والخلاصة: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان المسمى بالسجين، فعيل من السجن، وهو الحبس والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، وهذا لا ينافي في كونه اسمًا لجبٍّ في جهنم، أو لأسفل سبع أرضين مكان أرواح الكفار؛ لجواز الاشتراك في الاسم.
٨ - ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾؛ أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، و ﴿مَا﴾ اسم (١) استفهام إنكاري مبتدأ، و ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره، و ﴿مَا سِجِّينٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿مَا﴾ استفهامية أيضًا، والجملة سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، والأول الكاف، والاستفهام الأول للإنكار، والثاني للتفخيم والتعظيم، والمعنى: ما أعلمك يا محمد عظمة سجين وفظاعته؛ أي: أنت لا تعلمه في الدنيا تفصيلًا، وإنما تعلمه في الآخرة، أو المراد: أنت لا تعلمه قبل نزول الوحي به عليك، وإنما علمته بالوحي. تأمل.
٩ - وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ تفسير (٢) وبيان للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ وليس تفسير السجين؛ أي: هو كتاب مرقوم؛ أي: مسطور بيِّن الكتابة، بحيث كل من نظر إليه يطلع على ما فيه بلا دقة نظر، وإمعان توجه، مكتوب فيه أعمالهم، مثبت عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازون به، أو معلم يعلم من راه أنه لا خير فيه لأهاليه؛ أي: ذلك الكتاب مشتمل على علامة دالة على شقاوة صاحبه، وكونه من أصحاب النار، وكونه علامة الشر يستفاد من المقام؛ لأنه مقام التهويل، وقيل: الرقم: الختم بلغة حمير.
وقال القفال: قوله ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾: ليس تفسير السجين، بل هو خبر ثانٍ لـ ﴿إِنَّ﴾، والمعنى: إن كتاب الفجار لفي سجين، وإنه كتاب مرقوم، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وقع معترضًا بين الخبرين.
وقصارى ما سلف (٣): إن للشر سجلًا وصحيفة دونت فيها أعمال الفجار، وهو كتاب مسطور بيَّن الكتابة، وهذا السجل يشتمل عليه السجل الكبير المسمى بسجين، كما تقول: إن كتاب حساب قرية كذا في السجل الفلاني المشتمل على
стр. 14562
حسابها وحساب غيرها من القرى، فلكل فاجر من الفجار صحيفة، وهذه الصحائف في السجل العظيم المسمى بسجين.
١٠ - وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ كلام متصل بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، وما بينهما اعتراض، والمعنى: ويل عظيم، وهلاك شديد يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين، وقال بعضهم: أي يوم إذ أعطى ذلك الكتاب واقع لمن وقع منه التكذيب بالبعث، وبما جاءت به الرسل.
١١ - ثم بيَّن سبحانه هؤلاء المكذبين، فقال: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ صفة ذم لـ ﴿المكذبين﴾، أو بدل منه كقولك: فعل ذلك فلان الفاسق، الفاسق الخبيث؛ لأن تكذيبهم بيوم الدين علم من قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ إلخ.
والمعنى: أي شدة عذاب لمن يكذب بيوم الجزاء، سواء كان بجحد أخباره، أو بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.
١٢ - ثم بيَّن أوصاف من يكذب بهذا اليوم فقال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾؛ أي: بيوم الدين والجزاء ﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾؛ أي: متجاوز عن حدود النظر والاعتبار؛ قال في "التقليد": حتى استقصر قدرة الله على الإعادة مع مشاهدته للبدء، كالوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث وأضرابهما. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإثم، منهمك في الشهوات الناقصة الفانية، بحيث شغلته عما وراءها من اللذات التامة الباقية، وحملته على إنكارها، فالاعتداء دل على إهمال القوة النظرية التي كمالها أن يعرف الإنسان وحدة الصانع، واتصافه بصفات الكمال مثل العلم والإرادة والقدرة ونحوها، والإثم دل على إهمال القوة العملية التي كمالها أن يعرف الإنسان الخير لأجل العلم به
والمعنى (١): أي وما يكذب بهذا اليوم إلا من اعتدى على الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الجرائم؛ إذ يصعب عليه الإذعان بأخبار الآخرة؛ لأنه يأبى النظر في أدلتها، وتدبر البينات المرشدة إلى صدقها إلا أنه يعلل نفسه بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل.
стр. 14563
أما من كان ميالًا إلى العدل، واقفًا عند ما حد الله لعباده في شريعته، وسننه في نظام الكون، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما تميل إليه نفسه.
١٣ - ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ قرأ الجمهور (١): ﴿إذا﴾، والحسن: ﴿أئذا﴾ بهمزة الاستفهام التوبيخي، وقرأ الجمهور: ﴿تُتْلَى﴾ بتاء التأنيث، وأبو حيوة وابن مقسم وأبو السمال والأشهب العقيلي والسلمي بالياء التحتانية. ﴿عليه﴾؛ أي: على ذلك المعتدي ﴿آيَاتُنَا﴾ الناطقة بذلك ﴿قَالَ﴾ من فرط جهله وإعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هي حكايات الأولين وأخبارهم الباطلة، وأحاديثهم الكاذبة. قال في "فتح الرحمن": هي الحكايات التي سطرت قديمًا، وهي جمع أسطورة بالضم، وإسطارة بالكسر، وهي الحديث الذي لا نظام له.
والمعنى: أي وإذا قرىء على هذا المعتدي الأثيم القرآن المنزل على محمد ﷺ .. أنكر كونه منزلًا من عند الله، وزعم أنه أخبار الأولين أخذها محمد من غيره من السابقين، ونحو الآية قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.
وقد يكون المعنى (٢): إنها أباطيل ألقيت على آبائهم الأولين فكذبوها، ولم تجز عليهم، فلسنا أول من يكذب بها حتى تزعموا أن تكذيبنا بها يعتبر عجلةً منا، فإنا إنما تأسينا في تكذيبنا بها بآبائنا الأولين الذين سبقونا.
١٤ - ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر للمعتدي الأثيم، يقول الزور ويزعم أن القرآن أساطير الأولين عن ذلك القول الباطل، وتكذيب له فيه، ويجوز أن تكون ردعًا عن مجموع التكذيب.
ثم بيَّن السبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين، فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قرأ حفص (٣) عن عاصم: ﴿بَلْ﴾ بإظهار اللام مع
стр. 14564
سكتة عليها خفيفة بدون القطع، ويبتدىء ﴿رَانَ﴾، وقرأ الباقون: بإدغام اللام في الراء، ومنهم حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم يميلون فتحة الراء، قال بعض المفسرين (١): هرب حفص من اجتماع ثقل الراء المفخمة والإدغام. انتهى.
ويرد عليه: ﴿قُل رَبِّ﴾ فإنه لا سكتة فيه، بل هو بإدغام أحد المتقاربين في الآخر، فالوجه: أنه إنما سكت حفص على لام ﴿بَلْ رَانَ﴾، وكذا على نون ﴿مَنْ رَاقِ﴾ خوف اشتباهه تثنية: البر، ومبالغة: مارق؛ حيث يصير: بران، ومراق، وقال الزمخشري: وقرىء بإدغام اللام في الراء، وبالإظهار والإدغام أجود، وأميلت الألف، وفخمت الراء. انتهى.
قال أبو عبيدة (٢): ران على قلوبهم - غلب عليها -: رينًا وريونًا، وكل ما غلبك وعلاك فقد ران بك وران عليك. قال الفراء: إنه كثرت منهم المعاصي والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. قال الحسن: الرين: الذنب على الذنب، حتى يعمي القلب. وقال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين. والإقفال: أشد من الطبع. قال الزجاج: الرين: هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ موصولة، والعائد محذوف، ومحلها الرفع على الفاعلية.
والمعنى (٣): ليس في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها هذه المقالات الباطلة، بل ركب قلوبهم وغلب عليهم ما كانوا يكسبون من الكفر والمعاصي حتى صارت كالصدأ في المرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق، كما قال ﷺ : "إن العبد كلما أذنب ذنبًا .. حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه".
والخلاصة (٤): أي ليس الأمر كما يقولون من أنه أساطير الأولين، بل الذي جرأهم على ذلك هو أفعالهم التي دربوا عليها واعتادوها، فصارت سببًا لحصول الرين على قلوبهم، فالتبست عليهم الأمور، ولم يدركوا الفرق بين الكذب الفاضح،
стр. 14565
والصدق الواضح، والدليل اللائح،
١٥ - وبعد أن بيَّن منزلة الفجار والمكذبين بيوم الدين .. دحض ما كانوا يقولون من أن لهم الكرامة والمنزلة الرفيعة يوم القيامة، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر عن الكسب الرائن؛ أي: الموقع في الرين ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن المكذبين، والجار في قوله: ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾، والظرف في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين، متعلقان بقوله: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يرونه؛ لأنهم بأكسابهم القبيحة صارت مرآة قلوبهم ذات صدأ، وسرت ظلمة الصدأ منها إلى قوالبهم، فلم يبق محل لنور التجلي، بخلاف المؤمنين، فإنهم يرونه تعالى؛ لأنهم بأكسابهم الحسنة صارت مراة قلوبهم مصقولة صافية، وسرى نور الصقالة والصفوة منها إلى قوالبهم، فصاروا مستعدين لانعكاس نور التجلي في قلوبهم وقوالبهم، وصاروا وجوهًا من جميع الجهات، بل أبصارًا بالكلية.
والمعنى: أي ارتدعوا عما تقولون من أنكم يوم القيامة تكونون مقربين إلى الله، فإنكم ستطردون من رحمته، ولا تنالون رضاه، ولا تدركون ما زعمتم من القرب والزلفى عنده، كما قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾.
سئل (١) مالك بن أنس ﵀ عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، لا بد أن يتجلى لأوليائه حتى يروه، يعني: احتج الإمام مالك بهذه الآية على مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الكل .. لم يبقَ للتخصيص فائدة، فالآية من جملة أدلة الرؤية. وقال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فأعلم جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون، وقيل (٢): ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًا؛ أي: حقًا إنهم - يعني: الكفار - عن ربهم يوم القيامة محجوبون لا يرونه أبدًا، قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
١٦ - ثم ذكر ما يكون لهم فوق ذلك فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ مع كونهم محجوبين عن رؤية الله تعالى ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾؛ أي: داخلوا النار، ومباشروا حرها من غير حائل، أصله صالون، حذفت نونه للإضافة، و ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الرتبة، فإن صِلي الجحيم أشد
стр. 14566
من الحجاب والإهانة والحرمان من الرحمة والكرامة، فإن الحجاب، وإن كان من قبيل العذاب الروحاني، وهو أشد من العذاب الجسماني، لكن مجرد النجاة من النار أهون من العذاب؛ لأن في العذاب الحسي حصول العذابين لما لا يخفى.
والمعنى: أي وبعد أن يحجبوا في عرصات القيامة عن الدنو من ربهم، وإدراك أمانيهم التي كانوا يتمنونا، يقذف بهم في النار، ويصلون سعيرها، ويقاسون حرها.
١٧ - ثم أرشد إلى أنهم حينئذٍ يبكَّتون ويوبخون فوق ما بهم من الآلام، فقال: ﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ لهم توبيخًا وتقريعًا من جهة الزبانية، وإنما طوى ذكرهم؛ لأن المقصود ذكر القول لا القائل، مع أن فيه تعميمًا لاحتمال القائل، وبه يشتد الخوف؛ أي: تقول لهم خزنة جهنم توبيخًا لم: ﴿هَذَا﴾ العذاب، وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فانظروه وذوقوه، وتقديمه لرعاية الفاصل لا للحصر، فإنهم كانوا يكذبون أحكامًا كثيرة.
والمعنى (١): أي هذا الذي عوقبتم به هو جزاء ما كنتم تكذبون به من أخبار الرسول الصادق، كزعمكم أنكم لن تبعثوا، وأن القرآن أساطير الأولين، وأن محمدًا ساحر أو كذاب، إلى نحو ذلك من مقالاتكم، والآن قد تبين لكم حقيقة أمركم، وعاينتم بانفسكم أن ما كان يقوله نبيكم هو الحق الذي لا شك فيه، وما أشد على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر - وهو يتألم - بأن وسائل نجاته. من مصابه كانت في متناول يديه، وقد أهملها وألقى بها وراءه ظهريًّا.
١٨ - وقوله ﴿كَلَّا﴾ ردع عما كانوا عليه بعد ردع، وزجر بعد زجر، والتكرير للتأكيد، وجملة قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: إن الأعمال المكتوبة للأبرار على أن ﴿الكتابَ﴾ مصدر مضاف إلى مقدر. ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ جملة مستأنفة لبيان ما تمضنته ﴿كَلَّا﴾ ويجوز أن تكون ﴿كَلَّا﴾ بمعنى: حقًا، والأبرار هم المطيعون، وكتابهم صحائف حسناتهم؛ أي (٢): إن كتاب أعمال الأبرار لفي عليين؛ أي: لفي ديوان جامع لجميع أعمال الأبرار، فـ ﴿عِلِّيِّينَ﴾ علم لديوان الخير الذي دون فيه ما عملته
стр. 14567
الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع عِلي فِعِّيلٌ، من العلو؛ للمبالغة فيه، سمي بذلك؛ إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريمًا له وتعظيمًا.
وروى: أن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا إلى ما شاء الله من سلطانه .. أوحى إليهم؛ إنكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص عمله، فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد، فيزكونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله. أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، لانه لم يخلص في عمله، فاجعلوه في السجين. وفيه إشارة إلى أن الحفظة لا يطلعون على الإخلاص والرياء إلا بإطلاع الله تعالى.
ومعنى الآية (١): أي ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث، ومن أن كتاب الله أساطير الأولين، فإن كتاب أعمال الأبرار مودع في أعلى الأمكنة، بحيث يشهده المقربون من الملائكة تشريفًا لهم، وتعظيمًا لشأنهم، كما أن الغرض من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين إذلالهم وتحقير شأنهم، وبيان أنه لا يؤبه بهم، ولا يعني بأمرهم.
١٩ - ثم عظم شأن ﴿عِلِّيِّينَ﴾، وفخم أمره، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾؛ أي: وما أعلمك يا محمد أيُّ شيء عليون على جهة التفحيم والتعظيم لعليين؛ أي: هو خارج عن دائرة دراية الخلق،
٢٠ - ثم فسره وبين المراد منه، فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)﴾؛ أي: هو (٢) كتاب مسطور بيِّن الكتابة، يقرأ بلا تكلف، أو معلم بعلامة تدل على سعادة صاحبه، وفوزه بنعيم دائم، وملك لا يبلى.
ولما كان عليون علمًا منقولًا من الجمع .. حكم عليه بالمفرد، وهو كتاب مرقوم، وأعرب بإعراب الجمع؛ حيث جر أولًا بـ ﴿في﴾، ورفع بالخبرية لما الاستفهامية؛ لكونه في صورة الجمع، وقيل: اسم مفرد على لفظ الجع كعشرين وأمثاله، فليس له واحد من لفظه،
٢١ - وجملة: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ صفة ثانية لـ ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: يحضر ذلك الكتاب المرقوم الملائكة المقربون عند الله سبحانه،
стр. 14568
قرب المكانة والكرامة، ويحفظونه من الضياع، وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وقال وهب وابن إسحاق (١): المقربون هنا: إسرافيل، فإذا عمل المؤمن عمل البر .. صعدت الملائكة بالصحيفة، ولها نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض، حتى تنتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها. قال في "فتح الرحمن": هم سبعة أملاك من مقربي السماء، من كل سماء ملك مقرب، فيحضر ذلك الكتاب المرقوم، ويشيعه حتى يصعد به إلى حيث شاء الله تعالى، ويكون هذا في كل يوم. وبهذا (٢) تبين سر ترك الظاهر بأن يقال: طوبى يومئذ للمصدقين، في مقابلة: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾؛ لأن الإخبار بحضور الملائكة تعظيمًا وإجلالًا يفيد ذلك مع زيادة، فختم كل واحد بما يصلح سواه مكانه.
والمعنى (٣): أي أن كتابهم في هذا السجل الكبير الذي يشهده المقربون من الملائكة، فكما وكل سبحانه أمر اللوح المحفوظ إليهم .. وكل إليهم حفظ كتاب الأبرار، وقد يكون المراد أنهم ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب.
٢٢ - وبعد أن بين منزلة كتاب الأبرار .. أي: يفصل حال الأبرار، فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾؛ أي: إن السعداء الأتقياء عن درن صفات النفوس ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾؛ أي: لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره،
٢٣ - ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة:
أولها: قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾؛ أي: على الأسرة في الحجال، ولا يكاد تطلق الأريكة على السرير عندهم إلا عند كونه في الحجلة: وهو - بالتحريك - بيت العروس، يزين بالثياب والأسرَّة والستور، والجار والمجرور في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿إنَ﴾، وأن يكون حالًا من المنوي في الخبر، أو من فاعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾، والتقديم حينئذٍ لرعاية فواصل الآي، وجملة قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يجوز (٤) أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالًا، إما من المنوي في الخبر، أو في الظرف؛ أي: ناظرين، وحذف مفعول ﴿يَنْظُرُونَ﴾ للتعميم؛ أي: ينظرون ما شاؤوا مد أعينهم إليه من رغائب مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم من النعمة والكرامة، وكذا إلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك
стр. 14569
للطافتها وشفوفها؛ أي: رقتها؛ وقيل: ينظرون إلى وجه الله سبحانه، قال ابن عطاء الله رحمه الله تعالى: على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف، وعلى أرائك القربة، ينظرون إلى الرؤوف الرحيم.
والمعنى (١): أي إن البررة المطيعين لربهم الذين يؤمنون بالبعث والحساب، ويصدقون بما جاء على لسان رسوله ﷺ لفي لذة، وخفض عيش، وراحة بال، واطمئنان نفس، وعلى الأسِرَّة في حجالها ينظرون إلى أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين، والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة، والمراكب الفارهة إلى نحو ذلك.
٢٤ - وثانيها: أنه بيَّن أثر هذا النعيم على أهل الجنة فقال: ﴿تَعْرِفُ﴾ أيها المخاطب، أو يا محمد ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾؛ أي: في وجوه أولئك الأبرار ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾؛ أي: بهجة التنعم، وماءه، وروقه، وهو ثاني الأوصاف الثلاثة المذكورة سابقًا؛ أي: إنك إذا رأيتهم ونظرت إليهم .. عرفت أنهم أهل النعمة، لما ترى في وجوههم من القرائن الدالة على ذلك؛ كالضحك والاستبشار، كما يرى في الدنيا في وجوه الأغنياء، وأهل الترفه، فمن (٢) هذا اختير: ﴿تَعْرِفُ﴾ على ترى، مع أن المعرفة تتعلق بالخفيات غالبًا، والرؤية بالجليات غالبًا، والخطاب في ﴿تَعْرِفُ﴾ لكل أحد ممن له حظ من الخطاب؛ للإيذان بأن لهم من آثار النعمة، وأحكام البهجة بحيث لا يختص برؤية راء دون راء. قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: يعني: لذة النظر تتلألأ مثل الشمس في وجوههم إذا رجعوا من زيارة الله إلى أوطانهم، وقال بعضهم: تعرف في وجوههم رضي محبوبهم عنهم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿تَعْرِفُ﴾ بفتح الفوقية وكسر الراء خطابًا للرسول الله ﷺ ، أو لأي ناظر، ونصب ﴿نضرة﴾ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، ويعقوب وشيبة وطلحة وابن إسحاق والزعفراني بضم الفوقية، وفتح الراء مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿نضرةُ﴾ على النيابة، وقرأ زيد بن علي كذلك إلا أنه قرأ: ﴿يعرف﴾ بالياء التحتانية إذ تأنيث ﴿نضرة﴾ مجازي.
стр. 14570
٢٥ - ثم ذكر ثالث الأوصاف، فقال: ﴿يُسْقَوْنَ﴾؛ أي: يسقى الأبرار في الجنة ﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾؛ أي: من شراب خالص لا غش فيه، ولا ما يكرهه الطبع، ولا شيء يفسده، وأيضًا صافٍ من كدورة الخمار، وتغيير النكهة، وإيراث الصداع؛ أي: يسقون خمرًا لا غش فيها، ولا يصيب شاربها خمار، ولا يناله منها أذى، كما قال: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ وسقى: يتعدى إلى مفعولين، والأول هنا ﴿الواو﴾ القائم مقام الفاعل، والثاني ﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾؛ لأن ﴿من﴾ تبعيضية، كأنه قيل: بعض رحيق، أو مقدر معلوم؛ أي: شرابًا كائنًا من رحيق مبتدأ منه، فـ ﴿من﴾ ابتدائية، و ﴿الرحيق﴾: صافي الشراب وخالصها ﴿مَخْتُومٍ﴾ إناؤه ومغطى رأسه؛ لئلا يدخله القذى بغطاء بيته
٢٦ - بقوله: ﴿خِتَامُهُ﴾، أي: ختام ذلك الشراب، وغطاؤه، أي: ما يختم ويطبع به ويغطى ﴿مِسْكٌ﴾ وهو طيب معروف؛ أي: مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته، وطيب رائحته. قال في "كشف الأسرار": ما ختم به مسك رطب ينطبع فيه الخاتم، أمر الله بالختم عليه إكرامًا لأصحابه، فختم ومنع أن يمسه قياس، أو تتناوله يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، والأظهر: أنه تمثيل لكمال نفاسته، كما مر آنفًا؛ إذ الشيء النفيس يختم لا سيما إذا كان ما يختم به المسك بدل الطين. وقيل: ختام الشيء آخره وخاتمته، فمعنى ختامه مسك: أن الشارب إذا رفع فاه من آخر شربه .. وجد رائحة كرائحة المسك، أو وجد رائحة المسك؛ لكونه ممزوجًا به كالأشربة الممسكة في الدنيا، فإنه يوجد فيها رائحة المسك عند خاتمة الشرب، لا في أول زمان الملابسة بالشرب. وعن أبي الدرداء ﵁: أن الرحيق شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به آخر شربهم، ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها .. لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه. انتهى. وهذا النوع من الخمر غير النوع الآخر الذي يجري في الأنهار الذي أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿خِتَامُهُ﴾؛ أي: خلطه ومزاجه، قاله محبد الله وعلقمة، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن: معناه: ختامه؛ أي: رائحته عند خاتمة الشراب رائحة المسك، وقرأ علي والنخعي والضحاك وزيد بن علي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والكسائي: ﴿خاتمه﴾ بعد الخاء ألف وفتح التاء، وهذه بينة المعنى أنه يراد الطبع على الرحيق، وعن الضحاك وعيسى وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي:
стр. 14571
كسر التاء؛ أي؛ آخره، مثل قوله: ﴿وخاتم النبيين﴾، وفيه حذف؛ أي: خاتم رائحته المسك، أو خاتمه الذي يختم به ويطبع، والخاتم والختام يتقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر، كذا قاله الفراء. قال في "الصحاح": والختام الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد. قال الفرزدق:
وَبِتْنَ بِجَانِبَيَّ صُرَّعَاتٍ ... وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَافَ الْخِتَامَهْ
ثم رغب في العمل لذلك النعيم، فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ الرحيق خاصة دون غيره من النعيم المكدر السريع الفناء، أو فيما ذكر من أحوالهم لا في أحوال غيرهم من أهل الشمال ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾؛ أي: فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى، وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى: إلى؛ أي: وإلى ذلك فليتسابق المتسابقون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
والأمر فيه للتحضيض والترغيب ظاهر (١)، وللوجوب باطنًا بوجوب الإيمان والطاعة، وأصل التنافس: التغالب والتنازع في الشيء النفيس؛ أي: المرغوب، كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به، وأصله من النفس لعزتها، وقال البغوي: أصله من الشيء النفيس الذي يحرص عليه نفوس الناس، ويريده كل أحد لنفسه، وينفس به على غيره؛ أي: يبخل. وفي "المفردات": المنافسة: مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره. قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: علامة التنافس تعلق القلب به، وطيران الضمير إليه، والحركة عند ذكره، والتباعد من الناس، والإنس بالوحدة، والبكاء على ما سلف، وحلاوة سماع الذكر، والتدبر في كلام الرحمن، وتلقي النعم بالفرح والشكر، والتعرض للمناجاة.
٢٧ - وقوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ معطوف على ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ على أنه صفة أخرى لـ ﴿رَحِيقٍ﴾ مثله، وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته؛ أي (٢): ما يمزج ويخلط به ذلك الرحيق من ماء تسنيم: وهو اسم علم لعين بعينها تجري من جنة عدن، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه: إذا رفعه؛ إما لأنها أرفع شراب في الجنة
стр. 14572
قدرًا، فيكون من علو المكان، وإما لأنها تأتيهم من فوق، فيكون من علو المكانة؛ أي: ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علو، وهو أشرف شراب الجنة، وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو إلى سفل. ومنه: سنام البعير، لعلوه من بدنه، ومنه: تسنيم القبور، روي: أنها تجري في الهواء متسنمة، فتنصب في أوانيهم، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض، فلا يحتاجون إلى الاستقاء،
٢٨ - ثم بين هذا التسنيم فقال: ﴿عَيْنًا﴾، وانتصابه على المدح، وقال الزجاج (١): على الحال، وإنما جاز أن تكون ﴿عَيْنًا﴾ حالًا مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ من جناب الله قربًا معنويًا روحانيًا، والباء في ﴿بِهَا﴾؛ إما زائدة؛ أي: يشربها، أو بمعنى: من؛ أي: يشرب منها، قال ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش، قيل: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج بها كأس أهل اليمين.
والمعنى (٢): أمدح عينًا يشرب منها الأبرار الرحيق مزاجًا إذا أرادوا، ويشرب منها المقربون صرفًا، وقد اعتاد أهل الدنيا إذا شربوا الخمر أن يمزجوها بالماء ونحوه، فبيَّين لهم أنهم في الآخرة يشربون رحيقًا قد وصف بما يجعل النفوس تتشوق إليه، وأنهم يمزجونه بماء تجيئهم به العين العالية القدر إذا شاؤوا أن يمزجوه.
٢٩ - ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: إن الذين كانوا ذوي جرم وذنب، ولا ذنب أكبر من الكفر وأذى المؤمنين لإيمانهم، فالمراد بهم: رؤساء قريش، وأكابر المجرمين المشركين، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأضرابهم ﴿كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانًا صادقًا ﴿يَضْحَكُونَ﴾؛ أي: يستهزئون بفقرائهم، كعمار وصهيب وبلال وخباب وغيرهم، وتقديم (٣) الجار والمجرور لمراعاة الفواصل؛ أي: إن (٤) المعتدين الأئمة الذين ضربت نفوسهم على الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، كانوا في الدنيا يضحكون من الذين امنوا، ذاك أنه حين رحم الله تعالى العالم ببعثة
стр. 14573
محمد ﷺ .. كان كفار القوم وعرفاؤهم على الرأي الدهماء من عبادة الأوثان والأصنام، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرفع بها إلا صوته ﷺ ، ثم يهمس بها بعض من يلبي دعوته من الضعفاء، فيسر بها إلى من يرجو الخير فيه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.
ومن شأن القوي المعتز بقوته وكثرة ماله وعزة نفره، أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرف، كما كان ذلك شأن جماعة من قريش، كأبي جهل وشيعته، وأمثالهم كثيرون في كل زمان ومكان، متى عمت البدع، وخفي طريق الحق، وتحكمت الشهوات، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، وإذا صار الناس إلى هذه الحال ضعف صوت الحق، وازدرى السامعون منه بالداعي إليه.
٣٠ - وقد روي أن صناديد قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وأضرابهم، كانوا يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه، ويستهزئون بهم، ويحرضون عليهم سفهاءهم وغلمانهم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ روي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه جاء في نفر من المسلمين، فرآه بعض هؤلاء الكفار، فسخروا منه، وممن معه، وضحكوا منهم وتغامزوا بهم، ثم رجعوا إلى بقية شيعتهم من أهل الشرك، فحدثوهم بما صنعوا به وبأصحابه، فنزل قبل وصول علي إلى رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا﴾؛ أي: فقراء المؤمنين ﴿بِهِمْ﴾؛ أي: المشركين، وهم في أنديتهم، وهو الأظهر، وإن جاز العكس أيضًا. يقال: مرَّ مرًا ومرورًا: إذا جاز وذهب، كاستمر ومره ومر به: جاز عليه، كما في "القاموس": ويعدى بالباء وعلي ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾؛ أي: يغمز بعضهم بعضًا، ويشيرون بأعينهم، ويعيبونهم، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم، ويتركون اللذات، ويتحملون المشقات لما يرجونه في الآخرة من المثوبات، وأمر البعث والجزاء لا يقين به، وإنه بعيد كل البعد، والتغامز: تفاعل من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب، ويكون بمعنى العيب أيضًا.
٣١ - ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾؛ أي: وإذا انقلب الكفار ورجعوا من مجالسهم ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ﴾؛ أي: إلى أهل بيتهم وأصحابهم الجهلة الضالة التابعة لهم، والانقلاب: الانصراف
стр. 14574
والتحول والرجوع. ﴿انْقَلَبُوا﴾ ورجعوا حال كونهم ﴿فَكِهِينَ﴾؛ أي: فرحين متلذذين بذكرهم بالسوء، والسخرية منهم، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا لا يفعلون ذلك بمرأى من المارين، ويكتفون حينئذٍ بالتغامز.
والمعنى (١): أي وإذا رجعوا إلى ذوي قرابتهم، وبني جلدتهم، وأشياعهم من أهل الشرك والضلالة .. رجعوا معجبين بما فعلوا من العيب على أهل الإيمان، ورميهم بالسخف وقلة العقل، ويقولون: عجبًا لهم إذ يقولون لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجوا بالطلب إلا إليه، فأين الأولياء والشفعاء، فكم ضروا وكم نفعوا إلى نحو ذلك مما يتندرون به، ويعدونه فكاهة، ويتلذذون بحكايته.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فاكهين﴾ بالألف؛ أي: أصحاب فاكهة ومزح ولسرور باستخفافهم بأهل الإيمان. وقرأ أبو رجاء والحسن وعكرمة وأبو جعفر وحفص وابن القعقاع والأعرج والسلمي: ﴿فَكِهِينَ﴾ بغير ألف. قال الفراء: هما لغتان، مثل: طمع وطامع، وحذر وحاذر، وقد تقدم في سورة الدخان، أن الفكه: الأشر البطر، والفاكه: الناعم المتنعم.
٣٢ - ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾؛ أي: وإذا رأى المشركون المسلمين أينما كانوا، فالضمير المرفوع عائد على المجرمين ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المجرمون مشيرين إلى المؤمنين بالتحقير: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ المسلمين ﴿لَضَالُّونَ﴾ في اتباعهم محمدًا ﷺ ، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر، ويجوز أن يكون المعنى: وإذا رأى المؤمنون المشركين .. قالوا هذا القول، والأول أولى.
نسبوا (٣) المسلمين ممن رأوهم، ومن غيرهم إلى الضلال بطريق التأكيد، وقالوا: تركوا دين آبائهم القديم، ودخلوا في الدين الحادث، أو قالوا: تركوا التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدرى هل له وجود أم لا.
والمعنى (٤): وإذا رأى الكفار المؤمنين، قالوا: إن هؤلاء لضالون؛ إذ نبذوا ما عليه الكافة، وذهبوا يعيبون العقائد الموروثة، والمناسك التي نقلها الخلف عن السلف كابرًا عن كابر، وجيلًا بعد جيل،
٣٣ - فرد سبحانه على هؤلاء الكفار، فقال:
стр. 14575
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾، والجملة (١) حال من واو قالوا؛ أي: قالوا ذلك، والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، يحفظون عليهم أمورهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، وإنما أمروا بإصلاح أنفسهم، وأي نفع لهم في تتبع أحوال غيرهم، وهذا تهكم بهم، وإشعار بأن ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته تعالى. وقد جوِّز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين، كأنهم قالوا: إن هؤلاء لضالون، وما أرسلوا علينا حافظين إنكارًا لصدهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام، وإنما قيل نقلًا له بالمعنى.
والمعنى (٢): أي إن الله تعالى لم يرسل الكفار رقباء على المؤمنين، ولم يؤتهم سلطة محاسبتم على أفعالهم، وتعريف باطلها من صحيحها، فلا يسوغ لهم أن يعيبوا عليهم ما يعتقدونه ضلالًا بعقولهم الفاسدة، وإنما كلفهم أن ينظروا شؤون أنفسهم فيعدلوا منها ما اعوج، فإذا فعلوا ذلك .. قاموا بما يجب عليهم في هذه الحياة.
٣٤ - ثم شرع يذكر معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة تسلية لهم على ما ينالهم منهم من أذى، وتقويةً لقلوبهم، وشدًا لعزائمهم على التذرع بالصبر، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ المراد بـ ﴿اليوم﴾: اليوم الآخر ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: المعهودون من الفقراء ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ المعهودين؛ أي: المستهزئين لهم، وهو الأظهر، وإن أمكن التعميم من الجانبين ﴿يَضْحَكُونَ﴾.
والمعنى: أن المؤمنين في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، وغشيهم فنون الهوان والصغار بعد العز والكبر، ورهقهم ألوان العذاب بعد التنعم والترفه، يضحك الكفار منهم في الدنيا. قال (٣) بعض المفسرين: لعل الفاء في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ فاء الإفصاح، واقعة في جواب شرط مقدر؛ كأنه قيل: إذا عرفتم ما ذكر، وأردتم بيان حال المؤمنين مع الكفار في ذلك اليوم .. فأقول لكم: إن في ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار جزاءً وفاقًا، فاللام في ﴿اليوم﴾: لام العهد، وهو يوم القيامة، والظرف متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾، و ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ،
стр. 14576
﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أيضًا، وحرام على الوهم أن يتوهم كونه بيانًا للموصول نظرًا إلى ظاهر الاتصال من غير تفكر في المعنى، وجملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبر المبتدأ، وهو ناصب ﴿اليوم﴾، كما قلنا آنفًا؛ لصحة المعنى حينئذٍ.
٣٥ - وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ والأسرة متعلق بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أو حال من فاعله، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حال من فاعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾؛ أي: يضحكون منهم حال كونهم ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الحال الفظيع، والعذاب الأليم حال كونهم مستقرين على الأرائك في منازلهم من الجنة.
والحاصل (١): أن المؤمنين في يوم الدين يضحكون من الكفار ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به، وينكشف لهم ما كانوا يرجون من إكرام الله لهم، وخذلان أعدائهم، فضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم عاقبة سفه عقولهم، وفساد أقوالهم حال كونهم ينظرون على الأرائك إلى ما صنع الله بأعدائهم، وتنكيله بمن كانوا يفخرون عليهم، ويهزؤون بهم.
قال الواحدي: قال المفسرون: إن أهل (٢) الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله، وهم يعذبون في النار، فضحكوا منهم، كما ضحكوا منهم في الدنيا. وقال أبو صالح: يقال لأهل النار: اخرجوا، ويفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت .. أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها .. غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾.
٣٦ - وقوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ كلام (٣) مستأنف من قبل الله، أو من قبل الملائكة، والاستفهام للتقرير، وجوابه: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. وثوب بمعنى: يثوب، عبر عنه بالماضي لتحققه، والتثويب والإثابة: المجازاة، استعمل في المكافأة بالشر. قال الراغب: الإثابة تستعمل في المحبوب نحو: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾، وقد قيل ذلك في المكروه، نحو: ﴿فَأَثَابَكُمْ
стр. 14577
غَمًّا بِغَمٍّ﴾ على الاستعارة والتثويب في القرآن لم يجيء إلا في المكروه نحو: ﴿هَلْ ثُوِّبَ ...﴾ إلخ. انتهى. وفي "القاموس":التثويب: التعويض. انتهى. والمراد بـ ﴿مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: استهزاؤهم بالمؤمنين، وضحكهم منهم، وهو صريح في أن ضحك المؤمنين منهم في الآخرة إنما هي جزاء لضحك الكافرين منهم في الدنيا.
والمعنى: يقول الله سبحانه، أو تقول الملائكة: هل ثوب؛ أي: قد ثوب الكفار، وجوزوا على ما كانوا يفعلون بالمؤمنين من استهزائهم، والضحك منهم، وهذا على سبيل التهكم، كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا للكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم، واستهزاؤهم بشريعتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة، فيكون هذا زائدًا على سرورهم، كذا في "المراح"، وعبارة القرطبي هنا: ومعنى ﴿ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾؛ أي: هل جوزوا على سخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فعل بهم ذلك، فالجواب: نعم.
وفيه تسلية للمؤمنين (١) بأنه ينقلب الحال، ويكون الكفار مضحوكًا منهم، وتعظيم لهم، فإن إهانة الأعداء تعظيم للأولياء، والله ينتقم لأوليائه من أعدائهم، فإنه يغضب لأوليائه كما يغضب الليث الجريء لجروه. وعلم منه أن الضحك والاستهزاء والسخرية والغمز من الكبائر، فالخائض فيها من المجرمين الملحقين بالمشركين، نسأل الله سبحانه السلامة من غضبه وسخطه، وقيل: الجملة في محل نصب بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ معلقًا عنها بالاستفهام بعد إسقاط حرف الجر الذي هو: إلى.
والمعنى: أنهم ينظرون ليتحققوا هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون بهم في الدنيا، وقيل: منصوبه بقول وقع حالًا من فاعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: على الأرائك ينظرون حال كونهم قائلين: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾؛ أي: يقول المؤمنون ذلك بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ بإظهار لام ﴿هَلْ﴾، وقرأ النحويان: أبو عمر والكسائي حمزة وابن محيصن بإدغامها في الثاء المثلثة، وفي قوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ ..
стр. 14578
حذف، تقديره: جزاء أو عقاب ما كانوا يفعلون، وإنما سمي الجزاء على العمل ثوابًا؛ لأنه يرجع إلى صاحبه نظير ما عمله من خير أو شر.
الإعراب
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿اكْتَالُوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل جر بالإضافة ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿اكْتَالُوا﴾، و ﴿عَلَى﴾: بمعنى: من؛ أي: إذا قبضوا من الناس لأنفسهم، وجملة ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ الشرطية صلة الموصول ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذَا﴾: ظرف مضمن معنى الشرط، ﴿كالوا﴾: فعل وفاعل، و ﴿هم﴾ ضمير متصل منصوب بنزع الخافض، والأصل: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، وحذف الجار، وأوصل الفعل، فصار كالوهم، ومفعول ﴿كالوا﴾ محذوف تقديره: كالوا لهم الطعام، أو وزنوا لهم النقود، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾: معطوف على ﴿كَالُوهُمْ﴾ مماثل له في إعرابه، وجملة ﴿يُخْسِرُونَ﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى. ﴿إذا﴾ الأولى ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، و ﴿لا﴾: نافية ﴿يَظُنُّ﴾: فعل مضارع، وظن هنا بمعنى اليقين ﴿أُولَئِكَ﴾: فاعل، والإشارة لـ ﴿المطففين﴾؛ أي: لا يوقن أولئك ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والميزان ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظن﴾ ﴿لِيَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، واللام في بمعنى في الظرفية، ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يومٍ﴾، و ﴿يَوْمَ﴾، بدل من ﴿لِيَوْمٍ﴾ بدل كل من كل، تابع له على المحل، ومحله النصب بـ ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، أو بمقدر مثله؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، وبني على الفتح لإضافته إلى الفعل، ﴿يَقُومُ النَّاسُ﴾: فعل
стр. 14579
وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، ولكنه على حذف مضاف، أي: لمحاسبة رب العالمين.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.
﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر. ﴿إِنَّ كِتَابَ﴾: ناصب واسمه ﴿الْفُجَّارِ﴾: مضاف إليه ﴿لَفِي﴾: اللام حرف ابتداء ﴿في سجين﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿وما﴾: ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿مَا﴾: اسم استفهام للإنكار في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾: خبره، والجملة الاسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الخبرين لـ ﴿إنَّ﴾ كما مر عن القفال، ﴿أدرى﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على: ﴿مَا﴾ الاستفهامية، والكاف في محل النصب مفعول أول ﴿لأدرى﴾، ﴿مَا﴾: اسم استفهام للتفخيم والتعظيم في محل الرفع مبتدأ: ﴿سِجِّينٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، ﴿كِتَابٌ﴾: خبر ثانٍ لـ ﴿إنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّار﴾، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو كتاب مرقوم، و ﴿مَرْقُومٌ﴾: صفة ﴿كِتَابٌ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأ كما تقدم، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف أضيف إلى مثله متعلق بـ ﴿وَيْلٌ﴾؛ لأنه مصدر بمعنى: هلاك ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: خبر ﴿وَيْلٌ﴾، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿المكذبين﴾، وجملة ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُونَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿مَا﴾: نافية ﴿يُكَذِّبُ﴾: فعل مضارع ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾: فاعل ﴿يُكَذِّبُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿كُلُّ﴾: مضاف ﴿مُعْتَدٍ﴾: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص أعل كقاض ﴿أَثِيمٍ﴾: صفة ﴿مُعْتَدٍ﴾، وسبق لك بيان الفرق بين الاعتداء والإثم ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، ﴿آيَاتُنَا﴾: نائب فاعل لـ ﴿تُتْلَى﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على
стр. 14580
﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿مُعْتَدٍ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أساطير الأولين، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾.
﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل ﴿بَل﴾: حرف عطف وإضراب على محذوف تقديره: ليس الأمر كما يقولون ﴿رَانَ﴾: فعل ماضٍ مبني على الفتح ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿رَانَ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل بـ ﴿رَانَ﴾، والجملة معطوفة على تلك المقدرة، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كانوا يكسبون، ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر عن الكسب الرائن، ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿محجوبون﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف أضيف إلى مثله متعلق بـ ﴿محجوبون﴾ أيضًا، والتنوين - فيه عوض عن الجملة المحذوفة تقديرها: يوم إذ يقوم الناس، ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب لتراخي رتبة ما بعدها عما قبلها ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿لَصَالوُا﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿صالوا﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع بالواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه جمع مذكر سالم، ﴿الْجَحِيمِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب والتراخي أيضًا ﴿يُقَالُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ نائب فاعل محكي لـ ﴿يُقَالُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إن﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُقَالُ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر، أو بمعنى: حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: ناصب واسمه، ومضاف إليه ﴿لَفِي﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿في
стр. 14581
عليين﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، و ﴿عِلِّيِّينَ﴾: مجرور بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: اعتراضية ﴿مَا﴾ اسم استفهام للإنكار في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبره، والجملة الاسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين خبري ﴿إنَّ﴾، ﴿مَا﴾: اسم استفهام للتفخيم في محل الرفع مبتدأ، ﴿عِلِّيُّونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، ﴿كِتَابٌ﴾: خبر ثانٍ لـ ﴿إنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب مرقوم، و ﴿مَرْقُومٌ﴾: صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿كِتَابٌ﴾، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ في محل النصب حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إنَّ﴾، أو مستأنفة ﴿تَعْرِفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على أي مخاطب ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَعْرِفُ﴾. ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لإيذان المخاطب بالالتفات إليهم والتأمل في آثار النعيم.
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.
﴿يُسْقَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالنون، والواو نائب فاعل له ﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُسْقَوْنَ﴾ ﴿مَخْتُومٍ﴾: صفة ﴿رَحِيقٍ﴾؛ أي: من خمر خالصة من كل غشٍ أو شائبة، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿رَحِيقٍ﴾، ﴿وَفِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿في ذَلِكَ﴾: متعلق بقوله: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾، و ﴿الفاء﴾ عاطفة أيضًا لزيادة الاهتمام، و ﴿اللام﴾ لام الأمر، ﴿يتنافس﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر ﴿الْمُتَنَافِسُونَ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُسْقَوْنَ﴾، وقيل: الواو عاطفة لقول
стр. 14582
محذوف تقديره: ويقولون: فليتنافس في ذلك المتنافسون، والفاء زائدة لتحسين الخط، كفاء قولهم: فقط، وقيل: الواو زائدة، والفاء عاطفة، وقيل: الواو اعتراضية، والفاء زائدة، وفي "الجمل" واستشكل في هذا العاطف، إذ لا يصح أن يقال: وفليتنافس، فقيل: إنه بتقدير القول؛ أي: ويقولون لشدة التلذذ في ذلك: فليتنافس. ﴿وَمِزَاجُهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿مزاجه﴾: مبتدأ ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ﴿عَيْنًا﴾: منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره: أمدح عينًا، أو أعني بالتسنيم عينًا، أو على الحال من ﴿تَسْنِيمٍ﴾، كما قاله الزجاج، وجملة ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة لـ ﴿عَيْنًا﴾، و ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَشْرَبُ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَجْرَمُوا﴾ صلة الموصول ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط، ﴿مَرُّوا﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿مَرُّوا﴾، وجملة ﴿مَرُّوا بِهِمْ﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، وجملة ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ الشرطية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانُوا﴾ على كونها خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، ﴿وإذا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذَا﴾: شرطية، وجملة ﴿انْقَلَبُوا﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾، وجملة ﴿انْقَلَبُوا﴾، جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿فَكِهِينَ﴾: حال من فاعل ﴿انْقَلَبُوا﴾، وجملة ﴿إذَا﴾ الشرطية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿إذَا﴾ الأولى، ﴿وإذا﴾: ﴿إذَا﴾: ظرف مضمن معنى الشرط، وجملة ﴿رَأَوْهُمْ﴾ في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذَا﴾، وجملة ﴿قَالُوا﴾ جوابها لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿مَا﴾: نافية ﴿أُرْسِلُوا﴾ فعل ماض، ونائب فاعل، والجملة في محل النصب حال من الواو في ﴿قَالُوا﴾: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق
стр. 14583
بـ ﴿حَافِظِينَ﴾، و ﴿حَافِظِينَ﴾ حال من الواو في ﴿أُرْسِلُوا﴾ ﴿فَالْيَوْمَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره؛ إذا عرفتم ما ذكر، وبيان حال المؤمنين مع الكفار، في ذلك اليوم.، فأقول لكم: ﴿اليوم﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، وجملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾؛ أي: يضحكون حال كونهم ناظرين إليهم، وإلى ما هم فيه من الخزي والهوان، ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التقريري ﴿ثُوِّبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿الْكُفَّارُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ينظرون إليهم حال كونهم قائلين: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ إلخ، أو جملة ﴿ثُوِّبَ﴾ مستأنفة ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿ثُوِّبَ﴾، وجملة ﴿كَانُوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك عظيم وعذاب شديد، قال ابن كيسان: هي كلمة مكروب وقع في البلية، وأصله: وي لفلان، أي: الحزن له، فقرن بلام الإضافة، فقيل: وبل تخفيفًا.
﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ جمع مطفف، وهو المنقص في الكيل أو الوزن، سمي بذلك لأن ما ينقص فيهما شيء طفيف أي: حقير، يقال: طفف الكيل: إذا نقصه قليلًا، وقال الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان، إلا الشيء الطفيف؛ أي: اليسير الحقير التافه.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا﴾ قال الفراء: يقال: اكتلت على الناس: استوفيت منهم، واكتلت منهم: أخذت ما عليهم فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى من، وأصله: اكتيلوا بوزن افتعلوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي: يأخذون حقوقهم وافية كاملة، وأصله: يستوفيون، استثقلت
стр. 14584
الضمة على الياء، فحذفت للتخفيف، ثم لما التقى ساكنان .. حذفت الياء، وضمت الفاء لمناسبة الواو.
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾؛ أي: كالوا للناس حقوقهم، أو وزنوا لهم حقوقهم، وفيه إعلال بالقلب أيضًا، أصله: كيلوهم، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح: ﴿يُخْسِرُونَ﴾: أي: ينقصون الكيل والميزان، مع أن وضع الكيل والوزن، إنما هو للتسوية والتعديل، يقال: خسر الميزان وأخسره بمعنى، وهو يتعدَّى بالهمزة، ويقال: خسر الرجل وأخسره. اهـ "خطيب".
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾؛ أي: للعرض على خالقهم، ويطول بهم الموقف إجلالًا لعظمة ربهم.
﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ أصله: يظنن بنونين، أدغمت الأولى منهما في الثانية.
﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ والسجين: علم لكتاب جامع لأعمال الشياطين، وأعمال الكفرة والفسقة من الثقلين، منقول من وصف، كحاتم، وهو منصرف؛ لأنه ليس فيه إلا سبب واحد، وهو التعريف، واختلف في نونه، هل هي أصلية: فيكون فعيلًا من السجن، أو بدل من لام: فيكون أصله: سجيلًا من السجل، وأورد صاحب "القاموس" في مادة: سجن ما نصه: سجين، كسكين: الدائم الشديد، وموضع فيه كتاب الفجار، وواد في جهنم أعاذنا الله تعالى منها، أو حجر في الأرض السابعة. انتهى.
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾؛ أي: مكتوب مسطور، قال الراغب: الرقم: الكتابة والخط الغليظ، ومنه قول الشاعر:
سَأَرْقُمُ فِيْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ إِلَيْكُمُ ... عَلَى بُعْدِكُمْ إِنْ كَانَ لِلْمَاءِ رَاقِمُ
﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾؛ أي: متجاوز عن منهج الحق، أصله: معتديٌ، استثقلت الكسرة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها، وهو كسرة الدال، فصار معتد بوزن: مفتع.
﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الذنوب والآثام.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾؛ أي: غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء، وفي
стр. 14585
"المختار": الرين: الطبع والدنس، ويقال: ران ذنبه على قلبه - من باب باع رينًا وريونًا أيضًا -: إذا غلب، وقال أبو عبيدة: كل ما غلبك فقد ران بك، ورانك وران عليك، ورين الرجل: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به، أي: لا طاقة له به، وعبارة الزمخشري: وران على قلوبهم: ركبها كما يركب الصدأ، وغلب عليها، وهو أن يصر على الكبائر، ويسوف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه، وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.
قلت: وران يائية وواوية، وهي هنا يائية، أصله: رين كبيع، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وأما الواوية فيقال فيها: ران يرون رونًا - من باب دخل - يقال: ران الأمر: اشتد، ورانت الليلة: اشتد هولها أو غمها، والرون - بضم الراء المشددة -: الشدة، والجمع رؤون، ورونة الشيء - بالضم -: معظمه وشدته، يقال: كشف الله عنك رونة هذا الأمر؛ أي: شدته وغمته.
﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾؛ أي: لداخلوا النار وملازموها، أصله: لصاليون، فلما أضيف الوصف .. حذفت منه نون الجمع، فصار لصاليوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقت ساكنة مع واو الجمع، فحذفت الياء، وضمت اللام لمناسبة الواو، وقد تقدم هذا في سورة: ص.
﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ أصل يقال: يقول بوزن: يفعل، نقلت حركة الواو إلى القاف، ثم قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها الآن.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾ قال الزمخشري: وعليون: علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع عليّ فعيل من العلو، كسجين من السجن، سمي بذلك؛ إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة. وعبارة أبي حيان: عليون: جمع واحده: عِلىٌّ مشتق من العلو، وهو المبالغة، قاله يونس وابن جني. قال أبو الفتح: وسبيله أن يقال: علية، كما قالوا للغرفة: علية، فلما حذفت التاء عوضوا عنها الجمع بالواو والنون، وقيل: هو وصف للملائكة، فلذلك جمع بالواو والنون. وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا واحد له من لفظه، كقولهم: عشرين وثلاثين، والعرب إذا جمعت جمعًا، ولم يكن له بناء من واحده،
стр. 14586
ولا تثنية قالوا في المذكر والمؤنث بالواو والنون. وقيل غير ذلك.
قلت: عليون: اسم لمكان عالٍ كما أن سجينًا: اسم لمكان في نهاية السفل، فهما مكانان أودع فيهما أعمال الناجين، وأعمال الخاسرين، وليس علينا أن نعرف ما هما، أمن أوراق وأخشاب أو معادن أخرى.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال: واحدها حجلة، وهي مثل القبة، وحجلة العروس: بيت؛ أي: خيمة تزين بالثياب والأسرَّة والستور.
و ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بهجته ورونقه ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾؛ أي: من شراب خالص لا غش فيه، وأصل يسقون: يسقيون بوزن يفعلون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين ﴿مَخْتُومٍ﴾؛ أي: ختمت أوانيه وسدت.
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾؛ أي: ما يختم به رأس قارورته هو المسك بدل الطين.
﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾ وأصل التنافس: التشاجر على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد دون صاحبه، وفي "المختار": ونفس الشيء من باب ظرف: صار مرغوبًا فيه، ونافس في الشيء منافسةً ونفاسًا بالكسر: إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه: أي: رغبوا. اهـ. والمراد: فليستبق المتسابقون، وليجاهدوا النفوس ليلحقوا بالعاملين.
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ والمزاج والمزج: الشيء الذي يمزج بغيره، والمزج: خلط أحد الشيئين بالآخر، والتسنيم: عين من ماء تجري من أعلى إلى أسفل، وهو أشرف شراب في الجنة، ويكون صرفًا للمقربين، ممزوجًا لأصحاب اليمين، وسائر أهل الجنة، والمقربون هم: الأبرار الذين سبق ذكرهم.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ يقال: مر مرًا ومرورًا إذا جاز وذهب، كاستمر ومره وبه: جاز عليه. كما في "القاموس".
﴿يَتَغَامَزُونَ﴾؛ أي: يشيرون إليهم بأجفانهم من التغامز: تفاعل من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب، ويكون بمعنى العيب، يقال: غمز فلان فلانًا إذا عابه وذكره بسوء، ويقال: فلان لا مغمز فيه؛ أي: ليس فيه ما يعاب به.
﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ من الانقلاب: وهو الانصراف والتحول والرجوع.
стр. 14587
﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾؛ أي: معجبين راضين بما فيه من الشرك والضلالة والعصيان، أو متلذذين بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، والضحك من المؤمنين.
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾؛ أي: رقباء يتفقدونهم ويهيمنون على أعمالهم.
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ أصل رأوهم: رأيوهم، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، وأصل ﴿ضالون﴾: ضاللون بلامين، أدغمت أولاهما في الثانية.
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ من التثويب، والتثويب والإثابة: المجازاة يقال: ثوبه وأثابه إذا جازاه، كما قال الشاعر:
سَأَجْزِيْكِ أَوْ يَجْزِيْكِ عَنِّيْ مُثَوِّبٌ ... وَحَسْبُكِ أَنْ يُثْنَى عَليْكِ وَتُحْمَدِيْ
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تنكير ﴿وَيْلٌ﴾ لإفادة التهويل والتفخيم.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ وقوله ﴿إِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ وهي مقابلة أتت على أحسن وجه وأنظمه؛ أي: إذا كان الكيل من جهة غيرهم .. استوفوه، وإذا كان الكيل من جهتهم .. أخسروه، سواء باشروه، أو لا، فالضمير لا يدل على مباشرة، ولا إشعار أيضًا بذلك، والذي يدلك على أن الضمير لا يعطي مباشرة الفعل، أن لك أن تقول: الأمراء هم الذين يقيمون الحدود لا السوقة، لست تعني أنهم يباشرون ذلك بأنفسهم، وإنما معناه: أن فعل ذلك من جهتهم خاصة. اهـ من "الدرويش".
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿إِذَا اكْتَالُوا﴾؛ لأنه حذف الاتزان لعلمه من الاكتيال؛ لأن مقتضى المقابلة أن يقال: الذين إذا اكتالوا، أو اتزنوا على الناس يستوفون، وقد مر لك بيان حكمة حذفه في مبحث التفسير.
стр. 14588
ومنها: الطباق بين ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ و ﴿يُخْسِرُونَ﴾؛ لأن الاستيفاء الأخذ وافيًا، والإخسار: الإعطاء ناقصًا.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾ لأن ﴿أَلَا﴾ في قوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ ليست استفتاحية، بل هي همزة الاستفهام دخلت على لا النافية، فأفادت التوبيخ والإنكار والتعجيب، كما في "الرازي". وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله تعالى خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين .. بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان مثل حاله من الحيف، وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل. اهـ "خطيب".
ومنها: تخصيص وصف رب العالمين من بين سائر الصفات إشعارًا بالماليكة والتربية، بحيث لا يمتنع عليه الظالم القوي؛ لكونه مملوكًا مسخرًا في قبضة قدرته، ولا يترك حق المظلوم الضعيف؛ لأن مقتضى التربية أن لا يضيع لأحد شيئًا من الحقوق، وفي هذه التشديدات إشارة إلى أن التطفيف، وإن كان يتعلق بشيء حقير، لكنه ذنب كبير.
ومنها: المقابلة بين حال الفجار، وحال الأبرار في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ ...﴾ إلخ، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَار ...﴾ إلخ.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ إفادة للتهويل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾ إفادةً للتعظيم والتفخيم لمراتب الأبرار.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ حيث مثل احتجاب الله وسخطه عليهم، وإهانته بهم باحتجاب ملك من الملوك عن بعض رعيته؛ لأنه لا يؤذن على ذوي المقامات العلية والمراتب السامية إلا للمقربين المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء الموسومون بالمهانة والقماءة والصَّغَار، وقد رمق أبو تمام سماء هذا المعنى، فقال مبرزًا احتجاب المعتصم عن الرعية:
لَيْسَ الْحِجَابُ بِمُقْصٍ عَنْكَ لِىْ أمَلًا ... إِنَّ السَّمَاءَ تُرَجَّى حِيْنَ تَحْتَجِبُ
стр. 14589
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
ومنها: الإطناب بذكر أوصاف نعيم المتقين في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) ...﴾ إلخ.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾؛ أي: كالمسك في طيب الرائحة، فحذف منه الأداة ووجه الشبه، فأصبح بليغًا.
ومنها: حذف مفعول ﴿يَنظُرُونَ﴾ في قوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ إفادة للتعميم؛ أي: ينظرون ما شاؤوا مد أعينهم إليه من رغائب مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة.
ومنها: تقديم الجار والمجرور على متعلقه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾ لمراعاة الفواصل، أو للحصر إشعارًا بغاية شناعة ما فعلوا؛ أي: كانوا من الذين آمنوا لا من غيرهم يضحكون، مع ظهور عدم استحقاقهم لذلك على منهاج قوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾. اهـ "فتوحات".
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ إشعارًا بمبالغتهم في استهزائهم، وسخريتهم من المسلمين، وإنكارهم لصدهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإِسلام.
ومنها: تقديم الجار على متعلقه في قوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ﴾ إفادةً للحصر؛ أي: في ذلك لا في خمور الدنيا.
ومنها: تقديمه عليه في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ لرعاية الفواصل.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ إشعارًا بتحققه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
стр. 14590
خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة من المقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - وعيد المطففين.
٢ - بيان أن صحائف أعمال الفجار في أسفل السافلين.
٣ - الإرشاد إلى أن صحائف أعمال الأبرار في أعلى عليين.
٤ - وصف نعيم الأبرار في مآكلهم ومشاربهم ومساكنهم.
٥ - استهزاء المجرمين بالمؤمنين في الدنيا، وتغامزهم بهم، وحكمهم عليهم بالضلال.
٦ - تضاحك المؤمنين منهم يوم القيامة؛ نظر المؤمنين إلى المجيرمين وهم يلقون جزاءهم وما أعد لهم من النكال (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14591
سورة الانشقاق
سورة الانشقاق مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة الانفطار، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الانشقاق بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وآياتها: ثلاث أو خمس وعشرون آية. وكلماتها: مئة وتسع كلمات. وحروفها: سبع مئه وثلاثون حرفًا. وسميت سورة الانشقاق لذكر انشقاق السماء فيها، وكلها محكمة لا ناسخ فيها ولا منسوخ.
ومناسبتها لما قبلها: أنه ختم سورة المطففين بذكر أحوال القيامة، وأهوال يوم الحشر، وافتتح هذه السورة بمثل ذلك من أحوال يوم البعث والنشور، فاتصلت السورتان اتصال النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه.
وأوجز بعضهم القول في بيان وجه ترتيب هذه السور الثلاث، فقال: إن في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ ذكر الحفظة الكرام الكاتبين، وفي سورة المطففين: بيان لمقر كتبهم، وفي سورة الانش قال: البداية بذكر بعض أحوال يوم القيامة من الانقلابات الكونية الهائلة.
ومما ورد في فضلها: ما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي رافع قال: صليتُ مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد، فقلتُ له، فقال: سجدتُ خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه.
وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في "المختارة" عن بريدة: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ ونحوها.
* * *
стр. 14592
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.
المناسبة
مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها: أن الله ذكر في أواخر السابقة أحوال الفجار والأبرار في يوم القيامة، ثم ذكر في أوائل هذه السورة أهوال ذلك اليوم، فذكر أنه حين انشقاق السماء، واختلال نظام العالم، وانبساط الأرض بنسف ما فيها من جبال، وتخليها عما في جوفها، يلاقي المرء ربه فيوفيه حسابه، وينقسم الناس حينئذٍ فريقين:
١ - فريق الصالحين البررة: وهؤلاء يحاسبون حسابًا يسيرًا، ويرجعون مسرورين إلى أهلهم.
٢ - فريق الكفرة والعصاة: وهؤلاء يؤتون كتبهم وراء ظهورهم، ثم يصلون حر النار؛ لأنهم كانوا فرحين بما يتمتعون به من اللذات، والجري وراء الشهوات، إذ كانوا يظنون أن لا بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ...﴾ إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن الإنسان راجع إلى ربه فملاقيه ومحاسبه، إما حسابًا يسيرًا إن كان قد عمل الصالحات، أو حسابًا عسيرًا إن كان قد اجترح السيئات .. أقسم بآيات له في الكائنات ظاهرات باهرات على أن البعث كائن لا
стр. 14593
محالة، وأن الناس يلقون شدائد إلأهوال حتى يفرغوا من حسابهم، فيصير كل أحد إلى ما أعد له من جنة أو نار.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ إعرابه كإعراب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾؛ أي: إذا انشقت وانفطرت وانفتحت بغمام أبيض .. يخرج منها، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، والباء للآلة، كما في قولك: انشقت الأرض بالنبات.
وفي ذلك الغمام الملائكة ينزلون في أيديهم صحائف الأعمال، أو فيه ملائكة العذاب، وكان ذلك أشد وأفظع من حيث إنه جاء العذاب من موضع الخير، فيكون انشقاق السماء لنزول الملائكة بالأوامر الإلهية، وقيل: للسقوط والانتقاض، وقيل: لهول القيامة، وكيف لا تنشق وهي في قبضة قهره تعالى أقل من خردلة، ولا مانع من جميع هذه الأقوال، فإنها تنشق لهيبة الله تعالى، فتنزل الملائكة، ثم يؤول أمرها إلى الفساد والاختلال.
وعن علي ﵁: تنشق من المغيرة، وهي بفتح الميم بوزن المضرة باب السماء؛ أي: البياض المستطيل في وسط السماء من جانبها، وأهل الهيئة يقولون: إنها نجوم صغار مختلطة، غير متميزة في الحسن. اهـ من "القرطبي".
سميت بذلك لأنها كأثر المجر، والمجر: المحل الذي يجر عليه الحبل من البئر عند إلاستقاء. قيل: تنشق من ذلك الموضع، كأنه مفصل ملتئم، فتصدع منه
٢ - ﴿وَأَذِنَتْ﴾؛ أي: استمعت وأصغت ﴿لِرَبِّهَا﴾؛ أي: لأمر ربها إياها بالانشقاق، وأذعنت لتأثير قدرته تعالى فيها؛ حيث تعلقت قدرته بانشقاقها، وانقادت له انقياد المأمور المطواع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، فهو استعارة تمثيلية متفرعة على المجاز المرسل، يعني: إذا أطلق الإذن، وهو: الاستماع في حق من له حاسة السمع، والاستماع بها: يراد بها الإجابة، والانقياد مجازًا، وإذا أطلق في حق نحو السماء مما ليس في شأنه الاستماع والقبول .. يكون استعارة تمثيلية، فقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ يدل على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلًا، وقوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام من غير ممانعة أصلًا والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إليها للإشعار بعلة الحكم ﴿وَحُقَّتْ﴾؛ أي:
стр. 14594
السماء؛ أي: جعلت حقيقة حرية بالاستماع والانقياد، إذ هي مربوبة ومصنوعة له تعالى؛ أي: شأنها ذلك بالنسبة إلى القدرة القاهرة الربانية التي يتأتى بها كل مقدور، ولا يتخلف عنها أمر من الأمور، من قولهم: هو حقوق بكذا، وحقيق به، وقال الضحاك: وحقت؛ أي: أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها؛ لأنه خلقها.
٣ - ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾؛ أي: بسطت بإزالة جبالها وآكامها عن مقرها، وتسويتها بحيث صارت كالصحيفة الملساء، أو زيدت سعة وبسطة من أحد وعشرين جزءًا إلى تسعة وتسعين جزءًا، لوقوف الخلائق عليها للحساب، وإلا لم تسعهم، من مده: بمعنى: أمده؛ أي: زاده، وفي الحديث: "إذا كان يوم القيامة .. مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه"، يعني: لكثرة الخلائق فيها، وقوله: "مد الأديم"؛ لأن الأديم إذا مد زال عنه كل انثناء فيه واستوى، وفي بعض الروايات: "مد الأديم العكاظي"، قال في "القاموس": - هو كغراب - سوق بصحراء بين النخلة والطائف، كانت تقوم هلال ذي القعدة، وتستمر عشرين يومًا تجتمع قبائل العرب، فيتعاكظون؛ أي: يتفاخرون ويتناشدون، ومنه مد الأديم العكاظي. انتهى ..
٤ - ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾؛ أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز إلى ظاهرها، نظير قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾، وهو من الإسناد المجازي، وإلا فالإلقاء والإخراج لله تعالى.
فإن قلت: إخراج الكنوز يكون وقت خروج الدجال لا يوم القيامة؟
قلت: يوم القيامة وقت متسع يجوز اعتباره من وقت خروجه ولو مجازًا؛ لأنه من أشراطه الكبرى، فيكون إخراج الكنوز عند قرب الساعة، وإخراج الموتى عند البعث ﴿وَتَخَلَّتْ﴾؛ أي: وخلت عما فيها غاية الخلو حتى لا يبقى فيها شيء منه، كأنها تكلفت في ذلك أقصى جهدها، كما يقال: تكرم الكريم، وترحم الرحيم، إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما في طبعهما.
٥ - ﴿وَأَذِنَتْ﴾ وانقادت ﴿لِرَبِّهَا﴾؛ أي: لأمر ربها في الإلقاء والتخلي. ﴿وَحُقَّتْ﴾؛ أي: جعلت حقيقة حرية بذلك الانقياد؛ أي: شأنها ذلك بالنسبة إلى القدرة الربانية، وذكره مرتين؛ لأن الأول متصل بالسماء، والثاني بالأرض، وإذا اتصل كل واحد بغير ما اتصل به
стр. 14595
الآخر .. لم يكن تكرارًا، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف تقديره: أي: وإذا وقعت هذه الأمور .. كان من الأهوال ما تقصر عن بيانه العبارة، وقيل: إن الجواب قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾؛ أي: فأنت ملاقيه، وبه قال الأخفش، وقال المبرد: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه إذا السماء انشقت. وقال المبرد أيضًا: إن الجواب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾، وبه قال الكسائي، والتقدير: إذا السماء انشقت، فمن أوتي كتابه بيمينه .. فحكمه كذا، وقيل: هو: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ على إضمار الفاء، وقيل إنه: يا أيها الإنسان على إضمار القول؛ أي: يقال له يا أيها الإنسان، وقيل: الجواب محذوف تقديره: بعثتم، أو لاقى كل إنسان عمله، وقيل: هو ما صرح به في سورة التكوير؛ أي: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾.
وهذا كله على تقدير: أن ﴿إذا﴾ شرطية، وقيل ليست شرطية، بل هي مجردة عن معنى الشرط منصوبة بفعل محذوف؛ أي: اذكر يا محمد للناس قصة وقت انشقاق السماء، وقصة وقت مد الأرض، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، والأول أولى وأوضح.
وحاصل معنى الآيات (١): إذا انشقت السماء لفساد تركيبها، واختلال نظامها حينما يريد الله سبحانه خراب هذا العالم بحدث من الأحداث، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من كوكب آخر، فيتجاذبان ويتصادمان، فيضطرب نظام العالم العلوي بأسره، ويحدث من ذلك غمام يظهر في مواضع متفرقة من هذا الفضاء الواسع.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾؛ أي: استمعت، وانقادت لتأثير قدرته، وفعلت فعل المطواع الذي إذا أمر أنصت وأذعن وامتئل ما أمر به، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن". ﴿وَحُقَّتْ﴾؛ أي: وحق لها أن تمتثل؛ لأنها مخلوقة من مخلوقاته، وهي في قبضته، فإن أراد تبديد نظامها .. فعل، ولم يكن لها أن تعصي إرادته.
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾؛ أي: وإذا اضطربت الأرض، ودكت جبالها،
стр. 14596
وتقطعت أوصالها، وفقدت ما بينها من التماسك، فليس لها هذا الاندماج المشاهد الآن، بل تمد مد الأديم العكاظي، كما روي عن ابن عباس: والأديم: الجلد، والعكاظي: المدبوغ في عكاظ. والمراد: أنه لا انشقاق فيها، ولا اعوجاج.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾؛ أي: رمت ما في جوفها من الموتى والمعادن، وأخرجت كل ذلك إلى ظاهرها، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَت الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾، وقوله: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾؛ أي: خلت من جميع ما في جوفها، وربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها، فيخلو منه باطن الأرض وظاهرها، وهي في ذلك خاضعة لأوامر ربها، منقادة لمشيئته.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾؛ أي: واستمعت وأطاعت أوامره؛ لأنها في قبضة القدرة الإلهية تصرفها في الفناء، كما صرفتها في الابتداء. وجواب ﴿إذا﴾ الذي صدرت به السورة محذوفة، كما مر آنفًا؛ لإرادة التهويل على المخاطبين، فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذا وكذا مما تقدم ذكره .. ترون جزاء ما عملتم من خير أو شر، فاكدحوا واجتهدوا لعمل ذلك اليوم تفوزوا بالنعيم.
وقصارى ذلك (١): وصف أحوال العالم يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأنه يكون على غير حاله التي هو عليها في هذه الحياة، فتبدل الأرض غير الأرض، والسموات غير السموات، ويبرز الناس للحساب على ما قدموا في حياتهم من عمل، فيجازيهم على الإحسان إحسانًا وعلى الإساءة سوءًا، وعلينا أن نؤمن بذلك كله، ونكل علم حقيقته ومعرفة كنهه إلى الله تعالى الذي لا يعجزه شي في الأرض ولا في السماء.
٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ المراد به: جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر، وقيل: هو الإنسان الكافر، والأول أولى لما سيأتي من التفصيل؛ أي: يا جنس الإنسان الشامل للمؤمن والكافر والعاصي، فالخطاب عام لكل مكلف على سبيل البدل، ويقال: هذا أبلغ من العموم؛ لأنه يقوم مقام التنصيص في النداء على مخاطبة كل
стр. 14597
واحد بعينه، كأنه قيل: يا فلان ويا فلان إلى غير ذلك، ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾؛ أي (١): جاهد ومجد؛ أي: ساع باجتهاد ومشقة وكد ﴿إِلَى﴾ لقاء ﴿رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى وقت لقائه، وهو الموت وما بعده من الأحوال الممثلة باللقاء مبالغ في ذلك، وفي الخبر: أنهم قالوا يا رسول الله، فيما نكدح، وقد جفت الأقلام، ومضت المقادير، فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له"، وقوله: ﴿كَدْحًا﴾؛ أي: اجتهادًا بليغًا، مصدر مؤكد للوصف؛ أي: إنك مجتهد وساع في أشغالك من غير فرق بين أن يكون ذلك الشغل خيرًا أو شرًا؛ أي: مجتهد اجتهادًا بليغًا، وساع سعيًا شديدًا من غير فترة إلى لقاء ربك؛ أي: إلى انقضاء أجلك لا فراغ لك؛ أي: إنك مشغول بعملك مدة حياتك ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ معطوف على ﴿كَادِحٌ﴾: أي: فملاقٍ له؛ أي: لجزاء عملك من خير أو شر عقيب لقاء ربك لا محالة، من غير صارف يلويك عنه، ولا مفر لك منه، ويقال: المعنى: إنك عامل لربك عملًا فملاقٍ عملك يوم القيامة، يعني: أن جدك وسعيك إلى مباشرة الأعمال في الدنيا هو في الحقيقة سعي إلى لقاء جزائها في العقبى، فملاق ذلك الجزاء لا محالة، فعليك أن تباشر في الدنيا بما ينجيك في العقبى، واحذر عما يهلكك فيها، ويوقعك في الخجالة والافتضاح من سوء المعاملة، وفي الحديث: "النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، وكل عامل سيقدم إلى ما أسلف".
قال القتيبي: معنى الآية: إنك كادح؛ أي: إنك عامل ناصب في طلب معيشتك وكسبك عملًا شديدًا لا فترة فيه إلى لقاء ربك بالموت فملاقيه؛ أي: فأنت ملاقٍ ربك بعملك، فمجازيك عليه خيرًا أو شرًا، وقيل: فملاق كتاب عملك؛ لأن العمل قد انقضى؛ أي (٢): إنك يا ابن آدم متعب نفسك في العمل في دنياك تعبًا حتى ترجع به إلى ربك في الآخرة، فملاق ذلك العمل خيرًا كان أو شرًا في الكتاب الذي فيه بيانه.
وحاصل المعنى (٣): أي أيها الإنسان إنك عامل في هذه الحياة، ومجد في
стр. 14598
عملك، ومبالغ في إدراك الغاية إلى أن تنتهي حياتك، وإن كنت لا تشعر بجدك، أو تشعر به، وتلهو وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، وهناك لقاء الله تعالى، فالموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة، ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من الله ما كانت تنكره، ويوم البعث يرتفع الالتباس، ويعرف كل عامل ما جر إليه عمله،
٧ - والناس حينئذٍ صنفان:
١ - ﴿فَأَمَّا مَنْ﴾ وهو المؤمن السعيد، و ﴿مَنْ﴾ موصولة، وهو تفصيل لما أجمل فيما قبله ﴿أُوتِيَ﴾ وأعطي؛ أي: يؤتى، وعبر بالماضي لتحققه. ﴿كِتَابَهُ﴾ المكتوب فيه أعماله التي كدح في كسبها ﴿بِيَمِينِهِ﴾؛ لكون كدحه بالسعي فيما يكتبه كاتب اليمين.
والحكمة في الكتابة مع أن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء (١): أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب وتعرض على رؤوس الأشهاد .. كان أزجر عن المعاصي، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على عفوه وستره .. لم يحتشم احتشامه من خدمة المطلعين عليه.
٨ - ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ﴾ يوم القيامة بعد مدة مقدرة على ما تقتضيه الحكمة ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا لا مناقشة فيه، ولا اعتراض بما يسوءه ويشق عليه، كما يناقش أصحاب الشمال. والحساب: بمعنى المحاسبة، والمراد به: عد أعمال العباد، وإظهارها للمجازاة، وعن الصديقة ﵂: هو - أي الحساب اليسير - أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه. يعني: أن يعرض عليه أعماله، ويعرف أن الطاعة منها هذه، والمعصية هذه، ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز عن المعصية، فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة على صاحبه ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا؟، ولا يطالب بالعذر ولا بالحجة عليه، فانه متى طولب بذلك .. لم يجد عذرًا ولا حجةً، فيفتضح. قالوا إنَّ عصاة المؤمنين داخلة في هذا القسم، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ من وصف الكل بوصف البعض؛ أي: فالعصاة (٢)، وإن لم يكن لهم حساب يسير بالنسبة إلى المطيعين، لكن حسابهم كالعرض بالنسبة إلى مناقشة أصحاب الشمال، فأصحاب اليمين شاملة لهم، وقد
стр. 14599
يقال: كتاب عصاة المؤمنين يعطى عند خروجهم من النار، وقيل: يجوز أن يعطوا من الشمال لا من وراء ظهورهم، وفيه أن الإعطاء من الشمال ومن وراء الظهر أمر واحد. وقيل: لم تتعرض الآية للعصاة الذين يدخلهم الله النار، وهو الظاهر، وقوله ﷺ في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا"، وإن دل على أن للأنبياء كتابًا، لكن الظاهر إرشاد الأمة وتعليمهم، وإلا فهم معصومون داخلون الجنة بلا حساب ولا كتاب.
٩ - ﴿وَيَنْقَلِبُ﴾؛ أي: يرجع المحاسب حسابًا يسيرًا بعد حسابه؛ أي: ينصرف ويرجع من مقام الحساب اليسير ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ الذين هم في الجنة من عشيرته المؤمنين، أو إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا من الزوجات والأولاد، أو إلى من أعده الله له في الجنة من الحور العين والولدان المخلدين، أو إلى جميع هؤلاء، أو إلى أهله الذين هم رفقاؤه في طريق السعادة والكرامة حال كونه ﴿مَسْرُورًا﴾؛ أي: مبتهجًا بحاله، وكونه من أهل النجاة مستبشرًا بما أوتي من الخير والكرامة، قائلًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. قال صاحب "الروح": فهذا الانقلاب يكون في المحشر قبل دخول الجنة، لا كما قال في "عين المعاني" من أنه يدل على أن أهله يدخلون الجنة قبله. انتهى. ودعوة الناس إلى قراءة الكتاب علامة الفرح والنشاط وقوة العزيمة.
وحاصل المعنى (١): أي فأما من عرض عليه سجل أعماله، وتناوله بيمينه، فإنه يحاسب يسير الحساب؛ إذ تعرض عليه أعماله، فيعرف بطاعته وبمعاصيه، ثم يثاب على ما كان منها طاعة، ويتجاوز له عما كان منها معصية، وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: "ينظر في كتابه، ويتجاوز عن سيئاته، فأما من نوقش .. فقد هلك".
ومن حوسب هذا الحساب اليسير .. يرجع إلى أهله المؤمنين مسرورًا مبتهجًا قائلًا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
стр. 14600
٢ - ١٠ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ﴾ وأعطي ﴿كِتَابَهُ﴾؛ أي: صحيفة عمله، وتكرير (١) ﴿كِتَابَهُ﴾ بدون الاكتفاء بالإضمار لتغاير الكتابين، وتخالفهما بالاشتمال والحكم في المآل؛ أي: يؤتى كتاب عمله ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾؛ أي: خلف ظهره؛ أي: أوتي بشماله وراء ظهره وجانبه، و ﴿وَرَاءَ﴾ ظرف لـ ﴿أُوتِيَ﴾ مستعمل في المكان. وقال الكلبي: تغل يمينه، ثم تلوى يده اليسرى من ورائه، فيعطى كتابه بشماله، وهي خلف ظهره، فلا مخالفة حينئذٍ بين ما هنا، وبين ما في الحاقة حيث لم يذكر فيها الظهر، بل اكتفى بالشمال. قال الإمام: ويحتمل أن يكون بعضهم يعطى كتابه بشماله، وبعضهم من وراء ظهره. وقال قتادة ومقاتل: تفك ألوح صدره وعظامه، ثم تدخل يده اليسرى، وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك.
١١ - ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو﴾؛ أي: إذا قرأ كتابه ﴿ثُبُورًا﴾؛ أي: هلاكًا، فيقول: يا ثبوراه، يا ويلاه؛ أي: يتمنى (٢) لنفسه الثبور، وهو الهلاك، ويدعوه: يا ثبوراه تعال فهذا أوانك، وأنى له ذلك، يعني: لما كان إيتاء الكتاب من غير يمينه علامة كونه من أهل النار .. كان كلامه: واثبوراه، ولا شك أن هذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه. قيل: الثبور: مشتق من المثابرة على الشيء، وهو المواظبة عليه، وسمي هلاك الآخرة ثبورًا؛ لأنه لازم لا يزول، كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾.
١٢ - ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾؛ أي: يدخلها ويقاسي حرها وعذابها من غير حائل، وهذا يدل على أن دعاءهم بالثبور قبل الصلي، وبه صرح الإِمام، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ فيدل على أنه بعده، ولا منافاة في الجمع، فإنهم يدعونه أولًا وآخرًا بل دائمًا على أن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب.
وقرأ قتادة وأبو جعفر وعيسى وطلحة والأعمش وعاصم وأبو عمرو وحمزة (٣): ﴿وَيَصْلَى﴾ بفتح الياء مبنيًا للفاعل، وباقي السبعة وعمر بن عبد العزيز وأبو الشعثاء والحسن والأعرج: بضم الياء، وفتح الصاد، واللام المشددة، وأبو الأشهب وخارجة عن نافع وأبان وعاصم وعيسى أيضًا والعتكي وجماعة عن أبي عمرو: بضم الياء ساكن الصاد مخفف اللام مبنيًا للمفعول من المتعدي بالهمزة،