يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وريشه مرجان»، وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا! فقال: والله ما سمعت به إلّا هذه الساعة. قال: فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ! فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا. فقال: له أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد ابن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد كمّه على
وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهما، فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله ﷺ ، ومن يجري مجراهم.
ويذكر: أن المهدي كان يعجبه الحمام، واللهو به، فأهدي إليه حمام، وعنده أبو البحتريّ القاصّ، فقال: روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا سبق إلا في خفّ، أو حافر، أو جناح فزاده: أو جناح، وهي: لفظة وضعها للمهدي، فأعطاه جائزة. فلمّا خرج قال المهدي: والله، لقد علمت أنه كذاب، وأمر بالحمام أن يذبح، فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ ، فترك العلماء حديثه ذلك، وغيره من
стр. 142
موضوعاته، فلا يكتب العلماء حديثه بحال.
قلت: فلو اقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح، والمسانيد، وغيرهما من المصنّفات التي تداولها العلماء، ورواها الأئمة الفقهاء، لكان لهم في ذلك غنية. وخرجوا عن تحذيره ﷺ حيث قال: «اتقوا الحديث عليّ إلّا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار». الحديث، فتخويفه ﷺ أمّته على الكذب، دليل على أنّه كان يعلم أنّه سيكذب عليه، فحذار مما وضعه أعداء الدين، وزنادقة المسلمين في باب الترغيب، والترهيب، وغير ذلك، وأعظمهم ضررا؛ أقوام من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الأحاديث حسبة فيما زعموا، فيقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركونا إليهم فضلّوا، وأضلّوا.
والله أعلم
* * *
стр. 143
الفصل السابع والعشرون في بيان ما جاء من الحجة، في الردّ على من طعن في القرآن، وخالف مصحف عثمان بالزيادة، والنقصان
واعلم: أنه لا خلاف بين الأمّة، ولا بين الأئمّة أهل السنة أنّ القرآن اسم لكلام الله تعالى، الذي جاء به محمد ﷺ ، معجزة له على ما سيأتي، وأنّه محفوظ في الصّدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته، فلا يحتاج في تعريفه بحدّ، ولا في حصره بعدّ، فمن ادعى زيادة عليه، أو نقصانا منه، فقد أبطل الإجماع وبهت الناس، وردّ ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن المنزّل عليه، وردّ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ وأبطل آية رسوله ﷺ ؛ لأنّه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه حين شيب بالباطل، ولمّا قدر عليه لم يكن حجة، ولا آية، وخرج أن يكون معجزا.
فالقائل: بأن القرآن فيه زيادة، ونقصان ردّ لكتاب الله، ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزوّج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياما مع شهر
стр. 144
رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا ردّ هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد.
قال الإمام أبو بكر، محمد بن القاسم، بن بشار، بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل، والعقل يعرفون من شرف القرآن، وعلوّ منزلته، ما يوجبه الحقّ، والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين، وتحريف الزائفين، حتى نبع في زماننا هذا، زائغ زاغ عن الملّة، وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسّها، وينمي فرعها، ويحرسها من معايب أولي الحيف، والجور، ومكايد أهل العداوة، والكفر، فزعم: أن المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ باتفاق أصحاب رسول الله ﷺ ، على تصويبه فيما فعل، لا يشتمل على جميع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت بعضها، وسأقرأ بقيتها.
فمنها: (والعصر ونوائب الدّهر) فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين، (ونوائب الدهر).
ومنها: (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وما كان الله ليهلكهم إلّا بذنوب أهلها) فادّعى هذا الإنسان، أنّه سقط على أهل الإسلام من القرآن وما كان الله ليهلكهم إلّا بذنوب أهلها وذكر مما يدّعي حروفا كثيرة.
وادعى: أن عثمان، والصحابة ﵃ زادوا في
стр. 145
القرآن ما ليس فيه، فقرأ في صلاة الفرض، والناس يسمعون:
الله الواحد الصمد فأسقط من القرآن: ﴿قُلْ هُوَ﴾، وغير لفظ أحد، وادعى أنّ هذا هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل، والمحال. وقرأ في صلاة الفرض (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) وطعن على قراءة المسلمين. وادّعى: أنّ المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيّرة.
منها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فادّعى: أنّ الحكمة، والعزّة لا يشاكلان المغفرة، وأن الصواب (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم) وترامى به الغيّ في هذا، وأشكاله، حتى ادّعى: أنّ المسلمين يصحّفون ﴿وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ والصواب الذي لم يغيّر عنده: (وكان عبد الله وجيها) وحتى قرأ في صلاة مفترضة، على ما أخبرنا جماعة سمعوه، وشهدوه: (لا تحرّك به لسانك إنّ علينا جمعه - وقراءته فإذا قرأناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأ به). وحكى لنا آخرون عن آخرين: أنهم سمعوه يقرأ: (ولقد نصركم ببدر بسيف عليّ وأنتم أذلّة) وروى هؤلاء أيضا لنا عنه، قال: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وأخبرونا أنّه: أدخل في آية من القرآن، ما لا يضاهي فصاحة رسول الله ﷺ ، ولا يدخل في لسان قومه، الذين قال الله فيهم: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ فقرأ: (أليس قلت للناس) في موضع ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ وهذا لا يعرف في نحو المعربين، ولا يحمل على مذاهب النحويّين؛ لأنّ
стр. 146
العرب لم تقل: ليس قمت، فأمّا: ألست قمت؟ بالتاء، فشاذّ، قبيح، خبيث، رديء، لأنّ ليس لا تجحد الماضي، ولم يوجد مثل هذا إلّا في قولهم: أليس قد خلق الله مثلهم؟ وهو لغة شاذّة، لا يحمل كتاب الله عليها.
وادّعى: أنّ عثمان ﵁: لمّا أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب؛ لأنّ عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، كانا أولى بذلك من زيد؛ لقول النبي ﷺ : «اقرأ أمتي أبيّ بن كعب». ولقوله ﷺ : «من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أمّ عبد». وقال هذا القائل: لي أن أخالف مصحف عثمان، كما خالفه أبو عمرو بن العلاء، فقرأ (إنّ هذين) (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُون) (بَشِّرْ عِبادِيَ الذين) بفتح الياء (فَما آتانِيَ اللَّهُ) بفتح الياء، والذي في المصحف: ﴿إِنْ هذانِ﴾ بالألف ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ بغير واو ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿فَما آتان اللَّهُ﴾ بغير ياءين في الموضعين، وكما خالف ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائيّ مصحف عثمان فقرؤوا: (كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) بإثبات نونين، يفتح الثانية بعضهم، ويسكّنها بعضهم، وفي المصحف نون واحدة، وكما خالف حمزة المصحف، فقرأ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ بنون واحدة، ووقف على الياء، وفي المصحف نونان، ولا ياء بعدهما، وكما خالف حمزة أيضا المصحف، فقرأ: (أَلا إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ) بغير تنوين، وإثبات الألف يوجب التنوين، وكلّ هذا الذي شنّع به على القرّاء ما يلزمهم به خلاف المصحف. قال أبو
стр. 147
بكر: وذكر هذا الإنسان: أنّ أبيّ بن كعب هو الذي قرأ: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وما كان الله ليهلكها إلّا بذنوب أهلها) وذلك باطل؛ لأنّ عبد الله بن كثير قرأ على مجاهد، ومجاهد قرأ على ابن عباس، وابن عباس قرأ القرآن على أبيّ بن كعب ﴿حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ في رواية، وقرأ أبيّ القرآن على رسول الله ﷺ ، وهذا الإسناد متّصل بالرسول ﷺ ، نقله أهل العدالة، والصيانة، وإذا صح عن رسول الله ﷺ أمر، لم يؤخذ بحديث يخالفه. وقال يحيى بن المبارك: قرأت القرآن على أبي عمرو بن العلاء، وقرأ أبو عمرو على مجاهد، وقرأ مجاهد على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبيّ بن كعب، وقرأ أبيّ بن كعب على رسول الله ﷺ ، وليس فيها، (وما كان الله ليهلكها إلّا بذنوب أهلها) فمن جحد أنّ هذه الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيّه ﷺ ، فليس بكافر، ولا آثم. ومثل هذه الزيادة: ما رووا عن ابن عباس أنّه قرأ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج). وما حكوه عن عمر بن الخطاب أنّه قرأ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وغير الضالين) فهذه الزيادات، ونظائرها، لو جحدها جاحد، أنّها من القرآن لم يكن كافرا. والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له، لو أنكر بعضه منكر كان كافرا، حكمه حكم المرتد، يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه.
وقال أبو عبيد: لم يزل صنيع عثمان ﵁ في جمعه القرآن يعتدّ له؛ بأنه من مناقبه العظام. وقد طعن عليه فيه
стр. 148
بعض أهل الزيغ، فانكشف عواره، ووضحت فضائحه. وقال أبو عبيد: وقد حدثت عن يزيد بن زريع، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز قال: طعن قوم على عثمان ﵁ بحمقهم جمع القرآن، ثم قرؤوا ما نسخ. قال أبو عبيد: يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم، كما أثبت الذي أثبت بعلم. قال أبو بكر: وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)﴾ دلالة على: كفر هذا الإنسان؛ لأن الله ، قد حفظ القرآن من التغيير، والتبديل، والزيادة، والنقصان، فإذا قرأ قارىء (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وقد تب ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ومُرَيَّتُه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ ليفٍ) فقد كذب على الله جلّ وعلا، وقوّله ما لم يقل، وبدّل كتابه، وحرّفه، وحاول ما قد حفظه منه، ومنع عن اختلاطه به، وفي هذا الذي أتاه؛ توطئة الطريق لأهل الإلحاد؛ ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عرى الإسلام، وينسبونه إلى قوم، كهؤلاء القوم، الذين أحال هذا الإنسان بالأباطيل عليهم، وفيه إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام، وبثباته تقام الصلوات، وتؤدّى الزكوات، وتتحرّى المتعبدات. وفي قول الله تعالى: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ دلالة على: بدعة هذا الإنسان، وخروجه إلى الكفر، لأن معنى أحكمت آياته: منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها، أو ينقصوا منها، أو يعارضو بمثلها. وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها: (وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ وكان الله قويا عزيزا) فقال في القرآن: هجرا. وذكر عليّا في مكان، لو سمعه
стр. 149
يذكره فيه، لأمضى عليه الحدّ، وحكم عليه بالقتل، وأسقط من كلام الله ﴿قُلْ هُوَ﴾ وغيّر أحد، فقرأ: (الله الواحد الصمد) وإسقاط ما أسقطه نفي، وكفر به، ومن كفر بحرف من القرآن، فقد كفر به، إلى آخر ما أطال به القرطبيّ رحمه الله تعالى.
