من بني آدم. وهذه الأبحاث يطول الكلام فيها. والمراد هنا الإشارة إليها بأخصر عبارة وأوجز إشارة. والحاصل (٢): من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن النبي ﷺ رسول إلى الإنس والجن، فمن دخل في دينه فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها والنار مستقره.

стр. 14062

والمعنى (١): أمر الله رسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى به إليه من قصص الجن لما في علمه من فوائد ومنافع للناس منها: ١ - أن يعلموا أنه ﷺ كما بعث إلى الإنس بعث إلى الجن. ٢ - أن يعلموا أنّ الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا. ٣ - أن يعلموا أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان. ٤ - أن يعلموا أن الجن مكلفون كالإنس. ٥ - أن تعلم قريش أنَّ الجن على تمردها, لما سمعت القرآن عرفت إعجازه وآمنت به. وكان استماعهم للنبي ﷺ قبل الهجرة بثلاث سنين، والذين استمعوه هم جن نصيبين قرية باليمن، وذلك في صلاة الصبح يقرأ سورة الرحمن، أو سورة اقرأ ببطن نخل موضع بين مكة والطائف. وذكر الخطيب في سورة الأحقاف أنّ صلاته ببطن نخل كانت حين رجوعه من الطائف، فإن النبي ﷺ في السنة الحادية عشرة من النبوة لما أيس من أهل مكة خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإِسلام، فلم يجيبوه، فانصرف راجعًا إلى مكة، فأقام ببطن نخل، بينه وبين مكة مسيرة ليلة، يقرأ القرآن فمرّ به نفر من جنّ نصيبين اهـ. وعن عكرمة: أنهم كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل. وقد حكى سبحانه عن الجن أشياء: ١ - ﴿فَقَالُوَا﴾ لقومهم عند رجوعهم إليهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾؛ أي: كتابًا مقروءًا على لسان الرسول ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: عجيبًا؛ أي: معجبًا في فصاحته وبلاغته، وقيل: في مواعظه، وقيل: في بركته. وهو مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة، والعجيب ما خرج عن حدّ أشكاله ونظائره. والمعنى: كتابًا بديعًا مباينًا لكلام الناس في حسن النظم ودقّة المعنى. وقال البقليّ: كتابًا عجيبًا تركبه، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا من أهل اللسان. ٢ - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾؛ أي: إلى الحق والصواب وصلاح الدنيا والدين، كما قال ﵇: "اللهم ألهمني رشدي"؛ أي: الاهتداء إلى مصالح الدين والدنيا، فيدخل فيه التوحيد والتنزيه. وحقيقة الرشد هو الوصول إلى الله تعالى. والجملة صفة أخرى للقرآن.

стр. 14063

وقرأ الجمهور: ﴿الرُّشد﴾ بضم الراء وسكون الشين، وعيسى بضمّهما، وعنه أيضًا فتحهما. ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بذلك القرآن، ومن ضرورة الإيمان به الإيمان بمن جاء به، أي: صدّقنا به بأنّه من عند الله تعالى. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بعد اليوم البتة؛ أي: بعد علمنا بالحق ﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد؛ أي: لا نجعل أحدًا من المعبودات شريكًا له سبحانه اعتقادًا، ولا نعبد غيره. فإن تمام الإيمان إنما يكون بالبراءة من الشرك والكفر كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. فلكونه قرآنًا معجزًا بديعًا وجب الإيمان به، ولكونه يهدي إلى الرشد وجب قطع الشرك من أصله. والدخول في دين الله كله فمجموع قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ مسبب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، ولذا عطف ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بالواو مع أنّ الظاهر الفاء، وفي هذا توبيخ للكفّار من بني آدم حيث آمنت الجنّ بسماع القرآن مرّةً واحدةً، وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفّار الإنس لا سيّما رؤوساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرّات متعددة وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلغاتهم لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل، ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون. والمعنى (١): أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كما جاء في قولهم: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: إنا سمعنا كتابًا بديعًا يهدي إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فصدّقنا به، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك بالله. ٢ - ٣ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ بفتح الهمزة (٢) وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بـ ﴿أنّ﴾ في أحد عشر موضعًا معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، فيكون من جملة الكلام الموحى به على أنَّ المُوحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنّه قيل: قل أوحي إليّ كيت وكيت. وهذه العبارات فاندفع ما قيل من أنّك لو عطفت ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ وشبه ذلك على أنّه استمع لم يجز، لأنّه ليس مما أوحي إليه، وإنّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم انتهى. قلت: والذي يظهر لي أنّ ﴿أنّ﴾ المفتوحة في مواضعها كلها مستعملة استعمال إنّ المكسورة

стр. 14064

توسعة لدائرة الكلام إلا في قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ فتكون فيه على بابها، وفي سائر المواضع بمعنى ﴿إن﴾ المكسورة فتكون مقولا لقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. ومن قرأ بالكسر عطف على المحكي بعد القول، وهو الأظهر لوضوح اندراج الكلّ تحت القول. وقيل: في الفتح والكسر غير ذلك، والأقرب ما قلناه. والمعنى: وأنّ الشأن ارتفع عظمة ربّنا كما تقول في الثناء على الله: وتعالى جدّك؛ أي: ارتفع عظمتك. وفي إسناد التعالي إلى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم: جدّ فلان في عيني؛ أي: عظم تمكّنه أو سلطانه؛ لأن الملك والسلطنة غاية العظمة. أو غناه على أنه مستعار من الجد الذي هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سواء استعمل بمعنى الملك والسلطان أو بمعنى الغنى، فإن الجد في اللغة كما يكون بمعنى العظمة، وبمعنى أب الأب وأبي الأم يكون بمعنى الحظ والبخت، يقال: رجل مجدود؛ أي: محظوظ. شبه سلطان الله وغناه الذاتيان الأزليان ببخت الملوك والأغنياء، فأطلق اسم الجد عليه استعارة. وقرأ الحرميّان (١): نافع وابن كثير، والأبوان: أبو عمرو وأبو بكر بفتح الهمزة من قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية، آخرها ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾. وباقي السبعة بالكسر، فأما الكسر فواضح؛ لأنها معطوفات على قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾، فهي داخلة في معموم القول. وأما الفتح فقال أبو حاتم: هو معطوف على مرفوع ﴿أُوحِيَ﴾، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله انتهى. وهذا لا يصح؛ لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت ﴿أُوحِيَ﴾، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم كقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، ألا ترى أنه لا يلائم ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ﴾، وكذلك باقيها. وقال الزمخشري: ومن فتح كلهن فعطفًا على محل الجار والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، كأنه قيل: صدقناه وصدّقنا بأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي انتهى. ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه ﴿آمَنَّا﴾. وتلخيص ما في هذا المقام (٢): أن ﴿إنّ﴾ المشددة في هذه السورة على قسمين:

стр. 14065

القسم الأول: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القرّاء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية كقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ لا خلاف في فتحه لوقوعه موضع المصدر، كقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ لا خلاف في كسره؛ لأنه محكي بالقول. والقسم الثاني: أن يقترن بالواو وهو أربع عشرة كلمة: إحداها لا خلاف في فتحها، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. والثانية: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ كسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرة الباقية فتحها الأخوان، وابن عامر وحفص، وكسرها الباقون كما تقدم تحرير ذلك كله. والاثنتا عشرة هي قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُون﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ﴾ اهـ اسمين. وقرأ الجمهور (١): ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ بفتح الجيم ورفع الدال مضافًا إلى ﴿ربنا﴾؛ أي: عظمته، قاله الجمهور، وقال أنس والحسن: غناه، وقال مجاهد: ذكره، وقال ابن عباس: قدره وأمره. وقرأ عكرمة ﴿جد﴾ منونًا، ﴿ربنا﴾ مرفوع الباء كأنه قال: عظيم هو ربنا فربنا بدل، والجد في اللغة العظيم. وقرأ حميد بن قيس ﴿جدّ﴾ بضم الجيم مضافًا، ومعناه: العظيم، حكاه سيبويه، وهو من الإضافة إلى الموصوف. والمعنى: تعالى ربنا العظيم. وقرأ عكرمة ﴿جدّا ربّنا﴾ بفتح الجيم والدال منونًا ورفع ﴿ربنا﴾، وانتصب ﴿جدّا﴾ على التمييز المحول من الفاعل، أصله: تعالى جدّ ربنا. وقرأ قتادة وعكرمة أيضًا ﴿جدّا﴾ بكسر الجيم والتنوين نصبًا ﴿ربّنا﴾ رفعًا. قال ابن عطية: نصب ﴿جدّا﴾ على الحال، ومعناه: تعالى حقيقة ومتمكنًا، وقال غيره: هو صفة لمصدر محذوف تقديره: تعاليًا جدًّا، و ﴿ربنا﴾ مرفوع بـ ﴿تعالى﴾. وقرأ ابن السميفع ﴿جَدَى ربنا﴾؛ أي: جدواه ونفعه. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً ...﴾ أي: زوجة ﴿وَلَا وَلَدًا﴾؛ أي: ابنًا ولا بنتًا. بيان (٢) لحكم (تعالى جده)، كأنه قيل: ما الذي تعالى عنه؟ فقيل: ما اتخذ؛ أي:

стр. 14066

لم يختر لنفسه لكمال تعاليه زوجة ولا بنتًا ولا ابنًا كما يقول الظالمون: عيسى ابن الله، ومريم صاحبته، والملائكة بنات الله، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان تنبهوا للخطأ في ما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد، فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه لعظمته وسلطانه أو لغناه، فإن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها. والولد للتكثير وإبقاء النسل بعد فوته، وهذه من لوازم الإمكان والحدوث، وأيضًا هو خارج عن دائرة التصور، والإدراك، فكيف يكيفه أحد؟ فيدخله تحت جنس حتى يتخذ صاحبة من صنف تحته أو ولدًا من نوع يماثله. وقد قالت النصارى أيضًا: المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله، وبعض مشركي العرب الملائكة بنات الله. ويلزم من كون المسيح ابن الله على ما زعموا أن تكون مريم صاحبة له، ولذا ذكر الصاحبة. يعني: أنّ الولد يقتضي الأمّ التي هي صاحبة الأب الوالد. والمعنى (١): أي وإنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله نزّهوا ربهم عن الزوجة والولد؛ لأن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها, ولأنها من جنس الزوج، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. والولد للتكثّر، والاستئناس به، والحاجة إليه حين الكبر وبقاء الذكر والشهرة، كما قال: وَكَمْ أَبٍ قَدْ عَلا بابْنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كَمَا عَلَتْ بِرَسُوْلِ الله عَدْنَانُ والله سبحانه منزه عن ذلك، تعالى ربنا علوًا كبيرًا. والخلاصة: علا ملك ربنا وسلطانه أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة أو ملامسة يكون منها الولد. ٣ - ٤ ﴿وَأَنَّهُ﴾؛ أي: وأن الشأن ﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾؛ أي: جاهلنا، وهو إبليس أو مردة الجن. فقوله: ﴿سَفِيهُنَا﴾ للجنس. والظاهر (٢) أن يكون إبليس من الجنّ كما قال تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. والسفه: خفّة النفس لنقصان العقل، ويكون في الأمور الدنيوية والأخروية، والمراد به في الآية هو السفه في الدين الذي هو السفه الأخروي، كذا في "المفرادت". ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ

стр. 14067

﴿يَقُولُ﴾، عبر بـ ﴿عَلَى﴾ لأنّ ما قالوه عليه تعالى لا له ﴿شَطَطًا﴾؛ أي: كذبًا وبهتانًا وظلمًا، والمراد به نسبة الصاحبة والولد إليه تعالى. وفي "المفردات": الشطط: الإفراط في البعد عن الحق، أي: قولًا ذا شطط؛ أي: بعد عن القصد ومجاوزة الحدّ. والمعنى: أي وقالوا: إن جهالنا كانوا يقولون ويفترون على الله قولًا بعيدًا عن الحق والصواب بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى. وفي الآية إشارة إلى أن العالم غير العامل في حكم الجاهل، فإن إبليس كان من أهل العلم، فلما لم يعمل بمقتضى علمه جعل سفيهًا جاهلًا لا يجوز التقليد له. فالاتباع للجاهل، ومن في حكمه اتباع للشيطان، والشيطان يدعو إلى النار؛ لأنّه خلق منها. ٤ - ٥ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ﴾ مخفّفة من الثقيلة؛ أي: أنّ الشأن ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ اعتذار عن تقليدهم لسفيههم؛ أي: وقالوا: إنا كنا نظن أن الشأن والحديث لن يكذب على الله أحد أبدًالأولذلك اتبعنا قول سفيهنا وصدّقناه في أنَّ لله تعالى صاحبة وولدًا، فلما سمعنا القرآن، وتبين لنا الحق بسبه علمنا قد يكذبون عليه تعالى. و ﴿كَذِبًا﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿تَقُولَ﴾؛ لأنه نوع من القول، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا كذبًا. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ مضارع قال. وقرأ الحسن، والجحدري، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، ويعقوب، وابن مقسم ﴿تقوّل﴾ من التقول مضارع تقوَّل من باب تفعّل، أصله: تتقول حذفت منه إحدى التاءين، فيكون ﴿كَذِبًا﴾ على هذه القراءة الشاذّة مفعولًا به. والمعنى: أي وقالوا: إنّا كنّا نظن (٢) أن لن يكذب أحد على الله تعالى، فينسب إليه الصاحبة والولد، ومن ثم اعتقدنا صحة قول السفيه، فلما سمعنا القرآن علمنا أنهم كانوا كاذبين، وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا منها بالاستدلال والبحث. ٥ - ٦ ﴿وَأَنَّهُ﴾؛ أي: وأوحي إلى أن الشأن والحال ﴿كَانَ﴾ في الجاهلية ﴿رِجَالٌ﴾ كائنون ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾ ﴿يَعُوذُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾؛ أي: يلتجئون ويتحضنون ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: يعوذون بهم من شرّ الجن. قال أبو حيان: وهذا

стр. 14068

والذي بعده هما من الموحى به لا من كلام الجن، فهما معطوفان على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، و ﴿أن﴾ فيهما على معناها. وفيه دلالة على أن للجن نساء كالإنس، لأن لهم رجالًا، ولذا قيل في حقهم: إنهم يتوالدون، لكنهم (١) ليسوا بمنظرين كإبليس وذريته. قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية. قال مقاتل: كان أوّل من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. فلما جاء الإِسلام عاذوا بالله وتركوهم. وكان رجال الجن إذا سمعوا عوذ الإنس بهم استكبروا، وقالوا: سدنا الإنس والجن. وذلك قوله تعالى: ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ عطف على ﴿يَعُوذُونَ﴾، والماضي للتحقّق؛ أي: فزاد الرجال العائذون الإنسيون الجن ﴿رَهَقًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿زاد﴾؛ أي: تكبّرًا وعتوًّا وسفهًا، فإن الرهق يجيء لمعان منها: السفه وركوب الشر والظلم. قال في آكام المرجان: وبهذا يجيبون المعزم والراقي بأسمائهم وأسماء ملوكهم، فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن يعطوهم بعض سؤلهم وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم وأعظم قدرًا، فإذا خضعت الإنس لهم، واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لهم أصاغرهم يقضون لهم حاجاتهم. أو المعنى: فزاد الجن الإنس العائذين بهم غيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فإذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا أن ذلك من الجن، فازدادوا رغبة في طاعة الشياطين وقبول وساوسهم. والفاء حينئذٍ لترتيب الإخبار، وإسناد الزيادة إلى الإنس أو الجن باعتبار السببية. والمعنى: أي وأوحِي إلى أن رجالًا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، فزادوا الجن بذلك طغيانًا وغيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم. وخلاصة ذلك: أنهم لما استعاذوا بالجن خوفًا منهم، ولم يستعيذوا بالله استذلوهم واجترؤوا عليهم وزادوهم ظلمًا. ٦ - ٧ ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ الضمير فيه راجع إلى الجن إن قلنا: إنه من كلام الله الموحي

стр. 14069

به، فهو معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾؛ أي: وأوحي إلى أن الجن ﴿ظَنُّوا﴾ أن لن يبعث الله أحدًا من الرسل إلى خلقه بالتكاليف، أو أن لن يبعث الله الخلق بعد الموت للجزاء ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ من الرسل أو أحدًا من الخلق للجزاء يوم القيامة. أو إلى الإنس إن قلنا: إنه من كلام مؤمني الجن لكفّارهم حين رجعوا إلى قومهم منذرين، فيكون مقولًا لـ ﴿قالوا﴾، على أنّ ﴿أنّ﴾ المفتوحة مستعملة استعمال إن المكسورة، أي: فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، وقالوا لكفّارهم حين رجعوا إليهم منذرين: إن الإنس الذين اتبعتموهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا من الرسل أو أحدًا من الخلق للجزاء، كما ظننتم كذلك. و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ مخفّفة من الثقيلة، والجملة (١) سادة مسد مفعولي ﴿ظَنُّوا﴾، وأعمل الأول على مذهب الكوفيين؛ لأنّ ﴿ما﴾ في ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ مصدرية فكان الفعل بعدها في تأويل المصدر، والفعل أقوى من المصدر في العمل. والظاهر: أن المراد بعثة الرسالة؛ أي: لن يبعث الله أحدًا بالرسالة بعد عيسى، أو بعد موسى يقيم به الحجة على الخلق. ثم إنه بعث محمدًا ﷺ خاتم النبيين، فآمنوا به. فافعلوا أنتم يا معشر الجن مثل ما فعل الإنس. وقيل: بعد القيامة؛ أي: لن يبعث الله أحدًا بعد الموت للحساب والجزاء. ٧ - ٨ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾؛ أي: وقال الجن بعضهم لبعض: إنّا طلبنا بلوغ السماء لاستماع ما يقول الملائكة من الحوادث أو خبرها للإفشاء، بين الكهنة. واللمس مستعار من المس للطلب، شبه الطلب بالمسّ واللمس باليد في كون كل واحد منهما وسيلة إلى تعرّف حال الشيء، فعبر عنه بالمس واللمس، واللمس: إدارك بظاهر البشرة كالمس، ويعبر به عن الطلب. قال في "كشف الأسرار": ومنه حديث: إنّ رجلًا قال لرسول الله ﷺ : إنّ امرأتي لا تدع عنها يد لامس؛ أي: لا ترد يد طالب حاجة صفرًا، يشكو تضييعها ماله. ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾؛ أي: السماء اليوم ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾؛ أي: حرّاسًا وحفظة من الملائكة يمنعون الجن عنها. و ﴿حَرَسًا﴾ محرَّكًا اسم جمع لحارس بمعنى حافظ كخدم لخادم مفرد اللفظ ولذلك قيل: ﴿شَدِيدًا﴾ بالإفراد؛ أي: قويًّا، ولو كان جمعًا لقيل:

стр. 14070

شدَّادا. وقوله: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ حال من مفعول ﴿وَجَدْنَاهَا﴾ بتقدير قد إن كان وجدنا بمعنى أصبنا وصادفنا، ومفعول ثان إن كان من أفعال القلوب؛ أي: فعلمناها مملوءة و ﴿حَرَسًا﴾ تمييز. ﴿وَشُهُبًا﴾ عطف على ﴿حَرَسًا﴾، وحكمه في الإعراب حكمه. جمع شهاب، وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب، هكذا قالوا، وقد مرّ تحقيقه في تصير قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. والمراد من الآية: إخبار (١) الله سبحانه عن مقال الجنّ حين بعث محمّدًا ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وحفظ منهم إنّ السماء ملئت حرّاسًا شدّادًا وشهبًا تحرسها من سائر أرجائها، وتمنعنا من استراق السمع كما كنّا نفعل أوّلًا. أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء، يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأمّا الكلمة فتكون ﴿حقًّا﴾ وأمّا ما زادوا فيكون باطلًا. فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض. ٨ - ٩ ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾؛ أي: وقالوا: إنّا كنا نقعد قبل هذا ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾؛ أي: (٢) مقاعد وأماكن خالية عن الحرس والشهب، يحصل منها مقاصدنا من استماع الأخبار للإلقاء إلى الكهنة أو صالحة للترصّد والاستماع. وقوله: ﴿لِلسَّمْعِ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْعُدُ﴾؛ أي: على الوجه الأول؛ أي: نقعد أماكن خالية عن الحرس لأجل السمع، أو بمضمر هو صفة لـ ﴿مَقَاعِدَ﴾؛ أي: على الثاني؛ أي: مقاعد كائنة للسمع. وفي "كشف الأسرار"؛ أي: مواضع لاستماع الأخبار من السماء، وكان لكل حيّ من الجنّ باب في السماء يستمعون فيه. والمقاعد: جمع مقعد اسم مكان، وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثه رسوله ﷺ بالشهب المحرقة، وهو معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾.

стр. 14071

وأخرج البخاري عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الملائكة تنزل في العنان - وهو بالفتح: السحاب - فتذكر الأمر الذي قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم". يقول الفقير: وجه التوفيق بين الاستراق من السماء ومن السحاب أن الملائكة مرة ينزلون في العنان فيتحدثون هناك، وأخرى يتذاكرون في السماء، ولا مانع من عروج الشياطين إلى السماء في مدة قليلة للطافة أجسامهم، وحيث كانت نارية أو هوائية أو دخانية لا يتأثرون من النار أو الهواء حين المرور بكرتهما، ولو سلم .. فعروجهم من قبيل الاستدراج. ولله في كل شيء حكمة وأسرار. ﴿فَمَن﴾ شرطية ﴿يَسْتَمِعِ﴾ في مقعد من المقاعد، ويطلب الاستماع ﴿الْآنَ﴾؛ أي: في الزمان المستقبل بعد المبعث. وهو ظرف حالي استعير للاستقبال. ﴿يَجِدْ لَهُ﴾ جواب الشرط، والضمير لـ ﴿مَنْ﴾؛ أي: يجد لنفسه ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾؛ أي: شهابًا رصدًا له أو أرصد لأجله يصده عن الاستماع بالرجم. والرصد في الأصل: الاستعداد للترقّب أو يجد له ملائكة ذوي شهاب راصدين له؛ ليرجموه بما معهم من الشهب على أنه اسم مفرد في معنى الجمع كالحرس، فيكون المراد بالشهاب الملائكة بتقدير المضاف. ويجوز نصب ﴿رَصَدًا﴾ على المفعول له. والمعنى (١): أي وقالوا إنّا كنّا نقعد قبل ذلك فيها مقاعد خالية من الحرس والشهب لنسترق السمع، فطردنا منها حتى لا نسترق شيئًا من القرآن، ونلقيه على ألسنة الكهان، فيلتبس الأمر ولا يدرى الصادق، فكان ذلك من لطف الله سبحانه بخلقه ورحمته بعباده وحفظه لكتابه العزيز، فمن يستمع ويرم أن يسترق السمع اليوم .. يجد له شهابًا مرصدًا لا يتخطاه ولا يتعدّاه، بل يهلكه ويمحقه. وإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أنّ الجن كانوا يسترقون السمع، ومنعوا من ذلك بعد بعثة النبي ﷺ ، ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف عنه الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم. والجن أجسام نارية، فكيف تحترق من الشهب؟ والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 14072

وقد اختلفوا (١): هل كانت الجنّ والشياطين ترمى بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم: لم يكن ذلك، وحكى الواحدي عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؛ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ الآية؟ قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد ﷺ . قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه ﷺ ، ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلًا. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، فلما بعث محمد ﷺ حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا تُرمى، فلما بعث رسول الله ﷺ .. رميت بالشهب. ٩ - ١٠ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾؛ أي: وقالوا: إنا لا ندري؛ أي: قالت الجن بعضهم لبعض: لا ندري ولا نعرف ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الْأَرْضِ﴾ بحراسة السماء منّا ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾؛ أي: خيرًا وإصلاحًا أوفق لمصالحهم. والاستفهام لإظهار العجز عن الاطلاع على الحكمة، وارتفاع ﴿أَشَرٌّ﴾ على الاشتغال أو على الابتداء، وخبره ما بعده، والأول أولى، والجملة سادّة مسدّ مفعولي ﴿نَدْرِي﴾. والأصح: أن هذا من قول الجنّ فيما بينهم، وليس من قول إبليس، كما قاله ابن زيد. والمعنى: أي إن السماء لم تحرس إلا لأحد الأمرين (٢): الأول: إمّا لعذاب يريد الله أن ينزله على أهل الأرض بغتة. الثاني: وإما لنبي مرشد مصلح. وكأنهم يقولون: أعذابًا أراد الله أن ينزله بأهل الأرض بمنعه إيَّانا السمع من السماء ورجمه من استمع منّا بالشهب.، أم أراد بهم ربهم الهدى بأن يبعث منهم رسولًا مرشدًا يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم. ١٠ - ١١ ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾؛ أي: وقال الجن بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم

стр. 14073

إلى الإيمان بمحمد ﷺ : وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، أو بما يكون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشرِّ والفساد، كما هو مقتضى النفوس الشريرة. والقصر ادّعائي كأنهم لم يعتدوا بصلاح غير ذلك البعض، فـ ﴿الصَّالِحُونَ﴾ مبتدأ و ﴿مِنَّا﴾ خبره المقدم، والجملة خبر ﴿إنّ﴾، ويجوز أن يكون ﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعل الجار والمجرور البخاري مجرى الظرف لاعتماده على المبتدأ. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: قوم دون ذلك في الصلاح؛ أي: دون الموصوفين بالصلاح، فحذف الموصوف؛ لأنّه يجوز حذف هذا الموصوف في التفصيل بـ ﴿مِنْ﴾ حتى قالوا: مِنّا ظعن ومنّا أقام، يريدون منّا فريق ظعن ومنا فريق أقام. و ﴿دُونَ﴾ ظرف، وهم المقتصدون في صلاح الحال على الوجه المذكور غير الكاملين فيه لا في الإيمان والتقوى كما توهّم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب به عنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا﴾ قبل استماع القرآن ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾؛ أي: جماعات متفرقة وفرقًا مختلفة أهواؤها. وقد تعددوا قالوا: في الجن قدرية، ومرجئة، وخوارج، وروافض، وشيعية وسنية. وأما حالهم بعد استماع القرآن فيحكى بقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾؛ أي: كنا قبل هذا طرائق في اختلاف الأحوال، فهو بيان للقسمة المذكورة، ولا بدّ من تقدير مضاف؛ أي: كنّا ذوي طرائق لامتناع كون الذوات طرائق. قال في "المفردات": الطرائق جمع طرق، والطرق جمع طريق، فهو جمع الجمع. والظاهر: أن الطرائق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة، والطريق في الأصل: المكان الذي يطرق؛ أي: يضرب بالأرجل، ومنه استعير كل مسلك يسلكه الإنسان في فعل محمودًا كان أو مذمومًا والقدد: جمع قد، وهو قطع الشيء طولًا، والقدّ أيضًا المقدود، ومنه قيل لقامة الإنسان: قد، والقدّة: القطعة. يعني: أنها من النقد كالقطعة من القطع، وصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق، يقال: صار القوم قددًا إذا تفرقت أحوالهم. وقال بعض المفسرين: المراد بالصالحين السابقون بالخيرات، وبما دون ذلك؛ أي: أدنى مكان منهم المقتصدون الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا، وأمّا الظالمون لأنفسهم فمندرج في قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، فيكون تعميمًا

стр. 14074

بعد تخصيص على الاستئناف، ويحتمل أن يكون ﴿دُونَ﴾ بمعنى غير، فيندرج القسمان الأخيران فيه. وقيل المعنى: أي وقالوا: إنّا منا المسلمون العاملون بطاعة الله ومنّا قوم دون ذلك، وأنّا كنا أهواء مختلفة وفرقًا شتى، فمنا المؤمن والفاسق والكافر، كما هي الحال في الإنس، والأول أولى. ١١ - ١٢ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾؛ أي: وقالوا: إنّا ظننا وعلمنا الآن بالاستدلال والتفكر في آيات الله. فالظن هنا بمعنى اليقين؛ لأن الإيمان لا يحصل بالظن، ولأن مقصودهم ترغيب أصحابهم وترهيبهم، وذلك بالعلم لا بالظن كما قال ﷺ : "أنا النذير العريان". ﴿أَن﴾؛ أي: أنَّ الشأن ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ سبحانه عن إمضاء ما أراد بنا، كائنين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أينما كنّا من أقطارها، فقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال من فاعل ﴿نُعْجِزَ﴾، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ سبحانه، وقوله: ﴿هَرَبًا﴾ حال من فاعل ﴿لَنْ نُعْجِزَ﴾؛ أي: هاربين من الأرض إلى السماء وإلى البحار وإلى جبل قاف، أو لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرًا، ولن نعجزه هربًا إن طلبنا. فالفرار من موضع إلى موضع وعدمه سيّان في أنّ شيئًا منهما لا يفيد فواتنا منه، ولعل الفائدة في ذكر الأرض حينئذٍ الإشارة إلى أنها مع سعتها، وانبساطها ليست منجى منه تعالى ولا مهربًا. والمعنى: أي وقالوا: إنا علمنا أن الشأن لن نعجز الله في الأرض أينما كنا في أقطارها؛ ولن نفوته إن أراد بنا أمرًا، ولن نعجزه هاربين منها إن طلبنا فلا نفوته بحال. والخلاصة: أنّ الله قادر علينا حيث كنا، فلا نفوته هربًا. ١٢ - ١٣ ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾؛ أي: وقالوا: إنّا لمّا سمعنا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ من غير تأخّر ولا تردّد، وصدّقنا أنّه من عند الله، ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس. ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ﴾ وبما أنزله من الهدى ﴿فَلَا يَخَافُ﴾؛ أي: فهو لا يخاف. فالكلام على تقدير مبتدأ، ولذلك دخلت الفاء، ولولا ذلك لقيل: لا يخف. وفائدة رفع الفعل ووجوب إدخال الفاء أنه قال على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه المختص بذلك دون غيره. ﴿بَخْسًا﴾؛ أي: نقصًا في جزاء حسناته ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ أي: ظلمًا بزيادة في جزاء سيئاته، أو جزاء بخس

стр. 14075

ولا رهق؛ أي: ظلم إذا لم يبخس أحدًا حقًا ولا رهقًا؛ أي: ظلم أحدًا فلا يخاف جزاءهما، وفيه دلالة على أنّ من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم، ومنه قوله ﷺ : "المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم". قال الواسطي ﵀: حقيقة الإيمان: ما أوجب الأمان، فمن بقي في مخاوف المرتابين لم يبلغ إلى حقيقة الإيمان. والمعنى: أي وقالوا إنّا لمّا سمعنا القرآن الذي يهدي إلى الصراط المستقيم صدّقنا به، وأقررنا بأنه من عند الله تعالى، واتبعناه، ومن يصدّق بوحدانية الله، وبما أنزله على رسله فلا يخاف نقصًا من حسناته، ولا ذنبًا يحمل عليه من سيئات غيره، قاله قتادة. وقصارى ذلك: أنّه ينال جزاء وافرًا كاملًا. وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش (١): ﴿فلا يخف﴾ بالجزم على أنه جواب الشرط ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء. وقرأ الجمهور ﴿بَخْسًا﴾ بسكون الخاء. وقرأ يحيى بن وثّاب بفتحها. ١٣ - ١٤ ﴿وَ﴾ قالوا ﴿أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ بعد استماع القرآن ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ أي: الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحقّ والهدى الذي هو الإيمان والطاعة إلى طريق الباطل والفساد الذي هو الكفر والمخالفة لأمر الله تعالى. فالقاسط هو الجائر؛ لأنّه عادل عن الحق، والمقسط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل. وقد غلب (٢) هذا الاسم؛ أي: القاسط على فرقة معاوية ﵁، ومنه الحديث خطابًا لعليّ ﵁: "تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين". فالناكثون أصحاب عائشة ﵂، فإنهم الذين نكثوا البيعة مع عليّ؛ أي: نقضوها واستنزلوا عائشة، وساروا بها إلى البصرة على جمل اسمه عسكر، ولذا سميت الواقعة يوم الجمل. والقاسطون: أصحاب معاوية ﵁؛ لأنهم قسطوا، أي: جاروا حين حاربوا الإِمام الحقّ. والوقعة تعرف بيوم صفين، والمارقون الخوارج فإنّهم الذين مرقوا، أي: خرجوا من دين الله واستحلّوا القتال مع خليفة رسول الله ﷺ ، وهم عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية، وتعرف تلك الواقعة
следующие страницы →