← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

سورة الفجر سورة الفجر مكية بلا خلاف (١)، نزلت بعد سورة الليل، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله. وآياتها (٢): ثلاثون، أو تسع وعشرون آية. وكلماتها: مئة وتسع وثلاثون كلمة. وحروفها: خمس مئة وسبعة وتسعون حرفًا. ومناسبتها لما قبلها من وجوهٍ (٣): ١ - أنه ذكر في تلك الوجوه الخاشعة، والوجوه الناعمة، وذكر في هذه طوائف من المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وطوائف من الذين وجوههم ناعمة. ٢ - أن القسم في أول هذه السورة، كالدليل على صحة ما تضمنته خاتمة السورة السابقة من الوعد والوعيد. قال الجلال السيوطي - رحمه الله تعالى -: لم يظهر لي في وجه ارتباطها سوى أن أولها كالإقسام على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، أو على ما تضمنته من الوعد والوعيد، هذا مع أن جملة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ مشابهة لجملة: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾. وسورة الفجر نزلت بعد سورة الليل، والفجر يعقب الليل، ويأتي بعده. وعبارة أبي حيان: المناسبة بين السورتين: أن الله سبحانه لما ذكر فيما (٤) قبلها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ .. أتبعها بذكر الطوائف المتكبرين المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وأشار إلى الصنف

стр. 14737

الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾. وأيضًا لما قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ قال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ ... تهديدًا لمن كفر وتولى. قال الشيخ موسى جار الله - رحمه الله تعالى - في كتابه: "نظم الدرر في ترتيب السور وتناسبها": وسورة الفجر فيها تاريخ التمدن بترتيب عجيب، يظهر منه أن تمدن جنوب جزيرة العرب أقدم من تمدن الفراعنة، وظاهر قوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أن تمدن عاد كان أرقى من كل تمدن كان قبله أو في زمنه، فإن كان أوتاد فرعون في هذه السورة هي أهرام الفراعنة، وهي قبورهم، فلعل ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ هي شيء أعجب صنعًا، وأنفع للناس، وإن لم تكن أرسى من الأهرام، وأصبر منها على عوادي الطبيعة، وجاءت السورة بعد سورة الغاشية ليرى الترتيب أن غاشية من الغواشي غشيت التي لم يخلق مثلها في البلاد، فهل ترى لها من باقية؟ انتهى. ومن فضائلها: ما أخرجه النسائي عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل، فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد، ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، جئت أصلي، فطول علي، فانصرفت، فصليت في ناحية المسجد فعلفت ناضحي، فقال رسول الله ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ؟، أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، و ﴿الْفَجْرِ﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾. ومنها: ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام، كانت له نورًا يوم القيامة"، ولكن فيه مقال. الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الفجر كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وسميت سورة الفجر لذكر الفجر فيها. واشتملت هذه السورة على مقصدين: أولهما: في إهلاك عاد وثمود وقوم فرعون، وذلك من أول السورة إلى قوله:

стр. 14738

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾. والثاني: بيان أن كثرة النعم على العبد ليست دالة على إكرام الله له، وأن كثرة البلاء ليست دالة على إهانته، بل الإكرام في التوفيق للعمل الصالح، والإهانة في الخذلان بالكفر والمعاصي، وهو من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) ...﴾ إلى آخر السورة. والله أعلم بمراده * * *

стр. 14739

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾. المناسبة تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ الآيات، فالمناسبة بينها وبين ما قبلها: أن الله لما أقسم أنه سيعذب الكافرين جزاء كفرهم وإصرارهم على مخالفة أوامره .. شرع (١) يذكر بعض قصص الأمم الماضية ممن عاندوا الله ورسوله، ولجوا في طغيانهم، فأوقع بهم شديد العذاب، وأخذهم أخذ العزيز المقتدر الجبار؛ ليكون في ذلك زجر لهؤلاء المكذبين، وتثبيت للمؤمنين الذين اتبعوا الرسول ﷺ وناصروه، وتطمين لقلوبهم بأن أعداءهم سيلقون ما يستحقون من الجزاء. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما ذكر (٢) أنه لا يفوته من شأن عباده شيء، وأنه يأخذ كل مذنب بذنبه .. أردف ذلك بذكر شأن من شؤون الإنسان، وبين أنه لا يهتم

стр. 14740

إلا بأمور الدنيا وشهواتها، فإذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق .. ظن أنه قد اصطفاه ورفعه على من سواه، وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه ويفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أو شرًا، فيطغى ويفسد في الأرض، وإذا ضيق عليه الرزق وقد يكون ذلك لتمحيص قلبه بالإخلاص، أو لتظهر قوة صبره، فإن الفقر لا يزيد ذوي العزائم إلا شكرًا يقول: ربي قد أهانني، ومن أهانه الله وصغرت قيمته لديه .. لم يكن له عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير، فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازى بعقوبة، فينطلق بكسب عيشه بأي وسيلة عنت له، ولا تحجزه شريعة، ولا يقف أمامه قانون، ويسلك سبيل الجبان، ويبخس الحقوق، ويفسد نظم المجتمع، ولا تزال أحوال الناس هكذا، كما وصف الله تعالى، فأرباب السلطان يظنون أنهم في أمن من عقاب ربهم، ولا يذكرونه إلا بألسنتهم، ولا يعرف له سلطان على قلوبهم، والفقراء الأذلاء صغرت نفوسهم عند أنفسهم، لا يبالون ماذا يفعلون. قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين خطأ (١) الإنسان فيما يعتقد إذا بسط له الرزق أو قتر عليه .. أردف ذلك بزجرهم عما يرتكبون من المنكرات، وأبان لهم أنه لو كان غنيهم لم يعمه الطغيان، وفقيرهم لم يطمس بصيرته الهوان، وكانوا على الحال التي يرتقي إليها الإنسان، لشعرت نفوسهم بما عسى يقع فيه اليتيم من بؤس، فعنوا بإكرامه، فإن الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أهملت تربيته، ولم يهتم بما فيه العناية به ورفع منزلته، ولو كانوا على ما تحدثهم به أنفسهم من الصلاح .. لوجدوا الشفقة تحرك قلوبهم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله، إلى أنهم يأكلون المال الذي يتركه من يتوفى منهم، ويشتدون في أكله حتى يحرموا صاحب الحق حقه، ويزداد حبهم للمال إلى غير غاية. وصفوة القول: أن شرههم في المال، وقومهم إلى اللذات، وانصرامهم إلى التمتع بها، ثم قسوة قلوبهم إلى أن لا يألموا إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون

стр. 14741

اليتامى من فساد أخلاقهم، وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم، فينتشر الداء في جسم الأمة دليل على أن ما يزعمون من اعتقادهم بإله يأمرهم وينهاهم، وأن لهم دينًا يعظهم زعم باطل، وإذا غشوا أنفسهم، وادعوا أنهم يتذكرون الزواجر، ويراعون الأوامر، فذلك مقال تكذبه الفعال. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أنكر عليهم أقوالهم، وادعاءهم أن الغنى إكرام لهم، وأن الفقر إهانة لهم، ونعى عليهم أفعالهم من حرصهم على الدنيا، واستفراغ الجهد في تحصيلها؛ وتكالبهم على جمعها من حلال وحرام .. أردفه (١) ببيان أن ما يزعمونه من أنهم لربهم ذاكرون، مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، والميل إلى الشهوات، زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم في ذلك اليوم العظيم حين يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر لهم مكانهم من النكال والوبال، ولكن هذه الذكرى قد فات أوانها، وانتهى إبانها، فإن الدار دار جزاء، لا دار أعمال، فلا يبقى فيها لأولئك الخاسرين، إلا الحسرة والندامة، وقول قائلهم: ﴿لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ويكون لهم من العذاب ما لا يقدر قدره، ومن الإهانة ما يجل عن التشبيه والتمثيل. قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ...﴾ إلخ، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر حال الإنسان الذي خلي وطبعه فاستولى عليه جشعه وحرصه على رغباته وشهواته حتى خرجت عن سلطان الحكمة والعقل، ثم ذكر عاقبة أمره في الآخرة .. أعقب هذا بذكر حال الإنسان الذي ارتقى عن ذلك الطبع، وسمت نفسه إلى مراتب الكمال، فاطمأن إلى معرفة خالقه، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحية، ورغب عن اللذات الجسمانية، فكان في الغنى شاكرًا لا يتناول إلا حقه، وفي الفقر صابرًا لا يمد يده إلى ما لغيره، وبين أنه في ذلك اليوم يكون بجوار ربه، راضيًا بعمله في الدنيا، مرضيًا عنده، يدخله في زمرة الصالحين المكرمين من عباده.

стр. 14742

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾؛ أي: أقسمت بالفجر، وهو: صبح النهار، أقسم الله به لحصول انتشار الناس وسائر الحيوانات به في طلب الرزق، فهو مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل، وجواب هذا (١) القسم وما بعده هو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ كذا قال ابن الأنباري، وقيل: محذوف لدلالة السياق عليه؛ أي: ليجازين كل أحد بما عمل أو ليعذبن. قال في "كشف الأسرار": لما كان العرب أكثر خلق الله قسمًا في كلامهم .. جاء القرآن على عادتهم في القسم، والفجر فجران: مستطيل: كذنب السرحان، وهو الكاذب، ولا يتعلق به حكم، ومستطير: وهو الصادق الذي يتعلق به الصوم والصلاة. أقسم (٢) الله سبحانه بالفجر الذي هو أول وقت ظهور ضوء الشمس في جانب المشرق، كما أقسم بالصبح؛ حيث قال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ لما يحصل به من انقضاء الليل بظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطيور والوحوش في طلب الأرزق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة عظيمة لمن تأمل. واختلف (٣) في الفجر الذي أقسم الله به هنا، فقيل: هو الوقت المعروف من كل يوم، لا فجر يوم مخصوص، وسمي فجرًا؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، وقال قتادة: إنه فجر أول يوم من شهر محرم؛ لأن منه تتفجر السنة، وقال مجاهد: يريد فجر يوم النحر؛ لأنه يوم عظيم يقع فيه الطواف المفروض والحلق والرمي، ويروى: أن يوم النحر يوم الحج الأكبر، وقال الضحاك: فجر عشر ذي الحجة، لأن الله قرن الأيام به، فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾؛ أي: ليال عشر من ذي الحجة، وبه قال السدي والكلبي، وقيل: فجر يوم عرفة؛ لأنه يوم شريف أيضًا، يتوجه فيه الحجاج إلى جبل عرفات، وفي الحديث: "الحج عرفة"، وقيل: المعنى: أقسم بصلاة الفجر، قيل: أقسم برب الفجر، والأول أولى، وهو (٤) الظاهر، وقول الجمهور منهم علي وابن عباس وابن الزبير.

