قلت: اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة، فلا إشكال. ﴿مَاذَا﴾ مجموع الكلمتين، اسم استفهام، فـ ﴿ذا﴾ ملغاة؛ أي: أي شيء ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ سبحانه. وهذا الاسم المركب مفعول مقدم؛ أي: أي شيء أراد الله ﴿بِهَذَا﴾ العدد القليل ﴿مَثَلًا﴾ حال من هذا؛ أي: أي شيء أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب حال كونه مشابهًا للمثل في غرابته، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿ذا﴾ موصولًا خبره، و ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلة الموصول، و ﴿مَثَلًا﴾ تمييز لهذا؛ أي: ما الذي أراده الله سبحانه بهذا العدد القليل، من جهة كونه مثلًا؛ أي: شبيهًا بالمثل في غرابته. فإطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة، حيث شبهوه بالمثل المضروب، وهو القول السائر في الغرابة، حيث لم يكن عقدًا تامًّا كعشرين أو ثلاثين. والاستفهام لإنكار أنّه من عند الله بناءً على أنّه لو كان من عنده تعالى لما جاء ناقصًا. وإفراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للإشعار باستقلاله في الشناعة.
والمعنى (١): أي وليقول الذين في قلوبهم شك في صدق الرسول ﷺ والقاطعون بكذبه: ما الذي أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب استغراب المثل؟.
ثم بين أن الاختلاف في الدين سنة من سنن الله تعالى، فقال: ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما أضل الله سبحانه هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين عن عدّة خزنة جهنم: أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر حتى يخوفنا بعدتهم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ سبحانه من خلقه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلاله، فيخذله عن إصابة الحق. ﴿و﴾ كما هدى الله سبحانه المؤمنين من أصحاب محمد ﷺ ، ومن أهل الكتاب إلى هذا المثل ﴿يهدي﴾ من عباده ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته، فيوفقه لإصابة الصواب.
واسم الإشارة إلى ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والكاف نعت لمصدر محذوف، والمعنى: يضل الله من خلقه من يشاء إضلاله إضلالًا كائنًا كإضلال هؤلاء المنكرين لخزنة جهنم وعددهم من أبي جهل وأصحابه، ويهدي من خلقه من يشاء هدايته هداية كائنة كهداية المصدّقين لخزنة جهنم، وعددهم من أصحاب محمد ﷺ وأهل الكتاب.
стр. 14177
والخلاصة: أنّ مثل هذا الإضلال يضل من يشاء إضلاله لسوء استعداده وتدسيته نفسه، وتوجيهها إلى سيّء الأعمال واجتراح السيئات حين مشاهدة الآيات الناطقة بالهدى، ويهدي من يشاء لتوجيه اختياره إلى الحسن من الأعمال وتزكيته نفسه، كلما لاح له سبيل الهدى. وقيل المعنى: كذلك يضلّ الله عن الجنة من يشاء، ويهدي إليها من يشاء.
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ يا محمد؛ أي: جموع خلقه التي من جملتها الملائكة المذكررون. والجنود (١): جمع جند بالضمّ، وهو العسكر، وكل مجتمع، وكل صنف من الخلق على حدة. وفي الحديث: "إنّ لله جنودًا منها العسل". ﴿إِلَّا هُوَ﴾ لفرط كثرتها. وفي حديث موسى ﵇: "أنه سأل ربه عن عدد أهل السماء؟ فقال تعالى: اثنا عشر سبطًا عدد كل سبط عدد التراب". وفي "الأسرار المحمدية": ليس في العالم موضع بيت ولا زاوية إلا وهو معمور بما لا يعلمه إلا الله، والدليل على ذلك أمر النبي ﷺ بالتستر في الخلوة، وأن لا يجامع الرجل امرأته عريانين. وفيه إشارة إلى أنَّ لله في اختيار عدد الزباينة حكمةً، وإلا فجنوده خارجة عن داثرة العدّ والضبط. قال الفاشاني: وما يعلم عدد الجنود وكمّيتها وكيفيتها وحقيقتها إلا هو لإحاطة علمه بالماهيّات وأحوالها.
والمعنى: وما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم إلا هو وحده لا يقدر على علم ذلك أحد. وقال عطاء: يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدّتهم إلا الله. والمعنى: أن خزنة النار، وإن كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه. وهذا رد على استهزائهم يكون الخزنة تسعة عشر جهلًا منهم وجه الحكمة في ذلك.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر، فقال: ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما سقر، وما ذكر معها من عدد خزنتها ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾؛ أي: إلا تذكرة وموعظة وإنذارًا للبشر والإنس بسوء عاقبة الكفر والضلال. وتخصيص (٢) الإنس مع أنها تذكرة للجن أيضًا؛ لأنهم هم الأصل في القصد بالتذكرة. أو المعنى: وما عدة الخزنة إلا تذكرة لهم ليتذكروا، ويعلموا أن الله سبحانه قادر على أن يعذب الكثير غير المحصور من
стр. 14178
كفّار الثقلين، وعصاتهم بهذا العدد القليل بل هو لا يحتاج في ذلك إلى أعوان وأنصار أصلًا، فإنّه لو قلب شعرةً واحدةً في عين ابن آدم، أو سلَّط الألم على عرق واحد من عروق بدنه.، لكفاه ذلك بلاءً ومحنة. وإنما عيّن العدد وخلق الجنود لحكمة لا لاحتياجٍ. ويجوز أن يعود الضمير إلى الآيات الناطقة بأحوال سقر، فإنّها تذكرة لاشتمالها على الإنذار.
٣٢ - ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع لمن أنكر سقر؛ أي: ارتدعوا وانزجروا عن إنكار سقر، فإنها حق لا سبيل لكم إلى إنكارا لتظاهر الأدلة عليها. أو إنكار ونفي لكونها تذكرة لهم، فإن كونها ذركما للبشر لا ينافي أن بعضهم لا يتذكرون، بل يعرضون عنها بسوء اختيارهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾؟ قال الفرّاء: ﴿كلا﴾ (١) صلة للقسم التقدير أي: والقمر، وقيل المعنى: حقًّا والقمر. وقال ابن جرير: المعنى: رد زعم من زعم أنه يقاوم خزنة جهنم؛ أي: ليس الأمر كما يقول. ثم أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده، وهذا هو الظاهر من معنى الآية. ﴿وَالقَمَرِ﴾ مقسم به، مجرور بواو القسم. وفي "فتح الرحمن": وهذا تخصيص تشريف، وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرته في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل. وقال أبو الليث: وخالق القمر يعني: الهلال بعد ثالثه.
٣٣ - ﴿وَاللَّيْلِ﴾ معطوف على ﴿القمر﴾، وكذا ﴿الصبح﴾ ﴿إِذْ﴾ بسكون الذال، وهو ظرف لما مضى من الزمان. ﴿أَدْبَرَ﴾ على وزن أفعل؛ أي: انصرف وذهب فإنّ الإدبار ضدّ الإقبال.
وقرأ (٢) ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وعطاء، وابن يعمر، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو الزناد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وطلحة، والنحويّان والابنان، وأبو بكر ﴿إذا﴾ على أنّه ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿دبر﴾ بفتح الدال بزنة ضرب. وقرأ ابن جبير، والسلميّ، والحسن بخلاف عنهم، وابن سيرين، والأعرج، وزيد بن عليّ، وأبو شيخ، وابن مُحَيّصن، ونافع، وحمزة، وحفص ﴿إذْ﴾ بسكون الذال على أنه ظرف لما مضى من الزمان. ﴿أدبر﴾ بوزن أكرم. ودبر وأدبر لغتان، كما يقال: أقبل الزمان، وقبل الزمان، ويقال دبر الليل، وأدبر الليل
стр. 14179
إذا تولى ذاهبًا. وقرأ الحسن أيضًا، وأبو رزين، وأبو رجاء، وابن يعمر أيضًا، والسلميّ، وطلحة أيضًا، والأعمش، ويونس بن عبيد، ومطر ﴿إذا﴾ بالألف، ﴿أدبر﴾ بالهمز، وكذا هو في مصحف عبد الله وأبيّ، وهو مناسب لقوله: ﴿إِذَا أَسْفَرَ﴾. ويقال: كأمس الدابر، وأمس المدبر بمعنى واحد. وقال يونس بن حبيب: ﴿دبر﴾: انقضى، وأدبر: تولّى.
٣٤ - ﴿وَالصُّبْحِ﴾؛ أي: الفجر أو أوّل النهار ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. واتفقوا على ﴿إِذَا﴾ هاهنا نظرًا إلى تأخره عن الليل من وجه. ﴿أَسْفَرَ﴾؛ أي: أضاء، وانكشف، وظهر. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَسْفَرَ﴾ رباعيًا. وقرأ ابن السميفع وعيسى بن الفضل ﴿سفر﴾ ثلاثيًّا، والمعنى: طرح الظلمة عن وجهه.
٣٥ - ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ جواب للقسم. و ﴿الْكُبَرِ﴾ (٢): جمع الكبرى جعلت ألف التأنيث كتائه، وألحقت بها، فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها، وإلا ففعلى لا تجمع على فعل بل على فعالى كحبلى وحبالى.
والظاهر: أن الضمير عائد على سقر؛ أي: إن سقر لإحدى البلايا، أو لإحدى الدواهي الكبر الكثيرة، وهي؛ أي: سقر واحدة في العظم لا نظير لها كقولك: إنه أحد الرجال. هذا إذا كان منكرًا لـ ﴿سَقَرَ﴾، وإن كان منكرًا لعدة الخزنة فالمعنى: أنها من إحدى الحجج ﴿الْكُبَرِ﴾، ﴿نَذِيرًا﴾ من قدرة الله على قهر العصاة من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة من الجنّ والإنس، حيث استعمل على تعذيبهم هذا العدد القليل. وإن كان منكر الآيات فالمعنى: أنها لإحدى الآيات الكبر.
وقرأ الجمهور ﴿لَإِحْدَى﴾ بالهمزة، وهي منقلبة عن واو، أصله: لوحدى، وهو بدل لازم. وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ووهب بن جرير عن ابن كثير بحذف الهمزة، وهو لا ينقاس، وتخفيف هذه الهمزة أن تجعل بين بين.
٣٦ - ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ حال من الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾، قاله الزجاج. وروى عنه عن الكسائي، وأبي علي الفارسيّ: أنّه حال من قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾؛ أي: قم يا
стр. 14180
محمد فأنذر حال كونك نذيرًا للبشر. وقال الفراء: هو مصدر بمعنى الإنذار، منصوب بفعل مقدر. وقيل: إنه منتصب على التمييز من نسبة إحدى الكبر إلى اسم ﴿إنّ﴾؛ لأنّ معناه: أنها من معظمات الدواهي التي خلقها الله للتعذيب، فيصح أن ينتصب منه التمييز، كما تقول: هي إحدى النساء عفافًا. والنذير (١) مصدر بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: لإحدى الكبر إنذارا: أي: من جهة الإنذار أول مما دلت عليه الجملة؛ أي: معنى قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾؛ أي: كبرت منذرة، وحذف التاء مع أن فعيلًا بمعنى فاعل، يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير ﴿إِنَّهَا﴾ في تأويل العذاب أو لكون النذير بمعنى ذات إنذار على معنى النسب كقولهم: امرأة طاهر؛ أي: ذات طهارة. وقيل: إنّه مفعول لأجله؛ أي: وإنها لاحدى الكبر لأجل إنذار البشر. وقرأ الجمهور بالنصب. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو نذير أو هي نذير.
ومعنى الآيات: أقسم بالقمر الوضّاح والليل إذا ولى، وذهب والصبح إذا أشرق إنّ جهنم لإحدى البلايا الكبار، والدواهي العظام لإنذار البشر.
٣٧ - ثم بين أصحاب النذارة، فقال ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ بإعادة الجار، و ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مفعول ﴿شَاءَ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ حال مِنْ ﴿مَنْ﴾ الموصولة؛ أي: نذيرًا لمن شاء منكم أن يسبق إلى الخير والجنة والطاعة، فيهديه الله. أو لم يشأ ذلك، ويتأخّر بالمعصية، فيضله. وفيه إشارة إلى أنَّ لكسب العبد دخلًا في حصول المرحومية والمحروميّة. وقال السدي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر إلى الجنة. أو المعنى (٢): لمن شاء أن يقبل النذارة أو يتولى عنها، ويردها. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.
وخلاصة ما سلف: ها أنتم أولاء قد علمتم سقر وعذابها وملائكتها، فمن تقدم إلى الخير أطلقناه، ومن تأخر عنه سلكناه فيها. قال ابن عباس: هذا تهديد لاعلام بأنّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد ﷺ جوزي بثواب لا ينقطع أبدًا، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدًا ﷺ عوقب عقابًا لا ينقطع أبدًا. وقال الحسن:
стр. 14181
هذا وعيد وتهديد وإن أخرج مخرج الخبر، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
٣٨ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من نفوس الإنس والجنّ المكلّفين ﴿بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾؛ أي: مرهونة عند الله بكسبها محبوسة ثابتة. وفي بعض التفاسير: بسبب ما كسبت من الأعمال السيئة. وقيل: مأخوذة بعملها، ومرتهنة إما خلّصها أو أوبقها. من (١) رهن الشيء إذا دام وثبت، وارتهنته؛ أي: تركته مقيمًا عنده وثابتًا. والرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، والمرتهن: هو الذي يأخذ المرهون، ونفس المكلّف محبوسة ثابتة عند الله بما أوجبه عليه من التكاليف التي هي حق خالص له تعالى، فإن أدّاها المكلّف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه، وإلا بقيت نفسه مرهونة محبوسة عنده. وقال بعضهم: الرهينة: اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم على أن تكون التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية. وفي فتح الرحمن: التاء للمبالغة أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان ونحوه، وليس أي: الرهينة صفة وإلا لقيل: رهين؛ لأنّ فعيلًا بمعنى مفعول لا تدخله التاء، بل يستوي فيه المذكر والمؤنث، إلا أن يحمل على ما هو بمعنى الفاعل، فإنه يؤتى في مؤنثه بالتاء كما في عكسه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
٣٩ - ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ استثناء متصل (٢) من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ لكثرتها في المعنى. و ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾: أهل الأعمال الصالحة من المؤمنين. أي: فإنهم فاكّون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الدين.
والمعنى: أي كل نفس مرتهنة بكسبها عند الله غير مفكوكة عنه كافرة كانت أو مؤمنة عاصية أو طائعة إلا أصحاب اليمين، فإنّهم فكوا رقابهم بحسن أعمالهم كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق الذي وجب عليه.
واختلف (٣) في تعيين أصحاب اليمين. فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم المؤمنون، وقيل: أولاد المسلمين، وقيل: الذين كانوا عن يمين آدم، وقيل: أصحاب الحق، وقيل: هم المعتمدون على الفضل دون العمل، وقيل: هم الذين
стр. 14182
اختارهم الله لخدمته.
٤٠ - ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ في محل رفع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم في جنّات لا يكتنه كنهها، ولا يوصف وصفها، كما دل عليه التنكير. والمراد أن كلا منهم ينال جنة منها. والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال نشأ مما قبله، كأنّه قيل: ما بال أصحاب اليمين؟ فقيل: هم في جنات. ويجوز أن يكون ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ حالًا من ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، وأن يكون حالًا من فاعل ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، وأن يكون ظرفا لـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾. وقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يجوز أن يكون على بابه فيكون قوله: ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ متعلقًا بـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: يسأل بعضهم بعضًا عن أحوال المجرمين. ويجوز (١) أن يكون تفاعل هنا بمعنى فعل،
٤١ - و ﴿عَنِ﴾ في قوله: ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ زائدة؛ أي: يسألون المجرمين عن أحوالهم. وقد حذف المسؤول لكونه عين المسؤول عنه ولدلالة ما بعده عليه. ويروى: "أنّ الله يطلع أهل الجنة، وهم في الجنة حتى يروا أهل النار، فيسألونهم.
٤٢ - وقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ مقول لقول قدر وقع حالًا مقدرة من فاعل يتساءلون؛ أي: يسألون المجرمين عن أحوالهم حال كونهم قائلين لهم أي شيء أدخلكم في سقر؟ وأيُّ شيء كان سببًا لدخولكم فيها؟. من سلكت الخيط في الإبرة سلكًا، أي: أدخلته فيها، فهو من السلك بمعنى الإدخال لا من السلوك بمعنى الذهاب. فإن قلت: لم يسألونهم وهم عالمون بذلك؟
قلت: توبيخًا لهم وتحسيرًا ولتكون حكاية الله سبحانه ذلك في كتابه تذكرة للسامعين. وقرأ أبو عمرو "سلكّم" بإدغام الكاف في الكاف، والباقون بالفكّ.
والمعنى: أي (٢) هم في غرفات الجنات يسألون المجرمين، وهم في الدركات قائلين لهم: ما الذي أدخلكم في سقر؟
٤٣ - فأجابوهم: بأنّ هذا العذاب كان لأمور أربعة:
١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المجرمون مجيبين للسائلين ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ للصلوات الواجبة، فعدم إقرارنا بفرضيّة الصلاة وعدم أدائها سلكنا فيها. أصله:
стр. 14183
نكن، حذف النون للتخفيف مع كثرة الاستعمال.
والمعنى: أي لم نكن في الدنيا من المؤمنين الذين يصلّون لله؛ لأنّا لم نكن نعتقد بفرضيّتها.
٢ - ٤٤ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾؛ أي: ولم نكن من المحسنين إلى خلقه الفقراء بفضل أموالنا المتصدّقين عليهم بما تجود به نفوسنا، وهو على معنى استمرار نفي الإطعام لا على نفي استمرار الإطعام. والمراد أيضًا لإطعام للواجب كالزكاة والكفّارة والنذر، وإلاّ فما ليس بواجب من الصلاة والإطعام لا عذاب على تركه، وكانوا يقولون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾. فكانوا لا يرحمون المساكين بالإطعام، ولا يحضّون عليه أيضًا. ففيه (١) ذمّ للبخل، ودلالة على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة في الآخرة. قال في "التوضيح": الكفار مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات إجماعًا، أمّا العبادات فهم مخاطبون بها في حق المؤاخذة في الآخرة اتفاقًا أيضًا لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ الآيات، أمّا في حق وجوب الأداء فمختلف فيه. قال العراقيّون من مشايخنا: نعم، وقال مشايخ ديارنا: لا. وفي بعض التفاسير: وللحنفيّ أن يقول: هذا إنما هو تأسّف منهم على تفريطهم في كسب الخير وحرمانهم مما ناله المصلّون، والمزكّون من المؤمنين، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا مأمورين بالعمل قبل الإيمان.
٣ - ٤٥ ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ﴾ ونشرع في الباطل ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ﴾؛ أي: مع الشارعين فيه. والمراد بالباطل ذمّ النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وغيبتهم، وقولهم: بأنّه شاعر أو ساحر أو كاهن أو غير ذلك، والطعن في القرآن وقولهم هو سحر أو شعر أو كهانة إلى نحو أولئك من الأباطيل. والخوض في الأصل: الشروع مطلقًا في أيّ شيء كان، ثم غلب في العرف بمعنى الشروع في الباطل والقبيح وما لا ينبغي. وفي الحديث: "أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في معصية الله".
٤ - ٤٦ ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾؛ أي: بيوم الجزاء. أضافوه إلى الجزاء مع أنّ فيه من الدواهي والأهوال ما لا غاية له، لأنه أدهاها وأنهم ملابسوه، وقد مضت
стр. 14184
بقية الدواهي، وتأخير جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل؛ إذ هو تكذيب القيامة وإنكارها كفر، والأمور الثلاثة المتقدمة فسق لتفخيمها، وللترقّي من القبيح إلى الأقبح، كأنهم قالوا: وكنّا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين، ولبيان كون تكذيبهم به مقارنًا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرًّا إلى آخر عمرهم،
٤٧ - حسبما ينطق به قولهم: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾؛ أي: الموت ومقدّماته، فإنه أمر متيقن لا شك في إتيانه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾. أو حتى علمنا صحة ذلك عيانًا بالرجوع إلى الله في الدار الآخرة.
فان قلت: أيريدون أن كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟
قلت: يحتمل الأمران جميعًا كما في "الكشاف".
٤٨ - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾؛ أي: لا تنالهم شفاعة الملائكة والأنبياء والصالحين كما تنفع المؤمنين؛ أي: لو قدّر اجتماعهم على شفاعتهم على سبيل فرض المحال لا تنفعهم تلك الشفاعة، فليس المراد أنّهم يشفعون لهم فلا تنفعهم شفاعتهم؛ إذ الشفاعة يوم القيامة موقوفة على الإذن، وقابليّة المحل، فلو وقعت من المأذون للقابل قبلت، والكافر ليس بقابل لها، فلا إذن في الشفاعة له فلا شفاعة، ولا نفع في الحقيقة. وفيه دليل على صحة الشفاعة ونفعها يومئذٍ لعصاة المؤمنين، وإلا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه. قال ابن مسعود ﵁: تشفع الملائكة والنبيّون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة ثم تلا قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ إلى قوله: ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
٤٩ - ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾؛ أي: فأيّ شي حصل لهم معرضين عن القرآن. والفاء لترتيب إنكار إعراضهم عن القرآن بغير سبب على ما قبلها من موجبات الإقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين. و ﴿مُعْرِضِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرًا لـ ﴿ما﴾ الاستفهامية، و ﴿عَنِ﴾ متعلّقة به؛ أي: فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأيّ شيء حصل لهم معرضين عن القرآن مع تعاضد موجبات الإقبال عليه، وتأكد الدواعي للإيمان به.
والمعنى: أي أيّ شيء حصل لأهل مكة حال كونهم معرضين عن القرآن
стр. 14185
الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى. قال مقاتل: إعراضهم عن القرآن من وجهين: (١) جحودهم وإنكارهم له، (٢) ترك العمل بما فيه.
٥٠ - ثمّ شبّههم في نفورهم عن القرآن بالحمر، فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾؛ أي: كأن هؤلاء المشركين في إعراضهم عن القرآن ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ أي: حمر وحشية هاربة مما يفزعها. والجملة حال من الضمير المستكن في ﴿مُعْرِضِينَ﴾ على التداخل. والحمر: جمع حمار، وهو معروف، ويكون وحشيًّا، وهو المراد هنا.
وقرأ الجمهور ﴿حُمُرٌ﴾ بضمّ الميم، والأعمش بإسكانها. ومستنفرة بمعنى نافرة هاربةً، من نفرت الدابّة إذا هربت، لا من نفر الحاج، يقال: نفر واستنفر بمعنى هرب، مثل: استعجب بمعنى عجيب. وقرأ الجمهور (١) ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ بكسر الفاء؛ أي: نافرة، ويناسب الكسر قوله ﴿فَرَّتْ﴾. وقرأ نافع وابن عامر بفتحها؛ أي: منفّرة مذعورة، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد. قال في "الكشاف": المستنفرة: الشديدة النفار والهرب كأنّها تطلب النفار من نفوسها بسبب أنهم جمعوا نفوسهم للنفار، وحملوها عليه. فأبقى السين على بابها من الطلب.
والمعنى: حال كونهم مشبهين في إعراضهم عن القرآن بحمر نافرة
٥١ - ﴿فَرَّتْ﴾ وهربت ﴿مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من أسد أو من الرماة لها للاصطياد؛ لأنّ الوحشة إذا عاينت الأسد تهرب أشدّ الهرب، ومثل القسورة الحيدرة وزنا ومعنى وهي فَعْولَةٌ من القسر، وهو القهر والغلبة؛ لأنه يغلب السباع ويقهرها. قال ابن عباس ﵄: القسورة هو الأسد بلسان الحبشة، كذا قاله عطاء والكلبي. وقيل: القسورة هي جماعة الرماة الذين يتصيّدونها، ويرمونها، وهو جمع قسور، وهو الرمي، قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن كيسان. وقيل: القسورة: أصوات الناس. وقيل: القسورة أوّل الليل؛ أي: فرت من ظلمة الليل، وبه قال عكرمة وابن الأعرابي. والتفسير الثاني أولى.
شبهوا (٢) في إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه بحمرٍ جدّت في نفارها مما أفزعها، وفيه من ذمهم وتهجين حالهم، ما لا يخفى.
стр. 14186
يعني: أن في تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا ترى مثل نفار حمر الوحش واطّرادها في العدّو إذا خافت من شيء، ومن أراد إهانة غليظة لأحد والتشنيع عليه بأشنع شيء شبهه بالحمار.
والمعنى: كأن هؤلاء المشركين في فرارهم من محمد ﷺ ومن استماع القرآن حمر وحشية هاربة من رماة يرمونها ويعقرونها لصيدها وافتراسها.
٥٢ - ثم بين أنهم بلغوا في العناد حدّا لا يقبله عقل ولا يستسيغه ذو نفس حاسّة، فقال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ معطوف على مقدّر يقتضيه المقام، كأنّه قيل: لا يكتفون بتلك التذكرة، ولا يرضون بها عنادًا ومكابرةً، بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى قراطيس تنشر وتقرأ، وذلك أنهم؛ أي: أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأصحابهما قالوا لرسول الله ﷺ : لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء، أو يصبح عند رأس كل رجل منا أوراق منشورة عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن فلان، نؤمر فيها باتباعك؛ أي: بأن يقال: أَتبع محمدًا فإنه رسول من قبلي إليك، كما قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾. والمرء: الإنسان أو الرجل، ولا يجمع من لفظه. والصحف: جمع صحيفة، وهي الكتاب. والمنشرة: المنشورة المفتوحة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿صُحُفًا﴾ بضم الصاد والحاء. وقرأ سعيد بن جبير بإسكان الحاء. وقرأ الجمهور ﴿مُنَشَّرَةً﴾ بالتشديد، وقرأ سعيد بن جبير بالتخفيف، من نشّر وأنشر، مثل: نزَّل وأنزل.
والمعنى: أي هم قد بلغوا في العناد حدًّا لا تجدي معهم فيه التذكرة، فكل واحد منهم يريد أن ينزل عليه كتاب مفتوح من السماء كما أنزل على نبيّه ﷺ .
٥٣ - ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة، وزجرهم فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم وزجر عن اقتراحهم الآيات وإرادتهم ما أرادوه، فإنهم إنما اقترحوها تعنّتًا وعنادًا لا هدى ورشادًا؛ أي: فهم لا يؤتونها. وقيل: ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًّا. ثم بين سبحانه سبب هذا التعنت والاقتراح، فقال: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾؛ أي: عذاب الآخرة
стр. 14187
لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات، فلعدم خوفهم منها أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف.
والمعنى (١): أي إنما دسّاهم وطبع على قلوبهم، وأعمى أبصارهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافون أهوالها. ومن ثم أعرضوا عن التأمل في تلك المعجزات الكثيرة، وقد كانت كافية لهم جدّ الكفاية في الدلالة على صدق دعوى محمد ﷺ للنبوة، فطلب الزيادة يكون من التعنت الذي لا مسوغ له. وقرأ الجمهور ﴿يَخَافُونَ﴾ بياء الغيبة، وأبو حيوة بتاء الخطاب التفاتًا.
٥٤ - ثم وبّخهم على إعراضهم عن التذكرة فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ وفي ﴿ذَكَرَهُ﴾؛ للتذكرة؛ لأنها بمعنى الذكر أو القرآن كالموعظة بمعنى الوعظ والصيحة بمعنى الصوت. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة كافية. فالتنوين فيه للتعظيم. وفي "برهان القرآن" أي: تذكير للحق، وعدل إليها للفاصلة؛ أي: ليس الأمر كما يقول المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، بل هو تذكرة من الله لخلقه، ذكّرهم به، فليس لأحد أن يعتذر بأنه لم يجد مذكرًا ولا معرفًا.
٥٥ - ثم ما ذكر هو كالنتيجة لما سلف، فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ من عباده أن يذكره، ولا ينساه، ويتعظ به قبل حلوله في رمسه. ﴿ذَكَرَهُ﴾؛ أي: جعله نصب عينيه، وحاز بسببه سعادة الدارين، فإنه ممكن من ذلك.
٥٦ - ثم ردّ سبحانه المشيئة إلى نفسه، فقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ بمجرد مشيئتهم للذكر، كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾، إذ لا تأثير لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله. وضمير (٢) الجمع إمّا أن يعود إلى الكفرة؛ لأنّ الكلام فيهم أو إلى ﴿مَن﴾ الموصولة نظرًا إلى عموم المعنى لشموله لكلّ من المكلّفين.
وقرأ نافع وسلام ويعقوب ﴿تذكرون﴾ بتاء الخطاب ساكنة الذال، وباقي السبعة وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى والأعرج ﴿يَذْكُرُونَ﴾ بالياء. وروي عن
стр. 14188
أبي جعفر ﴿تذكرون﴾ بالتاء وإدغام التاء في الذال. وروي عن أبي حيوة ﴿يذكرون﴾ بياء الغيبة وشدّ الذال.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء مفرغ من أعم العلل أو من اعم الأحوال؛ أي: وما يذكرون لعلة من العلل، أو في حال من الأحوال إلا بأن يشاء الله أو حال أن يشاء الله ذكرهم. وهذا تصريح بأنّ أفعال العبد بمشيئة الله لا برادة نفسه.
والمعنى (١): أي وما يذكرون هذا القرآن، ولا يتعظون بعظاته، ويعملون بما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه، فلا يستطيع أحد أن يفعل شيئًا إلا أن يعطيه الله القدرة على فعله؛ إذ لا يقع في ملكه سبحانه إلا ما يشاء، كما قال سبحانه: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
ثم ذكر ما هو كالعلة لما سلف، فقال: ﴿هُوَ﴾ ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾؛ أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه، والعمل بطاعاته؛ أي: حقيق بأن يتّقى عقابه ويؤمن به ويطاع. فالتقوى مصدر من المبنيّ للمفعول. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: وهو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة، فيغفر ذنوبهم. وقيل: هو أهل أن تُتَّقى محارمه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه.
وعن أنس ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية، فقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أُتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهًا، فأنا أهل أن أغفر له". أخرجه أحمد، والدارميّ، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث غريب، وفي إسناده سهيل بن عبد الله القطيعي، وليس بالقوي في الحديث، وقد تفرّد به عن ثابت، والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾.
