← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14281–14320 · переход к 14286.

стр. 14281

والمعنى (١): أي إنَّ هذه السورة بما فيها من ترتيب بديع ونسق عجيب ووعد ووعيد وترغيب وترهيب .. تذكرة للمتأمّلين وتبصرة للمستبصرين، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة .. فليتقرب إلى ربه بالطاعة ويتبع ما أمره به وينته عما نهاه عنه، ليحظى بثوابه ويبتعد عن عذابه. ٣٠ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ تحقيق (٢) للحقّ ببيان أن مجرد مشيئتهم غير كافية في اتخاذ السبيل، كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية، و ﴿أَن﴾ مع الفعل في حكم المصدر الصريح في قيامه مقام الظرف. والمعنى: وما تشاؤون اتخاذ السبيل الموصلة إلى النجاة، ولا تقدرون على تحصيلها في وقت من الأوقات إلّا وقت مشيئته تعالى تحصيلها لكم؛ أي: إلا إذا وفّقكم الله سبحانه لاكتسابها، وأعدّكم لنيلها إذ لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب، وإنّما التأثير والخلق لمشيئة الله تعالى، فمشيئة العبد وحدها لا تأتي بخير ولا تدفع شرًّا، وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة، ويؤجر على قصد الخير، كما في حديث "إنما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرىء ما نوى". غاية ما في الباب أن المشيئة ليست من الأفعال الاختيارية للعبد، بل هي متوقّفة على أن يشاء الله إيّاها. وذلك لا ينافي كون الفعل الذي تعلقت به مشيئة العبد اختياريًا له واقعًا بمشيئته، وإن لم تكن مشيئته مستقلة فيه. قال في "عين المعاني": قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ إلخ، حجة تكليف العبوديّة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ إلخ، إظهار قهر الألوهية. وقرأ العربيان (٣): أبو عمرو وابن عامر، وابن كثير ﴿وما يشاءون﴾ بياء الغيبة. وباقي السبعة بتاء الخطاب. قال الزمخشري: فإن قلت: ما محل ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؟ قلت: النصب على الظرف، وأصله: إلا وقت مشيئة الله تعالى. وكذلك قرأ ابن مسعود ﴿إلا ما يشاء الله﴾ لأنَّ ﴿ما﴾ مع الفعل كأن معه انتهى، وفيه خلاف. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أي: إن الله عليم بمن يستحقّ الهداية، فييسرها له ويقيض له أسبابها، ومن هو أهل للغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة

стр. 14282

البالغة، والحجة الدامغة. وهذا (١) بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة؛ أي: إنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة، فيفعل ما يستأهله كل أحد، فلا يشأ لهم إلا ما يستدعيه علمه وتقتضيه حكمته. ٣١ - ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ فيهديه ويوفّقه للطاعة بحسب استعداده. وهذا بيان لأحكام مشيئته المرتبة على علمه وحكمته؛ أي: يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، وهو الذي يصرّف مشيئته نحو اتخاذ السبيل إليه تعالى حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة. ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ وهم الذين صرفوا مشيئتهم إلى خلاف ما ذكر؛ أي: والذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، فماتوا على شركهم ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾؛ أي: هيّأ لهم في الآخرة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: متناهيًا غاية الإيلام؛ أي: عذابًا مؤلمًا موجعًا، هو عذاب جهنم وبئس المصير. قال الزجاج: نصب ﴿الظالمين﴾ لأنّ ما قبله منصوب؛ أي: يدخل من يشاء في رحمته ويعذّب الظالمين، ويكون ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ تفسيرًا لهذا المضمر. وختم (٢) الله سبحانه السورة بالعذاب المعدّ يوم البعث والحشر ففيه حسن الاختتام لموافقته الابتداء على ما لا يخفى على أهل العقل والفهم. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ نصبًا بإضمار فعل يفسّره قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ تقديره: ويعذّب الظالمين، وهو من باب الاشتغال عطف جملة فعلية على جملة فعلية. وقرأ ابن الزبير، وأبان بن عثمان، وابن أبي عبلة ﴿والظالمون﴾ عطف جملة اسمية على فعلية، وهو جائز حسن. وقرأ عبد الله ﴿وللظالمين﴾ بلام الجرّ، وهو متعلق بـ ﴿أعدّ﴾ لهم توكيدًا، ولا يجوز أن يكون من باب الاشتغال، ويقدّر فعل يفسره الفعل الذي بعده، فيكون التقدير: وأعدّ للظالمين، وأعدَّ لهم. وهذا مذهب الجمهور، وفيه خلاف ضعيف مذكور في النحو، فتقول: يزيد مررت به، ويكون التقدير: مررت يزيد مررت به، ويكون من باب الاشتغال، والمحفوظ المعروف عن العرب نصب الاسم وتفسير مررت المتأخّر، وما أشبهه من جهة المعنى فعلًا ماضيًا.

стр. 14283

الإعراب ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾. ﴿هَلْ﴾ هنا بمعنى قد التحقيقية، فليست للاستفهام؛ لأنّ الاستفهام محال على الله تعالى. وقيل: للاستفهام التقريري، والجواب مقدّر، تقديره: نعم. ﴿أَتَى﴾ فعل ماض، ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ متعلق به، ﴿حِينٌ﴾ فاعل، ﴿مِنَ الدَّهْرِ﴾ صفة لـ ﴿حِينٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم، ﴿يَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الْإِنْسَانِ﴾، ﴿شَيْئًا﴾ خبرها، ﴿مَذْكُورًا﴾ صفة ﴿شَيْئًا﴾، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ في محل النصب حال من الإنسان، أي: حال كونه غير مذكور، أو في محل الرفع صفة لـ ﴿حِينٌ﴾ كقوله: ﴿يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، ﴿أَمْشَاجٍ﴾ نعت لـ ﴿نُطْفَةٍ﴾، وجملة ﴿خَلَقْنَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان كيفية خلق الإنسان ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾؛ أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له، أو حال من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، وصحّ ذلك لأنّ في الجملة ضميرين كلّ منهما يعود على صاحب الحال. ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنةً إن كان المعنى: نبتليه بتصريفه في بطن أمّه نطفةً ثم علقةً، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ نختبره بالتكليف؛ لأنه وقت خلقه غير مكلف. ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ الفاء: عاطفة للترتيب مع التعقيب، ﴿جعلناه﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل، معطوف على ﴿خَلَقْنَا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ مفعول به ثان وقد نزلت الكلمتان منزلة الكلمة الواحدة؛ لأنهما كناية عن التمييز والفهم، إذ آلتهما سبب لذلك، وهما أشرف الحواس تدرك بهما أعظم المدركات. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿هَدَيْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الابتلاء، ﴿السَّبِيلَ﴾ مفعول به ثان لـ ﴿هدينا﴾، أو في محل نصب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿هدينا﴾. ﴿إِمَّا﴾ حرف تفصيل، ﴿شَاكِرًا﴾ حال من الهاء في ﴿هَدَيْنَاهُ﴾،

стр. 14284

﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِمَّا﴾ على ﴿إِمَّا﴾ الأولى، ﴿إِمَّا﴾ حرف عطف وتفصيل، ﴿كَفُورًا﴾ معطوف على ﴿شَاكِرًا﴾. أي: مكّنّاه وأقدرناه على حالتيه جميعًا. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ أَعْتَدْنَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ وجملة ﴿إنّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، مسوقة لتعليل ما قبلها أيضًا، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾، ﴿سَلَاسِلَ﴾ مفعول به، ومنع من الصرف، لأنّه على صيغة مفاعل، وقرىء بالصرف للمناسبة مع ﴿أَغْلَالًا﴾، وهما قراءتان سبعيتان، كما سبق. ﴿وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ معطوفان على ﴿سَلَاسِلَ﴾. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَشْرَبُونَ﴾ خبرها، ﴿مِنْ كأَسٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَشْرَبُونَ﴾، ومفعول ﴿يَشْرَبُونَ﴾ محذوف؛ أي: خمرًا من كأس، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الجرّ صفة لـ ﴿كأَسٍ﴾، ﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿كَافُورًا﴾، أو من محل ﴿مِنْ كأَسٍ﴾، أو مفعول ﴿يَشْرَبُونَ﴾ أو منصوب على الاختصاص، وقيل: غير ذلك. وجملة ﴿يَشْرَبُ﴾ صفة لـ ﴿عَيْنًا﴾، ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿يشَرَبُ﴾، ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ فاعل ﴿يشَرَبُ﴾ ﴿يُفَجِّرُونَهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿تَفْجِيرًا﴾ مفعول مطلق والجملة في محل النصب حال من ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾. ﴿يُوفُونَ﴾ فعل وفاعل، ﴿بِالنَّذْرِ﴾ متعلق بـ ﴿يُوفُونَ﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: بم استحقوا ذلك النعيم؟ فقيل: ﴿يُوفُونَ﴾ إلخ. ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿يُوفُونَ﴾، ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يُوفُونَ﴾، ﴿عَلَى﴾ حرف جر بمعنى مع، ﴿حُبِّهِ﴾ مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ الجار والمجرور حال من فاعل ﴿يطعمون﴾؛ أي: حال كونهم محبين له، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، والضمير لـ ﴿الطَّعَامَ﴾ كما مرّ. ﴿مِسْكِينًا﴾ مفعول

стр. 14285

ثان لـ ﴿يطعمون﴾، ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ معطوفان على ﴿مِسْكِينًا﴾. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ كافّ ومكفوف، ﴿نُطْعِمُكُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿نُطْعِمُكُمْ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الإطعام، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿نُرِيدُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نُرِيدُ﴾، ﴿جَزَاءً﴾ مفعول به، ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ معطوف عليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نُطْعِمُكُمْ﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿نَخَافُ﴾ خبره، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ﴾. ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ متعلق بـ ﴿نَخَافُ﴾، ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به، ﴿عَبُوسًا﴾ نعت ﴿يَوْمًا﴾، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ نعت ثان لـ ﴿يَوْمًا﴾، ﴿فَوَقَاهُمُ﴾ الفاء: عاطفة سببية، ﴿وقاهم الله﴾ فعل ماض ومفعول مقدم، وفاعل مؤخّر، ﴿شَرَّ﴾ مفعول ثان، ﴿ذَلِكَ﴾ مضاف إليه، ﴿الْيَوْمِ﴾ بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ عطف مسبب على سبب؛ أي: فبسبب خوفهم وقاهم الله إلخ. ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿وقاهم﴾، ﴿نَضْرَةً﴾ مفعول به ثان، ﴿وَسُرُورًا﴾ معطوف على ﴿نَضْرَةً﴾، ﴿وَجَزَاهُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿وقاهم﴾ أيضًا، ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿جزاهم﴾، و ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: بسبب صبرهم، ﴿صَبَرُوا﴾ فعل وفاعل و ﴿ما﴾ وما بعدها في محل جر بالإضافة ﴿جَنَّةً﴾ مفعول به ثان، ﴿وَحَرِيرًا﴾ معطوف على ﴿جَنَّةً﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من مفعول ﴿جزاهم﴾، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وجملة ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ حال ثانية من مفعول ﴿جزاهم﴾، ولك أن تجعلها حالًا من الضمير في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَرَوْنَ﴾، ﴿شَمْسًا﴾ مفعول به لـ ﴿يَرَوْنَ﴾، والرؤية بصرية تتعدّى إلى مفعول واحد، ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ معطوف على ﴿شَمْسًا﴾، ﴿وَدَانِيَةً﴾ معطوف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، ودخلت الواو للدلالة على أنّ الأمرين يجتمعان

стр. 14286

لهم كأنّه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين السلامة من الحرّ والقرّ، وبين دنوّ الظلال عليهم. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿دانية﴾، ولا بد من تضمين على معنى ﴿من﴾، لأنّ الدنوّ لا يتعدى بـ ﴿على﴾، وإنما لم يقل منهم لأن الظلال عالية عليهم، ﴿ظِلَالُهَا﴾ فاعل ﴿دانية﴾، ومضاف إليه ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿قُطُوفُهَا﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه ﴿تَذْلِيلًا﴾ مفعول مطلق، والجملة معطوفة على ﴿دانية﴾، لأنّه في تأويل الفعل؛ أي: وأدنيت عليهم، فهي في محل نصب على الحال؛ أي: مذلّلة. وإنما خولف بعطف الفعلية على الاسمية للإشارة إلى أن التظليل أمر دائم لا يزول؛ لأنها لا شمس فيها بخلاف التذليل، فإنه أمر متجدّد طارىء. ﴿وَيُطَافُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، معطوف على ﴿ذللت﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يطاف﴾، ﴿بِآنِيَةٍ﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يطاف﴾؛ لأنّه هو المفعول به في المعنى، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿آنية﴾، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ معطوف على ﴿آنية﴾ من عطف الخاصّ على العامّ، ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الأكواب﴾، ﴿وقواريرا﴾ خبرها، وجملة ﴿كَانَتْ﴾ في محل الجرّ صفة لـ ﴿أكواب﴾، ويجوز أن تكون كان تامّة، فيكون ﴿قَوَارِيرَا﴾ حالًا، ﴿قَوَارِيرَا﴾ الثاني بدل من ﴿قَوَارِيرَا﴾ الأول، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ نعت لـ ﴿قَوَارِيرَا﴾، وجملة ﴿قَدَّرُوهَا﴾ نعت ثان لـ ﴿قَوَارِيرَا﴾، ﴿تَقْدِيرًا﴾ مفعول مطلق. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾. ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، والواو: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يطاف﴾، ﴿فِيَها﴾ متعلق بـ ﴿يسقون﴾، ﴿كَأْسًا﴾ مفعول به ثان، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ صفة لـ ﴿كَأْسًا﴾، ﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿كَأْسًا﴾ أو منصوب على الاختصاص، ﴿فِيهَا﴾ صفة لـ ﴿عَيْنًا﴾ وجملة ﴿تُسَمَّى﴾ نعت ثان لـ ﴿عَيْنًا﴾، ﴿تُسَمَّى﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر، تقديره: هي، يعود على ﴿عَيْنًا﴾، ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿تُسَمَّى﴾. ﴿وَيَطُوفُ﴾ فعل مضارع معلوم، معطوف على ما قبله، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يطوف﴾، ﴿وِلْدَانٌ﴾ فاعل، ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ نعت لـ ﴿وِلْدَانٌ﴾، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بالجواب الآتي، ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجرّ بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول

стр. 14287

أول، ﴿لُؤْلُؤًا﴾ مفعول ثان، ﴿مَنْثُورًا﴾ صفة لـ ﴿لُؤْلُؤًا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، أو صفة ثانية لـ ﴿لُؤْلُؤًا﴾. ﴿وإذا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط، ﴿رَأَيْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان مختصّ بالمكان البعيد، متعلق بـ ﴿رَأَيْتَ﴾، وليس لـ ﴿رَأَيْتَ﴾ مفعول ظاهر ولا مقدر لإشاعة الرؤية وتعميمها كأنه قيل: وإذا أوجدت الرؤية ثمّ، والمعنى: وإذا صدرت منك الرؤية في ذلك المكان رأيت، وجملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى أو مستأنفة. ﴿نَعِيمًا﴾ مفعول به لـ ﴿رَأَيْتَ﴾ الثانية، ﴿وَمُلْكًا﴾ معطوف على ﴿نَعِيمًا﴾، ﴿كَبِيرًا﴾ صفة ﴿ملكا﴾. ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾. ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ظرف مكان بمعنى فوقهم، منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مبتدأ مؤخّر، ومضاف إليه، ﴿خُضْرٌ﴾ صفة لـ ﴿ثِيَابُ﴾، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ معطوف على ﴿ثِيَابُ﴾ على حذف مضاف؛ أي: ثياب استبرق. والجملة في محل النصب صفة بعد صفة لـ ﴿وِلْدَانٌ﴾. وقيل: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ حال من الضمير في قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ فاعل لـ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ويطوف عليهم ولدان حال كونهم عاليًا للمطوف عليهم ثياب سندس. أو حال من الهاء في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾؛ أي: حسبتهم لؤلؤًا عاليًا لهم ثياب سندس إلخ. وهنا أوجه واختلاف بين المعربين فراجع المطولات. ﴿وَحُلُّوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿حلوا﴾ فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾. وجاز عطف الماضي على المضارع، لأنّه مستقبل المعنى، وللإيذان بتحققه؛ لأنه بمعنى يحلون. ﴿أَسَاوِرَ﴾ مفعول به، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿أَسَاوِرَ﴾، ﴿وَسَقَاهُمْ﴾ فعل ومفعول به، معطوف على ﴿حلوا﴾، ﴿رَبُّهُمْ﴾ فاعل، ﴿شَرَابًا﴾ مفعول به ثان لـ ﴿سقاهم﴾، و ﴿طَهُورًا﴾ نعت ﴿شَرَابًا﴾. ﴿إنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مقول لقول محذوف تقديره: ويقال لأهل الجنة: إن هذا كان لكم جزاءً إلخ. واسم ﴿كَانَ﴾ ضمير يعود على ﴿هَذَا﴾ تقديره: هو ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَزَاءً﴾،

стр. 14288

و ﴿جَزَاءً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على ﴿كَانَ﴾ الأولى. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿نَحْنُ﴾ تأكيد لاسم ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿نَزَّلْنَا﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾، ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿نَزَّلْنَا﴾، و ﴿الْقُرْآنَ﴾ مفعول به، ﴿تَنْزِيلًا﴾ مفعول مطلق، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ولك أن تجعل ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿نَزَّلْنَا﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إنّ﴾. ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك. اصبر. ﴿اصبر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿اصبر﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾ ناهية جازمة، ﴿تُطِعْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿اصبر﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، ﴿آثِمًا﴾ مفعول به، ﴿أَوْ﴾ حرف عطف، ﴿كَفُورًا﴾ معطوف على ﴿آثِمًا﴾. وإنما جنح إلى ﴿أو﴾ دون الواو لإفهام النهي عن طاعتهما معًا. ﴿وَاذْكُر﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على فـ ﴿اصبر﴾، ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ظرفان متعلقان بـ ﴿اذكر﴾، والمراد الدوام على الصلاة في أوقاتها. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿اسجد﴾، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: اسجد وصلّ له بعض الليل، ﴿فَاسْجُدْ﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط المقدر تقديره: ومهما يكن من شيء فاسجد له. ﴿اسجد﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿اسجد﴾، وجملة ﴿اسجد﴾ في محل الجزم جواب الشرط المقدر، وجملة الشرط معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾. ﴿وَسَبِّحْهُ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿فَاصْبِرْ﴾، ﴿لَيْلًا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿سبحه﴾، ﴿طَوِيلًا﴾ صفة ﴿لَيْلًا﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)

стр. 14289

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسمها، ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها من الأمر والنهي. ﴿وَيَذَرُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يُحِبُّونَ﴾، ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ ظرف مكان بمعنى قدّام وأمام، متعلق بمحذوف حال من ﴿يَوْمًا﴾، و ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿ثَقِيلًا﴾ صفة ﴿يَوْمًا﴾، ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقْنَاهُمْ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿خَلَقْنَاهُمْ﴾. ﴿وَإِذَا شِئْنَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿شِئْنَا﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: تبديلهم، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، ﴿تَبْدِيلًا﴾ مفعول مطلق، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿شِئْنَا﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿اتَّخَذَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب الشرط لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾ متعلق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾، وهو في موضع المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾ نافية، ﴿تَشَاءُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: وما تشاؤون الطاعة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء من أعمّ الظروف، أو أعمّ الأحوال، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أنْ﴾ المصدرية، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع ما في حيّزها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه، والتقدير: وما تشاؤون في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله، أو بإضافة الحال إليه؛ أي: وما تشاؤون في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿كَانَ﴾ فعل

стр. 14290

ناقص واسمها ضمير مستتر فيها، ﴿عَلِيمًا﴾ خبرها، ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثان لها، ﴿يُدْخِلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة أو في محل النصب حال من اسم ﴿كَانَ﴾، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء هدايته، ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُدْخِلُ﴾، ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الظالمين﴾ منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسّره المذكور بعده، قدّره أبو البقاء: ويعذّب الظالمين. والجملة معطوفة على جملة ﴿يُدْخِلُ﴾، وجملة ﴿أَعَدَّ﴾ جملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به، ﴿أَلِيمًا﴾ صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ الحين: زمان مطلق، ووقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر. وفي "المفردات": الحين: وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم، ويتخصّص بالمضاف إليه نحو: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. ﴿الدَّهْرِ﴾ الزمان الطويل. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: من مادّة، هي شيء يسير جدًّا من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة اهـ خطيب. وفي "المصباح": نطف الماء ينطف من باب قتل: سأل. وقال أبو زيد: نطفت القربة وتنطف وتنطف من بأبي: ضرب ونصر نطيفًا إذا قطرت من وهي. والنطفة: ماء الرجل والمرأة، وجمعها نطف ونطاف، مثل: برمةٍ وبرم وبرام. والنطفة أيضًا: الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة؛ أي: لا يستعمل لها فعل من لفظها اهـ. ﴿أَمْشَاجٍ﴾؛ أي: أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين. جمع مشج كسبب وأسباب أو ككتف وأكتاف أو كعدلٍ وأعدال. أو جمع مشيج كشريف وأشراف. ووقع الجمع صفة لمفرد؛ لأنّه في معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك، فوصف بالجمع. وفي "المختار": مشج بينهما: خلط، وبابه: ضرب، والشيء مشيج، والجمع أمشاج كيتيم وأيتام، ويقال: نطفة أمشاج لماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها، وعبارة الزمخشري: نطفة أمشاج كبرمة أعشار وبرد أكباشٍ، وهي ألفاظ مفردة غير جموع، ولذلك وقعت صفة للأفراد اهـ. وفي "القرطبي" والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان، وكل منهما

стр. 14291

مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص، تجتمع من الأخلاط، وهي العناصر الأربعة. ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، أيّهما علا كان الشبه له اهـ. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ قال الراغب: الكفور يقال في كافر النعمة وكافر الدين. ﴿سَلَاسِلَ﴾ جمع سلسلة بكسر أوّله، وفي "القاموس". السلسلة بالفتح: إيصال الشيء بالشيء، وبالكسر: دائرة من حديد ونحوه ﴿وَأَغْلَالًا﴾ جمع غلّ بالضمّ، وهو ما تطوق به الرقبة للتعذيب. ﴿إِنَّ الْأَبْرَار﴾ جمع برّ كربّ وأرباب، أو جمع بارّ كشاهد وأشهاد، وهو من يبر خالقه؛ أي: يطيعه، يقال: بررته أبره كعلمته وضربته. وفي "المفردات": البر خلاف البحر، وتصور منه التوسح، فاشتقّ منه البر؛ أي: التوسع في فعل الخير، وبر العبد ربه: توسع في طاعته. ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ يقال: مزج الشراب: خله، ومزاج البدن: ما يمازجه من الصفراء والسوداء والبلغم والدم والكيفيات المناسبة لكلّ منها. ﴿كَافُورًا﴾ والكافور: طيب معروف يطيب به الأكفان والأموات لطيب رائحته. واشتقاقه من الكفر، وهو الستر؛ لأنّه يغطي الأشياء برائحته، وفي "القاموس": الكافور: طيب معروف يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين، يظل خلقًا كثيرًا؛ وتألفه النمورة، وخشبه أبيض انتهى. والكافور أيضًا: كمام الشجر التي تغطي ثمرتها. ﴿عَيْنًا﴾ والعين الجارية، ويقال لمنبع الماء تشبيهًا بها في الهيئة وفي سيلان الماء فيها. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ والإيفاء بالشيء: هو الإتيان به تامًّا وافيًا. والنذر: التزام قربة ليست واجبة في أصل الشرع تقرّبًا إلى الله تعالى. وأصل ﴿يُوفُونَ﴾ يوفيون بوزن يفعلون، استثقلت الضمّة على الياء، فحذفت فلما سكنت التقى ساكنان فحذفت الياء وضمّت الفاء لمناسبة الواو. ﴿وَيَخَافُونَ﴾ أصله: يخوفون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت، لكنّها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ قال في "القاموس" المستطير: الساطع المنتشر، يقال: استطار الفجر إذا انتشر، وهو أبلغ من طار كاستغفر من غفر، وأصله: مستطير بوزن مستفعل، نقلت حركة الياء إلى الطاء، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ. وفي السمين: قوله: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ المستطير: المنتشر، يقال: استطار يستطير استطارة فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران.

стр. 14292

﴿وَأَسِيرًا﴾ من الأسر، وهو الشد بالقد بكسر القاف، وهو من السير مِنَ الجلد، سمي الأسير بذلك ثمّ قيل لكل مأخوذ: مقيد؛ وإن لم يكن مشدودًا بذلك. ﴿عَبُوسًا﴾؛ أي: يومًا تعبس فيه، وتكلح وجوه أهله من طوله وشدّته، فوصف اليوم بالعبوس مجازٌ في الإسناد، كما يقال: نهاره صائم ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ القمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. قال الزجاج: يقال: قمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطربها وزقت بأنفها، فاشتقه من القطر، وجعل الميم زائدة. وفي "القاموس": يوم قمطرير شديد، وأقمطر: اشتد. ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ﴾ أصله: وقيهم بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أصله: لقيهم بوزن فعل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أصله جزيهم بوزن فعل. قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، والهمزة فيه مبدلة من الياء الموجودة في المفرد المؤنث حيث وقعت حرف مد ثالثًا زائدًا. ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾ أصله: يرأيون، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقاء الساكنين الألف وواو الجماعة. ﴿شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ والزمهرير: شدّة البرد، وازمهر اليوم: اشتد برده. ﴿وَدَانِيَةً﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: دانوة من الدنوّ، قلبت الواو ياء لتطرّفها إثر كسرة. ﴿ظِلَالُهَا﴾ والظلال جمع ظل بالكسر، نقيض الضّحّ. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ جمع قطف بكسر القاف وسكون الطاء بمعنى العنقود، يقال: قطفت العنب إذا قطعت عنقوده، وسمي العنقود قطفًا لأنّه يقطف ويقطع وقت الإدراك. ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ من طاف يطوف طوفًا وطوافًا وطوفانًا إذا دار. أصله: يطوف بوزن يفعل مبنيًّا للمجهول، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت لكنها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. ﴿بِآنِيَةٍ﴾؛ أي: بأوعية، جمع إناء، والأواني جمع الجمع. وأصل ﴿آنية﴾ أأنية بوزن أفعلة بهمزتين، الأولى منهما مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفًا وجوبًا، نظيره من معتل اللام: كساء وأكسية وغطاء وأغطية، ومن صحيح اللام: حمار وأحمرة اهـ سمين. ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب، وهو الكوز العظيم المدور الذي لا أذن له ولا عروة كما مرّ. ﴿كَانَتْ

стр. 14293

قَوَارِيرَا﴾ جمع قارورة، وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف. وقيل: هو خاص بالزجاج. ولما كان رأس آية، وكان التعبير بالقوارير مما أفهم أنها من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة قال تعالى معيدًا للفظ أول الآية الثانية للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج، وبيانًا لنوعها: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾؛ أي: فجمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها ولينها اهـ خطيب. ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾ أصلها: يسقيون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿زَنْجَبِيلًا﴾ والزنجبيل عرق يسري في الأرض، ونباته كالقصب كما مر. ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ أصل ﴿تُسَمَّى﴾ تسمي بوزن تفعل قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. والسلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق للذة طعمه وطيب رائحته وصفاء لونه. قال في "الكواشي": هو لفظ مفرد بوزن فعلليل كدردبيس، وقيل: وزنه فعفليل؛ لأن الفاء مكررة، وهو اسم أعجمي نكرة، فلذلك صرف. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أصله: يطوف بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر ضمّة فصارت حرف مدّ. ﴿وِلْدَانٌ﴾ جمع وليد، وهو من قرب عهده بالولادة كما مرّ. ﴿لُؤْلُؤًا﴾ يجمع على اللآلىء يقال: تلألأ الشيء إذا لمع لمعان اللؤلؤ. ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ والملك بالضمّ: هو التصرف في المأمورين بالأمر والنهي، ومنه: الملك. وأمّا الملك بالكسر فهو التصرف في الأعيان المملوكة بحسب المشيئة، ومنه: المالك. ﴿عَالِيَهُمْ﴾ قرىء بفتح الياء على أنه ظرف بمعنى فوقهم، والياء فيه منقلبة عن واو لتطرّفها إثر كسرة. وقرىء ﴿عاليهم﴾ بإسكان الياء، ويقال فيه أيضًا قلبت الواو ياء؛ لأنّه من العلو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة ثم سكنت وصارت حرف مدّ. ﴿ثِيَابُ﴾ الياء فيه مبدلة من واو لوقوعها إثر كسرة ﴿سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رق من الحرير، فهو البطائن جمع بطانة. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ وهو ما غلظ من الحرير، وهو الظهائر جمع ظهارة. ﴿وَحُلُّوا﴾ أصله: وحليوا بوزن فعلوا، استثقلت الضمّة على الياء فحذفت فلمّا سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمّت اللام لمناسبة الواو. ﴿وَسَقَاهُمْ﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: سقيهم بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ الهمزة فيه مبدلة من ياء، أصله: جزاي أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ أصله: تطوع بوزن تفعل، نقلت حركة الواو إلى

стр. 14294

الطاء فسكنت الواو، ثم دخل الجازم، وهو ﴿لا﴾ الناهية فسكنت آخر الفعل فالتقى ساكنان فحذفت الواو، فصار ﴿تطع﴾. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾؛ أي: قوينا أسرهم. والأسر كما في "القاموس": الشدّة والغضب وشدّة الخلق والخلق، وشددنا أسرهم؛ أي: مفاصلهم. وفي "المختار" (١): وأسره من باب ضرب؛ أي: شده بالإسار بوزن الإزار، وهو النقد بالكسر، وهو سير يقد من جلد غير مدبوغ، ومنه سمي الأسير؛ لأنهم كانوا يشدونه بالقد، فسمي كل مأخوذ أسيرًا وإن لم يشد به، وأسره الله: خلقه، وبابه: ضرب، ومنه: وشددنا أسرهم؛ أي: خلقهم. والأسر بالضم: احتباس البول كالحصر في الغائط، وأسرة الرجل: أهله لأنه يتقوى بهم. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ لزيادة التقرير. ومنها: وصف المفرد بالجمع في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ فإنه وصف النطفة مع كونه مفردًا بالجمع، وهو أمشاج؛ لأن المراد بها مجموع الماءين: ماء الرجل وماء المرأة. ومنها: الطباق بين ﴿شَاكِرًا﴾ و ﴿كَفُورًا﴾ وبين ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وبين ﴿شَمْسًا﴾ و ﴿زَمْهَرِيرًا﴾. ومنها: التعبير بصيغة اسم الفاعل في قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا﴾، وبصيغة المبالغة في قوله: ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حيث لم يقل: إما شاكرًا وإما كافرًا أو لم يقل: إما شكورًا وإما كفورًا. للدلالة على قلة من يتصف بالشكر وكثرة من يتصف بالكفر، ولرعاية الفاصلة أيضًا. ومنها: التعبير بصيغة المبالغة في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ إشارة إلى كمال إحسانه إليه وتمام إنعامه عليه. ومنها: اللفُّ والنشر المشوش في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ إلخ،

стр. 14295

حيث قدّم أوّلًا ذكر الشاكر ثم الكفور في قوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ثم عاد بالذكر على الثاني دون الأول. ففيه لف ونشر غير مرتب. ومنها: إيراد الشاكرين بعنوان البر في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السَّنِيّة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، وفي قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾. ومنها: الجناس الناقص بين قوله: ﴿فَوَقَاهُمُ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾. ومنها: المجاز العقليّ في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ حيث أسند العبوس إلى اليوم مع كونه من صفة أهله، فهو من إسناد الشيء إلى زمانه كنهاره صائم وليله قائم. والمعنى هنا: تعبس فيه الوجوه من طوله وشدّته، كما في "الخازن". ومنها: الإتيان بصيغة المبالغة في قوله: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ للدلالة على المبالغة في طهارته ونظافته. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾؛ أي: كاللؤلؤ المفرق المنتشر. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾؛ أي: يقال لهم: إنّ هذا إلخ. ومنها: الطباق بين ﴿يُحِبُّونَ﴾ و ﴿يَذَرُونَ﴾. ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، قابل بين المحبة والترك، وبين العاجلة والباقية. ومنها: إيراد صيغة الماضي مرادًا به المستقبل في قوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾؛ أي: يحلون منها إشارة لتحقق وقوعه. ومنها: التعبير عن المجازاة بالشكر في قوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾؛ لأنَّ الشكر مجاز عن المجازاة. ومنها: تقديم الظرف على متعلقه في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ للاهتمام به، لما في صلاة الليل من مزيد كلفةٍ وإخلاص.

стр. 14296

ومنها: الإتيان بالفاء في هذا التركيب لإفادة معنى الشرط، كأنّه قال: مهما يكن من شيء فاسجد له، ففيها وكادة أخرى لأمرها. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾؛ لأنّ الوراء هنا مستعار لمعنى الأمام. ومنها: الاستعارة التصريحية التخييلية في قوله: ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، فقد استعير الثقل لشدّة ذلك اليوم وهو له من الشيء الثقيل الباهط لحامله، مثله: قوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. خطأ وقياس في غير محله: هذا ومن المضحك: أن بعضهم علق على قوله: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾، فقال: هذه الآية رد على عدم ما قاله أهل علم المعاني والبيان: إن الجمع بين الحاء والهاء مثلًا يخرج الكلمة من فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: كَرِيْمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ وَالْوَرَى ... مَعَيْ وَإِذَا مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِيْ وهذا خطأ من الناقد الذي ظن أنه يبرىء القرآن الكريم من العيوب المخلة بالفصاحة بشجبه، لما قرره علماء البلاغة. وقياس في غير محله، فالفرق بين الآية والبيت واضح، وهو أن تكرار أمدحه هو الذي أخرجه عن مهيع الفصاحة لا مجرد اجتماع الحاء والهاء، واذن فالآية سليمة من تنافر الحروف. قال الشيخ مخلوف الميناوي في "حاشيته" على شرح الشيخ أحمد الدمنهوري لمتن الإمام الأخضري: فإن منشأ الثقل هو تكرار أمدحه لا مجرد الجمع لوقوعه بين الحاء والهاء في التنزيل، نحو: ﴿فَسَبِحْهُ﴾. والله أعلم * * *

стр. 14297

خلاصة ما تضمه هذه السورة من الموضوعات اشتملت هذه السورة الكريمة على أربعة مقاصد: ١ - خلق الإنسان. ٢ - جزاء الشاكرين والجاحدين. ٣ - وصف الجنة والنار. ٤ - أمر النبي ﷺ بالصبر، وذكر الله تعالى، والتهجد بالليل (١). والله أعلم * * *

стр. 14298

سورة المرسلات سورة المرسلات مكية في (١) قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. قال قتادة: إلّا آية منها، وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾، فإنها مدنيّة. وروي هذا عن ابن عباس، وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ بمكة. وأخرج البخاري؛ ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبيّ ﷺ في غار بمنى إذ نزلت سورة المرسلات عرفًا، فإنّهُ ليتلوها، وإنيّ لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية، فقال النبيّ ﷺ : اقتلوها، فابتدرناه فذهبت، فقال النبي ﷺ : وقيت شركم كما وقيتم شرها. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن ابن عباس؛ أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفًا، فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها آخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. وعدد آيها (٢): خمسون آية، نزلت بعد سورة الهمزة، ومئة وثمانون كلمة، وثمان مئة وستة عشر حرفًا. ومناسبتها لما قبلها (٣): أنه هنا أقسم على تحقيق ما تضمنته السورة قبلها من وعيد الفجّار ووعد المؤمنين الأبرار. وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها ظاهرة جدًّا، وهو أنه تعالى يرحم من يشاء ويعذّب الظالمين، فهذا وعد منه صادق، فأقسم على وقوعه في هذه فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ انتهى. وقال محمد بن حزم: سورة المرسلات كلّها محكم اهـ. * * *

стр. 14299

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. المناسبة ابتدأت (١) السورة الكريمة بقسم الله سبحانه بطوائف من الملائكة، منهم المرسلون إلى الأنبياء بالإحسان، والمعروف ليبلغوه للناس، ومنهم الذين يعصفون ما سوى الحق ويبعدونه كما تبعد العواصف التراب وغيره، ومنهم الذين ينشرون آثار رحمته في النفوس الحيّة، ومنهم الذين يفرقون بين الحق والباطل، ومنهم الملقون العلم والحكمة للإعذار والإنذار من الله. على أن يوم القيامة لا ريب فيه، وحين تمحق أنوار النجوم وتشقق السماء، وتنسف الجبال، ويعين للرسل الوقت الذي يشهدون فيه على أممهم، ويفصل بين الخلائق إبّانَ العرض والحساب يكون

стр. 14300

الخزي والعذاب على الكافرين المكذّبين. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لمّا حذر الكافرين، وخوّفهم بأن يوم الفصل كائن لا محالة، وأقسم لهم بملائكته المقرّبين ورسله الطاهرين بأنه يوم سيكون، وأن فيه من الأهوال ما لا يدرك كنهه إلا علام الغيوب .. أردف ذلك بتخويفهم بأنه أهلك الكفار قبلهم بكفرهم، فإذا سلكتم سبيلهم فستكون عاقبتكم كعاقبتهم، وستعذبون في الدنيا والآخرة. ثم أعقبه بتخويفهم بنكران إحسانه إليهم، فإنه قد خلقهم من ماء مهين في قرار مكين إلى زمن معلوم، ثم أنشاهم خلقًا آخر، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروا نعم الله عليهم، فكفروا بها، وأنكروا وحدانيته، وعبدوا الأصنام والأوثان. ثم ذكرهم بنعمه في الآفاق؛ إذ خلق لهم الأرض، وجعلها تضمهم أحياء وأمواتًا، وجعل فيها الجبال لئلا تميد بهم، وجعل فيها الأنهار والعيون، ليشربوا منها ماءً عذبًا زلالًا. فويل لمن كفر بهذه النعم العظام. قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن للمكذّبين بالله وأنبيائه واليوم الآخر العذاب في يوم الفصل والجزاء .. بيَّن هنا نوع العذاب بما يحار فيه أولو الألباب، وغير من هوله كل مخبت أواب. فأخبر بأنهم يؤمرون بالانطلاق إلى ما كانوا يكذّبون به في الدنيا إلى ظل دخان جهنم المتشعب لكثرته وتفرقه إلى ثلاث شعب عظيمة، وهو لا يظلهم ولا يمنع عنهم حر اللهب المتكون من نار ترمي بشرر كأنه القصر المشيد علوًّا وارتفاعًا، وكأنه الجمال الصفر انبساطا وتفرّقًا عن غير أعداد محصورة وحركة غير معيّنة. ثم أخبر بأن الويل للمكذبين بهذا اليوم يوم لا ينطقون من شدّة الدهشة والحيرة، ولا يؤذَن لهم في الاعتذار فيعتذرون يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ويقال لهم على سبيل التأنيب والتقريع: إن كنتم تستطيعون أن تدفعوا عن أنفسكم شيئًا من العذاب فهلموا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) ما يحل بالكفار من الخزي والنكال

стр. 14301

يوم القيامة .. أردفه بذكر ما يكون للمؤمنين من السعادة والكرامة حينئذٍ، فهم يكونون في ترفٍ ونعيم، ويأكلون فواكه مما يشتهون، ويقال لهم: كلوا واشربوا هنيئًا بما قدمتم في الأيام الخالية، وهذا جزاء كل محسن لعمله. ثم خاطب المكذّبين مهدِّدًا لهم، فقال: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾، ولا نصيب لكم في الآخرة لأنكم كافرون. ثم ذكر أن الكفار إذا أمروا بطاعة الله والخشوع له أبوا، وأصروا على ما هم عليه من الاستكبار، فويل لهم مما يعملون، وإذا لم يؤمنوا بالقرآن والنبيّ الذي جاء به مع تظاهر الأدلة على صدقه، فبأي كلام بعده يصدّقون. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤ ٨)﴾ سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن المنذر عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في ثقيف. التفسير وأوجه القراءة ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ . اعلم (٢): أن المفسرين ذكروا في هذه الكلمات الخمس وجوهًا: الأول: أن المراد بأسرها الرياح، ومعنى ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ الرياح التي أرسلت إرسالًا عرفًا؛ أي: إرسالًا متتابعًا كعرف الفرس. وقيل: معنى ﴿عُرْفًا﴾؛ أي: كثيرًا؛ أي: إرسالًا كثيرًا. ٢ - ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾؛ أي: الرياح الشديدة الهبوب؛ أي: فبالرياح التي تعصف عصفًا؛ أي: تهبّ هبوبًا شديدًا. ٣ - ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾؛ أي: فبالرياح التي تنشر نشرًا؛ أي: الرياح اللينة التي تهبّ هبوبًا ليّنًا. وقيل: الرياح التي أرسلها نشرًا بين يدي رحمته. وقيل: الرياح التي تنشر السحاب، وتأتي بالمطر. ٤ - ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾؛ أي: فبالرياح التي تفرّق السحاب وتبدده عند انقطاع المطر. ٥ - ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾؛ أي: فبالرياح التي تلقي في قلوب العباد ذكرًا وخوفًا من الله تعالى. يعني: أن الرياح إذا أرسلت عاصفة شديدة .. قلعت

стр. 14302

الأشجار، وخربت الديار، وغيرت الآثار، فيحصل بذلك خوف للعباد في القلوب، فيلجؤون إلى الله تعالى، ويذكرونه ذكرًا، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر، والمعرفة في القلوب عند هبوبها. ٦ - وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بدل من ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: اللاتي يلقين ذكر الله تعالى في قلوب العباد إما يلقين ﴿عُذْرًا﴾؛ أي: اعتذارًا إلى الله وتوبة في حق الذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث، ويشكرونه. وإمّا يلقين ﴿نُذْرًا﴾؛ أي: إنذارًا وتخويفًا من الله في حق الذين ينسبون ذلك إلى الأنواء، ويشكرونها. والمعنى عليه: أقسم لكم أيها العباد بالرياح المرسلة المطلقة إرسالًا عرفًا؛ أي: متتابعًا أو كثيرًا كعرف الفرس، فبالرياح التي تعصف عصفًا؛ أي: تهب هبوبًا شديدًا، وبالرياح التي تنشر وتبسط السحاب نشرًا بين يدي رحمته، فبالرياح اللاتي تفرق السحاب وتبدده وتعدمه فرقًا وإعدامًا عند انقطاع المطر، فبالرياح التي تلقي في قلوب العباد ذكرا لله تعالى. إما تلقي ﴿عُذْرًا﴾؛ أي: اعتذارًا إليه تعالى بتوبتهم واستغفارهم في حق الشاكرين لنعمه، وإما تلقي ﴿نُذْرًا﴾؛ أي: إنذارًا وتخويفًا من عذابه في حق الكافرين لنعمه؛ أي: أقسم لك بصنوف هذه الرياح المذكورة إن الذي توعدون من البعث والجزاء الواقع لا محالة، وعلى هذا الوجه ذهب ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة. والوجه الثاني: أن المراد بأسرها الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى، وبه قال ابن مسعود في رواية وأبو هريرة، وأبو صالح، ومقاتل، والفرّاء، وابن عباس في رواية. ومعنى ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ الملائكة الذين أرسلوا عرفًا؛ أي: بالمعروف من أمر الله ونهيه، ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ الملائكة تعصف في طيرانهم ونزولهم، وتسرع كعصف الرياح في السرعة، ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ الملائكة الذين ينشرون أجنحتهم، ويبسطونها إذا نزلوا إلى الأرض. وقيل: هم الذين ينشرون الكتب ودواوين الأعمال يوم القيامة. ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾ الملائكة الذين يأتون بما يفترق بين الحق والباطل، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ الملائكة يلقون الذكر؛ أي: الوحي إلى الأنبياء إمّا بالاعتذار والتوبة، وإمّا بالإنذار والتخويف. وقيل: يجوز أن يكون الذكر هو القرآن خاصة، فعلى هذا يكون الملقي هو جبريل وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل

стр. 14303

التعظيم. والمعنى عليه: أقسم لكم أيها العباد بالملائكة الذين أرسلوا بعرف؛ أي: بمعروف؛ أي: الذين أرسلتهم بالإحسان والشرع والمعروف، ليبلّغوا أنبيائي ورسلي، وبالملائكة الذين يعصفون عصفًا كعصف الرياح في السرعة إلى إنفاذ أمر الله أو المبعدين للباطل بسرعة كما تعصف الرياح التراب والتّبْنَ والهباء، وبالملائكة الذين ينشرون أجنحتهم عند النزول إلى الأرض، أو الذين ينشرون دواوين الأعمال يوم القيامة ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾؛ أي: فبالملائكة الذين يأتون بما يفرق بين الحقّ والباطل كإهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين، فبالملائكة الذين يلقون ذكرًا ووحيًا إلى الأنبياء إمّا ﴿عُذْرًا﴾ أو ﴿نُذْرًا﴾؛ أي: إمّا أمرًا أو نهيًا، ويقال: وعدًا أو وعيدًا، ويقال: تبشيرًا بالجنة أو إنذارًا بالعذاب؛ أي: أقسم بهؤلاء الطوائف من الملائكة إنّ ما وعدتم به من قيام الساعة لكائن لا محالة. والوجه الثالث: أنّ المراد بأسرها آيات القرآن. ومعنى ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ آيات القرآن المتتابعة في النزول على محمد ﷺ بكل عرف وخبر ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ يعني آيات القرآن تعصف القلوب وتحركها وتلينها بذكر الوعيد حتى تجعلها كالعصف، وهو النبت المتكسر، ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ يعني: أنّ آيات القرآن تنشر أنوار الهداية والمعرفة في قلوب المؤمنين، ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾ يعني: آيات القرآن تفرّق بين الحق والباطل، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ يعني: آيات القرآن، وهي الذكر الحكيم الذي يلقي الإيمان والنور في قلوب المؤمنين. والمعنى عليه: أقسم لكم يا عبادي بآيات القرآن التي أرسلت وأنزلت على محمد ﷺ بعرف وخير وهداية، فبالآيات التي تعصف وتدق وتلين القلوب بذكر الوعيد، وبالآيات التي تنشر أنوار الهداية والمعرفة في قلوب المؤمنين، فبالآيات الفارقة فرقًا؛ أي: تفرّق فرقًا بين الحق والباطل، فبالآيات التي تلقي ذكرًا؛ أي: نورًا وإيمانًا في قلوب المؤمنين، إما بذكر وعد أو وعيد. إنّما توعدون لواقع لا محالة. والوجه الرابع: أنّه ليس المراد من هذه الكلمات الخمس شيئًا واحدًا بعينه، فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ

стр. 14304

نَشْرًا (٣)﴾ الرياح، ويكون المراد بقوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾ الملائكة. فإن قلت: وما المجانسة بين الرياح والملائكة جمع بينهما في القسم؟ قلت: الملائكة روحانيّون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم شابهوا الرياح، فحصلت المجانسة بينهما من هذا الوجه، فحسن الجمع بينهما في القسم. وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾؛ أي: للإعذار والإنذار من الله تعالى. وقيل: عذرا من الله ونذرًا منه إلى خلقه اهـ من "الخازن" بتصرف. وعبارة "الروح" هنا: قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ إلخ، ﴿الواو﴾: فيه للقسم والمرسلات بمعنى الطوائف المرسلات جمع مرسلة بمعنى طائفة مرسلة باعتبار أن ملائكة كل يوم أو كل عام أو كل حادثة طائفة. ﴿عُرْفًا﴾ بمعنى متتابعة من عرف الفرس، وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه، فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبّهت الملائكة المرسلون في تتابعهم بشعر عرف الفرس. وانتصابه على الحالية؛ أي: وأقسم لكم بالطوائف المرسلة من الملائكة لتدبير العالم حالة كونهنّ جاريات بعضها إثر بعض كعرف الفرس. أو العرف بمعنى المعروف والإحسان، نقيض المنكر بمعنى المنكر؛ أي: الشيء القبيح، فإنهم إن أرسلوا للرحمة فظاهر، وإن أرسلوا لعذاب الكفّار فذلك معروف للأنبياء والمؤمنين. يعني: أنَّ عذاب الأعداء إحسان للأولياء فانتصابه حينئذٍ على العلّية. والمعنى: وأقسم لكم بالطوائف المرسلة من الملائكة إلى الأنبياء لأجل تبليغ العرف والخبر والشرع، وإيصاله إليهم. ويقال: عصفت الريح إذا اشتدّ هبوبها، و ﴿عَصْفًا﴾ مصدر مؤكد، وكذا ﴿نَشْرًا﴾ ﴿فَرْقًا﴾. والفاء في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ للدلالة على اتصال سرعة جريهنّ في نزولهن وهبوطهنّ بالإرسال من غير مهلة، وهي أعني: الفاء لعطف الصفة على الصفة؛ إذ الموصوف متحد. والنشر في قوله: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ بمعنى البسط، والعدول فيه إلى الواو؛ لأنّها غير المرسلات. فالقسم الأول وصفهم الله تعالى بوصفين يتعقب أحدهما على الآخر، والقسم الثاني وصفهم بثلاثة أوصاف كذلك. والفرق والفصل والإلقاء هنا بمعنى الإيصال والإنزال لا الطرح. و ﴿ذِكْرًا﴾ بمعنى الوحي مفعول ﴿الملقيات﴾،

стр. 14305

وترتيب الإلقاء بالفاء ينبغي أن يكون لتأويله برادة النشر والفرق، وسيأتي تمامه نقلًا عن ابن الشيخ. والحاصل: أنه أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهنّ بأوامره بنحو التدبير وإيصال الأرزاق بالتصرّف في الأمطار والرياح وكتابة أعمال العباد بالليل والنهار وقبض الأرواح، فعصفهنّ في مضيّهنّ عصف الرياح مسارعة في الامتثال بالأمر. وبطوائف أخرى نشرن أجنحتهن في الجوّ عند انحطاطهنّ بالوحي؛ أو نشرن الشرائع في الأقطار؛ أي؛ فرَّقن وأشعنَ أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل أي أحيينَ بما أوحين ففرَّقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرًا إلى الأنبياء ﴿عُذْرًا﴾ لأهل الحق؛ أي: معذرة لهم في الدنيا والآخرة لاتباعهم الحقّ. ﴿أَوْ نُذْرًا﴾ لأهل الباطل لعدم اتباعهم الحقّ. وعذرًا مصدر من عذر إذا محا الإساءة، و ﴿نُذْرًا﴾ اسم مصدر من أنذر إذا خوّف، لا مصدر؛ لأنه لم يسمع فعل مصدرًا من أفعل. وانتصابهما على البدلية من ﴿ذِكْرًا﴾. قال ابن الشيخ: إذا كان الذكر المبدل منه بمعنى جميع الوحي يكون ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بدل البعض من الكلّ، فإنّ ما يتعلق بمغفرة المطيعين، وتخويف المعاندين بعض من جملة الوحي. وإن أريد بالذكر المبدل منه ما يتعلق بسعادة المؤمن وشقاوة الكافر خاصّة يكون بدل الكل من الكل، فإن إلقاء ما يتعلق بسعادة المؤمن متحد بالذات مع إلقاء عذره ومحو إساءته، وكذا إلقاء ما يتعلق بشقاوة الكافر متحد مع إلقاء إنذاره على كفره انتهى. أو انتصابهما على العلية للصفات المذكورة أو للأخيرة وحدها، وهو الأولى بمعنى فاللائي ألقين ذكرًا لمحو ذنوب المعتذرين إلى الله بالتوبة والاستغفار، ولتخويف المبطلين المصرّين. وفي "كشف الأسرار": لأجل الإعذار من الله إلى خلقه لئلا يكون لأحد حجة، فيقول: لم يأتني رسول، ولأجل إنذارهم من عذاب الله. وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ قال: يقول الله: "يا ابن آدم إنّما أمرضكم لأذكّركم، وأمحص به ذنوبكم، وأكفر به خطاياكم، وربكم أعلم أن ذلك المرض يشتدّ عليكم، وأنا في ذلك معتذر إليكم". قال بعضهم: المعنى: ورب المرسلات إلخ. وفي "الإرشاد": لعل تقديم نشر الشرائع ونشر النفوس والفرق على الإلقاء؛ أي: مع أن الظاهر أن الفرق بين الحق والباطل يكون مع النشر لا بعده، وأنّ إلقاء

стр. 14306

الذكر إلى الأنبياء متقدم على نشر الشرائع في الأرض وإحياء النفوس الموتى والفرق بين الحق والباطل، فلا يظهر التعقيب بينهما. للإيذان بكونها غاية للإلقاء حقيقةً بالاعتناء بها، أو للإشعار بأن كلا من الأوصاف المذكورة مستقل بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة بها للتفخيم والإجلال بالإقسام بهنّ، ولو جيء بها على ترتيب الوقوع لربّما فهم أن مجموع الإلقاء والنشر والفرق هو الموجب لما ذكر من الاستحقاق، هذا وقد قيل في هذا المقام غير ذلك كما مرّ عن "الخازن"، لكن الحمل على الملائكة أوجه وأسدّ، لما ذكرنا في المدثر أن المحققين على أنه من الملائكة المرسلات والناشرات والملقيات وغير ذلك انتهى من "روح البيان". وقرأ الجمهور (١): ﴿عُرْفًا﴾ بسكون الراء. وقرأ عيسى بن عمر بضمّها. وقرأ الجمهور ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾ بسكون اللام وتخفيف القاف، اسم فاعل من الإلقاء. وقرأ ابن عباس بفتح اللام وتشديد القاف اسم فاعل من التلقية، وهي أيضًا إيصال الكلام إلى المخاطب، يقال: لقيته الذكر فتلقاه. وقرأ أيضًا ابن عباس فيما ذكره المهدويّ بفتح اللام والقاف مشدّدة، اسم مفعول؛ أي: تلقّته من قبل الله تعالى. وقرأ إبراهيم التيميّ، والنحويان: أبو عمرو والكسائي، وحفص ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بسكون الذالين. وقرأ زيد بن ثابت، وابن خارجة بن زيد، وطلحة، وأبو جعفر، وأبو حيوة، وعيسى، والحسن بخلاف عنه، والأعشى عن أبي بكر بضمّهما. وقرأ أبو جعفر أيضًا، وشيبة، وزيد بن عليّ، والحرميّان. نافع وابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر بسكونها في ﴿عُذْرًا﴾، وضمها في ﴿نُذْرًا﴾. فالسكون على أنهما مصدران مفردان، أو مصدران جمعان، فـ ﴿عُذْرًا﴾ جمع عذر بمعنى المعذرة، و ﴿نُذْرًا﴾ جمع نذير بمعنى الإنذار، وانتصابهما على البدل من ﴿ذِكْرًا﴾، كأنّه قيل: فالملقيات ﴿عُذْرًا﴾ أو ﴿نُذْرًا﴾ أو على المفعول من أجله، أو على أنهما مصدران في موضع الحال؛ أي: عاذرين، أو منذرين. ويجوز مع الإسكان أن يكونا جمعين على ما قرّرناه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ على العطف بـ ﴿أو﴾ التفصيلية. وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة على العطف بالواو بدون ألف. ٧ - ثم ذكر سبحانه جواب القسم، فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾؛ أي: إنّ الذي

стр. 14307

توعدونه من مجيء الساعة والبعث كائن لا محالة. فـ ﴿إِنَّمَا﴾ (١) هذه ليست هي الحصرية بل (ما) فيها موصولة، وإن كتبت متصلةً في خط المصحف. والموعود هو مجيء القيامة؛ لأن المذكور عقيب هذه الآية علامات يوم القيامة. وقال الكلبيّ: المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع نظرًا إلى عموم لفظ الموصول. ٨ - ثم أخبر عن ظهور آثار يوم القيامة وحصول دلائلها لأهل الشقاوة بقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾؛ أي: محيت ومحقت ذواتها، فإن الطمس: محو الأثر الدال على الشيء، وهو الموافق لقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾. أو محى نورها وأذهب ضوْءها، فاستوت مع جرم السماء. والأوّل أولى؛ لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. والنجوم مرتفعة بفعل يفسره ما بعده أو بالابتداء، و ﴿طُمِسَتْ﴾ خبره، والأوّل أولى، لأنّ ﴿إذا﴾ فيها معنى الشرط والشرط بالفعل أولى، ومحل الجملة على الإعرابين الجرّ بـ ﴿إذا﴾، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون، أو بعثتم أو جوزيتم على أعمالكم، وحذف لدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ عليه. وقرأ عمرو بن ميمون (٢): ﴿طمسّت﴾ ﴿فرّجت﴾ بتشديد الميم والراء، والجمهور بتخفيفهما. ٩ - ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾؛ أي: فتحت وشقّت، فكانت أبوابًا بالفرج، هو الشقّ، وكلّ مشقوق فرج، ومثله قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾، والمعنى؛ أي: صدعت من خوف الرحمن، وشقّقت ووقعت فيها الفروج التي نفاها بقوله: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ بسبب الإنفطار. ١٠ - ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾؛ أي: قلعت من مكانها بسرعة، يقال: نسفت الشيء وأنسفته إذا أخذته بسرعة. وقال الكلبيّ: سويّت با لأرض، والعرب تقول: نسفت الناقة الكلأ إذا رعته، وقيل: جعلت كالحبّ الذي ينسف بالمنسف، وهو ما ينفض به الحب ويذرى، ومثله قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ فالبس والنسف معناهما واحد، وقيل: فرقتها الرياح، وذلك بعد التيسيير، وقيل: كونها هباء. ١١ - ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾؛ أي: عين لهم الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على

стр. 14308

أممهم. وذلك عند مجيء يوم القيامة وحضوره؛ إذ لا يتعين لهم قبل حصوله، فإن علم ذلك إلى الله تعالى. يعني: أن تبين وقت حضورهم لهم من جملة علامات القيامة من حيث إن ذلك التعيين والتبيين لم يكن حاصلًا في الدنيا لعدم حصول الوقت، فيقال لهم عند حصوله: أحضروا للشهادة فقد جاء وقتها. أو المعنى: وإذا الرسل بلغوا الميقات الذي ينتظرونه، وهو يوم القيامة، فإن التوقيت كما يجيء بمعنى تحديد الشيء وتعيين وقته فكذا يجيء بمعنى جعل الشيء منتهيًا إلى وقته المحدود، وعلى المعنى الأول لا يقع على الذوات بدون إضمار، فإن الموقت هو الأحداث لا الجثث، فلا يقال: زيد موقت إلا أن يراد موقت حضوره، وكذا توقيت الرسل إنما هو بالنسبة إلى حضورهم لا بالنسبة إلى ذواتهم؛ لأن الذوات قارة لا يعتبر فيها تعيين، بخلاف الزمانيات المتجددة، هكذا قالوا. والمعنى (١): أي جعل لهم وقت للفصل والقضاء بنيهم وبين الأمم، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾. وقيل: هذا في الدنيا؛ أي: جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذّبهم، والأوّل أولى. قال أبو علي الفارسي؛ أي: جعل يوم الفصل والدين لها وقتًا. وقيل: معنى ﴿أُقِّتَتْ﴾ أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به. وقرأ الجمهور (٢): ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالهمز وشدّ القاف. وقرأ النخعيّ، والحسن، وعيسى، وخالد بتخفيف القاف والهمز. وقرأ أبو الأشهب، وعمرو بن عبيد، وعيسى أيضًا، وأبو عمرو بالواو وشدّ القاف، قال عيسى: وهي لغة سفلى مضر. وقرأ عبد الله، والحسن، وأبو جعفر بواو واحدة وتخفيف القاف. وقرأ الحسن أيضًا ﴿ووقتت﴾ بواوين على وزن فوعلت، والواو في هذا كله هي الأصل، والهمزة بدل عنها؛ لأنه من الوقت. ١٢ - وقوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ مقول لقول مقدر تقديره؛ أي: ويقال يومئذٍ؛ لأيّ يوم أخرت الأمور المتعلقة بالرسل من تعذيب الكفار وإهانتهم وتنعيم المؤمنين ورعايتهم، وظهور ما كانت الرسل تذكره من أمور الآخرة وأحوالها وفظاعة أهوالها. والمراد بهذا تهويل أمر هذا اليوم وتعظيم شأنه، كأنه قيل؛ أي: يوم هذا

стр. 14309

الذي أجل اجتماع الرسل إليه إنه ليوم عظيم. قال الفاشاني ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ﴾؛ أي: ملائكة الثواب والعقاب ﴿أُقِّتَتْ﴾؛ أي: عيّنت وبلغت ميقاتها الذي عيّن لها إما لإيصال البشرى والروح والراحة، صهاما لإيصال العذاب والكرب والذلة، يقال: ليوم عظيم أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب في وقت الأعمال، ورسل البشر وهم الأنبياء عينت وبلغت ميقاتها الذي عين لهم فيه الفرق بين المطيع والعاصي والسعيد والشقي، يقال: ليوم عظيم أخرت عن نزول العذاب بمن كذبهم، فإن الرسل يعرف كلا بسيماهم انتهى. ١٣ - وقوله: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ بيان ليوم التأجيل؛ أي: أخّرت ليوم يفصل الله فيه بين الخلائق ويقضي بالحقوق، ويحكم بين المحسن والمسيء. وقال بعضهم: يفصل فيه بين الحبيب وحبيبه إلا من كان معاملته في الله تعالى، وبين المرء وأمه وأبيه وأخيه إلا أن يكونوا متفقين على الحق والعدل. ١٤ - وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ ﴿ما﴾ (١) مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره. وقوله: ﴿مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ إظهار في مقام الإضمار لزيادة تفظيع وتهويل، على أنّ ﴿ما﴾ خبر مقدم، و ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ مبتدأ مؤخّر، لا بالعكس، ما اختاره سيبويه؛ لأنّ محط الفائدة بيان كون يوم الفصل أمرًا بديعًا هائلًا لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه كما يفيده خبرية ﴿ما﴾، لا بيان كون أمر بديع من الأمور يوم الفصل كما يفيده عكسه. والمعنى؛ أي: أيّ شيء جعلك داريًا وعالمًا ما هو وما كنهه؟ إذ لم تر مثله، وكذا لم ير أحد قبلك شدّته حتى تسمع منه. ١٥ - ثم صرح بالمراد وأبان من سيقع عليهم النكال والوبال حينئذٍ، فقال: ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك عظيم ثابت ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: في ذلك اليوم الهائل كائن ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بيوم يفصل فيه الرحمن بين الخلائق؛ أي: الويل والهلاك ثابت فيه لهم. والويل في الأصل مصدر منصوب سادّ مسدَّ فعل لا من لفظه، فأصله: أهلكه الله إهلاكًا، أو هلك هو هلاكًا، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه أو صفته، ووضع الويل موضع الإهلاك، أو الهلاك، فجاز وقوعه مبتدأ مع كونه نكرة، فإنه لما كان مصدرًا سادًّا مسدَّ فعله المتخصّص بصدوره عن

стр. 14310

فاعل معيّن كانت النكرة المذكورة متخصصة بذلك الفاعل، فساغ الابتداء بها لذلك، كما قالوا: في سلام عليك. وقال بعضهم: الويل واد في جهنم، لو أرسلت الجبال لماعت من حرّه؛ أي: ذابت. والمعنى: أي هلاك شديد وعذاب عظيم يومئذٍ كائن لمن كذب بالله ورسله وبكتبه، وبكل ما ورد على ألسنة أنبيائه وأخبروا به. وكرّر هذه (١) الآية في هذه السورة لأنّه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابًا سوى تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرمًا من التكذيب بغيره، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب. ١٦ - ثم ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية، فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن أهلكوا قبل بعثة محمد ﷺ ، وذلك لتكذيبهم بيوم الفصل. وهو (٢) استئناف إنكار لعدم الإهلاك إثباتًا وتقريرًا له؛ لأنّ نفي النفي يثبت الإثبات ويحقق الإهلاك، فكأنه قيل: لم يكن عدم الإهلاك بل قد أهلكناهم، وقرأ الجمهور ﴿نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ بضم النون، وقتادة بفتحها، قال الزمخشري: من هلكه بمعنى أهلكه. ١٧ - ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ وهم الذين كانوا بعد بعثة محمد ﷺ . وقرأ الجمهور ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ بالرفع على الاستئناف على معنى: ثم نحن نتبعهم الآخرين من نظرائهم السالكين مسلكهم في الكفر والتكذيب؛ أي: نجعلهم تابعين للأوّلين في الإهلاك. قال أبو البقاء: فليس بمعطوف على ما قبله، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين ثمّ أتبعناهم الآخرين في الإهلاك، وليس كذلك؛ لأنّ إهلاك الآخرين لم يقع بعد، فلذلك رفع ﴿نتبع﴾ على أن يكون مقطوعًا عمّا قبله، ويستأنف به الكلام على وجه الإخبار عمّا سيقع في المستقبل بإضمار المبتدأ. وفيه وعيد لكفّار مكة. ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود ﴿ثم سنتبعهم الآخرين﴾ بسين الاستقبال. وقرأ الأعرج والعبّاس عن أبي عمرو ﴿نتبعهم﴾ بالجزم عطفًا على ﴿نُهْلِكِ﴾ ويحتمل (٣) تسكينه تخفيفًا، كما سكّن ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾، فهو

стр. 14311

استئناف، فعلى الاستئناف يكون ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ الأمم التي تقدمت قريشًا أجمع، ويكون ﴿الْآخِرِينَ﴾ من تأخّر من قريش وغيرهم، وعلى التشريك يكون ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ قوم نوح إبراهيم ﵉، ومن كان معهم، و ﴿الْآخِرِينَ﴾ قوم فرعون، ومن تأخر وقرب من بعثة محمد ﷺ . والإهلاك هنا إهلاك العذاب والنكال في الدنيا، ولذلك جاء بعده ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ فأتى بالصفة المقتضية لإهلاك العذاب، وهي الإجرام. ١٨ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: فعلًا مثل ذلك الفعل الفظيع الذي هو الإهلاك، فصل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: بكل من أجرم وأشرك بالله سبحانه إمّا في الدنيا أو في الآخرة. وفيه تحذير من عاقبة الجرم وسوء أثره. ١٩ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: عذاب عظيم ﴿يَوْمَئِذ﴾ أي: يوم إذ أهلكناهم ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بآيات الله وأنبيائه، وليس فيه تكرير، لما أن الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا. ومعنى الآيات: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾؛ أي: ألم نهلك من كذّب الرسل قبلكم ونعذّبهم في الدنيا بشتى أنواع العذاب، فتارة بالغرق كما حدث لقوم نوح، وأخرى بالزلزال كما كان لقوم لوط، إلى أشباه ذلك من المثلات التي حلت بالأمم قبلكم جزاء لهم على قبيح أعمالهم وسيء أعمالهم، وان سنتنا في المكذبين لا تبديل فيها ولا تغيير، فاحذروا أن يحل بكم مثل ما حل بهم، وتندموا ولات ساعة مندم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾؛ أي: ثم نحن نفعل بأمثالهم من الآخرين، ونسلك بهم سبيلهم؛ لأنّهم فعلوا مثل أفعالهم. ثم ذكر الحكمة في إلحاقهم بهم، فقال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: سنتنا في جميع المجرمين واحدة، فكما أهلكنا المتقدمين لإجرامهم وتكذيبهم نفعل بالمتأخّرين الذين حذوا حذوهم، واستنوا سنّتهم، فسنتنا تجري على وتيرة واحدة. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾؛ أي: هؤلاء وإن عذبوا في الدنيا بأنواع من العذاب فالامة الكبرى معدّة لهم يوم القيامة. والتكرير للتوكيد شائع في كلام العرب، كما تقدم في سورة الرحمن. وفي "برهان القرآن": كرّرها في هذه السورة عشر مرّات؛ لأن كل واحدة منها ذكرت عقيب آية غير الأولى، فلا يكون تكرارًا مستهجنًا، ولو لم يكرر كان متوعدًا

стр. 14312

على بعض دون بعض. وقيل: إن من عادة العرب التكرار والإطناب كما أن عادتهم الاقتصار والإيجاز، ولأن بسط الكلام في الترغيب والترهيب أدعى إلى إدراك البغية من الإيجاز، وقد يجد كل أحد في نفسه من تأثير التكرار ما لا خفاء. قال في "فتح الرحمن": كرّر هنا عشر مرات، والتكرار في مقام الترغيب والترهيب مستحسن، لا سيما إذا تغايرت الآيات السابقة على المرّات المكرّرة كما هنا انتهى. ٢٠ - ثم ذكرهم بجزيل نعمه عليهم في خلقهم وإيجادهم مما يستدعي جزيل شكرانهم، فقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾؛ أي: ألم نحدثكم. واتفق (١) القرّاء على إدغام القاف في الكاف في هذا الحرف. وذكر النقاش أنه في قراءة ابن كثير ونافع برواية قالون، وعاصم في رواية حفص بالإظهار، قاله في الإيضاح. ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ بهوان الحدوث والإمكان والابتذال؛ أي: من نطفة قذرة مهينة حقيرة، والميم فيه أصلية كما سيأتي، ومهانته: قلته وخسته، وكل شيء ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته؛ أي: خلقناكم منه، ٢١ - ولذا عطف عليه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: الماء ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾؛ أي: في مكان حريز يحفظ فيه المني من الآفات المفسدة له كالهواء، وهو الرحم بكسر الحاء المهملة؛ أي وعاء الولد في بطن الأمّ. فالقرار موضع الاستقرار، والمكين: الحصين؛ أي (٢): جعلنا ذلك الماء في مقرٍّ حصينٍ يتمكن فيه الماء محفوظًا سالمًا من التعرض له، فمكين من المكانة بمعنى التمكن لا منها بمعنى المنزلة والمرتبة من الكون، يقال: رجل مكين في مكة؛ أي: متمكن فيها، ومكين عند الأمير؛ أي: ذو منزلة ومرتبة عنده، فيكون فعيلا لا مفيلا. ٢٢ - ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾؛ أي: مقدار معلوم من الوقت الذي قدّره الله تعالى للولادة تسعة أشهر أو أقل منها، أو أكثر، وهو في موضع الحال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: مؤخّرًا إلى مقدار معلوم من الزمان، وقيل: إلى أن يصور. ٢٣ - ﴿فَقَدَرْنَا﴾؛ أي: فقدرناه، والمراد تقدير خلقه وجوارحه وأعضائه وألوانه ومدة حمله وحياته. وقيل: المعنى: قدرناه قصيرًا أو طويلًا، وقيل معنى ﴿قدرنا﴾ ملكنا. وقرأ الجمهور ﴿فَقَدَرْنَا﴾ بالتخفيف. وقرأ علي بن أبي طالب ونافع والكسائي بالتشديد من التقدير، نظير (٣) قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾. قال الكسائي

стр. 14313

والفرّاء: هما لغتان بمعنى واحد، تقول: قدرت كذا وقدرته. ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾؛ أي: نعم المقدرون نحن، وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود ﵁. ويجوز (١) أن يكون ﴿فَقَدَرْنَا﴾ من القدرة بمعنى فقدرنا على ذلك؛ أي: على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا من مثل تلك المادة الحقيرة، على أن المراد بالقدرة ما يقارن وجود المقدور بالفعل، ويعضد هذا المعنى قوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ حيث خلقناه بقدرتنا وجعلناه على أحسن الصور والهيئات. والمعنى (٢): أي ألا تعترفون بأنكم خلقتم من نطفة مذرة منتنة وضعت في الأرحام إلى حين الولادة، ونحن قد قدرنا ذلك فنعم المقدرون، إذ خلقناكم في أحسن الصور والآيات، أفلا يستحق ذلك الخالق منكم الشكران لا الكفران والاعتراف بوحدانيته وإرساله للرسل والإقرار بالبعث، لكنكم كفرتم أنعمه، ونكلتم عن الاعتراف بوحدانيته، وعبدتم الأصنام والأوثان، وأنكرتم يوم الفصل والجزاء، فسترون في هذا اليوم عاقبة ما اجترحتم. ٢٤ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: خزي وعذاب عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾؛ أي: لمن كذب بهذه المنن العوالي، أو لمن كذب بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة. قال أبو الليث؛ أي: الشدة من العذاب لمن يرى الخلق الأول، فأنكر الخلق الثاني اهـ. ٢٥ - وبعد أن ذكرهم بالنعم التي أنعم بها عليهم في الأنفس ذكرهم بما أنعم عليهم في الآفاق، وأرشد إلى أمور ثلاثة: ١ - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾؛ أي: مهادًا لكم، فتكفتكم وتجمعكم فيها ٢٦ - ﴿أَحْيَاءً﴾ على ظهرها ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ في بطنها. فالأحياء يسكنون في منازلهم، والأموات يدفنون في قبورهم. عرفهم أوّلًا نعمه الأنفسية؛ لأنها كالأصل، ثم أتبعها النعم الآفاقية. والكفات (٣) اسم ما يكفت؛ أي: يضم ويجمع، من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه كالضمام لما يضم، والجماع لما يجمع، نحو قولهم: التقوى جماع كل خير، والخمر جماع كل إثم. و ﴿كِفَاتًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿نَجْعَلِ﴾؛ لأنه بمعنى: ألم نصيّرها ﴿كِفَاتًا﴾ تكفت وتضم ﴿أَحْيَاءً﴾ كثيرة على ظهرها، فهو منصوب بفعل مضمر، يدل عليه كفاتًا، وهو تكفت وإلا فالأسماء الجامدة، وكذا أسماء الزمان

стр. 14314

والمكان والآلة، وإن كانت مشتقة لا تعمل، وفي اسم المصدر خلاف، وأما المصدر وجمع اسم الفاعل فهما من الأسماء العاملة، فمن جعل الكفات مصدرًا أو جمع اسم الفاعل، وهو كافت كصيام جمع صائم جعله عاملًا، ومن جعله اسما لما يكفت أو جمعًا للكفت بمعنى الوعاء منعه من العمل، غير الزمخشري فإنه جعل ﴿كِفَاتًا﴾ وهو اسم عاملًا، وقد طعن فيه. ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ غير محصورة في بطنها، ولهذا كانوا يسمون الأرض أُمًّا تشبيهًا لها بالأم في ضمها للناس إلى نفسها أحياء وأمواتًا كالأم التي تضم أولادها إليها وتضبطهم. واستدل بهذا القفال على أن النباش يقطع؛ لأن بطن الأرض حرز للكفن، فإذا نبش وأخذ منه فهو سارق. ولما كانوا ينضمون إنيها جعلت كأنها تضمهم، وأيضًا كما أن الأرض كفات الأحياء بمعنى أنهم يسكنون فيها كذلك أنها كفات لهم بمعنى أنها تكفت ما ينفصل من الأحياء من الأمور المستقذرة، وتنكيرهما في معنى التعريف الاستغراقي لا للأفراد والنوعية، ويجوز أن يقال: الأرض وإن كانت كفاتًا لجميع أحياء الإنس وأمواتهم، لكن الأحياء والأموات غير منحصرة فيها؛ لأن بعض الحيوان يكفته الهواء والبعض الآخر يكفته الماء، فلا تكون للجميع بل للبعض، فيصح التنكير. ٢ - ٢٧ ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت مستقرّات، فمفعول ﴿جعلنا﴾ مقدر، و ﴿رَوَاسِيَ﴾ صفة له، من رسا الشيء يرسو إذا ثبت، والجبال ثوابت على ظهر الأرض، لا تزول ولا تزلزل. ﴿شَامِخَاتٍ﴾ صفة بعد صفة. والشامخ: العالي المرتفع؛ أي: طوالًا شواهق، ومنه: شمخ بأنفه عبارة عن الكبر. وفي عين المعاني: ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: ثوابت الأصول رواسخ العروق شامخات؛ أي: مرتفعات الفروع، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد كأشهر معلومات ونحوه. والتنكير للتفخيم أو للإشعار بأن ما يرى على ظهر الأرض من الجبال بعض منها، وإن في عداد الجبال ما لم يعرف ولم ير، فإن السماء فيها جبال أيضًا بدلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَد﴾ انتهى. والمعنى (١): أي وجعلنا جبالًا ثوابت عاليات على ظهرها، لئلا تميد بكم،

стр. 14315

وهذه الجبال متصلة بالطبقة الصوانية التي هي أبعد طبقات الأرض عن سطحها، وتلك الطبقة تضم في جوفها كرة النار المشتعلة التي في باطنها، وظاهرها هذه القشرة التي نحن عليها. ٣ - ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾؛ أي: عذبًا جدًّا بأن خلقنا فيها أنهارًا ومنابع؛ أي: جعلناه سقيًا لكم، ومكناكم من شربه، وكذا من سقيه دوابكم ومزارعكم، وسمي نهر الكوفة فراتًا للذته. وقال أبو الليث: ماء عذبًا من السماء والأرض، ويقال: الفرات للواحد والجمع، وتاؤه أصل، والتنكير للتفخيم كما سيأتي، أو لإفادة التبعيض؛ لأنَّ في السماء ماء فراتًا أيضًا، بل هي معدنه ومصبه. والمعنى (١): أي وأسقيناكم ماء عذبًا فراتًا تشربون منه، إمّا آتيا من السحاب الذي حفظته الجبال بارتفاعها، وإمّا من العيون النابعات منها، ويمدها الثلج الذي يذوب شيئًا فشيئًا فوق ظهر الأرض متنزلًا إلى بطنها متجهًا إلى عيونها الجارية. ٢٨ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: عذاب عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ وقع ما توعدون ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في الدنيا بامتثال هذه النعم العظيمة. ٢٩ - وقوله: ﴿انْطَلِقُوا ...﴾ إلخ، مقول لقول مقدر تقديره: يقال يومئذٍ للمكذّبين على سبيل التوبيخ والتقريع: انطلقوا واذهبوا، والقائلون هم خزنة النار وزبانية جهنم ﴿إِلَى مَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ من العذاب، و ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ قدّم عليه لرعاية رؤوس الآية. والمعنى: أي تقول لهم خزنة جهنم حينئذٍ: اذهبوا إلى ما كنتم تكذّبون به من العذاب في الدنيا. ٣٠ - ثم بين هذا العذاب، ووصفه بجملة صفات: ١ - ﴿انْطَلِقُوا﴾ واذهبوا خصوصًا ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾؛ أي: إلى ظل دخان نار جهنم كقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾؛ أي: دخان غليظ أسود. ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾؛ أي: ذي ثلاث ذوائب، جمع شعبة يتشعّب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان العظيم، تراه يتفرف ذوائب؛ أي: انطلقوا إلى ظل من دخان جهنم، قد سطع ثم

стр. 14316

افترق ثلاث فرق، وصار ثلاث شعب: شعبة عن يمينهم، وشعبة عن شمالهم، وشعبة من فوقهم حتى يفرغ من الحساب، والمراد أنّه أحاط بهم من كل جانب كما جاء في الآية الأخرى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. فقوله: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ كناية (١) عن كون ذلك الدخان عظيمًا بناءً على أن التشعب من لوازمه. وقيل: يخرج لسان من النار، فيحيط بالكفار كسرادق، وهو ما يمد فوق صحن البيت. ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش. وقرأ الجمهور (٢): ﴿انْطَلِقُوا﴾ في الموضعين بكسر اللام على صيغة الأمر، وكرره بيانًا للمنطلق إليه أو للتأكيد. وقرأ روش عن يعقوب بصيغة الماضي في الثاني على معنى الخبر، فكأنهم لما أمروا بالإنطلاق امتثلوا ذلك فانطلقوا. ٣١ - ثم وصف سبحانه هذا الظل تهكمًا بهم: فقال: ٢ - ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾؛ أي: ليس بمظل، فلا يبقى من حر ذلك اليوم، فهو وصف أخذ من الظل للتأكيد كنوم نائم لأنه في تقدير: لا ظل ظليل؛ أي: ليس بظل مظل من الحر. وتوصيف (٣) الظل بأنه لا يظل من حر ذلك اليوم، وهو حر النار، للدلالة على أن تسمية ما يغشاهم من العذاب بالظل استهزاء بهم، فإن شأن الظل أن يدفع عمن يستظل به مقاساة شدة الحر، وأن ينفعه ببرده ونسيمه، والذي أمروا بالانطلاق إليه يضاعف عليهم ما هم فيه من الحر والعذاب، فضلًا عن أن يستريحوا ببرده أو رد لما أوهمه لفظ الظل من الاسترواح. ٣ - ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي: ولا يدفع من حرّ النار شيئًا؛ لأنّه في جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها. والمعنى: أي غير مغن لهم من حر اللهب كما يغني ظل الدنيا من الحر، فقوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ في موضع الجر على أنه صفة لـ ﴿ظِلٍّ﴾، ولفظ لا غير مانع للصفتية؛ أي: ظل غير ظليل، وغير مغن ومفعول ﴿يُغْنِي﴾ محذوف هو شيئًا، و ﴿مِنَ﴾ لبيانه، ويغني من أغنى عني وجهه؛ أي؛ أبعده؛ لأن الغني عن الشيء

стр. 14317

يباعده كما أن المحتاج إليه يقربه، فصح أن يعبر بإغناء شيء عن شيء عن إبعاده عنه، فكأن المعنى أن هذا الظل لا يظلكم من حرّ الشمس، ولا يدفع عنكم لهب النار. واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرصت من أحمر وأصفر وأخضر. ٣٢ - ثم وصف النار التي تحدث هذا الظل من الدخان، فقالى: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: إنّ هذه النار، فالضمير للنار، وقيل: إنه عائد على الشعب؛ لأنها هي المذكورة لا النار. ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ كثيرة، كل واحدة منها ﴿كَالْقَصْرِ﴾؛ أي: كقصر من القصور في عظمها، كما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾؛ أي: إن هذه النار يتطاير منها شرر متفرقة في جهات كثيرة كأن كل واحدة منها القصر عظمًا وارتفاعًا. والشرر: جمع شررة، وهي ما تطاير من النار في الجهات متفرّقًا كالنجوم، كما قال في "القاموس": الشرار والشرر ككتاب وجبل ما يتطاير من النار، واحدتهما بهاء انتهى. وقوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ في موضع الصفة للشرر، والقصر هو البناء العالي، ووصف به الجمع باعتبار كل واحد من آحاده، والقصر أيضًا: الحطب الجزل، ولذا قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع، وفوق ذلك، ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها القصر؛ أي: لكونها مقصورة مقطوعة من الممدودة الويلة، تأمل في أن نارًا دخانها وشررها هكذا، فما بالك بحالى أهلها؟ وعلى هذا المعنى الأخير القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل: جمر وجمرة وتمر وتمرة، وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ. وقرأ الجمهور (١): ﴿بِشَرَر﴾ وقرأ عيسى ﴿بشَرَار﴾ بألف بين الرائين. وقرأ ابن عباس وابن مقسم كذلك، إلا أنه كسر الشين، فاحتمل أن يكون جمع شرر؛ أي: بشرار من العذاب. وأن يكون صفة أقيمت مقام موصوفها؛ أي؛ بشرار من الناس كما تقول: قوم شرار جمع شر غير أفعل التفضيل، قوم خيار جمع خير غير أفعل التفضيل، ويؤنث هذا فيقال للمؤنث: شرة وخيرة، بخلافهما إذا كانا للتفضيل، فلهما أحكام مذكورة في النحو. وقرأ الجمهور؛ ﴿كَالْقَصْرِ﴾ بإسكان الصاد وهو واحد القصور. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحسن، وابن مقسم،

стр. 14318

والسلمي، وحميد بفتح القاف والصاد. وقرأ ابن جبير أيضًا، والحسن أيضًا ﴿كالقصر﴾ بكسر القاف وفتح الصاد جمع قصرة، مثل: بدر وبدرة وقصع وقصعة. وبعض القرّاء بفتح القاف وكسر الصاد، وابن مسعود بضمهما، كأنه مقصور من القصور كما قصروا النجم والنمر من النجوم والنمور، كما قال الراجز: فِيْهَا عَنَابِيْلُ أُسُوْدٌ ونُمُرْ ٣٣ - ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: (١) كأن ذلك الشرر، وفي "فتح الرحمن"؛ ثم رد الضمير إلى لفظ النار دون معناها، فقال: كأنه؛ أي: النار ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ جمع جمل كحجارة في جمع حجر، والتاء لتانيث الجمع أو اسم جمع كالحجارة. والجمل: ذكر الإبل، والناقة أنثاه، وإذا لم يكن في جماعة الإبل أنثى يقال: جمالة بالكسر. والصفر: جمع أصفر، والصفرة لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. والمعنى: كان كل شررة جمل أصفر أو كجمل أسود؛ لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة، ولأن صفر الإبل يشوب رؤوس أشعارها سواد، وفي الحديث: "شرار جنهم أسود كالقير". فالأول وهو التشبيه بالقصر تشبيه في العظم، والثاني وهو التشبيه بالجمل تشبيه في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة. وفي "المفردات": قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ قيل: جمع أصفر، وقيل: بل أراد به الصفر المخرج من المعادن، ومنه قيل للنحاس: صفر. وقرأ الجمهور ومنهم (٢): عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ﴿جمالات﴾ بكسر الجيم وبالألف والتاء، جمع جمال جمع جمل، وهي الإبل كقولهم: رجالات قريش. وقرأ ابن عباس (٣) وقتادة، وابن جبير، والحسن، وأبو رجاء بخلاف عنهم كذلك، إلّا أنهم ضموا الجيم، وهي جمال السفن الواحد منها جملة لكونه جملة من الطاقات، ثم جمع على جمل وجمال، ثم جمع جمال ثانيًا جمع سلامة، فقالوا: جما لات. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وأبو عمرو في رواية الأصمعيّ، وهارون عنه ﴿جمالة﴾ بكسر الجيم، لحقت جمالًا التاء لتأنيث الجمع كحجر وحجارة كما مرّ. وقرأ ابن عباس، والسلمي، والأعمش، وأبو حيوة، وأبو

стр. 14319

بحرية، وابن أبي عبلة، ورويس كذلك إلا أنهم ضموا الجيم. قال ابن عباس وابن جبير: الجمالات قلوص السفن، وهي حبالها العظام إذا اجتمعت مستديرة بعضها إلى بعض، جاء منها أجرام عظام. وقال ابن عباس أيضًا: الجمالات: قطع النحاس الكبار، وكأن اشتقاق هذه من اسم الجملة. وقرأ الحسن ﴿صفر﴾ بضمّ الفاء، والجمهور بإسكانها. قال الواحدي (١): والصفر معناها في قول المفسرين قال الفرّاء: الصفر: سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرةً، ولذلك سمت العرب سود الإبل صفرًا، قيل: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، ومنه قول الشاعر: تِلْكَ خيْلِيْ وَتلْكَ رِكَابِيْ ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيْبِ أي: هن سود. هذا القول بعيد عند أهل اللغة والعجب لمن قال بهذا القول، وقد قال تعالى: ﴿جمالات صفر﴾. ٣٤ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: خزي عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ وقعت المجازاة بتلك النار ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بهذا اليوم الذي لا يجدون فيه لدفع العذاب عنهم محيصًا. ٣٥ - ثم وصف اليوم الذي فيه العذاب، فقال: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى وقت دخولهم النار. و ﴿يَوْمُ﴾ مرفوع عى أنه خبر ﴿هَذَا﴾؛ أي: هذا يوم ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ فيه بشيء، لما (٢) أن السؤال والجواب والحساب قد إنقضت قبل ذلك، وأيضًا يوم القيامة يوم طويل له مواطن ومواقيت ينطقون في وقت دون وقت. فعبر عن كل وقت بيوم. أو لا ينطقون بشيء ينفعهم، فإن ذلك كلا نطق. قال الفاشاني: لا ينطقون لفقدان آلات النطق وعدم الإذن فيه بالختم على الأفواه. وقال بعضهم: لا ينطقون لشدّة تحيرهم وقوة دهشتهم. وقال أبو عثمان ﵀: أسكتهم هيبة الربوبية، وحياء الذنوب. وقرأ الجمهور (٣) برفع ﴿يَوْمُ﴾ على أنه خبر لاسم الإشارة. وقرأ الأعمش، والأعرج، وزيد بن علي، وعيسى، وأبو حيوة، وعاصم في رواية بفتحه على البناء لإضافته إلى الفعل، ومحله الرفع على الخبرية، والجملة المصدرة بمضارع مثبت أو

стр. 14320

منفي، لا يجيز البصريون في الظرف المضاف إليها البناء بوجه، وإنما هذا مذهب كوفيّ. وقيل: هو منصوب على الظرفية، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوعيد، كأنّه قيل: هذا العذاب المذكور كائن يوم لا ينطقون. ٣٦ - ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ في الاعتذار ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ معطوف (١) على ﴿يُؤْذَنُ﴾ منتظم في سلك النفي؛ أي: لا يكون لهم إذن واعتذار، متعقّب له من غير أن يجعل الاعتذار مسبّبًا عن الإذن، كما لو نصب فيقال: فيعتذروا، والنصب يوهم أنّ لهم عذرًا وقد منعوا من ذكره، وهو خلاف الواقع، إذ لو كان لهم عذر لم يمنعوا. وأيّ عذر لمن أعرض عن منعمه، وكفر بأياديه ونعمه؟ وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُؤْذَنُ﴾ على البناء للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ ﴿ولا يأذن﴾ على البناء للفاعل؛ أي: لا يأذن الله لهم؛ أي: لا يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار. قال الفرّاء: الفاء في ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عاطفة على ﴿يُؤْذَنُ﴾ وأجيز ذلك؛ لأن أواخر الكلام بالنون، ولو قال: فيعتذروا لم يوافق الآيات. وقد قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ بالنصب، والكل صواب. والمعنى: أي هذا يوم لا يتكلمون من الحيرة والدهشة، ولا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنه ليس لديهم عذر صحيح، ولا جواب مستقيم. وقد يكون المعنى: هذا يوم لا ينطقون بما يفيد فكأنّهم لا ينطقون. وتقول العرب لمن ذكر ما لا يفيد: ما قلت شيئًا. ٣٧ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: كرب عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بما دعتهم إليه الرسل، وأنذرتهم عاقبته. وقال القاضي في كشف ما يلتبس في القرآن: إن قلت: نفي النطق عنهم يدل على انتفاء الاعتذار منهم؛ إذ الاعتذار لا يكون إلا بالنطق، فما فائدة قوله عقبه: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾؟ قلت: معناه: لا ينطقون ابتداء بعذر مقبول، ولا بعد أن يؤذن لهم في الاعتذار .. لو أذن لهم فيه؛ إذ الخائف عادة قد لا ينطق لسانه بعذر وحجة لخوفه،
следующие страницы →