стр. 14743

وقرأ أبو الدينار الأعرابي: ﴿والفجرٍ﴾ و ﴿الوترٍ﴾ و ﴿يسرٍ﴾ بالتنوين في الثلاثة، قال ابن خالويه: هذا كما روي عن بعض العرب أنه وقف على آخر القوافي بالتنوين، وإن كان فعلًا أو كان فيه ألف ولام، قال الشاعر: أقِلِّيْ اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابَن ... وَقُوْلِيْ إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَن انتهى. وهذا ذكره النحويون في القوافي المطلقة إذا لم يترنم الشاعر، وهو أحد الوجهين اللذين للعرب إذا وقفوا على الكلم في الكلام لا في الشعر، وهذا الأعرابي أجرى الفواصل مجرى القوافي، ٢ - وقوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ قسم ثانٍ معطوف على الأول؛ أي: أقسم بليال عشر من أول شهر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين، وتنكيرها (١) للتعظيم لأنها مخصوصة بفضائل ليست لغيرها، ولذا أقسم الله بها، وذلك كالاشتغال بأعمال الحج، وقال الضحاك: إنها العشر الأواخر من رمضان، ويكفيها شرفًا كون ليلة القدر فيها التي هي خير من ألف شهر، وقيل: العشر الأول من المحرم إلى عاشرها يوم عاشوراء. وقرأ الجمهور: ﴿وَلَيَالٍ﴾ التنوين و ﴿عَشْرٍ﴾ صفة لها، وقرأ ابن عباس: بالإضافة، فضبطه بعضهم ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ بلام دون ياء، وبعضهم: ﴿وليالي عشر﴾ بالياء، يريد: وليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن يقال: عشرة؛ لأن المعدود مذكر .. وأجيب عنه: بأنه لما حذف المعدود الموصوف، وهو مذكر .. جاز في عدده حذف التاء. ٣ - وقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قسم ثالث ورابع، معطوف أيضًا على قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾؛ أي: أقسم بشفع هذه الليالي العشر ووترها، فهو سبحانه أقسم بالليالي جملة، ثم أقسم بما حوته من زوج وفرد، ولكن الظاهر التعميم؛ لأن الألف واللام للاستغراق. والمعنى عليه: أي أقسم بالأشياء كلها شفعها ووترها؛ لأن كل شيء لا بد أن يكون شفعًا أو وترًا، وقال قتادة: الشفع والوتر: شفع الصلاة ووترها، منها: شفع

стр. 14744

كالرباعية، ومنها: وتر كالثلاثية، وقيل: الشفع يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر: ليلة يوم النحر، وقال مجاهد وعطية العوفي: الشفع الخلق، والوتر: الله الواحد الصمد، وبه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة أيضًا، وقال الربيع بن أنس وأبو العالية هما: صلاة المغرب، فيها شفع ركعتان، والوتر: الركعة، وقال الضحاك: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء، وقيل: هما آدم وحواء؛ لأن آدم كان وترًا، فشفع بحواء، وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر دركات النار، وهي سبع، وقيل: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين من العز والذل والقدرة والعجز والقوة والضعف والعلم والجهل والحياة والموت والبصر والعمى والشمع والصمم والكلام والخرس، والوتر: انفراد صفات الله سبحانه، وهي عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت، وبصر بلا عمى، وكلام بلا خرس، وسمع بلا صمم، وما وراءها عن "تفسير القرطبي" رحمه الله تعالى، وقيل: الشفع: الحيوان؛ لأنه ذكر وأنثى، والوتر: الجماد، وقيل غير ذلك من الأقوال المتلاطمة، ولا يخفى عليك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف، والخاطر الخاطىء. والذي ينبغي التعويل عليه، ويتعين المصير إليه، ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب: الزوج، والوتر: الفرد، فالمراد من الآية: إما نفس العدد وما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر، وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية .. فإن كان الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره .. فذاك، وإن كان الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية .. لم يكن ذلك مانعًا من تناولها لغيره، والله أعلم بأسرار كلامه، وبما هو المراد من كتابه. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو وسكون التاء، وهي لغة قريش ومن والاها، وقرأ الأغر عن ابن عباس وأبو رجاء وابن وثاب وقتادة وطلحة والأعمش والحسن - بخلاف عنه - والأخوان حمزة والكسائي وخلف: بكسر الواو وسكون

стр. 14745

التاء، وهي لغة تميم، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وحكى الأصمعي فيه اللغتين، وحكى يونس عن أبي عمرو وابن كثير: بفتح الواو وكسر التاء، فيحتمل أن تكون لغة ثالثة، ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراءً للوصل مجرى الوقف. ٤ - وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ أي: وأقسمت بجنس الليل ﴿إِذَا يَسْرِ﴾؛ أي: يمضي ويذهب، قسم خامس معطوف على ما قبله، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾؛ أي: أقسمت بجنس الليل وقت ذهابه ومضيه بإقبال النهار ومجيئه، والتقييد به لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة، كأن جميع الحيوانات أعيد إليهم الحياة بعد الموت، وتسببوا بذلك لطلب الأرزاق المعدة للحياة الدنيوية التي يتوصل بها إلى سعادة الدارين. فإن قلت (١): القسم بـ ﴿الليل إذا يسر﴾ عام يغني عن القسم بـ ﴿ليال عشر﴾، فلم ذكرها أولًا؟. قلت: المقسم به في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ هو ﴿الليل﴾ باعتبار سيره ومضيه، وفي قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ هو الليالي بلا اعتبار مضيها وذهابها، بل باعتبار خصوصية أخرى، فلا يغن أحدهما عن الآخر، وبهذا المعنى قال الجمهور، وقال قتادة وأبو العالية في معنى: ﴿إِذَا يَسْرِ﴾: إذا جاء وأقبل، وقيل: معنى ﴿إِذَا يَسْرِ﴾: إذا يسري فيه الساري، ويسير فيه السائر، فإسناد السرى إلى الليل مجاز، كما في قولهم: نهاره صائم؛ أي: هو صائم في نهاره، وليله نائم؛ أي: نائم في ليله، كما في قول الشاعر: لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلَانَ فِيْ السُّرَى ... وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وبهذا المعنى قال الأخفش والقتيبي وغيرهما، فالتقييد بذلك؛ لأن المسير في الليل حافظ للسائر من حر الشمس، فإن السفر مع مقاساة حر النهار أشد على النفس، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى في الليل"، وكذا هو حافظ من شر قطاع الطريق غالبًا؛ لأنهم مشغولون بالنوم في الليل، وقال عكرمة وغيره: والمراد بالليل

стр. 14746

هنا: هي ليلة المزدلفة خاصة؛ لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله تعالى، وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها، وقيل: إنه سبحانه أراد عموم الليل كله، وهو الظاهر الأظهر، كما مر. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَسْرِ﴾ بحذف الياء وصلًا ووقفًا اتباعًا لرسم المصحف، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وقرأ نافع وأبو عمرو: بحذفها في الوقف وإثباتها في الوصل، قال الخليل: تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي، قال الزجاج: والحذف أحب إليَّ؛ لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياءات، وقال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد بعضهم: كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تَلِيْقُ دِرْهَمًا ... جُوْدًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ دَمَا ما تليق؛ أي: ما تمسك. والحاصل: أن الياء حذفت (٢) هنا اكتفاء بالكسر، ولسقوطها في خط المصحف، ولموافقة رؤوس الآي، وإن كان الأصل إثباتها؛ لأنها لام فعل مضارع مرفوع، والسرى: سير الليل، يقال: سرى يسري سرى ومسرى، إذا سار عامة الليل، والمراد هنا: ذهاب الليل أو إقباله، أو سير الساري فيه. واعلم: أن نعمة (٣) الله على عباده بتعاقب الليل والنهار، واختلاف مقاديرها بحسب الأزمنة والفصول مما لا يجحدها إلا مكابر، لا جرم أقسم ربنا بهما تنبيهًا على أن تعاقبهما بتدبير مدبر حكيم، عالم بما في ذلك من المصلحة لعباده. انظر إلى ما في إقبال الصبح من عميم النفع، فإنك لترى أنه يفرج كربة الليل، وينبه إلى إستقبال العمل، وكذلك تدرك ما في الليالي المقمرة من فائدة، فهي تستميل النفس إلى النقلة، وتيسر للناس النجعة، ويخاصة في أيام الحر الشديد في بلاد كبلاد العرب، وكذا تعرف ما في الظلام من منفعة، فإن فيه تهدأ النفوس، وتسكن الخواطر، وتستقر الجنوب في مضاجعها لتستريح من عناء العمل، وتستعين

стр. 14747

بالنوم على إعادة القوى، وتختفي الناس من مطاردة اللصوص، ولله در المتنبي حيث قال: وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ ٥ - ثم قرر سبحانه فخامة الأشياء التي أقسم بها قبل، وكونها أهلًا لأن تعظم، فقال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾ إلخ، وهذا تقرير (١) وتحقيق لفخامة شأن المقسم بها، وكونها أمورًا جليلةً حقيقةً بالإعظام والإجلال عند أرباب العقول، وتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، خليق بأن يؤكد به الأخبار على طريقة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾، كما يقول من ذكر حجة باهرة: هل فيما ذكرته حجة. والمعنى: هل فيما ذكر من الأشياء المقسم بها، فالإشارة بذلك إلى تلك الأمور، والتذكير فيه بتأويله بالمذكور؛ أي: في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها ﴿قَسَمٌ﴾؛ أي: مقسم به حقيق بأن تؤكد به الأخبار، وفي "فتح الرحمن": مقنع ومكتفى ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾؛ أي: لذي عقل ولب منور بنور المعرفة والحقيقة، يراه حقيقًا بأن يقسم به إجلالًا وتعظيمًا، والمراد: تحقيق أن الكل كذلك، وإنما أوثرت هذه الطريقة هضمًا للخلق، وإيذانًا بظهور الأمر، أو المعنى: هل (٢) في الإقسام بتلك الأمور المذكورة إقسام لذي حجر مقبول عنده، يعتد به، ويفعل مثله، ويؤكد به المقسم عليه. والحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -: العقل: سمي به؛ لأنه يحجر صاحبه؛ أي: يمنعه من التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلًا ونهيةً بضم النون؛ لأنه يعقل وينهى، وحصاةً أيضًا من الإحصاء، وهو الضبط، قال الفراء: يقال: إنه لذو حجر إذا كان قاهرًا لنفسه، ضابطًا لها، مضيقًا عليه، والتنوين في الحجر للتعظيم، قال بعض الحكماء: العقل للقلب بمنزلة الروح للجسد، فكل قلب لا عقل له، فهو ميت بمنزلة قلب البهائم، والمراد: أن من (٣) كان ذا لب وعقل، يفطن إلى أن في القسم بهذه المخلوقات المشتملة على باهر الحكمة، وعجيب

