← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.

стр. 14526

خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الموضوعات اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - أهوال يوم القيامة. ٢ - الإقسام بالنجوم وبالليل وبالصبح، على أن القرآن منزل من عند الله تعالى بوساطة رسول كريم. ٣ - إثبات نبوة محمد ﷺ . ٤ - بيان أن القرآن عظة وذكرى لمن أراد الهداية، وتوجهت نفسه إلى فعل الخير. ٥ - مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه، وليس لها استقلال بالعمل (١). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا * * *

стр. 14527

سورة الانفطار سورة الانفطار مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة النازعات، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وآياتها: تسع عشرة آية، وكلماتها: ثمانون كلمة، وحروفها: ثلاث مئة وسبعة وعشرون حرفًا. مناسبتها لما قبلها: أن الكلام في السابقة في البحث عن أهوال يوم القيامة، وهذه أيضًا، افتتحت بمثل ذلك ليتصل الكلام فيهما اتصال النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه، وكلها محكم، فليس فيها ناسخ ولا منسوخ. ومما ورد في فضلها: ما رواه ابن عمر ﵄: عن النبي ﷺ قال: "من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ "، ومنه ما أخرجه النسائي عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء فطول، فقال النبي ﷺ : "أفتَّان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟ ". وأصل الحديث في الصحيحين، ولكن بدون ذكر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، وقد تفرد بها النسائي، وسميت بسورة الانفطار: أخذًا من مبدئها، وقد اشتملت هذه السورة على الكلام في البعث، والتذكير بيوم القيامة، وإن النفس تشهد فيه ما عملت، وعلى مناقشة الإنسان في شأن مخالفته لربه، وتماديه في فجوره مع أنه صاحب نعم جليلة عليه، وقد جعل له شهودًا عليه أو له، وهم عدول. والله أعلم * * *

стр. 14528

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. المناسبة افتتح (١) سبحانه هذه السورة بمثل ما افتتح به سابقتها من ذكر أمور تحدث حين خراب هذا العالم، وتكون مقدمة ليوم العرض والحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، منها أمران علويان هما: انفطار السماء، وانتثار الكواكب. وأمران سفليان هما: تفجير البحار، وبعثرة القبور. ثم أبان أنه في ذلك اليوم تتجلى للنفوس أعمالها على حقيقتها، فلا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير، كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، فيعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا مقصرين، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بما عملوا، ويعض أهل السوء بنان الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون أن لو كانوا ترابًا. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في صدر السورة: أنه في يوم القيامة يبدل نظام هذا العالم، ويسأل الخلائق عما قدمت أيديهم، ويحاسبهم على ما اقترفوا من آثام، ويقرعهم على تكاسلهم في أداء ما أمروا به، ويجزيهم أحسن الجزاء على ما قدموا من عمل صالح .. أردف هذا بخطاب الإنسان، واستفساره عما دعاه إلى مخالفة خالقه، وتماديه في فجوره وطغيانه، واسترساله مع دواعي النفس الأمارة بالسوء،

стр. 14529

مع أنه لو تدبر في نفسه، وفي خلقه .. لوجد من شواهد ربوبية خالقه ما هو جدير بشكرانه، ومداومته على طاعته، وهو الذي خلقه فسواه، وجعله على أحسن صورة، وكمله بالعقل والفهم والتدبر في عواقب الأمور ومصايرها. قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أن من دلائل نعمه على الإنسان خلقه على أحسن صورة، وأن ذلك يدل على أن له حياةً أخرى غير هذه الحياة، فيها يجازى بما عمل من خير أو شر .. أعقب هذا ببيان أنه لا شيء يمنعه عن التصديق بهذا اليوم إلا العناد والتكذيب، فالشعور النفسي يوحي به، والدليل النقلي الذي أتى به الرسول يصدقه، والله لم يترك عملًا لعباده إلا أحصاه وحفظه، ليوفي كل عامل أجره، فقد وكل الكرام الكاتبين المطهرين عن الغلط والنسيان بكتابته وضبطه، ثم ذكر أن الناس في هذا اليوم فريقان: بررة مطيعون لربهم فيما به أمر وعنه نهى - وهؤلاء يتقلبون في النعيم - وفجرة يتركون أوامر الدين، وأولئك يكونون في دار العذاب والهوان، يقاسون حر النار، وأنه في هذا اليوم لا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، فيجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقرباء، فلا شفيع ولا نصير ولا وزير ولا مشير، والحكم لله وحده، وهو المهيمن على عباده، وبيده تصريف أمورهم، وهو الصادق في وعده، العدل الحكيم في وعيده، فلا مهرب لعامل مما أعدله من الجزاء على عمله. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نزلت في أبي بن خلف، والله أعلم. وقد نقل البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأسود بن شريف حين ضرب النبي ﷺ ، لم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ وورد أن النبي ﷺ لما تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ .. قال: "غره جهله" .. وقال عمر بن الخطاب ﵁ في

стр. 14530

هذه الآية: غره حمقه وجهله، وقرأ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾؛ أي: انشقت (١) لنزول الملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢ ٥)﴾، أو لهيبة الرب ﷻ ، والانفطار كالفطر: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع، وفي "فتح الرحمن": تشققها على غير نظام مقصود إنما هو انشقاق لتزول بنيتها، وإعرابه كإعراب ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾. ٢ - ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ﴾، والنجوم ﴿انْتَثَرَتْ﴾؛ أي: تساقطت عن مواضعها سوداء متفرقة، كما تساقط اللآلىء إذا انقطع المسلك، وهذان من أشراط الساعة متعلقان بالعلويات، فإن السماء في هذا العالم كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار فإنه يبدأ أولًا بتخريب السقف، وذلك هو قوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب. ٣ - ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾؛ أي: فجر وفتح بعضها إلى بعض بزوال المانع، وحصول تزلزل الأرض وتصدعها واستوائها، وصارت البحار - وهي سبعة: بحر الروم، وبحر الصقالبة، وبحر جرجان، وبحر القلزم، وبحر فارس، وبحر الصين، وبحر الهند - بحرًا واحدًا، فيصب ذلك البحر الواحد في جوف الحوت الذي عليه الأرضون السبع، كما في "كشف الأسرار". وروي: أن الأرض تنشف من الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية، وهو معنى التسجير عند الحسن البصري، ودخل في البحار: البحر المحيط؛ لأنه أصل الكل؛ إذ منه يتفرع الباقي، وكذا الأنهار العذبة، فإنها بحار أيضًا لتوسعها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فُجِّرَتْ﴾ بتشديد الجيم ومجاهد وربيع بن خيثم والزعفراني والثوري بتخفيفها، وتفجيرها من أعلاها، وتفيض على ما يليها، أو من أسفلها، فيذهب الله ماءها حيث أراد، وعن مجاهد: ﴿فجرت﴾ مبنيًا للفاعل مخففًا بمعنى: بغت لزوال البرزخ نظرًا إلى قوله تعالى: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾؛ لأن البغي والفجر متقابلان.

стр. 14531

ا. هـ من "البحر". ٤ - ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾؛ أي: قلب ترابها، وأخرج ما فيها من الموتى، ولا يخالف (١) ما هنا ما سيأتي في العاديات، فإن البعثرة تجيء بمعنى الاستخراج أيضًا؛ أي: كالقلب، يقال: بعثر يبعثر بعثرةً - من باب دحرج - إذا قلب التراب، ونظيره لفظًا ومعنى بحثر .. يقال: بعثرت المتاع وبحثرته؛ أي: جعلت أسفله أعلاه، وجعل أسفل القبور أعلاها إنما هو بإخراج موتاها، وبعثرت الحوض وبحثرته إذا هدمته، وجعلت أعلاه أسفله، قال الفراء: ﴿بُعْثِرَتْ﴾؛ أي: أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها. اهـ. وهذان من أشراط الساعة متعلقان بالسفليات، فإنه قال: بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض بنفوذ بعض البحار في بعض، ثم يخرب نفس الأرض التي هي كالبناء بأن يقلبها ظهرًا لبطن، وبطنًا لظهر. ٥ - ثم ذكر سبحانه جواب ما تقدم، فقال: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾؛ أي: كل نفس برة كانت أو فاجرة كما مر في السورة السابقة، وفي "فتح الرحمن": ﴿نَفْسٌ﴾ هنا: اسم جنس، وإفرادها ليبين لذهن السامع حقارتها وضعفه عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ في حياتها من عمل خير أو شر، فإن ﴿ما﴾ من ألفاظ العموم ﴿و﴾ ما ﴿أَخَّرَتْ﴾ من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده، وفي الحديث: "أيما داعٍ دعا إلى الهدى فاتبع .. فله مثل أجر من تبعه إلا أنه لا ينقص من أجورهم شيء، وأيما داعٍ دعا إلى الضلالة، فاتبع .. فله مثل أوزار من اتبعه إلا أنه لا ينقص من أوزارهم شيء" وقال قتادة: ما قدمت من معصية، وأخرت من طاعة، وقيل: ما قدم من فرض، وما أخر من فرض، وقيل: أول عمله وآخره. فقوله: ﴿عَلِمَتْ ...﴾ إلخ جواب ﴿إذا﴾ كما مر؛ أي: إذا وقعت هذه الأشياء وخربت الدنيا علمت كل نفس إلخ، لكن لا على أنها تعلمه عند البعث، بل عند نشر الصحف لما عرفت في السورة السابقة من أن المراد بها زمان واحد مبدأه

стр. 14532

النفخة الأولى، ومنتهاه الفصل بين الخلائق، لا أزمنة متعددة حسب تعدد كلمة ﴿إِذَا﴾، وإنما كررت ﴿إذا﴾ لتهويل ما في حيزها من الدواهي. فالمراد (١): العلم التفصيلي الذي يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة، وأما العلم الإجمالي: فيحصل في أول زمان البعث والحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، قال ابن الشيخ في "حواشيه": العلم بجميع ذلك كناية عن المجازاة عليه، والمقصود من الكلام: الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة. والمعنى (٢): أي إذا انشقت السماء وتغير نظامها، فلم يبق نظام الكواكب على ما نرى عند خراب هذا العالم بأسره، وسقطت الكواكب والنجوم وتفرقت، وهذا يجيء تاليًا لما قبله، إذ متى انشقت السماء، وانتقض تركيبها، واختل نظامها .. انتشرت كواكبها، وفجرت البحار، وأزيل ما بينها من حواجز، فاختلط عذبها بملحها، وفاضت على سطح الأرض حينًا من الدهر؛ لاضطراب الأرض وزلزالها الشديد، ووقوع الخلل في جميع أجزائها، وبعثرت القبور، وقلب أسفلها أعلاها، وباطنها ظاهرها، ليخرج من فيها من الموتى أحياءً .. علم كل أحد ما قدم لنفسه من عمل، ولم يقصر فيه، وعلم ما أخره وتكاسل عن أدائه. والخلاصة: أن هذا العالم تزول صفاته وتتبدل أحواله، فتكون الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، ٦ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعم جميع (٣) العصاة، ولا خصوص له بالكفار؛ لوقوعه بين المجمل ومفصله؛ أي: بين ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ...﴾ إلخ، وبين ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ إلخ، وأما قوله: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ فمن قبيل قولهم: بنو فلان قتلوا زيدًا، إذا كان القاتل واحدًا منهم. قال الإِمام السهيلي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد أمية بن خلف، ولكن اللفظ عام يصلح له ولغيره. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، أو الأسد بن كلدة الجمحي، قصد النبي ﷺ في بطحاء مكة، فلم يتمكن منه، فلم يعاقبه الله على ذلك. وفي "زهرة الرياض": ضرب على يافوخ النبي ﷺ ، فأخذه رسول الله ﷺ ،

стр. 14533

وضربه على الأرض، فقال له: يا محمد، الأمان الأمان، مني الجفاء، ومنك الكرم، فإني لا أوذيك أبدًا، فتركه رسول الله ﷺ ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ أي (١): ما الذي غرك وخدعك حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك، وجعلك عاقلًا فاهمًا، ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها؟ قال قتادة: غره شيطانه المسلط عليه، وقال الحسن: غره شيطانه الخبيث، وقيل: حمقه وجهله، وقيل: غره عفو الله؛ إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة، كذا قال مقاتل. فـ ﴿مَا﴾ استفهامية (٢) في محل رفع بالابتداء و ﴿غَرَّكَ﴾: خبره، والاستفهام بمعنى الاستهجان والتوبيخ. والمعنى: أيّ شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وأمنك من عقابه، وقد علمت ما بين يديك من الدواهي، وما سيكون حينئذٍ من مشاهدة أعمالك كلها؟ يقال: غره بفلان إذا جرأه عليه، وأمنه المحذور من جهته، مع أنه غير مأمون. والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدار الاغترار حسبما يغويه الشيطان، ويقول له: افعل ما شئت، فإن ربك كريم، قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل كرمه مما يوجب المبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك الموصوف بالصفات الزاجرة عن الداعية، فظهر أن كرم الكريم لا يقتضي الاغترار به، بل هو يقتضي الخوف والحذر عن مخالفته وعصيانه، وإذا كان محض الكرم لا يقتضي الاغترار به، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر؟ ولله سبحانه الأسماء المتقابلة، ولذا قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾، وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا بعثك الله يوم القيامة، وقال لك: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ...﴾ ماذا تقول؟ قال: أقول: غرني ستورك المرخاة، ونظمه ابن السماك فقال: يَا كَاسِبَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِيْ ... وَاللَّهُ فِيْ الْخَلْوَةِ ثَانِيْكَا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهَالُهُ ... وَسَتْرُهُ طُوْلَ مَسَاوِيْكَا

стр. 14534

وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: غرني برك سالفًا وآنفًا: يَقُوْلُ مَوْلَايَ أَمَا تَسْتَحِيْ ... مِمَّا أَرَى مِنْ سُوْءِ أَفْعَالِكَ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ رِفْقًا فَقَدْ ... أَفْسَدَنِيْ كَثْرَةُ إِفْضَالِكَ وقرأ الجمهور (١): ﴿مَا غَرَّكَ﴾ فـ ﴿مَا﴾ استفهامية، وقرأ ابن جبير والأعمش ﴿ما أغرك﴾ بهمزة فاحتمل أن يكون تعجبًا، واحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، و ﴿أغرك﴾ بمعنى أدخلك في الغرة. ٧ - ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾، أي: أوجدك وأنشأك من نطفة ولم تك شيئًا، فهو صفة (٢) ثانية مقررة للربوبية، مبينة للكرم؛ لأن الخلق إعطاء الوجود، وهو خير من العدم، منبهة على أن من قدر على الخلق وما يليه بدءًا .. قدر عليه إعادة؛ أي: خلقك بعد أن لم تكن شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: جعلك إنسانًا سويًا تامًا، تسمع وتبصر وتعقل، أو جعل أعضاءك سوية سليمة معدة لمنافعها؛ أي بحيث يترتب على كل عضو منها منفعته التي خلق ذلك العضو لأجلها، كالبطش لليد، والمشي للرجل، والتكلم للسان، والإبصار للبصر، والسمع للأذن إلى غير ذلك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: جعلك معتدلًا قائمًا حسن الصورة، أو عدل بعض تلك الأعضاء ببعض؛ أي: جعل بعضها معادلة مساوية للبعض الآخر، بحيث اعتدلت وتماثلت ولم تتفاوت، مثل أن تكون إحدى اليدين أو الرجلين والأذنين أطول من الأخرى، أو تكون إحدى العينين أوسع من الأخرى، أو بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، أو بعض الشعر فاحمًا وبعضه أشقر. قال علماء التشريح: إنه تعالى ركب جانبي هذه الجثة على التساوي حتى إنه لا تفاوت بين نصفيه، لا في العظام، ولا في أشكالها، ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والحاجة منها، فكل ما في أحد الجانبين مساوٍ لما في الجانب الآخر. اهـ. ويقال: عدله عن الطريق؛ أي: صرفه، فيكون المعنى: فصرفك عن الخلقة المكروهة التي هى لسائر الحيوانات، وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، كما قال تعالى: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.

стр. 14535

وقرأ الجمهور (١): ﴿فعدَّلك﴾ بتشديد الدال؛ أي: صيرك معتدلًا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فهو بمعنى المخفف السابق، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وطلحة والأعمش وعيسى وأبو جعفر والكوفيون: بتخفيفها، واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأولى، وقيل: معنى القراءة الأولى: أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها، ومعنى القراءة الثانية: أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء إما حسنًا، وإما قبحًا، وإما طويلًا، وإما قصيرًا. والمعنى (٢): أي يا أيها الإنسان العاقل الذي أوتي من قوة الفكر وبسطة القدرة ما أوتي حتى صار بذلك أفضل المخلوقات، أي شيء خدعك وجرأك على عصيان ربك الكريم الذي أنعم عليك بنعمة الوجود والعقل والتدبر، ولا تزال أياديه تتوالى عليك، ونعمه تترى لديك، ألا تشكر من برأك وصورك فأحسن صورتك، وجعلك معتدل القامة، تام الخلق؟ ٨ - ثم أجمل ما فصله أولًا بقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَكَّبَكَ﴾ لا بـ ﴿عدلك﴾؛ لأن ﴿أَيِّ﴾ لها صدر الكلام، فلا يعمل فيها ما قبلها، و ﴿مَا﴾ زائدة لتعميم النكرة، و ﴿شَاءَ﴾ صفة لـ ﴿صُورَةٍ﴾، والرابط محذوف، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها؛ لأنها بيان لـ ﴿عدلك﴾. والمعنى: فعدلك، ركبك وألفك وجمعك في أيِّ صورة شاءها واقتضتها مشيئته وحكمته من الصور العجيبة الحسنة، أو من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه، كما في الحديث: "أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم، وصورها في أي شبه شاء". ويجوز أن يكون الجار متعلق بمحذوف من مفعول ﴿ركب﴾؛ أي: ركبك حاصلًا في أي صورة شاءها، وقال مقاتل والكلبي ومجاهد: في أيِّ شبه من أب أو أم أو خال أو عم. وقال مكحول: إن شاء ذكر، وان شاء أنثى. وقال (٣) بعض المتأولين: إنه يتعلق بقوله: ﴿فَعَدَلَكَ﴾، ولكنه معترض، كما مر آنفًا؛ أي: فعدلك

стр. 14536

في صورة أي صورة؛ أي: كامل صورة وأحسنها، وأي تقتضي التعجيب والتعظيم، فلم يجعلك في صورة خنزير أو حمار، وعلى هذا تكون ﴿مَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَاءَ﴾ كأنه قال: أي تركيب حسن شاء ركبك، والتركيب: التأليف وجمع شيء إلى شيء، وأدغم خارجة عن نافع: ﴿ركبك كلا﴾. والمعنى (١): أي ركبك في صورة هي من أبهى الصورة وأجملها، وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذه النشأة، فإن الكريم يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فمن خص بهذا المنزلة الرفيعة .. لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما الذي يليق بعقله وقوة نفسه أن تكون له حياة أبدية لا حد لها. ولا فَتَأَ بعدها، يوفى فيها كل ذي حق خقه، وكل عامل جزاء عمله. ٩ - ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع (٢) وزجر، فالوقف عليها؛ أي: ارتدعوا وانزجروا عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر والمعاصي مع كونه موجبًا للشكر والطاعة، وقيل: توكيد لتحقيق ما بعده بمضى حقًا، فالوقف على ﴿رَكَّبَكَ﴾ كما رجحه السجاوندي، حيث وضع علامة الوقف المطلق على ﴿رَكَّبَكَ﴾، قال ابن الأنباري: الوقف الجيد ﴿بِالدِّينِ﴾، وعلى ﴿رَكَّبَكَ﴾ وعلى ﴿كَلَّا﴾ قبيح. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ إضراب وعطف على جملة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجاوزونه وتجترئون على ما هو أعظم؛ حيث تكذبون بالدين؛ أي: بالبعث والجزاء رأسًا، فإنه يراد بالدين الجزاء والمكافأة، ومنه: الديان في صفة الله، أو تكذبون بدين الإِسلام الذي هما من جملة أحكامه، فلا تصدقون سؤالًا ولا جوابًا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، و ﴿بَلْ﴾ لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلومًا عندهم، وإن لم يجر له ذكر، قال الفراء: كلا ليس الأمر كما غررت به. وقرأ الجمهور: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ بالتاء خطابًا للكفار. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وأبو جعفر وأبو بشر بياء الغيبة.

стр. 14537

والمعنى: بل تكذبون يا أهل مكة بالدين؛ أي: بالحساب. ١٠ - وجملة قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ حال من فاعل ﴿تُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: تكذبون بالجزاء، والحال أن عليكم أيها المكلفون من قبلنا ملائكة حافظين لأعمالكم، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظون: الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم، ويكتبونها في الصحف، وجمعهم باعتبار كثرة المخاطبين، أو باعتبار أن لكل واحد منهم جمعًا من الملائكة، كما قيل اثنان بالليل، واثنان بالنهار، ١١ - ثم وصفهم سبحانه بأنهم كانوا ﴿كِرَامًا﴾ جمع: كريم؛ أي: مكرمين لدينا بجبرهما في طاعتنا، أو بأداء الأمانة؛ إذ الكريم لا يكون خوانًا، وفي "فتح الرحمن": وصفهم بالكرم الذي هو نفي المذام. وقيل: معنى (١) ﴿كِرَامًا﴾: يسارعون إلى كتب الحسنات، ويتوقفون في كتب السيئات رجاء أن يستغفر ويتوب، فيكتبون الذنب والتوبة منه معًا ﴿كَاتِبِينَ﴾ لأقوالكم وأفعالكم صغيرها وكبيرها لتجازوا عليها ١٢ - ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لحضورهم وعدم افتراقهم عنكم ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ من الأفعال، وما تقولون من الأقوال قليلًا أو كثيرًا، ويضبطون نقيرًا وقطميرًا لتجازوا بذلك، وخص الفعل بالذكر؛ لأنه أكثر من القول، ولأن القول قد يراد به الفعل فاندرج فيه، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير ﴿كَاتِبِينَ﴾ أو على النعت أو مستأنفة. وفي الحديث: "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند الحالتين الجنابة والغائط". قال في "عين المعاني" (٢): قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يدل على أن السهو والخطأ وما لا تبعة فيه لا يكتب، وكذا ما استغفر منه حيث لم يقل يكتبون. انتهى. وقوله ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ وإن كان عامًا لأفعال القلوب والجوارح، لكنه عام مخصوص بأفعال الجوارح؛ لأن ما كان من المغيبات لا يعلمه إلا الله، وفي "كشف الأسرار": علمهم على وجهين: فما كان من ظاهر قول أو حركة جوارح، علموه بظاهره، وكتبوه على جهته، وما كان من باطن ضمير يقال: إنهم يجدون لصالحه رائحة طيبة، ولطالحه رائحة خبيثة، فيكتبونه مجملًا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا. انتهى. وقد مر بيان هذا المقام في سورتي الزخرف، وق.

стр. 14538

والمعنى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ إلخ؛ أي (١): ارتدعوا عن الاغترار بكرمي لكم، فإنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمي عليكم، ويدعوه إرشادي لكم، بل تجترئون على ما هو أعظم منه، فتكذبون بيوم الجزاء والحساب على القليل والكثير يوم تبعثون للفصل بينكم، فتجازى كل نفس بما عملت وما قدمت وما أخرت. ثم حذرهم من تماديهم في غيهم ببيان أن أعمالم محصاة عليهم، فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ...﴾ إلخ؛ أي: إن أعمالكم محصاة عليكم، فقد وكل بكم ملائكة حفظة كرام كاتبون يحصون كل ما تعملون من خير أو شر، وقد ذكر ذلك في غير موضع من الكتاب الكريم، كقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، وليس علينا أن نبحث عن كنه هؤلاء الحفظة، ولا أن نعرف من أي شيء خلقوا، وما عملهم، وكيف يحفظون الأعمال، وهل عندهم أوراق وأقلام، أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، أو هم أرواح تتجلى فيها تلك الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس، كل ذلك لم نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في حقيقته إلى الله تعالى. ١٣ - ثم ذكر نتيجة الحفظ والكتابة من الثواب والعقاب، وبين أن العالمين في ذلك اليوم فريقان، وبين مآل كل منهما فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ الذين (٢) بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، جمع: بر بالفتح، وهو بمعنى الصادق والمطيع والمحسن، وأحسن الحسنات: لا إله إلا الله وما يتبعها، ثم بر الوالدين. وفي "فتح الرحمن": البر: هو الذي قد اطرد بره عمومًا، فبر ربه في طاعته إياه، وبر الناس في جلب ما استطاع من الخير لهم، وكير ذلك. ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ عظيم، وهو نعيم الجنة وثوابها، والتنوين للتفخيم ١٤ - ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الذين شقوا ستر الديانة، بالكفر والمعاصي، جمع: فاجر، من الفجور، وهو شق عصا الديانة ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي لفي نار متأججة مسعرة وعذاب هائل، والتنوين للتويل، والجملتان مستأنفتان مسوقتان لبيان ما يكتبون لأجله، وهو أن الغاية؛ إما النعيم، وإما الجحيم، وهي قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، ١٥ - وجملة قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يصلون الجحيم

стр. 14539

ويدخلونها، ويقاسون حرها. ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الجزاء الذي يكذبون به، إما صفة لـ ﴿جَحِيمٍ﴾، أو في محل (١) نصب على الحال من الضمير المستكن في متعلَّق الجار والمجرور، أو مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر نشأ عن تهويلها كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقيل: يقاسون حرها، كما قال الخليل: صلي الكافر النار؛ قاسى حرها، وباشره ببدنه. ولم يصف النعيم بما يلائمه لأن ما سبق من الكلام كان في المكذبين الفجرة لأن المقام مقام التخويف، وذكر تبشير الأبرار لأنه ينكشف به حال الفجار الأشرار لأن الأشباه تعرف بأضدادها، ومعنى ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذٍ. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يصلونها﴾ مخففًا مبتيًا للفاعل، مضارع صلى الثلاثي، وقرأ ابن مقسم مشددًا مبنيًا للمفعول. ومعنى الآيات: أي إن أهل الثواب - وهم الأبرار - يكونون في دار النعيم، وأن أهل العذاب - وهم الفجار - يكونون في دار الجحيم، دار العذاب الأليم، يقاسون أهوالها. ١٦ - ثم بين أن هذا العذاب حتم لا منجاة لهم منه ولا مرب، فقال: ﴿وَمَا هُمْ﴾؛ أي: وما الفجار ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن الجحيم ﴿بِغَائِبِينَ﴾ طرفة عين؛ أي: إنهم لا يغيبون عنها، ولا ينفكون عن عذابها، بل هم ملازمون لها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ فالمراد: دوام نفي الغيبة، لا نفي دوام الغيبة، وقيل: وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم حسبما قال النبي ﷺ : "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار". ١٧ - ثم عاد إلى تفخيم ذلك اليوم وتهويل أمره، فقال: ﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ وأعلمك، الخطاب لكل من يتأتى منه الدراية، وقال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، وقيل: للنبي ﷺ ، والمعنى: أي شيء أعلمك به لو لم نعرفك أحواله، و ﴿مَا﴾: مبتدأ، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره ﴿مَا﴾ خبر قوله: ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ و ﴿ما﴾ لطلب الوصف، وإن كان وضعه لطلب الحقيقة، والمعنى (٣): أيُّ شيء جعلك داريًا وعالمًا ما يوم الدين؟

стр. 14540

أي: شيء عجيب هو في الهول والفظاعة، أي: ما أدراك أحد الآن عنه أمره، فإنه خارج عن دائرة الخلق على أي صورة يصورونه، فهو فوقها وأضعافها. والمعنى (١): أي إن أمرك أيها الإنسان لعجيب، فأنت لاهٍ عن هذا اليوم غير مبال به، وقد كنت خليقًا أن تتعرف حقيقة حاله لتأخذ لنفسك الحيطة، وتتدبر أمرك، ولا تركن إلى عفو ربك وكرمه وصفحه، فإنك لا تدري ما قدر لك، ١٨ - ثم زاده توكيدًا وتعظيمًا، فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ كرر بـ ﴿ثُمَّ﴾ (٢) المفيدة للترقي في التوبة للتأكيد وزيادة التخويف والتهويل لأمره، كما في قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ وقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، والمجموع تعجيب للمخاطبين، وتفخيم لشأن اليوم. وإظهار ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ في في مقام الإضمار تأكيد لهوله وفخامته. والمعنى (٣): أي ثم عجيب منك أن تتهاون بنبأ هذا اليوم، كأنك قد أدركت كنهه، وعرفت وجه الخلاص مما يلقاك فيه من الأهوال، ولو عرفته حق معرفته .. للانت قناتك، ورجعت إلى ربك تائبًا، وعدت إليه مستغفرًا طالبًا الصفح عما قدمت يداك. ١٩ - ثم بين حقيقة أمره فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ بيان إجمال (٤) لشأن يوم الدين إثر إبهامه، وبيان خروج عن دائرة علوم الخلق بطريق إنجاز الوعد، فإن نفي إدرائهم مشعر بالوعد الكريم بالأدراء. قال ابن عباس ﵄: كل ما في القران من قوله تعالى: ﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أدراه، وكل ما فيه من قوله: ﴿وَمَا يدرِيَكَ﴾ فقد طوى عنه. و ﴿يَوْمُ﴾: مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وحركته الفتح لإضافته إلى غير متمكن، كأنه قيل: هو يوم لا تملك فيه نفس من النفوس لنفس من النفوس شيئًا من الأشياء أو منصوب بإضمار: اذكر، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وتشويقه ﷺ إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك إلخ، فإنه يدريك ما هو،

стр. 14541

ودخل في: ﴿نَفْسٌ﴾ كل نفس ملكية وإنسية وجنية، وفي ﴿شَيْئًا﴾ كل ما كان من قبيل جلب المنفعة، أو دفع المضرة. ﴿وَالْأَمْرُ﴾ كله ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ لا تملك نفس لنفس شيئًا ﴿لِلَّهِ﴾ وحده، لا يملك (١) شيئًا من الأمر غيره تعالى كائنًا ما كان. قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئًا من المنفعة. وقال قتادة: ليس ثم أحد يقضي أو يصنع شيئًا إلا الله رب العالمين. والمعنى: أن الله تعالى لا يملك أحدًا في ذلك اليوم شيئًا من الأمور، كما ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ والأمر (٢) واحد الأوامر، فإن الأمر والحكم والقضاء من شأن الملك المطاع، والخلق كلهم مقهورون تحت سطوات الربوبية وحكمها، ويجوز أن يكون واحد الأمور، فإن أمور أهل المحشر كلها بيده تعالى لا يتصرف غيره. أخبر تعالى بضعف الناس يومئذٍ، وأنه لا ينفعهم الأموال والأولاد والأعوان والشفعاء، كما في الدنيا، بل ينفعهم الإيمان والبر والطاعة، وأنه لا يقدر أحد أن يتكلم إلا بإذن الله وأمره؛ إذ الأمر له في الدنيا والآخرة في الحقيقة وإن كان يظهر سلطانه في الاخرة بالنسبة إلى المحجوب لأن المحجوب يرى أن الله ملكه في الدنيا وجعل له شيئًا من الأمور والأوامر، فإذا كان يوم القيامة يظهر له أن الأمر والملك لله تعالى لا يزاحمه فيه أحد ولا يشاركه ولو صورة، وفيه تهديد لأرباب الدعاوي وأصحاب المخالفة، وتنبيه على عظيم بطشه تعالى وسطوته. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب وابن كثير وأبو عمرو (٣): ﴿يومُ لا تملك﴾ - برفع الميم - على أنه بدل من ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ كما قاله الزمخشري، أو خبر مبتدأ محذوف، وقرأ محبوب عن أبي عمرو: ﴿يوم﴾ بالقطع عن الإضافة والتنوين والتنكير، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو يوم، و ﴿لَا تَمْلِكُ﴾: جملة في موضع الصفة، والعائد محذوف؛ أي: لا تملك فيه، وقرأ زيد بن علي والحسن وأبو جعفر وشيبه والأعرج وباقي السبعة: ﴿يَوْمَ﴾ بالفتح على الظرف، فعند البصريين

стр. 14542

هي حركة الإعراب، وعند الكوفيين: يجوز أن تكون حركة بناء وهو على التقديرين في موضع رفع خبر لمحذوف تقديره: الجزاء يوم لا تملك، أو في موضع نصب على الظرف؛ أي: يدانون يوم لا تملك، أو على أنه مفعول به، أي: اذكر يوم لا تملك، ويجوز على رأي من يجيز بناءه أن يكون في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا. وحكي أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة المنوّرة وهو يريد مكة، فقال لأبي حازم: كيف القدوم عليه غدًا؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. الإعراب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه. ﴿السَّمَاءُ﴾: فاعل لفعل محذوف يدل عليه المذكور تقديره: إذا انفطرت السماء انفطرت، والجملة المحذوفة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط له، والظرف متعلق بالجواب الآتي، وهو ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا نحويًا، وجملة ﴿انْفَطَرَتْ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، ومثلها قوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ تقديره: وإذا انتثرت، والجملة معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى، ومثلها أيضًا قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾، ولكن ﴿البحار﴾ و ﴿الْقُبُورُ﴾ نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور تقديره: وإذا فجرت البحار فجرت، وإذا بعثرت القبور بعثرت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿عَلِمَتْ﴾؛ لأن العلم هنا عرفانية، وجملة ﴿قَدَّمَتْ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما قدمته، وجملة ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ معطوفة على جملة ﴿قَدَّمَتْ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾.

стр. 14543

﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء؛ ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد، ﴿الْإِنْسَانُ﴾: بدل من ﴿أي﴾، أو عطف بيان له، وجملة النداء مستأنفة. ﴿مَا غَرَّكَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿غَرَّكَ﴾: فعل ماضٍ ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾ ﴿بِرَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿غرك﴾ ﴿الكريم﴾: صفة لـ ﴿ربك﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن ﴿مَا﴾ الاستفهامية، والجملة الاستفهامية جواب النداء لا محل لها من الإعراب، وقرىء: ﴿ما أغرك﴾، فاحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية، وأن تكون تعجبية. ﴿الَّذِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿ربك﴾ مقررة للربوبية ﴿خَلَقَكَ﴾؛ فعل ومفعول، وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول ﴿فسواك﴾: عطف على ﴿خَلَقَكَ﴾، ﴿فَعَدَلَكَ﴾: معطوف على ﴿سواك﴾ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ربك﴾، ﴿مَا﴾: زائدة، وجملة ﴿شَاءَ﴾: صفة لـ ﴿صُورَةٍ﴾، والرابط محذوف تقديره: شاءها، والمعنى: ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته من حسن ودمامة وطول وقصر وذكورة وأنوثة، و ﴿عدلك﴾؛ أي: صيرك معتدل القامة متناسب الخلقة من غير تفاوت، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال؛ أي: ركبك حال كونك حاصلًا في بعض صورة شاءها، و ﴿أي﴾ هنا: وصفية، وقال الزمخشري: ويجوز أن يتعلق بـ ﴿عدلك﴾، ويكون في ﴿أَيِّ﴾ معنى التعجب؛ أي: فعدلك في صورة عجيبة ﴿رَكَّبَكَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَكَ﴾. ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر، ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب على جملة محذوفة يدل عليها السياق تقديرها: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تكذبون بالدين ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِالدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ حالية أو استئنافية، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿لَحَافِظِينَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿حافظين﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، أو صفة لاسمها؛ أي: إن ملائكة حافظين، والجملة في محل النصب حال من الواو في ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، أو مستأنفة مسوقة لإخبارهم بذلك ليرتدعوا عما هم عليه ﴿كِرَامًا﴾: صفة أولى لـ ﴿حافظين﴾ و ﴿كَاتِبِينَ﴾: صفة ثانية له،

стр. 14544

وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة ثالثة له ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وجملة ﴿تَفْعَلُونَ﴾ صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما تفعلونه. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾: ﴿اللام﴾. حرف ابتداء ﴿في نعيم﴾. جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة للإجابة عن سؤال مقدر تقديره: لم يكتبون ذلك، فكأنه قيل: ليجازى الأبرار بالنعيم، والفجار بالجحيم، ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾: خبرها، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور في قوله: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾، ويجوز أن تكون جملة ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ مستأنفة مسوقة للإجابة عن سؤال مقدر تقديره: وماذا يؤول إليه أمرهم في الجحيم. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿مَا﴾: حجازية ﴿هُمْ﴾: اسمها ﴿عَنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿غائبين﴾ ﴿بِغَائِبِينَ﴾: خبرها، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة في محل النصب حال من فاعل، ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾، أو مستأنفة. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿وَمَا﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾: خبره، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿أدرى﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾، و ﴿الكاف﴾: مفعول أول، ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ معناه التهويل والتعظيم ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: خبره، والجملة المعلقة بالاستفهام سدت مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿مَا﴾: مبتدأ، و ﴿أَدْرَاكَ﴾: خبره والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ جملة سدت مسد المفعول الثاني ﴿يَوْمَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو إلخ، أو بدل من ﴿يَوْمَ﴾، أو منصوب على الظرفية بفعل محذوف تقديره: يجازون يوم لا تملك، أو باذكر محذوفًا. وجملة ﴿لَا

стр. 14545

تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يومَ﴾ ﴿لِنَفْسٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَمْلِكُ﴾، أو حال من ﴿شَيْئًا﴾، و ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، ﴿وَالْأَمْرُ﴾: مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بمحذوف، حال من الضمير المستكن في الخبر ﴿لِلَّهِ﴾: خبر ﴿الْأَمْرُ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿انْفَطَرَتْ﴾؛ أي: انشقت لنزول الملائكة، انفعل من فطر، وكذلك ﴿انْتَثَرَتْ﴾؛ أي: تساقطت متفرقة، افتعل من نثر، وهو التفريق. ﴿فُجِّرَتْ﴾؛ أي: فتحت وشققت جوانبها فزال ما بينها من الحواجز، واختلط عذبها بملحها من التفجير، والتضعيف للمبالغة. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾؛ أي: قلب ترابها الذي حثي على موتاها وأزيل، وأخرج من دفن فيها، ونظيره: بحثر لفظًا ومعنى، يقال: بعثرت المتاع وبحثرته؛ أي: جعلت أسفله أعلاه، وجعل أسفل القبور أعلاها إنما هو بإخراج موتاها، وقيل لسورة براءة: المبعثرة؛ لأنها بعثرت أسرار المنافقين، وهما - أي: بعثر وبحثر - مركبان من البعث والبحث مع راء ضمت إليهما، وقال الراغب: من رأى تركيب الرباعي والخماسي، نحو هلل وبسمل إذا قال: لا إله إلا الله، وبسم الله، يقول: إن بعثر مركب من بعث وأثير؛ أي: قلب ترابها وأثير ما فيه، وهذا لا يبعد في هذا الحرف، فإن البعثرة تتضمن معنى بعث وأثير، وقال أبو الجراح: بحثر الشيء وبعثره؛ أي: استخرجه وكشفه، وقال الفراء: بحثر متاعه وبعثره: فرقه وقلب بعضه على بعض. ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾؛ أي: من أعمال الخير ﴿وَأَخَّرَتْ﴾؛ أي: منها بالكسل والتسويف ﴿مَا غَرَّكَ﴾؛ أي: أيُّ شيء خدعك وجرأك على العصيان ﴿الْكَرِيمِ﴾؛ أي: العلي العظيم، وقيل: الكريم من يبادر بالنوال قبل السؤال. ﴿فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: جعل أعضاءك سوية تامة الخلق سليمة معدة لمنافعها، وأصله: سويك بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: جعلك معتدلًا متناسب الخلق ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾؛

стр. 14546

أي: وكبك في صورة هي من أعجب الصور وأحكمها، وكلمة ﴿ما﴾ جاءت زائدة لتفخيم المعنى وتعظيمه، وهي من طريقة متبعة في كلاههم عند إرادة التهويل، والسلوك سبيل التعظيم. ﴿كَلَّا﴾ كلمة تفيد نفي شيء قد تقدم وتحقيق غيره. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال الراغب: ﴿بَلْ﴾ هنا لتصحيح الثاني، وإبطال الأول، كأنه قيل: ليس هنا ما يقتضي أن يغوهم به تعالى شيء، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه. ﴿بِالدِّينِ﴾؛ أي: الجزاء. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾؛ أي: على أعمالكم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير. ﴿كِرَامًا﴾ على الله ﴿كَاتِبِينَ﴾ لهذه الأعمال في الصحف كما تكتب الشهود منكم العهود؛ ليقع الجزاء على غاية التحرير. تنبيه: هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ جمع: بر بفتح الباء، وهو من يفعل البر بكسرها، ويتقي الله في كل أفعاله. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ جمع: فاجر، وهو التارك لما شرعه الله تعالى وحدَّه لعباده. ﴿يصلونها﴾؛ أي: يقاسون حرها، أصله: يصليونها، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة. ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ أصله: غايبين، جمع: غائب من غاب يغيب، أبدلت الياء في الوصف همزة حملًا له على الفعل في الإعلال لما قلبت ياؤه - غ ي ب - ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾؛ أي: ما أعلمك وعرفك، أصله: أدريك بوزن أفعل، قلبت ألياء ألفًا لتحركها بعد فتح.

стр. 14547

البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾؛ حبث شبه الكواكب بجواهر انقطع سلكها، فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له شيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريقة الاستعارة المكنية. ومنها: إفراد ﴿نَفْسٌ﴾ وتنكيرها في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ للدلالة على حقارتها وضعفها عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى. ومنها: الطباق بين ﴿قَدَّمَتْ﴾ و ﴿أَخَّرَتْ﴾، وهو من المحسنات البديعية. ومنها: الاستفهام للاستهجان والتوبيخ في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. ومنها: التعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدار الاغترار حسبما يغوبه الشيطان، ويقول له: افعل ما شئت فإن ربك كريم قد تفضل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان. ومنها: المقابلة اللطيفة بين الأبرار والفجار في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ فقد قابل الأبرار بالفجار، والنعيم بالجحيم. ومنها: التنوين في قوله: ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ للتفخيم والتعظيم، وقوله: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ للتهويل والتخويف. ومنها: الإطناب بإعادة الجملة في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته؛ كأنه فوق الوصف والخيال. ومنها: إظهار ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ في موضع الإضمار إظهارًا لفخامته، وتأكيدًا لهوله. ومنها: الوصل في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ لما فيه من مقتضيات الوصل، وهو اتفاق الجملتين في الخبرية والإنشائية مع الاتصال؛ أي: الجامع بينهما، وهو هنا التضادُّ.

стр. 14548

ومنها: الترجيح في هاتين الآيتين، وهو ضرب من السجع، وذلك أن تكون كل لفظة في صدر البيت، أو فقرة النثر موافقة لنظيرتها في الوزن والروي والإعراب، ومما ورد منه شعرًا قول أبي فراس: وَأَفْعَالُنَا لِلْرَّاغِبِيْنَ كَرِيْمَةٌ ... وَأَمْوَالُنَا لِلْطَّالِبِيْنَ نِهَابُ ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. * * *

стр. 14549

خلاصة ما في هذه السورة الكريمة من المقاصد اشتملت هذه السورة على ما يلي: ١ - وصف بعض أهوال يوم القيامة. ٢ - تقصير الإنسان في مقابلة الإحسان بالشكر. ٣ - بيان أن أعمال الإنسان بها موكلون كرام كاتبون. ٤ - بيان أن الناس في هذا اليوم العظيم إما بررة منعمون، وإما فجرة معذبون (١). والله أعلم * * *

стр. 14550

سورة المطففين سورة المطففين، وتسمى سورة التطفيف، نزلت بعد سورة العنكبوت بين مكة والمدينة في مهاجرته ﷺ ، فاستتمت بالمدينة، قال القرطبي: وهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة، وقال مقاتل أيضًا: هي أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية إلا ثمان آيات، من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ إلى آخرها، وقال (١) الكلبي وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة، وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة المطففين بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: آخر ما نزل بمكة سورة المطففين، وقيل: فيها آية مكية وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ...﴾ إلخ، وأخرج ابن مردويه والبيهقي في "الشعب" قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة .. كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى؛ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك. وهي (٢) ست وثلاثون آية ومئة وتسع وتسعون كلمةً وسبع مئة وثمانون حرفًا، وقال ابن حزم: وكلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وسميت سورة التطفيف أخذًا من المطففين. ومناسبتها لما قبلها (٣): أنه سبحانه قال فيما قبلها: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾، وذكر هنا ما يكتبه الحافظون بقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ يجعل في عليين أو في سجين، فقد فصل سبحانه في هذه السورة ما أجمله في سابقتها، فذكر فيها نوعًا من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال والميزان، ثم ذكر نوعًا آخر، وهو التكذيب بيوم

стр. 14551

الدين، ثم أعقبه بذكر جزائهم على التكذيب وتوبيخهم عليه. قال الألوسي في "تفسيره": والمناسبة بينها وبين ما قبلها: أنه سبحانه لما ذكر فيما قبل السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأنه .. ذكر هنا ما أعد جل وعلا لبعض العصاة، وذكره سبحانه بأخس ما يقع من المعصية، وهو التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئًا في تثمير المال وتنميته، مع اشتمال هذه السورة على شرح حال المكذبين المذكورين هناك على زيادة التفصيل، كما لا يخفى. وكأن هذه السورة جاءت شرحًا وتفصيلًا للسورة السابقة، وهي سورة الانفطار، وبيانًا له، فسبحان الذي جعل هذا القرآن هدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ورحمة للعالمين، وضياء للأبصار، ونورًا للقلوب، ونظامًا للحكم، ومنهاجًا للأخلاق، ودستورًا للعالمين عصمةً لمن تمسك به، ونجاةً لمن اهتدى به. والله أعلم * * *

стр. 14552

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. المناسبة قد مر لك قريبًا في بيان المناسبة بين السورتين أن الله سبحانه فصل (١) في هذه السورة ما أجمله في سابقتها، فذكر فيها نوعًا من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال والميزان، ثم ذكر نوعًا آخر، وهو التكذيب بيوم الدين، ثم أعقبه بذكر جزائهم على هذا التكذيب وتوبيخهم عليه. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنه لا يقيم على التطفيف إلا من ينكر ما أوعده الله به من العرض والحساب، وعذاب الكفار والعصاة .. أمرهم بالكف عما هم

стр. 14553

فيه، وذكر أن الفجار قد أعد لهم كتاب أحصيت فيه جميع أعمالهم ليحاسبوا بها، فويل للمكذبين بيوم الجزاء، وما يكذب به إلا كل من تجاوز حدود الدين، وانتهك حرماته، وإذا تليت عليهم آيات القران قالوا: ما هي إلا أقاصيص الأولين نقله محمد عن السابقين، وليست وحيًّا يوحى كما يدعي. قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أنهم قالوا: إن القرآن أساطيرُ الأولين، وليس وحيًّا من عند الله تعالى .. أردف ذلك ببيان أن الذي جرأهم على ذلك هي أفعالهم القبيحة التي مرنوا عليها، فعميت عليهم وجوه الآراء حتى صاروا لا يميزون بين الأسطورة والحجة الدامغة، ثم رد عليهم فرية كانوا يقولونها ويكثرون من تردادها، وهي: إن كان ما يحدث به محمد صحيحًا .. فنحن سنكون في منزلة الكرامة عند ربنا، فأبان لهم أنهم كاذبون، فإنهم سيطردون من رحمته ولا ينالون رضاه، ثم يؤمر بهم إلى النار فيدخلونها ويصلون سعيرها، ويقال لهم: هذا العذاب جزاء ما كنتم به تكذبون مما أوعدكم به الرسول. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر حال الفجار وحال المطففين، وبيَّن منزلتهم عند الله يوم القيامة .. أتبعه بذكر حال الأبرار الذين آمنوا بربهم، وصدقوا رسولهم فيما جاء به عن خالقهم، وعملوا الخير في الحياة الدنيا، فذكر أن الله قد أحصى أعمالهم في كتاب مرقوم اسمه: عليون، يشهده المقربون من الملائكة، وبعدئذٍ عدد ما ينالون من الجزاء على البر والإحسان، وفي ذلك ترغيب في الطاعة، وحفز لعزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، ويدعوا الطرق المشتبهة الملتبسة، ويقيموا على الطريق المستقيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر النعيم الذي هيأه للذين آمنوا به وبرسوله، وعملوا بما كلفهم به من أعمال البر، وأرشد إلى ما أعده للفجار جزاء ما اجترحوا من السيئات .. أخذ يبين ما كان الكفار يقابلون به

стр. 14554

المؤمنين في الحياة الدنيا، وما سيقابل به المؤمنون الكفار يوم القيامة كفاء ما صنعوا معهم في الحياة الأولى. أسباب النزول سبب نزولها: ما أخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة .. كانوا من أبخس الناس كيلًا، فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ ، فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلًا إلى يومهم هذا، وورد عن ابن عباس أيضًا قال: هي أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا، فهم أوفى الناس كيلًا إلى يومهم هذا كما مر آنفًا. وقال قوم: نزلت في رجل كان بالمدينة يعرف بأبي جهينة، واسمه: عمرو، وكان له صاعان، يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، قاله أبو هريرة ﵁. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك عظيم، وشر شديد، وعذاب أليم كائن ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾؛ أي: للناقصين (١) في المكيال والميزان بالشيء القليل التافه على سبيل الخفية. قال ابن كيسان (٢): الويل: كلمة تقال لكل مكروب واقع في البلية، فقولك: ويل لك، عبارة عن استحقاق المخاطب لنزول البلاء والمحنة عليه، الموجب له أن يقول: واويلاه ونحوه. وقيل: وي لفلان؛ أي: الحزن، فقرن بلام الإضافة تخفيفًا، وهو مبتدأ، وإن كان نكرة لوقوعه في معرض الدعاء على ما سبق بيانه في المرسلات، خبره قوله: ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾؛ أي: كائن للباخسين حقوق الناس في المكيال والميزان، فإن التطفيف البخس في الكيل والوزن، والنقص والخيانة فيهما؛ بأن لا يعطي المشتري حقه تامًا كاملًا، وذلك لأن ما يبخس شيء خفيف؛ أي: يسير حقير على وجه الخفية من جهة دناءة الكيال والوزان وخساستهما؛ إذ الكثير يظهر، فيمنع منه، ولذا سمي: مطففًا.

стр. 14555

قال الراغب: يقال: طفف الكيل إذا قلل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه. وقال سعدي المفتي: والظاهر: أن بناء التفعي للتكثير؛ لأن البخس لما كان من عادتهم .. كانوا يكثرون التطفيف، ويجوز أن يكون للتعدية. انتهى. وروي: أن رسول الله قدم المدينة، وكان أهلا من أبخس الناس كيلًا، فنزلت، فخرج فقرأها عليهم وقال: "خمس بخمس، ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنيين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر"؛ فعملوا بموجبها، وأحسنوا الكيل، فهم أوفى الناس كيلًا إلى اليوم. قال مكي بن أبي طالب (١): والمختار في ﴿وَيْلٌ﴾ وشبهه إذا كان غير مضاف: الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافًا أو معرفًا .. كان الاختيار فيه النصب نحو قوله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا﴾، والمرافى بالويل هنا: شدة العذاب، أو نفس العذاب، أو الشر الشديد - كما مر - أو هو وادٍ في جهنم. ومعنى الآية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾؛ أي: عذاب، (٢) وخزي شديد يوم القيامة لمن يطفف وينقص في المكيال والميزان، وقد خص سبحانه المطففين بهذا الوعيد من قبل أنه كان فاشيًا منتشرًا بمكة والمدينة، فكانوا يطففون المكيال ويبخسونه، ولا يوفون حق المشتري. روي: أنه كان بالمدينة رجل يقال له: أبو جهينة، له كيلان، أحدهما كبير، والآخر صغير، فكان إذا أراد أن يشتري من أصحاب الزروع والحبوب والثمار .. اشترى بالكيل الكبير، وإذا باع للناس .. كال للمشتري بالكيل الصغير. وهذا الرجل وأمثاله ممن امتلأت نفوسهم بالطمع، واستولى على نفوسهم الجشع، هم المقصودون بهذا الوعيد الشديد، وهم الذين توعدهم النبي ﷺ وتهددهم بقوله "خمس بخمس" كما مر آنفًا. ٢ - وقد بين سبحانه عمل المطففين الذين استحقوا عليه هذا الوعيد بقوله:

стр. 14556

﴿الَّذِينَ ...﴾ إلخ (١) صفة كاشفة للمطففين، شارحة لكيفية تطفيفهم الذي استحقوا به الذم والدعاء بالويل ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: إذا أخذوا مكيلهم وحقوقهم بحكم الشراء ونحوه من الناس، والاكتيال: الأخذ بالكيل، كالاتزان: الأخذ بالميزان، ولم يقل: اتزنوا لأن الكيل والوزن المراد بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي: يأخذونه وافيًا وافرًا تامًا، والاستيفاء: عبارة عن الأخذ الوافي، وتبديل كلمة من بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء، أو للإشارة إلى أنه اكتيال مضرُّ بهم، لكن لا على اعتبار الضرر في حيز الشرط الذي تتضمنه كلمة ﴿إذا﴾ لإخلاله بالمعنى، بل في نفس الأمر بموجب الجواب، فإن المراد بالاستيفاء ليس أخذ الحق وافيًا من غير نقص، بل مجرد الأخذ الوافي الوافر حسبما أرادوا بأي وجه يتيسر من وجوه الحيل، وكانوا يفعلونه بكبس الكيل، وتحريك المكيال، والاحتيال في ملئه، فيسرقون أفواه المكاييل، وألسنة الموازين. ٣ - ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾؛ أي (٢): وإذا كالوا للناس المبيع ونحوه ﴿أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾؛ أي: وزنوه للناس، فحذف الجار، وأوصل الفعل كما قال في "تاج المصادر": وزنت فلانًا درهمًا، ووزنت لفلان بمعنى، والأصل اللام، ثم حذفت، فوصل الفعل، ومنه الآية. انتهى. فلفظ ﴿هم﴾ منصوب المحل على المفعولية، لا مرفوعه على التأكيد للواو؛ لأن واو الجمع، إذا اتصل به ضمير المفعول .. لا يكتب بعده الألف كما في نصروك، ومنه الآية إذا لم يكتب الألف في المصحف، وإذا وقع في الطرف بأن يكون الضمير مرفوعًا واقعًا للتأكيد .. فحينئذٍ يكتب بعده الألف؛ لأن المؤكد ليس كالجزء مما قبله بخلاف المفعول، وأما نحو: شاربوا الماء، فالأكثر على حذف الألف؛ لقلة اتصال واو الجمع بالاسم هذا. فإن قلت: خط المصحف خارج عن القياس؟

стр. 14557

قلت: الأصل في أمثاله إثباته في المصحف، فلا يعدل عنه. ويروى (١) عن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيدًا لما في ﴿كالوا﴾ و ﴿وزنوا﴾ ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا، ثم يقولان: ﴿هم يخسرون﴾؛ أي: إذا كالوا هم لغيرهم، أو وزنواهم لغيرهم .. ينقصون، وإثبات الألف قبل ﴿هم﴾ لو لم يكن معتادًا في زمان الصحابة .. لمنع من إثباتها في سائر الأعصار. اهـ من "المراح". قال أبو عبيد (٢): والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط، ولذلك كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين .. لكانتا كالواو، أو وزنوا بالألف. والأخرى: أن يقال: كلتك، ووزنتك بمعنى: كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي، كما يقال: شكرتك وشكرت لك، وقيل: هو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف: المكيل والموزون؛ أي: وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم ﴿يُخْسِرُونَ﴾، أي: ينقصون حقوق الناس مع أن وضع الكيل والوزن إنما هو للتسوية والتعديل، يقال: خسر الميزان وأخسره بمعنى، كقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ولعل ذكر (٣) الكيل والوزن في صورة الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء، بأن لم يقل: إذا اكتالوا على الناس أو اتزنوا، لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل والوزن، كما قال في "الكشاف": كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة؛ لأنهم يزعزعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا .. كالوا أو وزنوا؛ لتمكنهم من البخس في النوعين جميعًا. انتهى. ولأن التطفيف في الكيل يكون بشيء قليل لا يعبأ به في الأغلب، دون التطفيف في الوزن، فإن أدنى حيلة فيه يفضي إلى شيء كثير، ولأن ما يوزن أكثر قيمةً في كثير من الأحوال مما يكال، ويؤيده الاقتصار على التطفيف في الكيل في الحديث المذكور سابقًا، وعدم التعرض للمكيل والموزون في الصورتين؛ لأن مساق الكلام لبيان سوء معاملتهم في الأخذ والإعطاء، لا في

стр. 14558

خصوصية المأخوذ والمعطى. قال أبو عثمان ﵀: حقيقة هذه الآية عندي: هو من يحسن العبادة على رؤية الناس ويسيء إذا خلا. والمعنى (١): أي إذا كان لهم عند الناس حق في شيء من المكيلات .. لم يقبلوا أن يأخذوه إلا وافيًا كاملًا، وإذا كان لأحد عندهم شيء، وأرادوا أن يؤدوه له .. أعطوه ناقصًا غير وافٍ، وكما يكون التطفيف في الكيل والميزان .. يكون في أشياء أخرى، فمن استأجر عاملًا، ووقف أمامه يراقبه، ويطالبه بتجويد عمله، ثم إذا كان هو عاملًا أجيرًا لم يراقب ربه في العمل، ولم يقم به على الوجه الذي ينبغي أن يقوم به .. يكون واقعًا تحت طائلة هذا الوعيد، مستوجبًا لأليم العذاب مهما يكن عمله، جلَّ، أو حقر، وإذا كان هذا الإنذار للمطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيلٍ ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم، فيحرمونهم التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك، أو نفوذ السلطان، أو باستعمال الحيل المختلفة. لا جرم أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين ليوم الدين، وإن زعموا بألسنتهم أنهم من المؤمنين المخبتين. ٤ - ثم هول في شأن هذا العمل وخوفهم، فقال: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ ويوقن ﴿أُولَئِكَ﴾ المطففون الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ٥ - لمجيء ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُقادَر قدر عظمه، وقدر عظم ما فيه من الأهوال، ومحاسبون فيه على مقدار الذرة والخردلة، والظن هنا (٢): بمعنى اليقين، أي: لا يوقنون ذلك، ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن، وقيل: الظن على بابه. والمعنى: إن كانوا لا يستيقنون البعث .. فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه، وببحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنًا ضعيفًا في حد الشك والوهم .. لا يتجاسر على أمثال هاتيك القبائح، فكيف بمن يتيقنه؟ فذكر الظن للمبالغة في المنع عن التطفيف، وإلا فالمؤمن لا يكفي له الظن في أمر البعث والمحاسبة، بل لا بد من الاعتقاد الجازم. و ﴿أَلَا﴾ (٣) هنا ليست هي التي للتنبيه؛ لأن ما بعد حرف التنبيه مثبت، وهنا

стр. 14559

منفي؛ لأن ﴿أَلَا﴾ التنبيهية إذا حذفت لا يختل المعنى نحو قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾، وإذا حذفت ﴿أَلَا﴾ هذه اختل المعنى، بل الهمزة الاستفهامية الإنكارية دخلت هنا على لا النافية. وجوز أن تكون للعرض والتخصيص على الظن، واليوم العظيم: هو يوم القيامة، ووصفه بالعظيم لكونه زمانًا لتلك الأمور العظام من البعث والحساب والعقاب، ودخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. والمعنى: أي (١): إن تطفيف الكيل والميزان، واختلاس أموال الناس بهذه الوسيلة لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه سيبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله؛ إذ لو ظن ذلك لما طفف الكيل، ولا بخس الميزان. والخلاصة: أنه لا يَجْسُر على فعل هذه القبائح من كان يظن بوجود يوم يحاسب الله فيه عباده على أعمالهم، فما بالك بمن يستيقن ذلك. ٦ - ثم وصف سبحانه هذا اليوم فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ بتقدير المضاف؛ أي: لمجرد أمره وحكمه بذلك، لا لشيء آخر، أو لمحاسبة رب العالمين ومجازاته، فيظهر هناك تطفيفهم ومجازاتهم، أو يقومون من قبورهم؛ ليرد ربّ العالمين أرواحهم إلى أجسادهم. وانتصاب (٢) الظرف بـ ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ المذكور قبله، أو بفعل مقدر يدل عليه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾؛ أي: يبعثون يوم يقوم الناس، أو على البدل من محل ﴿لِيَوْمٍ﴾، وإنما بني على الفتح في هذين الوجهين لإضافته إلى الفعل، وفي تخصيص (٣) ﴿رب العالمين﴾ من بين سائر الصفات إشعار بالمالكية والتربية، فلا يمنع عليه الظالم القوي لكونه مملوكًا مسخرًا في قبضة قدرته، ولا يترك حق المظلوم الضعيف؛ لأن مقتضى التربية أن لا يضيع لأحد شيئًا من الحقوق، وفي هذه التشديدات إشارة إلى أن التطفيف، وإن كان يتعلق بشيء حقير، لكنه ذنب كبير، قيل: كل من نقص حق الله من زكاة وصلاة وصوم، فهو داخل تحت هذا الوعيد، وقيل: المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾: قيامهم في رشحهم إلى أنصاف آذانهم، وقيل: المراد: قيامهم بما

стр. 14560

عليهم من حقوق العباد، وقيل: المراد: قيام الرسل بين يدي الله للقضاء، والأول أولى. ٧ - وقوله: ﴿كَلَّا﴾ هي للردع والزجر عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، فيحسن الوقف عليه، فيستأنف بما بعدها، وقال أبو حاتم: إن ﴿كَلَّا﴾ بمعنى: حقًا، فتكون متصلة بما بعدها على معنى حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ على الأول تعليل للردع؛ أي: ازدجروا وكفوا مما أنتم عليه من التطفيف والغفلة عن الحساب والمجازاة، فإن الفجار سيحاسبون على أعمالهم، وقد أعد الله لهم كتابًا أحصى فيه أعمالهم، وكذا جميع ما يأتي، من ﴿كَلَّا﴾ من هذه السورة. والحاصل: أن ﴿كَلَّا﴾ إنْ كانت بمعنى حقًا .. فهي ابتداء كلام متصلة بما بعدها، فيكون الوقف على ما قبلها، وإنْ كانت بمعنى الردع والزجر .. فهي متصلة بما قبلها متممة له، فيكون الوقف عليها. والكتاب مصدر (١) بمعنى: المكتوب، كاللباس بمعنى: الملبوس، أو على حاله بمعنى الكتابة، واللام للتأكيد، و ﴿سِجِّينٍ﴾ علم لكتاب جامع هو ديوان الشر، دوَّن أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الثقلين، منقول من وصف؛ أي: ساجن كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد، وهو التعريف، وأصله: فعيل من السجن، وهو: الحبس مبالغة الساجن، كخمير وسكير وفسيق من الخمر والسكر والفسق، كما قاله أبو عبيدة والمبرد والزجاج، أو لأنه مطروح - كما قيل - تحت الأرض السابعة في مكان مظلم وحش، وهو مكان إبليس وذريته إذلالًا لهم، وتحقيرًا لشأنهم، وتشهده الشياطين المدحورون، كما أن كتاب الأبرار يشهده المقربون، فالسجين مبالغة المسجون. والمعنى: أن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون؛ أي: ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون فيه قبائح أعمالهم المذكورين المختص بالشر، وهو السجين.

стр. 14561

والخلاصة: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان المسمى بالسجين، فعيل من السجن، وهو الحبس والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، وهذا لا ينافي في كونه اسمًا لجبٍّ في جهنم، أو لأسفل سبع أرضين مكان أرواح الكفار؛ لجواز الاشتراك في الاسم. ٨ - ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾؛ أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، و ﴿مَا﴾ اسم (١) استفهام إنكاري مبتدأ، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره، و ﴿مَا سِجِّينٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿مَا﴾ استفهامية أيضًا، والجملة سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، والأول الكاف، والاستفهام الأول للإنكار، والثاني للتفخيم والتعظيم، والمعنى: ما أعلمك يا محمد عظمة سجين وفظاعته؛ أي: أنت لا تعلمه في الدنيا تفصيلًا، وإنما تعلمه في الآخرة، أو المراد: أنت لا تعلمه قبل نزول الوحي به عليك، وإنما علمته بالوحي. تأمل. ٩ - وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ تفسير (٢) وبيان للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ وليس تفسير السجين؛ أي: هو كتاب مرقوم؛ أي: مسطور بيِّن الكتابة، بحيث كل من نظر إليه يطلع على ما فيه بلا دقة نظر، وإمعان توجه، مكتوب فيه أعمالهم، مثبت عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازون به، أو معلم يعلم من راه أنه لا خير فيه لأهاليه؛ أي: ذلك الكتاب مشتمل على علامة دالة على شقاوة صاحبه، وكونه من أصحاب النار، وكونه علامة الشر يستفاد من المقام؛ لأنه مقام التهويل، وقيل: الرقم: الختم بلغة حمير. وقال القفال: قوله ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾: ليس تفسير السجين، بل هو خبر ثانٍ لـ ﴿إِنَّ﴾، والمعنى: إن كتاب الفجار لفي سجين، وإنه كتاب مرقوم، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وقع معترضًا بين الخبرين. وقصارى ما سلف (٣): إن للشر سجلًا وصحيفة دونت فيها أعمال الفجار، وهو كتاب مسطور بيَّن الكتابة، وهذا السجل يشتمل عليه السجل الكبير المسمى بسجين، كما تقول: إن كتاب حساب قرية كذا في السجل الفلاني المشتمل على

стр. 14562

حسابها وحساب غيرها من القرى، فلكل فاجر من الفجار صحيفة، وهذه الصحائف في السجل العظيم المسمى بسجين. ١٠ - وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ كلام متصل بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، وما بينهما اعتراض، والمعنى: ويل عظيم، وهلاك شديد يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين، وقال بعضهم: أي يوم إذ أعطى ذلك الكتاب واقع لمن وقع منه التكذيب بالبعث، وبما جاءت به الرسل. ١١ - ثم بيَّن سبحانه هؤلاء المكذبين، فقال: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ صفة ذم لـ ﴿المكذبين﴾، أو بدل منه كقولك: فعل ذلك فلان الفاسق، الفاسق الخبيث؛ لأن تكذيبهم بيوم الدين علم من قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ إلخ. والمعنى: أي شدة عذاب لمن يكذب بيوم الجزاء، سواء كان بجحد أخباره، أو بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات. ١٢ - ثم بيَّن أوصاف من يكذب بهذا اليوم فقال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾؛ أي: بيوم الدين والجزاء ﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾؛ أي: متجاوز عن حدود النظر والاعتبار؛ قال في "التقليد": حتى استقصر قدرة الله على الإعادة مع مشاهدته للبدء، كالوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث وأضرابهما. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإثم، منهمك في الشهوات الناقصة الفانية، بحيث شغلته عما وراءها من اللذات التامة الباقية، وحملته على إنكارها، فالاعتداء دل على إهمال القوة النظرية التي كمالها أن يعرف الإنسان وحدة الصانع، واتصافه بصفات الكمال مثل العلم والإرادة والقدرة ونحوها، والإثم دل على إهمال القوة العملية التي كمالها أن يعرف الإنسان الخير لأجل العلم به والمعنى (١): أي وما يكذب بهذا اليوم إلا من اعتدى على الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الجرائم؛ إذ يصعب عليه الإذعان بأخبار الآخرة؛ لأنه يأبى النظر في أدلتها، وتدبر البينات المرشدة إلى صدقها إلا أنه يعلل نفسه بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل.

стр. 14563

أما من كان ميالًا إلى العدل، واقفًا عند ما حد الله لعباده في شريعته، وسننه في نظام الكون، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما تميل إليه نفسه. ١٣ - ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿إذا﴾، والحسن: ﴿أئذا﴾ بهمزة الاستفهام التوبيخي، وقرأ الجمهور: ﴿تُتْلَى﴾ بتاء التأنيث، وأبو حيوة وابن مقسم وأبو السمال والأشهب العقيلي والسلمي بالياء التحتانية. ﴿عليه﴾؛ أي: على ذلك المعتدي ﴿آيَاتُنَا﴾ الناطقة بذلك ﴿قَالَ﴾ من فرط جهله وإعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هي حكايات الأولين وأخبارهم الباطلة، وأحاديثهم الكاذبة. قال في "فتح الرحمن": هي الحكايات التي سطرت قديمًا، وهي جمع أسطورة بالضم، وإسطارة بالكسر، وهي الحديث الذي لا نظام له. والمعنى: أي وإذا قرىء على هذا المعتدي الأثيم القرآن المنزل على محمد ﷺ .. أنكر كونه منزلًا من عند الله، وزعم أنه أخبار الأولين أخذها محمد من غيره من السابقين، ونحو الآية قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾. وقد يكون المعنى (٢): إنها أباطيل ألقيت على آبائهم الأولين فكذبوها، ولم تجز عليهم، فلسنا أول من يكذب بها حتى تزعموا أن تكذيبنا بها يعتبر عجلةً منا، فإنا إنما تأسينا في تكذيبنا بها بآبائنا الأولين الذين سبقونا. ١٤ - ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر للمعتدي الأثيم، يقول الزور ويزعم أن القرآن أساطير الأولين عن ذلك القول الباطل، وتكذيب له فيه، ويجوز أن تكون ردعًا عن مجموع التكذيب. ثم بيَّن السبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين، فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قرأ حفص (٣) عن عاصم: ﴿بَلْ﴾ بإظهار اللام مع

стр. 14564

سكتة عليها خفيفة بدون القطع، ويبتدىء ﴿رَانَ﴾، وقرأ الباقون: بإدغام اللام في الراء، ومنهم حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم يميلون فتحة الراء، قال بعض المفسرين (١): هرب حفص من اجتماع ثقل الراء المفخمة والإدغام. انتهى. ويرد عليه: ﴿قُل رَبِّ﴾ فإنه لا سكتة فيه، بل هو بإدغام أحد المتقاربين في الآخر، فالوجه: أنه إنما سكت حفص على لام ﴿بَلْ رَانَ﴾، وكذا على نون ﴿مَنْ رَاقِ﴾ خوف اشتباهه تثنية: البر، ومبالغة: مارق؛ حيث يصير: بران، ومراق، وقال الزمخشري: وقرىء بإدغام اللام في الراء، وبالإظهار والإدغام أجود، وأميلت الألف، وفخمت الراء. انتهى. قال أبو عبيدة (٢): ران على قلوبهم - غلب عليها -: رينًا وريونًا، وكل ما غلبك وعلاك فقد ران بك وران عليك. قال الفراء: إنه كثرت منهم المعاصي والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. قال الحسن: الرين: الذنب على الذنب، حتى يعمي القلب. وقال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين. والإقفال: أشد من الطبع. قال الزجاج: الرين: هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ موصولة، والعائد محذوف، ومحلها الرفع على الفاعلية. والمعنى (٣): ليس في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها هذه المقالات الباطلة، بل ركب قلوبهم وغلب عليهم ما كانوا يكسبون من الكفر والمعاصي حتى صارت كالصدأ في المرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال ﷺ : "إن العبد كلما أذنب ذنبًا .. حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه". والخلاصة (٤): أي ليس الأمر كما يقولون من أنه أساطير الأولين، بل الذي جرأهم على ذلك هو أفعالهم التي دربوا عليها واعتادوها، فصارت سببًا لحصول الرين على قلوبهم، فالتبست عليهم الأمور، ولم يدركوا الفرق بين الكذب الفاضح،

стр. 14565

والصدق الواضح، والدليل اللائح، ١٥ - وبعد أن بيَّن منزلة الفجار والمكذبين بيوم الدين .. دحض ما كانوا يقولون من أن لهم الكرامة والمنزلة الرفيعة يوم القيامة، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر عن الكسب الرائن؛ أي: الموقع في الرين ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن المكذبين، والجار في قوله: ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾، والظرف في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين، متعلقان بقوله: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يرونه؛ لأنهم بأكسابهم القبيحة صارت مرآة قلوبهم ذات صدأ، وسرت ظلمة الصدأ منها إلى قوالبهم، فلم يبق محل لنور التجلي، بخلاف المؤمنين، فإنهم يرونه تعالى؛ لأنهم بأكسابهم الحسنة صارت مراة قلوبهم مصقولة صافية، وسرى نور الصقالة والصفوة منها إلى قوالبهم، فصاروا مستعدين لانعكاس نور التجلي في قلوبهم وقوالبهم، وصاروا وجوهًا من جميع الجهات، بل أبصارًا بالكلية. والمعنى: أي ارتدعوا عما تقولون من أنكم يوم القيامة تكونون مقربين إلى الله، فإنكم ستطردون من رحمته، ولا تنالون رضاه، ولا تدركون ما زعمتم من القرب والزلفى عنده، كما قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾. سئل (١) مالك بن أنس ﵀ عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، لا بد أن يتجلى لأوليائه حتى يروه، يعني: احتج الإمام مالك بهذه الآية على مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الكل .. لم يبقَ للتخصيص فائدة، فالآية من جملة أدلة الرؤية. وقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فأعلم جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون، وقيل (٢): ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًا؛ أي: حقًا إنهم - يعني: الكفار - عن ربهم يوم القيامة محجوبون لا يرونه أبدًا، قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم. ١٦ - ثم ذكر ما يكون لهم فوق ذلك فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ مع كونهم محجوبين عن رؤية الله تعالى ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾؛ أي: داخلوا النار، ومباشروا حرها من غير حائل، أصله صالون، حذفت نونه للإضافة، و ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الرتبة، فإن صِلي الجحيم أشد
следующие страницы →