← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14316–14355 · переход к 14321.

стр. 14316

افترق ثلاث فرق، وصار ثلاث شعب: شعبة عن يمينهم، وشعبة عن شمالهم، وشعبة من فوقهم حتى يفرغ من الحساب، والمراد أنّه أحاط بهم من كل جانب كما جاء في الآية الأخرى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. فقوله: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ كناية (١) عن كون ذلك الدخان عظيمًا بناءً على أن التشعب من لوازمه. وقيل: يخرج لسان من النار، فيحيط بالكفار كسرادق، وهو ما يمد فوق صحن البيت. ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش. وقرأ الجمهور (٢): ﴿انْطَلِقُوا﴾ في الموضعين بكسر اللام على صيغة الأمر، وكرره بيانًا للمنطلق إليه أو للتأكيد. وقرأ روش عن يعقوب بصيغة الماضي في الثاني على معنى الخبر، فكأنهم لما أمروا بالإنطلاق امتثلوا ذلك فانطلقوا. ٣١ - ثم وصف سبحانه هذا الظل تهكمًا بهم: فقال: ٢ - ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾؛ أي: ليس بمظل، فلا يبقى من حر ذلك اليوم، فهو وصف أخذ من الظل للتأكيد كنوم نائم لأنه في تقدير: لا ظل ظليل؛ أي: ليس بظل مظل من الحر. وتوصيف (٣) الظل بأنه لا يظل من حر ذلك اليوم، وهو حر النار، للدلالة على أن تسمية ما يغشاهم من العذاب بالظل استهزاء بهم، فإن شأن الظل أن يدفع عمن يستظل به مقاساة شدة الحر، وأن ينفعه ببرده ونسيمه، والذي أمروا بالانطلاق إليه يضاعف عليهم ما هم فيه من الحر والعذاب، فضلًا عن أن يستريحوا ببرده أو رد لما أوهمه لفظ الظل من الاسترواح. ٣ - ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي: ولا يدفع من حرّ النار شيئًا؛ لأنّه في جهنم، فلا يظلهم من حرها، ولا يسترهم من لهيبها. والمعنى: أي غير مغن لهم من حر اللهب كما يغني ظل الدنيا من الحر، فقوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ في موضع الجر على أنه صفة لـ ﴿ظِلٍّ﴾، ولفظ لا غير مانع للصفتية؛ أي: ظل غير ظليل، وغير مغن ومفعول ﴿يُغْنِي﴾ محذوف هو شيئًا، و ﴿مِنَ﴾ لبيانه، ويغني من أغنى عني وجهه؛ أي؛ أبعده؛ لأن الغني عن الشيء

стр. 14317

يباعده كما أن المحتاج إليه يقربه، فصح أن يعبر بإغناء شيء عن شيء عن إبعاده عنه، فكأن المعنى أن هذا الظل لا يظلكم من حرّ الشمس، ولا يدفع عنكم لهب النار. واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرصت من أحمر وأصفر وأخضر. ٣٢ - ثم وصف النار التي تحدث هذا الظل من الدخان، فقالى: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: إنّ هذه النار، فالضمير للنار، وقيل: إنه عائد على الشعب؛ لأنها هي المذكورة لا النار. ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ كثيرة، كل واحدة منها ﴿كَالْقَصْرِ﴾؛ أي: كقصر من القصور في عظمها، كما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾؛ أي: إن هذه النار يتطاير منها شرر متفرقة في جهات كثيرة كأن كل واحدة منها القصر عظمًا وارتفاعًا. والشرر: جمع شررة، وهي ما تطاير من النار في الجهات متفرّقًا كالنجوم، كما قال في "القاموس": الشرار والشرر ككتاب وجبل ما يتطاير من النار، واحدتهما بهاء انتهى. وقوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ في موضع الصفة للشرر، والقصر هو البناء العالي، ووصف به الجمع باعتبار كل واحد من آحاده، والقصر أيضًا: الحطب الجزل، ولذا قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع، وفوق ذلك، ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها القصر؛ أي: لكونها مقصورة مقطوعة من الممدودة الويلة، تأمل في أن نارًا دخانها وشررها هكذا، فما بالك بحالى أهلها؟ وعلى هذا المعنى الأخير القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل: جمر وجمرة وتمر وتمرة، وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ. وقرأ الجمهور (١): ﴿بِشَرَر﴾ وقرأ عيسى ﴿بشَرَار﴾ بألف بين الرائين. وقرأ ابن عباس وابن مقسم كذلك، إلا أنه كسر الشين، فاحتمل أن يكون جمع شرر؛ أي: بشرار من العذاب. وأن يكون صفة أقيمت مقام موصوفها؛ أي؛ بشرار من الناس كما تقول: قوم شرار جمع شر غير أفعل التفضيل، قوم خيار جمع خير غير أفعل التفضيل، ويؤنث هذا فيقال للمؤنث: شرة وخيرة، بخلافهما إذا كانا للتفضيل، فلهما أحكام مذكورة في النحو. وقرأ الجمهور؛ ﴿كَالْقَصْرِ﴾ بإسكان الصاد وهو واحد القصور. وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والحسن، وابن مقسم،

стр. 14318

والسلمي، وحميد بفتح القاف والصاد. وقرأ ابن جبير أيضًا، والحسن أيضًا ﴿كالقصر﴾ بكسر القاف وفتح الصاد جمع قصرة، مثل: بدر وبدرة وقصع وقصعة. وبعض القرّاء بفتح القاف وكسر الصاد، وابن مسعود بضمهما، كأنه مقصور من القصور كما قصروا النجم والنمر من النجوم والنمور، كما قال الراجز: فِيْهَا عَنَابِيْلُ أُسُوْدٌ ونُمُرْ ٣٣ - ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: (١) كأن ذلك الشرر، وفي "فتح الرحمن"؛ ثم رد الضمير إلى لفظ النار دون معناها، فقال: كأنه؛ أي: النار ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ جمع جمل كحجارة في جمع حجر، والتاء لتانيث الجمع أو اسم جمع كالحجارة. والجمل: ذكر الإبل، والناقة أنثاه، وإذا لم يكن في جماعة الإبل أنثى يقال: جمالة بالكسر. والصفر: جمع أصفر، والصفرة لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. والمعنى: كان كل شررة جمل أصفر أو كجمل أسود؛ لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة، ولأن صفر الإبل يشوب رؤوس أشعارها سواد، وفي الحديث: "شرار جنهم أسود كالقير". فالأول وهو التشبيه بالقصر تشبيه في العظم، والثاني وهو التشبيه بالجمل تشبيه في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة. وفي "المفردات": قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ قيل: جمع أصفر، وقيل: بل أراد به الصفر المخرج من المعادن، ومنه قيل للنحاس: صفر. وقرأ الجمهور ومنهم (٢): عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ﴿جمالات﴾ بكسر الجيم وبالألف والتاء، جمع جمال جمع جمل، وهي الإبل كقولهم: رجالات قريش. وقرأ ابن عباس (٣) وقتادة، وابن جبير، والحسن، وأبو رجاء بخلاف عنهم كذلك، إلّا أنهم ضموا الجيم، وهي جمال السفن الواحد منها جملة لكونه جملة من الطاقات، ثم جمع على جمل وجمال، ثم جمع جمال ثانيًا جمع سلامة، فقالوا: جما لات. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وأبو عمرو في رواية الأصمعيّ، وهارون عنه ﴿جمالة﴾ بكسر الجيم، لحقت جمالًا التاء لتأنيث الجمع كحجر وحجارة كما مرّ. وقرأ ابن عباس، والسلمي، والأعمش، وأبو حيوة، وأبو

стр. 14319

بحرية، وابن أبي عبلة، ورويس كذلك إلا أنهم ضموا الجيم. قال ابن عباس وابن جبير: الجمالات قلوص السفن، وهي حبالها العظام إذا اجتمعت مستديرة بعضها إلى بعض، جاء منها أجرام عظام. وقال ابن عباس أيضًا: الجمالات: قطع النحاس الكبار، وكأن اشتقاق هذه من اسم الجملة. وقرأ الحسن ﴿صفر﴾ بضمّ الفاء، والجمهور بإسكانها. قال الواحدي (١): والصفر معناها في قول المفسرين قال الفرّاء: الصفر: سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرةً، ولذلك سمت العرب سود الإبل صفرًا، قيل: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، ومنه قول الشاعر: تِلْكَ خيْلِيْ وَتلْكَ رِكَابِيْ ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيْبِ أي: هن سود. هذا القول بعيد عند أهل اللغة والعجب لمن قال بهذا القول، وقد قال تعالى: ﴿جمالات صفر﴾. ٣٤ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: خزي عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ وقعت المجازاة بتلك النار ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بهذا اليوم الذي لا يجدون فيه لدفع العذاب عنهم محيصًا. ٣٥ - ثم وصف اليوم الذي فيه العذاب، فقال: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى وقت دخولهم النار. و ﴿يَوْمُ﴾ مرفوع عى أنه خبر ﴿هَذَا﴾؛ أي: هذا يوم ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ فيه بشيء، لما (٢) أن السؤال والجواب والحساب قد إنقضت قبل ذلك، وأيضًا يوم القيامة يوم طويل له مواطن ومواقيت ينطقون في وقت دون وقت. فعبر عن كل وقت بيوم. أو لا ينطقون بشيء ينفعهم، فإن ذلك كلا نطق. قال الفاشاني: لا ينطقون لفقدان آلات النطق وعدم الإذن فيه بالختم على الأفواه. وقال بعضهم: لا ينطقون لشدّة تحيرهم وقوة دهشتهم. وقال أبو عثمان ﵀: أسكتهم هيبة الربوبية، وحياء الذنوب. وقرأ الجمهور (٣) برفع ﴿يَوْمُ﴾ على أنه خبر لاسم الإشارة. وقرأ الأعمش، والأعرج، وزيد بن علي، وعيسى، وأبو حيوة، وعاصم في رواية بفتحه على البناء لإضافته إلى الفعل، ومحله الرفع على الخبرية، والجملة المصدرة بمضارع مثبت أو

стр. 14320

منفي، لا يجيز البصريون في الظرف المضاف إليها البناء بوجه، وإنما هذا مذهب كوفيّ. وقيل: هو منصوب على الظرفية، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوعيد، كأنّه قيل: هذا العذاب المذكور كائن يوم لا ينطقون. ٣٦ - ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ في الاعتذار ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ معطوف (١) على ﴿يُؤْذَنُ﴾ منتظم في سلك النفي؛ أي: لا يكون لهم إذن واعتذار، متعقّب له من غير أن يجعل الاعتذار مسبّبًا عن الإذن، كما لو نصب فيقال: فيعتذروا، والنصب يوهم أنّ لهم عذرًا وقد منعوا من ذكره، وهو خلاف الواقع، إذ لو كان لهم عذر لم يمنعوا. وأيّ عذر لمن أعرض عن منعمه، وكفر بأياديه ونعمه؟ وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُؤْذَنُ﴾ على البناء للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ ﴿ولا يأذن﴾ على البناء للفاعل؛ أي: لا يأذن الله لهم؛ أي: لا يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار. قال الفرّاء: الفاء في ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عاطفة على ﴿يُؤْذَنُ﴾ وأجيز ذلك؛ لأن أواخر الكلام بالنون، ولو قال: فيعتذروا لم يوافق الآيات. وقد قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ بالنصب، والكل صواب. والمعنى: أي هذا يوم لا يتكلمون من الحيرة والدهشة، ولا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنه ليس لديهم عذر صحيح، ولا جواب مستقيم. وقد يكون المعنى: هذا يوم لا ينطقون بما يفيد فكأنّهم لا ينطقون. وتقول العرب لمن ذكر ما لا يفيد: ما قلت شيئًا. ٣٧ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: كرب عظيم ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بما دعتهم إليه الرسل، وأنذرتهم عاقبته. وقال القاضي في كشف ما يلتبس في القرآن: إن قلت: نفي النطق عنهم يدل على انتفاء الاعتذار منهم؛ إذ الاعتذار لا يكون إلا بالنطق، فما فائدة قوله عقبه: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾؟ قلت: معناه: لا ينطقون ابتداء بعذر مقبول، ولا بعد أن يؤذن لهم في الاعتذار .. لو أذن لهم فيه؛ إذ الخائف عادة قد لا ينطق لسانه بعذر وحجة لخوفه،

стр. 14321

لكن إذا أذن له فيه نطق. ففائدة ذلك نفي هذا المعنى؛ أي: لا ينطقون ابتداء بعذر ولا بعد الإذن. فإن قلت: ما ذكر ينافيه ما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ من وقوع الاعتذار منهم. قلت: لا ينافيه؛ لأنّ يوم القيامة يوم طويل، فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في آخر. والجواب: بأن المراد بتلك الآية الظالمون من المسلمين وبما هنا الكافرون ضعيف، لتعقيب تلك الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ انتهى. ٣٨ - ﴿هَذَا﴾ اليوم الذي شاهدتم أهواله وأحواله ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين الحقّ والباطل. والجملة على تقدير القول؛ أي: يقال للمكذبين: هذا اليوم يوم يفصل فيه بين الخلائق، ويتميّز فيه الحقّ من الباطل، فيؤتى كل عامل جزاء عمله من ثواب وعقاب، ويفصل بين العباد بعضهم مع بعض، فيقتصّ من الظالم للمظلوم وتردّ له حقوقه. ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ يا أمّة محمد ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الماضية. وهذا تقرير وبيان للفصل؛ إذ الفصل بين المحقّ والمبطل والرسل لا يستحق إلا بجمع الكل، فلا بد من إحضارهم لا سيما عند من لا يجوز القضاء على الغائب. أي: (١) جمعنا بينكم وبين من تقدمكم من الأمم في صعيد واحد ليمكن الفصل بينكم، فيقضى لهذا على هذا، ولولا ذلك الجمع .. ما أمكن؛ إذ لا يقضى على غائب. ٣٩ - ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيّها المكذّبون ﴿كَيْدٌ﴾ في هذا اليوم، كما كان لكم في الدنيا ما تكيدون به دين الله وأولياءه؛ أي: حيلة تدفعون بها عنكم العذاب. والظاهر: أن هذا خطاب من الله للكفار. ﴿فَكِيدُونِ﴾ اليوم، أصله: فيكيدوني حذف ياء المتكلم اجتزاء عنها بالكسرة والنون للوقاية، وهو أمر من كاد يكيد كيدًا، وهو المكر والاحتيال والخديعة. والمعنى: واحتالوا لأنفكسم، وتخلصوا من عذابي إن قدرتم، فإن جميع من كنتم تقلّدونهم وتقتدون بهم حاضرون.

стр. 14322

وهذا أمر (١) إهانة وخطاب تعجيز، وتقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا، وتخجيل لهم بأنهم كانوا في الدنيا يدفعون الحقوق عن أنفسهم، ويبطلون حقوق الناس بضروب الحيل والمكايد والتلبيسات. فخاطبهم الله تعالى حين علموا أنّ الحيل منقطعة والتلبيسات غير ممكنة بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾. لما ذكر من التقريع والتخجيل ولإظهار عجزهم عن الكيد، فإن لمثل هذا الكلام لا يتكلم به إلا من تيقن بعجز مخاطبه عما هو بصدده. وفي بعض التفاسير؛ أي: فإن وجد كيد نافع لكم، على أن ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿كَانَ﴾ أو نافعًا لكم على أنه حال من ﴿كَيْدٌ﴾. وقيل: المعنى فإن قدرتم على حرب فحاربون. وقيل: إنّ هذا من قول النبي ﷺ ، فيكون كقول هود ﵇ لقومه: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾. ٤٠ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: غمّ وغصّة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقال للكفّار ما ذكر ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث؛ لأنه قد ظهر لهم عجزهم وبطلان ما كانوا عليه في الدنيا، فعلموا أنَّ لا حيلة لهم في الخلاص من العذاب. ٤١ - ثم ذكر سبحانه المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من الكفر والتكذيب للرسل، لأنهم في مقابلة المكذّبين، ففيه رد على المعتزلة. وقال مقاتل والكلبيّ: المراد بالمتقين الذين يتقون الشرك بالله؛ لأن السورة من أولها إلى آخرها في تقريع الكفّار على كفرهم. ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ ظليلة على الحقيقة، كما يدلس عليه الإطلاق؛ أي: في ظلال الأشجار وظلال القصور، لا كالظل الذي للكفّار من الدخان، أو من النار، كما تقدم. قال بعضهم: الظاهر أنه إخبار عن كونهم تحت أشجار مثمرة لهم في جنانهم. يقول الفقير: الأظهر كونهم في ظلال كناية عن راحتهم العظمى؛ لأن الظل للراحلة، وكذا قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ ونحوه. وإنما ذكر الله سبحانه الظل تشويقًا للقلوب، لأنّ من البلاد ما هي حارّة قليلة المياه والأشجار والظلال. وقرأ الجمهور ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلّ، والأعمش ﴿في ظلل﴾ جمع ظلّة، وكذا وافقه الزهري، وطلحة، والأعرج. ﴿و﴾ في ﴿عيون﴾ عذبة دافعة عنهم العطش ٤٢ - ﴿وَ﴾ في ﴿فَوَاكِهَ﴾ لذيذة متنوّعة ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ويتمنّون، فيتناولونها تلذّذًا لا

стр. 14323

عن جوع، والمراد بالعيون الأنهار، وبالفواكه ما يتفكّه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم. والحاصل: أنهم مستقرّون في فنون الترفّه وأنواع التنعم خلاف مما عليه مخالفوهم. والمعنى (١): أي إنّ المتقين في ظلال ظليلة وكن كنين وعيون عذبة وأنهار جارية، فلا يصيبهم أذى حرٍّ ولا قرٍّ، بخلاف الكافرين، فإنهم في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل، ولا يغني من اللهب، كما تقدم، ولديهم فواكه يأكلون منها كلّما اشتهت نفوسهم، لا يخافون ضرَّها ولا عاقبة مكروهها. ٤٣ - وجملة قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ في الدنيا، مقدّرة بقول هو حال من ضمير المتقين في الخبر؛ أي: مقولًا لهم: كلوا أيّها الأبرار من نعم الجنة وثمراتها، واشربوا من مائها، وشرابها كلّما شئتم أكلًا وشربًا هنيئًا سائغًا رافهًا خالص اللذة، لا يشوبه سقم ولا تخم، ولا يكدّره تنغيص، وهو دائم لا يزول، ولا يورثكم أذًى في أبدانكم بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة خصوصًا الصيام كما مرّ في الحاقّة. وهذا أمر إكرام إظهارًا للرضى عنهم والمحبّة لهم. تمسّك (٢) القائلون بإيجاب العمل للثواب بالباء السببية، والجواب: أنّ السببية إنما هي بفضل الله سبحانه ووعده الذي لا يخلف لا بالذات بحيث يمتنع عدمه أو يوجب النقص أو الظلم. ٤٤ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ الجزاء العظيم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لطاعتنا بالإخلاص في عقائدهم وأعمالهم لا جزاء أدنى منه. والمعنى: أي إنّا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا نجزي أهل الإحسان والإخلاص لطاعتهم وعبادتهم لنا، فلا نضيع لهم أجرًا كما قال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. ٤٥ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: حسرةٌ وندامةٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ جوزي المتقون بما ذكر من الجزاء الأوفى ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بما أخبر الله تعالى به في كتابه من تكريم هؤلاء المتقين

стр. 14324

بما أكرمهم به يوم القيامة، حيث نال أعداؤهم هذا الثواب الجزيل، وهم بقوا في العذاب المخلّد الوبيل. ٤٦ - ثم خاطب المكذبين مهدّدًا لهم، فقال: ﴿كُلُوا﴾ من نعيم الدنيا الفاني ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ بمتاعها تمتّعا ﴿قَلِيلًا﴾ أو زمانًا قليلًا؛ أي: عيشوا مدّة قليلةً إلى منتهى آجالكم؛ لأن زمان الدنيا قليل كمتاعها. ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾؛ أي: كافرون مستحقّون للعذاب في الآخرة. وجملة ﴿كُلُوا﴾ في محل النصب مقول لقول مقدّر وقع حالًا من المكذبين. قال في "الكواشي": لا أحب الوقف على ﴿المكذبين﴾ إن نصبت ﴿كُلُوا﴾ إلخ، حالًا منه. والمعنى (١): الويل ثابت لهم مقولًا لهم ذلك في الآخرة تذكيرًا لهم بحالهم في الدنيا بما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع الفاني عن قريب على النعيم الخالد، فلا يرد كيف يقال لهم ذلك ولا تمتع لهم فيها؟ يعني: أنّ هذا القول لهم في الآخرة لا يكون لطلب الأكل والتمتع منهم بنعيم الدنيا حقيقةً لعدم إمكانه بل إنّما يقال لهم للتذكير المذكور، فيكون الأمر أمر توبيخ وتحسير وتحزين. وعلل ذلك بإجرامهم دلالةً على أن كل مجرم مآله هذا؛ أي: ليس له إلّا الأكل والتمتع أيّامًا قلائل ثم البقاء في الهلاك الأبدي. أو يقال لهم هذا في الدنيا. والمعنى عليه: أي كلوا بقية آجالكم وتمتعوا بقية أعماركم، وهي قليلة المدى، وسنستن بكم سنة من قبلكم من مجرمي الأمم الخالية التي متعت إلى حين ثم انتقمنا منهم بكفرهم وتكذيبهم لرسلنا. وهذا، وإن كان في اللفظ أمرًا فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم. ٤٧ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك أبديّ وحزن سرمدي ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ وقعت المجازاة على الأعمال ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ الذين عرّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل، وكذّبوا بما أخبرهم الله تعالى أنّه فعل بهم. ٤٨ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: للمكذبين: ﴿ارْكَعُوا﴾؛ أي: أطيعوا الله، واخشعوا، وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه، وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة؛ لأنّ الركوع

стр. 14325

والانحناء تواضع له وتعظيم، والسجود أبلغ منه في التواضع والتعظيم، ومن ذلك قالوا: إن السجود لغير الله كفر إن كان للعبادة، وخطر عظيم إن كان للتعظيم. وفي "حواشي ابن الشيخ": الركوع في اللغة حقيقة في مطلق الانحناء الحسّيّ، وركوع الصلاة من جملة أفراده، وتفسيره بالإطاعة والخضوع مجاز لغويّ تشبيهًا له بالانحناء الحسّي. ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾؛ أي: لا يخضعون، ولا يقبلون ذلك، ويصرون على ما هم عليه من الاستكبار. وقيل المعنى: إذا أمروا بالصلاة، أو بالركوع لا يفعلون، لما روى مقاتل: أنه نزل حين أمر رسول الله ﷺ ثقيفًا بالصلاة، فقالوا: إنّا لا نخرّ ولا نحني؛ أي: لا نقوم قيام الراكع، فإنها سبة علينا؛ أي: إنّ هيئة التجبية هيئة تظهر وترفع فيها السبّة، وهي الاست؛ أي: الدبر. وهو عار وعيب علينا، فقال ﷺ : "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود". وفي بعض التفاسير: كانوا في الجاهلية يسجدون للأصنام ولا يركعون لها، فصار الركوع من أعلام صلاة المسلمين لله تعالى. وفيه دلالة على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع في حقّ المؤاخذة في الآخرة، كما مرّ مرارًا. وفيه ذمّ عظيم لتارك الصلاة حيث لا يجيب داعي الله، أي: المؤذّن. فإنه يدعو في الأوقات الخمسة المؤمنين إلى بيت الله وإقامة الصلاة، وقس عليه سائر الداعين. والخلاصة (١): أي وإذا قيل لهؤلاء المكذّبين: أعبدوا الله وأطيعوه واخشوا يومًا تتقلّب فيه القلوب والأبصار استكبروا، وأصرّوا على عنادهم. وروى ابن جرير عن ابن عباس: أنه قال: ما يقال هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون من جراء أنهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا. ٤٩ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: توبيخ عظيم وعذاب شديد ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يوبّخ المكذبين، ويُعنّفون على أعمالهم الخبيثة ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بأوامر الله سبحانه ونواهيه. ٥٠ - وبعد أن بالغ في زجر الكفّار بما تقدم ذكره، وحثّ على الانقياد للدين الحقّ ختم السورة بالتعجيب من هؤلاء المشركين الذين لم يسمعوا نصيحة الداعي، ولم

стр. 14326

يتّبعوا عظاته وما فيه رشدهم وصلاحهم في آخرتهم ودنياهم، فقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾؛ أي: (١) فبأيّ خبر يخبر بالحقّ، وينطق بما كان وما يكون على الصدق؟ ﴿بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين وأخبار النشأتين على نمط بديع معجز مؤسّس على حجج قاطعة وبراهبن ساطعة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا به؛ أي: بالقرآن الجامع لجميع الأحاديث والأخبار. فقوله: ﴿فَبِأَيِّ ...﴾ إلخ، جواب شرط محذوف، وكلمة ﴿بعد﴾ بمنزلة ثمّ في إفادة التراخي الرتبي، أي: فإذا لم يؤمنوا به وهو موصوف بما ذكر فبأي كتاب يؤمنون؟ أي: إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل على تجلّيها ووضوحها فبأي كلام بعد هذا يصدقون؟ وقصارى ذلك: أنَّ القرآن قد اشتمل على البيان الشافي، والحق الواضح، فما بالهم لا يبادرون إلى الإيمان به قبل الفوت وحلول الموت وعدم الانتفاع بعسى ولعل وليت؟. وقرأ الجمهور (٢) ﴿يُؤْمِنُون﴾ بالتحتية على الغيبة. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، ويعقوب بالفوقية على الخطاب. وقد ختم سبحانه (٣) السورة بالتعجيب من الكفّار؛ لأن الاستفهام للتعجيب وبين أنهم في أقصى درجات التمرد والعناد، حيث لم ينقادوا لمثل هذا البرهان الساطع والدليل القاطع على حقّيّة الدين القويم من حيث كونه في أرفع درجات الفصاحة والبلاغة، وفي أقصى طبقات الإعجاز. واستدل بعض المعتزلة على أنّ القرآن ليس بقديم بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ إذ الحديث ضدّ القديم؛ لأنّ الحدوث والقدم لا يجتمعان في شيء واحد، ورد بأن الحديث هنا بمعنى الخبر لا بمعنى الحادث، ولو سلم فالعبارة لا تدل على أنّ القرآن محدث لاحتمال أن يكون المراد فبأيّ حديث بعد القديم يؤمنون؟ وروي: أنّ المرسلات نزلت في غار قرب مسجد الخيف بمنى، يسمّى غار والمرسلات. خاتمة (٤): وجاء في هذه السورة بعد كل جملة قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾؛ لأنّ كل جملة منها فيها إخبار الله تعالى عن أشياء من أحوال الآخرة، وتقريرات من أحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كلّ جملة منها للمكذّب

стр. 14327

بالويل في يوم الآخرة. ولما كان في سورة الإنسان ذكر نزرًا من أحوال الكفّار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين فيها جاء في هذه السورة الإطناب في وصف الكفّار والإيجاز في وصف المؤمنين، فوقع بذلك الاعتدال بين السورتين. الإعراب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾. ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جرّ وقسم، ﴿المرسلات﴾ مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالمرسلات، وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًّا. و ﴿عُرْفًا﴾، إما حال من الضمير المستكن في المرسلات إن كان مأخوذًا من عرف الفرس؛ أي: شعر عنق الفرس، والمعنى على التشبيه؛ أي: أقسم بالرياح المرسلات حال كونها شبيهة بعرف الفرس من حيث تلاحقها وتتابعها كما أنّه كذلك. أو منصوب على المصدرية؛ أي: والمرسلات إرسالًا عرفًا؛ أي: متتابعًا متلاحقًا. أو على أنّه مفعول لأجله إن كان بمعنى المعروف؛ أي: والمرسلات لأجل العرف؛ أي؛ أرسلت للإحسان والمعروف. وجواب القسم وما عطف عليه قوله الآتي: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾. ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة للتعقيب، ﴿العاصفات﴾ معطوف على ﴿المرسلات﴾، وهي اسم فاعل من العصف بمعنى الشدّة، ﴿عَصْفًا﴾ مصدر مؤكّد منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿العاصفات﴾، ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ معطوف أيضًا على ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، ﴿نَشْرًا﴾ مفعول مطلق منصوب بـ ﴿الناشرات﴾، ﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾ معطوف على ﴿الناشرات﴾، ﴿فَرْقًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿الفارقات﴾، ﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾ معطوف على ﴿الفارقات﴾، ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به لـ ﴿الملقيات﴾. ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ منصوبان على البدلية من ﴿ذِكْرًا﴾ أو على أنّهما مفعولان لأجله أو على الحال من الضمير المستكن في ﴿الملقيات﴾ أي: معذرين ومنذرين. ﴿إِنَّمَا﴾ إنّ حرف نصب وتوكيد، ﴿مَا﴾ اسم موصول بمعنى الذي في محل النصب اسمها، ولا تكون ﴿مَا﴾ هنا مصدرية ولا كافّة، وقد مرّ لك أنها كتبت هنا متصلة بـ ﴿إن﴾ إتباعًا لرسم المصحف الإمام.

стр. 14328

وجملة ﴿تُوعَدُونَ﴾ من الفعل المغيّر ونائب فعله صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: إنّ الذي توعدونه من البعث والحشر، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، واللام المزحلقة حرف ابتداء، وجملة ﴿إنّ﴾ من اسمها وخبرها جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط، ﴿النُّجُومُ﴾ نائب فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسّره ما بعده، تقديره: فإذا طمست النجوم طمست. وجملة ﴿طُمِسَتْ﴾ من الفعل المغيّر ونائب فاعله جملة مفسّرة لا محل لها من الإعراب. وفي جواب ﴿إذا﴾ قولان: أحدهما: أنّه محذوف تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون لدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ عليه. والثاني: أنّ جوابها قوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ على إضمار القول؛ أي: يقال: لأيّ يوم أجّلت. فالفعل في الحقيقة هو الجواب، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها على كلا القولين مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ جمل معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾، وجرى فيها ما جرى فيه من الإعراب من الاشتغال؛ أي: وإذا فرجت السماء فرجت، وإذا نسفت الجبال نسفت، وإذا أقتت الرسل أقتت وقع ما توعدون من البعث والمجازاة. ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُجِّلَتْ﴾؛ أي: أجلت لأيّ يوم، والجملة مقول لقول محذوف في محل نصب على الحال من مرفوع ﴿أُقِّتَتْ﴾؛ أي: ماذا أقتت الرسل مقولًا فيهم: لأيّ يوم أجلت وقع ما توعدون، أو مقول لقول محذوف وقع جوابًا لـ ﴿إذا﴾، فلا محل لها من الإعراب كما تقدم؛ أي: يقال لأيّ يوم أجلت. ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ بإعادة

стр. 14329

العامل، ولك أن تعلقه بفعل محذوف؛ أي: أجلت ليوم الفصل. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَدْرَاكَ﴾ فعل ماض ومفعول به أوّل، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: وأي شيء مدر إياك جواب ﴿مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾ استفهامية في محل الرفع مبتدأ، ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب سادّة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾؛ أي: شيء جعلك داريًا، جواب استفهام ﴿مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾، والاستفهام الأول معناه الاستبعاد والإنكار، والثاني للتهويل والتعظيم. ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به مع كونه نكرة ما فيه من معنى الدعاء، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف أضيف إلى مثله، متعلق بـ ﴿وَيْلٌ﴾؛ لأنّه بمعنى هلاك، أو صفة له، والتنوين عوض عن جمل محذوفة تقتبس من السياق. والتقدير: يوم إذ طمست النجوم وفرجت السماء إلخ، ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ خبر عن ﴿وَيْلٌ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ الهمزة للاستفهام التقريري؛ لأنّ الاستفهام في الأصل إنكاري، وقد دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، ويعبّر عنه بالاستفهام التقريري. ﴿لم نهلك﴾ جازم وفاعل مضارع، مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، يعود على الله، ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مفعول به، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع التراخي ﴿نتبعهم﴾ فعل مضارع ومفعول به، مرفوع على الاستئناف لتجرّده عن الناصب والجازم، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿الْآخِرِينَ﴾ مفعول به ثان، أي: ثمّ نحن نتبعهم الآخرين. ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: فعلا مثل ذلك الفعل الفظيع، ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿نَفْعَلُ﴾ فعل مضارع وفعل مستتر يعود على الله، ﴿بِالْمُجْرِمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿نَفْعَلُ﴾، والجملة مستأنفة. وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ تقدم إعرابه آنفًا فلا عود ولا إعادة، وسيأتي سر تكرارها في مبحث البلاغة. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾. ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري: ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾ فعل

стр. 14330

مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على الله، ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ متعلق بـ ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾، ﴿مَهِينٍ﴾ نعت لـ ﴿مَاءٍ﴾ ومن الابتدائية إشارة إلى أنه تعالى قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل، معطوف على الجملة الاستفهامية، ﴿فِي قَرَارٍ﴾ في موضع المفعول الثاني، ﴿مَكِينٍ﴾ صفة لـ ﴿قَرَارٍ﴾، ﴿إِلَى قَدَرٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع حالًا من مفعول ﴿جعلناه﴾؛ أي: مؤخّرًا إلى قدر معلوم، و ﴿مَعْلُومٍ﴾ صفة لـ ﴿قَدَرٍ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿جعلناه﴾، ﴿فَنِعْمَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿نعم﴾ فعل ماض جامد لإنشاء المدح، ﴿الْقَادِرُونَ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قدرنا﴾، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: نحن. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾ تقدم إعرابها. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريريّ، ﴿لم نجعل الأرض كفاتًا﴾ جازم وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعولان، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ مفعولان به لـ ﴿كِفَاتًا﴾ إن قلنا: إنّه مصدر أو جمع كافت لأنّه اسم فاعل، و ﴿جعلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على الجملة الاستفهامية، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿جعلنا﴾ إن كان بمعنى ﴿خلقنا﴾، وفي موضع المفعول الثاني إن كان بمعنى صيرنا، ﴿رَوَاسِىَ﴾ مفعول ﴿جعلنا﴾، ﴿شَامِخَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿رَوَاسِىَ﴾، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً﴾ فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿جعلنا﴾، ﴿فُرَاتًا﴾ صفة لـ ﴿مَاءً﴾. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ تقدم إعرابها. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾. ﴿انْطَلِقُوا﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، ﴿والواو﴾: فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: ﴿انْطَلِقُوا﴾ إلخ. وجملة القول مستأنفة، ﴿إِلَى مَا﴾ متعلق بـ ﴿انْطَلِقُوا﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد الضمير في ﴿به﴾. ﴿انْطَلِقُوا﴾ فعل وفاعل، توكيد لفظيّ لـ ﴿انْطَلِقُوا﴾ الأول، ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾ معلق بـ ﴿انْطَلِقُوا﴾، ﴿ذِي ثَلَاثِ﴾ صفة لـ ﴿ظِلٍّ﴾،

стр. 14331

﴿ذِي﴾ مضاف، ﴿ثَلَاثِ﴾ مضاف إليه، ﴿ثَلَاثِ﴾ مضاف، ﴿شُعَبٍ﴾ مضاف إليه، ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ صفة لـ ﴿ظِلٍّ﴾، و ﴿وَلَا﴾ متوسطة بين الصفة والموصوف لإفادة النفي؛ أي: إلى ظلّ غير ظليل. وجملة ﴿لا يغني من اللهب﴾ صفة ثانية لـ ﴿ظِلٍّ﴾؛ أي: إلى ظل غير ظليل غير مغنٍ من اللهب، و ﴿مِنَ اللَّهَبِ﴾ متعلق بـ ﴿يغني﴾، وجيء بالصفة الأولى اسمًا وبالثانية فعلًا دلالة على نفي ثبوت هذه الصفة ونفي التجدّد والحدوث للإغناء عن اللهب، كما في "السمين". ﴿إِنَّهَا﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَرْمِي﴾ خبره، وجملة إنّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل عدم غناء الظلّ غير الظليل. ﴿بِشَرَرٍ﴾، متعلق بـ ﴿تَرْمِي﴾، ﴿كَالْقَصْرِ﴾ نعت لـ ﴿شرر﴾، ﴿كَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿جِمَالَتٌ﴾ خبره، ﴿صُفْرٌ﴾ صفة لـ ﴿جمالة﴾، وجملة ﴿كأن﴾ في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شرر﴾. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ تقدم إعرابها. ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾. ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿يَوْمُ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، وجملة ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾ في محل جر بإضافة الظرف إليه، وقرىء بفتح الميم نصبًا على الظرفية، وهو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يُؤْذَنُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، ﴿لَهُم﴾ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُؤْذَنُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾. ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يعتذرون﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يُؤْذَنُ﴾، منتظم في سلك النفي من غير تسبّب عنه، ولهذا لم ينصب؛ لأنّه لو نصب لـ كان مسبّبًا عنه لا محالة. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾ تقدم إعرابها. ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ معطوف على الكاف أو مفعول معه، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، لأنّها فسرت جملة قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. ﴿فإن﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إنْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿لَكُمْ﴾ خبرها مقدم، ﴿كَيْدٌ﴾ اسمها مؤخّر، ﴿فَكِيدُونِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿كيدون﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية،

стр. 14332

وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة مفعول به، وجملة ﴿كيدون﴾ في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾. تقدم إعرابها. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ناصب واسمه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لذكر أحوال المؤمنين على سبيل الإيجاز، ﴿وَعُيُونٍ﴾ معطوف على ﴿ظِلَالٍ﴾، ﴿وَفَوَاكِهَ﴾ معطوف على ﴿ظلال﴾، مجرور بالفتحة، لأنّه على صيغة منتهى المجموع، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور نعت لـ ﴿فواكه﴾، وجملة ﴿يَشْتَهُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما يشتهونه. ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من الضمير المستكن في خبر ﴿إنّ﴾ الذي هو قوله: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾؛ أي: مستقرّون في ظلال مقولا لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلخ. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوف على ﴿كُلُوا﴾، ﴿هَنِيئًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا وشربًا هنيئين، أو منصوب على الحال من فاعل ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، أي: حال كونكم متهنّئين. ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿هَنِيئًا﴾ ﴿كنتم﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿كَذلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف مقدم على عامله؛ أي: جزاء مثل ذلك الجزاء العظيم. ﴿نَجْزِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جملة تعليليّة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾ تقدم إعرابها. ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر وفاعل، ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من ﴿المكذبين﴾، والتقدير: الويل ثابت للمكذبين حال كونهم مقولًا لهم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾. قَلِيلًا صفة لظرف محذوف تقديره: زمانًا قليلًا، والظرف تنازع فيه ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾، أو صفة لمصدر محذوف أي: أكلًا قليلًا وتمتعًا قليلًا. ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل التهديد المفهوم من الأمر

стр. 14333

بالأكل والتمتع. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ تقدم إعرابها. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمُ﴾ متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿ارْكَعُوا﴾ نائب فاعل محكيّ لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قيل﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، وجملة ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ تقدم إعرابها. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، الباء، حرف جر. ﴿أيّ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي، مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يؤمنون﴾، ﴿أي﴾ مضاف، ﴿حَدِيثٍ﴾ مضاف إليه، ﴿بَعْدَهُ﴾ ظرف متعلق بمحذوف صفة لحديث، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جملة استفهامية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. التصريف ومفردات اللغة ﴿عُرْفًا﴾ وفي "القاموس": والعرف بالضمّ: شعر عنق الفرس اهـ. ثم قال: والمعرفة كمرحلة: موضع العرف من الفرس اهـ. ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ من العصف بمعنى الشدّة، وفي "المصباح": عصفت الريح عصفًا من باب ضرب وعصوفًا أيضًا: اشتدت. ﴿نَشْرًا﴾ مصدر نشر من باب نصر، يقال: نشرت الريح المطر إذا فرقته حيث شاء الله تعالى، وفرق بين الحق والباطل فرقًا من باب نصر، كما في "المختار". ﴿عُذْرًا﴾ مصدر من عذر إذا محا الإساءة. ﴿أَوْ نُذْرًا﴾ اسم من أنذر إذا خوّف، لا مصدر؛ لأنّه لم يسمع فعل مصدرًا من أفعل. ﴿طُمِسَتْ﴾؛ أي: محيت ومحقت وذهب نورها. ﴿فُرِجَتْ﴾؛ أي: فتحت فكانت أبوابًا. ﴿نُسِفَتْ﴾؛ أي: تفتتت فصارت كالرمل السائل، وفي "المصباح": نسفت الريح التراب نسفًا من باب ضرب: اقتلعته وفرقته اهـ. ﴿أُقِّتَتْ﴾ قرأه أبو عمرو البصري ﴿وُقّتَتْ﴾ بالواو من الوقت، فالواو هي الأصل فاء الكلمة. وقرأه الباقون ﴿أقتت﴾ بالهمزة، وفيه إبدال الواو همزة؛ لأن الضمة من جنس الواو، فالجمع بينهما يجري مجرى الجمع بين المثلين، فيكون ثقيلًا، ولهذا السبب تستثقل الكسرة على الياء، ولم تبدل في نحو: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، لأنّ ضمة الواو ليست بلازمةٍ فيه. وفي "كشف الأسرار": الألف والواو لغتان، والعرب تبدل الألف من الواو، تقول: وسادة

стр. 14334

وإسادة وكتاب مورخ ومؤرخ وقوس موتر ومؤتر. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فيه إعلال بقلب الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، أصله: أدريك بوزن أفعل. ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ والميم فيه أصلية، ومهانته قلته وخسته، وكل شيء ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته؛ أي: خلقناكم منه. ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ فالقرار موضع الاستقرار، والمكين: الحصين الحفيظ له مما يفسده كالهواء. ﴿كِفَاتًا﴾ والكفات اسم ما يكفت؛ أي: يضم ويجمع من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه كالضمام، لما يضم والجماع لما يجمع، نحو: التقوى جماع كل خير، والخمر جماع كل إثم. ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت من وما الشيء يرسو؛ أي: ثبت. ﴿شَامِخَاتٍ﴾ جمع شامخة، والشامخ: العالي المرتفع؛ أي: مرتفعات. ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد كأشهر معلومات ونحوه. ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾ يقال: الفرات للواحد والجمع، وتاؤه أصلية ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ جمع شعبة بمعنى قطعة وفرقة. ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾؛ أي: لا يدفعه، واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. ترمي بشرر فالشرر جمع شررة، وهي ما تطاير من النار في الجهات متفرقًا كالنجوم. قال في "القاموس": الشرر والشرار كجبلٍ وكتاب: ما يتطاير من النار، واجدتهما بهاء انتهى. ﴿كَالْقَصْرِ﴾ في العظم، مفرد جمعه قصور، وهو البناء العالي، ووصف به الجمع باعتبار كل واحد من أفراده، كما مرّ. ﴿جمالة صفر﴾ جمع جمل كحجارة في جمع حجر، ويقال: جمل وجمال وجمالة نحو: ذكر وذكارٍ وذكارة وحجر وحجار وحجارة. والتاء فيه لتأنيث الجمع أو اسم جمع كالحجارة. والجمل: ذكر الإبل، والناقة أنثاه. والصفر: جمع أصفر، والصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. ﴿فَكِيدُونِ﴾ أمر من كاد يكيد، وأصل يكيد يكيد بوزن يفعل، نقلت حركة الياء إلى الكاف فسكنت الياء إثر كسرة فصارت حرف مدّ، فلما بني منه الأمر حذف حرف المضارعة، وحذفت نون الرفع كما حذفت ياء المتكلم لرعاية الفواصل. والكيد: هو المكر والاحتيال والخديعة. ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظل كشعاب وشعب أو ظلة كقباب وقبة. ﴿يَشْتَهُونَ﴾ أصله: يشتهيون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما حذفت حركتها سكنت فالتقى ساكنان فحذفت الياء، وضمت الهاء لمناسبة الواو.

стр. 14335

البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع. فمنها: التأكيد بذكر المصادر زيادة في البيان وتقوية للكلام في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤)﴾. وهو من المحسنات اللفظية. ومنها: الطباق بين ﴿عُذْرًا﴾ و ﴿نُذْرًا﴾ وبين ﴿أَحْيَاءً﴾ و ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ وبين ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ و ﴿الْآخِرِينَ﴾. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر مع الإتيان بصيغة الاستفهام في قوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ لزيادة تفظيع الأمر وتهويله، وكان مقتضى السياق وما أدراك ما هو. ومنها: تكرار آية ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ في عشر مواضع لزيادة الترهيب والتهديد؛ لأن التكرار في مقام الترغيب والترهيب مستساغ حسن، لا سيما إذا تغايرت الآيات السابقة على المرّات المكررة كما هنا. ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ وفي قوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾. ومنها: الجناس الناقص بين لفظي ﴿مَهِينٍ﴾ و ﴿مَكِينٍ﴾. ومنها: التنكير في قوله: ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ للتفخيم، أو للإشعار بأنّ ما يرى على ظهر الأرض من الجبال بعض منها، وإنّ في عداد الجبال ما لم يعرف ولم ير، فإن في السماء جبالًا أيضًا بدلالة قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾ للتفخيم أو لإفادة التبعيض؛ لأنّ في السماء ماء فراتًا أيضًا، بل هي معدنه ومصبه. ومنها: تقديم الجار والمجرور على متعلق في قوله: ﴿إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ لرعاية رؤوس الفواصل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾؛ لأنّه كناية عن كون ذلك الدخان عظيمًا بناءً على أن التشعب من لوازمه.

стр. 14336

ومنها: وصف الظل بالظليل في قوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ للتأكيد كنومٍ نائمٍ، وللدلالة على أن تسمية ما يغشاهم من العذاب بالظل استهزاء بهم. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ والمرسل المفصّل في قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾. فالأول وهو التشبيه بالقصر تشبيه في العظم، والثاني وهو التشبيه بالجمل تشبيه في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة. ومنها: الإهانة والتعجيز والتقريع في قوله: ﴿فَكِيدُونِ﴾؛ لأنّ الأمر فيه أمر إهانة، والخطاب فيه خطاب تعجيز وتقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا. ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ﴾، سمّي العذاب ظلًّا تهكّمًا وسخرية بهم. ومنها: المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجّار في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾، قابل ذلك بقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ﴾ إلخ، من إطلاق الحال وإرادة المحل، وهو الجنة، علاقته المحلية؛ لأنّ الظلال تمتدّ فيها، والعيون تجري فيها، والفواكه تنضج فيها. ومنها: المجاز المرسل أيضًا في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ علاقته البعضيّة، لأنّه سمى الصلاة باسم جزء من أجزائها، وهو الركوع، وإنما خص الركوع بالذكر مع أن الصلاة تشتمل على أفعال كثيرة؛ لأنّ العرب كانوا يأنفون من الركوع والسجود. ومنها: التنكير في قوله: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾، فقد نكّرهما مع أنها تكفت الأحياء والأموات جميعًا للتفخيم، كأنّه قيل: أحياء لا يعدون وأمواتًا لا يحصون على أنّ أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 14337

خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد ١ - الإخبار بأنّ يوم الفصل آتٍ لا شكّ فيه، وقد أكد ذلك بالقسم بملائكته الكرام. ٢ - وعيد الكافرين بأنه سيستن بهم سنة الأولين من المكذبين. ٣ - توبيخ المكذّبين على نكران نعم الله عليهم في الأنفس والآفاق. ٤ - وصف عذاب الكافرين بما تشيب من هوله الولدان. ٥ - وصف نعيم المتقين، وما يلقونه من الكرامة في جنات النعيم، ويتخلل ذلك وصف خلق الإنسان، والأرض والجبال وبيان عظمة الخالق وكمال قدرته (١). والله أعلم * * *

стр. 14338

شعرٌ إِنّيْ إِذَا مَا خَتَمْتُ خَتْمًا ... أَقُوْلُ يا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِي ... وَلَكَ الشُّكْرُ شُكْرًا يُكَافِي عَلَى مَا بِهِ مِنَ التَّفْسِيْرِ أَكْرَمْتَنِي ... وَمَا بِهِ مِنَ الفُنُوْنِ أَلْهَمْتَنِييْ آخرُ يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... وَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيْهِ خُسْرَانُ عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ آخرُ وَمِنْ عَجَبِ الأَيَّامِ أنَّكَ قَاعِدُ ... عَلَى الأَرْضِ فِيْ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَسِيْرُ فَسَيْرُك يَا هَذَا كَسَيْرِ سَفِيْنَةِ ... بِقَوْمٍ قُعُوْدٍ وَالقُلُوْبُ تَطِيْرُ آخرُ كُنْ مِنَ الْخَلْقِ جَانِبَا ... وَارْضُ بِاللهِ صَاحِبَا قَلِّبِ الْخَلْقِ كَيْفَ شِئْـ ... ـتَ تَجِدْهُ عَقَارِبَا

стр. 14339

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الحادي والثلاثون»

стр. 14340

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 14341

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٣١]

стр. 14342

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 14343

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل القرآن منهلًا عذبًا للورود والصدور، وأنزله موعظةً وشفاءً لما في الصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي أجرى من مسجله ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم ببلاغته كل متكلم منطيق، وفسر الآيات في الأنفس والآفاق على مراد الله سبحان الملك الخلاق، وعلى آله وصحبه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممن تخلق بالقرآن في كل زمان. أما بعد: فيقول العبد المعترف بذنبه وخطئه، المنادي لربه في عفوه وعطائه: إني لما فرغت من تفسير الجزء التاسع والعشرين من القرآن الكريم .. عزمت إن شاء الله تعالى على الشروع في تفسير الجزء الثلاثين، وإن كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كل ذمير، وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كل أمير، وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليل، كالنيرين لغير كليل، ومع خطر ذاك فالأمد قصير، وفي العبد تقصير، وكم ترى من نحرير كامل في التحرير والتقرير، قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل، وذلك بحلول ريب المنون والأجل، أو بتطاول يد الزمان، فإن الدنيا لا تصفو لشاربٍ وإن كانت ماء الحيوان، وأي وجود لا ينسج عليه عناكب الآفات والعاهات، وأي نعيم لا يكدره الدهر هيهات هيهات. اللهم كما عودتني في الأول خيرًا كثيرًا، فيسر لي الأمر في الآخر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا لبياض الوجه، كما تبيض وجوه أولئك، وامح مسودات أعمالي بحق كتابك الكريم، واجعل قراري في جنات النعيم، ولم أكن بدعائك رب شقيًا، بكرة وعشيًا، ما دمت حيًا، فلك الحمد يا إلهي في الأولى والأخرى، على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وأقول مستمدًا من الله سبحانه التوفيق والهداية لأقوم الطريق:

стр. 14344

سورة النبأ سورة النبأ، وتسمى سورة عمَّ، وسورة المعصرات، وسورة التساؤل، مكية عند الجميع (١)، نزلت بعد سورة المعارج، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة عم يتساءلون بمكة، وأخرج ابن مردويه عن الزبير مثله. وهي أربعون آية، وقيل: إحدى وأربعون آية، وكلماتها مئة وثلاث وسبعون كلمة، وحروفها تسع مئة وسبعون حرفًا. المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (٢): ١ - اشتمالها على إثبات القدرة على البعث الذي ذكر في السورة السالفة أن الكافرين كذبوا به. ٢ - أن في هذه وما قبلها تأنيبًا وتقريعًا للمكذبين، فهناك قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾، وهنا قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾. ٣ - أن في كل منهما وصف الجمة والنار، وما ينعم به المتقون، ويعذب به المكذبون. ٤ - أن في هذه تفصيل ما أجمل في تلك من يوم الفصل، فهناك قال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ وهنا قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ إلى آخر السورة. وقال أبو حيان (٣): مناسبتها لما قبلها ظاهرة لما ذكر في ما قبله ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بعد الحديث الذي هو القرآن، وكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه .. قال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم في "الناسخ والمنسوخ": سورة النبأ محكم كلها، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

стр. 14345

تسميتها: سميت سورة النبأ، وسورة التساؤل؛ لذكر النبأ العظيم، أو التساؤل فيها. فضلها: ومما ورد في فضلها (١): ما روى أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من قرأ عم يتساءلون .. سقاه الله برد الشراب يوم القيامة". وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تعلموا سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾، وتعلموا ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، فإنكم لو تعلمون ما فيهن .. لعطلتم ما أنتم عليه وتعلمتموهن، وتقربوا إلى الله بهن، إن الله يغفر بهن كل ذنب إلا الشرك بالله". ولكن فيه مقال. وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشيب قال: "شيبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"، وفيه إشارة إلى أن من تعلم هذه السور، ينبغي له أن يتعلم معانيها أيضًا، إذ لا يحصل المقصود إلا به، وتصريح بأن الآخرة ومطالعة الوعيد يشيب الإنسان. والله أعلم * * *

стр. 14346

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾. المناسبة لما اختتم الله سورة المرسلات بذكر يوم القيامة، ووعيد المكذبين؛ حيث قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. افتتح هذه السورة بذكر النبأ العظيم، ويوم القيامة، ودلائل القدرة الربانية على البعث والنشور، والإعادة بعد الإبادة، والإحياء بعد الإماتة؛ ليقوم الناس لرب العالمين، فيلقى كل منهم جزاء علمه. وقد ذكر لهم من مظاهر قدرته أمورًا تسعة يشاهدونها بأعينهم، لا يخفى عليهم شيء منها: ١ - انبساط الأرض وتمهيدها لتصلح لسير الناس والأنعام. ٢ - ثبات الجبال صاعدة في الجو.

стр. 14347

٣ - تنوع الآدميين إلى ذكور وإناث. ٤ - جعل النوم راحةً للإنسان من عناء الأعمال التي يزاولها عامة نهاره. ٥ - جعل الليل ساترًا للخلق. ٦ - جعل النهار وقتًا لشؤون الحياة والمعاش. ٧ - ارتفاع السموات فوقنا مع إحكام الوضع ودقة الصنع. ٨ - وجود الشمس المنيرة المتوهجة. ٩ - نزول المطر وما ينشأ عنه من النبات، فكل ذلك داع لهم أن يعترفوا أن من قدر على كل هذا .. فلا تعجزه إعادتهم إلى النشأة الآخرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما نبه عباده إلى هذه الظواهر الباهرة، ولفت أنظارهم إلى آياته القاهرة .. أخذ يبين ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله، وهو يوم الفصل، ويذكر لهم بعض ما يكون فيه، تخويفًا لهم من الاستمرار على التكذيب بعدما وضحت الأدلة، واستبان الحق، ثم أبان لهم أن هذا يوم شأن عظيم، وأمر الكائنات فيه على غير ما تعهدون، ثم ذكر منزلة المكذبين الذين جحدوا آيات الله واتخذوها هزوًا، وأن جهنم مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها أحقابًا طوالًا لا يجدون شيئًا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحًا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار، والصديد الذي يسيل من أجسادهم جزاء سيء أعمالهم، إذ هم كانوا لا ينظرون يوم الحساب، ومن ثم اقترفوا السيئات، وارتكبوا مختلف المعاصي، وكذبوا الدلائل التي أقامها الله تعالى على صدق رسوله أشد التكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون له كلمة الفصل، فيقول لهم ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. قوله تعالى ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين حال المكذبين .. أردفه ما يفوز به المتقون من الجنات التي وصفها ووصف ما فيها، وذكر أنها عطاء من الله تعالى، وفي هذا استنهاض لعوالي الهمم بدعوتهم إلى المثابرة على أعمال الخير، وازديادهم من القربات والطاعات، كما أن فيها

стр. 14348

إيلامًا لأنفس الضالين المكذبين. قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن يوم القيامة موعد للفصل بين الخلائق، وتنتهي به أيام الدنيا، وأن دار العذاب معدة للكافرين، وأن الفوز بالنعيم للمتقين .. أعقب ذلك بأن هذا يوم يقوم فيه جبريل والملائكة صفًا صفًا لا يتكلمون إلا إذا أذن لهم ربهم، وقالوا قولًا صحيحًا، ثم أتبعه بأن هذا اليوم حق لا ريب فيه، وأن الناس فيه فريقان: فريق بعيد من الله، ومرجعه إلى النار، وفريق مآبه القرب من الله، ومنازل الكرامة، فمن كانت له مشيئة صادقة .. فليتخذ مآبًا إلى ربه، وليعمل عملًا صالحًا يقربه منه، ويحله محل كرامته. ثم عاد إلى تهديد المعاندين وتحذيرهم من عاقبة عنادهم، وأنهم يعلمون غدًا ما قدمته أيديهم، ويرونه حاضرًا لديهم، وحينئذٍ يندمون، ولات ساعة مندم، ويبلغ من أَمْرِهم أن يقولوا: ليتنا كنا ترابًا لم نصب حظًا من الحياة. أسباب النزول لما بعث رسول الله ﷺ برسالة رب العالمين إلى العرب خاصة، وإلى الناس كافةً، وأمرهم بتوحيد الله ، وصاع بأمر الله وبلغهم بالبعث والنشور بعد الموت، وتلا عليهم القرآن العظيم .. جعلوا يتساءلون بينهم، فكانوا كلما اجتمعوا في ناد من أنديتهم، أو ندوة من ندواتهم .. أخذوا يتحدثون في شأن محمد ﷺ ورسالته وما جاء به من ربه، ويسأل بعضهم بعضًا، ويسألون غيرهم عن طريق الإنكار عليه، ويتعجبون منه، ويقولون ما الذي أتى به محمد، وهل هو ساحر، أم شاعر، أم كاهن، أم اعتراه بعض آلهتنا بسوء؟ فنزلت هذه السورة إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من تساؤلهم. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿عَمَّ﴾: أصله (١): عن ما، أدغمت النون في الميم لاشتراكهما في الغنة،

стр. 14349

فصار عما، ثم حذفت الألف كما في لِمَ وبِمَ وفيمَ وإلامَ وعلامَ، فإنها في الأصل: لما وبما وفيما وإلى ما وعلى ما؛ إما فرقًا بين الاستفهامية وغيرها، أو قصدًا للخفة لكثرة استعمالها، وقد جاءت في العشر غير محذوفة، كما ذكره أبو البقاء، ومنه قول الشاعر: عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيْمٌ ... كَخِنْزِيْرٍ تَمَرَّغَ فِيْ رَمَادِ ولكنه قليل لا يجوز إلا لضرورة، وما فيها من الإبهام للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهوله، وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة، كأنه خفي جنسه، فيسأل عنه، فالاستفهام ليس على حقيقته، بل لمجرد التفخيم، فإن المسؤول عنه ليس بمجهول بالنسبة إلى الله تعالى إذ لا تخفى عليه خافية، قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام، والمعنى تفخيم القصة، كما تقول أي شيء تريد؟ إذا عظمت شأنه، وقرأ الجمهور (١): ﴿عَمَّ﴾ بحذف الألف لما ذكرنا آنفًا، وقرأ أبي وابن مسعود وعكرمة وعيسى: ﴿عما﴾ بالألف، وهو أصل: عم، ولكنه قليل كما مر آنفًا، وقرأ الضحاك واين كثير في رواية والبزي: ﴿عمه﴾ بهاء السكت عوضًا عن الألف إجراء للوصل مجرى الوقف لأن الأكثر في الوقف على ما الاستفهامية هو إلحاق هاء السكت إذا أضيف إليها نحو: مجيء مه، والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب، كما تقول أي رجل تريد؟ وزيد ما زيد؟ كأنه لما كان عدم النظير أو قليله خفي عليك جنسه، فأخذت تستفهم عنه، ثم جردت العبارة عن تفخيم الشيء، فجاء في القرآن، والمعنى عن أي شيء عظيم يتساءلون. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي أهل مكة، وكانوا يتساءلون عن البعث والحشر الجسماني ويتحدثون فيما بينهم، ويخوضون فيه إنكارًا واستهزاءً، لكن لا على طريق التساؤل عن حقيقته ومسماه، بل عن وقوعه الذي هو حال من أحواله، ووصف من أوصافه، فإن (ما) وإن وضعت لطلب حقائق الأشياء، ومسميات أسمائها، كما في قولك: ما المَلَك، وما الروح؟ لكنها قد يطلب بها الصفة والحال، تقول: ما زيد؟ فيقال عالم أو طبيب، وقيل: يتساءلون عن القرآن، وإنما كان عظيمًا؛ لأنه ينبىء عن التوحيد وتصديق الرسول ووقوع البعث والنشور، قال الفراء: التساؤل هو أن يسأل بعضهم

стр. 14350

بعضًا كالتقابل، وقد يستعمل أيضًا في أن يتحدثوا به، وإن لم يكن سؤال، قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ الآية، وهذا يدل على أنه التحدث. انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقرأ عبد الله وابن جبير: ﴿يَسَّاءلون﴾ بغير تاء وشد السين، وأصله ﴿يتساءلون﴾ بالتاء، فأدغمت التاء في السين. ٢ - ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا، وبيَّنه فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ والنبأ: الخبر الذي له شأن وخطر، وهو جواب وبيان لشأن المسؤول عنه، كأنه قيل: عن أي شيء يتساءلون؟ هل أخبركم به ثم قيل بطريق الجواب: عن النبأ العظيم الخارج عن دائرة علوم الخلق يتساءلون على منهاج قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. والفائدة في أن يذكر السؤال ثم أن يذكر الجواب معه (١): كون هذا الأسلوب أقرب إلى التفهيم والإيضاح، فـ ﴿عَنْ﴾ متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه أن يقدر بعدها مسارعةً إلى البيان، ومراعاة لترتيب السؤال، فإن الجار فيه مقدم على متعلقه. وقيل: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ استفهام آخر بمعنى: أعن النبأ العظيم، أم عن غيره؟ إلا أنه حذف منه حرف الاستفهام لدلالة المذكور عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾؛ أي: أهم الخالدون؟ ٣ - ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ وصف النبأ بعد وصفه بـ ﴿الْعَظِيمِ﴾ تأكيدًا لخطره إثر تأكيد، وإشعارًا بمدار السؤال عنه، فهو متصف بالعُظم، ومتصف بوقوع الاختلاف فيه، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُخْتَلِفُونَ﴾ قدم عليه اهتمامًا به ورعايةً للفواصل، وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات في الاختلاف فيه؛ أي هم راسخون في الاختلاف فيه، فمن جازم باستحالته يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ ومن مقر يزعم أن آلهته تشفع له، كما قالوا ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومن شاكٍ يقول: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.

стр. 14351

وفي "الشوكاني": وقد استدل على أن ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ هو القرآن بقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ فإنهم اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحرًا، وبعضهم شعرًا، وبعضهم كهانةً، وبعضهم قال: هو أساطير الأولين، وأما البعث .. فقد اتفق الكفار إذا ذاك على إنكاره، ويمكن أن يقال: إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة، فصدق به المؤمنون، وكذب به الكافرون، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل. ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾، ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون، وتأباه عقولهم السخيفة. وقيل: إن الضمير في قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يرجع إلى المؤمنين والكفار؛ لأنهم جميعًا كانوا يتساءلون عنه، فأما المؤمن فيزداد يقينًا واستعدادًا وبصيرةً في دينه، وأما الكافر فاستهزاءً وسخريةً، قال الرازي: ويحتمل أنهم يسألون الرسول، ويقولون: ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة؟ والمعنى (١): أي عن أيِّ شيء يتساءل المشركون من أهل مكة وغيرهم فيما بينهم إنكارًا واستهزاءً، ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ أي: عن الخبر العظيم الشأن الذي اختلفوا فيه يتساءلون، فقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ سؤال، وقوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ جواب، فالسائل والمجيب هو الله تعالى، وإيراد الكلام بصورة السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح، وتثبيت الجواب في نفس السائل، كما مر. روي أن النبي ﷺ لما دعاهم إلى التوحيد، وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن .. جعلوا يتساءلون فيما بينهم، فيقولون ماذا جاء به محمد ﷺ ؟ ويسألون الرسول والمؤمنين عنه استهزاءً. وقيل: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: هو نبوة محمد ﷺ ، وذلك لأنهم عجبوا إرسال الله محمدًا إليهم. ٤ - ثم أخذ سبحانه يرد عليهم متوعدًا لهم، فقال: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾، فالكلام (٢) فيه ردع كما يستفاد من ﴿كَلَّا﴾، ووعيد كما يستفاد من ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾؛ أي ليس أمر البعث مما ينكر أو يشك فيه، بحيث يتساءل عنه، سيعلمون أن ما يتساءلون عنه حق لا دافع له، واقع لا ريب فيه، مقطوع لا شك، وقيل: ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًا سيعلمون

стр. 14352

أي حقًا يعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، ويعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. والمعنى: أي: ليس (١) الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون الذين ينكرون البعث بعد الموت، ثم توعدهم بأنهم سيعلمون إذا ما عاينوا بأنفسهم حقيقة ما كانوا ينكرون، وتنقطع عنهم الريبة حين يسأل كل عامل عما عمل، ويفصل بين الخلائق. وقصارى ذلك: فليزدجروا عما هم فيه، فإنهم سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال، وأن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا شك فيه ولا ريب، ٥ - ثم أكد هذا الوعيد بقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ تكرير (٢) للردع والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد، و ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن الوعيد الثاني أبلغ وأشد، يعني: أن ﴿ثُمَّ﴾ موضوعة للتراخي الزماني، وقد تستعمل مجازًا في التراخي الرتبي؛ أي: لتباعد ما بين المعطوفين في الشدة والفظاعة، وذلك لتثبيه التباعد الرتبي بالتراخي الزماني في الاشتمال على مطلق التباعد بين الأمرين، والمعنى المجازي هو المراد هنا؛ لأن المقام مقام التشديد والتهديد، وذلك إنما يكون آكد بالحمل عليه، وبعضهم حملها على معناها الحقيقي فقال: سيعلمون حقيته عند النزع، ثم في يوم القيامة، ولا شك أن القيامة متراخية بحسب الزمان عن وقت النزع، فـ ﴿كَلَّا﴾ ردع لهم عن التساؤل والاختلاف بالمعنيين المذكورين، و ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد لهم بطريق الاستئناف، وتعليل للردع، والسين للتقريب والتأكيد، وليس مفعوله ما ينبىء عنه المقام من وقوع ما يتساءلون عنه، ووقوع ما يختلفون فيه، بل هو عبارة عما يلاقون من فنون الدواهي والعقوبات، والتعبير عن لقائها بالعلم لوقوعه في معرض التساؤل والاختلاف، والتقدير: أي سيعلمون ما يحل بهم من فنون العقوبات. وقرأ الجمهور (٣): ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ بياء الغيبة في الموضعين، وقرأ الحسن وأبو العالية وابن دينار وابن عامر في روايةٍ عنه بالفوقية على الخطاب في الموضعين، وقرأ الضحاك: الأول بالفوقية، والثاني بالتحتية، وقال الضحاك أيضًا: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾

стр. 14353

يعني: الكافرين عاقبة التكذيب ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ يعني: المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل: بالعكس، وقيل هو وعيد بعد وعيد، وقيل: المعنى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾ عند النزع ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ عند البعث، كما مر. ٦ - ثم شرع يبين عظيم قدرته، وآيات رحمته التي غفل عنها هؤلاء المنكرون مع أنها بين أعينهم في كل حين؛ ليعرفوا توحيده، ويؤمنوا بما جاء به رسوله، فقال: ١ - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ والاستفهام (١) للتقرير بمعنى: جعلنا الأرض مهادًا، والمهاد: بمعنى البساط والفراش، أي: ألم نجعل الأرض بساطًا ممهودًا، وفراشًا مفروشًا لكم، تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه وفراشه؛ أي: قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، والمهاد: الوطاء والفراش، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ و ﴿مِهَادًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان الجعل بمعنى التصيير، وحال مقدرة إن كان بمعنى الخلق، وجوز أن يكون جمع مهد، ككعاب وكعب، وجمعه لاختلاف أماكن الأرض من القرى والبلاد وغيرها، أو للتصرف فيها بأن يجعل بعضها مزارع، وبعضها مساكن إلى غير ذلك. والجملة الاستفهامية مستأنفة مسوقة لتحقيق النبأ، والمتساءل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة بحقيته إثر ما نبه عليها بما ذكر من الردع والوعيد، ومن هنا اتضح أن المتساءل عنه هو البعث لا القرآن، أو نبوة النبي ﷺ كما قيل؛ لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث. وقرأ الجمهور ﴿مِهَادًا﴾ قال ابن الشيخ: المهاد: مصدر ماهدت بمعنى مهدت كسافرت بمعنى: سفرت، أطلق على الأرض الممهودة. وقرأ مجاهد (٢) وعيسى وبعض الكوفيين: ﴿مهد﴾ بفتح الميم وسكون الهاء، والمعنى: أنها كالمهد للصبي، وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر، ولم ينسب ابن عطية عيسى في هذه القراءة. وقال ابن خالويه: مهدًا على التوحيد عند مجاهد وعيسى

стр. 14354

الهمداني، وهو الحوفي، فاحتمل أن يكون قول ابن عطية وبعض الكوفيين كنايةً عن عيسى الهمداني، وإذا أطلقوا عيسى، أو قالوا: عيسى البصرة .. فهو عيسى ابن عمر الثقفي. والمعنى: أي فكيف تنكرون أو تشكون أيها الجاحدون في البعث والنشور، وقد رأيتم ما يدل عليه من قدرة الله التامة، وعلمه المحيط بكل شيء، وحكمته الباهرة التي تقتضي أن لا يكون ما خلق من الخلق عبثًا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾. فمن ينعم بهذه النعم لا يمكن أن يهملها ويتركها سدًى، انظروا إلى الأرض التي جعلها الله لك ممهدةً وموطأة الأكناف للناس والدواب، يقيمون عليها، ويفترشونها، وينتفعون بها بخيراتها الظاهرة والباطنة، ويبنون القصور الشامخة والعمارات السامقة، وهي بين أيديهم ذليلة لا تستعصي حتى على الطفل منهم يشقها كيف يشاء، وهي في ضخاتها وعظمتها، لكن الله الذي خلقها ذللها للناس ومهدها لهم، ووطأها وألانها بين أيديهم، وجعلها ساكنة ثابتة قارَّة لا تتحرك ولا تضطرب إلا بإذنه وقدرته تعالى، ألا ينظرون إلى عظمة هذه الأرض التي منها خلقوا، وفيها سيعودون، ومنها سيخرجون تارة أخرى شاؤوا أم أبوا، ألا ينظرون إلى أسرار التربة التي في الأرض، وما فيها من عجائب صنع الله تعالى، ففي هذا التراب الذي تحت قدميك الحلو والحامض، والدم واللحم، والعظم والخبر، والقطن والصوف، وما يأكل الناس والدواب ويلبس، فسبحان الخالق العظيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، واسمعوا قول الله سبحانه إذ يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ وأشباه ذلك من الآيات. ٢ - ٧ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾؛ أي: وجعلنا الجبال لها كالأوتاد في لا تميل باهلها ولا تضطرب بسكانها، كما ترسى الخيام بالأوتاد، ولولاها لكانت دائمة الاضطراب لما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان والمعادن المختلفة الأشكال والألوان، فلا تتم الحكمة في كونها مهادًا، فهو من باب التشبيه البليغ كما سيأتي، والأوتاد: جمع وتد، وهو ما يوتد ويحكم به المتزلزل المتحرك من اللوح وغيره.

стр. 14355

فإن قيل (١): أليست إرادة الله وقدرته كافيتين في التثبيت؟. أجيب: بأنه نعم إلا أنه مسبب الأسباب، وذلك من كمال القدرة، وإطلاق كلمة الأرض على الكرة الأرضية اصطلاح أهل الهيئة، وليس معناها في اللغة إلا البسيط الممدود تحت أقدام المخلوقين المسمى بالبر، وهو قشر جامد على مائع مذاب، ولا بد أن يكون في معرض الميدان والاضطراب، ولولا أن الجبال أثقلته واشتبكت به أصولها، وهي من الأحجار الصلبة والصخور الجامدة .. لكانت الزلازل دائمة الحدوث، والخسف والشق وهلاك آلاف من النفوس في كل يوم متواترةً متكررةً، ولكن الحكمة الربانية اقتضت تصلب القشر الأرضي بالأحجار؛ لئلا تميد بأهلها، فسبحان الذي جعل الجبال أوتادًا، والأرض مهادًا، وسلكها ينابع وأنهارًا وسبلًا فجاجًا، ﷻ وعز كماله. ٣ - ٨ ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ﴾ معطوف على المضارع المنفي بلم داخل في حكمه، فإنه في قوة: إنا جعلنا الأرض مهادا، أو على ما يقتضيه الاستفهام التقريري، فإنه في قوة أن يقال: قد جعلنا الأرض مهادًا. ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: حال كونكم أصنافًا ذكرًا وأنثى ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش، ويتسنى التناسل. والمعنى (٢): أي وجعلناكم أصنافًا ذكورًا وإناثًا ليتمتع كل منكم بالآخر، وليتم الائتناس، والتعاون على سعادة المعيشة، وحفظ الحياة بالإنسال والتوليد، وتكميلها بالتربية والتعليم قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وقيل: معناه: وخلقناكم أشكالًا كل واحد شكل للآخر، وقيل: معنى أصنافًا: أي: أسود وأبيض وأحمر وأصفر وصغيرًا وكبيرًا، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بين بني آدم. وقال بعضهم: معنى الآية: وخلقناكم حال كونكم معروضين لأوصاف متقابلة، كل واحد منها مزدوج بما يقابله، كالفقر والغنى، والصحة والمرض، والعلم والجهل، والقوة والضعف، والذكورة والأنوثة، والطول والقصر، إلى غير
следующие страницы →