стр. 14748

الصنعة، الدالة على وحدانية صاحبها مقنعًا أيما مقنع، وكفاية أعظم كفاية، وجاء الكلام بصورة الاستفهام لتأكيد المقسم عليه، وتقريره، كما تقول لمن يحاجك في أمر، ثم تقيم له الحجة الناصعة التي تثبت ما تدعِ: هل فيما ذكرت لك كفاية؟ ومرادك: أني قد ذكرت لك أقوى الحجج وأبينها، فلست تستطيع جحد ما قلت بعد هذا. وجواب القسم بهذه الأمور الخمسة المذكورة محذوفة كما مر، يدل عليه قوله بعد ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ الآية، ويقدر بنحو قوله: "إن ناصية المكذبين بيدي، ولئن أمهلتهم .. فلن أهملهم، ولآخذنهم أخذ الأمم قبلهم" وقد ترك ذكره لتسترسل نفس القارىء في تأمل ما مضى وما يتبع؛ ليجد الجواب بينها، فيتمكن المعنى لديه فضل تمكن. ٦ - ثم ذكر سبحانه على طريقة الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيرًا للكفار في عصر نبينا ﷺ ، وتخويفًا لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾ الهمزة فيه للإنكار، وهو في قوة النفي، ونفي النفي إثبات، فيكون الاستفهام تقريريًا بعد أن كان إنكاريًا؛ أي: ألم تعلم يا محمد علمًا يقينيًا جاريًا مجرى الرؤية في الجلاء والوضوح؛ أي: قد علمت بإعلام الله تعالى لك وبالتواتر أيضًا، كيف عذب ربك عادًا ونظائرهم، فسيعذب كفار قومك لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قوم هود ﵇، سموا باسم أبيهم، كما سمي بنو هاشم هاشمًا، وبنو تميم تميمًا، فلفظ عاد: اسم للقبيلة المنتسبة إلى عاد، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولأواخرهم: عاد الأخيرة. قال عماد الدين بن كثير: كل ما ورد في القرآن خبر عاد الأولى إلا ما في سورة الأحقاف. انتهى. ٧ - ﴿إِرَمَ﴾: عطف (١) بيان لـ ﴿عاد﴾ للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف؛ أي: سبط إرم، أو أهل إرم على ما قيل من أن إرم اسم بلدتهم، أو أرضهم التي كانوا فيها، وكانت منازلهم بين عمان إلى حضرموت، وهي بلاد الرمال والأحقاف،

стр. 14749

ويؤيده القراءة بالإضافة، وأيًا ما كان، فامتناع صرفها للتعريف والتأنيث. وفي "المفردات": الآرام: أعلام تبنى من الحجارة، و ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾: إشارة إلى أعلامها المرفوعة المزخرفة على هيئة المنارة، أو على هيئة القبور، وفيه أيضًا حذف مضاف بمعنى أهل الأعلام ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ صفة لـ ﴿إِرَمَ﴾، واللام للجنس الشامل للقليل والكثير، والعماد كالعامود، والجمع: عَمَد بفتحتين، وعُمُد - بضمتين -: أي: ذات القدود الطوال على تشبيه قاماتهم بالأعمدة، أو ذات الخيام والأعمدة؛ حيث كانوا بدويين أهل عمد يطلبون الكلأ حيث كان، فإذا هاجت الريح ويبس العشب .. رجعوا إلى منازلهم، أو ذات البناء الرفيع، وكانوا ذوي أبنية مرفوعة على العمد، وكانوا يعالجون الأعمدة، فينصبونها ويبنون فوقها القصور، وكانت قصورهم ترى من أرض بعيدة، أو ذات الأساطين؛ إذ كانت مدينتهم ذات أبنية مرفوعة على الأسطوانات على أن إرم اسم بلدتهم. وقال السهيلي رحمه الله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ وهو جيرون بن سعد بن إرم، وهو الذي بني مدينة دمشق على عمد من رخام، ذكر أنه أدخل فيها أربع مئة ألف عمود، وأربعين ألف عماد من رخام، فالمراد: هذه العماد التي كان البناء عليها في هذه المدينة، وكانت تسمى جيرون، وبه تعرف، وسميت دمشق بدمشق بن نمروذ عدو إبراهيم الخليل ﵇، وكان دمشق قد أسلم، وبنى جامع إبراهيم في الشام. انتهى. لعل هذا الرواية أصح، فليتأمل. ٨ - ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ صفة أخرى (١) لـ ﴿إِرَمَ﴾، والضمير لها على أنها اسم القبيلة؛ أي: لم يخلق مثلهم في عظم الأجرام، والقوة في الآفاق والنواحي؛ حيث كان طول الرجل أربع مئة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة، فيحملها ويلقيها على الحي فيهلكهم، ولذا كانوا يقولون: من أشد منا قوة، ونظيرهم في الطيور: الرخ: هو طير في جزائر الصين، يكون جناحه الوحد عشرة آلاف باع، يحمل حجرًا في رجله كالبيت العظيم، ويلقيه على السفينة في البحر. أو المعنى: لم يخلق مثل مدينتهم في جميع بلاد الدنيا، فالضمير لها على أنها اسم البلدة.

стр. 14750

والمعنى (١): أي ألم تعلم أيها المخاطب، أو يا محمد، كيف أهلك ربك عادًا الأولى الذين كانوا أشد الناس أجسامًا؛ وأطولهم قامة، وأرفعهم مكانةً، والذين لم يخلق في البلاد كلها مدينة كمدينتهم. وقرأ الجمهور (٢): ﴿بِعَادٍ﴾ بالتنوين مصروفًا، وقرؤوا: ﴿إِرَمَ﴾ بكسر الهمزة، وفتح الراء والميم ممنوع الصرف للتأنيث والعلمية، لأنه اسم للقبيلة، وعاد وإنْ كان اسم القبيلة فقد يلحظ فيه معنى الحي، فيصرف، أو لا يلحظ، فجاء على لغة من صرف هندًا، و ﴿إِرَمَ﴾: عطف بيان أو بدل منه، وقرأ الحسن وأبو العالية: بإضافة عاد إلى ﴿إرم﴾، وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: ﴿أرم﴾ بفتح الهمزة والراء، وقرأ ابن الزبير: ﴿بعاد﴾ بالإضافة ﴿أرم﴾ بفتح الهمزة، وكسر الراء، وهي لغة في المدينة، وقرأ الضحاك: ﴿بِعَادٍ﴾ مصروفًا، و ﴿بعاد﴾ غير مصروف أيضًا ﴿أرم﴾ بفتح الهمزة وسكون الراء تخفيف ﴿أرم﴾ بكسر الراء، وعن ابن عباس: ﴿أرم﴾: فعلًا ماضيًا. ﴿ذاتَ العمادِ﴾ بنصب التاء على المفعول به. والمعنى: جعل الله ذات العماد رميمًا، ويكون أرم بدلًا من ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾، يقال: رم العظم إذا بلي، وأرم هو: أي: بلي، وأرمه غيره معدى بالهمزة من: رم الثلاثي، وقرأ أبي: ﴿التي لم يخلق مثلهم في البلاد﴾، وقرأ ابن الزبير: ﴿لم يخلق مثلها﴾ بالبناء للفاعل: أي: لم يخلق الله سبحانه مثل إرم، وقرأ الجمهور: ﴿لَمْ يُخْلَقْ﴾ بالبناء للمفعول، و ﴿مثلُها﴾ بالرفع، وروي عن ابن الزبير: ﴿نخلق﴾ بالنون. ٩ - ثم عطف سبحانه القبيلة الآخرة، وهي: ثمود على قبيلة عاد، فقال: ﴿وَثَمُودَ﴾ عطف على ﴿عاد﴾ قبيلة مشهورة سموا باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عامر بن إرم بن سام بن نوح ﵇. وكانوا عربًا من العاربة، يسكنون الحجر بين الحجاز وتبوك، وكانوا يعبدون الأصنام كعاد، وهم قوم صالح ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. ﴿الَّذِينَ جَابُوا﴾؛ أي: خرقوا وقطعوا ﴿الصَّخْرَ﴾؛ أي: الصخور والأحجار الكبار، ونحتوها وبنوها بيوتًا ﴿بِالْوَادِ﴾، أي: في وادي القرى بالقرب من المدينة

стр. 14751

المنورة من جهة الشام، والجوب: القطع، تقول: جبت القميص إذا قطعته، ومنه سمي: الجيب. والصخر: هو الحجر الصلب الشديد، والواد: أصله (١): الوادي، حذفت ياؤه اكتفاءً بالكسرة، ورعايةً لرؤوس الآي، وأصل الوادي: الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سمي المنفرج بين الجبلين واديًا، والمراد هنا: هو وادي أم القرى بالقرب من المدينة الشريفة من جهة الشام، قال أبو نضرة: أتى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: "أسرعوا السير، فإنكم في واد ملعون". والمعنى: قطعوا صخر الجبال وخرقوها، فاتخذوا فيها بيوتًا نحتوها من الصخر، كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾، قيل: إنهم أول من نحت الجبال والصخور والرخام، وقد بنوا ألفًا وسبع مئة مدينة، كلها من الحجارة. وقرأ ابن وثاب (٢): ﴿وثمود﴾ بالتنوين على أنه اسم لأبي القبيلة، والجمهور: بمنع الصرف على أنه اسم للقبيلة، وقيل: جابوا واديهم، وجلبوا ماءهم في صخر شقوه، فعل ذي القوة والآمال. وقرأ الجمهور: ﴿بِالْوَادِ﴾ بحذف الياء وصلًا ووقفًا اتباعًا لرسم المصحف، وقرأ ابن كثير: بإثباتها فيهما، وقرأ قنبل في رواية عنه: بإثباتها في الوصل دون الوقف. والخلاصة (٣): أي وألم تر يا محمد أو أيها المخاطب، كيف فعل رب بثمود، الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا منه القصور والأبنية العظيمة، كما قال في آية أخرى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾، وفي هذا دليل على ما أنعم الله به عليهم من القوة والعقل وحسن التدبير، فإنهم كانوا ينحتون الجبال وينقبونها، ويجعلون تلك الأنقاب بيوتًا يسكنون فيها، وقوله: ﴿بِالْوَادِ﴾ متعلق بـ ﴿جَابُوا﴾ أو بمحذوف على أنه حال من الصخر. ١٠ - وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾ معطوف على ﴿عاد﴾ أيضًا؛ أي: وألم تر كيف فعل

стр. 14752

ربك بفرعون ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾؛ أي: ذي (١) الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد، أو جعل الجنود أنفسهم أوتادًا؛ لأنهم يشدون الملك كما تشهد الأوتاد الخيام، وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها، ويشدهم إليها، والمراد بفرعون: فرعون موسى ﵇، اسمه: الوليد بن مصعب بن ريان بن ثروان أبو العباس القبطي، وإليه تنسب الأقداح العباسية، وفرعون: لقب أفرده تعالى بالذكر لانفراده في التكبر والعلو، حتى ادعى الربوبية والألوهية، والأوتاد: جمع وتد بفتحتين وبكسر التاء أيضًا، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربونها في منازلهم، ويربطونها بالأوتاد والأطناب. ١١ - ثم وصف من سبق ذكرهم بأقبح الأوصاف، فقال: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾، وتجبروا ﴿فِي الْبِلَادِ﴾؛ أي: في بلادهم صفة للمذكورين من الطوائف، وهو أحسن من حيث اللفظ؛ إذ لا حذف فيه، واختار صاحب "الكشاف": كونه منصوبًا على الذم بتقدير: أذم، لكونه صريحًا في الذم، والمقام مقام الذم، وهو أحسن من حيث المعنى ويجوز جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين طغوا. والمعنى: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وتجاوزا الحد، يعني: طغى عاد في اليمن، وثمود بأرض الشام، والقبط بمصر، كما أن نمروذ طغى بالسواد، وقس على هذا سائرهم. ١٢ - ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا﴾؛ أي: في البلاد ﴿الْفَسَادَ﴾؛ أي: بالكفر وسائر المعاصي، فإن الفساد يتناول جميع أقسام الإثم، كما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فمن عمل بغير أمر الله، وحكم في عباده بالظلم، فهو مفسد متجاوز عن الحد الذي حد له، وفيه تخويف شديد لأكثر حكام الزمان ونحوهم. ١٣ - ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ صبُّ الماء: إراقته من أعلى، أي: أنزل ربك عليهم إنزالًا شديدًا على كل طائفة من أولئك الطوائف عقيب ما فعلت من الطغيان والفساد، وأفرغ عليهم ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ أي: أشد عذاب لا تدرك غايته، وهو عبارة عما حل بكل طائفة منهم من فنون العذاب التي شرحت في سائر السور الكريمة، وهي: الريح لعاد، والصيحة لثمود، والغرق للقبط، وتسميته (٢) سوطًا: للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في

стр. 14753

الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والسوط: الجلد المضفور، أي: المنسوج المفتول الذي يضرب به، قال أبو حيان: استعير السوط للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره، والتعبير (١) عن إنزاله بالصب: للإيذان بكثرته واستمراره وتتابعه، فإنه عبارة عن إراقة شيء مائع أو جار مجراه في السيلان، كالرمل والحبوب، وإفراغه بشدة وكثرة واستمرار، ونسبته إلى السوط مع أنه ليس من ذلك القبيل باعتبار تشبيهه في نزوله المتتابع المتدارك، على المضروب بقطرات الشيء المصبوب. فإن قلت: أليس أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وهو يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة، فبين الآيتين معارضة، فكيف الجمع بينها؟. قلت: إنه يقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة، وذلك لا ينافي أن يعجل شيء من ذلك في الدنيا، فإن الواقع في الدنيا شيء من الجزاء ومقدماته، كذا في "حواشي ابن الشيخ". يقول الفقير: وأوجه من ذلك: أن المفهوم من الآية المؤاخذة لكل الناس، وهو لا ينافي أن يؤاخذ بعضهم في الدنيا بعذاب الاستئصال كبعض الأمم السالفة المكذبة، قال الشاعر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِيْنَهُ ... وَصَبَّ عَلَى الْكُفَّارِ سَوْطَ عَذَابِ وحاصل معنى الآيات: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾ إلخ؛ أي: إن (٢) هؤلاء الذين سلف ذكرهم من عاد وثمود وفرعون قد استعملوا سلطانهم وقوتهم في هضم حقوق الناس، واغتروا بعظيم قدرتهم، فكان سببًا في إفساد البلاد، ذاك أن من اغتر بنفسه، وتهاون بحقوق غيره، واعتدى عليها، وأخذ ما ليس له، ولم يعط الذي عليه .. يكون قد فكك شمل الجماعة، وأفسد في البلاد، فيختل نظام العمران، ويقف دولاب التعامل، ويوجس كل امرىء خيفةً من بني جلدته، ولا شك أن أممًا هذه حالها تكون عاقبتها الخراب والدمار، ومن ثَمَّ ذكر عاقبة أمرها، فقال ﴿فَصَبَّ

стр. 14754

عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾؛ أي: فأنزل الله تعالى بهم ألوانًا من البلاء، وشديد العذاب، وقد شبه سبحانه ما أوقعه بهم من صنوف العذاب، وما صبه عليهم من ضروب الهلاك بالسوط من قبل أن السوط يضرب به في العقوبات والله يوقع العذاب بالأمم عقوبةً لها على ما يقع منها من أنواع التفريط في أوامر دينه. ١٤ - ثم ذكر العلة في تعذيبه لهم، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾، والجملة (١) تعليل لما قبلها، وفيها إيذان بأن كفار قومه ﷺ سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب، كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ ، والمرصاد (٢): المكان الذي يترقب فيه الراصدون، مفعال من: رصده، كالميقات من وقته، والباء للظرفية؛ أي: إنه لفي المكان الذي تترقب فيه السابلة، ويجوز أن يكون صيغة مبالغة، كالمطعان، والباء تجريدية، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، شبه حاله تعالى في كونه حفيظًا لأعمال عباده مجازيًا عليها على النقير والقطمير، ولا محيد للعباد عن أن يكون مصيرهم إلى الله تعالى، بحال من قعد على طريق السابلة يترصدهم ليظفر بالجاني، أو لأخذ المكس، أو نحو ذلك، ولا مخلص لهم من العبور إلى ذلك الطريق، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك، كما سيأتي في مبحث البلاغة، ويقال: يعني أن ملائكة ربك على الصراط يترصدون على جسر جهنم في سبعة مواضع، فيسأل في أولها عن الإيمان، فإن سلم من النفاق والرياء نجا، وإلا تردى في النار، وفي الثاني عن الصلاة، فإن أتم ركوعها وسجودها وسائر أركانها وأقامها في مواقيتها نجا، وإلا تردى في النار، وفي الثالث عن الزكاة، وفي الرابع عن صوم شهر رمضان، وفي الخامس عن الحج والعمرة، وفي السادس عن الوضوء والغسل من الجنابة، وفي السابع عن بر الوالدين وصلة الرحم، فإن خرج منها .. قيل له: انطلق إلى الجنة، وإلا وقع في النار، والله أعلم. والمعنى (٣): أي إن شأن ربك أن لا يفوته من شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أمةً تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة، بل يأخذها بذنوبها أخذ

стр. 14755

العزيز المقتدر، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر، لا يفرط فيما رصد له. وقد أجمل الله سبحانه في هذه الآيات ما أوقعه بهذه الأمم من العذاب، وفصله في غير موضع من كتابه الكريم، فقال في سورة الحاقة: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ إلى آخر ما هنالك، وقال: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾، والحكمة في تكرار القصص في القرآن الكريم، وفي ذكر بعضها على طريق الإشارة في بعض المواضع، وبالتفصيل في بعض آخر أنه قد يكون الغرض تارة إقامة الحجة على قدرته تعالى، وتوحده في ملكة وقهره لعباده حينًا، وترقيق قلوب المخاطبين حينًا آخر، وإنذار عباده، وإعذارهم مرة ثالثة، ولا شك أن كل مقام من الكلام له لون منه من بسط أو إيجاز، لا يكون لغيره، وقد عرفت أن الغرض هنا تطييب خاطر الرسول ﷺ وأصحابه بأن الله تعالى سيمهل الكافرين، ولا يهملهم، وهو تعالى ليس بغافل عنهم، وحينئذٍ تدرك أن الإشارة إلى أن هذه الأمم أخذت وعذبت، ولم تترك سدى، كافية جد الكفاية لمن فكر وتدبر. ١٥ - ولما ذكر سبحانه أنه بالمرصاد .. ذكر ما يدل على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير، وعند إصابة الشر، وأن مطمح أنظارهم، ومعظم مقاصدهم الدنيا، فقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾، وهو مبتدأ، والخبر جملة ﴿يقول﴾ الآتي، قال السهيلي - رحمه الله تعالى -: المراد بالإنسان هنا: عتبة بن ربيعة، وكان هو السبب في نزولها فيما ذكر، وإن كانت هذه الصفة تعم، وقيل: أبي بن خلف، وقيل: أمية بن خلف، قاله مقاتل. والكلام متصل (١) بما قبله من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ كما أشرنا إليه آنفًا، وكأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبة أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرًا أو شرًا، فأما الإنسان .. فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصاد فكره الدنيا ولذائذها، والفاء: استئنافية، وقيل: فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن ربك لبالمرصاد لأعمال عباده خيرًا أو شرًا ليجازيهم عليها،

стр. 14756

وأردت بيان أحوال الإنسان، هل هو في مراقبة ربه، فيشكر على نعمه، ويصبر على نقمه، أم لا .. فأقول لك: أما الإنسان ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ ﴿إذا﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بالخبر الآتي، و ﴿مَا﴾: زائدة؛ أي: إذا عامله ربه معاملة من يبتليه بالغنى واليسار ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بالقوة والجاه، و ﴿الفاء﴾ فيه تفسيرية؛ لأن الإكرام والتنعيم عين الابتداء ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بالمال وسعة العيش، والفاء في قوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ واقعة في جواب ﴿أما﴾ الشرطية، وجملة ﴿يقول﴾: خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، والظرف المتوسط على نية التأخير، وإنما تقديمه للإيذان من أول الأمر بأن الإكرام والتنعيم بطريق الابتلاء؛ ليتضح اختلال قوله المحكي، ﴿فَإِذَا﴾ لمجرد الظرفية، وإن هذه الفاء لا تمنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، فكأنه قيل: فأما الإنسان فيقول مفتخرًا فرحًا بما نال، ومسرورًا بما أعطي ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ أي: فضلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه وقت ابتلائه بالإنعام، ولا يخطر بباله أنه محض تفضل عليه، ليبلوه أيشكر أم يكفر. والمعنى (١): أي إن الإنسان إذا أنعم الله عليه، وأوسع له في الرزق .. زعم أن هذا الذي هو فيه من السعة إكرام من الله له، وخيل إليه الوهم أن الله لا يؤاخذه على ما يفعل، فيطغى ويفسد في الأرض. ١٦ - ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾؛ أي: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه .. فيكون الواقع بعد ﴿أَمَّا﴾ في الفقرتين اسمًا، فتكون الجملتان متعادلتين ﴿فَقَدَرَ﴾؛ أي: ضيق ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، وجعله على قدر كفايته، وقوت يومه ﴿فَيَقُولُ﴾ متضجرًا حزينًا: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾؛ أي: أذلني بالفقر، ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيء، ولذا لم يقل: فأهانه فقدر عليه رزقه في مقابلة: أكرمه ونعمه، بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين في حق الفقير الصابر، أما تأديته إلى كرامة الآخرة .. فأمر ظاهر، وأما تأديته إلى كرامة الدنيا، فلأنه قد يسلم به من طمع الأعداء، فيحسن فيه اعتقاد الكبراء من أهل الدنيا، فيراجعونه ويلتمسون منه الدعاء، والتوسعة قد تفضي إلى خسران الدارين بالكفران، فيكون استدراجًا، قال بعضهم: ربما يكون التضييق

стр. 14757

إكرامًا له بأن لا يشغله بالنعمة عن المنعم ويجعل ذلك وسيلةً له في التوجه إلى الحق والسلوك في طريقه لعدم التعلق. وعن أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار، وإما كساء، قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ نصف الركبتين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. فتأمل يا أخي هل تكون هذه إهانةً لخواص الله، فالمؤمن إما في مقام الشكر، أو في مقام الصبر، وعنه ﷺ : "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر". والمعنى (١): أي وإن رأى الإنسان أن رزقه لا يأتي إلا بقدر .. ظن أن ذلك إهانة من الله له، وإذلال لنفسه، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث؛ لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا، والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها، وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، وأما المؤمن .. فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة. ويحتمل أن يراد بالإنسان العموم كما مر، لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة .. ما سقى الكافر منها شربة ماء. والحاصل (٢): أن الإنسان في الحالين مخطىء مرتكب أشنع وجوه الغفلة، لأن إسباغ النعمة في الدنيا على أحد لا يدل على أنه مستحق لذلك، ولو دل على هذا .. لما رأيت عاصيًا موسعًا عليه في الرزق، ولا شاهدت كافرًا ينعم بصنوف النعم. ولعل من حكمة الله في بسط الرزق على بعض الناس، وتضييقه على بعض آخر: أن وجدان المال سبب للانغماس في الشهوات، وأنه قاطع عن الاتصال بالله، وأن فقدانه وسيلة لتمحيص المرء وابتلائه؛ ليكون من الصابرين الذين وعدوا بالجنة، انظر إلى قول النبي ﷺ فيما كان يدعو به ربه من قوله: "اللهم أحيني مسكينًا،

стр. 14758

وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين" تدرك سر ذلك إلى أن من يمتحنهم الله تعالى بإسباغ النعمة عليهم يظنون أن الله قد اصطفاهم على عباده، ورفعهم فوق سائر خلقه، ثم لا يزال بهم شيطان الغواية حتى يذهبوا مع أهوائهم كل مذهب، ويسيروا في طريق شهواتهم المهلكة إلى أبعد غاية، لا يرجعون إلى ربهم، ولا يدركون أن ما عنده خيرٌ وأبقى. وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه وابن محيصن ويعقوب (١): ﴿أكرمني﴾ و ﴿أهاني﴾ بإثبات الياء فيهما وصلًا ووقفًا، وقرأ نافع: بإثبات الياء فيهما وصلًا وحذفهما وقفًا، وخير في الوجهين أبو عمرو، وقرأ الباقون: بحذف الياء فيهما وصلًا ووقفًا اتباعًا لرسم المصحف، ولموافقة رؤوس الآي، والأصل: إثباتها لأنها اسم، ومن حذفها في الوقف سكن النون فيه، وقرأ الجمهور: ﴿فَقَدَرَ﴾ بتخفيف الدال، وقرأ أبو جعفر وعيسى وخالد والحسن - بخلاف عنه - وابن عامر: بتشديدها، وهما لغتان، قال الجمهور: هما بمعنى واحد بمعنى: ضيق، والتضعيف فيه للمبالغة للمتعدي، وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأبو عمرو: ﴿رَبِّي﴾ بفتح الياء في الموضعين، وأسكنها الباقون. تتمة: وفي "فتح الرحمن": إن قلت: كيف ذم من يقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ مع أنه صادق فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ ومع أنه متحدِّث بالنعمة، وهو مأمور بالتحدث بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؟ قلت: المراد أن يقول ذلك مفتخرًا به على غيره، كما أشرنا إليه في حلنا السابق، ومستدلًا به على علو منزلته في الآخرة، ومعتقدًا استحقاق ذلك على ربه، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، وكل ذلك منهي عنه مذموم، وأما إذا قاله على وجه الشكر، والتحدث بنعمة الله تعالى، فليس بمذموم، بل هو ممدوح. ١٧ - وقوله: ﴿كَلَّا﴾ ردع للإنسان القائل في الحالتين، وزجر له عن مقالته المحكية، وتكذيب له فيها، فإن الله قد يوسع الرزق، ويبسط النعم

стр. 14759

للإنسان لا لكرامته - كما في الكافر والعاصي، ويضيقه عليه، لا لإهانته، كما في المؤمن المطيع - بل للاختبار والامتحان. قال الفراء: ﴿كَلَّا﴾ في هذا الوضع بمعنى: أنه لم يكن للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله تعالى على الغنى والفقر. قال ابن عباس ﵄: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته على، ولم ابتله بالفقر لهوانه عليَّ، بل ذلك لمحض القضاء والقدر، بلا تعليل بالعلل. ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله، فقال: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ الذي فقد أباه، بالإنفاق عليه والكسوة ونحوهما، واليتيم من بني آدم: هو الذي فقد أباه، وكان غير بالغ، ومن البهائم: هو الذي فقد أمه، وفي الحديث: "أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم"، والالتفات فيه إلى الخطاب على قراءة الجمهور بالتاء الفوقية؛ للإيذان باقتضاء ملاحظة جنايته السابقة لمشافهته بالتوبيخ؛ تشديدًا للتقريع، وتأكيدًا للتشنيع، والجمع في ﴿تُكْرِمُونَ﴾ وفيما سيأتي من سائر الأفعال باعتبار معنى الإنسان؛ إذ المراد به الجنس؛ أي: بل لكم أحوال أشد شرًا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال، فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالنفقة والكسوة ونحوهما. قال في "الأشباه": استخدام اليتيم بلا أجرة حرام ولو لأخيه ومعلمه، إلا لأمه، وفيما إذا أرسله المعلم لإحضار شريكه. انتهى. وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو عمرو: ﴿يكرمون﴾، و ﴿لا يحضون﴾، و ﴿يأكلون﴾، و ﴿يحبون﴾ بياء الغيبة فيها، وقرأ باقي السبعة: بتاء الخطاب في جميعها. والمعنى: أنكم تتركون إكرام اليتيم، فتأكلون ماله، وتمنعونه من فضل أموالكم، قال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون، وكان يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فيدفعه عن حقه، فنزلت. والمعنى: ﴿كَلَّا﴾؛ أي (١): لم ابتل الإنسان بالغنى لكرامته عندي، ولم ابتله

стр. 14760

بالفقر لهوانه عليَّ، فالكرامة والإهانة لا يدوران مع المال سعة وقلة، فقد أوسع على الكافر لا لكرامته، وأضيق على المؤمن لا لهوانه، وإنما أكرم المرء بطاعته، وأهينه بمعصيته، وقد أوسّع على المرء بالمال لأختبره أيشكر أم يكفر، وأضيق عليه لأختبره أيصبر أم يضجر، ثم انتقل وترقى من ذمهم بقبيح الأقوال إلى النعي عليهم بقبيح الأفعال، فقال: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾؛ أي: بل لكم أفعال وأحوال شر من أقوالكم، تدل على تهالككم على المال، فقد يكرمكم الله تعالى بالمال الكثير، فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم وبره، والإحسان إليه، وقد جاء في الحديث الحث على ذلك، فمنه قوله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام. ١٨ - ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾ بحذف إحدى التاءين من: تتحاضون، والحض: الحث والتحريض، أي: لا يحض (١) بعضكم بعضًا، ولا يحث من أهل وغيره شكرًا لإنعام الله تعالى ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾؛ أي: على إطعام جنس المسكين، وإصلاح شأنه، ومن لا يحض غيره على إطعامه فأن لا يطعمه بنفسه أولى، فيؤول المعنى إلى أن يقال: ولا تطعمون مسكينًا ولا تأمرون بإطعامه، وفيه ذم بليغ للبخيل. والخلاصة: وإذا لم تكرموا اليتيم، ولم يوص بعضكم بعضًا بإطعام المسكين، فقد كذبت مزاعمكم في أنكم قوم صالحون، وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام، فيقول: ولم تطعموا المسكين، ليبين أن أفراد الأمة متكافلون، وأنه يجب أن يوصي بعضهم بعضًا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع التزام كل بفعل ما يأمره أو ينهى عنه. وقرأ أبو جعفر وشيبة والكوفيون وابن مقسم (٢): ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بفتح التاء وبالألف، أصله: تتحاضون، وهي قراءة الأعمش؛ أي: لا يحض بعضكم بعضًا، وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وعبد الله بن المبارك والشيزري عن الكسائي كذلك، إلا أنهم ضموا التاء؛ أي: تحاضون أنفسكم؛ أي: يحض بعضكم بعضًا، وتفاعل وفاعل يأتي بمعنى: فعل أيضًا.

стр. 14761

وقوله: ﴿عَلَى طَعَامِ﴾ يجوز أن يكون بمعنى إطعام، كالعطاء بمعنى: الإعطاء، والأولى أن يكون على حذف مضاف؛ أي: على بذل طعام المسكين، أو على إعطاء طعام المسكين. ١٩ - ثم بين أن إهمالهم أمر اليتيم، وخلو قلبهم من الرحمة بالمسكين، لم يكونا زهدًا في لذائذ الحياة، وتخلصًا من متاعبها، وعكوفًا على شؤون أنفسهم، بل جاء من محبتهم للمال، فقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾؛ أي: الميراث، وأصله (١): وراث قلبت واوه تاء، والميراث: هو المال المنتقل من الميت ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾؛ أي: أكلًا شديدًا، واللم: الجمع، يقال: كتيبة ملمومة؛ أي: مجتمعة بعضها إلى بعض. والمعنى: أكلًا ذا لمٍّ على حذف المضاف؛ أي: جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا يورثون النساء، ولا الصبيان، ويأكلون أنصباءهم الحرام مجموعةً إلى أنصبائهم الحلال. والمعنى (٢): أي إنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفى منكم أكلًا شديدًا، فتحولون بينه وبين من يستحق، وتجمعون بين نصيبكم منه، ونصيب غيركم. ٢٠ - ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾؛ أي: حبًا كثيرًا مع حرص وشره ومنع حقوق وعدم انتفاع، فإن الجم الكثير يقال: جم الماء في الحوض: إذا اجتمع فيه وكثر، والمقصود: ذمهم ببيان أن حرصهم على الدنيا فقط، وأنهم عادلون عن أمر الآخرة، وفيه إشارة إلى أن الحب للمال طبيعي، فلا يتخلص منه المرء بالكلية إلا أن يكون من الأقوياء، فكأنه أشار إلى أن حبه إذا لم يشتد لا يكون مذمومًا؛ أي: تميلون إلى جمع المال ميلًا شديدًا، ميراثًا كان أو غيره. وخلاصة ذلك: أنكم تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، إذ لو كنتم ممن غلب عليه حب الآخرة .. لانصرفتم عما يترك الموتى ميراثًا لأيتامهم، ولكنكم تشاركونهم فيه، وتأخذون شيئًا لا كسب لكم فيه، ولا مدخل لكم في تحصيله وجمعه، ولو كنتم ممن استحبوا الآخرة .. لما ضربت نفوسكم على المال تأخذونه من حيث وجدتموه من حلال أو من حرام، فهذه أدلة ترشد إلى أنكم لستم على ما ادعيتم من

стр. 14762

صلاح وإصلاح، وأنكم على ملة إبراهيم خليل الرحمن. ٢١ - ثم كرر سبحانه الردع لهم والزجر، فقال: ﴿كَلَّا﴾، فهو ردع لهم عما ذكر من الأفعال والتروك، وإنكار عليهم؛ أي: لا ينبغي (١) أن يكون الأمر كذلك في الحرص على الدنيا، وقصر الهمة على تحصيلها وجمعها، من حيث تهيأ لهم من حل أو حرام، وترك المواساة منها، وتوهم أن لا حساب ولا جزاء، فإن عاقبة ذلك الحسرة والندامة على إيثار الحياة الدنيوية الفانية على الحياة الآخروية، وسيأتي يوم يندمون فيه أشد الندم، ولكن لا تنفعهم الندامة، ويتمنون لو كانوا أفنوا حياتهم في التقرب إلى ربهم بصالح الأعمال. ثم بين ذلك اليوم، ووصفه بأوصاف ثلاثة، فقال: ١ - ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ وزلزلت ﴿دَكًّا دَكًّا﴾؛ أي: دكًا متتابعًا، وزلزلةً متواترة، وضرب بعضها ببعض حتى انكسر وذهب كل ما على وجهها من جبال وأبنية وقصور، حين زلزلت زلزلةً بعد زلزلة، وحركت تحريكًا بعد تحريك، وصارت هباءً منبثًا، وهو عبارة عما عرض لها عند النفخة الثانية، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها؛ لأنها فعل شرط لها، و ﴿إذا﴾ متعلقة بالجواب الآتي، وهو قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ ما فرط فيه في الدنيا. والجملة مستأنفة مسوقة بطريق الوعيد تعليلًا للردع، والدك: الدق، يقال: دككت الشيء أدكه دكًا: إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض، وقال الخليل: الدك: كسر الحائط والجبل، وقال المبرد: الدك: حط المرتفع بالبسط؛ أي: بسطت وذهب ارتفاعها، وقال الزجاج: تزلزلت، ودك بعضها بعضًا، وقال ابن قتيبة: دكت جبالها حتى استوت، والمعنى هنا: زلزلت، وحركت تحريكًا بعد تحريك، ودكًا الثاني ليس تأكيدًا للأول، بل هو دك آخر سوى الأول، وقال ابن عصفور: وانتصاب ﴿دَكًّا﴾ الأول على أنه مصدر مؤكد لفعله، و ﴿دَكًّا﴾ الثاني: تأكيد للأول، ويجوز أن يكون النصب على الحال؛ أي: حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال: علمته الحساب بابًا بابًا، علمته الخط حرفًا حرفًا.

стр. 14763

والمعنى: أنه كرِّر الدَّكُّ عليها حتى صارت هباءً منبثًا. والخلاصة: أنه إذا دكت الأرض دكًا بعد دك، وتتابع عليها ذلك حتى صارت كالصخرة الملساء، وذهب كل ما على وجهها من جبال وقصور وأبنية .. يتذكر الإنسان ما فرط فيه. ٢ - ٢٢ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ واعلم (١) أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة السلف وبعض الخلف، فلم يتكلموا فيه، وأجروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل، وقالوا: يلزمنا الإيمان بها، وإجراؤها على ظاهرها، فتقول على مذهبهم: المجيء صفة واجبة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وهذا هو المذهب الأسلم الأعلم، وتأولها بعض المتأخرين وغالب المتكلمين، فقالوا: ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله محال، فلا بد من تأويل الآية، فقيل في تأويلها: وجاء أمر ربك بالمحاسبة والجزاء، وقيل: جاء أمر ربك وقضاؤه، وقيل: وجاء دلائل آيات ربك، فجعل مجيئها مجيئًا له تعالى تفخيمًا لتلك الآيات، وقال الإمام أحمد: معناه: جاء أمر ربك وقضاؤه، فهو على حذف مضاف للتهويل. وعن ابن عباس ﵄: جاء أمره وقضاؤه، وقال النسفي: وهذا (٢) تمثيل لظهور آيات اقتداره، وتبين آثار قهره وسلطانه، فإن واحدًا من الملوك إذا حضر بنفسه .. ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور وزرائه وسائر خواصه وعساكره. انتهى. بتصرف. وقال الشوكاني: أي: جاء أمره وقضاؤه، وظهرت آياته، وقيل: المعنى: أنها زالت الشبه في ذلك اليوم، وظهرت المعارف، وصارت ضرورية، كما يزول الشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه، وقيل: جاء قهر ربك وسلطانه، وانفراده بالأمر، والتدبير من غير أن يجعل ويفوض إلى أحد من عباده شيئًا من ذلك. انتهى. ﴿و﴾ جاء ﴿الْمَلَكُ﴾؛ أي: ونزلت ملائكة كل سماء حالة كونهم ﴿صَفًّا صَفًّا﴾

стр. 14764

على حدة؛ أي: مصطفين صفًا بعد صف، محدقين بالجن والإنس، فيكونون سبع صفوف، وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، ويكونون سبعة صفوف، وقيل: معنى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾؛ أي: وتجلت (١) لأهل الموقف السطوة الإلهية وقهر الربوبية، كما تتجلى أبهة الملك للأعين إذا جاء الملك في جيوشه ومواكبه، ولله المثل الأعلى. ٣ - ٢٣ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾؛ أي: ويوم إذ كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة محجوبة عنهم، كقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾؛ أي: أظهرت حتى رآها الخلق وعاينوها، وليس المراد أنها نقلت عن مكانها إلى مكان آخر، فالمجيء بها عبارة عن إظهارها حتى يراها الخلق مع ثباتها في مكانها، فإن من المعلوم أنها لا تنفك عن مكانها، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب بـ ﴿جيء﴾، و ﴿بِجَهَنَّمَ﴾: نائب فاعل له والباء للتعدية. وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، لها تغيظ وزفير، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جاء لركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي"، إلا النبي ﷺ فيقول: "أمتي أمتي" فالمجيء (٢) بها على حقيقته، فالجر يدل على انفكاكها من مكانها، وتأوله الأولون على التجوز بأن معنى يجرون: يباشرون أسباب ظهورها، وقيل: المراد بمجيء جهنم: مجيء صورتها المثالية، ولا مناقشة فيه، فيكون كمجيء المسجد الأقصى إلى مرأى النبي ﷺ حين سأله قريش عن بعض أوصافه في قصة المعراج. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل (٣) من قوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾، والعامل فيهما قوله تعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: يوم إذ دكت الأرض دكًا دكًا، وجاء ربك والملك صفًا صفًا، يتذكر الإنسان ما فرَّط وقصر فيه من حقوق ربه، وحقوق الخلق بتفاصيله، بمشاهدة آثاره

стр. 14765

وأحكامه، أو بمعاينة عينه على أن الأعمال تتجسم في النشأة الآخرة، فيبرز كل من الحسنات والسيئات بما يناسبها من الصور الحسنة والقبيحة، أو يتعظ؛ أي: يقبل التذكير والإرشاد الذي بلغ إليه في الدنيا، ولم يتعظ ولم يقبله في الدنيا، فيتعظ به في الآخرة، فيقول: يا ليتنا نرد، ولا نكذب بآيات ربنا، وهذا الاتعاظ يستلزم الندم على تقصيراته، والندم توبة، لكن لا توبة هناك لفوات أوانها. وقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: ومن أين له العظة، وقد فاته أوانها؟، اعتراض بين البدل والمبدل منه، جيء به لإفادة أنه ليس بتذكر حقيقة؛ لخلوه عن الفائدة بعدم وقوعه في أوانه، و ﴿أَنَّى﴾: خبر مقدم لـ ﴿الذِّكْرَى﴾، و ﴿لَهُ﴾: متعلق بما تعلق به الخبر؛ أي: ومن أين يكون له التذكر، والاتعاظ، وقد فات أوانه، وقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: ومن أين له منفعة الذكرى، وبه يرتفع التناقض الواقع بين إثبات التذكر أولًا، ونفيه ثانيًا. ٢٤ - وقوله: ﴿يَقُولُ﴾ الإنسان يومئذٍ ﴿يا﴾ أيها الحاضرون ﴿لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ بدل اشتمال من ﴿يَتَذَكَّرُ﴾، أو استئناف وقع عن سؤال نشأ عنه، كأنه قيل: ماذا يقول عند تذكره؟ فقيل: يا ليتني عملت لحياتي هذه - يعني: لتحصيل الحياة الأخروية التي هي حياة نافعة دائمة غير منقطعة - أعمالًا صالحةً أنتفع بها اليوم، على أن اللام للتعليل، ويحتمل كون اللام للتوقيت؛ أي: يا ليتني قدمت أعمالًا صالحة تنفعني اليوم وقت حياتي الدنيوية، ويجوز أن يكون المعنى: قدمت عملًا ينجيني من العذاب، فأكون من الأحياء، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾. وحاصل معنى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: يوم إذ حدثت (١) تلك الحوادث والدواهي تذهب الغفلة عن الإنسان، ويتذكر المرء ما كان قد فرط وقصر فيه، وعرف أن ما كان فيه كان ضلالًا، وأنه كان يجب أن يكون على حال خير مما كان عليها، ثم بين أن هذه الذكرى لا فائدة فيها، فقال: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: ومن أين لهذه الذكرى فائدة، أو ترجع إليه بعائدة، وقد فات الأوان، وحمَّ القضاء.

стр. 14766

والخلاصة: أنه إذا حدثت الأحداث .. انكشفت عن الإنسان الحجب، ووضح له ما كان عليه، وذهب عنه الغفلة، وإذ ذاك يتمنى أن يعود ليعمل صالحًا، ولكن أنى له ذلك. ثم بين تذكره بقوله: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾؛ أي: يتمنى (١) أن يكون قد عمل صالحًا ينفعه في حياته الأخروية التي هي الحياة الحقيقة. ٢٥ - ثم بين مآله وعاقبة أمره، فقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال .. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ . قرأ الجمهور: ﴿لَا يُعَذِّبُ﴾ و ﴿وَلَا يُوثِقُ﴾ مبنيين للفاعل، و ﴿أَحَدٌ﴾ في الموضعين فاعل، و ﴿العذاب﴾ بمعنى: التعذيب، كالسلام بمعنى: التسليم، وكذا الوثاق بمعنى: الايثاق، كالعطاء بمعنى الإعطاء، وهو الشد بالوثاق، والوثاق: ما يشد به من الحديد والحبل، والضميران في قوله: ﴿عَذَابَهُ﴾ ﴿وَثَاقَهُ﴾ عائدان إلى الله تعالى، فهما مصدران مضافان إلى الفاعل. ٢٦ - والمعنى: لا يتولي عذاب الله ووثاقه أحد سواه، إذ الأمر كله لله، فلا يلزم أن يكون يوم القيامة معذِّب سوى الله، لكنه لا يعذِّب أحد مثل عذابه، وهو قول ابن عباس والحسن، وفي "عين المعاني": لا يعذب كعذاب الله ووثاقه في الآخرة أحدٌ في الدنيا. أو عائدان للإنسان، فيكونان مصدرين مضافين إلى المفعول، والمعنى عليه: لا يعذب أحد تعذيبًا مثل تعذيب الله هذا الكافر، ولا يوثق أحدٌ إيثاقًا مثل إيثاق الله هذا الكافر بالسلاسل والأغلال. وقرأ ابن سيرين (٢): وابن أبي إسحاق وسوار القاضي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وسلام والكسائي ويعقوب وسهل وخارجة عن أبي عمرو: بفتح الذال من ﴿يعذَّب﴾ والثاء من ﴿يوثَق﴾ مبنيين للمفعول، والضميران للإنسان، والمصدران مضافان للمفعول؛ أي: لا يعذب أحد مثل عذاب ذلك الإنسان، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال أحد مثل وثاق ذلك الإنسان، وظاهره يقتضي أن يكون عذابه أشد من عذاب إبليس إلا أن يكون المراد أحد من هذا الجنس، كعصاة المؤمنين، فالمراد (٣) بالإنسان حينئذٍ: الكافر؛ أي: لا يعذب من ليس بكافر كعذاب

стр. 14767

الكافر، وقيل: المراد به: إبليس، ولكن يأباه ظاهر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، وقيل: المراد به: أبي بن خلف. قال الفراء: المعنى: إنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد؛ لتناهيه في الكفر والعناد، وقيل: المعنى: لا يعذب مكانه أحد، ولا يوثق مكانه أحد، فلا تؤخذ منه فدية، وهو كقوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الكسائي، قال: وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر؛ لأنه معلوم أنه لا يعذب كعذاب الله أحد. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة؛ أي: لا يعذب أحدٌ أحدًا مثل تعذيب هذا الكافر. وحاصل المعنى على القراءة الأخيرة - أعني قراءة الكسائي -: أي (١) فيومئذٍ لا يصاب أحد بعذاب مثل ذلك العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغنى، فجحد نعمة الله عليه، أو أفسده الفقر حتى عتا في الأرض فسادًا، ولا يوثق أحد من الخلائق وثاقًا مثل هذا الوثاق الذي يوثقه ذلك الإنسان، ولا يخفى ما في ذلك من تقوية الذكر لمن له قلب يذكر ووجدان يشعر. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع - بخلاف عنهم -: ﴿وِثاقه﴾ بكسر الواو، والجمهور: بفتحها. ٢٧ - ولما فرغ من حكاية أحوال الأشقياء .. ذكر بعض أحوال السعداء، فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾؛ أي: ويقال للمؤمن يومئذٍ تكرمةً له: يا أيتها النفس التي قد استيقنت الحق واطمأنت إليه، فلا يخالجها شك، ووقفت عند حدود الشرع، فلا تزعزعها الشهوات، ولا تضطرب بها الرغبات: ارجعي إلى جوار ربك دار الكرامة، والاطمئنان (٢)، والسكون بعد الانزعاج، وسكون النفس: إنما هو بالوصول إلى غاية الغايات في اليقين والمعرفة والشهود. وفي قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ تنبيه على أنه بمعرفته تعالى، والإكثار من عبادته يكتسب اطمئنان النفس، وإذا وصلت إلى مقام الاطمئنان بذكر الله .. صار صاحبها

стр. 14768

آمنًا من الرجوع إلى الشهوات النفسانية. وفي "التعريفات": النفس المطمئنة: هي التي تنورت بنور القلب حتى تخلت من صفاتها الذميمة، وتحلت بالأخلاق الحميدة، وقيل: المطمئنة (١): هي الساكنة الموقنة بالإيمان، وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين، بحيث لا يخالطها شك، ولا يعتريها ريب. وقال الحسن: هي المؤمنة الموقنة، وقال مجاهد: هي الراضية بقضاء الله التي أيقنت أن ما أخطاها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل: هي الآمنة المطمئنة، وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله، وقيل: المطمئنة: هي الآمنة التي لا يلحقها خوف ولا حزن، قال ابن زيد: يقال لها ذلك عند الموت، وخروجها من جسد المؤمن في الدنيا، وقيل: عند البعث، وقيل: عند دخول الجنة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَا أَيَّتُهَا﴾ بتاء التأنيث، وقرأ زيد بن علي: ﴿يا أيها﴾ بغير تاء، ولا أعلم أحدًا ذكر أنها تذكر، وإن كان المنادى مؤنثًا إلا صاحب "البديع"، وهذه القراءة شاهدة بذلك، ولذلك وجه من القياس، وذلك أنه لم يثنَّ ولم يجمع في نداء المثنى والمجموع، فكذلك لم يؤنث في نداء المؤنث. والمعنى: أي ويقول الله للمؤمن إكرامًا له بلا واسطة، كما كلم موسى ﵇، أو على لسان الملك عند خروج الروح من الجسد، أو عند تمام الحساب. ٢٨ - ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾؛ أي: إلى ما وعدك ربك من الكرامة والزلفى، فكونه تعالى منتهى الغاية، إنما هو بهذا الاعتبار، فسقط تمسك المجسمة، واستدل بالرجوع الذي هو العود على تقدم الروح خلقًا حالة كونك ﴿رَاضِيَةً﴾ بما أوتيت من النعيم المقيم ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله تعالى؛ أي (٣): ارجعي إلى محل الكرامة بجوار ربك راضية بما عملت في الدنيا، مرضيًا عنك عملك الذي عملت فيها، إذ لم تكوني ساخطة لا في الغنى ولا في الفقر، ولم تتجاوزي حدود الشرع فيما لك حق، وما عليك من واجب، وقال عكرمة وعطاء: معنى ﴿ارْجِعِي إِلَى

стр. 14769

رَبِّكِ﴾؛ أي: إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا قراءة ابن عباس ﴿فادخلي في عبدي﴾ بالإفراد، والأول أولى. ٢٩ - ثم ذكر جميل عاقبتها فقال: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾؛ أي: في زمرة عبادي الصالحين، وكوني من جملتهم، وانتظمي في سلكهم ٣٠ - ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ ودار كرامتي معهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، فالدخول في زمرة الخواص هي السعادة الروحانية، والدخول معهم في الجنات، ودرجاتها هي السعادة الجسمانية. وقيل: المراد بالنفس: الروح. والمعنى: فادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها، وادخلي دار ثوابي، ويؤيد هذا المعنى قول من قال: إن الخطاب عند البعث، وذهب بعضهم: إلى أنه عند الموت، كما مر آنفًا، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نزلت هذه الآية، وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا!، فقال: "أما إنه سيقال لك هذا". وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وقيل: نزلت في عثمان بن عفان حين وقف بئر رومة، وقيل: نزلت في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير .. فحوِّل وجهي إلى قبلتك، فحوَّلَ الله وجهه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوله عنها. والمراد بالآية (١): كل نفس مطمئنة على العموم، ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقرأ الجمهور (٢): ﴿عِبَادِي﴾ جمعًا، وابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جعفر وأبو صالح والكلبي وأبو شيخ الهنائي واليماني: ﴿في عبدي﴾ على الإفراد، والأظهر أنه أريد به اسم الجنس، فمدلوله ومدلول الجمع واحد. وتعدى ﴿فَادْخُلِي﴾ أولًا بـ ﴿فِي﴾، وثانيًا بغير في، وذلك أنه إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي .. تعدت إليه بقي، تقول: دخلت في الأمر، ودخلت في غمار الناس، ومنه قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ وإذا كان المدخول فيه ظرفًا حقيقيًا تعدَّت إليه في الغالب بغير وساطة في، ومنه قوله: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾، وقال بعض أهل الإشارة:

стр. 14770

معنى (١) الآية: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي إلى الله بتركها، وسلوك سبيل الآخرة، فادخلي في عبادي الأخروية، وادخلي جنتي الصورية والمعنوية. وقال عبد الله بن عمر ﵄: إذا توفي العبد المؤمن .. أرسل الله ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض، فتخرج كاطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملك على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح، ولا بملك إلا صلى عليها، حتى يؤتى بها إلى الرحمن؛ أي: إلى حضوره، ومقام مخصوص من مقامات كرامته، فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه، فاجعلها مع نفس المؤمنين، ثم يؤمر، فيوسع عليه قبره سبعون ذراعًا عرضه، وسبعون ذراعًا طوله، وينبذ له فيه الريحان، فإن كان معه شيء من القرآن .. كفاه نوره، وإن لم يكن .. جعل له نور مثل نور الشمس في قبره، فيكون مثله مثل العروس، ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله، وإذا توفي الكافر .. أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه قطعة بجاد - بوزن: كتاب: كساء مخطط. اهـ "قاموس" - أنتن من كل منتن، وأخشن من كل خشن، فيقال: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى جهنم، عذاب أليم، ورب عليك غضبان. وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: مات ابن عباس ﵄ بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر لم ير مثله على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن .. تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يرى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. وحاصل معنى الآية (٢): ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾؛ أي: فادخلي في زمرة عبادي المكرمين، وانتظمي في سلكهم، وكوني في جملتهم، فالنفوس القدسية كالمرايا المتقابلة، يشرق بعضها على بعض، وكأنها تربى في هذه الدنيا بالآلام، وتزين بالمعارف والعلوم، حتى إذا فارقت الأبدان .. جعلت في أماكن متقاربة، بينها صفاء ومودة، وحسن صلة ومحبة. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ فتمتعي فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 14771

اللهم اجعلنا من النفوس المطمئنة الراضية المرضية، وأدخلنا في جنتك مع المتقين من الأنبياء والشهداء والصالحين، والحمد لله رب العالمين آمين. الإعراب ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾. ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿الْفَجْرِ﴾: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالفجر، والجملة مستأنفة، ﴿وَلَيَالٍ﴾: معطوف على ﴿الْفَجْرِ﴾ مجرور بالفتحة الظاهرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف علة واحدة تقوم مقام علتين، وهي: صيغة منتهى المجموع؛ لأنه على زنة مفاعل، كما ذكره ابن مالك في "الخلاصة": وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلا ... أو الْمَفَاعِيْلَ بِمَنْعٍ كَافِلًا وأصله: ليالي، استثقلت الحركة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء طلبًا للتخفيف، وعوض عنه التنوين، فصار: ليال. ﴿عَشْرٍ﴾: صفة ﴿وَلَيَالٍ﴾، مجرور بالكسرة الظاهرة ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ﴾: معطوفات أيضًا على ﴿الْفَجْرِ﴾، مجرورات بالكسرة الظاهرة ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بفعل القسم المحذوف تقديره: أقسم بالليل وقت سراه ﴿يَسْرِ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لرعاية الفاصلة، أو اتباعًا لخط المصحف، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالياء، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّيْلِ﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وجواب القسم في هذه المذكورات كلها محذوف تقديره: لنجازين كل أحد بما عمل، أو لنعذبن. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ

стр. 14772

رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التفخيمي والتعظيمي للأمور المقسم بها ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم ﴿قَسَمٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿قَسَمٌ﴾، والجملة جملة إنشائية مسوقة لتقرير ما قبلها وتفخيمه، لا محل لها من الإعراب ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري؛ أي: قد رأيت وعلمت علمًا ضروريًا ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والجملة جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل نصب على المصدرية بـ ﴿فَعَلَ﴾، والمعنى: قد علمت أيَّ فعل فعل ربك بعاد. ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِعَادٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَعَلَ﴾، والجملة الفعلية المعلقة بـ ﴿كَيْفَ﴾ الاستفهامية سدت مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾، ﴿إِرَمَ﴾: بدل من ﴿عاد﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان له مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: صفة لـ ﴿إِرَمَ﴾ مجرور بالكسرة ﴿الْعِمَادِ﴾: مضاف إليه ﴿الَّتِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿إِرَمَ﴾، وجملة ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ صلة الموصول ﴿يُخْلَقْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِثْلُهَا﴾: نائب فاعل ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْلَقْ﴾، ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف على ﴿عاد﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: نعت لـ ﴿ثَمُودَ﴾: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول ﴿بِالْوَادِ﴾: متعلق بـ ﴿جَابُوا﴾، و ﴿الباء﴾ بمعنى في، وحذفت الياء من ﴿الواد﴾؛ لأنها من ياءات الزوائد، ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: عطف على ﴿عاد﴾، ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ صفة لـ ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للمذكورين من عاد وإرم وثمود، أو منصوب على الذم، وجملة ﴿طَغَوْا﴾ صلة الموصول ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿طَغَوْا﴾، ﴿فَصَبَّ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿صب﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿صب﴾ ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿طَغَوْا﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿بالمرصاد﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى

стр. 14773

طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن ربك لبالمرصاد لأعمال عباده خيرًا أو شرًا ليجازيهم عليها، وأردت بيان أحوال الإنسان، هل هو في مراقبة ربه فيشكر على نعمه، ويصبر على نقمه، أم لا؟ فأقول لك: أما الإنسان. ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿الْإِنْسَانُ﴾: مبتدأ ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿يقول﴾ ﴿مَا﴾: زائدة ﴿ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها مجردة عن معنى الشرط، ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أكرمه﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الرب، ومفعول به، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿ابْتَلَاهُ﴾. ﴿وَنَعَّمَهُ﴾: معطوف على ﴿أكرمه﴾ ﴿فَيَقُولُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها، وجملة ﴿يقول﴾ في محل الرفع خبر عن ﴿الْإِنْسَانُ﴾، ولا يمنع تعلق الظرف بـ ﴿يقول﴾ كونه خبر المبتدأ؛ لأن الظرف في نية التأخير، والتقدير: فأما الإنسان .. فقائل ربي أكرمني وقت الابتلاء، والجملة من المبتدأ والخبر جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿رَبِّي﴾: مبتدأ، وجملة ﴿أَكْرَمَنِ﴾ خبره، وحذفوا الياء من ﴿أَكْرَمَنِ﴾ اجتزاءً بكسر نون الوقاية، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾ وجملة قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ معطوفة على جملة ﴿فَأَمَّا﴾ الأولى مماثلة لها في إعرابها ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر للإنسان عن قوله المذكور. ﴿بَل﴾: حرف إضراب من قبيح إلى أقبح منه ﴿لَا﴾: نافية ﴿تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما هو أقبح من قول الإنسان المذكور، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تُكْرِمُونَ﴾. ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ متعلق بـ ﴿تَحَاضُّونَ﴾، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿تُكْرِمُونَ﴾ ﴿أَكْلًا﴾: مفعول مطلق ﴿لَمًّا﴾: صفة ﴿أَكْلًا﴾، ﴿وَتُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿لا تكرمون﴾ ﴿الْمَالَ﴾: مفعول به ﴿حُبًّا﴾: مفعول مطلق ﴿جَمًّا﴾ صفة ﴿حُبًّا﴾. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ

стр. 14774

بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر لهم عن ذلك كله ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَتَذَكَّرُ﴾، وجملة ﴿دُكَّتِ﴾ في محل الخفض بإضافة الظرف إليها ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿دَكًّا دَكًّا﴾: حال مركبة من ﴿الْأَرْضُ﴾ في محل النصب مبني على فتح الجزءين؛ أي: مدكوكةً دكًا بعد دك، بني الجزء الأول لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا؛ بافتقاره إلى الجزء الثاني، وبني الجزء الثاني لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا؛ لتضمنه معنى الحرف، وحركا ليعلم أن لهما أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركب، وليس الثاني تأكيدًا للأول، بل التكرر للدلالة على الاستيعاب، كقرأت النحو بابًا بابًا، وعلمته الخط حرفًا حرفًا، وأعرب ابن خالويه ﴿دَكًّا﴾ الأول: مصدرًا، والثاني: تأكيدًا، وليس بعيدًا. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿دُكَّتِ﴾، ﴿وَالْمَلَكُ﴾: معطوف على ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿صَفًّا صَفًّا﴾: حال مركبة من الملك؛ أي: مصطفين، أو ذوي صفوف، نظير ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ والمجوز لمجيء الحال جامدة دلالتها على الترتيب، وضابطه: أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزأيه مكررًا، وفي إعراب هذا المكرر خلاف طويل، اقتصرت على الراجح منها، فراجعه في محله ﴿وَجِيءَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿وَجِيءَ﴾، و ﴿بِجَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿جيء﴾، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿دُكَّتِ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله بدل من ﴿إذا﴾ في قوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ بدل كل من كل، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب؛ أي: يوم إذا دكت الأرض دكًا دكًا، ويوم إذ جاء ربك والملك صفًا صفًا، ويوم إذ جيء بجهنم يتذكر الإنسان تفاصيل أعماله التي عملها في الدنيا، ