عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، مبني على الضمّ، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عمّا فات ﴿أيُّ﴾ من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ نعت لـ ﴿أيُّ﴾ أو بدل منه، ﴿قُمِ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿اللَّيْلَ﴾ منصوب على الظرف، متعلق بـ ﴿قُمِ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء، وفيه دليل على أنَّ المستثنى قد يكون مبهم المقدار. ﴿نِصْفَهُ﴾، بدل من ﴿اللَّيْلَ﴾، أو من ﴿قَلِيلًا﴾، فإذا كان بدلًا من ﴿اللَّيْلَ﴾ كان الاستثناء منه، وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلًا. ﴿أَوِ﴾ حرف عطف وتخيير ﴿انْقُصْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قُمِ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿انْقُصْ﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ مفعولى به، ﴿أَو﴾ حرف عطف وتخيير، ﴿زِدْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿انْقُصْ﴾، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿زِدْ﴾، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدان على النصف. ﴿وَرَتِلِ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، ﴿الْقُرْآنَ﴾ مفعولى به، ﴿تَرْتِيلًا﴾ مفعول مطلق، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿سَنُلْقِي﴾ السين حرف استقبال، ﴿نلقي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿نلقي﴾، ﴿قَوْلًا﴾، مفعول به، ﴿ثَقِيلًا﴾ صفة ﴿قَوْلًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ ...﴾ إلخ. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه، ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل أو مبتدأ، ﴿أَشَدُّ﴾ خبر ﴿إنّ﴾ أو خبر المبتدأ، والجملة خبر ﴿إنّ﴾، ﴿وَطْئًا﴾ تمييز، ﴿وَأَقْوَمُ﴾ معطوف على أشدّ ﴿قِيلًا﴾ تمييز، وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بقيام الليل.
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ
стр. 14142
وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لَكَ﴾ خبرها مقدم، ﴿فِي النَّهَارِ﴾ حال من ﴿سَبْحًا﴾؛ لأنه كان صفة نكرة قدمت عليها، ﴿سَبْحًا﴾ اسمها مؤخّر، ﴿طَوِيلًا﴾ صفة ﴿سَبْحًا﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معترضة أيضًا. ﴿وَاذْكُرِ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾. ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ مفعول به، ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿اذْكُر﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تبتل﴾، ﴿تَبْتِيلًا﴾ مفعول مطلق، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه؛ أي: هو ربّ المشرق، ويقرأ بالجرّ على أنه بدل من ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾ معطوف على المشرق. ﴿لَا﴾ نافية تعمل عمل ﴿إنّ﴾ المكسورة، ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لا﴾ محذوف تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المنزَّه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من الضمير المستتر في خبر ﴿لا﴾ المحذوف، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب حال من رب المشرق، أو معطوفة على جملته بعاطف مقدر. ﴿فَاتَّخِذْهُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انفراده بالربوبية والألوهية، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: اتخذه يا محمد وكيلا. ﴿اتخذه وكيلا﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ومفعولان؛ لأنّ ﴿اتَّخَذَ﴾ من أخوات ظنّ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾.
﴿وَاصْبِرْ﴾ فعل وفاعل مستتر، معطوف على اتخذه، ﴿عَلَى مَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اصبر﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، والعائد محذوف؛ أي: على ما يقولونه. ﴿وَاهْجُرْهُمْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿اصبر﴾، ﴿هَجْرًا﴾ مفعول مطلق، ﴿جَمِيلًا﴾ صفة هجرا، ﴿وَذَرْنِي﴾ الواو: عاطفة، ﴿ذر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة اصبر، ﴿وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ معطوف على الياء أو مفعول معه، ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ صفة لـ ﴿المكذبين﴾، منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿وَمَهِّلْهُمْ﴾ فعل
стр. 14143
أمر، ومفعول به وفاعل مستتر، معطوف على ﴿ذرني﴾، ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: إمهالًا قليلًا أو ظرف محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لَدَيْنَا﴾ خبرها مقدم على اسمها، ﴿أَنْكَالًا﴾، اسمها مؤخّر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل الأمر بالإمهال. ﴿وَجَحِيمًا﴾ معطوف على ﴿أَنْكَالًا﴾، ﴿وَطَعَامًا﴾ معطوف عليه أيضًا، ﴿ذَا غُصَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿طعاما﴾، منصوب بالألف؛ لأنّه من الأسماء الستة، ﴿وَعَذَابًا﴾ معطوف على ﴿أَنْكَالًا﴾، أيضًا، ﴿أَلِيمًا﴾ صفة ﴿عذابًا﴾، ﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به ﴿لَدَيْنَا﴾ أو بمحذوف صفة لـ ﴿عذابًا﴾؛ أي: عذابا واقعًا يوم ترجف، وجملة ﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿وَاَلجبَالُ﴾ معطوف على ﴿الْأَرْضُ﴾، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿كَثِيبًا﴾ خبره، ﴿مَهِيلًا﴾ صفة ﴿كَثِيبًا﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة ﴿تَرْجُفُ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾.
﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة. ﴿إِلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿رَسُولًا﴾ مفعول به، ﴿شَاهِدًا﴾ صفة ﴿رَسُولًا﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿شَاهِدًا﴾، ﴿كَمَا﴾ جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف تقديره: أرسلنا إليكم رسولًا إرسالًا كائنا كإرسالنا موسى إلى فرعون. و ﴿ما﴾ مصدرية، وجملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾ صلتها، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿رَسُولًا﴾، مفعول به، ﴿فَعَصَى﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿عصى فرعون الرسول﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾. ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، أخذناه فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿فَعَصَى﴾، ﴿أَخْذًا﴾ مفعول مطلق، ﴿وَبِيلًا﴾ صفة ﴿أَخْذًا﴾، ﴿فَكَيْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿كيف﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تَتَّقُونَ﴾، ﴿تَتَّقُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بالنون، و ﴿الواو﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كَفَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، والجواب محذوف دل عليه ما قبلها؛ أي:
стр. 14144
إن دمتم على كفركم .. فكيف تتقون؟ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة لاعتراضها بين الفعل ومفعوله، ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَتَّقُونَ﴾، ﴿يَجْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿يَوْمًا﴾، ﴿الْوِلْدَانَ﴾ مفعول به أوّل لـ ﴿جعل﴾، ﴿شِيبًا﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿يَجْعَلُ﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾.
﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾.
﴿السَّمَاءُ﴾ مبتدأ، ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ خبره ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْفَطِرٌ﴾، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾، ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. ﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿شَاءَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف تقديره: فمن شاء النجاة. ﴿اتَّخَذَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾، ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول أوّل له.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿أَنَّكَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَقُومُ﴾ خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسدّ مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿أَدْنَى﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿تَقُومُ﴾ أي: وقتًا أدنى، ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿أَدْنَى﴾، ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ معطوفان على ﴿أَدْنَى﴾، ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ معطوف على فاعل ﴿تقوم﴾ المستتر لوجود الفاصل، ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿طائفة﴾، ﴿مَعَكَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ﴿يُقَدِّرُ اللَّيْلَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿وَالنَّهَارَ﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿عَلِمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾
стр. 14145
مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: علم أنه. ﴿لَنْ﴾ حرف نصب واستقبال، ﴿تُحْصُوهُ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ﴾، والواو: فاعل، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر؛ لـ ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿عَلِمَ﴾. ﴿فَتَابَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تابَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ﴿علم﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تاب﴾، ﴿فَاقْرَءُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اقرؤوا﴾ فعل أمر، وفاعل معطوف على ﴿تاب﴾، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَيَسَّرَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ حال من فاعل ﴿تَيَسَّرَ﴾ أو متعلق به، ﴿عَلِمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، مستأنف، ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. أي: علم أنه. ﴿سَيَكُونُ﴾ فعل مضارع ناقص، والسين حرف استقبال، ﴿مِنْكُمْ﴾ خبر يكون مقدم، ﴿مَرْضَى﴾ اسمها مؤخّر، وجملة ﴿يكون﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ المخفّفة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿عَلِمَ﴾، ﴿وَآخَرُونَ﴾ معطوف على ﴿مرضى﴾، وجملة ﴿يَضْرِبُونَ﴾ صفة ﴿آخرون﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿يَضْرِبُونَ﴾، وجملة ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يَضْرِبُونَ﴾، ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿وَآخَرُونَ﴾ معطوف على ﴿آخرون﴾ الأول، وجملة ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ صفة لـ ﴿آخرون﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُقَاتِلُونَ﴾.
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَاقْرَءُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على علم أن ﴿سَيَكُونُ﴾. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿تَيَسَّرَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿تَيَسَّرَ﴾ أو حال من فاعل ﴿تَيَسَّرَ﴾. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿اقرؤوا﴾، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معطوف عليه أيضًا، ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف عليه أيضًا، ﴿قَرْضًا﴾ مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾ هو صفة ﴿قَرْضًا﴾ ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، ﴿تُقَدِّمُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَا﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿والواو﴾: فاعل، ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ حال من الضمير المحذوف في ﴿تُقَدِّمُوا﴾، ﴿تَجِدُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ ﴿مَا﴾ على
стр. 14146
كونه جواب الشرط، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَجِدُوُه﴾، ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو تأكيد للضمير، ﴿خَيْرًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿تَجدُوُه﴾، ﴿وَأَعْظَمَ﴾ معطوف على ﴿خَيْرًا﴾، ﴿أَجْرًا﴾ تمييز، وجاز أن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا، وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأنّه وقع بين معرفة ونكرة، ولكن النكرة تشبه المعرفة لامتناعه من التعريف بأداة التعريف إذا كان معه من لفظًا أو تقديرًا، وهنا من مقدرة؛ أي: خيرًا مِمّا خلّفتم في الدنيا، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية معترضة. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿فَاقْرَءُوا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل الأمر بالاستغفار.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ أصله: المتزمّل، وهو الذي تزمّل في ثيابه؛ أي: تلفّف بها، فأبدلت التاء زايًا، وأدغمت الزاي في الزاي. وفي "المصباح": زمّلته بثوبه تزميلًا فتزمّل مثل: لفّفته فتلفّف، وزملت الشيء: حملته، ومنه قيل للبعير: زاملة بالهاء للمبالغة، لأنّه يحمل متاع المسافر. ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ أمر من قام يقوم؛ لأن الأمر قطعة من المضارع المجزوم الذي حذف منه حرف المضارعة، والجازم؛ لأن مضارعه المجزوم لم يقم، فإذا حذفت منه الجازم وحرف المضارعة يكون الباقي منه قم، فهو أمر ﴿اللَّيْلَ﴾ هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أمر مأخوذ من لم يزد، لأنه الباقي من المضارع بعد حذف الجازم وحرف المضارعة. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ أمر من رتل يرتل ترتيلًا من باب فعل المضعف. قال في "الكشاف": ترتيل القرآن: قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيهًا بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، وأن لا يهزه هزا ولا يسرده سردًا، كما مرّ.