стр. 14189
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أيّ﴾ منادى نكرة مقصودة، والهاء: حرف تنبيه، ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ صفة لأيّ، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قُمْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمّد، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَنْذِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنذر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قُمْ﴾، ﴿وَرَبَّكَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ربك﴾ مفعول مقدم لـ ﴿كبّر﴾، ﴿فَكَبِّرْ﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة، ﴿كبر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿قُمْ﴾. وقال ابن جنّي: ﴿الفاء﴾: في ﴿فَكَبِّرْ﴾ زائدة كالفاء في قولك: زيدًا فاضرب؛ أي: زيدًا ضرب. وقال الزجاج: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر يقتضيه السياق كأنّه قيل: مهما يكن من شيء فلا تدع تكبيره. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ثيابك﴾ مفعول مقدم، ومضاف إليه و ﴿الفاء﴾: إما زائدة؛ أو رابطة كما تقدم آنفًا، ﴿طهر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ﴿كبر﴾. ﴿وَالرُّجْزَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الرجزَ﴾ مفعول مقدم، ﴿فَاهْجُرْ﴾ ﴿الفاء﴾: تقدم الكلام فيها، ﴿اهجر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ما قبله، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية، ﴿تَمنُنْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ فعل مضارع، مجزوم بالطلب السابق، أو على البدليّة من ﴿تَمنُنْ﴾، والتقدير على جعله جوابًا للنهي؛ أي: إنك إن لا تمنن بعطائك تجد ثوابًا كثيرًا على عطيّتك لسلامة ذلك من الإبطال بالمنّ على حدّ قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. ووجه الإبدال أنه نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾. وقُرىء بالرفع، والجملة حينئذٍ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَمنُنْ﴾. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لربك﴾ متعلق بـ ﴿اصبر﴾، ﴿فاصبر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ما قبله، والفاء الكلام فيها مثل ما تقدم.
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، وفيها معنى التسبّب والعلّة، كأنّه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه مغبّة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك. ﴿إذا﴾
стр. 14190
ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿نُقِرَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿فِي النَّاقُورِ﴾ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بما يدل عليه الجواب الآتي، والتقدير: فإذا نقر في الناقور اشتدّ الأمر وعسر على الكافرين. ﴿فَذَلِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿ذلك﴾ مبتدأ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾ ظرف زمان في محل الرفع، بدل من اسم الإشارة، مبنيّ على الفتح لإضافته إلى المبني، ﴿يَوْمٌ﴾ مضاف، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجرّ مضاف إليه، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلّص من التقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ نفخ في الصور. ﴿يَوْمٌ﴾ خبر المبتدأ، ﴿عَسِيرٌ﴾ صفة لـ ﴿يَوْمٌ﴾، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿عَسِيرٌ﴾، ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ نعت ثان لـ ﴿يَوْمٌ﴾، والجملة الاسميّة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿ذَرْنِي﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ ﴿الواو﴾: واو المعيّة و ﴿من﴾ مفعول معه، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، و ﴿من﴾ معطوفة على المفعول في ﴿ذَرْنِي﴾، وجملة ﴿خَلَقْتُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: خلقته، ﴿وَحِيدًا﴾ حال من العائد المحذوف، أو من الضمير المنصوب في ﴿ذَرْنِي﴾ أو من الضمير في ﴿خلقت﴾، والأول أولى؛ لأنّ المراد به الوليد بن المغيرة؛ لأنّه كان يزعم أنه وحيد قومه كما مر. ﴿وَجَعَلْتُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿خَلَقْتُ﴾، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿جعلتُ﴾، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿مَالًا﴾ هو المفعول الأول، ﴿مَمْدُودًا﴾ صفة ﴿مَالًا﴾، ﴿وَبَنِينَ﴾ معطوف على ﴿مَالًا﴾، ﴿شُهُودًا﴾ نعت لـ ﴿وبنين﴾، ﴿وَمَهَّدْتُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿جعلتُ﴾، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿مهدت﴾، ﴿تَمْهِيدًا﴾ مفعول مطلق لـ ﴿مهدت﴾، ﴿ثم﴾ حرف عطف وتراخ، ﴿يَطمَعُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿جعلت﴾، ﴿أَن﴾ هو حرف نصب ومصدر، ﴿أَزِيدَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: ثم يطمع في الزيادة، والجار والمجرور المحذوف متعلق بـ ﴿يطمع﴾.
﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)
стр. 14191
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾.
﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر له لقطع رجائه وطمعه وتهالكه، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الردع والزجر، واسم ﴿كَانَ﴾ ضمير يعود على الوليد بن المغيرة، ﴿لِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿عَنِيدًا﴾، و ﴿عَنِيدًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ السين: حرف استقبال، ﴿أرهقه﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول، ﴿صعُوًدا﴾ مفعول ثاني لتضمين ﴿أرهقه﴾ معنى أكلّفه. والصعود في اللغة: العقبة الشاقّة. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿فَكَّرَ﴾ خبره، ﴿وَقَدَّرَ﴾ معطوف على ﴿فَكَّرَ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الإرهاق، ﴿فَقُتِلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قتل﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر، تقديره. هو، معناه: لعن. والجملة معطوفة على ﴿فَكَّرَ﴾. ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿قَدَّرَ﴾، ﴿قَدَّرَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة جملة تعجبية لا محل لها من الإعراب، والمقصود من هذا الاستفهام توبيخه والاستهزاء به والتعجيب من تقديره. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ، وأتى بها للدلالة على أنَّ هذه الجملة أبلغ من الجملة الأولى، فهي للتفاوت في الرتبة، وهي مؤكّدة لنظيرتها المتقدمة، فالتكرار للتأكيد، ﴿قُتِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر معطوف على نظيرتها المتقدمة، وجملة ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ مؤكدة أيضًا لنظيرتها المتقدمة، فتلخص أن جملتي ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ متحدتان، وإنما كرر للتأكيد.
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿نَظَرَ﴾ فعل ماض وفاعل مستر، معطوف على ما قبله، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف، ﴿عَبَسَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ما قبله، ﴿وَبَسَرَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ﴿عَبَسَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ﴿أَدبَرَ﴾ فعل ماض، معطوف على ﴿عَبَسَ﴾، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ معطوف على ﴿أَدْبَرَ﴾، ﴿فَقَالَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿قال﴾ فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿سِحْرٌ﴾ خبر، وجملة ﴿يُؤْثَرُ﴾ صفة لـ ﴿سِحْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنْ﴾ نافية، ﴿هَذَا﴾
стр. 14192
مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿قَوْلُ الْبَشَر﴾ خبر والجملة أيضًا في محل النصب مقول قال ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ السين حرف استقبال، ﴿أصليه﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، ﴿سَقَرَ﴾ مفعول ثان، والجملة بدل من قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَدْرَاكَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر تقديره: ﴿هو﴾ يعود على ﴿مَا﴾، ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر لـ ﴿ما﴾ الاستفهامية؛ أي: أي شيء أعلمك والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿مَا سَقَرُ﴾ ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، و ﴿سَقَرَ﴾ خبره، والجملة سادّة مسدّ المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾ المعلقة عن العمل بالاستفهام، وقد مرّ نظيره في الحاقة. ﴿لَا﴾ نافية، ﴿تُبْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿سَقَرَ﴾، ﴿وَلَا تَذَرُ﴾ معطوف على ﴿لا تبقى﴾، ومفعولاهما محذوفان تقديرهما: لا تبقي لحمًا ولا تذر عظمًا أو غير ذلك من التقادير التي مرت لك، وجملة إلا تبقي مستأنفة، أو في محل النصب حال من ﴿سَقَرَ﴾، والعامل فيها معنى التهويل والتعظيم لأمرها، لأن الاستفهام بقوله: ﴿مَا سَقَرُ﴾ للتعظيم، فالمعنى: استعظموا ﴿سَقَرَ﴾ حال كونها ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾. ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي لوّاحة، ﴿لِلْبَشَرِ﴾ متعلق بـ ﴿لَوَّاحَةٌ﴾، والجملة حال ثانية من ﴿سَقَرَ﴾، وقرىء ﴿لواحةً﴾ بالنصب على أنه حال من ﴿سَقَرَ﴾ أو من الضمير المستكن في ﴿لَا تُبْقِي﴾ أو من الضمير في ﴿لا تذر﴾. واختار الزمخشري نصبه على الاختصاص. ﴿عَلَيْهَا﴾ خبر مقدم، ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ مبتدأ مؤخر في محل الرفع مبني على فتح الجزئين، بني الجزء الأول لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا لافتقاره إلى الجزء الثاني، وبني الجزء الثاني لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا لتضقنه معنى حرف العطف، وإنما حركا ليعلم أن لهما أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركيب. والجملة الاسمية في محل النصب حال ثالثة أو مستأنفة.
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾ نافية، ﴿جَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾ مفعول أول ومضاف إليه، ﴿إلا﴾ أداة حصر، ﴿مَلَائِكَةً﴾ مفعول ثان، والجملة مستأنفة، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول
стр. 14193
أوّل، ﴿إلا﴾ أداة حصر، ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثان على حذف مضاف؛ أي: سبب فتنة. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿فِتْنَةً﴾، أو صفة لها، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جرّ وتعليل، ﴿يستيقن﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام ﴿كي﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾ الثاني، وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: فعلنا ذلك ليستيقن الذين أوتوا الكتاب. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فعل ماض ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة صلة الموصول، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، ﴿إِيمَانًا﴾ مفعول به، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَرْتَابَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يزداد﴾، ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، صلة الموصول، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، معطوف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾، ﴿في قُلُوبِهِم﴾ خبر مقدم، ﴿مَرَضٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ معطوف على الموصول، ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم موصول في محل الرفع خبر، وجملة ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: أراده الله. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾، ﴿بِهَذَا﴾ متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾، ﴿مَثَلًا﴾ تمييز لـ ﴿هذا﴾.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف، والتقدير: يضلّ الله إضلالًا مثل ذلك، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: من يشاء إضلاله، ﴿وَيَهْدِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُضِلُّ﴾، ﴿مَن﴾ مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾ نافية، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل
стр. 14194
مضارع، ﴿جُنُودَ رَبِّكَ﴾ مفعول به، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿هُو﴾ ضمير للمفرد المنزه عن الذكررة والأنوثة والغيبة في محل الرفع فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿هِىَ﴾ ضمير منفصل في محل الرفع مبتدأ، والضمير يعود إلى ﴿سَقَرَ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، ﴿ذِكْرَى﴾ خبر ﴿للبشر﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يعلم﴾، ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر، ﴿وَالْقَمَرِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جرّ وقسم، ﴿القمرِ﴾ مقسم به مجرور بواو القسم الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالقمر، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَاللَّيْلِ﴾ جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، والتقدير: وأقسم بالليل، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضي متعلق بفعل القسم المحذوف، وجملة ﴿أَدْبَرَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَالصُّبْحِ﴾ مجرور بواو القسم، متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالصبح، ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بفعل القسم، وجملة ﴿أَسْفَرَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿إِنَّهَا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَإِحْدَى﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿إحدى الكبرِ﴾ خبر ﴿إنّ﴾ والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿نَذِيرًا﴾ حال من ﴿إحدى الكبر﴾، ﴿لِلْبَشَرِ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِيرًا﴾، ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾، وجملة ﴿شَاءَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿مِنْكُمْ﴾ حال من فاعل ﴿شَاءَ﴾، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يَتَقَدَّمَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ معطوف على ﴿يَتَقَدَّمَ﴾، وجملة ﴿يَتَقَدَّمَ﴾ مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿شَاءَ﴾. أي: لمن شاء منكم تقدّمه إلى الخير أو تأخره عنه.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مبتدأ ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿رَهِينَةٌ﴾، وجملة ﴿كَسَبَتْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ هو الموصولة، ﴿رَهِينَةٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ مستثنى متصل، أو منقطع على الخلاف المذكور عندهم، منصوب، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ حال من ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم كائنون في جنات، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة إما حال
стр. 14195
ثانية، أو خبر ثان للمبتدأ المحذوف، ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ متعلق بـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، وجملة قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، تقديره: يتساءلون عن المجرمين حال كونهم قائلين لهم: ما سلككم أنها المجرمون في نار سقر؟ ﴿مَا﴾ اسم استفهام للاستفهام التوبيخيّ المضمّن للتعجب من حالهم في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿سَلَكَكُمْ﴾ من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل الرفع خبر عن ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿فِي سَقَرَ﴾ متعلق بـ ﴿سَلَكَكُمْ﴾.
﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَمْ نَكُ﴾ ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم، ﴿نَكُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف؛ لأنّها تحذف من مضارع كان المجزوم لكثرة استعمالها إذا لم يلها ساكن، واسمها ضمير مستتر تقديره: نحن. ﴿مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ خبرها، والجملة الناسخة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿وَلَمْ نَكُ﴾ جازم وفعل ناقص واسمه المستتر، وجملة ﴿نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل النصب خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكون﴾ في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَكُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿نَخُوضُ﴾ خبره، والجملة الناقصة معطوفة على ما قبلها أيضًا، ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ مع ظرف زمان باعتبار التكلم متعلق بـ ﴿نَخُوضُ﴾، ﴿الْخَائِضِينَ﴾ مضاف إليه، ﴿وَكُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه، معطوف على ما تقدم، وجملة ﴿نُكَذِّبُ﴾ خبره، ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ متعلق بـ ﴿نُكَذِّبُ﴾، ﴿حَتَّى﴾ حرف جرّ وغاية، والغاية للأمور الأربعة الآنفة، ﴿أَتَانَا﴾ فعل ماض ومفعول به مقدم في محل النصب بأن المضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، ﴿الْيَقِينُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية مع أنْ المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى إتيان اليقين والموت إيّانا، الجار والمجرور تنازع فيه كل من الأكوان الأربعة السابقة. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿تَنْفَعُهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول به، ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ فاعل، ومضاف إليه والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾.
стр. 14196
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿ما﴾ اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَهُمْ﴾ خبر لـ ﴿ما﴾ الاستفهامية، ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾، و ﴿مُعْرِضِينَ﴾ حال من ضمير ﴿لهم﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿حُمُرٌ﴾ خبره، ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ صفة لـ ﴿حُمُرٌ﴾، والجملة التشبيهية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿مُعْرِضِينَ﴾ فهي حال متداخلة، ﴿فَرَّتْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿حُمُرٌ﴾، ﴿مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿فَرَّتْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿حُمُرٌ﴾. ﴿بَل﴾ حرف إضراب وانتقال عن محذوف، هو جواب الاستفهام السابق، كأنّه قيل: فلا جواب لهم عن هذا السؤال؛ أي: لا سبب لهم في الإعراض بل يريد إلخ. ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع، ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ فاعل، ومضاف إليه، ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة ﴿امْرِئٍ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أَن﴾ حرف نصب، ﴿يُؤْتَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾، ﴿صُحُفًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿يُؤْتَى﴾، ﴿مُنَشَّرَةً﴾ صفة ﴿صُحُفًا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب، على أنه مفعول به لـ ﴿يُرِيدُ﴾، تقديره: بل يريد كلّ امرىء منهم إيتاء صحف منشرة.
﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.
﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر عن الإرادة المذكورة، ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وانتقال لبيان سبب هذا التعنت، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به والجملة الإضرابية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿كَلَّا﴾ حرف ردع وزجر عن الإعراض، ﴿إِنَّه﴾ ناصب واسمه؛ أي: القرآن. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿شَاءَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف تقديره: فمن شاء أن
стр. 14197
يذكره، ﴿ذَكَرَهُ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب شرط لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الشرطية، ﴿إلَّا﴾ أداة استثناء من أعمّ العلل، أو من أعمّ الأحوال، كما مرّ. ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله ذكرهم، أو لعلة من العلل إلا لعلة مشيئة الله ذكرهم. ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المنزه عن المذكورة والأنوثة، والغيبة في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾ خبره ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ معطوف على ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾. والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾؛ أي: يا أيها الذي لبس الدثار، وهو ما فوق الشعار الذي يلي الجسد، وأصله: المتدثّر، أدغمت التاء بعد قلبها دالاًّ في الدال، كما مر في المزمل. ﴿قُمْ﴾ من مضجعك واترك التدثّر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له، وهو الإنذار اهـ خطيب.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾؛ أي: خصّص ربك بالتكبير والتعظيم عما لا يليق به من النقائص والشركاء. ﴿وَثِيَابَكَ﴾ الياء في ﴿ثيابك﴾ مبدلة من واو؛ لأن أصله: ثواب، فأبدلت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة. ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الراء وضمّها بمعنى وحد، يراد بهما الأصنام والأوثان. ﴿النَّاقُورِ﴾ فاعول من النقر، وهو الصوت كالجاسوس من التجسّس، والمراد به هنا الصور، وهو القرن. ﴿شُهُودًا﴾ جمع شاهد، مثل: قاعد وقعود، وشهده كسمعه: حضره؛ أي: بنين حضورًا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم، لا يفارقونه للتصرّف في عمل أو تجارة، كما مرّ.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ التمهيد في الأصل: التسوية والتهيئة، ويتجوز به عن بسط المال والجاه. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾ أصله: أزيد بوزن أفعل، نقلت حركة الياء إلى الزاي فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ. ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقال: عند إذا
стр. 14198
خالف الحق ورده عارفًا به، فهو عنيد وعاند، يعني: منكرًا. والمعاندة: المفارية والمجانبة والمعارضة بالخلاف كالعناد. والعنيد هنا بمعنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير بمعنى المجالس والمؤاكل والمعاشر. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ قال الراغب: رهقه الأمر إذا غشيه بقهر، يقال: رهقته وأرهقته مثل: ردفته وأردفته وتبعته وأتبعته، ومنه: أرهقت الصلاة؛ أي: أخرتها حتى غشي وقت الأخرى. والصعود: العقبة الشاقّة، ويستعار لكلّ مشاق. والمعنى: سأكلّفه كرهًا بدل ما يطمعه من الزيادة ارتقاء عقبة شاقّة المصعد، كما مرّ. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ من التفكير بمعنى التفكر والتأمل.
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ ﴿عَبَسَ﴾ من باب جلس، وبسر من باب دخل كما في "المختار" فيهما. وفي "السمين": قوله: ثمّ عبس يعبس عبسا وعبوسًا؛ أي: قطب وجهه، "يقال: قطب بين عينيه إذا جمع، وبابه: ضرب وجلس". والعبس: ما يبس في أذناب الإبل من البعر والبول، ويقال: بسر يبسر بسرًا وبسورًا إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء، واسودّ وجهه، منه يقال: وجه باسر؛ أي: منقبض أسود، وأهل اليمن يقولون: بسر المراكب، وأبسر إذا وقف، وأبسرنا؛ أي: صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر؛ أي: متناول من غدير قبل سكونه، ومنه: قيل للذي لم يدرك من الثمر بسر.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ يقال: أثرت الحديث أثره أثرًا إذا حدّث به عن قوم في آثارهم؛ أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل ثمّ كان بمعنى الرواية عمّن كان، وحديث مأثور؛ أي: منقول ينقله خلف عن سلف، وأدعية ماثورة؛ أي: مروية عن الأكابر. ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾؛ أي: أدخله جهنم، لما قال في "الصحاح": سقر اسم من أسماء النار، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾؛ أي: محرقة لظاهر الجلد، وهي بناء مبالغة، وفيها معنيان، كما مرّ أحدهما من لاح يلوح؛ أي: ظهر؛ أي: إنها تظهر للبشر، وثانيهما وهو الأرجح أنّها من لوّحه؛ أي: غيّره وسوّده. والبشر: جمع بشرة كثمر وثمرة، وهو ظاهر الجلد. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصله: يزتيد بوزن يفتعل، أبدلت تاء الافتعال دالًا وأبدلت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أصله: يرتَيبْ بوزن يفتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها
стр. 14199
بعد فتح. ﴿أُوتُوا﴾ أصله: أؤتيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمّة على الياء فحذفت، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين. ﴿جُنُودَ رَبِّكَ﴾؛ أي: جموع خلقه، جمع جند بالضمّ، وهو العسكر، وكلّ مجتمع وكلّ صنف من الخلق على حدة. ﴿وَاللَّيْلِ﴾ وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. ﴿وَالصُّبح﴾ قال في "القاموس": الصبح: الفجر أو أوّل النهار، والجمع أصباح. وفي "المفردات": الصبح والصباح: أوّل النهار، وهو وقت ما أحمرّ الأفق بحاجب الشمس. ﴿إِذَا أَسْفَرَ﴾؛ أي: ضاء وانكشف. قال الراغب: السفر: كشف الغطاء، ويختصّ ذلك بالأعيان، نحو: سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه، والأسفار يختص باللون، نحو: والصبح إذا أسفر؛ أي: أشرق لونه ووجهه. وفي "قوت القلوب": الفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس، وهو بريق بياضها الذي تحت الحمرة، وهو الشفق الثاني على ضدّ غروبها؛ لأن شفقها الأول من العشاء هو العمرة بعد الغروب وبعد العمرة البياض، وهو الشفق الثاني من أوّل الليل، وهو آخر سلطان شعاع الشمس، وبعد البياض سواد الليل وغسقه، ثم ينقلب ذلك على الضدّ، فيكون بدء طلوعها الشفق الأول وهو البياض، وبعده العمرة وهو شفقها الثاني، وهو أوّل سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس. فالفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه أرض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المشرفة العالية، ويظهر شعاعها منتشرًا إلى وسط الدنيا عرضًا مستطيرًا انتهى.
﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ والكبر: جمع الكبرى، جعلت ألف التأنيث كتائه وألحقت بها، فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها، وإلا ففعلى لا تجمع على فعل، بل على فعالى كحبلى وحبالى. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾؛ أي: لبني آدم، سمّوا بشرًا لبدوّ بشرتهم؛ أي: خلوّها عن الشعر. ﴿بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال الراغب: ﴿رَهِينَة﴾ إنّه فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ثابتة مقيمة. وقيل بمعنى مفعول؛ أي: كل نفس مقامة في جزاء ما قدّم من عملها، ولما كان الرهن يتصور من حبسه أستعير ذلك للمحتبس أي شيء كان. ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ سمّوا بهم؛ لأنهم يأخذون كتبم بأيمانهم. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ من سلكت الخيط في الإبرة سلكًا؛ أي: أدخلته فيها، فهو من السلك بمعنى الإدخال، لا من السلوك بمعنى الذهاب. ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أصله: نكون، هذا قبل نقل حركة الواو إلى الكاف؛ لأنّ الأصل:
стр. 14200
نكون بوزن نفعل، فلما جزم الفعل المضارع الصحيح الآخر سكّن آخره، فصار نكون فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فصار نكن بوزن نفل، ثم حذفت النون حذفًا غير مطرد، فقيل: ﴿نَكُ﴾. وهذه النون يجوز حذفها إلا إذا اتصل بها ضمير نصب، أو كان بعدها ساكن، نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن مالك:
وَمِنْ مُضَارعِ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُوْنٌ وَهْوُ حَذْفٌ مَا التُزِمْ
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ أي: نخالط أهل الباطل في باطلهم، فكلما غوى غاوٍ غوينا معه. ﴿كنا﴾ أصل كان: كون بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح فصار كان ثم أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك "نا" فسكن آخره لذلك فالتقى ساكنان الألف والنون آخر الفعل فحذفت الألف ثم ألغيت حركة فاء الكلمة، وعوض عنها حورة مناسبة لعين الفعل المحذوفة لتدل على العين المحذوفة، هل هي واو أو ياء، فلمّا ضمّت الفاء التي هي الكاف علم أن العين المحذوفة واو لمناسبة الضمّة للواو، وهكذا كلّ أجوف واويّ العين أسند إلى ضمير رفع متحرك. ﴿نَخُوضُ﴾ أصله: ﴿نخوض﴾ بوزن نفعل، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مدّ. ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ فيه إعلال بالإبدال، أصله: الخاوضين من خاض يخوض، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على فعله خاض في الإعلال، حيث قلبت واوه ألفا لتحركها بعد فتح. ﴿أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ أصله: أتينا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾؛ أي: من أسد، وهي فعولة من القسر، وهو القهر والغلبة؛ لأنّه يغلب السباع ويقهرها. ﴿كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ قال في "القاموس": المرء مثلثة الميم: لا الإنسان أو الرجل، ولا يجمع من لفظه، ومع ألف الوصل ثلاث لغات: فتح الراء دائمًا وضمها دائمًا وكسرها دائمًا. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة بمعنى الكتاب. ﴿مُنَشَّرَةً﴾؛ أي: منشورة؛ أي: غير مطوية؛ أي: طرية لم تطو بل تأتينا وقت كتابتها، وهذا من زيادة تعنّتهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 14201
منها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ لإفادة الاختصاص؛ أي: وخصّص ﴿ربّك﴾ وبالتكبير، وفيه رعاية الفواصل، كما في نظائره من الآي.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿عَسِيرٌ﴾ و ﴿يَسِيرٍ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾.
ومنها: تقديم الجارّ على متعلقه في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ للدلالة على التخصيص، فتخصيص العناد بها مع كونه تاركًا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾؛ لأن الصعود حقيقة في العقبة الشاقّة المصعد فاستعير لكل مشاق.
ومنها: الإطناب بتكرار الجملة في قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ لإفادة التأكيد والمبالغة في التشنيع.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾؛ لأنه تأكيد لما قبله، ولذلك خلي من العاطف.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ لإفادة التهويل والتفظيع منها.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، لأنّه تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان، فإن نفي ضد الشيء بعد إثبات وقوعه أبلغ في الإثبات كما مرّ.
ومنها: التعبير عن الذين آمنوا باسم الفاعل في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة من الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وبين ﴿يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾.
стр. 14202
ومنها: تخصيص الإنس في قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ مع أنها تذكرة للجن أيضًا؛ لأنهم هم الأصل في القصد بالتذكرة.
ومنها: المقابلة بين ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾، وبين ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ تفخيمًا لشأنها بأنها بلغت غاية لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها.
ومنها: تأخير قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ عمّا قبله مع كونه أعظم جناياتهم؛ إذ هو تكذيب بالقيامة وإنكارها كفر، والأمور الثلاثة المتقدمّة فسق لتفخهيم هذه الجناية، وللترقّي من القبيح إلى الأقبح، ولبيان كون تكذيبهم به مقارنًا لسائر جناياتهم المعدودة قبله مستمرًّا إلى آخر عمرهم، كما مرّ.
ومنها: أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾، حيث شبههم بالحمر المستنفرة في إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه.
وفي ذلك مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا توى مثل نفار حمار الوحش وإطرادها في العدو إذا خافت من شيء.
ومنها: الإيجاز بحذف بعض الجمل في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾؛ أي: قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾، فحذف اعتمادًا على فهم المخاطبين.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ تعظيمًا لشأنه وتفخيمًا له؛ أي: كلّا إن هذا القرآن تذكرةٌ بليغةٌ كافيةٌ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 14203
خلاصة ما في هذه السورة من الموضوعات
١ - وصفه ﷺ بالتدثّر، وأمره بالإنذار والتكبير والطهارة واجتناب الأوثان والصبر.
٢ - التصريح بعسر يوم القيامة على الكافرين، والتعريض بيسره على المؤمنين.
٣ - ذكر قصة الوليد بن المغيرة مع النبي ﷺ وتهديده بعذاب سقر.
٤ - ذكر كون أصحاب النار المدبرين لها ملائكة وبيان عدتهم.
٥ - جعل عدتهم فتنة للكافرين وزيادة لايمان المؤمنين.
٦ - بيان كون الإضلال والهداية بيد الله .
٧ - بيان كثرة جنود الله تعالى حتى لا يعلم عدّتهم أحد إلا الله سبحانه.
٨ - بيان قسمه سبحانه بما شاء من مخلوقاته.
٩ - بيان كون كلّ نفس مرهونة بعملها.
١٠ - بيان تساؤل أصحاب اليمين عن أحوال المجرمين توبيخًا لهم مع بيان جواب المجرمين عن سؤالهم.
١١ - تشبيه المجرمين بالحمر المستنفرة في إعراضهم عن القرآن وشرادهم عن استماعه.
١٢ - بيان أن الشفاعة لا تنفع الكافرين.
١٣ - بيان أن القرآن تذكرة لمن ذكره (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14204
سورة القيامة
سورة القيامة مكّية بلا خلاف، نزلت بعد سورة القارعة. وأخرج (١) ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل" من طرق عن ابن عباس قال: نزلت سورة القيامة وفي لفظ سورة لا أقسم بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت سورة لا أقسم بمكة.
وآيها: تسع وثلاثون أو أربعون آية. وكلماتها (٢): مئة وتسع وتسعون كلمة. وحروفها: ستّ مئة واثنان وخمسون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها (٣): أنه ذكر في السورة السابقة قوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾، وكان عدم خوفهم منها لإنكارهم للبعث، وذكر هنا الدليل عليه بأتمّ وجه، فوصف يوم القياة وأهواله وأحواله. ثم ما قبل ذلك من خروج الروح من البدن، ثمّ ما قبل ذلك من مبدأ الخلق.
عبارة أبي حيان (٤): مناسبتها لما قبلها: أنَّ في ما قبلها ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾، وفيها كثير من أحوال القيامة، فذكر هنا يوم القيامة وجملًا من أحوالها انتهى.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال ابن حزم: سورة القيامة جميعها محكم إلا قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، نسخ معناها لا لفظها بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ الآية (٦) من سورة الأعلى اهـ.
والله أعلم
стр. 14205
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.
المناسبة
تقدم لك آنفًا بيان المناسبة بين هذه السورة، والتي قبلها، ثم اعْلمْ أن الله سبحانه أقسم بعظمة القيامة، وبالنفس الطموحة إلى الرقي الجانحة إلى العلوّ التي لا تصل إلى مرتبة إلا طلبت ما فوقها، ولا إلى حال إلا أحبّت ما تلاها. إن هناك حالًا أخرى للنفس تنال فيها رغائبها في عالم أكمل من هذا العالم عالم السعادة الروحية للمطيعين، وعالم الشقاء للجاحدين المعاندين. وهذا القسم، وأمثاله لم يطرق آذان العرب من قبل، فهم كانوا يقسمون بالأب والقمر والكعبة ونحو ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (١) أن المنكر للقيامة والبعث معرض عن
стр. 14206
آيات الله منكر لعظيم قدرته، وأنه سائر في غلوائه غير مكترث بما يصدر منه، أردفه بذكر حال من يثابر على تعلم آيات الله وحفظها وتلقنها والنظر فيها وعرضها على من ينكرها رجاء قبوله إياها ليظهر بذلك تباين حال الفريقين من يرغب في تحصيل آيات الله، ومن يرغب عنها، وبضدّها تتبين الأشياء.
ثم عاد إلى ذكر السبب في إنكار البعث، وهو حب بني آدم للعاجلة وتركهم للآخرة، ثم ذكر ما يكون في ذلك اليوم من استبشار المؤمنين، وبسور المشركين، وملاقاتهم للشدائد والأهوال، وظنّهم أن ستتراكم عليهم الدواهي التي تكسر فقار ظهورهم.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لمّا ذكر أحوال يوم القيامة، وما يرى فيها من عظيم الأهوال، ووصف سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء. بين أن الدنيا لها نهاية ونفاد، ثم تكون مرارة الموت وآلامه، وأن الكافر قد أضاع الفرصة في الدنيا، فلا هو صدق بأوامر دينه، ولا هو أدّى فرائضه، ثم أقام الدليل على صحة البعث من وجهين:
١ - أنه لا بد من الجزاء على صالح الأعمال وسيّئها، وثواب كل عامل بما يستحق، وإلا تساوى المطيع والعاصي، وذلك لا يليق بالحكيم العادل جلّ وعلا.
٢ - أنّه كما قدر على الخلق الأول وأوجد الإنسان من منى يمنى فأهون عليه أن يعيده خلقًا آخر.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما روي أن عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله ﷺ عن يوم القيامة متى يكون؟ وما حاله وما أمره؟. فأخبره به فقال: لو عاينت ذلك اليوم .. لم أصدّقك، ولم أومن بك، أو يجمع الله هذه العظام. فنزلت هذه الآيات، ولهذا كان النبيّ ﷺ يقول: "اللهم اكفني شر جاري السوء" يعني: عديَّ بن ربيعة والأخنس بن شريق".
قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري بسنده قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن
стр. 14207
عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١ ٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدّةً، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركها لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرّك شفتيه. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، قال: جمعه له في صدره ويقرؤه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه. والحديث أخرجه مسلم والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي، وأحمد، وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه النسائي بسنده عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ أشيءٌ قاله رسول الله ﷺ من قبل نفسه أم أمره الله به؟ قال: بل قاله رسول الله لأبي جهل من قبل نفسه، ثم أنزله الله . وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبي كبشة أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؛ فأوحى الله تعالى إلى رسوله أن يأتي أبا جهل فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ ﴿لا﴾ صلة (١) لتوكيد القسم، وما كان لتوكيد مدخوله لا يدل على النفي، وإن كان في الأصل للنفي، قال الشاعر:
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِيْ صَبَابَةٌ ... وَكَادَ ضَمِيْرُ الْقَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
أي: يتقطع. وزيادتها في كلام العرب كثير كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يعني: أن تسجد. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾. وقيل: هي للنفي لكن لا لنفي نفس الإقسام بل لنفي ما ينبىء هو عنه من إعظامه المقسم به وتفخيمه، كأن معنى لا أقسم بكذا لا أعظمه بإقسامي به حق إعظام، فإنه حقيق بأكثر من ذلك
стр. 14208
وأكثر. أو لنفي كلام معهود قبل القسم ورده، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا؛ أي: ليس الأمر كذلك ثم قيل: أقسم بيوم القيامة كقولك: لا والله إن البعث حق. وأما ما قيل: من أن المعنى نفي الإقسام لوضوح الأمر، فيأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به. والقول الأول هو أرجح الأقوال هنا.
قال المغيرة بن شعبة: يقولون: القيامة القيامة، وإنما قيامة أحدهم موته. وشهد علقمة جنازة فلما دفن قال: أمّا هذا فقد قامت قيامته. ونظمه بعضهم:
خَرَجْتُ مِنَ الدُّنيا وقامَتْ قِيَامَتِي ... غَداةً أَقَلَّ الحَامِلُونَ جِنَازَتِي
وقرأ الحسن (١) وابن كثير في رواية عنه، والزهري، وابن هرمز "لأقسم" بدون ألف على أن اللام لام الابتداء، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.
٢ - ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ ذهب قوم إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، كما أقسم بيوم القيامة، فيكون الكلام في ﴿لا﴾ هذه كالكلام في الأولى، وهذا قول الجمهور. وقال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوّامة. قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا. وقال في "عين المعاني": القسم (٢) بالشيء تنبيه على تعظيمه، أو على ما فيه من لطف الصنع وعظم النعمة، وتكرير ذكر القسم تنبيه على أن كلا من المقسم به مقصود مستقل بالقسم. لما أن له نوع فضل يقتضي ذلك. واللوم: عذل الإنسان بنسبة ما فيه لوم، ومعنى ﴿النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره أو تلوم جميع النفس على تقصيرها.
قال الحسن (٣): هي والله نفس المؤمن، لا يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا ما أردت بكذا، والفاجر لا يعاتب نفسه. وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم فتلوم نفسها على الشر لم فعلته وعلى الخير لم تركته. وقال الفرّاء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا، وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرًا قالت: هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءًا قالت: ليتني لم أفعل. وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس، فيكون الإقسام بها حسنًا سائغًا. وقيل: اللوامة
стр. 14209
هي الملومة المذمومة، فهي صفة ذمّ. وبهذا احتج من نفى أن يكون قسمًا، إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به. وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله، والأول أولى.
قال الفاشاني (١): جمع بين القيامة والنفس اللوامة في القسم بهما تعظيمًا لشأنهما وتناسبًا بينهما؛ إذ النفس اللوامة هي المصدّقة بها المقرة بوقوعها المهيئة لأسبابها؛ لأنها تلوم نفسها أبدًا في التقصير والتقاعد عن الخيرات، وإن أحسنت لحرصها على الزيادة في الخير وأعمال البر تيقنا بالجزاء، فكيف بها إن أخطات وفرطت وبدرت من بادرة غفلة ونسيانًا نتهى. هذا، ودع عنك القيل والقال هنا.
٣ - وجواب القسم محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ وهو ليبعثن.
والمعنى: أقسم لك يا محمد بقيام القيامة ولوم النفس اللوامة ليبعثن الخلائق للمجازاة على أعمالهم. والاستفهام في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ﴾ لإنكار الحساب الواقع من الإنسان واستقباحه. والحسبان: الظن، والمراد بالإنسان الجنس، والإسناد إلى الكل بحسب البعض كثير. وقيل: الكافر. و ﴿أنّ﴾ مخففة من الثقيلة، وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف. والعظام: جمع عظم، وهو قصب الحيوان الذي عليه اللحم. وخص العظام بالذكر؛ لأنها قالب النفس لا يستوي الخلق إلا باستوائها.
والمعنى (٢): أيحسب الإنسان الذي ينكر البعث أن الشأن والحال لن نجمع عظامه البالية، فإن ذلك حسبان باطل، فإنّا نجمعها بعد تشتتها ورجوعها رميمًا ورفاتًا مختلطًا بالتراب، وبعدما نسفتها الرياح وطيرتها في أقطار الأرض وألقتها في البحار لمجازاته بما عمل في الدنيا. وقرأ الجمهور (٣) ﴿نَجْمَعَ﴾ بالنون، ﴿عِظَامَهُ﴾ بالنصب. وقرأ قتادة بالتاء مبنيًا للمفعول، و ﴿عظامه﴾ بالرفع.
٤ - وقوله: ﴿بَلَى﴾ إيجاب لما ذكر بعد النفي السابق بقوله: ﴿لن نجمع﴾ وهو الجمع؛ أي: نجمعها حال كوننا ﴿قَادِرِينَ﴾ فهو حال مؤكدة من الضمير المستكن في ﴿نَجْمَعَ﴾ المقدر بعد بلى. ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ﴾ ونركب ﴿بَنَانَهُ﴾؛ أي: أصابعه ومفاصله؛
стр. 14210
أي: نجمع سلامياته، ونضم بعضه إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها، فكيف بكبار العظام؟ وهو جمع سلامى كحبارى، وهي العظام الصغار في اليد والرجل. وقيل: البنان: الأصابع، وهي أكثر العظام تفرقًا وأدقها أجزاء، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها. وهذا عند البعث.
وقرأ الجمهور: ﴿قَادِرِينَ﴾ بالنصب على الحال من الضمير المستكن في الفعل المقدر، أو على أنّه خبر كان المحذوفة؛ أي: بلى كنا قادرين. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن السميفع ﴿قادرون﴾ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: بلى نحن قادرون على أن نسوي بنانه.
ومعنى (١): ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾؛ أي: على أن نجمع بعضها إلى بعض، فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء؟ فنبه سبحانه بالبنان، وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق. فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة. وقال جمهور المفسرين: إن معنى الآية: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا شقوق فيها، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة والحياكة ونحوها، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها. وقيل: المعنى بلى نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها؟ والأول أولى.
٥ - وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ معطوف (٢) على قوله: ﴿أَيَحْسَبُ﴾، إمّا على أنه استفهام مثله وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام، وهذا أبلغ وأولى.
