والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ أيضًا؛ أي: أنزلنا منها ما لإخراجنا به حبًا ... إلخ. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه؛ ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ ﴿مِيقَاتًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأن سائلًا سأل لما أقام الأدلة على البعث، فقال: ما وقت البعث؟ فأجاب بقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ الخ. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلًا من ﴿مِيقَاتًا﴾، أو منصوب بفعل محذوف تقديره: أعني. ﴿يُنْفَخُ﴾ فعل مضارع مغبر الصيغة ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿يُنْفَخُ﴾، وجملة ﴿يُنْفَخُ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿فَتَأْتُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿تأتون﴾: فعل مضارع مرفوع بالنون، والواو: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُنْفَخُ﴾. ﴿أَفْوَاجًا﴾: حال من فاعل ﴿تأتون﴾، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿تأتون﴾، وعدل فيه إلى المضي إشارة إلى تحقق الوؤوع، وقيل: الواو حالية، والجملة في محل النصب على الحال؛ أي: فتأتون والحال أن السماء قد فتحت، ﴿فَكَانَتْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كانت﴾: فعل ماضٍ ناقص معطوف على ﴿فُتِحَتِ﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿السَّمَاءُ﴾، ﴿أَبْوَابًا﴾: خبرها، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿يُنْفَخُ﴾، ﴿فَكَانَتْ﴾: فعل ماضٍ ناقص معطوف على ﴿سُيِّرَتِ﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿الْجِبَالُ﴾. ﴿سَرَابًا﴾: خبرها، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿كَانَتْ﴾: فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مِرْصَادًا﴾: خبرها؛ أي: راصدة للمعذبين بها مترقبة لهم، أو مرصدة بمعنى: معدة؛ فهو إما من رصد الثلاثي بمعنى ترقب، وإما من أرصد الرباعي؛ أي: أعده ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ متعلق بـ ﴿مِرْصَادًا﴾، و ﴿مَآبًا﴾: خبر ثانٍ لـ ﴿مِرْصَادًا﴾؛ أي: مثابة يثوبون إليها ويرجعون، ويجوز تعلق ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ بـ ﴿مَآبًا﴾.
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾.
﴿لَابِثِينَ﴾: حال مقدرة من الضمير المستكن في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلقان به
стр. 14387
﴿أَحْقَابًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَابِثِينَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَذُوقُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَذُوقُونَ﴾. ﴿بَرْدًا﴾: مفعول به. ﴿وَلَا شَرَابًا﴾: معطوف على ﴿بَرْدًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿لَابِثِينَ﴾؛ أي: لابثين هم فيها حال كونهم غير ذائقين، فهي حال متداخلة، أو صفة لـ ﴿أَحْقَابًا﴾، وقيل: مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿حَمِيمًا﴾: بدل من ﴿شَرَابًا﴾؛ لأن الكلام غير موجب، ﴿وَغَسَّاقًا﴾: معطوف على ﴿حَمِيمًا﴾، وهذا أسهل مما سلكه المفسرون، فقد قال بعضهم: إنه استثناء منقطع، وعليه جرى في "الكشاف" قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ ينفس عنهم حر النار، ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ يسكن عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميمًا، وتبعه الجلال، وقال أبو حيان: والظاهر أنه متصل من قوله: ﴿وَلَا شَرَابًا﴾. ﴿جَزَاءً﴾: مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: جوزوا بذلك جزاء، ﴿وِفَاقًا﴾: صفة لـ ﴿جَزَاءً﴾، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانُوا﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿جَزَاءً﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ خبرها ﴿حِسَابًا﴾: مفعول ﴿يَرْجُونَ﴾؛ أي: محاسبة. ﴿وَكَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانُوا﴾ على كونها خبرًا؛ لأن ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿كِذَّابًا﴾: مفعول مطلق منصوب بـ ﴿كَذَّبُوا﴾؛ أي: تكذيبًا. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿الواو﴾: اعتراضية ﴿كل شيء﴾: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وأحصينا كل شيء أحميناه ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿كل شيء﴾: مفعول به، والجملة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المسبب وسببه، فإن قوله الآتي ﴿فَذُوقُوا﴾ مسبب عن تكذيبهم، وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿كِتَابًا﴾: يجوز أن يكون مصدرًا من معنى ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾؛ أي: أحصيناه إحصاءًا؛ أي: كتبناه كتابًا؛ لأن أحصيناه بمعنى: كتبنا؛ لالتقاء الإحصاء والكتابة في معنى الضبط والتحصيل، أو يكون مصدرًا لـ ﴿أحصينا﴾، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى مكتوبًا، ﴿فَذُوقُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة لقول محذوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ تقديره: فقيل لهم: ذوقوا إلخ ﴿ذوقوا﴾ إلخ نائب فاعل محكي لقيل المحذوف، وجملة
стр. 14388
القول المحذوف معطوفة على ﴿كَذَّبُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿ذوقوا﴾: فعل أمر وفاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لقيل، ومفعول الذوق محذوف، تقديره: فذوقوا جزاءكم، ومفعول به أوّل معطوف على ﴿ذوقوا﴾. ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ ناصب وفعل منصوب بالفتحة ومفعول به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به ثانٍ.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: خبرها مقدم ﴿مَفَازًا﴾: اسمها مؤخر والجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان أحوال أهل الجنة، ﴿حَدَائِقَ﴾: بدل من ﴿مَفَازًا﴾: بدل بعض من كل ﴿وَأَعْنَابًا﴾: معطوف على ﴿حَدَائِقَ﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ﴾: معطوف على ﴿حَدَائِقَ﴾ أيضًا، ﴿أَتْرَابًا﴾: صفة لـ ﴿كواعب﴾، ﴿وَكَأْسًا﴾: معطوف على ﴿حَدَائِقَ﴾ أيضًا، ﴿دِهَاقًا﴾: صفة لـ ﴿كَأْسًا﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يسمعون﴾: فعل وفاعل ﴿فِيهَا﴾، متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾، ﴿لَغْوًا﴾: مفعول به، ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾: معطوف على ﴿لَغْوًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿جَزَاءً﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: جزاهم الله بذلك جزاء، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: صفة لـ ﴿جَزَاءً﴾، ﴿عَطَاءً﴾: بدل من ﴿جَزَاءً﴾، وفي هذا البدل سر لطيف، وهو الإلماع إلى أن ذلك تفضل وعطاء، و ﴿جَزَاءً﴾ مبني على الاستحقاق، و ﴿حِسَابًا﴾: نعت لـ ﴿عَطَاءً﴾، والمعنى: كافيًا، فهو مصدر أقيم مقام الوصف، كما مر، أو باقٍ على مصدريته مبالغة، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾: بدل من ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَمَا﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف مكان، متعلق بمحذوف صلة ﴿وَمَا﴾، ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بدل من ﴿رَبِّ﴾، أو نعت له ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾، ﴿خِطَابًا﴾: مفعول به ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو بـ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾، ﴿يَقُومُ الرُّوحُ﴾: فعل وفاعل، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ معطوف على ﴿الرُّوحُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر بإفة الظرف إليه، ﴿صَفًّا﴾: حال من الفاعل، أي:
стр. 14389
مصطفين، وجملة ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع بدل من الواو في ﴿يَتَكَلَّمُونَ﴾، أو في محل النصب على الاستثناء؛ لأن الكلام غير موجب ﴿أَذِنَ﴾: فعل ماضٍ ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَذِنَ﴾. ﴿الرَّحْمَنُ﴾: فاعل، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَقالَ﴾: فعل ماضٍ معطوف على ﴿أَذِنَ﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿صَوَابًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا صوابًا.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿الْيَوْمُ﴾: بدل منه، ﴿الْحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصح عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر بهذه المثابة، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم: ﴿من شاء﴾: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، كما مَرَّ مرارًا ﴿شَاءَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿من﴾، ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: فمن شاء اتخاذ مآب إلى ربه. ﴿اتَّخَذَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿من﴾ الشرطية، ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَآبًا﴾، و ﴿مَآبًا﴾: مفعول ﴿اتَّخَذَ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، و ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به ثانٍ، ﴿قَرِيبًا﴾ صفة ﴿عَذَابًا﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾؛ أي: عذابًا قريبًا كائنًا ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾، أو متعلق بـ ﴿عَذَابًا﴾، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَنْظُرُ﴾. ﴿قَدَّمَتْ﴾: فعل ماضٍ، والتاء علامة تأنيث
стр. 14390
الفاعل ﴿يَدَاهُ﴾: فاعل ومضاف إليه مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ ﴿يَا﴾: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا هؤلاء القوم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿وَيَقُولُ﴾، ﴿لَيْتَنِي﴾: ليت حرف تمنٍّ ونصب، والنون نون الوقاية؛ لأنها تقي حركة البناء الأصلي في الحرف، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها، ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾ وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿عَمَّ﴾ أصله: عن ما، والأصل في ﴿ما﴾ الاستفامية أنها إذا جرت حذف ألفها، ما ذكره ابن مالك بقوله:
وَمَا فِي الاسْتِفهامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ ... ألِفُهَا وَأوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وقد وقف عليها ابن كثير في رواية البزي عنه بهاء السكت على خلاف عنه، وفي ذلك قال الشاطبي:
وَفِيْمهْ وَممَّهْ قِفْ وَعَمَّهْ لِمَهْ بِمَهْ ... بِخُلْفِ عَنِ الْبَزِّيِّ وَادْفَعْ مُجَهِّلَا
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾؛ أي: عن أي شيء يسأل بعضهم بعضًا من التساؤل الذي يدل على المشاركة.
﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ والنبأ: الخبر الذي يعني به ويهتم بشأنه، والمراد به: خبر البعث من القبور، والعرض على مالك يوم الدين.
﴿كَلَّا﴾ كلمة تفيد رد ما تقدم من الكلام ونفيه. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾: تأكيد لفظي لما قبله على ما قاله ابن مالك، ولا يضر توسط حرف العطف، والنحويون يمنعون هذا، ولا يسمونه إلا عطفًا، وإن أفاد التأكيد. اهـ "سمين".
وقيل: الأول عند النزع، والثاني: في القيامة. وقيل: الأول للبعث، والثاني: للجزاء. اهـ "بيضاوي". وقال زاده: ثم موضوعة للتراخي الزمانى، وقد استعمل هنا للتراخي الرتبي تشبيهًا لتباعد الرتبة بتباعد الزمان. اهـ.
стр. 14391
﴿مِهَادًا﴾ والمهاد - بكسر الميم -: البساط والفراش، وقال بعضم: المهاد: مصدر ماهدت بمعنى مهدت، كسافرت بمعنى: سفرت، أطلق على الأرض الممهودة؛ أي: المبسوطة المفروشة كالمهد للصبي، ويجوز أن يكون جمع مهد، ككعاب جمع كعب، وجمعه لاختلاف أماكن الأرض من القرى، والبلدان والصحارى والعمران، أو للتصرف فيها بأن جعل بعضها مزارع وبحضها مساكن إلى غير ذلك.
وقرىء: ﴿مهدًا﴾ على تشبيهها بمهد الصبي، وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر، ففي الكلام حينئذٍ تشبيه بليغ.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ جمع وتد، كأكتاف وكتف، وهو ما يدق في الأرض ليربط إليه الحبل الذي تشد به الخيمة، وقيل: هو ما يوتد ويحكم به المتزلزل المتحرك من اللوح وغيره.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾؛ أي: أصنافًا ذكورًا وإناثًا، ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش، ويتسنى التناسل، واحدها: زوج، ويطلق على الذكر والأنثى، ويقال لكل واحد من القرينين المزدوجين: حيوانًا أو غيره؛ كالخف والنعل، ولا يقال للإثنين زوج، بل زوجان، ولذا كان الصواب أن يقال: قرضته بالمقراضين، وقصصته بالمقصين؛ لأنهما اثنان، لا بالمقراض وبالمقص، كذا قال الحريري في "درة الغواص"، وقال صاحب "القاموس": يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج. انتهى. ولعله من قبيل الاكتفاء بأحد الشقين عن الآخر، وزوجة للمرأة لغة رديئة، لقوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلًا له، أو مضادًا: زوج، ولذا قال بعضهم في الآية: وخلقناكم حال كونكم معروضين لأوصاف متقابلة، كل واحد منها مزدوج بما يقابله؛ كالفقر والغنى، والصحة والمرض، والعلم والجهل، والقوة والضعف، والذكورة والأنوثة، والطول والقصر، إلى غير ذلك.
وبه يصح الابتلاء، فإن الفاضل يشتغل بالشكر، والمفضول بالصبر، ويعرف قدر النعمة عند الترقي من الصبر إلى الشكر، وكل ذلك دليل على كمال القدرة ونهاية الحكمة.
стр. 14392
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ﴾ والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، ولذا قلَّ النوم في أهل رياضة النفس؛ لقلة الرطوبات فيهم. ﴿سُبَاتًا﴾؛ أي: راحةً أو موتًا؛ أي: كالموت، والمسبوت: الميت من السبت، وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة، ومنه سمي يوم السبت؛ لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستة أيام، فقطع عمله يوم السبت، فسمي بذلك، وقيل: السبات - بضم السين -: قطع الحركة لتحصيل الراحة.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾؛ أي: كاللباس، واللباس: ما يلبسه الإنسان ليستر به جسمه ويغطيه.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾؛ أي: وقتًا لتحصيل أسباب المعاش والحياة، وهو مصدر ميمي من عاش يعيش عيشًا ومعاشًا ومعيشة وعيشة، وعلى هذا لا بد من تقدير المضاف، ولذا قدروا لفظ الوقت، ويحتمل أن يكون اسم زمان على صيغة مفعل، فلا حاجة حينئذٍ إلى تقدير المضاف، وتفسيره بوقت معاش إبراز لمعنى صيغة اسم الزمان، وتفصيل لمفهومها، وأصله: معيشًا بوزن: مفعل، نقلت حركة الياء إلى العين، فسكنت، لكنها قلبت ألفًا. لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال.
﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾؛ أي: سبع سموات قوية محكمة، لا فطور فيها، ولا تصدع.
﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ والسراج: ما يضيء وينير، والوهاج: المتلألىء، والمراد به: الشمس.
﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ والمعصرات: السحائب، والغيوم إذا أعصرت؛ أي: حان وقت أن تعصر الماء، فيسقط منها. ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾؛ أي: كثير الانصباب عظيم السيلان، والمراد به: المطر، والثج: الانصباب بكثرة وشدة، ويقال: ثج الماء بنفسه؛ أي: انصب، وثججته أنا؛ أي: صببته ثجًا وثجوجًا، فيكون لازمًا ومتعديًا، وفي "المختار": ثج الماء والدم: سال، وبابه رد، ومطر ثجاجٌ؛ أي: منصب جدًّا، والثج أيضًا: سيلان دماء الهدي، وهو لازم، تقول منه ثج الدم يثج بالكسر ثجًا بالفتح.
﴿حَبًّا﴾ والحب: ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير والذرة ونحوها من
стр. 14393
المطعومات، والحب والحبة - يعني بالكسر - يقال في بزور الرياحين.
﴿وَنَبَاتًا﴾ والنبات: ما تقتات به الدواب من التبن والحشيش.
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ والجنات: واحدها جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل، والجنات الألفاف: الملتفة الأغصان لتقاربها، وطول أفنانها، ولا واحد لها؛ كالأوزاع والأخياف كما مر. وقيل: واحدها لف بكسر اللام وفتحها، وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف كشريف وأشراف، والأوزاع والأخياف كلاهما بمعنى الجماعات.
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأن الله يفصل فيه بحكمه بين الخلائق ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾؛ أي: حدًا تنتهي عنده الدنيا، وأصله: موقاتًا بوزن مفعال، قلبت الواو لسكونها إثر كسرة.
﴿فِي الصُّورِ﴾ والصور في الأصل: البوق الذي ينفخ فيه فيحدث صوتًا، وقد جرت عادة الناس إذا سمعوه أن يهرعوا إليه، ويجتمعوا عند النافخ.
﴿أَفْوَاجًا﴾ جمع فوج، وهو جماعة من الناس، وفي "المفردات": الفوج: الجماعة المارة المسرعة.
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: انشقت وتصدعت من هيبة الله تعالى بعد أن كانت لا فطور فيها.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي: ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾؛ أي: زالت عن أماكنها وتفتت صخورها.
﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾؛ أي: كالسراب، فهي بعد تفتتها ترى كأنها جبال، وليست بجبال، بل غبارًا متراكمًا، والسراب: ما تراه نصف النهار كأنه ماء، قال الراغب: هو اللامع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين؛ أي: ذهابه وجريانه، وتنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها، ويضرب به المثل في الكذب والخداع، يقال: هو أخاع من السراب، يعني: أنها تصير شيئًا كلا شيء، لتفرق أجزائها، وانبثاث جواهرها.
﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ والمرصاد: اسم للمكان الذي يرصد فيه؛ كالمنهاج اسم
стр. 14394
للمكان الذي ينهج فيه؛ أي: يسلك، قال الراغب: المرصاد: موضع الرصد كالمرصد، وهو هنا: موضع يرتقب فيه خزنتها المستحقين لها.
﴿لِلطَّاغِينَ﴾؛ أي: للذين طغوا في مخالفة ربهم، ومعارضة أوامره. ﴿أَحْقَابًا﴾ جمع حقب بضمتين، وواحد الحقب: حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان.
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ والبرد: برد الهواء، وقد يراد به: النوم، ومن أمثالهم: منع البرد البرد؛ أي: أصابه من شدة البرد ما منعه النوم.
﴿وَلَا شَرَابًا﴾؛ أي: شرابًا يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم.
﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ وهو الماء الحار المغلي. ﴿وَغَسَّاقًا﴾؛ أي: قيحًا وصديدًا وعرقًا دائم السيلان من أجسادهم. ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾؛ أي: موافقًا أعمالهم السيئة. ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يتوقعون ﴿حِسَابًا﴾؛ أي: محاسبة على أعمالهم، أو ثواب حساب.
﴿كِذَّابًا﴾؛ أي: تكذيبًا، وفعال من باب فعل المضاعف شائع فيما بين الفصحاء مطرد، مثل: كلم كلامًا.
﴿كِتَابًا﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ من غير لفظه كما مر.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ مفازًا: مصدر ميمي من فاز الثلاثي، وأصله مفوز بوزن مفعل بفتح العين، نقلت حركة الواو إلى الفاء فسكنت، ثم أبدلت ألفًا لتحركها أصالة، وفتح ما قبلها في الحال؛ أي: إن لهم فوزًا بالنعيم الدائم، والثواب الجسيم. ﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة؛ أي: بساتين، فيها أنواع الثمر والحجر، والهمزة فيه مبدلة من الياء الواقع في الاسم المفرد المؤنث الواقعة ثالثًا حرف مد زائدًا.
﴿وَأَعْنَابًا﴾ جمع: عنب، وهو ثمر الكرم .. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب، وهي التي نهض ثدياها وتكعبا. ﴿أَتْرَابًا﴾: جمع ترب، وهي التي سنها من سن صاحبتها. ﴿وَكَأْسًا﴾ والكأس: إناء من بلور للشراب. ﴿دِهَاقًا﴾؛ أي: ممتلئة، يقال: أدهق الحوض؛ أي: ملأه، قال خداش:
أَتَانَا عَامِرٌ يَبْغِي قِرَانَا ... فَأتْرَعْنَا لَهُ كَأْسًا دِهَاقَا
﴿لَغْوًا﴾ واللغو: الباطل من الكلام الذي يلغى ولا يعتبر لعدم إفادته. ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾؛ أي: تكذيبًا. ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ الهمزة فيه مبدلة من ياء، أصله: جزاي،
стр. 14395
أبدلت ياؤه همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿عَطَاءً﴾؛ أي: تفضلًا منه، وإحسانًا، أصله: عطاو، أبدلت الواو همزة؛ لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿حِسَابًا﴾؛ أي: كافيًا لهم، تقول: أعطاني فلان حتى أحسبني؛ أي: حتى كفاني بعطائه، قال الشاعر:
فَلَمَّا حَلَلْتُ بِهِ ضَمَّنِيْ ... فَأوْلَى جَمِيْلًا وَأَعْطَى حِسَابَا
أي: أعطى ما كفى. ﴿خِطَابًا﴾ الخطاب: المخاطبة والمكالمة. ﴿الرُّوحُ﴾ جبريل ﵇، ﴿مَآبًا﴾ المآب: المرجع. ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ﴾ الإنذار: الإخبار بالمكروه قبل وقوعه ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ والمرء: الإنسان ذكرًا كان أو أنثى ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾؛ أي: ما صنعه في حياته الأولى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإبهام في قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهوله، وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة، كأنه خفي جنسه، فيسأل عنه، فالاستفهام ليس على حقيقته، بل لمجرد التفخيم، فإن المسؤول عنه ليس بمجهول بالنسبة إلى الله تعالى؛ إذ لا يخفى عليه خافية.
ومنها: ذكر السؤال أولًا بقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾، ثم ذكر الجواب بقوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾: لأن هذا الأسلوب أقرب إلى التفهيم والإيضاح.
ومنها: وصف النبأ بقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ بعد وصفه بالعظيم؛ تأكيدًا لخطره إثر تأكيد، وإشعارًا بمدار التساؤل عنه.
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ على عامله اهتمامًا به، ورعايةً للفواصل.
ومنها: جعل الصلة فيه جملة اسمية للدلالة على الثبات؛ أي: هم راسخون في الاختلاف فيه.
ومنها: الإطناب بتكرار الجملة للوعيد والتهديد في قوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد.
стр. 14396
ومنها: الإتيان بـ ﴿ثُمَّ﴾ في الجملة الثانية، للدلالة على أن الوعيد الثاني أبلغ وأشد.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ أصل الكلام: جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، والجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغًا، ومثله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾؛ أي: كاللباس في الستر والإخفاء، فوجه الشبه: الستر؛ لأن كلًّا من اللباس والليل يستر المتلبس به؛ أي: يستركم عن العيون إذا أردتم النجاة بأنفسكم من عدو يلاحقكم، أو بياتًا له، إذا أردتم إنزال الوقيعة به في منأى عن العيون، أو يعينكم على إخفاء ما لا ترغبون في أن يطلع عليه أحد.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ وبين: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ قابل بين الليل والنهار، والراحة والعمل، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي: كالأبواب في التشقق والانصداع، فحذفت الأداة ووجه الشبه، فصار بليغًا.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ للدلالة على التحقق، وكذا قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾؛ أي: كانت كالسراب الذي يرى نصف النهار كأنه ماء؛ أي: فصارت بتسييرها مثل السراب؛ أي: شيئًا كلا شيء.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾؛ لأنه كناية عن التأبيد؛ أي: ماكثين فيها أبدًا.
ومنها: الطباق بين ﴿بَرْدًا﴾ و ﴿حَمِيمًا﴾.
ومنها: الأمر الذي يراد به الإهانة والتحقير في قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾، وفيه أيضًا لالتفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغةً في التوبيخ والإهانة.
ومنها: التخصيص في قوله: ﴿وَأَعْنَابًا﴾ بعد التعميم في قوله: ﴿حَدَائِقَ﴾ إظهارًا لفضلها على سائر الفواكه.
стр. 14397
ومنها: ذكر العام بعد الخاص في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾، والروح هو جبريل داخل في الملائكة، فقد ذكر مرتين: مرة استقلالًا، ومرة في ضمن الملائكة تنبيهًا على جلالة قدره.
ومنها: إظهار ﴿الرَّحْمَنِ﴾ في موضع الإضمار في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ للإيذان، بأن مناط الإذن هو الرحمة البالغة، لا أن أحدًا يستحقه عليه تعالى.
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ اهتمامًا به، ورعاية للفواصل.
ومنها: التعبير بالجزء عن الكل في قوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ إشعارًا بأن أكثر الأعمال تزوال بها.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 14398
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة
تضمنت هذه السورة المقاصد التالية:
١ - سؤال المشركين عن البعث ورسالة محمد ﷺ .
٢ - تهديد المشركين على إنكارهم إياه.
٣ - إقامة الأدلة على إمكان حصوله.
٤ - أحداث يوم القيامة.
٥ - ما يلاقيه المكذبون من العذاب.
٦ - فوز المتقين بجنات النعيم.
٧ - إن هذا اليوم حق لا ريب فيه.
٨ - إنذار الكافرين بالعذاب الأليم، وتمنيهم في ذلك اليوم أن لو كانوا ترابًا.
والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (١).
* * *
стр. 14399
سورة النازعات
سورة النازعات - وتسمى: سورة الساهرة، وسورة الطامة - مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة النبأ، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة النازعات بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وآيتها: ست أو خمس وأربعون آية، وكلماتها: مئة وثلاث وسبعون كلمةً، وحروفها: تسع مئة وثلاثة وخمسون حرفًا.
مناسبتها لما قبلها: أن الله أنذر الكفار في السورة السابقة بعذاب يوم القيامة، وهددهم بجهنم وساءت مصيرًا، وأن عذابهم فيها جزاء موافق لتمودهم وتكذيبهم لرسوله محمد ﷺ . وأقسم في هذه السورة على أن البعث والنشور حق لا ريب فيه، وقد أقسم سبحانه في هذه السورة بأصناف من مخلوقاته على أن ما جاء به رسوله محمد ﷺ من حشر الناس، وعرضهم على ربهم لينال كل عامل جزاء عمله، حق لا ريب فيه، وأيضًا أن يوم ترجف الراجفة من مبادىء النبأ العظيم.
الناسخ والمنسوخ: وهذه السورة كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وسميت سورة النازعات؛ لذكر النازعات فيها.
والله أعلم
* * *
стр. 14400
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.
المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وقد بدأ الله سبحانه هذه السورة بالحلف بأصناف من مخلوقاته، إن ما جاء به رسوله ﷺ من أمر البعث، وعرض الخلائق على ربهم لينال كل عامل جزاء عمله، حق لا ريب فيه في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب القلوب، وتخشع الأبصار، ويعجب المبعوثون من عودتهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة، تمر فيها الرياح، ويتحققون أن صفقتهم كانت في الدنيا خاسرة؛ إذ إنهم أنكروا في الدنيا معادهم.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما حكى عن كفار مكة إصرارهم على إنكار البعث، وتماديهم
стр. 14401
في العتو والطغيان، واستهزاءهم بالرسول ﷺ ، وكان ذلك يشق عليه، ويصعب على نفسه. . ذكر له قصص موسى مع فرعون طاغية مصر، وبين له أنه قد بلغ في الجبروت حدًا لم يبلغه قومك، فقد ادعى الألوهية، وألب قومه على موسى، وكان موسى مع هذا كله يتحمل المشاق العظام في دعوته إلى الإيمان، ليكون ذلك تسليةً لرسوله ﷺ ، عما يلاقيه من قومه من شديد العناد، وعظيم الإعراض، يرشد إلى ذلك قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وفي ذلك عبرة أخرى لقومه، وهي أن فرعون مع أنه كان أقوى منهم شكيمة، وأشد شوكة، وأعظم سلطانًا، لما تمرد على موسى ﵇، وعصى أمر ربه .. أخذه الله نكال الآخرة والأولى، ولم يعجزه أن يهلكه ويجعله لمن خلفه آيةً، فأنتم أيها القوم مهما عظمت حالكم، وقوي سلطانكم .. لم تبلغوا مبلغ فرعون، فأخذكم أهون على الله منه. وفي هذا تهديد لهم وإنذار بأنهم إن لم يؤمنوا بالله ورسوله .. فسيصيبهم مثل ما أصاب فرعون وقومه، كما قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾.
قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما قص على المشركين قصص موسى ﵇ مع فرعون، وأومأ بهذا القصص إلى أنهم لا يعجزون الذي أخذ فرعون ونكل به، وجعله عبرة للباقين، وسلى به رسوله حتى لا يحزن لتكذيب قومه له، وعدم إيمانهم بما جاءهم به .. أخذ يخاطب منكري البعث وينبههم إلى أنه لا ينبغي لهم أن يجحدوه، فإن بعثهم هين إذا أضيف إلى خلق السموات التي تدل بحسن نظامها وجلالها على حكمة مبدعها وعظيم قدرته وواسع حكمته وإلى خلق الأرض التي دحاها، وجعلها معدة للسكنى، وهيأ فيها وسائل المعيشة للإنسان والحيوان، فأخرج منها الماء الذي به حياة كل شيء، وأنبت فيها النبات الذي به قوام الإنسان والحيوان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله
стр. 14402
سبحانه لما بين (١) أنه قادر على نشر الأموات، كما قدر على خلق الأكوان .. بين صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي فيه يقوم الناس لرب العالمين كائن لا بد منه، فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، حين تعرض الأعمال على العالمين، فيتذكر كل امرىء ما عمل، ويظهر الله الجحيم، وهي دار العذاب للعيان، فيراها كل ذي بصر، وفي ذلك اليوم يوزع الجزاء على العالمين؛ فأما من جاوز الحدود التي حدها الله سبحانه في شرائعه، وفضل لذائذ الدنيا على ثواب الآخرة .. فدار العذاب مستقره ومأواه، وأما من خاف مقامه بين يدي ربه في ذلك اليوم، وزجر نفسه عن هواها، فلم يجر وراء شهواتها .. فالجنة منزله ومأواه، جزاء ما قدمت يداه.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ...﴾ الآيات، مناسبتا لما قبلها: أنه لما كان المشركون يسألون الرسول عنادًا واستهزاءً عن الساعة، ويطلبون إليه أن يعجل بها، كما يرشد إلى ذلك: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾، وربما سألوه عن تحديد وقتها، فكان النبي ﷺ يردد في نفسه ما يقولون، ويتمنى لو أمكن أن يجيب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية المجد في الإقناع .. نهاه الله عن تمني ما لا يرجى، وأبان له أنه لا حاجة لك إلى ذلك، فإن علمها عند ربك، وإنما شأنك أن تنذر من يخافا فتنبهه من غفلته، حتى يستعد لما يلقاه حينئذٍ.
أما هؤلاء المعاندون: فدعهم في غوايتهم، ولا تشغل نفسك بالجواب عما يسألون، فإذا جاء هذا اليوم .. خيل إليهم أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم البعث إلا طرفًا من نهار أوله أو آخره، ولم يلبثوا نهارًا كاملًا لمفاجأتها لهم على غير استعداد لوقوعها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ
стр. 14403
فِي الْحَافِرَةِ (١ ٠)﴾ .. قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنخسرن، فنزلت: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ...﴾ إلى آخر السورة سبب نزولها: ما أخرجه الحاكم وإبن جرير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل عليه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) ...﴾ إلخ فانتهى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن مشركي مكة سألوا النبي ﷺ ، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ استهزاءً منهم، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) ...﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج الطبراني وابن جرير عن الطارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر ذكر الساعة، حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾. وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن عروة.
التفسير وأوجه القراءة
١ - افتتح هذه السورة الكريمة بالقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظيم شأنها، وجليل قدرها، وإتقان صنعها ونظامها، وغزارة فوائدها في هذا الكون العظيم الفسيح، وهذه المخلوقات مهما عظمت .. فهي مسخرة ومسيرة لأمر بارئها، خاضعة لسلطانه وجبروته وعظمته وحكمه وعدله وأمره جَلَّ وعلا، والقسم بغير الله لا يجوز لأحد من خلق الله، أما بالنسبة إلى الله تعالى .. فهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته، لحكم عالية ومعان سامية يلفت النظر بها إلى أهمية المقسم به من المخلوقات، لدلالتها على عظمة خالقها وبارئها وموجدها من العدم، وأنها مخلوقة له ، فقال:
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾: الواو للقسم (١)، والقسم يدل على عظم شأن المقسم به، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. تنبيهًا على ذلك العظم، كما مر آنفًا. و ﴿النازعات﴾: جمع نازعة، بمعنى طائفة من الملائكة نازعة، فأنث صفة الملائكة باعتبار كونهم طائفة، ثم جمعت تلك الصفة، فقيل: نازعات بمعنى:
стр. 14404
طوائف من الملائكة نازعات، وقس عليه ﴿الناشطات﴾ وما بعده، وإلا فكان الظاهر أن يقال: والنازعين، والناشطين مثلًا، والنزع: جذب الشيء من مقره بشدة، والغَرْق: مصدر معنوي لـ ﴿النازعات﴾ بحذف الزوائد بمعنى: الإغراق والغرق، وكذا الإغراق: الرسوب في الماء وفي البلاء، فهو مفعول مطلق لـ ﴿النازعات﴾؛ لأنه نوع من النزع، فيكون شرطه موجودًا، وهو اتفاق المصدر مع عامله لفظًا أو معنى، والإغراق في النزع: التوغل فيه، والبلوغ إلى أقصى درجاته، يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المد حتى انتهى إلى النصل. أقسم الله تعالى بطوائف من الملائكة التي تنزع أرواح الكفار من أجسادهم إغراقًا في النزع؛ أي: نزعًا شديدًا، فهم ينزعونها منهم معكوسًا من الأنامل والأظفار، ومن تحت كل شعرة، كما تنزع الأشجار المتفرقة العروق في أطراف الأرض، وكما يسلخ جلد الحيوان وهو حي، وكما يضرب الإنسان ألف ضربة بالسيف، بل أشد، والملائكة، وهم ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب يطعنونهم بحربة مسمومة بسم جهنم، والميت يظن أن بطنه قد ملىء شوكًا، وكأن نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء انطبقت على الأرض، وهو بينهما، فإذا نزعت نفس الكافر .. فهي أشبه شيء بالزئبق على قدر النحلة، وعلى صورة عمله تأخذها الزبانية، ويعذبونها في القبر، وفي السجين، وهو العذاب الروحاني، ثم إذا قامت القيامة .. انضم الجسماني إلى الروحاني، كذا قالوا، ولا أصل له، ولكن يدل على هذا التشديد قوله تعالى: ﴿تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
فقوله (١): ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار بشهادة مدلول اللفظ، وجواب القسم محذوف دل عليه قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾؛ لأن معناه: أنبعث إذ صرنا كذلك؟ والتقدير: أقسمت لكم أيها العباد بالملائكة التي تنزع وتقبض أرواح الكفار نزعًا شديدًا، أو قبضًا عنيفًا لتبعثنَّ بعد الموت للمجازاة على أعمالكم. قال الإِمام الطبري في "تفسيره" (٢): أقسم ربنا جل وعلا بـ ﴿النازعات﴾، واختلف أهل التأويل فيها، وما هي، وما تنزع، فقال بعضهم: الملائكة التي تنزع نفوس بني آدم، والمنزوع نفوس الآدميين، وقال آخرون: بل هو
стр. 14405
الموت ينزع النفوس، وقال غيرهم: بل هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق؛ أي: تطلع وتغيب، ثم قال بعد ذكر أقوال أخرى: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أقسم بالنازعات غرقًا، ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكل نازعة غرقًا فداخلة في قسمه، ملكًا كان أو موتًا، أو نجمًا، أو قوسًا، أو غير ذلك.
والمعنى: والنازعات إغراقًا، كما يغرق النازع في القوس، أي: والنازعات شدة، كما شدد النازع في القوس.
وقال الشوكاني (١): أقسم بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي: الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم، كما ينزع النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بـ ﴿الناشطات﴾، و ﴿السابحات﴾، و ﴿السابقات﴾، و ﴿المدبرات﴾، يعني: الملائكة، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما في قول الشاعر:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامْ ... وَلَيْثِ الكَتِيْبَةِ فِيْ المُزْدَحَمْ
وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وقال السدي: النازعات: هي النفوس حين تغرق في الصدور.
وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس. وقال قتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم: نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم: نزعت بالحبل؛ أي: إنها تغرب وتغيب، وتطلع من أفق آخر، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان، وقال عطاء وعكرمة: ﴿النازعات﴾: القسي، تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس: أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلى النصل، وقال يحيى بن سلام: الغزال تنزع بين الكلأ وتنفر، وقيل: أراد بالنازعات: الغزاة؛ أي: الرماة. نتهى.
٢ - وقوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ قَسَم آخر معنى (٢) بطريق العطف، والنشط: جذب الشيء من مقره برفق ولين، ونصب ﴿نَشْطًا﴾ على المصدرية، أقسم الله سبحانه بطوائف من الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تخرجها من أبدانهم
стр. 14406
برفق ولين، كما تنشط الدلو من البئر، يقال: نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وكما تنشط الشعرة من السمن، وكما تنسل القطرة من السقاء، وهم ملك الموت وأعوانه من ملائكة الرحمة، ونفس المؤمن وإن كانت تجذب من أطراف البنان، ورؤس الأصابع أيضًا، لكن لا يحس بالألم، كما يحيى به الكافر، وأيضًا نفس المؤمن ليس لها شدة تعلق بالبدن، كنفس الكافر؛ لكونها منجبذةً إلى عالم القدس، وإنما يشتد الأمر على أهل التعلق، دون أهل التجرد، خصوصًا إذا كان ممن مات بالاختيار قبل الموت، وأيضًا حين يجذبونها يدعونها أحيانًا حتى تستريح؛ وليس كذلك أرواح الكفار في قبضها، لكن ربما يتعرض الشيطان للمؤمن الضعيف اليقين، والقاصر في العمل إذا بلغ التراقي، فيأتيه في صورة أبيه وأمه وأخيه، أو صديقه، فيأمره باليهودية أو النصرانية أو نحوهما، كذا قالوا ولا أصل له، والميت يرى الملائكة حينئذٍ على صورة أعماله، حسنةً أو قبيحةً، فإذا أخذوا نفس المؤمن .. يلقونها في حرير الجنة، وهي على قدر النحلة، وعلى صورة عمله، ما فقد شيء من عقله وعلمه المكتسب في الدنيا، دل عليه قوله تعالى حكايةً عن حبيب النجار الشهيد في أنطاكية: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ فيعرجون بها إلى الهواء، ويهيئون لها أسباب التنعم في قبره، وفي عليين، وهو النعيم الروحاني، ثم إذا قام الناس من قبورهم .. ازداد النعيم بانضمام الجسماني إلى الروحاني.
فقوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين بشهادة اللفظ ومدلوله أيضًا.
والمعنى: وأقسمت لكم أيا العباد بالملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين قبضًا برفق ولين .. لتبعثن بعد الموت للمجازاة.
فإن قيل: قد (١) ثبت أن النبي ﷺ ، أخذ روحه الطيب ببعض شدة حتى قال: "واكرباه"، وقال: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم أعني على سكرات الموت"؛ أي: غمراته، وكان يدخل يده الشريفة في قدح فيه ماء، ثم يمسح وجهه المنور بالماء، ولما رأته فاطمة ﵂ يغشاه الكرب .. قالت: واكرب
стр. 14407
أبتاه، فقال لها النبي ﷺ : "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فإذا كان أمر النبي ﷺ حين انتقاله هكذا، فما وجه ما ذكر من الرفق واللين في قبض أرواح المؤمنين؟.
أجيب: بأن مزاجه الشريف كان أعدل الأمزجة، فأحس بالألم أكثر من غيره، إذ الخفيف على الأخف ثقيل، وأيضًا: يحتمل أن يبتليه الله بذلك ليدعو الله في أن يجعل لأمته سهلًا يسيرًا، وأيضًا قد روي أنه طلب من الله أن يحمل عليه بعض صعوبة الموت تخفيفًا على أمته، فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأيضًا فيه تسلية أمته إذا وقع لأحد منهم شيء من ذلك الكرب عند الموت، وأيضًا لكي يحصل لمن شاهد من أهله، ومن غيرهم من المسلمين الثواب، لما يلحقهم عليه من المشقة، كما قيل بمثل ذلك في حكمة ما يشاهد من حال الأطفال عند الموت من الكرب الشديد، وأيضًا راحة الكفيل في الشدة؛ لأنها من باب الترقي في العلوم والدرجات، وأقل الأمر للناقصين كفارة الذنوب، كذا قالوا، ولكن ما فيه نص.
٣ - وقوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ قسم آخر معنى أيضًا بطريق (١) العطف، والسبح: المر السريع، في الماء أو في الهواء، و ﴿سَبْحًا﴾ منصوب على المصدرية بـ ﴿السابحات﴾، أقسم الله بطوائف من الملائكة التي تسبح في مضيها؛ أي: تسرع فينزلون من السماء إلى الأرض مسرعين، مشبهين في سرعة نزولهم بمن يسبح في الماء، وهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص؛ لأن نزول الأولين إنما هو لقبض الأرواح مطلقًا، ونزول هؤلاء لعامة الأمور والأحوال.
والمعنى: وأقسم لكم بالملائكة التي تسبح وتسرع في نزولها إلى الأرض .. لتبعثن بعد الموت.
٤ - وقوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ معطوف على ﴿السابحات﴾ بالفاء للدلالة على ترتب السبق على السبح بغير مهلة، فالموصوف واحد، ونصب ﴿سَبْقًا﴾ على المصدرية؛ أي: أقسم لكم بالملائكة التي تسبح وتسرع في النزول إلى الأرض، وتسبق سبقًا إلى ما أمروا به، ووكلوا عليه بلا مهلة؛ أي: يصلون إليه بسرعة، والسبق: كناية عن الإسراع فيما أمروا به؛ لأن السبق، وهو التقدم في السير من
стр. 14408
لوازم الإسراع، فالسبق هنا لا يستلزم وجود المسبوق؛ إذ لا مسبوق هنا.
وفي "الشوكاني": ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾: الملائكة، تسبح في الأبدان لإخراج الروح، كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، وقال مجاهد: ﴿السابحات﴾: الموت يسبح في نفوس بني آدم، وقيل: هي الخيل السابحة في الغزو، ومنه قول عنترة:
وَالْخَيْلُ تُعْلَمُ حِيْنَ تَسْـ ... ـبَحُ فِيْ حِيَاضِ الْمَوْتِ سَبْحَا
وقال قتادة والحسن: هي النجوم تسبح في أفلاكها، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وقال عطاء: هي السفن تسبح في الماء، وقيل: هي أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى الله. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾: هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف، قال مسروق ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقيل: غير ذلك من الأقوال المتلاطمة.
٥ - وقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ (١) معطوف على ﴿السابقات﴾ بالفاء؛ للدلالة على ترتب التدبير على السبق بغير تراخ، والتدبير: التفكر في دبر الأمور وعواقبها، و ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به لـ ﴿لمدبرات﴾. قال الراغب: يعني: الملائكة الموكلين بتدبير الأمور. انتهى؛ أي: التي تدبر أمرًا من الأمور الدنيوية والأخروية للعباد، كما رسم لهم من غير تفريط ولا تقصير، والمقسم عليه محذوف لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة.
والمعنى: أقسم بالملائكة التي تدبر أمرًا من أمور العباد، لتبعثن بعد الموت للمجازاة. وجه الدلالة: أن الموت يستدعي البعث للأجر والجزاء؛ لئلا يستمر الظلم والجور في الوجود: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فكان الله تعالى يقول: إن الملائكة ينزلون لقبض الأرواح عند منتهى الآجال، ثم ينجر الأمر إلى البعث لما ذكر، فكان من شأن من يقر بالموت أن يقر بالبعث، فلذا جمع بين القسم بـ ﴿النازعات﴾ وبين البعث الذي هو الجواب، وفي عنوان هذه السورة وجوه كثيرة
стр. 14409
صفحنا عن ذكرها، واخترنا سوق "الكشاف" فإنه هو الذي يقتضيه جزالة التنزيل.
قال الجرجاني (١): عطف ﴿السابقات﴾ بالفاء؛ لأنها مسببة من التي قبلها؛ أي: واللاتي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سببًا للذهاب، ولو قلت: قام وذهب بالواو .. لم يكن القيام سببًا للذهاب، قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾؛ لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للمتدبر. قال الرازي: ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فتدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالًا يتصل بعضها ببعض، كقوله: قام زيد فذهب، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها .. ظهرت أمانتهم، ففوض إليهم التدبير، ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سببًا للتدبير، كسببية السبح للسبق والقيام للذهاب، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية، والأولى أن يقال: العطف في ﴿المدبرات﴾ طوبق به ما قبله من عطف ﴿السابقات﴾ بالفاء، ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله؛ لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق، لا لمطابقته وموافقته. ومعنى تدبير الملائكة للأمر: نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، والفاعل للتدبير في الحقيقة، وإن كان هو الله ، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به، وقيل: إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك .. قيل لها: مدبرات. قال عبد الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل؛ فأما جبريل .. فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل: فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر من الله عليهم، وليس في الملائكة أقرب منه.
٦ - وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ ظرف متعلق بجواب القسم المقدر، وهو: لتبعثن، أو باذكر مقدرًا، والمراد بالرجفة: النفخة الأولى التي ترجف عندها الأجرام الساكنة، كالأرض والجبال؛ أي: أقسمت لكم بالأمور السابقة، لتبعثن يا كفار مكة يوم ترجف الراجفة؛ أي: يوم تتحرك النفخة الأولى لإماتة الأحياء حركة شديدة، وتزلزل زلزلة عظيمة من هول ذلك اليوم، أسند (٢) إليها الرجف مجازًا على
стр. 14410
طريق إسناد الفعل إلى سببه، فإن حدوث تلك النفخة سبب لاضطراب الأجرام الساكنة من الرجفان، وهي شدة الاضطراب، ومنه: الرجفة للزلزلة، لما فيه من شدة الاضطراب وكثرة الانقلاب، وفيه إشعار بأن تغير السفلي مقدم على تغير العلوي، وإن لم يكن مقطوعًا.
٧ - وجملة قوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ حال مقدرة من ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ مصححة لوقوع اليوم ظرفًا للبعث، والمراد بـ ﴿الرَّادِفَةُ﴾: النفخة الثانية لإحياء الأموات التي تردف الأولى؛ أي: تجيء بعدها؛ لأن النفخة الثانية تجيء بعد الأولى. يقال: ردفه - كسمعه ونصره - تبعه، كأردفه، وأردفته معه: أي: أركبته معه كما في "القاموس".
والمعنى (١): أي لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعةً لها، لا قبل ذلك، فإن اليوم عبارة عن الزمان الممتد الذي تقع فيه النفختان، وبينهما أربعون سنة، كما قال في "الكشاف": لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى. أنتهى.
قال في "الإرشاد" (٢): واعتبار امتداده مع أن البعث لا يكون إلا عند النفخة الثانية لتهويل اليوم ببيان كونه موقعًا لداهيتين عظيمتين، لا يرقى عند وقوع الأولى حيٌّ إلا مات، ولا عند وقوع الثانية ميتٌ إلا بعث وقام.
والمعنى: أي لتبعثن يوم تتحرك الأرض وتضطرب الجبال، ويسمع لها صوت عظيم، ويموت كل شيء عليها بأمر الله ﵎، وسميت ﴿راجفة﴾ من الرجف: وهو الاضطراب الشديد؛ لأن بها يضطرب الأمر، ويختل النظام، وينتهي العالم إلى نهايته. التي حددها له خالقه ، و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب، كالرعد إذا تمخض، وتكون النفخة الأولى من صور إسرافيل ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾؛ لهول تلك النفخة الكبرى ثم تتبعها ﴿الرَّادِفَةُ﴾؛ أي: النفخة الثانية التي تعقب النفخة الأولى، وهي التي يبعث الله معها الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
стр. 14411
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦ ٨)﴾ فتضطرب الأرض لإحياء الموتى، كما اضطربت في المرة الأولى لإماتة الأحياء، ويروى عن رسول الله ﷺ أن: "بين النفختين أربعين عامًا"، كما يروى: أن في هذه الأربعين يمطر الله الأرض، ويصير ذلك الماء عليها كالنطف، وأن ذلك الماء سبب في حياء الموتى، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، بيده الأمر وهو على كل شيء قدير.
٨ - وقوله: ﴿قُلُوبٌ﴾ (١): مبتدأ، وتنكيره يقوم مقام الوصف المخصص المجوز للابتداء بالنكرة، سواء حمل على التنويع، وإن لم يذكر النوع المقابل فإن المعنى منسحب عليه، أو على التكثير، كما في قولهم: شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ. فإن التفخيم كما يكون بالكيفية .. يكون بالكمية أيضًا، كأنه قيل: قلوب كثيرة أو عاصية، كما قال في، "التأويلات النجمية": قلوب النفس المتمردة الشاردة النافرة عن الحق ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تقع النفختان، وهو متعلق بقوله: ﴿وَاجِفَةٌ﴾ وهذا خبر المبتدأ؛ أي: شديدة الاضطراب من سوء أعمالهم وقبح أفعالهم، فإن الوجيف عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل، وعلم منه أن الواجفة ليست جميع القلوب، بل قلوب الكفار، فإن أهل الإيمان لا يخافون.
٩ - ﴿أَبْصَارُهَا﴾؛ أي: أبصار أصحابها، كما دل عليه قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾، وإلا فالقلوب لا أبصار لها، وإنما أضاف الأبصار إلى القلوب؛ لأنها محل الخوف وهو من صفاتها. ﴿خَاشِعَةٌ﴾، أي: ذليلة من الخوف بسبب الإعراض عن الله، والإقبال على ما سواه، يترقبون أي شيء ينزل عليهم من الأمور العظام، وأسند الخشوع إليها مجازًا؛ لأن أثره يظهر فيها.
والخلاصة: أن الله أقسم بالنازعات والناشطات والسابحات فالسابقات فالمدبرات .. لتبعثن بعد الموت، ولتنبؤن بما عملتم، ولتجزون بالإحسان إحسانًا وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا أو نار أبدًا. ويوم ترجف الراجفة تضطرب الأرض والجبال تتبعها الرادفة وتمور السماء مورًا وتسير الجبال سيرًا وتكون قلوب الكفار مضطربة قلقة خائفةً؛ لأنهم أبصروا ما كانوا ينكرون، ورأوا ما كانوا يوعدون، ولذا قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾، فالقلوب
стр. 14412
الواجفة هي القلقة المضطربة اضطرابًا شديدًا، والخائفة خوفًا عظيمًا، فلا تهدأ ولا تسكن لما ترى من هول يوم القيامة وعذاب الآخرة، وذلك بعد أن رأوا ما كان رسول الله ﷺ يذكره لهم ويحذرهم منه في الدنيا، ولكنهم أنكروا وكفروا ولم يؤمنوا به، فإذا جاء وعد الله سبحانه .. هلعت قلوبهم، وانشقت مرائرهم، واضطربت نفوسهم، وخشعت أبصارهم من هول ذلك المشهد العظيم.
قال عطاء: يريد أبصار من مات على غير الإِسلام، أما أهل الإيمان .. فقد ثبت بالدليل أنهم لا يخافون إذا خاف الناس، بل يثبتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. فالويل كل الويل لأولئك المكذبين بيوم الدين،
١٠ - وقد حكى الله سبحانه عنهم أقوالًا ثلاثةً استبعدوا بها أمر البعث، واستهزؤوا فيها بالرسول والمؤمنين، فقال:
١ - ﴿يَقُولُونَ﴾ استئناف بياني؛ أي: يقول هؤلاء المكذبون بالبعث من مشركي قريش إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت؛ أي: يقولون: الآن؟ منكرين له متعجبين منه ﴿أَإِنَّا﴾ نحن ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾؛ أي: لمعادون بعد موتنا ﴿فِي الْحَافِرَةِ﴾؛ أي: إلى (١) الحافرة؛ أي: إلى حالتنا الأولى قبل الممات يعنون الحياة؛ أي: راجعون أحياءً كما كنا قبل مماتنا من قولهم: رجع فلان في حافرته؛ أي: في طريقته التي جاء فيها، فحفرها؛ أي: أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة، وإنما الحافر هو الماشي في تلك الطريقة، كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي منسوبة إلى الحفر والرضى أو على تشبيه القابل بالفاعل؛ أي: في تعلق الحفر والرضا بكل منهما، فأطلق اسم الثاني على الأول للمشابهة، كما يقال: صام نهاره تشبيهًا لزمان الفعل بفاعله، وقال مجاهد والخليل بن أحمد: الحافرة: هي الأرض التي يحفر فيها القبور، ولذا قال في "التأويلات النجمية": أي حافرة أجسادنا وقبور صدورنا، ومنه قول الشاعر:
آلَيْتُ لَا أَنْسَاكُمُ فَاعْلَمُوْا ... حَتَّى يُرَد النَّاسُ فِيْ الْحَافِرَةْ
والمعنى عليه: أئنا لمردودون في قبورنا أحياءً، وقال ابن زيد: الحافرة:
стр. 14413
النار، واستدل بقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، والاستفهام فيه للإنكار. وقرأ الجمهور: ﴿فِي الْحَافِرَةِ﴾ بالألف، وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة: ﴿في الحفرة﴾ بغير ألف، قيل: هما بمعنى واحد، وقيل: الحفرة هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه إذا تآكلت وتغيرت.
٢ - ١١ ﴿أَإِذَا﴾ والعامل (١) في ﴿إذا﴾ مضمر يدل عليه ﴿مردودون﴾؛ أي: أئذا ﴿كُنَّا﴾ نحن ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾؛ أي: بالية، نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة، فهو تأكيد لإنكار الرد ونفيه بنسبته إلى حالة منافية له، ظنوا أن من فساد البدن وتفرق أجزائه يلزم فساد ما هو الإنسان حقيقة، وليس كذلك، ولو سلم أن الإنسان هو هذا الهيكل المخصوص .. فلا نسلم امتناع إعادة المعدوم، فإن الله تعالى قادر على كل الممكنات، فيقدر على جمع الأجزاء العنصرية، واعادة الحياة إليها؛ لأنها متميزة في علمه، وإن كانت غير متميزة في علم الخلق، كالماء مع اللبن، فإنهما وإن امتزجا، لكن أحدهما متميز عن الآخر في علم الله، وإن كان عقل الإنسان قاصرًا عن إدراكه.
والنخر: البلى، يقال: نخر العظم والخشب - بكسر العين -: إذا بلي واسترخى، وصار بحيث لو م لتفتت، ونخرة أبلغ من ناخرة؛ لكونها من صيغ المبالغة، أو صفة مشبهة دالة على الثبوت، ولذا اختارها الأكثر، والناخرة أشبه برؤوس الآي، اختارها البعض، وقيل: النخرة غير الناخرة؛ إذ النخرة بمعنى البالية، وأما الناخرة .. فهي العظام الفارغة المجوفة التي يحصل فيها صوت من هبوب الريح من نخير النائم والمجنون، لا من النخر بمعنى: البلى. قال الراغب: النخير صوت من الأنف، وسمي خرق الأنف الذي يخرج منه النخير منخر، فالمنخران ثقبتا الأنف. وقرأ عمر (٢) وأبي وعبد الله وابن الزبير وابن عباس ومسروق ومجاهد والأخوان حمزة والكسائي وأبو بكر: ﴿ناخرة﴾ بألف، وقرأ أبو رجاء والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن جبير والنخعي وقتادة وابن وثاب وأيوب وأهل مكة وشبل وباقي السبعة: ﴿نَخِرَةً﴾ بغير ألف، واختار (٣) القراءة الأولى الفراء وابن جرير وأبو معاذ النحوي، واختار القراءة الثانية أبو عبيد وأبو
стр. 14414
حاتم. قال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة: التي لم تنخر بعد، أي: لم تبل، ولا بد أن تنخر، وقيل: هما بمعنى، تقول العرب: نخر الشيء فهو ناخر ونخر، وطمع فهو طامحٍ وطمع، ونحو ذلك. قال الأخفش: هما جميعًا لغتان، أيهما قرأت فحسن، وقرأ نافع (١) وابن عامر والكسائي: ﴿إذا كنا﴾ على الخبر. وقرأ الجمهور: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ على الاستفهام، والمعنى: أي: أنرد إلى الحياة بعد أن نصير عظامًا بالية، لو لمست .. لتفتتت.
٣ - ١٢ ﴿قَالُوا﴾ اختيار (٢) صيغة الماضي هنا للإيذان بأن صدور هذا الكفر منم ليس بطريق الاستمرار، مثل كفرهم السابق المعبر عنه بالمضارع؛ أي: قالوا بطريق الاستهزاء بالحشر، ﴿تِلْكَ﴾ الردة والرجعة في الحافرة، وفيه إشعار بغاية بُعدها من الوقوع في اعتقادهم ﴿إِذًا﴾؛ أي: إن رددنا إلى الحالة الأولى، وصح ذلك ﴿كَرَّةٌ﴾ الكر: الرجوع، والكرة: المرة من الرجوع، والجمع: كرات. ﴿خَاسِرَةٌ﴾؛ أي: ذات خسران على إرادة النسبة من اسم الفاعل؛ أي: رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، أو خاسرة أصحابا على الإسناد المجازي؛ أي: على طريق إسناد الفعل إلى ما يقاربه في الوجود، كقوله: تجارة رابحة، والربح: فعل أصحاب التجارة، وهي عقد المبادلة، والربح والتجارة متقاربان في الوجود وإلا فهم الخاسرون، والكرة مخسور فيها؛ أي: إن صحت تلك الكرة .. فنحن إذًا خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا المعنى أفاده كلمة ﴿إِذًا﴾، فإنها حرف جواب وجزاء عند الجمهور، وإنما حمل قولهم هذا على الاستهزاء؛ لأنهم أبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة المشكوك المحتمل الوقوع.
والمعنى (٣): أي إن صح ما قلتم من البعث يوم القيامة بعد أن نصير عظامًا نخرةً .. فنحن إذًا خاسرون؛ لأنا كذبنا به، ولم نأخذ العدة له، فيا ويلنا في هذا اليوم، وهذا منهم استهزاء وتهكم اعتقادًا منهم أن ذلك لن يكون، وقيل: معنى ﴿خَاسِرَةٌ﴾: كاذبة؛ أي: ليست بكائنة، كذا قال الحسن وغيره. وقال الربيع بن أنس: ﴿خَاسِرَةٌ﴾ على من كذب بها.
وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا بعد الموت .. لنخسرن بالنار،
стр. 14415
وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار.
١٣ - وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ جواب (١) من الله عن مقالتهم بالإنكار، وتعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة، وإحياء الأموات؛ أي: لا تستبعدوا تلك الكرة، ولا تحسبوها صعبة على الله سبحانه، فإنها سهلة هيئة في قدرته تعالى، فإنما هي؛ أي: تلك الكرة والرجعة ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: صيحة واحدة؛ أي: حاصلة بصيحة واحدة لا تكرر، يسمعونها وهم في بطون الأرض، وهي النفخة الثانية كنفخ واحد في صور الناس؛ لإقامة القافلة، عبر عن الكرة بالزجرة تنبيهًا على كمال اتصالها بها، كأنها عينها يقال: زجر البعير إذا صاح.
١٤ - ﴿فَإِذَا هُمْ﴾؛ أي: فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: على وجه الأرض. قال الواحدي (٢): المراد بالساهرة: وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع. قال الفراء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، يقال: سهر إذا لم ينم، وقيل: لأنه يسهر في فلاتها خوفًا منها، فسميت بذلك. وقيل: أرض من فضة لم يعص الله سبحانه فيها، خلقها الله سبحانه حينئذٍ. وقيل: الساهرة: الأرض السابعة، يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. وقال سفيان الثوري: الساهرة: أرض الشام. وفي الحديث: "بيت المقدس أرض المحشر والمنشر". وقال قتادة: هي جهنم؛ أي: فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم.
و ﴿إذا﴾ الفجائية تقيد (٣) حدوث ما أنكروه بسرعة على فجأة؛ أي: فإذا هم فاجؤوا الحصول بها، وهو بيان لحضورهم الموقف عقب الكرة التي عبر عنها بالزجرة. وقيل: الساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة؛ أي: جارية الماء، وفي ضدها نائمة، يعني: أن بياض الأرض عبارة عن خلوها عن الماء والكلأ، شبِّه جريان السراب فيها بجريان الماء عليها. فقيل لها: ساهرة. وفي "التأويلات النجمية": ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾؛ أي: فإذا هم بظهر أرض الحياة، كما كانوا قبله ببطن أرض الممات، وقال المولى الفناري في تفسير الفاتحة: إن الناس إذا قاموا من قبورهم، وأراد الله
стр. 14416
سبحانه أن يبدل الأرض غير الأرض .. تمد الأرض بإذن الله، ويكون المحشر عليها، فيكون الخلق عليه عندما يبدل الله الأرض كيف يشاء؛ إما بالصورة، وإما بأرض أخرى ما هم عليها، تسمى بالساهرة، فيمدها سبحانه مد الأديم، ويزيد في سعتها أضعاف ما كانت من أحد وعشرين جزءًا إلى تسعة وتسعين جزءًا، حتى لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا.
وحاصل المعنى (١): ألا تستبعدوا ذلك وتظنوه عسيرًا شاقًا علينا، فإنما هي صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية التي يبعث الله بها الموتى، فإذا الناس كلهم على سطح الأرض أحياء، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ .
وخلاصة هذا: لا تحسبوا أن هذه الرجعة عسيرة شاقة علينا، فما إعادتكم التي ظننتموها صعبة إلا أن نأمر ملكًا من ملائكتنا أن يصيح صيحة واحدة، فإذا أنتم جميعًا لدينا محضرون، لا يتخلف منكم أحد، ولا يستطيع التخلف إن أراد.
١٥ - وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ كلام مستأنف مسوق لتسلية رسول الله ﷺ على تكذيب قومه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من كان أقوى منهم وأعظم، يعني: فرعون، ومعنى (٢) هل أتاك: إن قدر أن هذا أول ما أتاه من حديثه يكون ترغيبًا له في استماع حديثه، وحملًا له على طلب الإخبار، كأنه قيل: هل أتاك حديث موسى قبل هذا، أم أنا أخبرك به؟ كما قال الحسن رحمه الله تعالى: إعلام من الله لرسوله حديث موسى، كقول الرجل لصاحبه: هل بلغك ما لقي أهل البلد، وهو يعلم أنه لم يبلغه، وإنما قال ليخبره به. انتهى. وإن قدر إتيانه قبل هذا، وهو المتبادر من الإيجاز في الاقتصاص يكون تقريرًا له؛ أي: حملًا له على الإقرار بأمر يعرفه قبل ذلك؛ أي: أليس قد أتاك حديثه، يعني: قد جاءك وبلغك حديثه عن قريب، كأنه لم يعلم بحديث موسى، وأنه لم يأته بعد، وإلا لما كان يتحزن على إصرار الكفار على إنكار البعث، وعلى استهزائهم به، بل يتسلى بذلك، فـ ﴿هَلْ﴾ بمعنى قد المقربة للحكم إلى الحال، وهمزة الاستفهام قبلها محذوفة، وهي للتقرير، وزيد ليس لأنه أظهر دلالة على ذلك؛ لأنه مقدر في النظم، كأنه قيل: أليس قد أتاك
стр. 14417
حديث موسى
١٦ - ﴿إِذْ نَادَاهُ﴾؛ أي: نادى موسى وكلمه ﴿رَبَّهُ﴾ وخالقه ومالكه ظرف للحديث، والمناداة والنداء بمعنى واحد، وفي "القاموس": النداء: الصوت؛ أي: هل أتاك يا محمد حديث موسى وخبره الواقع حين ناداه؛ إذ المراد: خبره الحادث، فلا بد له من زمان يحدث فيه، لا ظرف للإتيان لاختلاف وقتي الإتيان والنداء؛ لأن الإتيان لم يقع في وقت النداء، أو مفعول لاذكر المقدر، وعيه وضع السجاوندي علامة الوقف اللازم على موسى، وقال: لأنه لو وصل .. صار ﴿إِذْ﴾ ظرفًا لإتيان الحديث، وهو محال. لعله لم يلتفت إلى عمل حديث لكونه هنا اسمًا بمعنى الخبر مع وجود فعل قوي في العمل قبله، وبالجملة: لا يخلو عن إيهام، فالوجه الوقف، كما في بعض التفاسير. ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾؛ أي المبارك المطهر بتطهير الله عما لا يليق حين مكالمته مع كليمه، أو سمي مقدسًا لوقوعه في حدود الأرض المقدسة المطهرة عن الشرك ونحوه، وأصل الوادي (١): الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سمي المنفرج بين الجبلين: واديًا، والجمع: أودية، ويستعار للطريقة، كالمذهب والأسلوب، فيقال: فلان في وادٍ غير واديك. ﴿طُوًى﴾ بدل من ﴿الواد﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان، وهو بضم الطاء والتنوين تأويلًا له بالمكان، أو بغير تنوين تأويلًا له بالبقعة، وهو معدول من طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر، قال الفراء: الصرف أحب إليّ من منعه إذا. لم أجد في المعدول نظيرًا له، أي: لم أجد اسمًا من الوادي عدل عن جهته غير طوى، وهو اسم للوادي الذي بين المدينة ومصر، وقيل: ﴿طُوًى﴾ معناه: يا رجل بالعبرانية، فكأنه قيل: يا رجل اذهب إلى فرعون، وقيل: اسم وادٍ عند الطور بين: أيلة ومصر، وإنما سمي ﴿طُوًى﴾ لكثرة ما مشت عليه الأنبياء، وقيل: ﴿طُوًى﴾ معناه: يا رجل بالعبرانية، فكأنه قيل: يا رجل اذهب إلى فرعون، وقيل: المعنى: إن الوادي المقدس بورك فيه مرتين، والأول أولى.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم الطاء غير منون، وقرأ الباقون: بضم الطاء منونًا، وروى عن أبي عمرو بكسر الطاء.
١٧ - وقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فقال له: اذهب إلى فرعون، وقيل: هو
стр. 14418
تفسير للنداء؛ أي: ناداه نداءً، هو قوله: اذهب، وقيل: هو على حذف أن المفسمرة؛ ويؤيده قراءة ابن مسعود: ﴿أن اذهب﴾؛ لأن في النداء معنى القول، قال الحسن (١): وكان فرعون علجًا من همدان، وعنه أيضًا: كان من أصبهان، طوله أربعة أشبار، وهو أول من اتخذ القبقاب ليمشي فيه خوفًا من أن يمشي على لحيته، وقال مجاهد: كان أهل اصطخر.
وقرأ عبد الله: ﴿أن اذهب﴾؛ لأن في النداء معنى القول كما مر آنفًا. وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ تعليل للأمر بالذهاب، أو لوجوب الامتثال به، والطغيان: مجاوزة الحد؛ أي: طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم، فكما أن كمال العبودية لا يكون إلا بالصدق مع الحق، وحسن الخلق مع الخلق، فكذا كمال الطغيان يكون سوء المعاملة معهما.
١٨ - ﴿فَقُلْ﴾ له بعدما أتيته: ﴿هَلْ لَكَ﴾ رغبة وتوجه ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ بحذف إحدى التائين من تتزكى؛ أي: إلى أن تتطهر من دنس الكفر والطغيان، ووسخ الكدورات البشرية، والقاذورات الطبيعية.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَزَكَّى﴾ بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي؛ قال أبو عمر بن العلاء: معنى قراءة المخفيف: تكون زكيًّا مؤمنًا، ومعنى قراءة التشديد: الصدقة. وفي الكلام مبتدأ مقدر يتعلق به ﴿إِلَى﴾، والتقدير: هل لك رغبة، أو هل لك توجه، أو هل لك سبيل إلى التزكي؟ كما مر آنفًا.
١٩ - ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: وأرشدك إلى معرفته فتعرفه، ففي النظم مضاف مقدر، وتقديم التزكية لتقدم التخلية على التحلية. ﴿فَتَخْشَى﴾؛ إذ الخشية لا تكون إلا بعد معرفته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾؛ أي: العلماء بالله، وجعل الخشية غاية للهداية؛ لأنها ملاك الأمر؛ لأن من خشي الله .. أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر، كما قال النبي ﷺ "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل" والإدلاج: السير أول الليل.
ثم إنه تعالى (٣) أمر موسى ﵇ بأن يخاطبه بالاستفهام الذي معناه العرض، ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، وهذا ضرب تفصيل لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ أما كونه لينًا ..
стр. 14419
فلأنه في صورة العرض لا في صورة الأمر صريحًا، وليس فيه أيضًا ذكر نحو الشرك، والجهل والكفران من متعلقات التزكي، وأما اشتماله على بعض التفصيل فظاهر.
وحاصل معنى الآيات: أي ألم يبلغك يا محمد حديث موسى مع فرعون وقومه، وقد أمره الله تعالى بالتلطف في القول، واللين في الدعوة إلى الحق؛ إقامة للحجة والوصول من أقرب محجة، كما جاء في سورة طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ وكان ذلك حين ناداه ربه بالوادي المطهر المبارك من طور سيناء من برية الشام بعد مضي وقت من الليل، فقال له: اذهب إلى فرعون وعظه، فإنه تجاوز الحد، وتكبر على الله، وكفر به، وتجبر على بني إسرائيل، واستعبدهم حتى بلغ من أمره أن ذبح أبناءهم، واستحيى نساءهم، ثم طلب إلى موسى أن يلين له القول؛ ليكون ذلك أنجع في الدعوى، فقال: فقل له هل ترغب إلن أن تطهر نفسك من الآثام التي انغمست فيها، وتعمل بما أدلك عليه من طرق الخير، وتبعد عما أنت فيه من اجتراح السيئات، وتخشى عاقبة مخالفة أمر ربك، حتى تأمن من عقابه إذا أديت ما ألزمك به من فرائضه، واجتنبت مما نهاك عنه من معاصيه.
٢٠ - ثم ذكر أنه لم يخضع للدليل والبرهان، ولم يقنع بما أدلى إليه موسى من حجة، فاضطر إلى أن يظر له دليلًا يراه ويشاهده، فقال: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ الفاء عاطفة على جمل قد طويت هنا تعويلًا على ذكرها في السور الأخرى، فإنه جرى بينه وبين فرعون ما جرى من المحاورات إلى أن قال: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، والتقدير: أي: فذهب موسى إلى فرعون بأمره تعالى، فدعاه إلى التوحيد والطاعة، وطلب فرعون منه المعجزة الدالة على صدقه في دعوته، فأراه موسى الآية الكبرى، والمعجزة العظمى، والإراءة: إما من التبصير، أو من التعريف، فإن اللعين حين أبصرها .. عرفها، وادعاء سحريتها إنما كان إراءة منه، وإظهارًا للتجلد، ونسبتها إلى موسى بالنظر إلى الظاهر، كما أن نسبتها إلى نون العظمة في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ بالنظر إلى الحقيقة، والمراد بـ ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾: قلب العصا حية، والصغرى: غيره من معجزاته الباقية، وذلك أن
стр. 14420
القلب المذكور كان المقدم على الكل في الإراءة، فينبغي أن يكون هو المراد على ما تقتضيه الفاء التعقبية في قوله الآتي: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾ .
والمعنى: أي فلما لم يقنع بالدليل القولي .. أظهر له آية كبرى ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية
٢١ - ﴿فـ﴾ مع ذلك ﴿كَذَّبَ﴾ فرعون بموسى، وسمى معجزته سحرًا عقيب رؤية الآية، من غير روية وتأمل، وطلب شاهد من عقل، وناصح من فكر وقلب؛ لغاية استكباره وتمرده ﴿وَعَصَى﴾ الله سبحانه. بالتمرد بعدما علم صحة الأمر، ووجوب الطاعة، أشد عصيان وأقبحه، حيث اجترأ على إنكار وجود رب العالمين رأسًا. فدل العطف على أن الذي ترتب على إراءة الآية الكبرى هو التكذيب الذي يكون عصيانًا لله تعالى، وهو التكذيب باللسان، مع حصول الجزم بأن من كذبه ممن يجب تصديقه، فأما تكذيب من لا يجب تصديقه .. فلا يكون عصيانًا، ويجوز أن يراد: وعصى فرعون موسى فيما أمر به، إلا أن الأول أدخل في ذمه، وتقبيح حاله، وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته تعالى، وترك دعوى الربوبية، لا بإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر فقط.
٢٢ - ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾؛ أي: تولى عن الطاعة، وأعرض عن الإيمان، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ على هذا معناها التراخي الزماني، إذ السعي في إبطال أمره يقتضي مهلة، أو انصرف عن المجلس. قال الراغب: ﴿أَدْبَرَ﴾؛ أي: أعرض وولى دبره حال كونه ﴿يَسْعَى﴾؛ أي: يجتهد في معارضة الآية تمردًا وعنادًا، لا اعتقادًا، بأنها يمكن معارضتها، وهو حال من فاعل ﴿أَدْبَرَ﴾ بمعنى: مسرعًا مجتهدًا.
وقيل: أدبر هاربًا من الحية حال كونه يسعى خوفًا منها.
والمعنى: أي فكذب فرعون موسى، ثم ولى معرضًا عما دعاه إليه من طاعة ربه وخشيته، وطفق يخب في المعاصي، ويضع غير متدبر في عاقبة أمره، ولا مفكر في غده.
٢٣ - ﴿فَحَشَرَ﴾؛ أي: فجمع فرعون جنوده للقتال والمحاربة، أو جمع السحرة للمعارضة، لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾؛ أي: ما يكاد به من السحرة وآلاتهم، أو جمع جميع الناس
стр. 14421
ليشاهدوا ما يقع، أو جمعهم ليمنعوه من الحية ﴿فَنَادَى﴾ بنفسه في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو بواسطة المنادي
٢٤ - ﴿فَقَالَ﴾ لهم بصوت عال، أو أمر من يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: لا رب فوقي ولا إله، أو أنا وليكم وقائدكم الأعلى من كل من يلي أمركم على أن تكون صيغة التفضيل، بالنسبة إلى من كان تحت ولايته من الملوك والأمراء، قال عطاء: كان صنع لهم أصنامًا صغارًا، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا رب أصنامكم، والأول أولى؛ لقوله في آية أخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، والظاهر أنه لم يرد بهذا القول أنه خالق السموات والأرض، والجبال والنبات والحيوان، فإن العلم بفساد ذلك ضروري، ومن شك فيه كان مجنونًا، ولو كان مجنونًا لما جاز من الله بعثة الرسول إليه، بل الرجل كان دهريًا منكرًا للصانع والحشر والنشر، وكان يقول: ليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي، أو يبعث إليكم رسولًا، بل المربي لكم، والمحسن إليكم أنا لا غيري. قال بعضهم: كان ينبغي له عند ظهور ذله وعجزه بانقلاب العصا حية أن لا يقول ذلك القول، فكأنه صار في ذلك الوقت كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول، يقول الفقير: بل الأظهر حمل الربوبية على الألوهية، كما مر؛ لأن تفسير قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ بكونه أعلى من كل من يلي أمركم ليس فيه كثير جدوى؛ إذ لا يقتضي ادعاء الرئاسة دعوى الألوهية، كسائر الدهرية والمعطلة، فلأنهم لم يتعرضوا للألوهية، وإن كانوا رؤساء. تأمل هذا المقام، فإنه مما تزل فيه الأقدام.