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ وناشئة الليل: القيام بعد النوم، فهي صفة لمحذوف؛ أي: إن النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة؛ أي: ترتفع وتنهض، من نشأت السحابة إذا ارتفعت. وقيل: إنها مصدر بمعنى القيام من نشأ إذا قام ونهض، فتكون كالعافية. وفي "المختار": وناشئة الليل أول ساعاته. وقيل: ما ينشأ فيه من الطاعات. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: انقطع إليه. و ﴿تَبْتِيلًا﴾ مصدر على غير القياس، وهو
стр. 14147
واقع موقع التبتل؛ لأن مصدر تفعل تفعلًا نحو: تصرف تصرفًا وتكرم تكرّمًا، وأما التبتيل فمصدر بَتَّلَ، نحو: صرَّف تصريفًا. قال في "الخلاصة":
وغَيْرُ ذي ثَلاَثَةٍ مَقِيْسُ ... مَصْدُرُ كَقُدِّسَ التَّقْدِيْسُ
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ القيل: اسم مصدر من القول بمعناه بقلب الواو ياء أي أزيد من جهة السداد والاستقامة في المقال، ومن جهة الثبات والاستقرار على الصواب. ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ قال الراغب: السبح: المر السريع في الماء، أو في الهواء، استعير لمر النجوم في الفلك كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ولجرى الفرس كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، ولسرعة الذهاب في العمل كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾. والمعنى هنا: إنَّ لك في النهار تقلبًا وتصرفًا في مهام أمورك واشتغالًا بشواغلك، فلا تستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليكها في الليل. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ والنعمة بفتح النون: التنعم وبكسرها: الإنعام وما أنعم به عليك، وبالضم: السرور. والتنعُّم: استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات. ﴿هَجْرًا جَمِيلًا﴾ الهجر الجميل: ما لا عتاب معه. ﴿وَمَهِّلْهُمْ﴾؛ أي: اتركهم برفق وتأن، ولا تهتم بشأنهم. ﴿أَنْكَالًا﴾، والأنكال: جمع نكل، والنكل بكسر النون وفتحها: القيد الثقيل. قالت الخنساء:
دعاك فَقَطَّعْتَ أَنْكَالَهَ ... وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لَا تُقْطَعُ
﴿وَجَحِيمًا﴾ والجحيم: النار الشديدة الإيقاد. ﴿كَثِيبًا﴾؛ أي: رملًا مجتمعًا. ﴿مَهِيلًا﴾؛ أي: سائلًا اجتماعه. أصله: مهيول اسم مفعول من هال الثلاثي يهيل هيلا نظير: باع يبيع بيعًا فهو مبيع، نقلت حركة الياء إلى الهاء فسكنت الياء فالتقى ساكنان: الياء وواو مفعول، فحذفت واو مفعول على الصحيح ثم كسرت الهاء لمناسبة الياء الساكنة، كما قالوا: مبيع. هذا على رأي سيبويه والجمهور. أما الأخفش فإنه يرى أن المحذوف عين الكلمة، ولما حذفت كسرت الفاء وقلبت الواو ياء فرقًا بين ذوات الواو وذوات الياء. والأول أولى. وفي "المختار": هال الدقيق في الجراب: صبه من غير قيل، وكل شيء أرسله إرسالًا من رمل أو تراب أو طعام ونحوه فقد هاله فانهار؛ أي: جرى وانصبَّ، وبابه: باع، وأهال لغة فيه فهو مهال ومهيل. ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ أعاده بالألف واللام ليعلم أنه الأول، فكأنّه قال:
стр. 14148
فعصاه فرعون جريًا على القاعدة المشهورة عندهم المذكورة في قول بعضهم:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَه ... إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَه
تَغَايَرَتْ وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِي ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
﴿وَبِيلًا﴾؛ أي: ثقيلًا شديدًا لا يطاق، من قولهم: كلأٌ وبيلٌ، وضيمٌ لا يستمرأ لثقله، والوبيل: العصا الضخمة، ومنه: الوابل للمطر العظيم. وفي "المصباح": وبلت السماء وبلا من باب وعد، ووبولًا: اشتد مطرها، وكان الأصل: وبل مطر السماء، فحذف للعلم به، ولهذا يقال للمطر: وابل، والوبيل: الوضيم وزنا ومعنى. ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ﴾ والولدان: جمع وليد، يقال لمن قرب عهده: بالولادة، وإن كان في الأصل يصح إطلاقه على من قرب عهده بها، ومن بَعُدَ. ﴿شِيبًا﴾ جمع أشيب، والشيب: بياض الشعر، وأصله: أن يكون بضم الشين كحمر في جمع أحمر؛ لأن الضم يقتضي الواو فكسرت لأجل صيانة الياء فرقًا بين مثل سود وبين مثل بيض. ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ قال في "الصحاح": الوعد يستعمل في الخير والشر، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، انتهى. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ بوزن تفعلة، ووزن التفعلة غير مقيس في فعل الصحيح، بل هو مقيس في معتل اللام منه كزكى تزكية وعزَّى تعزية، وقياسه هنا التذكير ولكنه جاء على سبيل النيابة كفرَّق تفرقة والقياس التفريق.
﴿تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ أصله: أدنى بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَثُلُثَهُ﴾ والثلث: أحد أجزاء الثلاثة، والجمع أثلاث. ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: طاوفة؛ لأنه من طاف يطوف، قلبت الواو همزة حملًا للوصف على فعله طاف في الإعلال. ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ﴾ قال الراغب: التقدير: تبيين كمية الشيء، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ﴾ ... إلخ، إشارة إلى ما أجرى من تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل؛ أي: إدخال هذا في هذا، كما مرّ. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أصله: تحصيوه، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فلما سكنت حذفت لإلتقاء الساكنين، وضمت الصاد لمناسبة الياء. قال الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أصله: توب بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح.
стр. 14149
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ جمع مريض كقتلى جمع قتيل، والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاصّ بالإنسان. ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ من ضرب في الأرض إذ سافر فيها ابتغاء الزرق. قال الراغب: الضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو بالأرجل. ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يطلبون من رزق الله، أصله: يبتغيون استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الغين لمناسبة الواو. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض: ضرب من القطع، وسمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط ردّ بدله قرضًا، لأنّه مقروض مقطوع من ماله. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تجدوه فيه إعلال بالحذف، أصله: توجدونه، حذفت نون الرفع للجازم حيث وقع جوابًا لـ ﴿ما﴾ الشرطية، وحذفت فاء الكلمة من المضارع اطرادًا لوقوع الواو بين عدوتيها الياء المفتوحة والكسرة. ﴿أَجْرًا﴾ الأجر: ما يعود من ثواب العلم دنيويًّا كان أو أخرويًّا، كما مرّ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ و ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، وبين ﴿الْمَشْرِقِ﴾ ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾، وبين ﴿اللَّيْلِ﴾ ﴿وَالنَّهَارِ﴾.
ومنها: تأكيد الفعل بالمصدر في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، وفي قوله: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. وفي قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. زيادة في البيان والإيضاح وفي هذه الأمثلة أيضًا. جناس الاشتقاق.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾، حيث استعير السبح الذي هو المر السريع في الماء لسرعة الذهاب في طلب المعاش، وقضاء حوائج الناس بجامع التردّد في كل منهما؛ أي: إن لك في النهار تصرّفًا وتقلّبًا في المهمّات كما يتردّد السابح في الماء.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ إشارة إلى هوله وشدّته، بحيث لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه.
стр. 14150
ومنها: إفرد الجبال بالذكر في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ مع كونها من الأرض لكونها أجسامًا عظامًا طوالًا، تظهر فيها الزلزلة أكثر من الأرض، ومن زلزلتها تبلغ القلوب الحناجر خوفًا من الوقوع.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ إشعارًا بتحقق وقوعه، وفيه أيضًا لتشبيه البليغ؛ أي: وكانت الجبال كالثيب المهيل؛ أي: كالرمل السائل في عدم التماسك.
ومنها: تخصيص هذا التشبيه بالجبال دون الأرض؛ لأنَّ ذلك خاصة لها، فإن الأرض تكون مقررة في مكانها بعد الرجفة حتى تبدل بغيرها، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ الآية.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾. ولو جرى على مقتضى السياق .. لقال: إنا أرسلنا إليهم. والغرض من هذا الالتفات التقريع والتوبيخ على عدم الإيمان.
ومنها: عدم تعيين الرسول فيه لعدم دخله في التشبيه.
ومنها: تخصيص فرعون دون ملئِهِ؛ لأنه من رؤساء أولى النعمة المترفهين المتكبرين، فبينه وبين قريب جهة جامعة ومشابهة حال ومناسبة سريرة.
ومنها: إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيعا لشأن عصيانه، وأن ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى.
ومنها: ترك ذكر أملاء فرعون إشارةً إلى أن كل واحد منهم كأنه فرعون في نفسه لتمرده.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، حيث أسند الجعل إلى اليوم للمبالغة في شدّته، وإلا فنفس اليوم لا تأثير له ألبتة.
وفيه أيضًا لاستعارة التمثيلية بأن شبه اليوم في شّدة هوله بالزمان الذي يشيب الشبّان لكثرة همومه وأهواله.
стр. 14151
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: أقل منهما، فإطلاق الأدنى معنى الأقرب على الأقل مجاز مرسل من قبيل إطلاق الملزوم على اللازم، لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت .. قل ما بينهما من الأحياز والحدود، ماذا بعدت .. كثر ذلك، ذكره في "روح البيان".
ومنها: تقدم الاسم الجليل وبناء الخبر الفعلي عليه في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ لإفادة الاختصاص قطعًا.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، حيث استعار التوبة بمعنى رفع الحرج عن التائب للتخفيف والترخيص، فاشتقّ منه تاب بمعنى: خفف ورخّص على طريقة الاستعارة التبعية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾؛ أي: صلوا ما تيسّر من صلاة الليل، حيث أطلق الجزء على الكلّ، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة؛ أي: أركانها.
ومنها: تصريح ما علم التزامًا في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ لأنّه معلوم من قوله: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن السفر لا يكون إلا لحاجة.
ومنها: التكرار بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، تأكيدًا للحث على قيام الليل بما تيسر.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ حيث شبه الإنفاق لوجه الله تعالى بالإقراض المعروف من حيث إن ما أنفقه يعود إليه مع زيادة، فاستعار له اسم المشبّه به، فاشتق من الإقراض بمعنى الإنفاق في سبيل الله ﴿أقرضوا﴾ بمعنى أنفقوا في سبيل الله على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. وفيه أيضًا جناس الاشتقاق.
ومنها: ذكر العام بعد الخاصّ في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، حيث عمم بذكره بعد أن خصص بذكر الصلاة والزكاة والإقراض الحسن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 14152
خلاصة ما جاء في هذه السورة من أوامر ونواه
أمر النبي ﷺ بأشياء:
١ - أن يقوم من الليل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه.
٢ - أن يقرأ القرآن بتؤدة وتمهل.
٣ - أن يذكر ربه ليلًا ونهارًا بالتحميد والتسبيح والصلاة، وأن يجرد نفسه عما سواه.
٤ - أن يتخذه وكيلًا يكل إليه أموره متى فعل ما يجب عليه.
٥ - أن يصبر على ما يقولون فيه من أنه ساحر أو شاعر، وفي ربه من أن له صاحبة وولدًا، وأن يهجرهم هجرأ جميلًا بمجانبتهم ومداراتهم، وأن يكل أمرهم إلى ربهم، فهو الذي يكافئهم، وسيرى عاقبة أمرهم وأمره.
٦ - أن يخفف القيام للصلاة بالليل بعد أن شق ذلك عليهم لأعذار كثيرة، والاكتفاء بما تيسّر من صلاة الليل، ففي الصلاة غنية للأمة مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14153
سورة المدثر
سورة المدثر كلها مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة المزمل. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدّثّر بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وقيل (١): هي مكية إلا آية من آخرها.
وآياتها: ست وخمسون آية. وكلماتها: مئتان وخمس وخمسون كلمة. وحروفها: ألف حرف وعشرة أحرف.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم: سورة المدّثّر كلها محكمة إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾، نسخت بآية السيف.
مناسبتها لما قبلها (٢):
١ - أنّها متواخية مع السّورة قبلها في الافتتاح بنداء النبيّ ﷺ .
٢ - أن صدر كلتيهما نازل في قصة واحدة.
٣ - أن السابقة بدئت بالأمر بقيام الليل، وهو تكميل لنفسه ﷺ بعبادة خاصة، وهذه بدئت بالإنذار لغيره، وهو تكميل لسواه.
وقال أبو حيان (٣): مناسبتها لما قبلها: أن ما في قبلها ﴿ذرني والمكذّبين﴾ وفيه أيضًا ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾، فناسب ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾، وناسب ذكر يوم القيامة بعد، وذكر بعض المكذبين في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾.
والله أعلم
* * *
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فلم أر أحدًا، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، ففزعت فرجعت إلى أهلي، فقلت: دثّروني دثروني، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾.
قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ... الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس وصححه أن النبي ﷺ قام في المسجد يصلي، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، وهو يقرأ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾، فلما فطن النبي ﷺ إلى استماعه .. أعاد القراءة، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبونّ قريش كلهم، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينًا، فقال الوليد: ما لي أراك حزينًا يا ابن أخي؟ فقال: وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريب يجمعون لك نفعة يعينونك على كبر سنّك ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريب أنّي من أكثرهم مالًا وولدًا؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام، ثم أتى مجلس قومه مع أبي جهل، فقال لهم: تزعمون أن محمدًا مجنون فهل رأيتموه يخنق قطّ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهّن قطّ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنّه كذّاب، فهل جربتم عليه شئيا من الكذب؟ قالوا: اللهم لا وكان رسول الله ﷺ يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه. ثم قالوا: فما هو؟ قال: ما
стр. 14156
هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يأثره عن مسيلمة وأهل بابل، فارتجّ النادي فرحًا، وتفرّقوا معجبين بقوله، متعجيبن منه. فنزلت هذه الآيات.
وقد كان الوليد يسمّى الوحيد؛ لأنه وحيد في قومه، فماله كثير فيه الزرع والضرع والتجارة، وكان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم وعبيد وجوار، وله عشرة أبناء يشهدون المحامل والمجامع أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة، وقد بسط الله له الرزق، وطال عمره مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان يسمى ريحانة قريش.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "الشعب" عن البراء ﵁: أن رهطًا من اليهود سألوا بعض أصحاب النبي ﷺ عن خزنة جهنم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، فأخبر النبي ﷺ ، فنزل عليه ساعتئذٍ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس ﵄: أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع أن ابن أبي كبشة يعني: "محمدًا ﷺ يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم - الشجعان - أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟ فقال له أبو الأشدّ بن كلدة الجمحيّ وكان شديد البطش: أيهولنكم التسعة عشر أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقول ذلك مستهزئًا. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، فنزل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾؛ أي: لم نجعلهم رجالًا فيتعاطون مغالبتهم.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن السدي عن ابن عباس ﵄ قال: قالوا: لئن كان محمد صادقًا .. فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة
стр. 14157
وأمنة من النار، فنزلت: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥ ٢)﴾ .
وروي: أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان، ونؤمر فيه باتباعك.
التفسير وأوجه القراءة
١ - قال الواحدي: قال المفسّرون: لما بدىء رسول الله ﷺ بالوحي أتاه جبريل، فرآه رسول الله ﷺ على كرسيّ بين السماء والأرض كالنور المتلألىء، ففزع ووقع مغشيًا عليه، فلمّا أفاق دخل على خديجة ودعا بماء، فصبه عليه وقال: "دثّروني دثّروني، فدثّروه بقطيفة". فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾؛ أي: يا أيها المتلفف بالدثار، وهو ما يلبس فوق الشعار الذي يلي الجسد؛ لأنه تدثّر فوق شعاره بقطيفة.
قرأ الجمهور (١) بتشديد الدال والثاء، أصله: المتدثّر فأدغم التاء في الدال. وقرأ أبيّ ﴿المتدثّر﴾ على الأصل. وقرأ عكرمة بتخفيف الدال، كما قرأ بتخفيف الزاي في المزمل، أي: الذي دثر نفسه. وعن عكرمة أيضًا فتح الثاء المثلثة اسم مفعول، قال عكرمة: والمعنى: يا أيها المدّثّر بالنبوة وأثقالها. قال ابن العربيّ: وهذا مجاز بعيد؛ لأنّه لم يكن نبيًّا إذ ذاك.
أي: يا أيها المتلفّف المتغشّي بدثاره
٢ - ﴿قُمْ﴾ من مضجعك ﴿فَأَنْذِرْ﴾؛ أي: خوّف الناس كافّةً من عذاب الله ووقائعه إن لم يؤمنوا، أو خوف أهل مكة من عذاب الله إن لم يسلموا. وقيل: قم قيام عزم وتصميم، وأعلم الناس بعذاب الله وانتقامه إن لم يوحّدوه ويصدّقوك؛ لأنّه ﷺ مرسل إلى الناس كافة، فلم تكن ملة من الملل إلا وقد بلغتها دعوته وقرعها إنذاره. وأفرد (٢) الإنذار بالذكر مع أنه أرسل بشيرًا أيضًا؛ لأن التخلية بالمعجمة قبل التحلية بالمهملة، وكان الناس وقتئذٍ عاصين مستحقّين للتخويف، فكان أوّل الأمر بالإنذار.
٣ - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾؛ أي: وخصّص ربك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء اعتقادًا وقولًا وعظمةً عمّا يقول فيه عبدة الأوثان وسائر الظالمين. وروي: أنّه لمّا
стр. 14158
نزل قال رسول الله ﷺ : الله أكبر، فكبّرت خديجة أيضًا وفرحت، وأيقنت أنّه الوحي؛ لأن الشيطان لا يأمر بالتكبير ونحوه. ودخل فيه تكبير الصلاة وإن لم يكن في أوائل النبوة صلاة.
والفاء لمعنى الشرط كأنّه قيل: مهما يكن من شيء .. فلا تدع تكبيره ووصفه بالكبرياء، أو للدلالة على أن المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربه وينزهه عن الشرك، فإن أول ما يجب معرفة الصانع، ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابه. فالفاء على هذا تعقيبية لا جزائية، وقال ابن جنيّ: الفاء: فيه زائدة كما في قولك: زيدًا فاضرب؛ أي: زيدًا اضرب.
وقال ابن العربي (١): المراد به تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأضداد والأنداد، والأصنام، ولا يتخذ وليًّا غيره ولا يعبد سواه، ولا يرى لغيره فعلًا إلَّا له ولا نعمة إلا منه.
والمعنى: أي وخصّ ربك وسيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفّار وأعظم من أن يكون له صاحبةٌ أو ولدٌ.
وحاصل المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾؛ أي: (٢) يا أيّها الذي تدثّر بثيابه رعبًا وفرقًا من رؤية الملك عند نزول الوحي أوّل مرّة شمر عن ساعد الجد، وأنذر أهل مكة عذاب يوم عظيم، وادعهم إلى معرفة الحق لينجوا من هول ذلك اليوم الذي تذهل فيه كلّ مرضعة عمّا أرضعت، والداعي إلى ربّه الكبير المتعالي لا يتم له ذلك إلا إذا كان متخلّقًا بجميل الخلال وحميد الصفات، ومن ثم قال: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾؛ أي: عظم ربك ومالك أمورِك بعبادته والرغبة إليه دون غيره من الآلهة والأنداد. ونحو الآية قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.
٤ - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ مما ليس بطاهر بحفظها وصيانتها من النجاسات وغسلها بالماء الطاهر بعد تلطّخها، فإنه قبيح بالمؤمن الطيّب أن يحمل خبيثًا سواء كان في حال الصلاة أو في غيرها، وبتقصيرها أيضًا فإنّ طولها يؤدي إلى جرّ الذيول على
стр. 14159
القاذورات، فيكون التطهير كناية عن التقصير؛ لأنّه من لوازمه.
ومعنى التقصير (١): أن تكون إلى أنصاف الساقين، أو إلى الكتب، فإنه ﷺ جعل غاية طول الإزار إلى أعلى الكعب، وتوعّد على ما تحته بالنار، فإنّه أتقى وأنقى وأبقى، وهو أوّل ما أمر به ﷺ من رفض العادات المذمومة، فإنّ المشركين ما كانوا يصونون ثيابهم من النجاسات. وفيه انتقال من تطهير الباطن إلى تطهير الظاهر؛ لأن الغالب أن من نقى باطنه أبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهارة في كل شيء، فإن الدين مبنيّ على النظافة، ولا يدخل الجنة إلا نظيف، والله يحب الناسك النظيف.
قال الراغب: الطهارة ضربان: طهارة جسم وطهارة نفس، وقد حمل عليهما عامّة الآيات. وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قيل معناه: نفسك نزهها عن المعايب انتهى. أو طهر قلبك كما في "القاموس" أو أخلاقك فحسّن، قاله الحسن. وفي الحديث: حسّن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، أو عملك فأصلح كما في "الكواشي". ومنه: الحديث "يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيهما". أي: عمليه الخبيث والطيب، كما في "عين المعاني". وإنه ليبعث في ثيابه؛ أي: أعماله كما في "القاموس". أو أهلك فطهّرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب. والعرب تسمّي الأهل ثوبًا ولباسًا، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، كما في "كشف الأسرار".
وسئل (٢) ابن عباس عن ذلك؟ فقال: لا تلبسها على معصية، ولا عن غدرة ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن مسلمة الثقفي؟
فإِنِّيْ بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتقنَّعُ
والعرب تقول عن الرجل إذا نكث العهد، ولم يف به: إنه لدنس الثياب، وإذا وفي ولم يغدر إنه لطاهر الثوب. قال السموءل بن عاديا اليهودي:
إِذَا الْمَرءُ لَمْ يَدْنسْ مِنَ اللُّؤّمِ عِرْضُهُ ... فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيْلُ
ولا تزال هذه المعاني مستعملة في ديار مصر وغيرها، فيقولون: فلان طاهر
стр. 14160
الذيل يريدون أنه لا يلامس أجنبية. ويرى جمع من الأئمة أن المراد بطهارة الثياب غسلا بالماء، إن كانت نجسة، وروي عن كثير من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب الشافعيّ، فأوجب غسل النجاسة من ثياب المصلّي.
وقد استبان للمشتغلين (١) بأصول التشريع، وعلماء الاجتماع من الأوربّيّين أن أكثر الناس قذرًا في أمهم وثيابهم أكثرهم ذنوبًا وأطهرهم أبدانًا وثيابًا أبعدهم من الذنوب. ومن ثم أمروا المسجونين بكثرة الاستحمام، ونظافة الثياب فحسنت أخلاقهم، وخرجوا من السجون، وهم أقرب إلى الأخلاق الفاضلة منهم إلى الرذائل. وقال الأستاذ: "بِتْنَامُ" في كتابه "أصول الشرائع": إنَّ كثرة الطهارة في دين الإِسلام من ما تدعو معتنقية إلى رقيّ الأخلاق والفضيلة إذا قاموا باتّباع أوامره خير قيلهم، ومن هذا تعلم السرّ في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾.
٥ - ﴿وَالرُّجْزَ﴾؛ أي: الأوثان ﴿فَاهْجُرْ﴾؛ أي: اترك؛ أي: وارفض عبادة الأوثان واتركها، ولا تقربها، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. وقيل: الرجز: العذاب، أي: واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدّي إليه من المآثم، سمي ما يؤدّي إلى العذاب رجزًا على تسمية المسبّب باسم سببه، والمراد الدوام على الهجر؛ لأنه كان بريئًا من عبادة الأوثان ونحوها.
وقرأ الجمهور (٢) ﴿والرجز﴾ بكسر الراء، وهي لغة قريش. وقرأ الحسن، ومجاهد، والسلميّ، أبو جعفر، وأبو شيبة، وابن محيصن، وابن وثّاب، وقتادة، والنخعيّ، وابن أبي إسحاق، والأعرج، وحفص بضمّها. فقيل: هما بمعنى واحد يراد بهما الأصنام والأثان. وقيل: الكسر للبين والنقائص والفجور، والضمّ لصنمين إساف ونائلة. وقال عكرمة ومجاهد والزهري: للأصنام عمومًا، وقال ابن عباس: الرجز: السخط؛ أي: اهجر ما يؤدي إليه. وقال الحسن: كلّ معصية، والمعنى في الأمر: أثبت ودم على هجره؛ لأنّه ﷺ كان بريئًا منه، كما مرّ آنفًا.
والمعنى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أي: اهجر المعاصي والآثام الموصلة إلى العذاب في الدنيا والآخرة، فإن النفس متى طهرت منها كانت مستعدة للإفاضة على
стр. 14161
غيرها، وأقبلت بصغاء وشوق إلى سماع ما يقول الداعي، وقد جرت العادة أن الداعي تصادفه عقبتان:
١ - الغرور والفخر والعظمة، فيقول: أنا مسد للنعم إليكم ومفيض للخير عليكم.
٢ - الأعداء وهؤلاء يؤذونه، ويتربصون به الدوائر، ويتتبعونه في كل مكان، ويتالبون عليه ليل نهار، وذلك من أكبر العوامل المثبطة للدعاة التي تجعلهم يكرّون راجعين، ويقولون: ما لنا ولقوم لا يسمعون قولنا، ولنبتعد عن الناس، فإنهم لا يعرفون قدر النعم، ولا يشكرون المنعمين.
٦ - ومن ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ برفع (١) ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾؛ لأنّه مستقبل في معنى الحال؛ أي: ولا تعط حال كونك مستكثرًا؛ أي: رائيًا لما تعطيه كثيرًا أو طالبًا للكثير على أنه نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئًا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر مما أعطاه، وهو جائز، ومنه الحديث: "المستغزر يثاب من هبته"؛ أي: يعوض منها. والغزارة بالغين المعجمة وتقديم الزاي: الكثرة، فالنهي إمّا للتحريم، وهو خاص برسول الله ﷺ لعلوّ منصبه في الأخلاق الحسنة، ومن ذلك حلت الزكاة لفقراء أمته، ولم تحل له، ولأهله لشرفه أو للتنزيه للكلّ؛ أي: له ولأمته.
قرأ الجمهور (٢): ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾ بفكّ الإدغام. وقرأ الحسن، وأبو السمال والأشهب العقيلييّ بالإدغام. قال ابن عباس وغيره: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه كأنّه من قولهم: منْ إذا أعطى. قال الضحاك: هذا خاص به ﷺ ومباح ذلك لأمته، لكنه لا أجر لهم. وعن ابن عباس أيضًا: لا تقل دعوت فلم أحب. وقرأ الجمهور (٣): ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بالرفع على أنه حال؛ أي: ولا تمنن حال كونك مستكثرًا؛ أي: رائيًا ما أعطيته كثيرًا. وقيل: على حذف (أن)، والأصل: ولا تمنن أن تستكثر؛ أي: ولا تعط لأجل أن تأخذ كثيرًا من الموهوب له بدل هبتك، فلما حذفت (أن) رفع الفعل، قال الكسائي: فإذا حذف (أن) رفع الفعل. وقرأ يحيى بن
стр. 14162
وثاب، والحسن، والأعمش ﴿تستكثر﴾ بالنصب على حذف (أن) وبقاء عملها، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود ﴿ولا تمنن أن تستكثر﴾ بزيادة (أن). وقرأ الحسن أيضًا، وابن أبي عبلة ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ بالجزم على أنه بدل من ﴿تَمْنُنْ﴾ كما في
قوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦ ٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾، وقول الشاعر:
مَتَى تَأْتِنَا تَلْمُمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
أو بالجزم على إجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قول امرىء القيس:
فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمًا مِنَ الله وَلَا وَاغِلِ
بتسكين أشر. وقد اعترض على هذه القراءة؛ لأن قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ لا يصح أن يكون بدلًا من ﴿تَمْنُنْ﴾؛ لأنّ المنَّ غير الاستكثار، ولا يصح أن يكون جوابًا للنهي. واختلف السلف في معنى الآية، فقيل المعنى: لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء النبوة كالذي يسشكثر ما يتحمله بسبب الغير. وقيل: ولا تمنن على أصحابك بما علمتهم وبلغتهم من الوحي مستكثرًا ذلك عليهم. وقيل: لا تعط عطيّة تلتمس فيها أفضل، قاله عكرمة وقتادة. وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: حبل متين إذا كان ضعيفًا. وقال الربيع بن أنس: لا تعظم عملك في عينك أن من الخير. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملًا فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله عليك، إذ جعل لك سبيلًا إلى عبادته. وقيل: لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس، فتأخذ منهم أجرًا تستكثره. وقال محمد بن كعب: لا تعط مالك مصانعة. وقال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطيّة فأعطها لربك.
٧ - ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾؛ أي: ولوجه ربك فاصبر على طاعته وعبادته. وقيل: فاصبر لحكم ربك، ولا تتألم من أذية المشركين، فإن المأمور بالتبليغ لا يخلو عن أذى الناس، ولكن بالصبر يستحيل المر حلوًا وبالتمرن يحصل الذوق. وقال ابن زيد: حملت أمرًا عضيمًا، فحاربتك العرب والعجم فاصبر عليه لله. وقيل: اصبر تحت موارد القضاء لله، وقيل: اصبر على البلوى، وقيل: على الأوامر والنواهي.
والخلاصة: لا تجزع من أذى من خالفك.
٨ - ولما أتم إرشاد رسوله أردفه بوعيد الأشقياء، فقال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾ ونفخ ﴿فِي النَّاقُورِ﴾ والصور نفحة البعث
٩ - ﴿فَذَلِكَ﴾ الوقت؛ أي: وقت نقر الناقور ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل
стр. 14163
من اسم الإشارة؛ أي: يوم إذ نقر في الناقور ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾؛ أي: شديد على الكل من المؤمنين والكافرين، كما روي: أن الأنبياء يفزعون يومئذٍ، وأن الولدان يشيبون إلا أنه يكون هول الكفار فيه أشد. وذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ وعلى المؤمنين يسير.
والناقور (١): فاعول بمعنى ما ينقر وينفخ فيه، والمراد به الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل مرة للإصعاق، وأخرى للإحياء. فالناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت، وأصله: القرع الذي هو سبب الصوت. يعني: جعل الشيء بحيث يظهر منه الصوت بنوع قرع. والمراد هنا: النفخ؛ إذ هو نوع ضرب للهواء الخارج من الحلقوم، والمعنى؛ أي: فإذا نفخ في الصور. والفاء للسببية؛ أي: سببية ما بعدها لما قبلها دون العكس، فهي بمعنى اللام السببيّة كأنّه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك عليه حين ينفخ في الصور ويومئذٍ تنال الجزاء الحسن والنعيم المقيم. والعامل في ﴿إذا﴾ ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ﴾ الوقت الذي هو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ نقر في الناقور ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
١٠ - عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يوم عسر فيه الأمر على الكافرين من جهة العذاب وسوء الحساب. وذلك إشارة إلى وقت النقر. وهو مبتدأ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، وهو ﴿إذ﴾ والتقدير: إذ نقر في، والخبر يوم عسير، و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بـ ﴿عَسِيرٌ﴾، دل عليه قول تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسر عليهم.