والمعنى: بل يريد الإنسان ليدوم على فجوره وذنبه فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه. فالأمام هنا مستعار للزمان من المكان، فيقدم الذنب ويؤخر التربة. وقال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد
стр. 14211
عمره، وليس في نيّته أن يرجع عن ذنب يرتكبه. قال مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدّي، وسعيد بن جبير: يقول: سوف أتوب، ولا يتوب حتى يأتيه الموت، وهو على أشر أحواله. وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت. واللام في قوله: ﴿لِيَفْجُرَ﴾ للتأكيد مثل قوله: ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ في أنصحكم. و ﴿أن يفجر﴾ مفعول ﴿يُرِيدُ﴾. والفجور أصله: الميل عن الحق، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل، ومنه: قول الأعرابي في حق عمر:
أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُوْ حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
فاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ
وحاصل معنى قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ ...﴾ إلخ؛ أي: (١) أيظن ابن آدم أنه لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرّقها بلى نحن قادرون على ذلك، وأعظم منه، فنحن قادرون على أن نسوي بنانه وأطراف يديه ورجليه، ونجعلهما شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار، فلا يستطيع أن يعمل بها شيئًا مما يعمله بأصابعه المفرّقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال التي تحتاج إلى القبض والبسط والتأني في عمل ما يراد من الشؤون كالغزل والنسج والضرب على الأوتار والعيدان إلى نحو أولئك ..
والخلاصة: إنا لقادرون على جمع العظام وتأليفها وإعادتها إلى مثل التركيب الأول بعد تفرقها وصيرورتها عظامًا ورفاتًا في بطون البحار وفسيح القفار، وحيثما كانت، وعلى أن نسوي أطراف يديه ورجليه ونجعلهما شيئًا واحدًا، فيكون كالجمل والحمار ونحوهما، فيأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب. وفي ذلك خسران كبير له، وتشويه لخلقه، وإفساد لوظيفته التي أعد لها في الحياة. ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾؛ أي: لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على أن يجمع عظامه، لكنه يريد أن يمضي قدمًا في المعاصي لا يثنيه عنها شيء ولا يتوب منها، بل يسّوف بالتوبة، فيقول: أعمل ثم أتوب بعد ذلك.
والخلاصة: أنه انتقل من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال الإنسان
стр. 14212
الحاسب ليكون ذلك أشد في لومه وتوبيخه، كأنه قيل: دع تعنيفه على ذلك، فإنه قد بلغ من أمره أنه يريد أن يداوم على فجوره فيما يستأنف من الزمان، ولا يتخلى عنه.
٦ - ثم علل إرادته دوام الفجور بقوله: ﴿يَسْأَلُ﴾؛ أي: الإنسان سؤال استبعاد واستهزاء ﴿أَيَّانَ﴾ أصله؛ أي آن، وهو خبر مقدم لقوله: ﴿يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: متى يكون يوم القيامة؟ والجملة (١) استئناف تعليلي، كأنه قيل: ما يفعل حين يريد أن يفجر ويميل عن الحق؟ فقيل: يستهزىء ويقول: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. أو حال من الإنسان في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: ليس إنكاره للبعث لاشتباه الأمر وعدم قيام الدليل على صحة البعث بل يريد أن يستمر على فجوره في حال كونه سائلًا متى تكون القيامة؟. فدل هذا الإنكار على أن الإنسان يميل بطبعه إلى الشهوات، والفكرة في البعث تنغّصها عليه، فلا جرم ينكره ويأبى عن الإقرار به. فقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ الخ، دل على الشبهة والجهل، وقوله: ﴿بَل يُرِيدُ﴾ ... إلخ، على الشهوة والتجاهل. فالآيتان بحسب الشخصين.
والمعنى: أي يسأل سؤال متعنت مستبعد متى يكون هذا اليوم؟. ومن أنكر البعث أشد الإنكار .. ارتكب أعظم الآثام، وخب فيها، ووضع غير عابىء بعاقبة ما يصنع ولا مقدر نتائج ما يكتسب. ونحو الآية قوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾، وقوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾.
وقصارى ما سلف: أنهم أنكروا البعث لوجهين:
١ - شبهة تعترض لخاطر كقولهم: إن أجزاء الجسم إذا تفرقت واختلطت بالتراب، وصارت في مشارق الأرض ومغاربها كيف يمكن تمييزها وإعادتها على النحو الذي كانت عليه أوّلًا؟. ولهؤلاء جاء الرد بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾.
٢ - حب الاسترسال في اللذات والاستكثار من الشهوات فلا يود أن يقر
стр. 14213
بحشر ولا بعث حتى لا تتنغص عليه لذاته ولمثل هؤلاء قال ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾.
٧ - وقد ذكر سبحانه من علامات يوم القيامة أمورًا ثلاثة:
١ - فقال ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾؛ أي: تحير واضطرب وجال فزعًا من أهوال يوم القيامة. من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش، ثم استعمل في كل حيرة وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق، وهو واحد بروق السحاب ولمعانه. قال الفرّاء: تقول العرب للإنسان المتحير المبهوت: قد برق. وأنشد:
فَنَفْسَكَ فَانْعِ وَلَا تَنْعَنِيْ ... وَدَاوِ الْكُلُومَ ولا تَبْرَقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم والجروح التي أصابتك. ونحو الآية قوله: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: فإذا تحير البصر ودهش فلم يطرف من شدة الهول، ومن عظم ما يشاهد. وجواب إذا قوله الآتي: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ﴾ الخ.
وقرأ الجمهور (١) ﴿بَرِقَ﴾ بكسر الراء. قال عمرو بن العلاء والزجاج وغيرهما: المعنى تحير فلم يطرف. وقال الخليل والفرّاء ﴿بَرِقَ﴾ بالكسر: فزع وبهت وتحير. وقرأ زيد بن ثابت، ونصر بن عاصم، وعبد الله بن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، والزعفراني، وابن مقسم، ونافع، وزيد بن علي، وأبان عن عاصم، وهارون، ومحبوب كلاهما عن أبي عمرو، والحسن، والجحدري بخلاف عنهما بفتحها؛ أي: لمع بصره من شدة شخوصه للموت. وقال أبو عبيدة: فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى. وقرأ أبو السمال ﴿بَلِقَ﴾ باللام بدل الراء؛ أي: انفتح وانفرج، يقال: بلق الباب وأبلقه إذا فتحه.
٢ - ٨ ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾؛ أي: ذهب ضوءه، فإن خسف يستعمل لازمًا ومتعديًّا، يقال: خسف القمر وخسفه الله، أو ذهب نفسه من خسف المكان؛ أي: ذهب في الأرض، ولكن هذا المعنى لا يناسب ما بعد الآية، أي: ذهب ضوءه كما نعقله من حاله في الدنيا إلا أن الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، وفي الآخرة لا يعود ضوءه.
стр. 14214
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَخَسَفَ﴾ مبنيًا للفاعل. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب، وزيد بن علي مبنيًا للمفعول، يقال: خسف القمر وكسف الشمس قال أبو عبيدة وجماعة من أهل اللغة: الخسوف والكسوف بمعنى واحد. وقال ابن أبي أويس: الكسوف: ذهاب بعض الضوء، والخسوف جميعه.
٣ - ٩ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾. أي: جمع بينهما في الطلوع من المغرب أو في الإلقاء في النار، ليكون حسرة على من يعبدهما. وجاز (٢) تكرار القمر، لأنه أخبر عنه بغير الخبر الأول، ولم يقل: وجمعت؛ لأنّ تأنيث الشمس مجازيّ قاله المبرد. وقال أبو عبيدة: هو لتغليب المذكر على المؤنث. وقال الكسائيّ: حمل على معنى جمع النيران. وقال الزجاج والفرّاء: ولم يقل: جمعت؛ لأنّ المعنى: جمع بينهما في ذهاب نورهما. وقيل: جمع بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين على ما رويَ عن ابن مسعود، وقد كان هذا مستحيلًا في الدنيا، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى. وقيل: تجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار. وقرأ ابن مسعود ﴿وجمع بين الشمس والقمر﴾.
١٠ - ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ المنكر للقيامة، وهو العامل في ﴿إذا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تقع هذه الأمور قول الآيس من حيث إنه لا يرى شيئًا من علامات ممكنة للفرار، كما يقول من أيس من وجدان زيد: أين زيد حيث لم يجد علامة إصابته. ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾؛ أي: أين الفرار، والمفر مصدر بمعنى الفرار. قال الفرّاء: يجوز أن يكون موضع الفرار. قال الماوردي: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله سبحانه استحياء منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذرًا منهما.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ بفتح الميم والفاء مصدرًا؛ أي: أين الفرار. وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب، والحسن بن زيد، وابن عباس، والحسن،
стр. 14215
وعكرمة، وأيوب السختياني، وكلثوم بن عياض، ومجاهد، وابن يعمر، وحماد بن سلمة، وأبو رجاء، وعيسى، وابن أبي إسحاق، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، والزهريّ بفتح الميم وكسر الفاء على أنه اسم مكان؛ أي: أين مكان الفرار. وقال الكسائيّ: هما لغتان مثل: مَدَبٍّ وَمدِبٍّ وَمَصَحّ ومِصَحٍّ. وقرأ الزهريّ أيضًا والحسن بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار، وأكثر ما يستعمل هذا الوزن في الآلات، وفي صفات الخيل، كقول امرىء القيس:
مِكَرٍّ مِفِرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعَا ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
أي: جيد الفر والكر.
والمعنى (١): أي يقول الإنسان حينئذٍ لدهشته وحيرته: أين المفر من جهنم؟ وهل من ملجأ منها؟.
١١ - فأجيبوا حينئذ ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم من طلب المفر وتمنيه. ﴿لَا وَزَرَ﴾؛ أي: لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من الله سبحانه. وقال ابن جبير: لا محيص ولا منعة. والظاهر: أنّ قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ من قول الله تعالى. وجوّز (٢) أن يكون من قول الإنسان لنفسه، وهو بعيد. وخبر ﴿لا﴾ محذوف؛ أي: لا ملجأ ثمة أو في الوجود. والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه الإنسان من جبل أو حصن أو غيرهما، ومنه قول طرفة:
وَلَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنَّنَا ... فَاضِلُوا الرَّأْي وَفِي الرَّوْعِ وَزَرْ
وقال الآخر:
لَعَمْرِيَ مَا لِلَفَتَى مِنْ وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ وَالكِبَرْ
أي: لا ملجأ للفار من الموت والكبر؛ إذ كل منهما من الأمر الإلهي والأمر المحكم القضاء المبرم يدرك الإنسان لا محالة. قال السدي: كانوا إذا فزعوا في الدنيا تحصنوا بالجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم منى يومئذٍ. و ﴿كَلَّا﴾ للردع أو لنفي ما قبلها أو بمعنى حقًا. ونحو الآية قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.