قال بعضهم: لم يدع أحد من الخلائق من الكمال ما ادعاه الإنسان، فإنه ادَّعى الربوبية وقال: أنا ربكم الأعلى، وإبليس تبرأ منها، وقال: إني أخاف الله، فلم يدع مرتبة ليست له قط؛ أي: إنه على جناح واحد، وهو الجلال فقط، وكذا الملك، فإنه على الجمال المحض بخلاف الإنسان، فإنه مخلوق باليدين. انتهى. قال في "أسئلة الحكم": فإن قلت: ما الحكمة في أن إبليس قد لعن، ولم يدع الربوبية، وفرعون وأمثاله قد ادعوا الربوبية، ولم يلعنوا تعيينًا وتخصيصًا، كما لعن إبليس؟.
قيل: لأن نية إبليس شر من نية هؤلاء، وقيل: لأنه أول من سن الخلاف والشقاق قولًا وفعلًا ونيةً، والخلق بعده ادعوا الربوبية، وسنوا البغي والخلاف بوسوسته، وإبليس واجه بمخالفته حضرة الرب تعالى، وهم واجهوا الأنبياء
стр. 14422
والوسائط، وتضرعوا تارة، واعترفوا بالذنوب عند المخلوق أخرى، وإبليس لم يعترف ولم يتضرع، وهو أول من سن الكفر، فوزر الكفار بعده راجع إليه إلى يوم القيامة، ومظهر الضلالة والغواية بذاته بغير واسطة.
ومعنى الآية (١): أي فجمع فرعون السحرة الذين هم تحت إمرته وسلطانه؛ كما جاء في قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ فقام فيهم يقول: أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني،
٢٥ - ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر [بحر القلزم]، عند خروجهم من مصر، فأغرق فيه هو وجنوده، وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾ بسبب ما ذكر، وعذبه ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾؛ أي: عذاب الآخرة، وعذاب الدنيا، والمراد بنكال الآخرة: عذاب النار، وبنكال الأولى: عذاب الدنيا بالغرق، والنكال: اسم مصدر من نكل المضاعف بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى: التسليم، وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو سمعه، وينعه من تعاطي ما يفضي إليه، ومحله (٢) النصب على أنه مصدر مؤكد، كوعد الله، كأنه قال: نكل الله به نكال الآخرة والأولى، وهو الإحراق في الآخرة، والإغراق في الدنيا، وأخذ مستعمل في معنى مجازي، يعم الأخذ في الدنيا والآخرة، وإلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن الاستعمال في الأخذ الدنيوي حقيقة، وفي الآخرة مجاز لتحقق وقوعه، وإضافة النكال إلى الدارين باعتبار وقوع نفس الآخذ فيهما، لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما، فإن ذلك لا يتصور في الآخرة، بل في الدنيا، فإن العقوبة الأخروية تنكل من سمعها، وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة.
ويجوز (٣) أن يكون انتصابُ ﴿نَكَالَ﴾ على أنه مفعول له؛ أي: أخذه لأجل نكال، ويجوز أن يكون انتصابه بنزع الخافض؛ أي: بنكال، ورجح الزجاج: أنه مصدر مؤكد، قال: لأن معنى أخذه الله: نكل الله به، فأخرج من معناه، لا من لفظه، وقال الفراء: أخذه الله أخذًا نكالًا؛ أي: للنكال، والنكال: اسم لما جعل نكالًا للغير؛ أي: عقوبةً له، يقال: نكل فلان بفلان إذا عاقبه، وقيل: المعنى:
стр. 14423
فعاقبه الله بكلمته الآخرة، وهي قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وبكلمته الأولى: وهي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وكان بينهما أربعون سنة على ما قيل، فالله تعالى يمهل ولا يهمل، وقال السري (١): العبد إذا تزيَّا بزي السيد صار نكالًا، ألا ترى كيف ذكر الله في قصة فرعون لما ادعى الربوبية، فأخذه الله ... إلخ، كذبه كل شيء حتى نفسه، وفي "الوسيط": عن رسول الله ﷺ ، قال موسى: يا رب، أمهلت فرعون أربع مئة سنة، ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ويكذب بآياتك، ويجحد برسلك، فأوحى الله إليه: كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأردت أن أكافئه؛ أي: مكافئة دنيوية، وكذا حسنات كل كافر، وأما المؤمن .. فأكثر ثوابه في الآخرة، ودلت الآية على أن فرعون مات كافرًا، وفي "الفتوحات المكية": فرعون ونمروذ مؤبدان في النار. انتهى. وغير هذا من أقوال بعضهم محمول على المباحثة، فصن لسانك عن الإطالة؛ فإنها من أشد ضلالة.
٢٦ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: اعتبارًا عظيمًا، وعظةً بليغةً ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: لمن من شأنه أن يخشى الله سبحانه، وهو من شأنه المعرفة، يعني: العارف بالله وشؤونه يخشى، فلا يتمرد على الله، ولا على أنبيائه؛ خوفًا من نزول العذاب، والعاقل من وعظ بغيره.
والمعنى (٢): أي إن فيما ذكر لموعظة لمن له عقل يتدبر به في عواقب الأمور ومصايرها، فينظر في حوادث الماضين، ويقيس بها أحوال الحاضرين ليتعظ بها.
٢٧ - وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ خطاب (٣) لأهل مكة المنكرين للبعث بناءً على صعوبته في زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ فالشدة هنا بمعنى: الصعوبة، لا بمعنى: الصلابة؛ لأنها لا تلائم المقام؛ أي: أخلقكم بعد موتكم أشق وأصعب في تقديركم وزعمكم؛ وإلا فكلا الأمربن بالنسبة إلى قدرة الله تعالى واحد. ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: أم خلق السماء بلا مادة على عظمها وقوة تأليفها، وانطوائها على البدائع التي تجار العقول في ملاحظة أدناها، وهو (٤)، استفهام تقرير ليقروا بأن خلق السماء أصعب،
стр. 14424
فيلزمهم بأن يقول لهم: أيها السفهاء من قدر على الأصعب الأعسر .. كيف لا يقدر على إعادتكم وحشركم وهي أسهل وأيسر، فخلقكم على وجه الإعادة أولى بأن يكون مقدور الله، فكيف تنكرون ذلك، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ و ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، و ﴿خَلْقًا﴾ تمييز، و ﴿السَّمَاءُ﴾: عطف على ﴿أَنْتُمْ﴾؛ وحذف خبره لدلالة خبر ﴿أَنتُمْ﴾ عليه؛ أي: أم السماء أشد خلقًا.
والمعنى (١): أي أأنتم أيها الناس، وقد خلقتكم من ماء مهين ضعافًا عاجزين لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً، أصعب إبداعًا وإنشاءً، أم هذه السماء التي ترون خلقها وبديع تركيبها وعظمة شأنها؟ إنكم لا تنازعون في أنها أشد منكم خلقًا، ومع ذلك لم نعجز عن إبداعها، فكيف تظنون أننا نعجز عن إعادتكم بعد موتكم، يرشد إلى ذلك قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وفي هذا من التقريع والتوبيخ ما لا يخفى، وبعد أن أشار إلى عظيم خلق السموات إجمالًا .. شرع يبين ذلك تفصيلًا، فقال: ﴿بَنَاهَا﴾؛ أي: بني الله السماء، وركبها من أجزاء متفرقة، وهو استئناف وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ فيتم الكلام حينئذٍ عند قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ويبتدأ من قوله: ﴿بَنَاهَا﴾، و ﴿أَمِ﴾، متصلة، وقال الكسائي والفراء والزجاج: تم الكلام عند قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾؛ لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز.
واستعمل البناء في موضع السقف، فإن السماء سقف مرفوع، والبناء إنما يستعمل في أسافل البناء لا في الأعالي، للإشارة إلى أنه وإن كان سقفًا .. لكنه في البعد عن الاختلال والانحلال كالبناء، فإن البناء أبعد عن تطرق الاختلال إليه بالنسبة إلى السقف، ومعنى بناها؛ أي: جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض،
٢٨ - وقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ بيان للبناء؛ أي: جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، وذهابها إلى سمت العلو مديدًا رفيعًا مسيرة خمس مئة عام، فإن امتداد الشيء إن أخذ من أسفله إلى أعلاه سُمي سمكًا، وإن أخذ من أعلاه إلى أسفله سُمي: عمقًا، وقال بعضهم:
стр. 14425
السمك الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، فيكون المراد: ثخنها وغلظها وهي أيضًا تلك المسيرة، وقال البغوي: رفع سمكها؛ أي: سقفها، ومعنى: ﴿فَسَوَّاهَا﴾؛ أي: فجعلها مستوية الخلق، معدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج، ولا فطور ولا شقوق.
ومعنى: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾؛ أي: ضم أجزاءها (١) المتفرقة، وربطها بما يمسكها حتى حصل عن جمعها بنية واحدة، فقد أبدع في خلق الكواكب، وجعل كل كوكب منها على نسبة من الآخر، وجعل لكل منها ما يمسكه في مداره، حتى كان من مجموعها ما يشبه البناء، وهو ما نسميه بالسماء، وقد جعلها ذاهبة في العلو صعدًا، وعدلها فوضع كل جزاء منها في موضعه الذي يتسحقه، ويحسن أن يكون فيه.
٢٩ - ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾؛ أي: وجعل ليلها مظلمًا بمغيب كواكبها ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: وأبرز نهارها، وعبر عن النهار بالضحى؛ لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وفيه من انتعاش الأرواح ما ليس في سائرها، يقال: أغطشه الله إذا جعله مظلمًا، وأغطش الليل: إذا صار مظلمًا، فهو متعد ولازم، والأول هو المراد هنا؛ أي: جعله مظلمًا ذاهب النور.
فإن قيل: الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسب غروب الشمس، فقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلمًا، وهو بعيد، والجواب: معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان، إنما حصلت بتدبير الله وتقديره، فلا إشكال.
وعبارة "الروح": قوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: أبرز نهارها، عبر عنه بالضحى، وهو ضوء الشمس، ووقت الضحى هو الوقت الذي تشرق فيه الشمس، ويقوم سلطانها؛ لأنه أشرف أوقاتها وأطيبها، على تسمية المحل باسم أشرف ما حل فيه، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان، وهو السر في تأخير ذكره عن ذكر الليل، وفي التعبير عن إحداثه بالإخراج، فإن إضافة النور بعد الظلمة أتم في الإنعام، وأكمل في الإحسان.
وإضافة (٢) الليل والضحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتها،