← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

ليشاهدوا ما يقع، أو جمعهم ليمنعوه من الحية ﴿فَنَادَى﴾ بنفسه في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو بواسطة المنادي ٢٤ - ﴿فَقَالَ﴾ لهم بصوت عال، أو أمر من يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: لا رب فوقي ولا إله، أو أنا وليكم وقائدكم الأعلى من كل من يلي أمركم على أن تكون صيغة التفضيل، بالنسبة إلى من كان تحت ولايته من الملوك والأمراء، قال عطاء: كان صنع لهم أصنامًا صغارًا، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا رب أصنامكم، والأول أولى؛ لقوله في آية أخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، والظاهر أنه لم يرد بهذا القول أنه خالق السموات والأرض، والجبال والنبات والحيوان، فإن العلم بفساد ذلك ضروري، ومن شك فيه كان مجنونًا، ولو كان مجنونًا لما جاز من الله بعثة الرسول إليه، بل الرجل كان دهريًا منكرًا للصانع والحشر والنشر، وكان يقول: ليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي، أو يبعث إليكم رسولًا، بل المربي لكم، والمحسن إليكم أنا لا غيري. قال بعضهم: كان ينبغي له عند ظهور ذله وعجزه بانقلاب العصا حية أن لا يقول ذلك القول، فكأنه صار في ذلك الوقت كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول، يقول الفقير: بل الأظهر حمل الربوبية على الألوهية، كما مر؛ لأن تفسير قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ بكونه أعلى من كل من يلي أمركم ليس فيه كثير جدوى؛ إذ لا يقتضي ادعاء الرئاسة دعوى الألوهية، كسائر الدهرية والمعطلة، فلأنهم لم يتعرضوا للألوهية، وإن كانوا رؤساء. تأمل هذا المقام، فإنه مما تزل فيه الأقدام. قال بعضهم: لم يدع أحد من الخلائق من الكمال ما ادعاه الإنسان، فإنه ادَّعى الربوبية وقال: أنا ربكم الأعلى، وإبليس تبرأ منها، وقال: إني أخاف الله، فلم يدع مرتبة ليست له قط؛ أي: إنه على جناح واحد، وهو الجلال فقط، وكذا الملك، فإنه على الجمال المحض بخلاف الإنسان، فإنه مخلوق باليدين. انتهى. قال في "أسئلة الحكم": فإن قلت: ما الحكمة في أن إبليس قد لعن، ولم يدع الربوبية، وفرعون وأمثاله قد ادعوا الربوبية، ولم يلعنوا تعيينًا وتخصيصًا، كما لعن إبليس؟. قيل: لأن نية إبليس شر من نية هؤلاء، وقيل: لأنه أول من سن الخلاف والشقاق قولًا وفعلًا ونيةً، والخلق بعده ادعوا الربوبية، وسنوا البغي والخلاف بوسوسته، وإبليس واجه بمخالفته حضرة الرب تعالى، وهم واجهوا الأنبياء

стр. 14422

والوسائط، وتضرعوا تارة، واعترفوا بالذنوب عند المخلوق أخرى، وإبليس لم يعترف ولم يتضرع، وهو أول من سن الكفر، فوزر الكفار بعده راجع إليه إلى يوم القيامة، ومظهر الضلالة والغواية بذاته بغير واسطة. ومعنى الآية (١): أي فجمع فرعون السحرة الذين هم تحت إمرته وسلطانه؛ كما جاء في قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ فقام فيهم يقول: أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني، ٢٥ - ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر [بحر القلزم]، عند خروجهم من مصر، فأغرق فيه هو وجنوده، وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾ بسبب ما ذكر، وعذبه ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾؛ أي: عذاب الآخرة، وعذاب الدنيا، والمراد بنكال الآخرة: عذاب النار، وبنكال الأولى: عذاب الدنيا بالغرق، والنكال: اسم مصدر من نكل المضاعف بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى: التسليم، وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو سمعه، وينعه من تعاطي ما يفضي إليه، ومحله (٢) النصب على أنه مصدر مؤكد، كوعد الله، كأنه قال: نكل الله به نكال الآخرة والأولى، وهو الإحراق في الآخرة، والإغراق في الدنيا، وأخذ مستعمل في معنى مجازي، يعم الأخذ في الدنيا والآخرة، وإلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن الاستعمال في الأخذ الدنيوي حقيقة، وفي الآخرة مجاز لتحقق وقوعه، وإضافة النكال إلى الدارين باعتبار وقوع نفس الآخذ فيهما، لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما، فإن ذلك لا يتصور في الآخرة، بل في الدنيا، فإن العقوبة الأخروية تنكل من سمعها، وتمنعه من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة. ويجوز (٣) أن يكون انتصابُ ﴿نَكَالَ﴾ على أنه مفعول له؛ أي: أخذه لأجل نكال، ويجوز أن يكون انتصابه بنزع الخافض؛ أي: بنكال، ورجح الزجاج: أنه مصدر مؤكد، قال: لأن معنى أخذه الله: نكل الله به، فأخرج من معناه، لا من لفظه، وقال الفراء: أخذه الله أخذًا نكالًا؛ أي: للنكال، والنكال: اسم لما جعل نكالًا للغير؛ أي: عقوبةً له، يقال: نكل فلان بفلان إذا عاقبه، وقيل: المعنى:

стр. 14423

فعاقبه الله بكلمته الآخرة، وهي قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وبكلمته الأولى: وهي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وكان بينهما أربعون سنة على ما قيل، فالله تعالى يمهل ولا يهمل، وقال السري (١): العبد إذا تزيَّا بزي السيد صار نكالًا، ألا ترى كيف ذكر الله في قصة فرعون لما ادعى الربوبية، فأخذه الله ... إلخ، كذبه كل شيء حتى نفسه، وفي "الوسيط": عن رسول الله ﷺ ، قال موسى: يا رب، أمهلت فرعون أربع مئة سنة، ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ويكذب بآياتك، ويجحد برسلك، فأوحى الله إليه: كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأردت أن أكافئه؛ أي: مكافئة دنيوية، وكذا حسنات كل كافر، وأما المؤمن .. فأكثر ثوابه في الآخرة، ودلت الآية على أن فرعون مات كافرًا، وفي "الفتوحات المكية": فرعون ونمروذ مؤبدان في النار. انتهى. وغير هذا من أقوال بعضهم محمول على المباحثة، فصن لسانك عن الإطالة؛ فإنها من أشد ضلالة. ٢٦ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: اعتبارًا عظيمًا، وعظةً بليغةً ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: لمن من شأنه أن يخشى الله سبحانه، وهو من شأنه المعرفة، يعني: العارف بالله وشؤونه يخشى، فلا يتمرد على الله، ولا على أنبيائه؛ خوفًا من نزول العذاب، والعاقل من وعظ بغيره. والمعنى (٢): أي إن فيما ذكر لموعظة لمن له عقل يتدبر به في عواقب الأمور ومصايرها، فينظر في حوادث الماضين، ويقيس بها أحوال الحاضرين ليتعظ بها. ٢٧ - وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ خطاب (٣) لأهل مكة المنكرين للبعث بناءً على صعوبته في زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعدما بين كمال سهولته بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ فالشدة هنا بمعنى: الصعوبة، لا بمعنى: الصلابة؛ لأنها لا تلائم المقام؛ أي: أخلقكم بعد موتكم أشق وأصعب في تقديركم وزعمكم؛ وإلا فكلا الأمربن بالنسبة إلى قدرة الله تعالى واحد. ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: أم خلق السماء بلا مادة على عظمها وقوة تأليفها، وانطوائها على البدائع التي تجار العقول في ملاحظة أدناها، وهو (٤)، استفهام تقرير ليقروا بأن خلق السماء أصعب،

стр. 14424

فيلزمهم بأن يقول لهم: أيها السفهاء من قدر على الأصعب الأعسر .. كيف لا يقدر على إعادتكم وحشركم وهي أسهل وأيسر، فخلقكم على وجه الإعادة أولى بأن يكون مقدور الله، فكيف تنكرون ذلك، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ و ﴿أَشَدُّ﴾: خبره، و ﴿خَلْقًا﴾ تمييز، و ﴿السَّمَاءُ﴾: عطف على ﴿أَنْتُمْ﴾؛ وحذف خبره لدلالة خبر ﴿أَنتُمْ﴾ عليه؛ أي: أم السماء أشد خلقًا. والمعنى (١): أي أأنتم أيها الناس، وقد خلقتكم من ماء مهين ضعافًا عاجزين لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً، أصعب إبداعًا وإنشاءً، أم هذه السماء التي ترون خلقها وبديع تركيبها وعظمة شأنها؟ إنكم لا تنازعون في أنها أشد منكم خلقًا، ومع ذلك لم نعجز عن إبداعها، فكيف تظنون أننا نعجز عن إعادتكم بعد موتكم، يرشد إلى ذلك قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وفي هذا من التقريع والتوبيخ ما لا يخفى، وبعد أن أشار إلى عظيم خلق السموات إجمالًا .. شرع يبين ذلك تفصيلًا، فقال: ﴿بَنَاهَا﴾؛ أي: بني الله السماء، وركبها من أجزاء متفرقة، وهو استئناف وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ فيتم الكلام حينئذٍ عند قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾، ويبتدأ من قوله: ﴿بَنَاهَا﴾، و ﴿أَمِ﴾، متصلة، وقال الكسائي والفراء والزجاج: تم الكلام عند قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾؛ لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز. واستعمل البناء في موضع السقف، فإن السماء سقف مرفوع، والبناء إنما يستعمل في أسافل البناء لا في الأعالي، للإشارة إلى أنه وإن كان سقفًا .. لكنه في البعد عن الاختلال والانحلال كالبناء، فإن البناء أبعد عن تطرق الاختلال إليه بالنسبة إلى السقف، ومعنى بناها؛ أي: جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض، ٢٨ - وقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ بيان للبناء؛ أي: جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، وذهابها إلى سمت العلو مديدًا رفيعًا مسيرة خمس مئة عام، فإن امتداد الشيء إن أخذ من أسفله إلى أعلاه سُمي سمكًا، وإن أخذ من أعلاه إلى أسفله سُمي: عمقًا، وقال بعضهم:

стр. 14425

السمك الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، فيكون المراد: ثخنها وغلظها وهي أيضًا تلك المسيرة، وقال البغوي: رفع سمكها؛ أي: سقفها، ومعنى: ﴿فَسَوَّاهَا﴾؛ أي: فجعلها مستوية الخلق، معدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج، ولا فطور ولا شقوق. ومعنى: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾؛ أي: ضم أجزاءها (١) المتفرقة، وربطها بما يمسكها حتى حصل عن جمعها بنية واحدة، فقد أبدع في خلق الكواكب، وجعل كل كوكب منها على نسبة من الآخر، وجعل لكل منها ما يمسكه في مداره، حتى كان من مجموعها ما يشبه البناء، وهو ما نسميه بالسماء، وقد جعلها ذاهبة في العلو صعدًا، وعدلها فوضع كل جزاء منها في موضعه الذي يتسحقه، ويحسن أن يكون فيه. ٢٩ - ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾؛ أي: وجعل ليلها مظلمًا بمغيب كواكبها ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: وأبرز نهارها، وعبر عن النهار بالضحى؛ لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وفيه من انتعاش الأرواح ما ليس في سائرها، يقال: أغطشه الله إذا جعله مظلمًا، وأغطش الليل: إذا صار مظلمًا، فهو متعد ولازم، والأول هو المراد هنا؛ أي: جعله مظلمًا ذاهب النور. فإن قيل: الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسب غروب الشمس، فقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلمًا، وهو بعيد، والجواب: معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان، إنما حصلت بتدبير الله وتقديره، فلا إشكال. وعبارة "الروح": قوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: أبرز نهارها، عبر عنه بالضحى، وهو ضوء الشمس، ووقت الضحى هو الوقت الذي تشرق فيه الشمس، ويقوم سلطانها؛ لأنه أشرف أوقاتها وأطيبها، على تسمية المحل باسم أشرف ما حل فيه، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان، وهو السر في تأخير ذكره عن ذكر الليل، وفي التعبير عن إحداثه بالإخراج، فإن إضافة النور بعد الظلمة أتم في الإنعام، وأكمل في الإحسان. وإضافة (٢) الليل والضحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتها،

стр. 14426

والإضافة يكفيها أدنى ملابسة المضاف إليه، ويجوز أن تكون إضافة الضحى إليها بواسطة الشمس؛ أي: أبرز ضوء شمسها، بتقدير المضاف، والتعبير عنه بالضحى؛ لأنه وقت قيام سلطانها، وكمال إشراقها، ٣٠ - وتعاقب الليل والنهار، واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيء الأرض للسكنى، ومن ثَمَّ قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بألفي عام؛ أي: بعدما ذكر من بناء السموات، ورفع سمكها وتسويتها ﴿دَحَاهَا﴾؛ أي: دحى الأرض، وبسطها ومهدها لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها، وقد كانت الأرض مخلوقة غير مدحوة قبل ذلك، فلا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾، لأنه يمكن الجمع بينهما، بأنه سبحانه خلق الأرض غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، كما تقدم هنالك، فالآيتان ترشدان إلى أن الله تعالى خلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات بعد ذلك، ثم عاد إلى الأرض فمهدها ودحاها، فآية السجدة حكاية للخلق الأول ومبدئه، وهذه الآية حكاية للإصلاح الذي كان بعد الخلق. وقال بعض أهل العلم (١): إن ﴿بَعْدَ﴾ هنا بمعنى: مع، كما في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ وقيل: ﴿بَعْدَ﴾ بمعنى قبل، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾، أي: من قبل القرآن، ولكن الجمع الذي ذكرناها أولى، وهو قول ابن عباس، وغير واحد من المفسرين، واختاره ابن جرير. وقرأ الجمهور (٢) بنصب ﴿الأرض﴾ و ﴿الجبال﴾ على الاشتغال، وقرأ الحسن وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال وعمرو بن ميمون ونصر بن عاصم برفعهما على الابتداء، وقرأ عيسى برفع ﴿الأرض﴾ فقط، ٣١ - ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من أمر المآكل والمشارب، وإمكان القرار عليها، فقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض، ﴿مَاءَهَا﴾ بأن فجر منها عيونًا، وأجرى أنهارًا ﴿و﴾ أثبت منها ﴿مَرْعَاهَا﴾، أي: رعيها بكسر أوله ونباتها الذي ترعاه الأنعام، وهو الكلأ،

стр. 14427

والمرعى في الأصل: موضع الرعي بالفتح، نسب الماء والمرعى إلى الأرض من حيث إنهما منها يظهران، وتجريد الجملة عن العاطف؛ لأنها بيان وتفسير لـ ﴿دَحَاهَا﴾، أو تكملة له، فإن السكنى لا تتأتى بمجرد البسط والتمهيد، بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المآكل والمشارب والملابس حتمًا. والمعنى (١): أي فجّر منها العيون والينابيع والأنهار، وأنبت فيها النبات، سواء أكان قوتًا لبني آدم، كالحب والثمر، أم قوتًا للأنعام والماشية، كالعشب والحشيش. ٣٢ - ﴿وَالْجِبَالَ﴾: منصوب بمضمر يفسره قوله: ﴿أَرْسَاهَا﴾؛ أي أثبتها وأثبت بها الأرض؛ لئلا تميد بأهلها، وهذا تحقيق للحق، وتنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسي، ليس من مقتضيات ذواتها، بل هو بإرسائه ، ولولاه لما ثبتت في نفسا فضلًا عن إثباتها للأرض. قيل: ولعل وجه تقديم ذكر الماء والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم الإرساء عليه؛ للاهتمام بأمر المآكل والمشارب، ٣٣ - وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ (٢) مفعول له لفعل محذوف بمعنى تمتيعًا، والأنعام جمع نعم بفتحتين، وهي المال الراعية بمعنى المواشي، وفي "الصحاح": وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والمراد هنا: ما يكون علمًا للإبل والبقر والغنم، من الضأن والمعز، والتقدير: فعلنا ذلك تمتيعًا ومنفعةً لكم ولأنعامكم؛ لأن فائدة ما ذكر من البسط والتمهيد، إخراج الماء والرعى واصلة إليهم، وإلى أنعامهم، فإن المراد بالمرعى ما يعم ما يأكل الإنسان وغيره بناءً على استعارة الرعي لتناول المأكول على الإطلاق، كاستعارة المرسن للأنف، ولهذا قيل: دل الله تعالى بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويستمع، مما يخرج من الأرض حتى الملح فإنه من الماء، قال العتبي: هذا أي قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ من جوامع الكلم؛ حيث ذكر شيئين دالين على جمع ما أخرج من الأرض قوتًا ومتاعًا للأنعام، من العشب والشجر، والحب والثمر، والملح والنار لأن النار من الشجر الأخضر، والملح من الماء، ونكتة الاستعارة: توبيخ المخاطبين المنكرين للبعث،

стр. 14428

وإلحاقهم بالبهائم في التمتع بالدنيا، والذهول عن الآخرة. وقيل: انتصاب ﴿مَتَاعًا﴾ على المصدرية، أي: متعناكم بذلك تمتيعًا لكم ولأنعامكم، أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحيون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم قادرًا على بعثكم، وهل يليق به أن يترككم سدى بعد أن دبر أمركم هذا التدبير المحكم، ووفر لكم هذا الخير الكثير. ٣٤ - وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ شروع (١) في بيان أحوال معادهم إثر بيان أحوال معاشهم، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها عما قليل؛ كما ينبىء عنه لفظ المتاع، ويصح أن تكون فصيحةً. قال في "الصحاح": كل شيء كثر حتى علا وغلب، فقد طم، من باب رد، و ﴿الْكُبْرَى﴾: تأنيث الأكبر، من كبر بالضم بمعنى عظم، لا من كبر بالكسهر بمعنى أسن، و ﴿الطَّامَّةُ﴾: الداهية التي تعلو وتغلب كل الدواهي، فوصفها بالكبرى يكون للتأكيد، والمراد بها: القيامة، لطمومها على كل هائلة، أو النفخة الثانية، فإنه يشاهد يوم القيامة من الآيات الهائلة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل، وعند النفخة الثانية تحشر الخلائق إلى موقف القيامة، وخصت سورة النازعات بالطامة، وسورة عبس بالصاخة؛ لأن الطم إن كان بمعنى النفخة الأولى للإهلاك .. فهو قبل الصخ؛ أي: الصوت الشديد الذي يحيى له الناس حين يصيخون له، كما ينتبه النائم بالصوت الشديد، فهو بمعنى النفخة الثانية، فجعل السابق للسورة السابقة، واللاحق للَّاحقة، وإن كان بمعنى النفخة الثانية .. فحسن الموقع في كلا الموضعين؛ لأن الطم ورد بعد قوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾، والصخ بعدما بين عدم إصاخة النبي ﷺ لابن أم مكتوم، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف يدل عليه التفصيل المذكور، والتقدير: إذا عرفتم حال معاشكم، وأردتم بيان حال معادكم .. فأقول لكم: إذا جاء وقت وقوع الداهية العظمى التي تطم وتغلب على سائر الطامات والدواهي .. يكون من عظائم الأمور ما لا يخطر في بال، ولم تره عين، ولم تسمع به أذن. ٣٥ - وقوله: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ منصوب (٢) بأعني تذكيرًا وبيانًا للطامة "الكبرى" و ﴿مَا﴾ موصولة، وسعى بمعنى: عمل؛ أي: أعني بالطامة الكبرى: يوم

стр. 14429

يتذكر فيه كل أحد كائنًا من كان ما عمله في الدنيا من خير أو شر، بأن يشاهده مدونًا في صحيفة أعماله، وقد نسيه من فرط الغفلة وطول الأمد، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾، وقيل: ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿فَإِذَا﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ بدل بعض من كل على تقدير الرابط، تقديره: فيوم يتذكر الإنسان فيه ما سعى، يكون من عظائم الأمور ما لا يخطر ببال، أو بدل كل من كل، فلا حاجة إلى الرابط. ٣٦ - وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ معطوف على ﴿جَاءَتِ﴾؛ أي: أظهرن إظهارًا بينًا لا يخفى على أحد بعد أن كانوا يسمعون بها، والمراد بها: مطلق النار المعبر عنها بجهنم، لا الدركة المخصوصة من الدركات السبع، ﴿لِمَنْ يَرَى﴾ كائنًا من كان على ما يفيده ﴿من﴾؛ فإنه من ألفاظ العموم، روي أنه يكشف عنها فتتلظى، فيراها كل ذي بصر مؤمن أو كافر، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾؛ فإنه يدل على أنها لا تظهر للمؤمنين؛ لأنهم يرونها حين يقرون عليها مجاوزين الصراط لا لتعذيبهم، وقيل: للكافر فقط لأن المؤمن يقول: أين النار التي توعدنا بها، فيقال: مررتموها وهي خامدة. والمعنى: أي وإذا برزت الجحيم لمن يرى .. يكون من عظام الأمور ما لا يخطر ببال. ٣٧ - والفاء في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ إلخ استئنافية، والكلام بعدها مستانف مسوق لبيان حال الناس في الدنيا، وجزائهم في الآخرة، وقيل: الجملة جواب ﴿إذا﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ مبنيًا للمفعول مشدد الراء، وقرأ أبو نهيك وأبو السمال وهارون عن عمرو: ﴿وبرزت الجحيم﴾ مبنيًا للفاعل مخففا، وقرأ الجمهور: ﴿لِمَنْ يَرَى﴾ بياء الغيبة التحتانية، وقرأت عائشة ومالك بن دينار وعكرمة وزبد بن علي: ﴿لمن ترى﴾ بتاء الغيبة؛ أي: لمن تراه الجحيم، أو بتاء الخطاب؛ أي: لمن تراه أنت يا محمد، وقرأ ابن مسعود: ﴿لمن رأى﴾ على صيغة الفعل الماضي. ومعنى الآيات: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾؛ أي: فإذا (٢) حل ذلك اليوم الذي تشيب من هوله الولدان، وتشاهد فيه النار، فينسى المرء كل هول دونها .. فصل الله بين

стр. 14430

الخلائق، فأدخل الطائعين الأبرار الجنة، وأدخل التمردين العصاة النار، وقد وصف هذا اليوم بوصفين: ١ - ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾؛ أي: أعني بذلك اليوم: حين يرى الإنسان أعماله مدونة في كتابه، وكان قد نسيها، فتعاوده الذكرى، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. ٢ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾؛ أي: وأظهرت النار حتى يراها كل ذي عينين، سواء منهم المؤمن والكافر، سوى أنها تكون مقرًا للكافرين، وينجي الله المؤمنين. والخلاصة: إذا جاء ذلك اليوم .. فصل الله بين الخلائق، كما فصله بعد بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾، أي: عتا وتمرد عن الطاعة، وتكبر عن الحق، وجاوز الحد في العصيان، كالنضر بن الحارث وأبيه الحارث، المشهورين بالغلو في الكفر والطغيان، ٣٨ - ﴿وَآثَرَ﴾، أي: اختار ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: الفانية التي على جناح الفوات، فانهمك فيما متع به فيها، ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية بالإيمان والطاعة، ٣٩ - ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ﴾ التي ذكر شأنها ﴿هِيَ﴾ لا غيرها، وهو ضمير فصل، أو مبتدأ ﴿الْمَأْوَى﴾؛ أي: مأواه، فلا يخرج من النار كما يخرج المؤمن العاصي، فالكلام في حق الكافر، لكن في موعظة وعبرة موقظة للمؤمن، والألف (١) واللام فيه عوض عن المضاف إليه كما أشرنا إليه؛ للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي، نظير قولك: غض الطرف؛ أي: طرفك، فإنه لا يغض الرجل طرف غيره، وذلك لأن الخبر إذا كان جملة لا بد فيها من ضمير يربطها بالمبتدأ، فسدت اللام مسد العائد لعدم الالتباس، فلا احتياج في مثل هذا المقام إلى الرابط. والمعنى: أنها منزله الذي ينزله، ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها؛ أي: فأما من تكبر وتجاوز الحد، وآثر الحياة الدنيا وشهواتها على ثواب الآخرة فالنار مثواه ومستقره، ٤٠ - ثم ذكر القسم الثاني من القسمين، فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾؛ أي: قيامه بين يدي مالك أمره يوم الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وذلك

стр. 14431

لعلمه بالمبدأ والمعاد، فإن الخوف من القيام بين يديه للحساب لا بد أن يكون مسبوقًا بالعلم به تعالى، وفي بعض التفاسير: المقام؛ إما مصدر ميمي بمعنى القيام، أو اسم مكان بمعنى: موضع القيام؛ أي: المكان الذي عينه الله سبحانه لأن يقوم العباد فيه للحساب والجزاء. وقيل: المقام: مقحم للتأكيد، جعل الخوف مقابلًا للطغيان مع أن الظاهر مقابلته للانقياد والإطاعة بناءً على أن الخوف أول أسباب الإطاعة، ثم الرجاء، ثم المحبة، فالأول: للعوام، والثاني: للخواص، والثالث: لخواص الخواص. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي: زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها بحكم الجبلة البشرية، ولم يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها، ولم يغتر بزخارفها وزينتها علمًا منه بوخامة عاقبتها، و ﴿الْهَوَى﴾: ميلان النفس إلى ما تشتهيه وتستلذه من غير داعية الشرع وفي الحديث: "إن أخوف ما أتخوف على أمتي الهوى، وطول الأمل"؛ أما الهوى .. فيصد عن الحق، وأما طول الأمل .. فينسي الآخرة. ٤١ - ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ﴾ ونعيمها ﴿هِيَ﴾ لا غيرها ﴿الْمَأْوَى﴾ له؛ أي: المنزل الذي ينزله، والمكان الذي يأوي إليه، فنهي (١) النفس عن الهوى معناه: نهيها عن جميع الهوى على أن اللام للاستغراق، وإلا فلا معنى للحصر؛ لأن المؤمن الفاسق قد يدخل النار أولًا، ثم يدخل الجنة، فلا يصح في حقه الحصر، اللهم إلا أن يقال: معنى الحصر: أن الجنة هي المقام الذي لا يخرج عنه من دخل فيه. وفي بعض التفاسير: المراد بالجنة: مطلق دار الثواب، فلا يخالف قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فإن له جنتين بفضل الله تعالى في دار الثواب جنة النعيم بالنعم الجسمانية، وجنة التلذذ باللذات الروحانية. انتهى. والمعنى (٢): أي أما من حذر وقوفه بين يدي ربه يوم القيامة، وأدرك مقدار عظمته وقهره وغلبة جبروته وسطوته، وجنب نفسه عن الوقوع في محارمه .. فالجنة مثواه وقراره، وقد ذكر سبحانه من أوصاف السعداء شيئين يضادان أوصاف الأشقياء:

стр. 14432

١ - فقوله: ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ يقابل قوله: ﴿طَغَى﴾. ٢ - وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ يضاد قوله: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾، وقد مدح الحكماء مخالفة الهوى فقالوا إذا أردت الصواب .. فانظر هواك، فخالفه. وقال سهل: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين. وقال عمران الميرتلي: فَخَالِفْ هَوَاهَا وَاعْصِهَا إِنَّ مَنْ يُطِعْ ... هَوَى نَفْسِهِ تَنْزعْ بِهِ كُلَّ مَنْزعِ وَمَنْ يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوْجَةً تُرْد ... وَتَرْمِ بِهِ فِيْ مَصْرَعٍ أَيِّ مَصْرَعِ ٤٢ - ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾؛ أي: القيامة ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ أي: إرساؤها؛ أي: إقامتها، يريدون: متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكونها؟ فأيان (١): ظرف زمان بمعنى متى، وأصله، أي آن ووقت، والمرسى: مصدر بمعنى الإرساء وهو الإثبات، وهو مبتدأ، وأيان خبره بتقدمر المضاف إذ لا يخبر بالزمان عن الحدث، والتقدير: متى وقت إرسائها؟ كان المشركون يسمعون أخبار القيامة وأوصافها الهائلة، مثل: أنها طامة كبرى، وصاخة، وقارعة، فيقولون على سبيل الاستهزاء: أيان مرساها؟ والمعنى: يسألك أيها الرسول هؤلاء المكذبون بالبعث عن الساعة التي تبعث فيها الموتى من قبورهم، متى قيامها وظهورها. ٤٣ - وقوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ رد وانكار لسؤال المشركين عنها، وأصل ﴿فِيمَ﴾: فيما، كما أن أصل ﴿عَمَّ﴾: عما، وقد سبق. و ﴿ذكرى﴾: مصدر بمعنى: الذكر، كالبشرى بمعنى البشارة؛ أي: في أي شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها، وتعلمهم حتى يسألوك بيانها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾؛ أي: ما أنت من ذكراها لهم، وتبيين وقتها في شيء؛ لأن ذلك فرع علمك به، وأنى لك ذلك، وهو مما استأثر به بعلمه علام الغيوب، فقوله: ﴿مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ فيه حذف مضاف، وصلته محذوفة، وهي: لهم، والاستفهام للإنكار، و ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، و ﴿فِيمَ﴾ خبره قدم عليه، و ﴿مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ متعلق بما تعلق به الخبر.

стр. 14433

والمعنى: أي ما هذه الذكرى الدائمة لها، وما هذا الاهتمام الذي جعلك لا تألوا جهدًا في السؤال عنها. روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الاية. وتلخيص المعنى (١): لا تشغل نفسك بهذا الأمر، ولا تكلفها عناء البحث عنه، واستكناه أسراره، ومعرفة ما حجبه الله عن خلقه من شأنه. ٤٤ - ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾؛ أي: انتهاء علمها ليس لأحد منه شيء ما كائنًا من كان، فلأي شيء يسألونك عنها؛ أي: إلى ربك يا محمد ينتهي علم الساعة، فلا يعلم وقت قيامها غيره تعالى، ولم يعطه لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك، بيان وقت قيامها؟ ٤٥ - ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾؛ أي: وظيفتك الامتثال بما أمرت به من بيان اقترابها، وتفصيل ما فيها من فنون الأهوال، لا تعيين وقتها الذي لم يفوض إليك، فما لهم يسألونك عما ليس من وظائفك بيانه؛ أي: ما أنت إلا منذر لا يعلم وقتها، فهو من قصر الموصوف على الصفة، أو ما أنت منذر إلا من يخشاها، فهو من قصر الصفة على الموصوف. وتخصيص ﴿من يخشى﴾ مع أنه مبعوث إلى من يخشى، ومن لا يخشى؛ لأنهم هم المنتفعون به؛ أي: لا يؤثر الإنذار إلا فيهم، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد﴾ والجمهور على أن قوله: ﴿مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ من إضافة الصفة إلى معمولها للتخفيف على الأصل؛ لأن الأصل في الأسماء الإضافة، والعمل فيها إنما هو بالشبه، ومن قرأها بالتنوين اعتبر أن الأصل فيها الإعمال، والإضافة فيها إنما هي للتخفيف. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مُنْذِرُ مَنْ﴾ بالإضافة، وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر وشيبة وخالد الحذاء وابن هرمز وعيسى وطلحة وابن محيص وأبو عمرو في رواية وابن مقسم وحميد: ﴿منذرٌ﴾ بالتنوين. قال الفراء: والتنوين وتركه في ﴿مُنْذِرُ﴾ صواب، كقوله: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن تكون الإضافة

стр. 14434

للماضي نحو: ضارب زيد أمس. ٤٦ - ﴿كَأَنَّهُمْ﴾؛ أي: كأن منكريها من كفار مكة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾؛ أي: يرون القيامة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾؛ أي: لم يمكثوا ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ والضحى: اسم لما بين إشراق الشمس إلى استواء النهار، ثم هي عشي إلى الغداة، كما في "كشف الأسرار". والجملة حال من الموصول، فإنه على تقدير الإضافة وعدمها، مفعول لـ ﴿مُنذِرُ﴾، كأنه قيل (١): تنذرهم مشبهين يوم يرونها؛ أي: في الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الإنذار بها إلا تلك المدة اليسيرة؛ أي: عشية يوم واحد، أو ضحاه، أي: آخر يوم أو أوله لا يومًا كاملًا على أن التنوين عوض عن المضاف إليه، فلما ترك اليوم .. أضيف ضحاه إلى عشية، والضحى والعشية لما كانا من يوم واحد .. تحققت بينهما ملابسة مصححة لإضافة أحدهما إلى الآخر، فلذلك أضيف الضحى إلى العشية. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل عشية أو ضحى، وما فائدة الإضافة؟ قلنا: لو قيل لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضحى .. احتمل أن يكون العشية من يوم، والضحى من يوم آخر، فيتوهم استمرار اللبث من ذلك الزمان من اليوم الأول إلى الزمان الآخر من اليوم الآخر، وأما إذا قيل: عشية أو ضحاها. لم يحتمل ذلك ألبتة. قال في "الإرشاد" (٢): واعتبار كون اللبث في الدنيا، أو في القبور لا يقتضيه المقام، وإنما الذي يقتضيه، اعتبار كونه بعد الإنذار، أو بعد الوعيد تحقيقًا للإنذار، وردا لاستبطائهم. وعبارة "الشوكاني". قوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾؛ أي: لم يقيموا في الدنيا إلا قدر آخر نهار أو أوله، أو قدر الضحى الذي يلي تلك العشية، والمراد: تقليل مدة الدنيا، كما قال في آية أخرى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، وقيل: لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها. انتهى. والمعنى: أي: إن هذا اليوم الذي لجوا في إنكاره سيقع ألبتة، ويرونه بأعينهم، فإذا عاينوه حسبوا أنهم لم يلبثوا ولم يقيموا في الدنيا إلا ساعة من نهار، ثم انقضت.

стр. 14435

والخلاصة: أنهم ظنوا أنهم لم يلبثوا إلا عشية يوم، أو ضحى تلك العش في ة، وتقول العرب: آتيك العشية أو غداتها، وآتيك الغداة أو عشيتها، والمراد: أنهم يستقصرون مدة لبثهم، ويزعمون أنهم لم يلبثوا إلا قدر آخر نهار أو أوله. الإعراب ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾. ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿النازعات﴾: مقسم به، مجرور بـ ﴿واو﴾ القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بالنازعات، وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًا، ﴿غَرْقًا﴾: مفعول مطلق معنوي منصوب بـ ﴿النازعات﴾، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: أقسم بالنازعات نزع إغراق وشدة، وهو مصدر حذف زوائده؛ أي: أقسم بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزع إغراق وشدة، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: معطوف على ﴿النازعات﴾ ﴿نَشْطًا﴾ منصوب بـ ﴿الناشطات﴾ على المفعولية المطلقة، ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾: معطوف أيضًا على ﴿النازعات﴾ ﴿سَبْحًا﴾: منصوب على الفعولية المطلقة بـ ﴿السابحات﴾، ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة معطوف على ﴿السابحات﴾. ﴿سَبْقًا﴾: مفعول مطلق منصوب بـ ﴿السابقات﴾: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ معطوف على ﴿السابقات﴾. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به لـ ﴿المدبرات﴾، واختير الفاء في الأخيرين للدلالة على ترتب كل منهما على ما قبله بغير مهملة. وجواب القسم في هذه المذكورات محذوف جوازًا، تقديره: لتبعثن يا كفار مكة ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بجواب القسم المحذوف ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿تَتْبَعُهَا﴾: فعل ومفعول به. ﴿الرَّادِفَةُ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب حال من ﴿الرَّاجِفَةُ﴾؛ أي: حالة كون الراجفة متابعة إياها الرادفة. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾. ﴿قُلُوبٌ﴾: مبتدأ أول، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ ﴿وَاجِفَةٌ﴾، و ﴿وَاجِفَةٌ﴾: صفة لـ ﴿قُلُوبٌ﴾، وهو المسوغ للابتداء بالنكرة، ﴿أَبْصَارُهَا﴾: مبتدأ ثانٍ، ﴿خَاشِعَةٌ﴾: خبره، وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول، وفي الكلام حذف

стр. 14436

مضاف؛ أي: أبصار أصحاب القلوب، ويجوز أن يكون ﴿قُلُوبٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بالصفة المحذوفة كما مرَّ؛ أي: قلوب كافرة أو عاصية. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: متعلق بـ ﴿وَاجِفَةٌ﴾، و ﴿وَاجِفَةٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة على كلا التقديرين مستأنفة، ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾: مبتدأ وخبر، والجملة خبر ثان لـ ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم يقولون، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَاشِعَةٌ﴾، أو مستأنفة، ﴿أَإِنَّا﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري؛ لأنهم أنكروا الرد ونفوه ﴿إنا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿مردودون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿فِي الْحَافِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿مردودون﴾، و ﴿في﴾ بمعنى: إلى، و ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الأرض التي قبورهم فيها: ﴿أَإِذَا﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بمحذوف دل عليه ﴿مردودون﴾، تقديره: أنرد ونبعث وقت كوننا عظامًا نخرة مع كوننا أبعد شيء من الحياة، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿عِظَامًا﴾ خبره ﴿نَخِرَةً﴾: صفة ﴿عِظَامًا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إذا﴾ ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لحكاية كفر آخر متفرع على كفرهم السابق. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، والإشارة إلى الرجعة في الحافرة، ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء لا عمل لها جيء بها لإفادة تأكيد الرجعة الخاسرة، ﴿كَرَّةٌ﴾: خبر لـ ﴿تِلْكَ﴾. ﴿خَاسِرَةٌ﴾: نعت لـ ﴿كَرَّةٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية لمحذوف تقديره: لا تستصعبوها على الله تعالى، ﴿إنما﴾: أداة حصر ﴿هِيَ﴾: مبتدأ ﴿زَجْرَةٌ﴾ خبر. ﴿وَاحِدَةٌ﴾: صفة ﴿زَجْرَةٌ﴾، والجملة الاسمية جملة معللة لذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمعنى: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله تعالى؛ لأنها سهلة هينة بقدرته تعالى؛ لأنها حاصلة بزجرة واحدة، ونفخة

стр. 14437

واحدة، ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنها بزجرة واحدة، وأردت بيان حالهم وقتئذٍ .. فأقول لك: إذا هم بالساهرة ﴿إذا﴾: فجائية حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التقريري، والمعنى: أليس قد أتاك حديث موسى ﴿أَتَاكَ﴾: فعل ماض، ومفعول به، ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾: فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾؛ لا بـ ﴿أَتَاكَ﴾ كما يتوهم لاختلاف وقتيهما، ﴿نَادَاهُ﴾: فعل ماضٍ، ومفعول به، ﴿رَبُّهُ﴾: فاعل، ﴿بِالْوَادِ﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر ﴿الواد﴾: مجرور بالباء، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لفظًا للتخلص من التقاء الساكنين، وحذفت في الخط تبعًا للفظ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَادَاهُ﴾، ﴿الْمُقَدَّسِ﴾: صفة للوادي ﴿طُوًى﴾: بدل من الوادي، وقرىء بالتنوين وتركه، قال الجوهري: وطوى: اسم موضع بالشام، وتكسر طاؤه وتضم، ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه .. جعله اسم واد ومكان، وجعله نكرة، ومن لم يصرفه .. جعله اسم بلدة وبقعة، وجعله معرفة. ﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على موسى، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: متعلق بـ ﴿اذْهَبْ﴾، والجملة مقول لقول محذوف معطوف على ﴿نَادَاهُ﴾ تقديره: فقال: اذهب، ويجوز أن تكون جملة مفسرة للنداء، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿طَغَى﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلية مسوقة لتعليل الأمر بالذهاب لا محل لها من الإعراب ﴿فَقُلْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿اذْهَبْ﴾، ﴿هَل﴾: حرف استفهام معناه العرض، وهو الطلب برفق ولين ﴿لَكَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هل لك رغبة إلى أن تزكى، ﴿إِلَى﴾: حرف جر، وجملة ﴿أَنْ تَزَكَّى﴾ مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿إلى﴾، تقديره: هل لك رغبة إلى التزكية، الجار والمجرور متعلق بالمبتدأ المحذوف،

стр. 14438

وأصل ﴿تَزَكَّى﴾: تتزكى؛ أي: تتطهر من الشرك، فحذفت إحدى التائين لكراهة اجتماع المثلين. ﴿وَأَهْدِيَكَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على موسى، ومفعول به معطوف على ﴿تَزَكَّى﴾. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿أهديك﴾، ﴿فَتَخْشَى﴾ معطوف على ﴿أهديك﴾ جعل الخشية غاية للهداية؛ لأنها ملاك الأمر، وجماع التقوى، ومتى خشي الإنسان ربه لم يصدر عنه إلا الخير ﴿فَأَرَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فذهب إليه .. فأراه، ﴿أراه﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول أول لـ ﴿أرى﴾، ﴿الْآيَةَ﴾: مفعول ثانٍ له؛ لأن الرؤية بصرية تعدى إلى الثاني بالهمزة ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة لـ ﴿الْآيَةَ﴾: ﴿فَكَذَّبَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كذب﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ معطوف على لـ ﴿أرى﴾، ﴿وَعَصَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر معطوف على ﴿كذب﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿أَدْبَرَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ معطوف على ﴿كذب﴾، وجملة ﴿يَسْعَى﴾: حال من فاعل ﴿أَدْبَرَ﴾، ﴿فَحَشَرَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، معطوف على ﴿أَدْبَرَ﴾: ﴿فَنَادَى﴾: معطوف على ﴿حشر﴾. ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾. ﴿فَقَالَ﴾: معطوف على ﴿نادى﴾. ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿الْأَعْلَى﴾ صفة لـ ﴿رَبُّكُمُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾: فعل ماضٍ، ومفعول به مقدم، وفاعل مؤخر معطوف على ﴿قال﴾، ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ﴾: مصدر معنوي لـ ﴿أخذ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: أخذه أخذ نكال، ويجوز أن يكون مفعولًا لأجله؛ أي لأجل نكاله. قال الزمخشري: هو مصدر مؤكد لفعله المحذوف، كوعد الله وصبغة الله، كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى: ﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه، ﴿وَالْأُولَى﴾: معطوف عليه. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم. ﴿لَعِبْرَةً﴾، ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿عبرة﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿عبرة﴾، وجملة ﴿يَخْشَى﴾ صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)

стр. 14439

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾. ﴿أَأَنْتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، ﴿أَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿أَشَدُّ﴾: خبر. ﴿خَلْقًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿أَمِ﴾: حرف عطف متصلة. ﴿السَّمَاءُ﴾: معطوف على ﴿أَنتُمْ﴾، ويجوز أن تعرب ﴿السَّمَاءُ﴾: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: أم السماء أشد خلقًا. ﴿بَنَاهَا﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿السَّمَاءُ﴾؛ كأنه بيان لكيفية خلقها، ويجوز أن تكون مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة بدل من جملة ﴿بَنَاهَا﴾ متابعة لها ﴿فَسَوَّاهَا﴾ معطوف على ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿سواها﴾، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ما قبله، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، يفسره ما بعده، تقديره: ودحى الأرض، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف مضاف متعلق بـ ﴿دَحَاهَا﴾، وجملة ﴿دَحَاهَا﴾ جملة مفسرة لا محل لا من الإعراب. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾. ﴿أَخْرَجَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾. ﴿مَاءَهَا﴾: مفعول به، ﴿وَمَرْعَاهَا﴾: معطوف على ﴿مَاءَهَا﴾، وجملة ﴿أَخْرَجَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿دَحَاهَا﴾ بتقدير: قد؛ أي: والأرض دحاها حال كونه مخرجًا منها ماءها ومرعاها، وهذا قول الجمهور، ويجوز أن تكون الجملة مفسرة لما لا بد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب، وإمكان القرار عليها. ﴿وَالْجِبَالَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الْجِبَالَ﴾: منصوب على الاشتغال، بفعل محذوف وجوبًا تقديره: وأرسى الجبال، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾، وجملة ﴿أَرْسَاهَا﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿مَتَاعًا﴾: مفعول

стр. 14440

لأجله لفعل محذوف تقديره: فعلنا ذلك تمتيعًا لكم، والجملة المحذوفة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف تقديره: متعناكم بها تمتيعًا، و ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿مَتَاعًا﴾. ﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: معطوف على ﴿لَكُمْ﴾، ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أحوال معاشكم، وأردتم بيان أحوال معادكم .. فأقول لكم: ﴿إذا جاءت﴾ ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف، ﴿جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾: فعل وفاعل ﴿الْكُبْرَى﴾: صفة لـ ﴿الطَّامَّةُ﴾، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف تقديره: يكون من عظائم الأمور ما لا يخطر ببال، وكان من عظائم الشؤون ما لم تره العيون، أو دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ويجوز أن تكون الفاء استئنافية، ﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿إذا﴾ بدل بعض من كل، أو بدل كل من كل، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾. ﴿الْإِنْسَانُ﴾: فاعل. ﴿مَا﴾: اسم موصول في، محل النصب مفعول به أو مصدرية، وجملة ﴿سَعَى﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما سعاه في الدنيا، أو صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية؛ أي: سعيه، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿يَتَذَكَّرُ﴾، ﴿لِمَنْ﴾: متعلق بـ ﴿برزت﴾، وجملة ﴿يَرَى﴾ صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، أو فصيحة، ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿طَغَى﴾ صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿وَآثَرَ﴾: معطوف على ﴿طَغَى﴾. ﴿الْحَيَاةَ﴾ ﴿الْحَيَاةَ﴾: مفعول به، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾ ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾: واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿الْجَحِيمَ﴾: اسمها. ﴿هِيَ﴾: ضمير فصل أو مبتدأ. ﴿الْمَأْوَى﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ، و ﴿أل﴾ في ﴿الْمَأْوَى﴾ عوض عن الضمير العائد على ﴿مَنْ﴾ الموصولة؛ أي: مأواه، أو العائد محذوف؛ أي: هي المأوى له، والأول: مذهب الكوفيين، والثاني: مذهب البصريين، وجملة ﴿إن﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾، وجملة المبتدأ والخبر جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ مستأنفة، أو مقول

стр. 14441

لجواب إذا المقدرة على كون الفاء فصيحة، ﴿وَأَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿خَافَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة: ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ مفعول به، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿خَافَ﴾. ﴿عَنِ الْهَوَى﴾: متعلق بـ ﴿نهى﴾، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب ﴿الْجَنَّةَ﴾: اسمها ﴿هِيَ﴾: ضمير فصل ﴿الْمَأْوَى﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ جواب ﴿أَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل مضارع وفاعل ومفعول به، مرفوع بالنون. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لحكاية نوع آخر من تعنتهم ﴿أَيَّانَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا، لتضمنه معنى همزة الاستفهام، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿مُرْسَاهَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية جملة مفسرة لسؤالهم عن الساعة لا محل لها من الإعراب؛ أي: متى إرساؤها؛ أي: إقامتها وإثباتها. ﴿فِيمَ﴾: ﴿في﴾: حرف جر ﴿م﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الجر بـ ﴿في﴾ مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنْ ذِكْرَاهَا﴾: متعلق بما تعلق به الخبر، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها، والجملة جملة إنشائية إنكارية لا محل لها من الإعراب، كأنها إنكار ورد لسؤالهم عن الساعة، وبيان لبطلان السؤال ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: خبر مقدم. ﴿مُنْتَهَاهَا﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الإنكار قبلها ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ ﴿مُنذِرُ﴾: خبر، والجملة مستأنفة، ﴿مُنذِرُ﴾: مضاف، و ﴿مَنْ﴾ الموصولة في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿يَخْشَاهَا﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿كَأَنَّهُمْ﴾: ﴿كأن﴾: حرف نصب وتشبيه، و ﴿الهاء﴾ ضمير الغائبين في محل النصب اسمها. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بما في ﴿كأن﴾ من معنى التشبيه، وجملة ﴿يَرَوْنَهَا﴾

стр. 14442

في محل الجر بإضافة الظرف إليها، وجملة: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿كأن﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿عَشِيَّةً﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿يَلْبَثُوا﴾، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه وهو يوم، ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿ضُحَاهَا﴾: معطوف على ﴿عَشِيَّةً﴾، وجملة التشبيه في محل النصب حال من الموصول في قوله: ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾؛ كأنه قيل: تنذرهم مشبهين يوم يرونها بمن لم يلبث إلا تلك المدة كما مر. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾؛ أي: الكواكب الجاريات على نظام معين في سيرها؛ كالشمس والقمر، يقال: نزعت الخيل إذا جرت. ﴿غَرْقًا﴾؛ أي: مغرقة، أي: مجدة مسرعة في جريها لتقطع مسافة فلكها حتى تصل إلى أقصى المغرب، وفي "القرطبي": ﴿غَرْقًا﴾ بمعنى: إغراقًا، وإغراق النازع في القوس: أن يبلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل. وفي "القاموس": يقال: أغرق: إذا استوفى مدها، وذلك بأن ينتهي إلى العقب الذي عند النصل الملفوف عليه، والاستغراق: الاستيعاب. اهـ. ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾؛ أي: الخارجات من برج إلى برج خروجًا، من قولهم: نشط النور إذا خرج. وفي "القاموس": نشط - الدلو من باب ضرب - إذا نزعها بلا بكرة إذا كان متعديًا، وأما إذا كان لازمًا كما هنا على هذا المعنى المذكور، فهو من باب تعب. وفي "المصباح": نشط في عمله ينشط من باب تعب خف وأسرع نشاطًا، وهو نشيط، ونشطت الحبل نشطًا من باب ضرب: عقدته بأنشوطة، والأنشوطة - بضم الهمزة -: ربطة دون العقدة، إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت، وأنشطت الأنشوطة - بالألف -: حللتها، وأنشطت العقال: حللته، وأنشطت البعير من عقاله: أطلقته. ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾؛ أي: السائرات في أفلاكها سيرًا هادئًا لا اضطراب فيه ولا اختلال، وقد جعل مرورها في جوائها كالسبح في الماء، كما جاء في قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وفي "المختار": السباحة - بالكسر -: العوم، وقد سبح يسبح بالفتح، والسبح: الفراغ، والسبح أيضًا: التصرف في المعاش، وبابه:

стр. 14443

قطع وقتل. اهـ. ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾؛ أي: المسرعات عن غيرها في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتم غيرها؛ كالقمر، فإنه يتم دورته في شهر قمري، والشمس تتم دورتها في سنة شمسية، وهكذا غيرها من السيارات السريعة، ومنها ما لا يتم دورته إلا في سنين. ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾؛ أي: فالكواكب التي تدبر بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي بظهور بعض آثارها، فسبق القمر علمنا حساب شهوره، وله الأثر العظيم في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه حين امتلائه فوائد في تصريف منافع الناس والحيوان. وسبق الشمس في أبراجها علمنا حساب المشهور، وسبقها إلى تتميم دورتها السنوية علمنا حساب السنين، والخلاف بين فصول السنة، واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، وقد نسب إليها التدبير؛ لأنها أسباب ما نستفيده منها، والمدبر الحكيم هو الله سبحانه العزيز العلم الذي جل ذكره وعظم شأنه. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾؛ أي: تضطرب النفخة الأولى، بها يرجف كل شيء من الأجرام الساكنة؛ كالأرض والجبال، وصفت النفخة بما يحدث منها. ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾؛ أي: النفخة الثانية، وبينهما أربعون سنة، وقيل: المعنى: ﴿تَرْجُفُ﴾؛ أي: تضطرب وتتحرك ﴿الرَّاجِفَةُ﴾؛ أي: الأرض بمن عليها. ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾؛ أي: السماء وما فيها تردفها وتتبعها، فإنها تنشق وتنثر كواكبها. وفي "المختار": الرجفة: الزلزلة، وقد رجفت الأرض من باب نصر. اهـ. وفي "القرطبي": وأصل الرجفة: الحركة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾: وليست الرجفة هاهنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرعد يرجف رجفًا ورجيفًا أي أظهر الصوت والحركة، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس بها. اهـ. وفي، "القاموس" ردفه - كسمعه ونصره - تبعه كأردفه. اهـ. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾؛ أي: شديدة الاضطراب والخوف. وفي "المختار": وجف الشيء يجف بالكسر وجيفًا ضطرب، وقلب واجف؛ أي:

стр. 14444

خائف. اهـ. ﴿خَاشِعَةٌ﴾؛ أي ذليلة. ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ الحافرة: الطريق التي يرجع الإنسان فيها من حيث جاء، يقال: رجع في حافرته وعلى حافرته إذا رجع في طريقه التي جاء منها، وأصله: أن الإنسان إذا رجع في طريقه أثرت قدماه فيها حفرًا. وقال الراغب: وقوله في الحافرة: مثل لمن يرد من حيث جاء أي أنرد إلى الحياة بعد أن نموت. وقيل: الحافرة: الحياة الأولى، أي: نرد إلى الحياة بعد الموت. وقد ظنوها حياتهم الأولى، و ﴿في﴾ بمعنى إلى، على هذا التفسير. ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾؛ أي: بالنية من نخر العظم فهو نخر وناخر، وهو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له نخير. اهـ أبو السعود. وفي "المصباح": نخر العظم نخرًا - من باب تعب - بلي وتفتت، فهو نخرٌ وناخر. اهـ ونخرة: أبلغ من ناخرة لكونها من صيغ المبالغة، أو صفة مشبهة دالة على الثبوت كما مر في مبحث التفسير. ﴿كَرَّةٌ﴾ الكر: الرجوع، والكرة: المرة من الرجوع، والجمع كرات كمرة ومرات. ﴿خَاسِرَةٌ﴾ والخاسرة: هي التي يخسر أصحابها ولا يربحون ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ والزجرة: الصيحة، والمراد بها: النفخة الثانية يبعث بها الأموات. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ والساهرة: الأرض البيضاء المستوية؛ لأن السراب يجري فيها، وسميت بذلك؛ لأن شدة الخوف التي تعتري من عليها تطير النوم من أعينهم، فلا يذوقون نومًا، فهي ساهرة: أي: ساهر من عليها. قال الأشعث بن قيس: وَسَاهِرَةٍ يَضْحَى السَّرَابُ مُجَلِّلًا ... لَأقْطَارِهَا قَدْ جِئْتُهَا مُتَلَثِّمَا ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ ناداه: فيه إعلال بالقلب، أصله: ناديه، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد الفتح. ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾؛ أي: المبارك المطهر، والوادي المقدس: هو وادٍ بأسفل جبل طور سينا من برية الشام. ﴿طُوًى﴾ وادٍ بين أيلة ومصر. قرىء بالتنوين مصروفًا هنا وفي طه على أنه اسم للوادي، وأصله: طوي، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد

стр. 14445

الفتح، وقرىء بغير تنوين على أنه اسم للبقعة أو الأرض، فلا ينصرف للعلمية والتأنيث، وعليه فيكون فيه تسمية المؤنث بمذكر؛ حيث سميت البقعة بالوادي. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾؛ أي: تجاوز الحد فتكبر على الله سبحانه وكفر به. ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: تتزكى وتتطهر من العيوب أصله: تتزكى بوزن تتفعلى بتاءين، دخلت عليه أداة النصب ﴿أَن﴾ ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وحذفت منه إحدى التاءين، وقرىء بالتشديد أدغمت التاء الثانية في الزاي، وأما على التخفيف .. فتحذف إحدى التاءين. ﴿فَتَخْشَى﴾ أصله: تخشي بوزن تفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَأَرَاهُ﴾ أصله أرأيه، نقلت حركة الهمزة إلى الراء فسكنت، ثم حذفت للتخفيف، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾ أصله: يسعى بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ أصله: نادى، بوزن فاعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أصله: الأعلو من العلو، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾؛ أي: أصعب خلقًا بالنسبة لاعتقاد المخاطبين اهـ "شهاب". أصله: أشدد بوزن أفعل، نقلت حركة الدال إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية. ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ أصله: بنيها، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح، والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون منها بنية واحدة. ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ والسمْك: قامة كل شيء ﴿فَسَوَّاهَا﴾؛ أي: جعل كل جزء موضوع في موضعه، أصله: سويها بوزن فعل المضعف، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾؛ أي: أظلمها. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: ونورها وضياء شمسها،

стр. 14446

والألف فيه منقلبة عن واو، وإنما رسمت ياء؛ لأن الاسم الثلاثي المضموم الأول يجوز فيه وجان: رسمه بالألف الطويلة المنقلبة عن الواو، ورسمه بالياء. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾؛ أي: مهدها وبسطها وجعلها قابلة للسكنى. قال زيد بن عمرو بن نفيل: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الَأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالَا دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا ... بِأَيْدٍ وَأرْسَى عَلَيْهِ الْجِبَالَا وقوله: ﴿دَحَاهَا﴾ الألف فيه منقلبة عن واو، وكتبت ياء على غير قياس، أو أصلها: ياء. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾؛ أي: نباتها، أصله: مرعيها بوزن مفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ أصله: من الرسول فقلبت الواو ياء لوقوعها رابعة، ثم قلبت ألفًا لتحركها بعد فتح ﴿مَتَاعًا﴾؛ أي: متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾، أي: الداهية العظمى التي تطم على الدواهي؛ أي: تغلب وتعلوه، وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، قاله ابن عباس كما مر. وهي اسم فاعل من طم ككافة، وأصله: طاممة أدغمت الميم الأولى في الثانية. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ أصله: طغي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿هِيَ الْمَأْوَى﴾: اسم مكان على وزن مفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركا بعد فتح. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾؛ أي: جلاله وعظمته، أصل خاف: خوف بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، وأصل ﴿مَقَامَ﴾: مقوم، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكن، ثم قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها الآن. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي زجرها وكفها عن هواها المردي لها بميلها إلى الشهوات، أصله: نهي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وقوله: ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ أصله: الهوي، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، والهوى: ميل النفس إلى

стр. 14447

ما تشتهيه وتستلذه من غير داعية الشرع. ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤)﴾ أصله: منتهيها بوزن مفتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح؛ أي: إن منتهى علم وقت حصولها عند ربك لم يؤته أحدًا من خلقه. ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: يخشيها قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ أصله: يرأيونها، نقلت حركة الهمزة إلى الراء فسكنت، ثم حذفت للتخفيف، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ واللبث: الإقامة، والعشية: طرف النهار من آخره، والضحى: طرفه من أوله، وأصل عشية: عشيوة بوزن فعيلة، فلام الكلمة واو اجتمعت ساكنة مع الياء فقلبت ياء، وأدغمت فيها الياء. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾؛ حيث استعار ﴿السابحات﴾ للملائكة التي تسرع في نزولها من السماء إلى الأرض، أو الكواكب التي تسرع في سيرها لأنها حقيقة في الحيوانات السابحات في الماء بجامع السرعة في كل. وفيه أيضًا: التعميم بعد التخصيص لأن نزول الأولين إنما هو لقبض الأرواح مطلقًا، ونزول هؤلاء لعامة الأمور والأحوال. اهـ من "الروح". ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾؛ لأن المدبر حقيقة هو الله ، ففيه إسناد الشيء إلى سببه. ومنها أيضًا: الإسناد المجازي في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾، أي: النفخة الأولى: لأن النفخة كانت سببًا لرجف الأجرام الهادئة وحركتها، فجعل سبب الرجف راجفًا. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾. ومنها: إضافة ما للشيء إلى جزئه في قوله: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾؛ حيث

стр. 14448

أضاف الأبصار إلى ضمير القلوب أي أبصار أصحاب تلك القلوب؛ كما دل عليه قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾، وإلا فالقلوب لا أبصار لها، وإنما أضاف الأبصار إلى القلوب؛ لأنها محل الخوف وهو من صفاتها. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿خَاشِعَةٌ﴾؛ حيث أسند الخشوع إلى الأبصار مجازًا؛ لأن أثره يظهر فيها. ومنها: إطلاق فاعلة على مفعولة في قوله: ﴿فِي الْحَافِرَةِ﴾؛ أي: إلى الحالة الأولى، وهي الحياة، يقال: رجع فلان في حافرته؛ أي: طريقته التي جاء فيها فحفرها؛ أي أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة، وإنما الحافر هو الماشي في تلك الطريقة، كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: مرضية، أو هو من تشبيه القابل بالفاعل، أي: في تعلق الحفر بكل منها، فأطلق اسم الثاني على الأول للمشابهة، كما يقال: صام نهاره تشبيهًا لزمان الفعل بفاعله. ومنها: مجاز بالحذف في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ أي: أنبعث ونرد إذا كنا عظامًا نخرة؟ ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ فقد أسند الخسران للكرة، والمراد: أصحابها، وكذلك في قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ أسند السهر إلى الأرض البيضاء مجازًا، كما أسندوا إليها النوم في ضدها لأن السائر فيها سا لا ينام خوف الهلكة، فهو مجاز عقلي. ومنها: اختيار صيغة الماضي في قوله: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ للإيذان بأن صدور هذا الكفر منهم ليس بطريق الاستمرار مثل كفرهم السابق المعبر عنه بالمضارع؛ أي: قالوا بطريق الاستهزاء بالحشر. اهـ "الروح". ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾، وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾، وكذلك المقابلة بين قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾، وبين قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ الآيات. ومنها: أسلوب التشويق في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ فإن المراد منه التشويق إلى معرفة القصة.

стр. 14449

ومنها: الطباق بين الآخرة والأولى في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾؛ لأن المراد كلمتاه الشنيعتان: الأولى والآخرة. ومنها: الطباق بين ﴿الْجَنَّةَ﴾ و ﴿الْجَحِيمَ﴾، وبين ﴿السَّمَاءُ﴾ و ﴿وَالْأَرْضَ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾؛ لأنه أطلق المرعى على ما يأكله الناس، فاستعمل المرعى في مطلق المأكول للإنسان وغيره، والعلاقة استعمال المقيد في المطلق، ويجوز أن يكون استعارة تصريحية؛ حيث شبه أكل الناس برعي الدواب، وإلى هذا جنح الزمخشري فقال: وأراد بمرعاها: ما يأكل الناس والأنعام، واستعير الشرعي للإنسان، كما استعير الرتع له في قوله تعالى: ﴿نرتع ونلعب﴾ في سورة يوسف بجامع أكل كل من الإنسان والحيوان من النبات. ومنها: استعمال البناء في موضع السقف في قوله: ﴿السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ فإنَّ السماء سقف مرفوع، والبناء إنما يستعمل في أسافل البناء، لا في الأعالي؛ للإشارة إلى أنه وان كان سقفًا، لكنه في البعد عن الاختلال والانحلال كالبناء، فإنَّ البناء أبعد عن تطرق الاختلال إليه بالنسبة إلى السقف. ومنها: التعبير عن النهار بالضحى، وهو ضوء الشمس أول النهار في قوله ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: أبرز نهارها، لأنه أشرف أوقاته وأطيبها على طريقة تسمية المحل باسم أشرف ما حل فيه، فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان، وهو السر في تأخير ذكره عن ذكر الليل. ومنها: إضافة الليل والضحى إلى السماء لدوران حدوثهما على حركتها، والإضافة يكفيها أدنى ملابسة المضاف إليه، ويجوز أن تكون إضافة الضحى إليها بواسطة الشمس، أي: أبرز ضوء شمسها بتقدير المضاف، فيكون من مجاز الحذف، والتعبير عنه بالضحى؛ لأنه وقت قيام سلطانها، وكمال إشرافها. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، فقد استعار الإرساء للساعة، وهو لا يستعمل إلا فيما له ثقل من الأجرام كالسفينة. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ فهو إما من قصر الموصوف على الصفة، فيكون المعنى: ما أنت إلا منذر لا يعلم وقتها، أو من قصر الصفة على الموصوف، فيكون المعنى: ما أنت منذر إلا من يخشاها.

стр. 14450

ومنها: تخصيص ﴿من يخشى﴾ مع أنه مبعوث إلى من يخشى ومن لا يخشى؛ لأنهم هم المنتفعون به؛ أي: لا يؤثر الإنذار إلا فيهم. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 14451

موضوعات هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية: ١ - إثبات البعث. ٢ - مقالة المشركين في إنكاره، والرد عليهم. ٣ - قصص موسى مع فرعون، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ . ٤ - إقامة البرهان على إثبات البعث. ٥ - أهوال يوم القيامة. ٦ - الناس في هذا اليوم فريقان: سعداء وأشقياء، بحسب أعمالهم في الدنيا. ٧ - سؤال المشركين عن الساعة وميقاتها. ٨ - نهي النبي ﷺ عن البحث عنها، واشتغاله بأمرها. ٩ - ذهول المشركين من شدة الهول عن مقدار ما لبثوا في الدنيا (١). والله أعلم * * *

стр. 14452

سورة عبس سورة عبس، وتسمى: سورة السفرة، نزلت بعد سورة النجم، وهي مكية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة عبس بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وآياتها: إحدى وأربعون، أو اثنان وأربعون آية، وكلماتها: مئة وثلاث وثلاثون كلمة. وحروفها: خمس مئة وثلاثون حرفًا. ومناسبتها لما قبلها: أن الله ذكر في ما قبلها أنه ﷺ منذر من يخشاها، وذكر في هذه حال من ينفعه الإنذار من عباد الله المخلصين، فيسعى إلى الخير بنفسه، ويعمل ما يزكي نفسه وبطهر قلبه، وذكر من لا ينفعه الإنذار وهم الذين كان رسول الله ﷺ يناجيهم في أمر الإسلام: عقبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف، ويدعوهم إليه. والقصد الأهم في التعليم وفي تبليغ الرسالة إنما هو تعليم من جاء يسعى، وهو يرغب ويخشى، ومثل هذا تنفعه الذكرى، فيزكى من كل ما يشين خلقه، أو يمس دينه، ومثل هذا الخاشع الخاضع ينذره الرسول ﷺ ويبشره ويذكره، فيذكر ويشكر، ويصبر ويصابر حتى يلقى الله سبحانه وهو على ذلك. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة عبس كلها محكم إلا قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ [الآية: ١١ - ١٢]، نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [ ٢٩ - سورة التكوير]. تسميتها: سميت بسورة عبس؛ لذكر لفظ ﴿عَبَسَ﴾ فيها. والله أعلم * * *

стр. 14453

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾. المناسبة تقدم لك بيان المناسبة بين أول هذه السورة وآخر ما قبلها قريبًا. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) حادث ابن أم مكتوم، وعَتْبَهُ على رسله فيما كان منه معه .. أردف ذلك ببيان أن الهداية التي يسوقها الله سبحانه إلى البشر على ألسنة رسوله ليست من الأمور التي يحتال لتقريرها في النفوس، وتثبيتها في القلوب، وإنما هي تذكرة يقصد بها تنبيه الغافل إلى ما جبل عليه الخلق من معرفة توحيده، فمن أعرض عن ذلك .. فإنه معاند يقاوم ما يدعوه إليه حسه، وتنازعه إليه نفسه، فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناس، وتنبه الغافل، أما أن تحابي القوي المعاند ظنًا منك أن مداجاته ترده عن عناده .. فذلك ليس من شأنك، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ وهذه الهداية أودعها سبحانه في

стр. 14454

الصحف الإلهية الشريفة القدر، المطهرة من النقائص والعيوب، وأنزلها على الناس بوساطة ملائكته الكرام البررة. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بين حال القرآن، وذبر أنه كتاب الذكرى والموعظة، وأن في استطاعة كل أحد أن ينتفع بعظاته لو أراد .. أردف (١) ذلك ببيان أنه لا يسوغ للإنسان مهما كثر ماله، ونبه شأنه، أن يتكبر ويتعاظم ويعطي نفسه ما تهواه، ولا يفكر في منتهاه، ولا فيمن أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد، وصوَّره في أحسن الصور في أطوار مختلفة، وأشكال متعددة، ثم لا يلبث إلا قليلًا على ظهر البسيطة حتى يعود إلى التراب كما كان، ويوضع في لحده إلى أمد قدره الله تعالى في علمه، ثم يبعثه من قبره ويحاسبه على ما عمل في الدار الأولى، ويستوفي جزاءه، إن خيرًا وإن شرًا؛ فإما إلى الجنة، وإما إلى النار، لكنه ما أكفره بنعمة ربه، وما أبعده عن اتباع أوامره واجتناب نواهيه. قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر الدلائل على قدرته، وهي كامنة في نفس الإنسان، يراها في يومه بعد أمسه .. أردفها بذكر الآيات المنبثة في الآفاق الناطقة ببديع صنعه وباهر حكمته. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ...﴾ إلى آخر السورة مناسبتها لما قبلها: أن الله ، لما عدد ألاءه على عباده، وذكَّرهم بإحسانه إليهم في هذه الحياة، وبين أنه لا ينبغي للعاقل بعد كل ما رأى أن يتمرد عن طاعة صاحب هذه النعم الجسام .. أعقب (٢) هذا بتفصيل بعض أحوال يوم القيامة، وأهوالها التي توجب الفزع والخوف منه؛ ليدعوه ذلك إلى التأمل فيما مضى من الدلائل التي ترشد إلى وحدانيته وقدرته، وصحة البعث، وأخبار يوم القيامة التي جاءت على ألسنة رسله، ويتزود بصالح الأعمال التي تكون نبراسًا يضيء أمامه في ظلمات هذا اليوم، وذكر أن الناس حينئذٍ فريقان: فريق ضاحك مستبشر فَرِحٌ فَرَحَ المحب يلقى حبيبه، وهو من كان يعتقد الحق ويعمل للحق، وفريق تعلو وجهه الغبرة، وترهقه

стр. 14455

القترة، وهو الذي تمرد على الله ورسوله، وأعرض عن قبول ما جاءه من الحق، ولم يعمل بما أمر به من صالح الأعمال. أسباب النزول أجمع المفسرون على أن سبب نزول هذه السورة الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم، وهو ابن خال خديجة الكبرى ﵄، وكان أعمى، وهو من المهاجرين الأولين، وقد استخلفه النبي ﷺ على المدينة أكثر من مرة يصلي بالناس، ويؤمهم في أهم ركن من أركان دينهم، وهو الصلاة المكتوبة، وكان يتولى الأذان بنفسه، ولكنه كان يؤذن بعد بلال في الفجر. وخلاصة قصته هنا: أنه ﵁ أتى النبي ﷺ ، وهو بمكة المكرمة، وكان مع النبي ﷺ صناديد قريش، ووجوه مكة وكبراؤها، وفيهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وكان النبي ﷺ يحدثهم حديث الإيمان، ويدعوهم إلى الإسلام، ويذكرهم بالله ، ويحذرهم بطشه وعذابه وغضبه، ويعدهم أحسن المثوبة وأجزل العطاء، وأعلى المنازل، إن هم أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وكان النبي ﷺ راغبًا في إسلامهم، حريصًا على إيمانهم؛ لأنه ﷺ علم أنه سيسلم بإسلامهم كثير من الناس؛ إذ هم سادة قريش وقادتهم، وبيدهم أمورهم، وفي حالة تحدث الرسول ﷺ معهم، ودعوتهم لهم، جاء ابن أم مكتوم، ونادى الرسولَ وهو لا يعلم تشاغله بالقول، فقال: يا رسول الله، أقرئني، وعلمني مما علمك الله تعالى، وكرر ذلك مرارًا، فكره الرسول ﷺ قطعه لكلامه معهم، وظهرت في وجهه الكراهة، فعبس وأعرض عن هذا الأعمى، واستمر في دعوته مع هؤلاء القوم، فنزلت هذه السورة، وفيها العتاب من رب العزة لنبيه وحبيبه محمد ﷺ على موقفه من هذا الذي جاء يزكَّى، ويذكر فتنفعه الذكرى، وهو يخشى. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه ابن المنذر عن عكرمة قال: نزل في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرنا برب النجم.

стр. 14456

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿عَبَسَ﴾ الرسول الكريم محمد ﷺ ؛ أي: قطب وكلح، وغير لون وجهه، وانقبض لأجل أن جاءه الأعمى ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرض بوجهه عنه لأجل ٢ - ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ ولم يلتفت إليه، والضمير لمحمد ﷺ ، وهو علة التولي على رأي البصريين لقربه منه، ولـ ﴿عَبَسَ﴾ على رأي الكوفيين لسبقه، والمختار: مذهب البصريين؛ لعدم الإضمار في الثاني، وجاء في (١) هذه المواضع بضمائر الغائب إجلالًا له ﷺ ، ولطفًا به لما في المشافهة بتاء الخطاب مما لا يخفى، وجاء بلفظ ﴿الْأَعْمَى﴾ إشعارًا بما يناسب من الرفق به، والإصغاء لما يقصده. اهـ "البحر". والأعمى من اتصف بالعمى، والعمى: افتقاد البصر، ويقال في افتقاد البصيرة أيضًا، ولام (٢) الأعمى للعهد، فيراد به: أعمى معروف، وهو ابن مكتوم المؤذِّن الثاني لرسول الله ﷺ في أذان الفجر، ولذلك قال ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". وكان من المهاجرين الأولين، استخلفه النبي ﷺ على المدينة مرتين حين خرج غازيًا، وقيل: ثلاث مرات، مات بالمدينة، وقيل: شهيدًا بالقادسية في خلافة عمر، وهي قرية فوق الكوفة. واختلفوا في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: هو عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، وقيل: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم من بني عامر بن هلال، وهو ابن خال خديجة ﵂، وأم مكتوم اسم أم أبيه كما في "الكشاف"، وقال السعدي: هو وهم، فقد نص ابن عبد البر وغيره أنها أمه، واسمها: عاتكة بنت عامر بن مخزوم. وقد تقدم لك في أسباب النزول ما روي أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله ﷺ ، وذلك في مكة، وعنده صناديد قريش - كما مر بيان أسمائهم هناك - يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم؛ لأن عادة الناس أنه إذا مال أكابرهم إلى أمر .. مال إليه غيرهم، كما قيل: الناس على دين ملوكهم، فقال له: يا رسول الله علمني مما علمك الله أنتفع به، وكرر ذلك، وهو لا يعلم تشاغله ﷺ بالقوم إذ

стр. 14457

السمع لا يكفي في العلم بالتشاغل، بل لا بد من الإبصار على أنه يجوز أنهم كانوا يخفضون أصواتهم عند المكالمة، أو جاء الأعمى في منقطع من الكلام، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، واشتغاله به عنه، وعبس وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلِّمهم، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة، فرجع ابن أم مكتوم محزونًا خائفًا أن يكون عبوسه وإعراضه عنه إنما هو لشيء أنكره الله منه، فنزلت هذه الآيات. فإن قيل (١): ابن أم مكتوم قد استحق التأديب والزجر؛ لأنه وإن كان لا يرى القوم، لكنه لشدة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول معهم، ويعرف بذلك شدة اهتمامه بشأنهم، فيكون إقدامه على قطع كلام رسول الله ﷺ إيذاءً له، وهو معصية، وأيضًا: الأهم مقدم على المهم؛ لأن إسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم، فكان الاشتغال بهم، وتقدير الدلائل لهم أهم، فكيف عاتب الله تعالى رسوله على التولي عنه؟ أجيب: بأن ما فعله يوهم ظاهره تقديم الأغنياء على الفقراء، وقلة المبالاة بانكسار قلوب الفقراء، وليس ذكره بلفظ الأعمى مقتضيًا لتحقيره، بل لبيان عذره في الإقدام على قطع كلام رسول الله ﷺ ، والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق، كما مر. اهـ "زاده". وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" أي: لامني مع بقاء المحبة، ويقول: "هل لك من حاجة"، ويقال: إن رسول الله ﷺ لم يغتم في عمره كغمه حين أنزلت عليه سورة عبس؛ لأن فيها عتبًا شديدًا على مثله؛ لأنه الحبيب الرشيد، ومع ذلك فلم يجعل ذلك بينه وبينه، فيكون أيسر للعتاب، بل كشف ذلك للمؤمنين، ونبه على فعله عباده المتقين. ولذلك روي أن عمر بن خطاب ﵁ بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه، فلا يقرأ فيهم إلا سورة عبس، فأرسل إليه فضرب عنقه، لما استدل بذلك على كفره، ووضع مرتبته عنده وعند قومه، قال ابن زيد: لو جاز له أن يكتم شيئًا

стр. 14458

من الوحي .. لكان هذا، وكذا نحو قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، ونحو قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿عَبَسَ﴾ مخففًا، ﴿أَن﴾ بهمزة واحد. وقرأ زيد بن علي: ﴿عبس﴾ بتشديد الباء للمبالغة، وقرأ زيد بن علي والحسن وأبو عمران الجوني وعيسى: ﴿أآن﴾ بهمزة ومدة بعدها. وقرأ بعض القواء بهمزتين مخففتين، والهمزة في هاتين القراءتين للاستفهام الإنكاري، وفيهما يوقف على ﴿تَوَلَّى﴾. والمعنى: ألأن جاء الأعمى كان كذا وكذا. واعلم (٢): أنه كان ما فعله ﷺ من باب ترك الأولين، فلا يعد ذنبًا لأن اجتهاده ﷺ في طلب الأولى، والتعرض لعنوان عماه، مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي تحقير شأنه، وهو ينافي تعظيمه المفهوم من العتاب على العبوس في وجهه؛ إما لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه ﷺ للقوم، والإيذان باستحقاقه الرفق والرأفة لا الغلظة كما مر، وإما لزيادة الإنكار، فإن أصل الإنكار حصل من دلالة المقام كأنه تولى لكونه أعمى، وهو لا يليق بخلقه العظيم، كما أن الالتفات في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ لذلك، فإن المشافهة أدخل في تشديد العتاب، كمن يشكو إلى الناس جانيًا جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهًا له بالتوبيخ؛ أي: وأيُّ شيء يجعلك يا محمد داريًا وعالمًا بحاله، ويطلعك على باطن أمره، حتى تعرض عنه؛ أي: لا يدريك شيء، فتم الكلام عنده فيوقف عليه، وليس ما بعده مفعوله، بل هو ابتداء كلام. وقال السهيلي (٣) - رحمه الله تعالى -: انظر كيف نزلت الآية بلفظ الإخبار عن الغائب، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾، ولم يقل: عبست وتوليت، وهذا شبيه حال الغائب المعرض، ٣ - ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ علمًا منه تعالى أنه لم يقصد بالإعراض منه إلا الرغبة في الخير، ودخول ذلك المشرك في الإسلام، وهو الوليد، أو أمية، وكان مثله يسلم بإسلامه بشر كثير، فكلم نبيه ﷺ حين ابتداء الكلام بما يشبه كلام المعرض عنه العاتب، ثم واجهه بالخطاب تأنيسًا له ﷺ بعد الإيحاش، فإنه قيل: إن ابن أم مكتوم كان قد أسلم، وتعلم ما كان يحتاج إليه

стр. 14459

من أمور الدين، وأما أولئك الكفار .. فما كانوا قد أسلموا، وكان إسلامهم سببًا لإسلام جمع عظيم، فكلامه في البين سبب لقطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك محرم، والأهم مقدم على المهم، فثبت بهذا أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصيةً، وما فعله النبي ﷺ كان واجبًا، فكيف عاتبه الله على ذلك؟. قيل: إن الأمر وإن كان كما ذكر، إلا أن ظاهر ما فعله الرسول ﷺ يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وقلة المبالاة بانكسار قلوب الفقراء، وهو لا يليق بمنصب النبوة؛ لأنه ترك الأفضل، كما أشير إليه سابقًا، فلذا عاتبه الله تعالى. انتهى. والحاصل: أن الله عاتب نبيه ﷺ بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي أن يكون باعثًا على كراهة كلامه، والإعراض عنه لأن ذلك يورث انكسار قلوب الفقراء، وهو مطالب بتأليف قلوبهم، كما قال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾. ولأنه كان ذكي الفؤاد، إذا سمع الحكمة .. وسماها، فيتطهر بها من أوضار الآثام، وتصفو بها نفسه، أو يذكر بها ويتعظ، فتنفعه العظة في مستأنف أيامه. أما أولئك الأغنياء .. فأكثرهم جحدة أغبياء، فلا ينبغي التصدي لهم طمعًا في إقبالهم على الإسلام ليتبعهم غيرهم، وقوة الإنسان إنما هي في ذكاء لبه وحياة قلبه، وإذعانه للحق متى لاحت له أمارته، أما المال والنسب والحشم والأعوان .. فهي عوار تجيء وترتحل، وتقر حينًا، ثم تنتقل. والخلاصة: أن الله سبحانه عاتب نبيه وأمره بأن يقبل على ذي العقل الذكي، ونهاه أن ينصرف عنه إلى ذي الجاه القوي، فإن الأول حي بطبعه، والثاني غائب بحسه. ﴿لَعَلَّهُ﴾؛ أي: لعل ذلك الأعمى ﴿لَعَلَّهُ﴾ بتشديدين، أصله: ﴿يَزَّكَّى﴾؛ أي: لعله يتطهر بما يسمعه منك، ويتلقاه عنك، ويقتبس منك من أوصار الآثام والأوزار

стр. 14460

بالكلية، وكلمة ﴿لعل﴾ (١) مع تحقق التزكِّي وارد على سنن الكبراء، فإن لعل في كلام العظماء يراد به القطع والتحقق، أو على اعتبار معنى الترجي بالنسبة إليه ﷺ للتنبيه على أن الإعراض عنه عند كونه مرجو التزكي مما لا يجوز، فكيف إذا كان مقطوعًا بالتزكي، كما في قولك: لعلك ستندم على ما فعلت، وجملة ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ مستأنفة لبيان أنَّ له شأنًا ينافي الإعراض عنه، فالضمير في ﴿لَعَلَّهُ﴾ راجع للأعمى كما مر آنفًا، وقيل (٢): هو راجع إلى الكافر؛ أي: وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر، والأول أولى، قال أبو حيان: وهذا القول الأخير ينزه عنه حمل القرآن عليه. ٤ - ﴿أَوْ يَذَّكَّر﴾ بتشديدين أيضًا، أصله: يتذكر، والتذكر: الاتعاظ؛ أي: أو يتعظ. ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: فتنفعه ذكراك وموعِظتك إن لم يبلغ درجة التزكي التام، وفي "الكشاف": المعنى: إنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر، ولو دريت لما فرط ذلك منك. انتهى. أشار بذلك إلى أن قوله: ﴿يَزَّكَّى﴾ من باب التخلية من الأثام، وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ من باب التحلية ببعض الطاعات، ولهذا دخلت كلمة الترديد، فقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾، عطف على ﴿يَزَّكَّى﴾ داخل معه في حكم الترجي، وقوله: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ بالنصب على جواب لعل تشبيهًا له بليت، كقوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وفيه إشارة إلى أن من تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين، لا يرجى منهم التزكي ولا التذكر أصلًا، واشعار بأن اللائق بالعالم أن يقصد بتعليمه تزكية متعلمه، ولا ينظر إلى شبحه وصورته، كما ينظر العوام، وبالمتعلم أن يريد بتعلمه تزكية نفسه عن أرجاس الضلالة، وتطهير قلبه من أدناس الجهالة، لا أحكام الدنيا الدنية. وقرأ الجمهور: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ بتشديد الذال والكاف، وأصله يتذكر - كما مر - فأدغم. وقرأ الأعرج وعاصم في رواية: ﴿أو يذكر﴾ بسكون الذال وضم الكاف. وقرأ الجمهور ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ برفع العين، عطفًا على ﴿أو يذكرُ﴾. وقرأ عاصم في المشهور والأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزغفراني بنصبهما. ٥ - ثم ذكر أن أمره
следующие страницы →