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ خبر بعد خبر وتأكيد لعسره عليهم لقطع احتمال يسره بوجه دون وجه مشعر بيسره على المؤمنين. ثم المراد به يوم النفخة الثانية التي يحيى الناس عندها، إذ هي التي يخص عسرها بالكافرين جميعًا، وأما النفخة الأولى فهي مختصّة بمن كان حيًّا عند وقوعها، وقد جاء في "الأخبار": "إنّ في الصور ثقبًا بعدد الأرواح كلّها، وإنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حيًّا بإذن الله". وفي
стр. 14164
الحديث: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه، فقالوا: كيف نصنع؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا".
ومعنى ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾؛ أي: يومهم عسير لا يسر فيه، ولا فيما بعده على خلاف ما جرت به العادة من أن كل عسر بعده يسر، وعسره عليهم أنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم وتسود وجوههم، وتتكلم جوارحهم فيفتضحون على رؤوس الأشهاد. وأمّا المؤمنون فإنه عليهم يسير، لا يناقشون فيه حسابًا، ويمشون بيض الوجوه.
١١ - وقوله: ﴿ذَرْنِي﴾؛ أي: دعني واتركني ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ ـه حالة كونه ﴿وَحِيدًا﴾؛ أي: منفردًا لا مال له ولا ولد. تهديد ووعيد؛ أي: دعني والذي خلقته حال كونه وحيدًا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، وهذا المعنى على أن ﴿وَحِيدًا﴾ حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة أو من الضمير العائد إليها المحذوف، ويحتمل أن يكون حالًا من الياء في ﴿ذَرْنِي﴾؛ أي: ذرني وحدي معه، فإني أكفيكه في الانتقام منه أو من التاء في ﴿خَلَقْتُ﴾؛ أي: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. والأوّل أولى. قال مقاتل: يقول الله: خلّ بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته. قال المفسرون: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، وإنّما خصّ بالذكر لمزيد كفره وعظيم جحوده لنعم الله عليه، وكان يلقب في قومه بالوحيد زعمًا منهم أنّه لا نظير له في وجاهته، ولا في ماله، وكان يفتخر بنفسه، ويقول: أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير، لا لأبي المغيرة نظير أيضًا. فسمّاه الله بالوحيد تهكّمًا به واستهزاء بلقبه كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾، وصرفًا له عن الغرض الذي يؤمونه من مدحه إلى جهة ذمّه بكونه وحيدًا من المال والولد، أو وحيدًا من أبيه ونسبه، لأنه كان زنيمًا، وهو من ألحق بالقوم وليس منهم، كما مرّ. أو وحيدًا في الشرارة والخيانة والدناءة.
١٢ - ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾؛ أي: مبسوطًا كثيرًا، فكان له زرع وضرع وتجارة كثيرة. قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع ثمره شتاءً ولا صيفًا. وقال ابن عباس: كان له مال ممدود بين مكة والطائف من الإبل والخيل، والغنم والبساتين
стр. 14165
الكثيرة التي لا تنقطع ثمارها صيفًا ولا شتاءً. وقال الزجاج (١): مالًا غير منقطع عنه.
وقد كان الوليد بن المغيرة مشهورًا بكثرة المال على اختلاف أنواعه. قيل: كان يحصل له من غلّة أمواله ألف ألف دينار، وقيل: أربعة آلاف دينار، وقيل: ألف دينار.
١٣ - ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾؛ أي: وجعلت له بنين حضورًا بمكة معه يسافرون، ولا يحتاجون إلى التفرق لطلب الرزق لكثرة مال أبيهم، فكان مستأنسًا بهم طيب القلب بشهودهم، لا يفارقونه للتصرّف في عمل أو تجارة لكونهم مكفيّين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم أو حضورًا معه في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم. وقيل معنى ﴿شُهُودًا﴾ إذا ذكر ذكروا معه. قال الضحاك: كانوا سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولدًا. وقيل: كان له عشر بنين أسلم منهم ثلاثة. قال السهيليّ: هم: هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد الذي يقال له: سيف الله، وسيف رسوله. وأمّا غير هؤلاء ممن مات منهم على دين الجاهلية، فلم نسمّه انتهى. فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك، وهو فقير.
١٤ - ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾؛ أي: بسطت له بسطًا، ووسعت له توسيعًا في العيش وطول العمر والرياسة في قريب والجاه العريض، فأتممت (٢) عليه النعمة، فإنّ اجتماع المال والجاه هو الكمال عند أهل الدنيا، ولذا كان يلقب ريحانة قريش، والريحان: نبت طيب الرائحة، والولد والرزق. والتمهيد عند العرب: التوطئة، ومنه: مهد الصبيّ. وقال مجاهد: إنه المال بعضه فوق بعض، كما يمهد الفراش.
١٥ - ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾ ويرجو ﴿أَن أَزِيدَ﴾ له على ما أوتيه من المال والولد. و ﴿ثمّ﴾ استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، إمّا لأنّه لا مزيد على ما أوتيه سعة كثرة. يعني: أنه أوتي غاية ما أوتي عادة لأمثاله، أو لأنه مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم؛ أي: لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم.
والمعنى: أي ثم بعد هذا كله يرجو الزيادة في ماله وولده لكثرة حرصه، وشدّة طمعه مع كفرانه للنعم واشراكه بالله. وفي هذا استنكار لشديد حرصه وتكالبه
стр. 14166
على جمع حطام الدنيا، كما هو شأن الإنسان، فقد جاء في الحديث: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب .. لتمنى لهما ثالثًا"، وجاء في الخبر: "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال". وروي عن الحسن: أنّه كان يقول: إن كان محمد صادقًا .. فما خلقت الجنة إلا لي.
١٦ - ثم أيأسه تعالى وقطع رجاءه، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر له عن طمعه الفارغ، وقطع لرجائه الخائب، فيكون متصلًا بما قبله أو لا أفعل ولا أزيده. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾؛ أي: معاندًا دافعًا منكرًا لآياتنا القرآنية كافرًا بما أنزلناه منها على رسولنا، يقال: عند إذا خالف الحق، ورده عارفًا به فهو عنيد وعاند؛ أي: منكر. والعنيد هنا بمعنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير بمعنى المجالس والمؤاكل والمعاشر، وهو تعليل لما قبله على وجه الاستئناف التحقيقيّ، فإن معاندة آيات المنعم، وهي الآيات القرآنية مع وضوحها وكفران نعمه مع سبوغها مما يوجب حرمانه بالكلية، وإنما أوتي ما أوتي استدراجًا له.
وتقديم (١) ﴿لِآيَاتِنَا﴾ على متعلقه، وهو ﴿عَنِيدًا﴾ يدلُّ على التخصيص، فتخصيص العناد بها مع كونه تاركًا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران. وفي الآية إيماء إلى أن كفره كفر عناد، فهو يعرف الحقَّ بقلبه وينكره بلسانه. وهذا أقبح أنواع الكفر.
١٧ - ثم بين ما يفعله به يوم القيامة، فقال: ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾؛ أي: سأكلف ذلك العنيد يوم القيامة بدل ما يطمعه من الزيادة ﴿صَعُودًا﴾؛ أي: ارتقاء عقبة شاقّة المصعد، بحيث تغشاه شدّة ومشقّة من جميع الجوانب. فالكلام على حذف مضاف كما قدّرناه على أن يكون الإرهاق معناه: تكليف الشيء العظيم المشقّة بحيث تغشى المكلف شدّته ومشقته من جميع الجوانب. قال الغزالي ﵀: معناه: سأكلفه حالة تصعد فيها نفسه للنزع، وان لم يتعقبه موت انتهى. وهو مثال لما يلقى من العذاب الصعب الذي لا يطاق، ويجوز أن يحمل على حقيقته كما قال ﷺ : "الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا ثم يهوى كذا أبدًا"؛ أي: سبعين عامًا؛ لأنّ الخريف آخر السنة، فيه تتمّ الثمار وتدرك، فصار بذلك كأنّه العام كلّه.
стр. 14167
قال في "القاموس": الخريف كأمير: ثلاثة أشهر بين القيظ والشتاء، تخترف فيها الثمار؛ أي: تجنى. وعنه ﷺ : "يكلف أن يصعد عقبة في النار، كلما وضع يده عليها ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، فإذا رفعها عادت".
والمراد أنه سيلقى العذاب الشديد الذي لا يطاق، وقد جعل الله ما يسوق إليه من المصائب وأنواع المشاق شبيهًا بمن يكلّف صعود الجبال الوعرة الشاقّة. قال قتادة: سيكلّف عذابًا لا راحة فيه.
١٨ - ثم حكى كيفية عناده فقال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ تعليل لما تقدم من الوعيد؛ أي: إنه فكر في شأن النبي ﷺ ، وفي شأن ما أنزل عليه من القرآن، وقدّر في نفسه واختلق ما يقول في طعنهما من المقال، وهيأه مما يوافق غرض قريش.
والخلاصة: أنه فكر وتروى ماذا يقول فيه، وبماذا يصفه به حين سئل عن ذلك؟
١٩ - ثم عجب من تقديره وإصابته غرضهم، فقال: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾؛ أي: لعن وعذب كيف قدر؛ أي: على أيّ حال قدر ما قدر من الكلام فيه مما لا يصح تقديره، وما لا يسوغ أن يقدره عاقل، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع؛ أي: لعن علي أيّ حال كانت منه؛ أي: فلعن في الدنيا على أيّ كيفية أوقع تقديره.
٢٠ - والتكرير في قوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ للتأكيد والمبالغة في التشنيع؛ أي: ثم لعن فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة على أفي حال كانت تقديره، والمراد من اللعن: الدعاء عليه بالطرد والإبعاد بسبب ما قدّره، وقاله في النبيّ ﷺ من أنّه ساحر، كما مرّ في أسباب النزول.
وهذا أسلوب يراد به التعجيب والثناء على المحدَّث عنه. تقول العرب: فلان قاتله الله ما أشجعه وأخزاه الله ما أشعره، يريدون أنّه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك. وعلى هذا النحو جاء قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقصارى ذلك: أنّ هذا تعجيب من قوة خاطره وإصابته الغرض الذي كانت ترمي إليه قريش من الطعن الشديد في القرآن، فقوله جاء وفق ما كانوا يريدون وطبق ما كانوا يتمنون من القدح فيه، وفيمن جاء به. ثم كرر هذا الدعاء للتأكيد والمبالغة
стр. 14168
في التشنيع، فقال: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾؛ أي: ثم لعن وعذب بسبب ما قدره واختلقه من الكلام فيه. و ﴿ثمّ﴾ هنا للدلالة على أن الكرة الثانية في التعجيب أبلغ من الأولى؛ أي: للتراخي بحسب الرتبة، وأن اللائق في شأنه ليس إلا هذا القول دعاء عليه، وفيما بعد على أصلها من التراخي الزمانيّ.
٢١ - ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ في أمر القرآن مرة بعد أخرى، وتأمل فيه لعله يجول بخاطره ما يحبون ويصل إلى ما يرجون. وهو معطوف على ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾، وما بينهما اعتراض. يعني: الدعاء بينهما.
٢٢ - ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾؛ أي: قطب وغير وجهه عبوسة حين ضاقت به الحيل، ولم يجد فيه مطعنًا، ولم يدر ماذا يقول. ثم أكد ما قبله فقال: ﴿وَبَسَرَ﴾؛ أي: كلح واسود وجهه، وزاد في العبوسة. قال سعه. بن عبادة: لمّا أسلمت راغمتني أمي، فكانت تلقاني مرة بالبشر ومرة بالبسر. وإيراد ﴿ثُمَّ﴾ في المعطوفات لبيان أن بين الأفعال المعطوفة تراخيًا. وفي هذا إيماء إلى أنه كان بقلبه صدق محمد ﷺ ، وكان ينكره عنادًاَ، فإنه لو كان يعتقد صدق ما يقول .. لفرح باستنباط ما استنبط وإدراك ما أدرك، وما ظهرت العبوسة على وجهه.
٢٣ - ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن الحق؛ أي: صرف وجهه عن الحق ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ عن اتباعه؛ أي: رجع القهقرى مستكبرًا عن الانقياد له والإقرار به.
٢٤ - ثم ذكر ما استنبطه من الترهات والأباطيل بقوله: ﴿فَقَالَ﴾ عقيب توليه عن الحق: ﴿إِنْ﴾ نافية بمعنى ما، ولذا أورد ﴿إلّا﴾ بعدها؛ أي: ما ﴿هَذَا﴾ الذي يقوله محمد ﷺ . يعني: القرآن ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾؛ أي: أمور تخييلية لا حقائق لها، يروى ويتعلم وينقل من الغير، وليس هو من سحره بنفسه. قال أبو حيان: ومعنى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾؛ أي: إلا شبيه بالسحر انتهى. يقال: أثرت الحديث آثره أثرًا إذا حدّثت به عن قوم في آثارهم؛ أي: بعدما ماتوا هذا هو الأصل، ثم كان بمعنى الرواية عمن كان، وحديث مأثور؛ أي: منقول ينقله خلف عن سلف، وأدعية مأثورة؛ أي: مروية عن الأكابر. وفي (١) تعلم السحر لحكمة رخصة، واعتقاد حقِّيتِهِ والعمل به كفر، كما قيل:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَرِّ لَكِنّي لِتَوقِّيهِ ... ومَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ مِنَ الناسِ يَقَعْ فِيهِ
والمعنى: أي فقال ما هذا القرآن إلا سحر ينقله محمد عن غيره ممن كان قبله
стр. 14169
من السحرة كمسيلمة وأهل بابل، ويحكيه عنهم.
٢٥ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا الذي يقوله محمد ﴿إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ تأكيد لما قبله، ولذا أخليَ عن العاطف. قاله تمرّدًا وعنادًا لا على سبيل الاعتقاد، لما روي قبل: أنّه أقر بأن القرآن ليس من كلام الإنس والجن، وأراد بالبشر يسارًا وجبرًا وأبا فكيهة. أما إلأولان فكانا عبدين من بلاد فارس، وكانا بمكة، وكان النبي ﷺ يجلس عندهما. وأما أبو فكيهة فكان غلامًا روميًّا، يتردد إلى مكة من طرف مسيلمة الكذّاب في اليمامة.
والمعنى (١): أي إنه ملتقط من كلام غيره، وليس من كلام الله كما يدعي. ولو صح ما قال لأمكن غيره أن يقول مثله أو يعارضه بأحسن منه، ففي العرب ذوو فصاحة وذرابة لسان، وفيهم الخطباء والمقاويل الذين لا يجارون ولا يبارون، ولم يعلم أن أحدًا من أهل الزكانة والمعرفة سولت له نفسه أن يعارضه بل التجؤوا إلى السيف والسنان دون المعارضة بالحجة والبرهان. وقد رووا في هذا البال مضحكات أغلبها لا يصح؛ لأنهم وهم المقاويل ذوو اللسن وقوة العارضة لا ينبغي أن ينسب إلى أحدهم مثل هذا الهذر، كقول من نسب إليه أنه عارض سورة الفيل، فقال: الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب طويل ومشفر وتيل إلخ.
قال أبو حيان (٢): وقيل: ثم نظر فيما يحتج به للقرآن، فرأى ما فيه من الإعجاز والإعلام بمرتبة الرسول ﷺ ، ودام نظره في ذلك ثم عبس وبسر دلالة على تأنيه وتمهله في تأمله، إذ بين ذلك تراخ وتباعد. وكان العطف في ﴿وَبسَرَ﴾ وفي ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ بالواو؛ لأن البسور قريب من العبوس فهو كأنّه على سبيل التوكيد، والاستكبار يظهر أنه سبب للإدبار؛ إذ الاستكبار معنى في القلب، والإدبار حقيقة من فعل الجسم، فهما سبب ومسبِّب فلا يعطف بـ ﴿ثم﴾، وقدم المسبِّب على السبب؛ لأنّه الظاهر للعين، وناسب العطف بالواو. وكان العطف في ﴿فَقَالَ﴾ بالفاء: دلالة على التعقيب؛ لأنه لما خطر بباله هذا القول بعد تطلبه لم يتمالك أن نطق به من غير تمهل. ومعنى ﴿يُؤْثَرُ﴾: يروى وينقل. قال الشاعر:
стр. 14170
لَقُلْتُ مِنَ القَوْلِ مَا لَا يَزَا ... لُ يُؤْثَرُ عَنِّيْ بِهِ الْمُسْنَدُ
وقيل: ﴿يُؤْثَرُ﴾؛ أي: يختار ويرجّح على غيره من السحر، فيكون من الإيثار. ومعنى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾؛ أي: شبيه بالسحر. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ تأكيد لما قبله؛ أي: يلتقط من أقوال الناس، ويظهر أن كفر الوليد إنما هو عناد، ألا ترى ثناءه على القرآن ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون. وقصته مع رسول الله ﷺ حين قرأ أوائل سورة ﴿فصلت﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾. وناشده الله بالرحم أن يسكت انتهى.
٢٦ - ثم ذكر ما يلقاه من الجزاء على سوء صنيعه وفظيع عمله، فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾؛ أي: سأدخل ذلك العنيد يوم القيامة نار سقر، وأغمره فيها من جميع جهاته. قال في "الصّحاح": سقر اسم من أسماء النار. وقال ابن عباس ﵄: اسم للطبقة السادسة من جهنم، يقال: سقرته الشمس إذا آذته وآلمته، وسميت سقر لإيلامها. وقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ بدل من ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ بدل الاشتمال سواء جعل مثلًا لما يلقى من الشدائد، أو اسم جبل من نار؛ لأنّ سقر تشتمل على كل منهما.
٢٧ - ثم بالغ في وصف النار وتعظيم شأنها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ ما (١) الأولى مبتدأ وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره، و ﴿ما﴾ الثانية خبر مقدم لقوله: ﴿سَقَرَ﴾ لأنّها المفيدة لما قصد إفادته من التهويل والتفظيع دون العكس، كما سبق في الحاقّة.
والمعنى: وأيّ شيء أعلمك يا محمد جواب ﴿مَا سَقَرُ﴾ في وصفها، لأنّها قد بلغت في الوصف حدًّا لا يمكن معرفته، ولا يتوصّل إلى إدراك حقيقته. يعني: أنه خارج عن دائرة إدراك العقول، ففيه تعظيم لشأنه.
٢٨ - ثم بين وصفها بقوله: ﴿لَا تُبْقِي﴾ لهم لحما ﴿وَلَا تَذَرُ﴾ لهم عظمًا، فإذا أعيد أهلها خلقًا جديدًا فلا تذرهم بل تعيد إحراقهم كرّة أخرى، وهكذا أبدًا كما جاء في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.
وعبارة "الروح": قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ بيان لوصفها وحالها، وإنجاز
стр. 14171
للوعد الضمني الذي يلوح به. ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾؛ أي: لا تبقي شيئًا يلقى فيها إلا أهلكته بالإحراق، وإذا هلك لم تذره هالكًا حتى يعاد خلقًا جديدًا، فتهلكه إهلاكًا ثانيًا، وهكذا أبدًا، كما في قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ إلخ. أو المعنى: لا تبقي على شيء؛ أي: لا تترحّم عليه ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة، لأنها خلقت من غضب الجبّار. وقيل: لا تبقي حيًّا ولا تذر ميّتًا كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
٢٩ - ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾؛ أي: محرقة لظاهر البشرة، وأعلى الجلد، ومغيّرة لها مسوِّدة لونَها مشوّهةً لها؛ أي: تلفح الجلد لفحة تدعه أشد سوادًا من الليل. قال ابن عباس: تلوح الجلد فتحرقه، وتغيّر لونه، يقال (١): لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسوّدته، ولاحه السقر أو العطش إذا غيّره. وذلك أنّ الشيء إذا كان فيه دسومة نضر، فإذا أحرق أسودّ. والبشر: جمع بشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان. فإن قلت: لا يمكن وصفها بتسويد البشرة مع قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾.
قلت: ليس في الآية دلالة على أنها تفني بالكلية مع أنه يجوز أن يكون الإفناء بعد التسويد. وقيل: لامحة للناس على أنّ ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ بتاء مبالغة من لاح يلوح؛ أي: ظهر، وأن البشر بمعنى الناس. قيل: إنها تلوح للبشر من مسيرة خمس مئة عام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾. فيصل إلى الكافر سمومها وحرورها، كما يصل إلى المؤمن ريح الجنة نسيمها من مسيرة خمس مئة عام.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي لوّاحة، وقيل: على أنه نعت لـ ﴿سَقَرَ﴾، والأول أولى. وقرأ الحسن، وعطية العوفيّ، وزيد بن علي، وابن أبي عبلة، ونصر بن عاصم، وعيسى بن عمر ﴿لواحةً﴾ بالنصب على الحال، أو الاختصاص للتهويل، فتكون حالًا مؤكّدة؛ لأنّ النار التي لا تبقي ولا تذر لا تكون إلّا مغيّرة للأبشار.
٣٠ - ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على سقر ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾؛ أي: ملكًا يتولّون أمرها، ويتسلّطون على أهلها. وهم مالك وثمانية عشر معه. قال المفسرون: يقول الله سبحانه: على
стр. 14172
النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، وقيل: تسعة عشر صنفًا من أصناف الملائكة، وقيل: تسعة عشر صفًّا من صفوفهم، وقيل: تسعة عشر نقيبًا مع كلّ نقيب جماعة من الملائكة، والأول أولى. قال الثعلبيّ: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ مبنيّين على الفتح على مشهور اللغة في هذا العدد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان بإسكان الشين من ﴿عَشْرَ﴾، كراهة توالي الحركات. وقرأ الجمهور بفتحها. وقرأ أنس بن مالك، وابن عباس، وابن قطيب، وإبراهيم بن قنّة بضمّ التاء، وهي حركة بناء عدل إليها عن الفتح لتوالي خمس فتحات، ولا يتوهم أنها حركة إعراب؛ لأنّها لو كانت حركة إعراب لأعرب ﴿عشر﴾. وقرأ أنس أيضًا ﴿تسعةُ﴾ بالضم ﴿أعشرَ﴾ بالفتح. وقال صاحب "اللوامح": فيجوز أنه جمع العشرة على أعثر، ثم أجراه مجرى تسعة عشر. وعنه أيضًا: ﴿تسعة وعشر﴾ بالضم وقلب الهمزة من أعثر واوًا خالصة تخفيفًا والتاء فيهما مضمومة ضمّة بناء؛ لأنها معاقبة للفتحة فرارًا من الجمع بين خمس حركات على جهة واحدة. وعن سليمان بن قنة وهو أخو إبراهيم: أنه قرأ ﴿تسعةُ أعشرٍ﴾ بضم التاء ضمة إعراب، وإضافته إلى أعشرٍ، وأعشرٍ مجرور منون، وذلك على فك التركيب. قال صاحب "اللوامح": ويجيء على هذه القراءة وهي قراءة من قرأ ﴿أعشرَ﴾ مبنيًّا، أو معربًا من حيث هو جمع أن الملائكة الذين هم على النار تسعون ملكًا نتهى. وفيه بعض تلخيص. قال الزمخشري: وقرىء ﴿تسعةُ أعشرٍ﴾ جمع عشير مثل: يمين وأيمن انتهى.
٣١ - ولما نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر يخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل مئة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجون من النار، فقال أبو الأشد وهو رجل من بني جمح: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة، فأنا أمشي بين أيديكم، فادفع عشرة بمنكبي، الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمضي ندخل الجنة. فأنزل الله
стр. 14173
سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾؛ أي: المدبرين لأمرها، القائمين بتعذيب أهلها. فأصحاب النار هنا غير أصحاب النار في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ ليخالفوا جنس المعذبين من الثقلين، فلا يرقوا لهم ولا يميلوا إليهم، فإن المجانسة مظنة الرأفة، فلذا بعث الرسول من جنسنا ليرحم بنا، ولأنهم أقوى الخلق وأقومهم بحق الله، وبالغضب له تعالى وأشدهم بأسًا. وعن النبي ﷺ : "القوة أحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمّة، وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي بالجبل عليهم".
والمعنى: أي وما جعلنا المدبّرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، وهؤلاء هم النقباء والمدبرون لأمرها. وإنما كانوا ملائكة لأنهم أقوى الخلق وأشدهم بأسًا، وأقومهم بحق الله تعالى وبالغضب له سبحانه"، وليكونوا من غير جنس المعذّبين حتى لا يرقوا لهم، ويرحموهم.
ثم ذكر الحكمة في اختيار هذا العدد القليل، فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾؛ أي: وما جعلنا في القرآن عددهم هذا العدد القليل ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾؛ أي: محنة وضلالة ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين استقلوا عددهم؛ أي: ما جعلنا تلك العدّة، وهي تسعة عشر إلا سبب فتنة وضلالة للذين كفروا حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم. وفتنتهم به أنهم استقلوه واستهزؤوا به واستبعدوه، وقالوا: كيف يتوتى هذا العدد القليل تعذيب الثقلين. وقوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ مفعول لـ ﴿جعل﴾ على حذف مضاف؛ أي: إلا سبب فتنة وللذين صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾، وليست ﴿فِتْنَةً﴾ مفعولًا له اهـ "سمين".
أي (١): وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي تسبّب لافتتانهم ووقوعهم في الكفر، وهو التسعة عشر، فعبّر بالأثر عن المؤثّر؛ أي: عبّر بالفتنة عن العدد المخصوص تنبيهًا على التلازم بينهما، وحمل الكلام على هذا؛ لأن ﴿جعل﴾ من دواخل المبتدأ والخبر، فوجب حمل مفعوله الثاني على الأول، ولا يصح حمل افتتان الكفار على عدد الزبانية إلا بالتوجيه المذكور، فإن عدتهم سبب للفتنة لا فتنة
стр. 14174
نفسها. ثم ليس المراد مجرد جعل عددهم ذلك العدد المعين في نفس الأمر، بل جعله في القرآن أيضًا كذلك، وهو الحكم بأن عليها تسعة عشر، إذ بذلك يتحقق افتتانهم باستقلالهم له واستبعادهم لتولي هذا العدد القليل أمر الجم الغفير، واستهزائهم به حسبما ذكر، وعليه يدور ما سيأتي من استيقان أهل الكتاب وازدياد المؤمنين إيمانًا.
قال الإِمام الرازّي (١): إنما صار هذا العدد سببًا لفتنة الكفار من وجهين:
الأول: أن الكفار يستهزئون ويقولون: لم لا يكونون عشرين مثلًا، وما المقتضي لتخصيص هذا العدد؟
والثاني: أنّ الكفار يقولون: هذا العدد القليل كيف يكون وافيًا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله تعالى إلى قيام الساعة؟
وأجيب عن الأول: بأن هذا السؤال لازم عن كل عدد يفرض، وبأن أفعال الله لا تعلل فلا يقال فيها: لِمَ، وتخصيص هذا العدد لحكمة اختص الله بها.
وعن الثاني: بأنه لا يبعد أن الله تعالى يعطي ذلك العدد القليل قوة تقي بذلك، فقد اقتلع جبريل ﵇ مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. وأيضًا فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، ولا للعقل فيها مجال اهـ "خازن" و"خطيب".
وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ متعلق بالجعل الثاني على المعنى المذكور. والسين (٢) للطلب؛ أي: وجعلنا عدتهم العدد المذكور القليل الذي تسبَّب لضلال الكفار ليكتسب الذين أوتوا الكتاب اليقين بنبوته ﷺ وصدق القرآن لما شاهدوا ما فيه موافقًا لما في كتابهم. وفي "عين المعاني": سأل اليهود رسول الله ﷺ عن خزنة النار وعددهم؟ "فأجاب ﵇: بأنهم تسعة عشر؛ أي: إنه سبحانه جعل عدة خزنة جهنم هذه العدّة، ليحصل اليقين لليهود والنصارى بنبوّة محمد ﷺ لموافقة ما في القرآن لكتبهم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد، وغيرهم. وقيل: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾
стр. 14175
متعلق بفعل مضمر؛ أي: فعلنا ذلك ليستيقن الذين أوتوا الكتاب. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾؛ أي: وليزداد إيمانهم كيفيةً بما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك أو كميةً بانضمام إيمانهم بذلك إلى إيمانهم بسائر ما أنزل. وقيل (١): المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام. وقيل: أراد المؤمنين من أمة محمد ﷺ .
والمعنى: ليزدادوا يقينًا إلى يقينهم، لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم.
وقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان، فإن نفي ضد الشيء بعد إثبات وقوعه أبلغ في الإثبات، ونفي لما قد يعتري المستيقن والمؤمن من شبهة ما، فيحصل له يقين جازم بحيث لا شك بعده. وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يقل: ولا يرتابوا للتنبيه على تباين النفيين حالًا، فإن انتفاء الارتياب من أهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الإيمان وكم بينهما.
والتعبير (٢) عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده، ورسوخهم في ذلك. والمراد نفي الارتياب عنهم في الدين، أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن في قلبه شك من المنافقين.
والمعنى: أي ولا يشك أهل التوراة والإنجيل والمؤمنون بالله من أمّة محمد ﷺ في حقّية ذلك العدد.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شك أو نفاق، فإن كلًّا منهما من الأمراض الباطنة، فيكون إخبارًا بما سيكون في المدينة بعد الهجرة، إذ الاتّفاق إنما حدث بالمدينة، وكان أهل مكة إما مؤمنًا حقًا وإما مكذّبًا وإمّا شاكًّا. ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ المصرّون على التكذيب من أهل مكة وغيرهم. فإن قلت: كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصودًا لله تعالى؟.
стр. 14176
قلت: اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة، فلا إشكال. ﴿مَاذَا﴾ مجموع الكلمتين، اسم استفهام، فـ ﴿ذا﴾ ملغاة؛ أي: أي شيء ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ سبحانه. وهذا الاسم المركب مفعول مقدم؛ أي: أي شيء أراد الله ﴿بِهَذَا﴾ العدد القليل ﴿مَثَلًا﴾ حال من هذا؛ أي: أي شيء أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب حال كونه مشابهًا للمثل في غرابته، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿ذا﴾ موصولًا خبره، و ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلة الموصول، و ﴿مَثَلًا﴾ تمييز لهذا؛ أي: ما الذي أراده الله سبحانه بهذا العدد القليل، من جهة كونه مثلًا؛ أي: شبيهًا بالمثل في غرابته. فإطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة، حيث شبهوه بالمثل المضروب، وهو القول السائر في الغرابة، حيث لم يكن عقدًا تامًّا كعشرين أو ثلاثين. والاستفهام لإنكار أنّه من عند الله بناءً على أنّه لو كان من عنده تعالى لما جاء ناقصًا. وإفراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للإشعار باستقلاله في الشناعة.
والمعنى (١): أي وليقول الذين في قلوبهم شك في صدق الرسول ﷺ والقاطعون بكذبه: ما الذي أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب استغراب المثل؟.
ثم بين أن الاختلاف في الدين سنة من سنن الله تعالى، فقال: ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما أضل الله سبحانه هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين عن عدّة خزنة جهنم: أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر حتى يخوفنا بعدتهم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ سبحانه من خلقه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلاله، فيخذله عن إصابة الحق. ﴿و﴾ كما هدى الله سبحانه المؤمنين من أصحاب محمد ﷺ ، ومن أهل الكتاب إلى هذا المثل ﴿يهدي﴾ من عباده ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته، فيوفقه لإصابة الصواب.
واسم الإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والكاف نعت لمصدر محذوف، والمعنى: يضل الله من خلقه من يشاء إضلاله إضلالًا كائنًا كإضلال هؤلاء المنكرين لخزنة جهنم وعددهم من أبي جهل وأصحابه، ويهدي من خلقه من يشاء هدايته هداية كائنة كهداية المصدّقين لخزنة جهنم، وعددهم من أصحاب محمد ﷺ وأهل الكتاب.
стр. 14177
والخلاصة: أنّ مثل هذا الإضلال يضل من يشاء إضلاله لسوء استعداده وتدسيته نفسه، وتوجيهها إلى سيّء الأعمال واجتراح السيئات حين مشاهدة الآيات الناطقة بالهدى، ويهدي من يشاء لتوجيه اختياره إلى الحسن من الأعمال وتزكيته نفسه، كلما لاح له سبيل الهدى. وقيل المعنى: كذلك يضلّ الله عن الجنة من يشاء، ويهدي إليها من يشاء.
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ يا محمد؛ أي: جموع خلقه التي من جملتها الملائكة المذكررون. والجنود (١): جمع جند بالضمّ، وهو العسكر، وكل مجتمع، وكل صنف من الخلق على حدة. وفي الحديث: "إنّ لله جنودًا منها العسل". ﴿إِلَّا هُوَ﴾ لفرط كثرتها. وفي حديث موسى ﵇: "أنه سأل ربه عن عدد أهل السماء؟ فقال تعالى: اثنا عشر سبطًا عدد كل سبط عدد التراب". وفي "الأسرار المحمدية": ليس في العالم موضع بيت ولا زاوية إلا وهو معمور بما لا يعلمه إلا الله، والدليل على ذلك أمر النبي ﷺ بالتستر في الخلوة، وأن لا يجامع الرجل امرأته عريانين. وفيه إشارة إلى أنَّ لله في اختيار عدد الزباينة حكمةً، وإلا فجنوده خارجة عن داثرة العدّ والضبط. قال الفاشاني: وما يعلم عدد الجنود وكمّيتها وكيفيتها وحقيقتها إلا هو لإحاطة علمه بالماهيّات وأحوالها.
والمعنى: وما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم إلا هو وحده لا يقدر على علم ذلك أحد. وقال عطاء: يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدّتهم إلا الله. والمعنى: أن خزنة النار، وإن كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه. وهذا رد على استهزائهم يكون الخزنة تسعة عشر جهلًا منهم وجه الحكمة في ذلك.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر، فقال: ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما سقر، وما ذكر معها من عدد خزنتها ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾؛ أي: إلا تذكرة وموعظة وإنذارًا للبشر والإنس بسوء عاقبة الكفر والضلال. وتخصيص (٢) الإنس مع أنها تذكرة للجن أيضًا؛ لأنهم هم الأصل في القصد بالتذكرة. أو المعنى: وما عدة الخزنة إلا تذكرة لهم ليتذكروا، ويعلموا أن الله سبحانه قادر على أن يعذب الكثير غير المحصور من
стр. 14178
كفّار الثقلين، وعصاتهم بهذا العدد القليل بل هو لا يحتاج في ذلك إلى أعوان وأنصار أصلًا، فإنّه لو قلب شعرةً واحدةً في عين ابن آدم، أو سلَّط الألم على عرق واحد من عروق بدنه.، لكفاه ذلك بلاءً ومحنة. وإنما عيّن العدد وخلق الجنود لحكمة لا لاحتياجٍ. ويجوز أن يعود الضمير إلى الآيات الناطقة بأحوال سقر، فإنّها تذكرة لاشتمالها على الإنذار.
٣٢ - ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكر سقر؛ أي: ارتدعوا وانزجروا عن إنكار سقر، فإنها حق لا سبيل لكم إلى إنكارا لتظاهر الأدلة عليها. أو إنكار ونفي لكونها تذكرة لهم، فإن كونها ذركما للبشر لا ينافي أن بعضهم لا يتذكرون، بل يعرضون عنها بسوء اختيارهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾؟ قال الفرّاء: ﴿كلا﴾ (١) صلة للقسم التقدير أي: والقمر، وقيل المعنى: حقًّا والقمر. وقال ابن جرير: المعنى: رد زعم من زعم أنه يقاوم خزنة جهنم؛ أي: ليس الأمر كما يقول. ثم أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده، وهذا هو الظاهر من معنى الآية. ﴿وَالقَمَرِ﴾ مقسم به، مجرور بواو القسم. وفي "فتح الرحمن": وهذا تخصيص تشريف، وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرته في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل. وقال أبو الليث: وخالق القمر يعني: الهلال بعد ثالثه.
٣٣ - ﴿وَاللَّيْلِ﴾ معطوف على ﴿القمر﴾، وكذا ﴿الصبح﴾ ﴿إِذْ﴾ بسكون الذال، وهو ظرف لما مضى من الزمان. ﴿أَدْبَرَ﴾ على وزن أفعل؛ أي: انصرف وذهب فإنّ الإدبار ضدّ الإقبال.
وقرأ (٢) ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وعطاء، وابن يعمر، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو الزناد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وطلحة، والنحويّان والابنان، وأبو بكر ﴿إذا﴾ على أنّه ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿دبر﴾ بفتح الدال بزنة ضرب. وقرأ ابن جبير، والسلميّ، والحسن بخلاف عنهم، وابن سيرين، والأعرج، وزيد بن عليّ، وأبو شيخ، وابن مُحَيّصن، ونافع، وحمزة، وحفص ﴿إذْ﴾ بسكون الذال على أنه ظرف لما مضى من الزمان. ﴿أدبر﴾ بوزن أكرم. ودبر وأدبر لغتان، كما يقال: أقبل الزمان، وقبل الزمان، ويقال دبر الليل، وأدبر الليل
стр. 14179
إذا تولى ذاهبًا. وقرأ الحسن أيضًا، وأبو رزين، وأبو رجاء، وابن يعمر أيضًا، والسلميّ، وطلحة أيضًا، والأعمش، ويونس بن عبيد، ومطر ﴿إذا﴾ بالألف، ﴿أدبر﴾ بالهمز، وكذا هو في مصحف عبد الله وأبيّ، وهو مناسب لقوله: ﴿إِذَا أَسْفَرَ﴾. ويقال: كأمس الدابر، وأمس المدبر بمعنى واحد. وقال يونس بن حبيب: ﴿دبر﴾: انقضى، وأدبر: تولّى.
٣٤ - ﴿وَالصُّبْحِ﴾؛ أي: الفجر أو أوّل النهار ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. واتفقوا على ﴿إِذَا﴾ هاهنا نظرًا إلى تأخره عن الليل من وجه. ﴿أَسْفَرَ﴾؛ أي: أضاء، وانكشف، وظهر. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَسْفَرَ﴾ رباعيًا. وقرأ ابن السميفع وعيسى بن الفضل ﴿سفر﴾ ثلاثيًّا، والمعنى: طرح الظلمة عن وجهه.
٣٥ - ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ جواب للقسم. و ﴿الْكُبَرِ﴾ (٢): جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائه، وألحقت بها، فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها، وإلا ففعلى لا تجمع على فعل بل على فعالى كحبلى وحبالى.
والظاهر: أن الضمير عائد على سقر؛ أي: إن سقر لإحدى البلايا، أو لإحدى الدواهي الكبر الكثيرة، وهي؛ أي: سقر واحدة في العظم لا نظير لها كقولك: إنه أحد الرجال. هذا إذا كان منكرًا لـ ﴿سَقَرَ﴾، وإن كان منكرًا لعدة الخزنة فالمعنى: أنها من إحدى الحجج ﴿الْكُبَرِ﴾، ﴿نَذِيرًا﴾ من قدرة الله على قهر العصاة من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة من الجنّ والإنس، حيث استعمل على تعذيبهم هذا العدد القليل. وإن كان منكر الآيات فالمعنى: أنها لإحدى الآيات الكبر.
وقرأ الجمهور ﴿لَإِحْدَى﴾ بالهمزة، وهي منقلبة عن واو، أصله: لوحدى، وهو بدل لازم. وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ووهب بن جرير عن ابن كثير بحذف الهمزة، وهو لا ينقاس، وتخفيف هذه الهمزة أن تجعل بين بين.
٣٦ - ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ حال من الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾، قاله الزجاج. وروى عنه عن الكسائي، وأبي علي الفارسيّ: أنّه حال من قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾؛ أي: قم يا
стр. 14180
محمد فأنذر حال كونك نذيرًا للبشر. وقال الفراء: هو مصدر بمعنى الإنذار، منصوب بفعل مقدر. وقيل: إنه منتصب على التمييز من نسبة إحدى الكبر إلى اسم ﴿إنّ﴾؛ لأنّ معناه: أنها من معظمات الدواهي التي خلقها الله للتعذيب، فيصح أن ينتصب منه التمييز، كما تقول: هي إحدى النساء عفافًا. والنذير (١) مصدر بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: لإحدى الكبر إنذارا: أي: من جهة الإنذار أول مما دلت عليه الجملة؛ أي: معنى قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾؛ أي: كبرت منذرة، وحذف التاء مع أن فعيلًا بمعنى فاعل، يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير ﴿إِنَّهَا﴾ في تأويل العذاب أو لكون النذير بمعنى ذات إنذار على معنى النسب كقولهم: امرأة طاهر؛ أي: ذات طهارة. وقيل: إنّه مفعول لأجله؛ أي: وإنها لاحدى الكبر لأجل إنذار البشر. وقرأ الجمهور بالنصب. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو نذير أو هي نذير.
ومعنى الآيات: أقسم بالقمر الوضّاح والليل إذا ولى، وذهب والصبح إذا أشرق إنّ جهنم لإحدى البلايا الكبار، والدواهي العظام لإنذار البشر.
٣٧ - ثم بين أصحاب النذارة، فقال ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ بإعادة الجار، و ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مفعول ﴿شَاءَ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ حال مِنْ ﴿مَنْ﴾ الموصولة؛ أي: نذيرًا لمن شاء منكم أن يسبق إلى الخير والجنة والطاعة، فيهديه الله. أو لم يشأ ذلك، ويتأخّر بالمعصية، فيضله. وفيه إشارة إلى أنَّ لكسب العبد دخلًا في حصول المرحومية والمحروميّة. وقال السدي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر إلى الجنة. أو المعنى (٢): لمن شاء أن يقبل النذارة أو يتولى عنها، ويردها. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.
وخلاصة ما سلف: ها أنتم أولاء قد علمتم سقر وعذابها وملائكتها، فمن تقدم إلى الخير أطلقناه، ومن تأخر عنه سلكناه فيها. قال ابن عباس: هذا تهديد لاعلام بأنّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد ﷺ جوزي بثواب لا ينقطع أبدًا، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدًا ﷺ عوقب عقابًا لا ينقطع أبدًا. وقال الحسن: