← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل السادس عشر في عدد آي القرآن، وكلماته، وحروفه وأمّا عدد آي القرآن في المدني الأوّل: فقال محمد بن عيسى: جميع عدد آي القرآن في المدنيّ الأول: ستة آلاف. قال أبو عمرو: وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة عن أهل المدينة، ولم يسمّوا في ذلك أحدا يسندونه إليه. وأمّا المدنيّ الأخير: فهو في قول إسماعيل بن جعفر: ستة آلاف آية، ومائتا آية، وأربع عشرة آية. وقال الفضل: عدد آي القرآن في قول المكيّين ستة آلاف آية، ومائتان وتسع عشرة آية. وقال محمد بن عيسى: وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين: ستة آلاف آية ومئتا آية، وستّ وثلاثون آية. وهو العدد الذي رواه مسلم، والكسائي، عن حمزة، وأسنده الكسائي إلى عليّ ﵁. قال محمد: وجميع آي القرآن في عدد البصريين: ستّة آلاف ومائتا آية، وأربع آيات، وهو العدد الذي مضى عليه سلفهم حتى الآن. وأمّا عدد أهل الشام: فقال يحيى بن الحارث الذّمّاريّ: ستة آلاف، ومائتان، وست وعشرون آية، وفي رواية: ستة آلاف، ومائتان، وخمس وعشرون. نقص آية. قال ابن ذكوان: فظننت أن يحيى لم يعد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قال أبو عمرو: فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا، ويعدون بها في سائر الآفاق قديما،

стр. 107

وحديثا. وأمّا كلماته: فقال الفضل بن شاذان: جميع كلمات القرآن في قول عطاء بن يسار: سبعة وسبعون ألفا، وأربعمائة، وثلاثون كلمة، وأمّا حروفه: فأربعمائة ألف، وثلاثة وعشرون ألفا، وخمسة عشر حرفا، وهذا يخالف ما ذكر عن الحمّاني فيما سيأتي، من أنّ جميع حروف القرآن: ثلاثمائة ألف حرف، وأربعون ألف حرف، وسبعمائة حرف، وأربعون حرفا. وقال عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: هذا ما أحصينا من القرآن وهو: ثلاثمائة ألف حرف، وأحد وعشرون ألف حرف، ومائة وثمانون حرفا، وهذا أيضا يخالف ما ذكر، عن الحماني في عدّ حروفه. والله أعلم * * *

стр. 108

الفصل السابع عشر في أجزائه، وأحزابه، وأرباعه، وأنصافه، وأثلاثه، وأسباعه روي: أنّ القرّاء، لما قسّموا القرآن في زمن الحجّاج إلى ثلاثين جزءا، قسموه أيضا إلى نصفين، فقال لهم الحجّاج: أخبروني إلى أيّ حرف ينتهي نصف القرآن؟ فإذا هو في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في الفاء. قال فأخبروني بأثلاثه؟ فإذا الثلث الأول: رأس مائة من براءة والثلث الثاني: رأس مائة وإحدى وعشرين من ﴿طسم (١)﴾ الشعراء، والثلث الثالث: ما بقي من القرآن. قال فأخبروني بأسباعه على الحروف؟ فإذا أول سبع: في النساء ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ في الدال، والسبع الثاني: في الأعراف ﴿فَأُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ في التاء، والسبع الثالث في الرعد ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ في الألف من آخر أكلها، والسبع الرابع في الحج ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ في الألف، والسبع الخامس: في الأحزاب ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ في الهاء، والسبع السادس: في الفتح ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ في الواو، والسبع السابع: ما بقي من القرآن. قال سلام، أبو محمد الحماني: أمرني الحجاجّ بهذه التقسيمات، فعملناها في أربعة أشهر، وكان الحجاج يقرأ كل ليلة

стр. 109

ربعا؛ فأول ربعه: خاتمة الأنعام، والربع الثاني: في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ والربع الثالث: خاتمة الزمر، والربع الرابع: ما بقي من القرآن، وفي هذه الجملة خلاف مذكور في كتاب «البيان» لأبي عمرو الداني، من أراد الوقوف عليه وجده هناك. وعن السلف الصالحين. من ختم القرآن على هذا الترتيب الذي نذكره، ثم دعا تقبل حاجته، وهو الترتيب الذي كان يفعله عثمان ﵁ يقرأ يوم الجمعة من أوله إلى سورة الأنعام، ويوم السبت من سورة الأنعام إلى سورة يونس، ويوم الأحد من سورة يونس إلى سورة طه، ويوم الاثنين من سورة طه إلى سورة العنكبوت، ويوم الثلاثاء من سورة العنكبوت إلى سورة الزمر، ويوم الأربعاء من سورة الزمر إلى سورة الواقعة، ويوم الخميس من سورة الواقعة إلى آخر القرآن. وقيل: أحزاب القرآن سبعة: الحزب الأوّل: ثلاث سور. والثاني: خمس سور. والثالث: سبع سور. والرابع: تسع سور. والخامس: إحدى عشرة سورة. والسادس: ثلاث عشرة سورة. والسابع: المفصّل من ق. وفي «فتح الرحمن»: وأحزاب

стр. 110

القرآن ستون حزبا. وعلى هذا الحزب نصف الجزء، وعلى هذا العمل الآن في المصاحف. والله أعلم * * *

стр. 111

الفصل الثامن عشر في تعشيره وتخميسه، والكتابة في فواتح السّور، أو خواتمها، ووضع النقط في منتهى الآية، وغير ذلك وأمّا وضع الأعشار: فقال ابن عطية، مرّ بي في بعض التواريخ: أن المأمون العباسي، أمر بذلك. وقيل إن الحجّاج فعل ذلك؛ أي: جزّأ الحجّاج القرآن عشرة أجزاء، وكتب عند أول كل عشر بهامش المصحف (عشر) بضم العين، وكذلك كتب الأسباع. وذكر أبو عمرو الداني في كتاب «البيان» له، عن عبد الله: أنه كره التعشير في المصحف، وأنه كان يحكّه. وعن مجاهد: أنه كره التعشير، والطيب في المصحف. وقال أشهب: سمعت مالكا، وسئل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة، وغيرها من الألوان؟ فكره ذلك، وقال: (تعشير القرآن لا بأس به). وسئل عن المصحف؛ يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية؟ قال: إني أكره ذلك في أمهات المصاحف، أن يكتب فيها شيء، أو يشكّل، فأما ما يتعلم فيها الغلمان من المصاحف؛ فلا أرى بذلك بأسا. قال أشهب: ثم أخرج إلينا مصحفا لجدّه كتبه: إذ كتب عثمان المصاحف، فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر، ورأيته معجوم الآي

стр. 112

بالحبر. وقال قتادة: بدؤوا فنقّطوا، ثم خمّسوا، ثم عشّروا. وقال يحيى بن أبي كثير: كان القرآن مجرّدا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه: النقطة على الباء، والتاء، والثاء، وقالوا: لا بأس به هو نور له، ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح، والخواتم. وعن أبي جمرة: رأى إبراهيم النخعي في مصحفي فاتحة سورة كذا وكذا، فقال لي: أمحه، فإن عبد الله بن مسعود قال: (لا تخلطوا في كتاب الله ما ليس فيه). وعن أبي بكر السراج قال: قلت لأبي رزين: أأكتب في مصحفي سورة كذا وكذا؟ قال: إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه، فيظنونه من القرآن. قال الداني - رحمه الله تعالى -: وهذه الأخبار كلها، تؤذن بأن التعشير والتخميس، والتّثمين، وفواتح السور، ورؤوس الآي من عمل الصحابة ﵃ أجمعين - فأدّاهم إلى عمله الاجتهاد، وأرى: أن من كره ذلك منهم، ومن غيرهم؛ إنما كره أن يعمل بالألوان، كالحمرة، والصّفرة، وغيرهما، على أن المسلمين في سائر الآفاق قد أطبقوا على جواز ذلك، واستعماله في الأمهات، وغيرها. والحرج، والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه إن شاء الله تعالى. والله أعلم * * *

стр. 113

الفصل التاسع عشر في بيان أوّل من وضع النّقط، والشّكل، والشّدّة، والمدّة، والهمزة، وعلامة الغنّة في المصاحف، وأوّل من وضع النّحو، وجعل الإعراب فيها وكانت المصاحف العثمانية مجرّدة من النقط، والشكل، والشدّة، والمدّة، وعلامة الإعراب، فلم يكن فيها إعراب، وسبب ترك الإعراب فيها، والله أعلم؛ استغناؤهم عنه، فإن القوم كانوا عربا لا يعرفون اللحن، ولم يكن في زمنهم نحو. وأوّل من وضع النحو، وجعل الإعراب في المصاحف: أبو الأسود الدّؤليّ، التابعيّ، البصريّ. حكى أنه سمع قارئا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام (في رسوله)، فأعظمه ذلك، وقال: عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم جعل الإعراب في المصاحف. وكان علامته: نقطا بالحمرة غير لون المداد، فكانت علامة الفتحة: نقطة فوق الحرف وعلامة الضمة: نقطة في نفس الحرف، وعلامة الكسرة: نقطة تحت الحرف، وعلامة الغنة: نقطتين، ثم أحدث الخليل بن أحمد الفراهيدي بعد هذا، هذه الصور: الشدّة، والمدّة، والهمزة، وعلامة السكون، وعلامة الوصل، ونقل الإعراب من صورة النقطة

стр. 114

إلى ما هو عليه الآن. وأما النقط المميزة بين الحروف، فأوّل من وضعها في المصحف: نصر بن عاصم الليثيّ، بأمر الحجاج بن يوسف، أمير العراق، وخراسان، وسببه: أنّ الناس كانوا يقرأون في مصحف عثمان، نيّفا وأربعين سنة إلى يوم عبد الله بن مروان، ثم كثر التصحيف، وانتشر بالعراق، فأمر الحجاج أن يضعوا لهذه الأحرف المشتبهة علامات، فقام بذلك نصر المذكور، فوضع النّقطة أفرادا، وأزواجا، وخالف بين أماكنها، وكان يقال له نصر الحروف. وأوّل ما أحدثوا النقطة على الباء، والتاء، وقالوا: لا بأس به هو نور له، ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح، والخواتم. فأبو الأسود هو السابق إلى إعرابه، والمبتدىء به، ثم نصر بن عاصم، وضع النقط بعده، ثم الخليل بن أحمد نقل الإعراب إلى هذه الصّورة، وكان مع استعمال النّقط، والشكل يقع التصحيف، فالتمسوا حيلة، فلم يروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين، فانتدب جهابذة علماء الأمة، وصناديد الأئمّة، وبالغوا في الاجتهاد، وجمعوا الحروف، والقراءات، حتى بيّنوا الصواب، وأزالوا الإشكال - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وأوّل من خطّ بالعربية: يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية. وأوّل من استخرج الخط المعروف بالنسخ: ابن مقلة وزير المقتدر بالله، ثم القاهر بالله، فإنّه أوّل من نقل الخطّ الكوفي إلى

стр. 115

طريقة العربية، ثم جاء ابن البوّاب، وزاد في تعريب الخط، وهذّب طريقة بن مقلة، وكساها بهجة، وحسنا، ثم ياقوت المستعصي الخطّاط، وختم فنّ الخطّ، وأكمله، ثم جاء الشيخ: حمد الله الأماسيويّ، فأجاد الخطّ بحيث لا مزيد عليه إلى الآن، ولله در القائل: خطّ حسين جمال مرأى ... إن كان لعالم فأحسن الدّرّ من النّبات أحلى ... والدّرّ مع النّبات أزين والله أعلم * * *

стр. 116

الفصل العشرون في تفصيل حروف القرآن، كم فيه من الحروف الفلانية ذكرها الإمام النّسفيّ في كتابه: «مجمع العلوم ومطلع النّجوم». الألف: ثمانية وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون. الباء: أحد عشر ألفا وأربعمائة وعشرون، التاء: ألف وأربعمائة وأربعة، الثاء: عشرة آلاف وأربعمائة وثمانون، الجيم: ثلاثة آلاف وثلاثمائة واثنان وعشرون. الحاء: أربعة آلاف ومائة وثمانية وثلاثون، الخاء: ألفان وخمسمائة وثلاثة، الدال: خمسة آلاف وتسعمائة وثمانية وتسعون، الذال: أربعة آلاف وتسعمائة، وأربعة وثلاثون. الراء: ألفان ومائتان وستّة، الزاي: ألف وستّمائة وثمانون، السين: خمسة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون، الشين: ألفان ومائة وخمسة عشر، الصاد: ألفان وسبعمائة وثمانون، الضاد: ألف وثمانمائة واثنان وثمانون، الطاء: ألف ومائتان وأربعة، الظاء: ثمانمائة واثنان وأربعون، العين: تسعة آلاف وأربعمائة وسبعون، الغين: ألف ومئتان وتسعة وعشرون، الفاء: تسعة آلاف وثمانمائة وثلاثة عشر، القاف: ثمانية آلاف وتسعة وتسعون الكاف: ثمانية آلاف واثنان وعشرون، اللام: ثلاثة وثلاثون ألفا وتسعمائة واثنان وعشرون. الميم: ثمانية وعشرون ألفا وتسعمائة واثنان وعشرون، النون: سبعة عشر ألفا. الهاء:

стр. 117

ستّة وعشرون ألفا وتسعمائة وخمسة وعشرون، الواو: خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة وستّة لام ألف: أربعة عشر ألفا وسبعمائة وسبعة. الياء: خمسة وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة عشر. اه. وأمّا جملة حروفه فهي: ألف ألف، وسبعة وعشرون ألفا، بإدخال حروف الآيات المنسوخة. ونصفه الأول باعتبار حروفه: ينتهي بالنون من قوله: في سورة (الكهف): ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ والكاف أوّل النصف الثاني. وعدد درجات الجنة بعدد حروف القرآن، وبين كل درجتين قدر ما بين السماء، والأرض. وأما جملة عدد آياته فهي: ستّة آلاف، وخمسمائة. نصفها الأول: ينتهي بقوله في سورة (الشعراء): ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ وعدد جلالات القرآن: ألفان، وستمائة، وأربعة وستون. اه. والله أعلم * * *

стр. 118

الفصل الحادي والعشرون في بيان معنى القرآن، ومعنى السّورة، والكلمة، والحرف والقرآن لغة: الشيء المجموع من قرأه إذا جمعه. واصطلاحا: هو اللفظ المنزّل على محمد ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه، المتعبّد بتلاوته. ووصفه بالكريم: من حيث ما فيه من الخيرات الكثيرة، والمنافع الغزيرة. والسورة لغة: الحائط المرتفع. واصطلاحا: طائفة من القرآن لها أوّل، وآخر، وترجمة باسم خاصّ بها، بتوقيف من النبي ﷺ كما سبق: أنّ الراجح كون ترتيب الآيات، والسّور، وتسميتها توقيفا: مأخوذة من سور البلد، لارتفاع رتبتها، كارتفاعه. وفي القرطبي معنى السورة في كلام العرب: الإبانة لها من أخرى، وانفصالها عنها، وسميت السورة القرآنية بذلك، لأنّه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة، قال النابغة: ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب أي: منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزلة الملوك. وقيل: سمّيت بذلك؛ لشرفها، وارتفاعها، كما يقال: لما ارتفع من الأرض سورة.

стр. 119

وقيل: سميت بذلك؛ لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده، كسور البناء. (كله بغير همز). وقيل: سميت بذلك؛ لأنها قطعت من القرآن على حدة من قول العرب للبقية سؤرة، وجاء في أسار الناس؛ أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل سؤرة بالهمز، ثم خففت فأبدلت واوا؛ لانضمام ما قبلها. وقيل: سميت بذلك، لتمامها، وكمالها من قول العرب للناقة التامة: سورة، وجمع سورة: سور بفتح الواو. وقال الشاعر: سود المحاجر لا يقرنّ بالسّور ويجوز أن يجمع على: سورات وسورات. وأمّا الآية فهي لغة: العلامة. واصطلاحا: قطعة من السورة، لها أوّل وآخر، سميت بذلك؛ لأنها علامة على انقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها، وانفصاله عنه؛ أي: هي بائنة من أختها، ومنفردة، وتقول العرب: بيني وبين فلان آية؛ أي: علامة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾، وقال النّابغة: توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع وقيل: سمّيت آية؛ لأنّها جماعة حروف من القرآن، وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآيتهم، بجماعتهم. قال زجّ بن مسهر الطائيّ:

стр. 120

خرجنا من النّقبين لا حىّ مثلنا ... بآيتنا نزجي اللّقاح المطا فلا وقيل: سميت آية؛ لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها. واختلف النحويون في أصل آية: فقال سيبويه: أيية على وزن فعلة، مثل: أكمة، وشجرة، فلمّا تحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، انقلبت ألفا، فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائيّ: أصلها آيية بوزن فاعلة، مثل: آمنة، فقلبت الياء ألفا، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت؛ لالتباسها بالجمع. وقيل أصلها: آئية بوزن قائلة، فحذفت الهمزة للتخفيف. وقال الفرّاء: أصلها أيّية بتشديد الياء الأولى، فقلبت ألفا؛ كراهة التشديد، فصارت آية، وجمعها: آي، وآياء، وآيات. وأنشد أبو زيد: لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه وأمّا الكلمة فهي: الصورة القائمة بجمع ما يختلط بها من الشبهات؛ أي: الحروف. وأطول الكلم في كتاب الله : ما بلغ عشرة أحرف، نحو قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ وشبههما؛ فأما قوله: ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾: فهو عشرة أحرف في الرسم، وأحد عشر في اللفظ.

стр. 121

وأقصرهن: ما كان على حرفين، نحو: ما، ولا، ولك، وله، وما أشبه ذلك. ومن حروف المعاني: ما هو على كلمة واحدة، كهمزة الاستفهام، وواو العطف، إلا أنه لا ينطق به مفردا، وقد تكون الكلمة وحدها آية تامّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ ﴿وَالضُّحى (١)﴾ ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾، وكذلك ﴿الم * (١)﴾ و ﴿المص (١)﴾ و ﴿طه (١)﴾ و ﴿حم * (١)﴾ في قول الكوفيين، وذلك في فواتح السور، فأمّا في حشوهن: فلا. قال أبو عمرو الدّانيّ: ولا أعلم كلمة، هي وحدها اية، إلّا قوله في الرحمن: ﴿مُدْهامَّتانِ (٦٤)﴾ لا غير، وقد أتت كلمتان متصلتان، وهما آيتان، وذلك في قوله: حم عسق على قول الكوفيين لا غير، وقد تكون الكلمة في غير هذا الآية التامّة، والكلام القائم بنفسه، وإن كان أكثر، أو أقل. قال الله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ قيل: إنما يعني بالكلمة ههنا: قوله ﵎: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر الآيتين. وقال : ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ قال مجاهد: هي لا إله إلا الله. وقال النبي ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وقد تسمّي العرب القصيدة بأسرها، والقصة كلها كلمة، فيقولون: قال قس في كلمته كذا؛ أي: في خطبته. وقال زهير: في كلمته كذا أي: في قصيدته وقال فلان في كلمته؛ يعني: في

стр. 122

رسالته، فتسمى جملة الكلام، إذ كانت الكلمة منها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه، وما قاربه، وما جاوره، وكان بسبب منه مجازا، واتساعا. وأما الحرف فهو: الشبهة القائمة وحدها من الكلمة، وقد يسمى الحرف كلمة، والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع، والمجاز. قال أبو عمرو الدانيّ: فإن قيل: فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد، نحو: ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ حرفًا، أو كلمةً؟. قلت: كلمة لا حرفا؛ وذلك من جهة: أنّ الحرف لا يسكن عليه، ولا ينفرد وحده في الصورة، ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكون عليها، منفصلة، كانفراد الكلم، وانفصالها، فلذلك سميت كلمات لا حروفا. قال أبو عمر: وقد يكون الحرف في غير هذا، المذهب والوجه. قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ أي: على وجه، ومذهب. ومن ذلك قول النبي ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أي: سبعة أوجه من اللغات، والله أعلم. * * *

стр. 123

الفصل الثاني والعشرون في بيان معنى النّسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي، وأقسامه، وشرائطه، والرّدّ على من أنكره، وبيان معنى الناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك أمّا النّسخ لغة: فله معنيان: الإزالة، والنّقل. يقال: نسخت الشمس الظل؛ إذا أزالته، وحلت محله، ونسخت الكتاب؛ إذا نقلته إلى كتاب آخر. وعبارة ابن حزم هنا: واعلم أن النسخ له اشتقاق عند أرباب اللسان، وحدّ عند أصحاب المعاني، وشرائط عند العالمين بالأحكام. أما أصله: فالنسخ في اللغة: عبارة عن إبطال الشيء، وإقامة آخر مقامه. وقال أبو حاتم: الأصل في النسخ: هو أن يحول العسل في خلية، والنحل في أخرى، ومنه نسخ الكتاب؛ إذا نقلته. وفي الحديث: (ما من نبوّة إلا وتنسخها فترة)، ثم إن النسخ في اللغة، موضوع بأزاء معنيين: أحدهما: الإزالة على جهة الانعدام. والثاني: الإزالة على جهة الانتقال؛ أمّا النسخ بمعنى الإزالة فهو: أيضا ينقسم إلى: نسخٍ إلى بدلٍ، نحو: قولهم: نسخ الشّيب الشباب، ونسخت الشمس الظل؛ أي: أذهبته، وحلّت محله، وإلى:

стр. 124

نسخ إلى غير بدل؛ بمعنى: رفع الحكم، وإبطاله من غير أن يقيم له بدلا. يقال: نسخت الريح الديار؛ أي: أبطلتها، وأزالتها. وأمّا النسخ بمعنى النقل فهو: من قولك: نسخت الكتاب ما فيه؛ إذا نقلته من غير إبطال للأول، وليس المراد به إعدام ما فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يريد نقله إلى الصحف، أو من الصحف إلى غيرها، غير أن المعروف من النسخ في القرآن هو: إبطال الحكم مع إثبات الخطّ، وكذلك هو في السنة، أو في الكتاب: أن تكون الآية الناسخة، والمنسوخة ثابتتين في التلاوة، إلا أن المنسوخة لا يعمل بها، مثل: عدة المتوفى عنها زوجها كانت سنة؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وأمّا حدّه: فمنهم من قال: إنه بيان انتهاء مدة العبادة. وقيل: انقضاء العبادة التي ظاهرها الدوام. وقال بعضهم: رفع الحكم بعد ثبوته. ونسخ الآية: بيان انتهاء التعبّد بتلاوتها، أو بالحكم المستفاد منها، أو بهما جميعا؛ لمصلحة تقتضي ذلك. والنسخ أقسامه ثلاثة: إمّا نسخ التلاوة والحكم معا، كقوله: (عشر رضعات يحرمن) نسخ لفظه وحكمه، بخمس رضعات، وكما روي عن أنس بن مالك قال: (كنّا نقرأ سورة تعدل (سورة التوبة)، ما أحفظ منها إلا هذه الآية: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى إليهما ثالثا ولو أن له ثالثا لابتغى إليه رابعا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب).

стр. 125

والثاني: نسخ التلاوة دون الحكم كقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة. نكالا من الله والله عزيز حكيم) معناه: المحصن والمحصنة، نسخت تلاوته دون حكمه. والثالث: نسخ الحكم دون التلاوة، كآية الحول في العدّة، نسخ حكمه بآية العدة بأربعة أشهر وعشرة أيام. وأمّا شرائطه فأربعة: الأول: أن يكون النسخ بخطاب؛ لأنّه بموت المكلّف ينقطع الحكم، والموت مزيل للحكم لا ناسخ له. والثاني: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا؛ لأن الأمور العقلية التي مسندها البراءة الأصليّة، لم تنسخ؛ وإنما ارتفعت بإيجاب العبادات. والثالث: أن لا يكون الحكم السابق مقيّدا بزمان مخصوص، نحو قوله ﷺ : «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإن الوقت الذي يجوز فيه أداء النوافل، التي لا سبب لها مؤقت، فلا يكون نهيه عن هذه النوافل في الوقت المخصوص ناسخا لما قبل ذلك من الجواز؛ لأن التوقيت يمنع النسخ. والرابع: أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ، وبيان النسخ منتهى الحكم؛ لتبدّل المصلحة على اختلاف الأزمنة، كالطبيب ينهى عن الشيء في الصيف، ثم يأمر به في الشتاء،

стр. 126

وذلك كالتوجه إلى بيت المقدس بمكة، وهو اختيار اليهود، وكإيجاب التصدق بالفضل عن الحاجة في الابتداء؛ لنشاط القوم في الصفاء، والوفاء، وكتقدير الواجب بربع العشر الفاضل إلى الانتهاء، تيسيرا للأداء، وصيانة لأهل النسخ من الآباء. وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخّرين جواز النسخ، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة. وأنكرته أيضا: طوائف من اليهود، وهم محجوجون أيضا بما جاء في توراتهم، بزعمهم أن الله تعالى، قال لنوح ﵇ عند خروجه من السفينة: (إني جعلت كل دابة مأكلا لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم، كنبات العشب ما خلا الدم، فلا تأكلوه)، ثم قد حرم على موسى، وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان، وبما كان آدم ﵇ يزوج، الأخ من الأخت، وقد حرم الله ذلك على موسى ﵇، وعلى غيره، وبأنّ إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه، ثم قال له: (لا تذبح)، وبأنّ موسى أمر بني إسرائيل، أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم، وبأن نبوته غير متعبّد بها قبل بعثه، ثم تعبّد بها بعد ذلك على غير ذلك. وليس هذا من باب البداء الذي هو ظهور المصلحة بعد خفائها؛ بل هو من نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم؛ لضرب من المصلحة، وإظهارا لحكمته، وكمال مملكته. ولا خلاف بين العقلاء: أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينيّة، والدنيويّة؛ وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن

стр. 127

عالما بمآل الأمور، وأما العالم ذلك؛ فإنما تتبدّل خطاباته بحسب تبدّل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه يتبدّل، وعلمه، وإرادته لا تتغيّر، فإن ذلك محال في حقّه تعالى. وجعلت اليهود النسخ، والبداء شيئا واحدا، ولذلك لم يجوّزوه فضلّوا. قال النحّاس: والفرق بين النسخ، والبداء: أن النسخ تحويل العباد من شيء إلى شيء، قد كان حلالا، فيحرم، أو كان حراما، فيحلل، وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه، لظهور المصلحة في الترك، كقولك: امض إلى فلان اليوم، ثم تقول لا تمض إليه، فيبدو لك العدول عن القول الأول، وهذا يلحق بالبشر، لنقصانهم. وكذلك إن قلت: إزرع كذا في هذه السنة، ثم قلت: لا تفعل، فهذا هو البداء. واعلم أنّه لا يمنع جواز النسخ عقلا لوجهين: أحدهما: أنّ للآمر أن يأمر بما شاء. وثانيهما: أنّ النفس إذا مرنت على أمر ألفته، فإذا نقلت عنه إلى غيره شقّ عليها؛ لمكان الاعتياد المألوف، فظهر منها بإذعان الانقياد لطاعة الأمر. وقد وقع النسخ شرعا؛ لأنه ثبت أنّ من دين آدم ﵇ في طائفة من أولاده، جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم، والعمل في يوم السبت، ثم نسخ في شريعة الإسلام، كما مرّ آنفا. واعلم: أنّ الناسخ في الحقيقة: هو الله ،

стр. 128

ويسمى الخطاب الشرعيّ: ناسخا تجوّزا، إذ به يقع النسخ، كما قد يتجوز، فيسمى المحكوم فيه: ناسخا. فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، فالمنسوخ: هو المزال، والمنسوخ عنه: هو المتعبّد بالعبادة المزالة، وهو المكلّف. والمحقّقون على أنّ القرآن ينسخ بالسّنة، وذلك موجود في قوله ﷺ : «لا وصية لوارث»، وهو ظاهر مسائل مالك، وأبى ذلك الشافعيّ، وأبو الفرج المالكيّ، والأوّل أصحّ، بدليل: أن الكلّ حكم الله تعالى، ومن عنده، وإن اختلفت في الأسماء. وأيضا: فإن الجلد ساقط في حدّ الزنا عن الثيب الذي يرجم، ولا مسقط لذلك. إلا السنة فعل النبي ﷺ وهذا بيّن. والمحققون أيضا: على أنّ السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى، وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فإنّ رجوعهن إليهم؛ إنما كان بصلح النبي ﷺ لقريش، وهذا كله في حياة النبي ﷺ ، وأمّا بعد مماته، واستقرار الشريعة: فأجمعت الأمة على أنه لا نسخ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصّا، فيعلم أن الإجماع استند إلى نصّ ناسخ لا نعلمه نحن، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به، وأن مقتضاه نسخ، وبقي يقرأ، ويروى، كما أنّ عدّة السنة في القرآن تتلى، فتأمل هذا فإنه نفيس، والذي عليه المحققون: أنّ من لم يبلغه الناسخ، فهو متعبد بالحكم الأول، كما يأتي بيانه في تحويل القبلة، والمحقّقون أيضا: على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في قصة

стр. 129

الذبيح، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس، على ما يأتي بيانه في الإسراء إن شاء الله تعالى. واعلم أن لمعرفة الناسخ طرقا: منها: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، كقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فأشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا» ونحوه. ومنها: أن يذكر الراوي التاريخ مثل: أن يقول سمعت عام الخندق، وكان المنسوخ معلوما قبله، أو يقول: نسخ حكم كذا وكذا. ومنها: أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ، وأن ناسخه متقدم، وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه، نبّهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية، والله الموفّق للهداية. والله أعلم * * *

стр. 130

الفصل الثالث والعشرون في تقسيم السور باعتبار الناسخ، والمنسوخ واعلم: أنّ السّور باعتبار الناسخ، والمنسوخ أربعة أقسام: قسم: ليس فيه منسوخ، ولا ناسخ وهو: ثلاث وأربعون سورة: (١) الفاتحة (٢) يوسف (٣) يس (٤) الحجرات (٥) الرحمن (٦) الحديد (٧) الصف (٨) الجمعة (٩) التحريم (١٠) الملك (١١) الحاقة (١٢) نوح (١٣) الجنّ (١٤) المرسلات (١٥) النبأ (١٦) النازعات (١٧) الانفطار (١٨) المطفّفين (١٩) الانشقاق (٢٠) البروج (٢١) الفجر (٢٢) البلد (٢٣) الشمس (٢٤) والليل (٢٥) والضحى (٢٦) ألم نشرح (٢٧) والقلم (٢٨) القدر (٢٩) القيامة (٣٠) الزلزلة (٣١) والعاديات (٣٢) القارعة (٣٣) التكاثر (٣٤) الهمزة (٣٥) الفيل (٣٦) قريش (٣٧) أرأيت (٣٨) الكوثر (٣٩) النصر (٤٠) تبت (٤١) الإخلاص (٤٢) الفلق (٤٣) الناس. وقسمٌ: فيه ناسخ، ومنسوخ وهو: خمس وعشرون سورة: (١) البقرة (٢) آل عمران (٣) النساء (٤) المائدة (٥) الأنفال، (٦) التوبة (٧) إبراهيم (٨) مريم (٩) الأنبياء (١٠) الحج (١١) النور (١٢) الفرقان (١٣) الشعراء (١٤) الأحزاب (١٥) سبإ (١٦)

стр. 131

المؤمن (١٧) الشورى (١٨) والذاريات (١٩) الطّور (٢٠) المجادلة (٢١) الواقعة (٢٢) المزّمل (٢٣) المدّثر (٢٤) التكوير (٢٥) والعصر. وقسم: فيه منسوخ فقط وهو: أربعون: (١) الأنعام (٢) الأعراف (٣) يونس (٤) هود (٥) الرعد (٦) الحجر (٧) النحل (٨) الإسراء (٩) الكهف (١٠) طه (١١) المؤمنون (١٢) النمل (١٣) القصص (١٤) العنكبوت (١٥) الروم (١٦) لقمان (١٧) ألم السجدة (١٨) فاطر (١٩) والصافات (٢٠) ص (٢١) الزمر (٢٢) حم سجدة (٢٣) الزخرف (٢٤) الدخان (٢٥) الجاثية (٢٦) الأحقاف (٢٧) محمد (٢٨) ق (٢٩) والنجم (٣٠) القمر (٣١) الامتحان (٣٢) المعارج (٣٣) القيامة (٣٤) الإنسان (٣٥) عبس (٣٦) الطارق (٣٧) الغاشية (٣٨) والتين (٣٩) الكافرون (٤٠) ن. وقسم: فيه ناسخ فقط وهو ستّة: (١) الفتح (٢) الحشر (٣) المنافقون (٤) التغابن (٥) الطلاق (٦) الأعلى. اه. من أسباب النزول. والله أعلم * * *

стр. 132

الفصل الرابع والعشرون في ذكر جملة الإعراض عن المشركين المنسوخ بآية السيف واعلم: أنه ذكر الإعراض عن المشركين، في مائة وأربع عشرة آية: (١١٤) هنّ في سبع وأربعين: (٤٧) سورة: (١) البقرة ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ نسخ عمومها ﴿لَنا أَعْمالُنا﴾ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ نسخ معنى؛ لأنّ تحته الأمر بالصفح قُلْ قِتالٌ ﴿لا إِكْراهَ﴾. (٢) آل عمران ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾، ﴿مِنْهُمْ تُقاةً﴾. (٣) النساء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ في موضعين ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾. (٤) المائدة ﴿وَلَا آمِّينَ﴾ ﴿عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي: أمرتم ونهيتم. (٥) الأنعام ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ و ﴿أَعْرِضْ﴾ ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَلا تَسُبُّوا﴾ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ في موضعين ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. (٦) الأعراف ﴿أَعْرِضْ﴾ وَ ﴿أُمْلِي﴾.

стр. 133

(٧) الأنفال ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ يعني: المعاهدين. (٨) التوبة ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. (٩) يونس ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ لأنّ معناه: الإمهال، والصبر. (١٠) هود ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ معناه: أي: أنت تنذر ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ﴿وَانْتَظِرُوا﴾. (١١) الرعد ﴿عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾. (١٢) الحجر ﴿ذَرْهُمْ﴾ ﴿فَاصْفَحِ﴾ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ﴾. ﴿أَنَا النَّذِيرُ﴾ ﴿وأَعْرِضْ﴾. (١٣) النحل ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ﴿وَجادِلْهُمْ﴾ ﴿وَاصْبِرْ﴾ مختلف فيه. (١٤) الإسراء ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾. (١٥) مريم ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ معنى: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ﴾. (١٦) طه ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ﴾. (١٧) الحج ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾. (١٨) المؤمنون ﴿فَذَرْهُمْ﴾ ﴿ادْفَعْ﴾. (١٩) النّور ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. (٢٠) النمل ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ معنى. (٢١) القصص ﴿لَنا أَعْمالُنا﴾.

стр. 134

(٢٢) العنكبوت ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ﴾ معنى. (٢٣) الروم ﴿فَاصْبِرْ﴾. (٢٤) لقمان ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. (٢٥) السجدة ﴿وَانْتَظِرْ﴾. (٢٦) الأحزاب ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾. (٢٧) سبإ ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ﴾. (٢٨) فاطر ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾. (٢٩) يس ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ مختلف فيه. (٣٠) الصافات ﴿فَتَوَلَّ﴾ و ﴿تَوَلَّ﴾ وما بينهما. (٣١) ص ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ﴾ معنى. (٣٢) الزمر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ معنى، ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾ ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ معنى ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ﴾ معنى؛ لأنّه تفويض. (٣٣) غافر ﴿فَاصْبِرْ﴾ في موضعين. (٣٤) حم السجدة ﴿ادْفَعْ﴾. (٣٥) الشّورى ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لَنا أَعْمالُنا﴾ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾. (٣٦) الزخرف ﴿فَذَرْهُمْ﴾ ﴿فَاصْفَحِ﴾.

стр. 135

(٣٧) الدّخان ﴿فَارْتَقِبْ﴾. (٣٨) الجاثية ﴿يَغْفِرُوا﴾. (٣٩) الأحقاف ﴿فَاصْبِرْ﴾. (٤٠) محمد ﷺ ﴿فَإِمَّا مَنًّا﴾. (٤١) ق ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿فَذَكِّرْ﴾. (٤٢) المزّمل ﴿وَاهْجُرْهُمْ﴾ ﴿وَذَرْنِي﴾. (٤٣) الإنسان ﴿فَاصْبِرْ﴾. (٤٤) الطارق ﴿فَمَهِّلِ﴾. (٤٥) الغاشية ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾. (٤٦) والتين ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾ معنى. (٤٧) الكافرون ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نسخ بقوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في سورة التوبة. والله أعلم * * *

стр. 136

الفصل الخامس والعشرون في بيان قواعد أصوليّة لأسباب النزول والبحث عن قواعدها ينحصر في خمسة مطالب: الأوّل: تعريف النزول: وهو منحصر في أمرين: أحدهما: أن تحدث حادثة، فينزل القرآن بشأنها، كما في سبب نزول: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ كما سيأتي في محلّه. وثانيها: أن يسأل الرسول ﷺ عن شيء، فينزل القرآن ببيان الحكم فيه، كما في سبب نزول آية اللّعان. والثاني: طريق معرفته، أمّا طريق معرفته: فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول، على صحة الرواية عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابيّ، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا له حكم الرفع. قال ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث»: وما قيل: إنّ تفسير الصحابي حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول الآية يخبر به الصحابيّ، كقول جابر ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله : ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، فأمّا سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة الشيء، إلى رسول الله ﷺ ، فمعدود في الموقوفات. اه. ص (٤٦). وأمّا قول التابعيّ نزلت في كذا: فهو مرسل، فإن تعدّدت

стр. 137

طرقه قبل، وإلا فلا على الراجح عند المحدّثين. والثالث: (٣): العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والدليل على ذلك: أن الأنصاري الذي قبّل الأجنبية، ونزلت فيه: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية، قال للنبي ﷺ : ألي هذا وحدي يا رسول الله!. ومعنى هذا: هل حكم هذه الآية يختصّ بي، لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ : بأنّ العبرة بعموم اللفظ، فقال: (بل لأمتي كلهم). أما صورة السبب: فجمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وروي عن مالك: أنها ظنية الدخول، كغيرها من أفراد العامّ. والرابع: قد تتعدّد الأسباب، والنازل واحد، كما في آية اللعان، وغيرها من الآيات، كما ستجده إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكذا قد تتعدّد الآيات النازلة، والسبب واحد، كما في حديث المسيب ﵁: في شأن وفاة أبي طالب، وقول النبي ﷺ : «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه» فأنزل الله سبحانه: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ ونزل في أبي طالب أيضا: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ستمرّ بك إن شاء الله تعالى في مواضعها. والخامس: صيغة سبب النزول: إمّا أن تكون صريحة في السببية، وإمّا أن تكون محتملة فتكون نصّا صريحا، إذا قال

стр. 138

الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، أو إذا أتى بفاء التعقيب داخلة على مادّة النزول، بعد ذكر الحادثة، أو السؤال، كما إذا قال: حدث كذا، أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت. فهاتان صيغتان صريحتان في السببيّة، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله تعالى، وتكون الآية محتملة للسببيّة، ولما تضمّنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، فذلك يراد به تارة: أنه سبب النزول، وتارة: أنه داخل في معنى الآية. وكذا إذا قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، أو ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في كذا، فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب، فهاتان صيغتان تحتملان السببية، وغيرها، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله تعالى. اه. مختصر من كتاب «مباحث في علوم القرآن» لمنّاع القطّان. واعلم: أنّ من القرآن ما نزل لسبب، ومنه: ما نزل ابتداء بعقائد الإيمان، وشرائع الإسلام، وليس لكل آية، أو لكل حديث سبب، بل منهما ما له سبب خاصّ، ومنهما ما ليس له سبب، فانتبه لهذه المسألة. والله أعلم * * *

стр. 139

الفصل السادس والعشرون في التنبيه على أحاديث وضعت في فضائل سور القرآن، وغيره، لا التفات لما وضعه الواضعون، واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة، والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن، وغير ذلك من فضائل الأعمال، وقد ارتكبها جماعة كثيرة اختلفت أغراضهم، ومقاصدهم في ارتكابها فمنهم: من الزنادقة، مثل: المغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد الشاميّ المصلوب في الزندقة، وغيرهما. وضعوا أحاديث، وحدّثوا بها؛ ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس. فما رواه محمد بن سعيد، عن أنس بن مالك في قوله ﷺ : «أنا خاتم الأنبياء، لا نبيّ بعدي إلّا ما شاء الله» فزاد هذا الاستثناء، لما كان يدعو إليه من الإلحاد، والزندقة. قلت: وقد ذكره ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» ولم يتكلم عليه، بل تأوّل الاستثناء على الرؤيا، فالله أعلم. ومنهم: قوم وضعوا الحديث، لهوى يدعون الناس إليه. قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب: إنّ هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا صيرناه حديثا. ومنهم: جماعة وضعوا الأحاديث حسبة، كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، كما روي عن أبي عصمة، نوح بن أبي

стр. 140

مريم المروزيّ، ومحمد بن عكّاشة الكرمانيّ، وأحمد بن عبد الله الجويباريّ، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة، فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق؛ فوضعت هذا الحديث حسبة. قال أبو عمرو عثمان بن الصلاح، في كتاب «علوم الحديث» له: وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ في فضل القرآن سورة سورة، وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى، إلى من اعترف بأنه، وجماعة وضعوه، وأن أثر الوضع عليه لبيّن. وقد أخطأ الواحديّ المفسّر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم. قلت: وأنا قد وضعتها في تفسيري، في فضائل بعض السور نقلا عن البيضاويّ، وغيره استئناسا بها، ولكن قد بيّنت وضعها في مواضعها. ومنهم: قوم من السّؤّال والمكدّين، يقفون في الأسواق، والمساجد، فيضعون على رسول الله ﷺ ، أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد. قال جعفر بن محمد الطيالسيّ صلى أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاصّ. قال: حدثنا أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين قالا: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله،

стр. 141

يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وريشه مرجان»، وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا! فقال: والله ما سمعت به إلّا هذه الساعة. قال: فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ! فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا. فقال: له أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد ابن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد كمّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهما، فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله ﷺ ، ومن يجري مجراهم. ويذكر: أن المهدي كان يعجبه الحمام، واللهو به، فأهدي إليه حمام، وعنده أبو البحتريّ القاصّ، فقال: روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا سبق إلا في خفّ، أو حافر، أو جناح فزاده: أو جناح، وهي: لفظة وضعها للمهدي، فأعطاه جائزة. فلمّا خرج قال المهدي: والله، لقد علمت أنه كذاب، وأمر بالحمام أن يذبح، فقيل له: وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ ، فترك العلماء حديثه ذلك، وغيره من

стр. 142

موضوعاته، فلا يكتب العلماء حديثه بحال. قلت: فلو اقتصر الناس على ما ثبت في الصحاح، والمسانيد، وغيرهما من المصنّفات التي تداولها العلماء، ورواها الأئمة الفقهاء، لكان لهم في ذلك غنية. وخرجوا عن تحذيره ﷺ حيث قال: «اتقوا الحديث عليّ إلّا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار». الحديث، فتخويفه ﷺ أمّته على الكذب، دليل على أنّه كان يعلم أنّه سيكذب عليه، فحذار مما وضعه أعداء الدين، وزنادقة المسلمين في باب الترغيب، والترهيب، وغير ذلك، وأعظمهم ضررا؛ أقوام من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الأحاديث حسبة فيما زعموا، فيقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركونا إليهم فضلّوا، وأضلّوا. والله أعلم * * *

стр. 143

الفصل السابع والعشرون في بيان ما جاء من الحجة، في الردّ على من طعن في القرآن، وخالف مصحف عثمان بالزيادة، والنقصان واعلم: أنه لا خلاف بين الأمّة، ولا بين الأئمّة أهل السنة أنّ القرآن اسم لكلام الله تعالى، الذي جاء به محمد ﷺ ، معجزة له على ما سيأتي، وأنّه محفوظ في الصّدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلومة على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته، فلا يحتاج في تعريفه بحدّ، ولا في حصره بعدّ، فمن ادعى زيادة عليه، أو نقصانا منه، فقد أبطل الإجماع وبهت الناس، وردّ ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن المنزّل عليه، وردّ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ وأبطل آية رسوله ﷺ ؛ لأنّه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه حين شيب بالباطل، ولمّا قدر عليه لم يكن حجة، ولا آية، وخرج أن يكون معجزا. فالقائل: بأن القرآن فيه زيادة، ونقصان ردّ لكتاب الله، ولما جاء به الرسول، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة، وتزوّج تسع من النساء حلال، وفرض الله أياما مع شهر

стр. 144

رمضان، إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين، فإذا ردّ هذا بالإجماع، كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد. قال الإمام أبو بكر، محمد بن القاسم، بن بشار، بن محمد الأنباري: ولم يزل أهل الفضل، والعقل يعرفون من شرف القرآن، وعلوّ منزلته، ما يوجبه الحقّ، والإنصاف والديانة، وينفون عنه قول المبطلين، وتمويه الملحدين، وتحريف الزائفين، حتى نبع في زماننا هذا، زائغ زاغ عن الملّة، وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها، ويثبت أسّها، وينمي فرعها، ويحرسها من معايب أولي الحيف، والجور، ومكايد أهل العداوة، والكفر، فزعم: أن المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ باتفاق أصحاب رسول الله ﷺ ، على تصويبه فيما فعل، لا يشتمل على جميع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف، قد قرأت بعضها، وسأقرأ بقيتها. فمنها: (والعصر ونوائب الدّهر) فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين، (ونوائب الدهر). ومنها: (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وما كان الله ليهلكهم إلّا بذنوب أهلها) فادّعى هذا الإنسان، أنّه سقط على أهل الإسلام من القرآن وما كان الله ليهلكهم إلّا بذنوب أهلها وذكر مما يدّعي حروفا كثيرة. وادعى: أن عثمان، والصحابة ﵃ زادوا في

стр. 145

القرآن ما ليس فيه، فقرأ في صلاة الفرض، والناس يسمعون: الله الواحد الصمد فأسقط من القرآن: ﴿قُلْ هُوَ﴾، وغير لفظ أحد، وادعى أنّ هذا هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل، والمحال. وقرأ في صلاة الفرض (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) وطعن على قراءة المسلمين. وادّعى: أنّ المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيّرة. منها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فادّعى: أنّ الحكمة، والعزّة لا يشاكلان المغفرة، وأن الصواب (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم) وترامى به الغيّ في هذا، وأشكاله، حتى ادّعى: أنّ المسلمين يصحّفون ﴿وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ والصواب الذي لم يغيّر عنده: (وكان عبد الله وجيها) وحتى قرأ في صلاة مفترضة، على ما أخبرنا جماعة سمعوه، وشهدوه: (لا تحرّك به لسانك إنّ علينا جمعه - وقراءته فإذا قرأناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأ به). وحكى لنا آخرون عن آخرين: أنهم سمعوه يقرأ: (ولقد نصركم ببدر بسيف عليّ وأنتم أذلّة) وروى هؤلاء أيضا لنا عنه، قال: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وأخبرونا أنّه: أدخل في آية من القرآن، ما لا يضاهي فصاحة رسول الله ﷺ ، ولا يدخل في لسان قومه، الذين قال الله فيهم: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ فقرأ: (أليس قلت للناس) في موضع ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ وهذا لا يعرف في نحو المعربين، ولا يحمل على مذاهب النحويّين؛ لأنّ
следующие страницы →