والله أعلم
* * *
стр. 150
الفصل الثامن والعشرون في بيان هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب، أم لا ؟
واعلم: أنه لا خلاف بين الأمّة: أنه ليس في القرآن كلام مركّب على أساليب غير العرب، وأنّ فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير لسان العرب، كإسرائيل، وجبرائيل، وعمران، ونوح، ولوط، واختلفوا: هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب؟ فذهب القاضي أبو بكر بن الطيّب، والطبريّ، وغيرهما: إلى أنّ ذلك لا يوجد فيه، وأنّ القرآن عربيّ صريح، وما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات؛ إنّما اتّفق فيها أن تواردت اللغات عليها، فتكلّمت بها العرب، والفرس، والحبشة، وغيرهم، وذهب بعضهم: إلى وجودها فيه، وأن تلك الألفاظ لقلّتها، لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا، ولا رسول الله ﷺ ، عن كونه متكلّما بلسان قومه. فالمشكاة: الكوّة، ونشأ: قام من الليل ومنه ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: ضعفين، و ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ أي: الأسد كله بلسان الحبشة، والغسّاق: البارد المنتن بلسان الترك، والقسطاس: الميزان بلغة الروم، والسجّيل: الحجارة، والطين بلسان الفرس، والطّود: الجبل، واليمّ: البحر بالسريانية والتنور: وجه الأرض بالعجميّة.
стр. 151
قال ابن عطيّة: فحقيقة العبارة عند هذه الألفاظ؛ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه، وقد كان للعرب العاربة، التي نزل القرآن بلسانها، بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات، وبرحلتي قريش، وبغيرهما، كسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطّاب، وكسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلّقت العرب بهذا كلّه ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها، ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، فإن جهلها عربيّ ما؛ فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس، معنى فاطر، إلى غير ذلك. قال ابن عطيّة: وما ذهب إليه الطبريّ - رحمه الله تعالى - من أنّ اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع، لا أنا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذّا. قال غيره: والأوّل أصح. وقوله هي: أصل في كلام غيرهم، دخيلة في كلامهم، ليس بأولى من العكس، فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطبت بها أوّلا، فإن كان الأوّل، فهي من كلامهم، إذ لا معنى للغتهم، وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم، ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم، وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة.
стр. 152
فإن قيل: هذه الكلمات ليست على أوزان كلام العرب، فلا تكون منه.
قلنا: ومن سلّم لكم أنكم حصرتم أوزانهم، حتى تخرجوا هذه منها؟ فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب، ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحويّة، وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها، ولا عرفتها، استحال أن يخاطبهم الله تعالى بما لا يعرفون، وحينئذ لا يكون القرآن عربيا مبينا، ولا يكون الرسول مخاطبا لقومه بلسانهم.
والله أعلم
* * *
стр. 153
الفصل التاسع والعشرون في بيان بعض نكات في إعجاز القرآن، وشرائط المعجزة، وحقيقتها
المعجزة: واحدة معجزات الأنبياء الدالّة على صدقهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وسمّيت معجزة؛ لأنّ البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها.
وشرائطها: خمسة: فإن اختلّ منها شرط لا تكون معجزة.
فالشرط الأوّل: من شروطها: أن تكون مما لا يقدر عليها إلّا الله تعالى، وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة؛ لأنّه لو أتى آت في زمان مجيء الرّسل، وادّعى الرسالة، وجعل معجزته أن يتحرّك، ويسكن، ويقوم، ويقعد، لم يكن هذا الذي ادّعاه معجزة له، ولا دالّا على صدقه؛ لقدرة الخلق على مثله، وإنما يجب أن تكون المعجزات مما لا يقدر عليه البشر، كفلق البحر، وانشقاق القمر.
والشرط الثاني: أن تخرق العادة، وإنما وجب اشتراط. ذلك؛ لأنّه لو قال المدعي للرسالة: آيتي مجيء الليل بعد النهار، وطلوع الشمس من مشرقها، لم يكن فيه ادعاء معجزة؟ لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلّا الله، فلم تفعل من أجله، وقد
стр. 154
كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه، ودعواه في دلالتها على نبوّته كدعوى غيره، فبان أنّه لا وجه له يدلّ على صدقه، والذي يستشهد به الرسول ﵇، له وجه يدلّ على صدقه، وذلك أن يقول: الدليل على صدقي: أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة، فيقلب هذه العصا ثعبانا، ويشقّ الحجر، ويخرج من وسطه ناقة، أو ينبع الماء من بين أصابعي، كما ينبعه من العين، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادة، التي ينفرد بها جبار الأرض، والسموات، فتقوم له هذه العلامات، مقام قول الربّ سبحانه، لو أسمعنا كلامه العزيز، وقال: صدق أنا بعثته. ومثال هذه المسألة، ولله، ولرسوله المثل الأعلى: ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض، وقال أحد رجاله وهو بمرأى، ومسمع منه، والملك يسمعه: الملك يأمركم أيها الجماعة! بكذا وكذا، ودليل ذلك: أنّ الملك يصدقني بفعل من أفعاله، وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي، فإذا سمع الملك كلامه لهم، ودعواه فيهم، ثم عمل ما استشهد به على صدقه، قام ذلك مقام قوله، لو قال: صدق فيما ادّعاه عليّ، فكذلك إذا عمل الله عملا لا يقدر عليه إلّا هو، وخرق به العادة على يدي الرسول، قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى، لو أسمعناه، وقال: صدق عبدي في دعوى الرسالة، وأنا أرسلته إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
والشرط الثالث: هو أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله
стр. 155
عزّ وجلّ، فيقول: آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا، أو يحرّك الأرض عند قولي لها: تزلزلي، فإذا فعل الله سبحانه ذلك، حصل المتحدّى به.
والشرط الرابع: هو أن يقع على وفق دعوى المتحدّي بها، المستشهد بكونها معجزة له، وإنّما وجب اشتراط هذا الشرط؛ لأنّه لو قال: المدعي للرسالة: آية نبوّتي، ودليل حجّتي: أن تنطق يدي، أو هذه الدابة، فنطقت يده، أو الدابة بأن قالت: كذب، وليس هو بنبيّ فإنّ هذا الكلام الذي خلق الله تعالى، دالّ على كذب ذلك المدعي للرسالة؛ لأنّ ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه، وكذلك ما يروى: أنّ مسيلمة الكذاب لعنه الله تعالى، تفل في بئر؛ ليكثر ماؤها، فغارت البئر، وذهب ما كان فيها من الماء، فما فعله الله سبحانه من هذا، كان من الآيات المكذّبة لمن ظهرت على يديه، لأنّها وقعت على خلاف ما أراده المتنبىء الكذّاب.
والشرط الخامس: من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدّي على وجه المعارضة. فإن تمّ الأمر المتحدّى به، المستشهد به على النبوّة، على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة، فهي: معجزة دالّة على نبوّة من ظهرت على يده، فإن أقام الله تعالى من يعارضه، حتى يأتي بمثل ما أتى به، ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيّا، وخرج عن كونه معجزا، ولم يدلّ على صدقه، ولهذا قال المولى سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾ وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
стр. 156
مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ كأنّه يقول: إن ادعيتم أنّ هذا القرآن من نظم محمد ﷺ وعمله، فاعملوا عشر سور من جنس نظمه، فإن عجزتم بأسركم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس من نظمه، ولا من عمله. لا يقال: إن المعجزات المقيّدة بالشروط الخمسة، لا تظهر إلا على أيدي الصادقين. وهذا المسيح الدجّال فيما رويتم عن نبيكم ﷺ يظهر على يديه من الآيات العظام، والأمور الجسام، ما هو معروف مشهور، فإنّا نقول ذاك، يدّعي الرسالة، وهذا الدجّال يدّعي الرّبوبية، وبينهما من الفرقان ما بين البصراء، والعميان. وقد قام الدليل العقليّ: على أنّ بعثة بعض الخلق إلى بعض، غير ممتنعة، ولا مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع، والملّة. ودلت الأدلة العقلية أيضا: على أنّ المسيح الدجال فيه التصوير، والتغيير من حال إلى حال، وثبت أنّ هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات. تعالى رب البريات، عن أن يشبه شيئا، أو يشبهه شيء. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والله أعلم
* * *
стр. 157
الفصل الثلاثون في تقسيم المعجزات
إذا ثبت هذا، فاعلم: أنّ المعجزات على ضربين:
الأول: ما اشتهر نقله، وانقرض عصره بموت النبيّ ﷺ .
والثاني: ما تواترت الأخبار بصحّته، وحصوله، واستفاضت بثبوته، ووجوده، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة.
ومن شرطه: أن يكون الناقلون خلقا كثيرا، وجمّا غفيرا، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريّا، وأن يستوي في النقل، أوّلهم، وآخرهم، ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ﷺ ؛ لأنّ الأمّة ﵂ لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف، والسلف عن سلفه، إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﷺ ، المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلّة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل ﵇، وجبريل عن ربّه جلّ وعزّ، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة، والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر، الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه، ويسمعونه؛ لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروريّ بصدقهم، فيما نقلوه من وجود محمد ﷺ ، ومن ظهور القرآن على
стр. 158
يديه وتحدّيه به، ونظير ذلك من علم الدنيا، علم الإنسان ما نقل إليه من وجود البلدان، كالبصرة والشام، والعراق، وخراسان، والمدينة، ومكة، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة، الظاهرة، المتواترة. فالقرآن: معجزة نبيّنا محمد ﷺ ، الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومعجزة كلّ نبيّ انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل، والتغيير، كالتوارة، والإنجيل.
ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة:
منها: النّظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب، وفي غيرها؛ لأنّ نظمه ليس من نظم الشيء في شيء، وكذلك قال ربّ العزّة الذي تولّى نظمه: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾. وفي «صحيح مسلم»: أن أنيسا أخا أبي ذرّ قال لأبي ذرّ: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله تعالى أرسله، قلت: فما يقول الناس قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أفراء الشعر، فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر. والله، إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون، وكذلك أقرّ عتبة بن ربيعة، أنّه ليس بسحر، ولا شعر، لمّا قرأ عليه رسول الله ﷺ : (حم فُصِّلت) على ما يأتي بيانه هناك، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان، وموضعه من الفصاحة، والبلاغة، بأنّه ما سمع مثل هذا القرآن قطّ، كان في هذا القول مقرًّا له، ولضربائه من المتحققين بالفصاحة، والقدرة على التكلم بجميع أجناس
стр. 159
القول، وأنواعه.
ومنها: الأسلوب المخالف أساليب العرب.
ومنها: الجزالة التي لا تصحّ من مخلوق بحال، وتأمّل ذلك في سورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إلى آخرها، وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إلى آخر السورة، وكذلك قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى آخر السورة. قال ابن الحصار فمن علم أنّ الله هو الحقّ، علم أنّ مثل هذه الجزالة لا تصحّ في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، ولا أن يقول: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾.
قال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كلّ سورة، بل هي لازمة كل آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميّز مسموع كلّ آية، وكلّ سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدّي، والتعجيز، ومع هذا، فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين.
أحدهما: الإخبار عن الكوثر، وعظمه، وسعته، وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أنّ المصدّقين به أكثر من أتباع سائر الرسل.
والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول
стр. 160
الآية ذا مال، وولد على ما يقتضيه قوله الحقّ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ ثمّ أهلك الله سبحانه ماله، وولده، وانقطع نسله.
ومنها: التصرّف في لسان العرب على وجه لا يستقلّ به عربيّ، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدّمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّيّ ما كان يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدّوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أميّ من أمّة أميّة ليس لها بذلك علم بما عرفوا، من الكتب السالفة صحّته، فتحقّقوا صدقه. قال القاضي ابن الطيب: ونحن نعلم ضرورة أنّ هذا ممّا لا سبيل إليه إلّا عن تعلّم، وإذا كان معروفا أنّه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة الأخبار، ولا متردّدا إلى المعلّم منهم، ولا كان ممّن يقرأ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنّه لا يصل إلى علم ذلك، إلّا بتأييد من جهة الوحي.
ومنها: الوفاء بالوعد المدرك بالحسّ في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﷺ ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، وإلى وعد مقيّد،
стр. 161
بشرط قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وشبه ذلك.
ومنها: الإخبار عن المغيّبات في المستقبل التي لا يطّلع عليها إلا بالوحي، فمن ذلك: ما وعد الله سبحانه رسوله ﷺ ، أنّه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية، ففعل ذلك، وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله تعالى في إظهار دينه، ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا، وغربا، برّا، وبحرا. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ﴾ وقال: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ فهذه كلّها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلّا ربّ العالمين، أو من أوقفه عليها ربّ العالمين، فدلّ على أنّ الله تعالى قد أوقف عليها رسوله؛ لتكون دلالة على صدقه.
ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام.
ومنها: الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في
стр. 162
كثرتها، وشرفها من آدميّ.
ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا، وباطنا من غير اختلاف. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.
قلت: فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا - رحمهم الله تعالى -، وزاد النظام، وبعض القدرية حادي عشرها، وهو: أنّ وجه الإعجاز: هو المنع من معارضته، والصّرفة عند التحدّي بمثله، وأنّ المنع، والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن، وذلك أنّ الله تعالى صرف هممهم عن معارضته، مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله، وهذا فاسد؛ لأنّ إجماع الأمة قبل حدوث المخالف، على أنّ القرآن هو المعجز. فلو قلنا: إن المنع، والصرفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزا، وذلك خلاف الإجماع، وإذا كان كذلك، علم أنّ نفس القرآن هو المعجز؛ لأن فصاحته، وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قطّ كلام على هذا الوجه، فلمّا لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم، دلّ على أنّ المنع، والصرفة لم يكن معجزا. واختلف من قال بهذه الصرفة على قولين:
أحدهما: أنّهم صرفوا عن القدرة، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه.
الثاني: أنّهم صرفوا عن التعرّض له مع كونه في مقدورهم، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه. قال: ابن عطيّة: وجه
стр. 163
التحدّي في القرآن، إنّما هو بنظمه، وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحاط بالكلام كلّه علما، فعلم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبيّن المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل، والنسيان، والذهول. ومعلوم ضرورة: أنّ بشرا لم يكن محيطا قطّ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول من قال: أن العرب كان في قدرتها، أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلمّا جاء محمد ﷺ صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه.
والصحيح: أنّ الإتيان بمثل القرآن، لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر، في أنّ الفصيح منهم يضع خطبة، أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده، فيأخذها بقريحة جامّة، فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر، والبدل. وكتاب الله تعالى، لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب، أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ومن فصاحة القرآن: أنّ الله جلّ ذكره، وثناؤه، ذكر في آية واحدة: أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، وكذلك فاتحة سورة المائدة أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلّل تحليلا عامّا، ثم استنثى استثناء بعد استثناء ثمّ أخبر عن حكمته، وقدرته، وذلك مما لا يقدر عليه إلّا الله . وأنبأ سبحانه: عن الموت، وحسرة الفوت، والدار الآخرة، وثوابها، وعقابها، وفوز
стр. 164
الفائزين، وتردّي المجرمين، والتحذير عن الاغترار بالدنيا، ووصفها بالقلّة، بالإضافة إلى دار البقاء، بقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الآية، وأنبأ أيضا:
عن قصص الأوّلين، والآخرين، ومآل المفترين، وعواقب المهلكين في شطر آية، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ وأنبأ جلّ وعزّ: عن أمر السفينة، وإجرائها، وإهلاك الكفرة، واستقرار السفينة، واستوائها، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض، والسماء بقوله : ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ إلى قوله: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إلى غير ذلك، فلمّا عجزت قريش عن الإتيان بمثله، وقالت: إنّ النبي ﷺ تقوّله، أنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾ ثم أنزل تعجيزا أبلغ من ذلك، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ فلما عجزوا، حطّهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار، فقال جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فأفحموا عن الجواب، وتقطّعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب، والعناد، وآثروا سبي الحريم، والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا، وأبلغ في الحجة، وأشدّ تأثيرا، هذا مع كونهم أرباب البلاغة، واللّحن، وعنهم تؤخذ الفصاحة، واللّسن، فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان، وأرفع درجات الإيجاز، والبيان، بل تجاوزت حدّ الإحسان،
стр. 165
والإجادة إلى حيز الإرباء، والزيادة. هذا رسول الله ﷺ مع ما أوتي من جوامع الكلم، واختصّ به من غرائب الحكم، إذا تأملت قوله ﷺ في صفة الجنان، وإن كان في نهاية الإحسان، وجدته منحطّا عن رتبة القرآن، وذلك في قوله ﵇: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فأين ذلك من قوله : ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ وقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. هذا أعدل وزنا، وأحسن تركيبا، وأعذب لفظا، وأقلّ حروفا، على أنه لا يعتبر إلّا في مقدار سورة، أو أطول آية؛ لأنّ الكلام كلّما طال اتسع فيه مجال المتصرّف، وضاق المقال على القاصر المتكلّف، وبهذا قامت الحجة على العرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى ﵇ على الأطباء، ومعجزة موسى ﵇ على السحرة، فإنّ الله سبحانه؛ إنّما جعل معجزات الأنبياء ﵈ بالوجه الشهير، أبرع ما يكون في زمان النبيّ، الذي أراد إظهاره، فكان السحر في زمان موسى ﵇ قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطبّ في زمان عيسى ﵇، والفصاحة في زمان محمد ﷺ .
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، ومنه نرتجي قبول المتاب، عن كل ما وقع في السّطور، والكتاب، والحمد لله على ما حبانا، والشكر له على ما أولانا، وأسأله أن يديم نفعه بين عباده، ويردّ عنه جدل منكره، وجاحده،
стр. 166
ويطمس عنه عين كائده، وحاسده، والمرجو ممّن اطّلع عليه، وصرف وجهه إليه، بعين القبول، والرغبة لديه، أن يصلح خطأه، وسقطته، ويزيل زلله، وهفوته، بعد التأمّل، والإمعان، لا بمجرّد النظر، والعيان؛ لأنّ الإنسان مركز الجهل، والنسيان، لا سيما حليف البلاهة والتوان؛ ليكون ممن يدفع السيئة بالحسنة، لا ممنّ يجازي الحسنة بالسيّئة، علّمنا الله وإيّاكم علوم السالفين، وجنّبنا وإيّاكم بدع الخالفين، وأدّبنا وإيّاكم بآداب الأخيار، وأذاقنا وإيّاكم كؤوس المعارف والأسرار.
اللهمّ ربّنا! يا ربّنا! تقبّل منّا أعمالنا، وأصلح أقوالنا وأفعالنا إنّك أنت السميع العليم! وتب علينا يا مولانا إنّك أنت التوّاب الرحيم! وجد علينا ببحار فيضك إنّك أنت الجواد الكريم! وصلى الله وسلّم على سيّدنا ومولانا، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين (١).
стр. 167
شعرٌ
وما من كاتبٍ إلّا سيفنى ... ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفّك غير شيء ... يسرّك في القيامة أن تراه
آخر
أجلّ ما كسبت يد الفتى قلم ... وخير ما جمعت يداه الكتب
إلى هنا جفّت الأقلام، وكلّت اللّجام بيد الفقير إلى رحمة ربه القدير، سُمّي محمد الأمين، الهرري، نزيل مكة المكرّمة، جوار الحرم الشريف، أدام الله سبحانه شرفها، وشرّف من شرّفها، من جميع الخدم، والزائرين، آمين يا ربّ العالمين.
* * *
стр. 168
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الأول»
стр. 169
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 170
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١]
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 172
شعر
بورك حدائق الرّوح والريحان ... كما بورك جنا الزّيتون والرمّان
كتاب حوى من جنا التّفسير أفنانا ... فالحمد للمولى على ما قد حبانا
كتاب لو يباع بوزنه ذهبا ... لقد كان البائع فيه المغبونا
آخر
بلاد الله واسعة فضاء ... ورزق الله في الدّنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم الأرض فسيحوا
آخر
سافر تجد عوضا عمن تفارقه ... وانصب فإن اكتساب المجد في النصب
فالأسد لولا فراق الخيس ما افترست ... والسّهم لولا فراق القوس لم يصب
آخر
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ... وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام
المجلد الأول، من تفسير حدائق الروح والريحان، على الحزب الأول من القرآن الكريم ولعل مؤلفه قصد أوّلا: أن يخص كل حزب من الأحزاب الستين بمجلد، فيكون الكتاب إحدى وستين جلدة مع المقدمة.
فائدة: قال مؤلفه وكان التاريخ الشروعى لتفسيرنا هذا مع التوائق والمعائق بتاريخ ٢/ ١/ ١٤٠٦ هـ وكان التاريخ الانتهائي منه مع المقدمة بتاريخ ١/ ١٠/ ١٤١٧ هـ
فلله الحمد ما أسدى وأولى ... ونعم المولي ونعم المولى
стр. 173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
نحمدك يا فارق الفرقان، ومنزل القرآن بالحكمة والبيان، على عبده محمد ﷺ ليكون للعالمين نذيرا، ولطريق الحق سراجا منيرا، كتابا كافلا ببيان الأحكام، متوشّحا ببيان الحلال من الحرام، قاطعا للخصام، شافيا لصنوف السقام، مرهما مجربا لكل الأوهام، العروة الوثقى لمن تمسك بها، والجادة الواضحة لمن سلكها، فأي كلام يستحق من التعظيم، ما يستحقه كلام الرب الحكيم، كتاب أعجز الفصحاء، وأفحم عن دركه البلغاء، فإن فصاحتهم وإن طالت ذيولها، وبلاغتهم وإن سالت سيولها، فإنها تتقاصر عن درك أوصافه، وبلوغ أدنى أطرافه، فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقّه من التقدير والإعظام، أولى وأحرى لجميع الأنام، وأوفق بما يقتضيه الحال والمقام، وكيف لا، فإنه كلام من لا تدركه الأوهام، ولا تحيط بوصفه الأفهام.
ولقد صدق رسول الله ﷺ حيث قال: فيما أخرجه الترمذي، وحسّنه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه» فإنه كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
أمر فيه وزجر، وبشر فيه وأنذر، ذكر فيه المواعظ لمن يتذكر، وضرب الأمثال لمن يتدبر، وقص فيه القصص لمن يعتبر، وذكر فيه دلائل التوحيد لمن يتفكر، ثم لم يرض منا بسرد حروفه، بدون حفظ حدوده، ولا بتجويد كلماته،
стр. 174
بدون العمل بمحكماته، ولا بتلاوته بلا تدبر قراءته، ولا بمجرد دراسته، بلا تعلم حقائقه، وتفهم دقائقه، ولا وصول إلى هذه المقاصد منه، إلا بدراية تفسيره وأحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، وتناسق آياته، وأسباب نزوله وأقسامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، والتطلّع على خاصه وعامّه، فإنه أرسخ العلوم أصلا، وأسبغها فرعا وفصلا، وأكرمها نتاجا، وأنورها سراجا، فلا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدالّ عليه، وقد قيض الله له رجالا موفقين، وبالحق ناطقين، وللبدع قامعين، وللسنن ناشرين، وللتفسير متقنين، حتى صنفوا في سائر علمه المصنفات، وجمعوا شوارد فنونه المتفرقات، كلّ على قدر فهمه، ومبلغ علمه فشكر الله تعالى سعيهم، ورحم أسلافهم وأخلافهم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من أقر بربوبيته، وصمم بوحدانيته، وصدق بكتابه، واقتدى بمحكمه، وآمن بمتشابهه، وقال بما قال الراسخون منا، آمنا به كل من عند ربنا.
وأشهد أن سيدنا محمدا ﷺ عبده ورسوله، وصفيه وخليله. أرسله رحمة للعالمين، ومبيدا للعدا والكافرين، أنزل عليه الكتاب المستبين، والفرقان المبين، نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، حكم بالرضوان لمن اتبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه، عجز الخلائق عن معارضته، حين تحداهم على أن يأتوا بسورة من مثله.
اللهم يا ذا الجود والإنعام، ويا ذا الجلال والإكرام، صلّ وسلم أفضل الصلاة وأزكى السلام، على سيدنا ومولانا محمد من أرسلته رحمة للأنام، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته وأهل بيته السادات الكرام، صلاة وسلاما أرقى بهما مراقي الإخلاص،
وأنال بهما غاية الخلاص، دائمين بدوامك، باقيين ببقائك، عدد ما أحاط به علمك، وجرى به قلمك.
أما بعد: فإن علم التفسير، لما كان أعظم العلوم مقدارا، وأرفعها شرفا ومنارا، ورئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، عالي القصور والبنيان، وسيع الرحب والميدان، طالما رغبت في الدخول من أبوابه،
стр. 175
متطفلا للقعود في محرابه، لأكون متشبها بالفرسان من أحزابه، وممتصّا من بقية شرابه، وإن لم أكن من فرسان ميدانه، متمثلا بما قال الأول:
إن لم تكونوا مثلهم فتشبّهوا ... إن التشبّه بالكرام فلاح
ومتسرّقا بما قال الآخر:
تطالبني بخدمة القرآن نفسي ... وفيها قرّتا بصري وسمعي
فقلت لها: التفاسير ليس تحصى ... وما رمتيه يقصر عنه وسعي
على أنه لا يليق لتعاطيه، والتصدّي للتكلم فيه، إلا من برع في العلوم الدينية كلها، أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية، والفنون الأدبية، بأنواعها وأسرها، فتردّدت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في قوله ﷺ :
«من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار» وفي رواية: «من قال في القرآن برأيه» أخرجه الترمذي.
وفي قوله ﷺ : «من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود والترمذي. فلما اشتد عزمي، وغلب سهري على نومي، ناداني منادي القلم، شاربا من مداد الكرم، أما تسمح أيها المهين، ويا سمي محمد الأمين، بخدمة كتاب ربك المتين، بما عندك من قطرات الفنون، فأجبته بالشروع فيها مشمّرا عن ساق الجد والاجتهاد، راجيا من الله المعونة والإمداد، من الفتوحات الإلهية، والفيضات الربانية، والمعارف الصمدانية، فتصديت لها بشرح يذكر تناسبه، وينقل أسبابه، ويفك تراكيبه، ويحل معانيه، ويعرّف مبانيه، ويبيّن تصاريفه، ويفصح بلاغته وفصاحته، ويكشف محاسنه وبداعته، وسميته «حدائق الرّوح والرّيحان، في روابي علوم القرآن».
والله الكريم أسأل طوله وفضله، والتوفيق لما هو المعنى عنده، وأن يجعل في عمري البركة إلى أن أكمّله، لأنه قد مضى منه معظمه، ونونه وواوه، فلم يبق منه إلا درديّه وعلله، ويصرف عني العوائق والمعائق إلى أن أتممه، إنه وليّ التوفيق، والهادي إلى أصوب الطريق.
стр. 176
والمرجو ممن اطلع عليه، وصرف وجهه إليه، أن يصلح خلله، ويزيل زلله، بعد التأمل والإمعان، بقلم الإنصاف والإحسان؛ لأن الإنسان مركز الجهل والنسيان، لا سيما حليف البله والبلاهة والتوان، وأسأل الله الكريم، أن ينفع به النفع العميم، لكل من تلقاه بقلب سليم، وأن يفتح على آخذه، وقاصده، باب فيضه وإمداده، وأن يطمس عنه عين حاسده، ويخرس عنه لسان كائده، إنه هو المولى الرقيب، والرب القريب المجيب، والمنعم الجواد الكريم، والبر الرحمن الرحيم، ولنبدأ قبل الشروع في المقصود، بذكر مبادىء الفن والحدود، ليكون الطالب بها بصيرا، وفيما بصدده خبيرا، وها أنا أستمد من الله التوفيق، والهداية لأقوم الطريق، في كتابة هذا الشرح والتعليق، فأقول وقولي هذا: هذه مقدّمة، رب أكرمني بالنهاية كما وفقتني بالبداية.
والله أعلم
* * *
стр. 177
مقدمة في مبادىء فن التفسير
ينبغي لكل شارع في فن، أن يعرف المبادىء العشرة ليكون على بصيرة فيه، وإلا صار كمن ركب متن عمياء، وخبط خبط ناقة عشواء، وتلك العشرة هي المجموعة في قول بعضهم:
إنّ مبادىء كلّ فن عشره ... الحدّ والموضوع ثمّ الثمره
وفضله ونسبة والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
فالآن نشرع في فنّ التفسير فنقول:
١ - حدّه لغة: الكشف والبيان، واصطلاحا: علم يعرف به معاني كلام الله بحسب الطاقة البشرية.
٢ - وموضوعه: آيات القرآن من حيث فهم معانيها.
٣ - وثمرته: أي فائدته: معرفة معاني كلام الله تعالى على الوجه الأكمل.
٤ - وفضله: فوقانه على سائر العلوم؛ لأنه أصل العلوم الشرعيّة.
٥ - ونسبته: تباينه لسائر العلوم.
٦ - وواضعه: الراسخون في العلم، من عهد النبي ﷺ إلى الآن على التحقيق، كما شهد الله بذلك بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ الآية.
٧ - واسمه: علم التفسير.
٨ - واستمداده: من الكتاب والسنة والآثار وكلام الفصحاء من العرب العرباء.
٩ - وحكمه: الوجوب الكفائيّ.
стр. 178
١٠ - ومسائله: قضاياه من حيث الأمر والنهي والموعظة إلى غير ذلك.
١١ - وغايته: الفوز بسعادة الدارين، أمّا في الدنيا: فبامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأما في الآخرة: فبالجنة ونعيمها، ولذلك يقال له: «اقرأ وارق» كما في الحديث.
والله أعلم
* * *
стр. 179
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
فصل في مباحث الاستعاذة
في الاستعاذة مباحث:
الأول في لفظها: فالمختار في لفظها عند الجمهور (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لموافقة قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أحمد: الأولى أن يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) جمعا بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال الثوري والأوزاعي: الأولى أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنّ الله هو السميع). ويؤيّد قول الجمهور: ما روي (١) عن ابن مسعود أنه قال: قلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي النبي ﷺ : «يا ابن أمّ عبد (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، هكذا أقرأني جبريل عن اللوح عن القلم».
والثاني في حكمها: وأمّا حكمها: فقد (٢) اتفق الجمهور على أنّ الاستعاذة سنّة في الصلاة، فلو تركها لم تبطل صلاته، سواء تركها عمدا أو سهوا، ويستحبّ لقارىء القرآن خارج الصلاة أن يتعوذ أيضا. وفي «القرطبي»: وحكى النقاش، عن عطاء: أنّ الاستعاذة واجبة في صدر كلّ قراءة في الصلاة وغيرها، واختلفوا في الاستعاذة في الصلاة، وكان ابن سيرين والنخعيّ وقوم يتعوّذون في الصلاة في كلّ ركعة، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم، وأبو حنيفة والشافعيّ يتعوذّان في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة
стр. 180
واحدة، ومالك لا يرى التعوّذ في الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان بعد القراءة. انتهى. وفي «الخازن» دليل الوجوب ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، والأمر للوجوب، وأنّ النبي ﷺ واظب على التعوذ فيكون واجبا. ودليل الجمهور: أنّ النبي ﷺ لم يعلّم الأعرابيّ الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة، وتأخير البيان عن وقته غير جائز. وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ بأنّ معناه عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ، كقوله: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وأجابوا أيضا، عن مواظبة النبي ﷺ : بأنّه ﷺ واظب على أشياء كثيرة من أفعال الصلاة ليست بواجبة، كتكبيرات الانتقالات والتسبيحات في الصلاة، فكان التعوّذ مثلها، وأجمع العلماء قاطبة على أنّ التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه.
والثالث في وقتها: وأمّا وقتها: فهو قبل القراءة عند الجمهور، سواء كان في الصلاة أو خارجها. وحكي عن النخعيّ: أنّه بعد القراءة؛ لظاهر قوله تعالى:
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: إذا فرغت من قراءة القرآن فاستعذ بالله، وهو قول داود وإحدى الروايتين عن ابن سيرين. حجة (١) الجمهور: ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر ثمّ يقول:
«سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك»، ثمّ يقول:
«لا إله إلّا الله ثلاثا»، ثمّ يقول: «الله أكبر كبيرا ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم؟
من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». همزه: وسوسته. نفخه: كبره. نفثه:
شعره. رواه أبو داود. وهذا الحديث: نصّ في أنّ التعوذ قبل القراءة.
والرابع في معناها: وأما معناها: فالاستعاذة لغة: الالتجاء إلى الغير والاعتصام به، وشرعا: الالتجاء إلى الله والالتصاق بجانبه من شرّ كل ذي شرّ، انتهى من «الخازن» و «ابن كثير» بتصرف. وقال ابن كثير: ومعنى: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي: أستجير (٢) بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرّني في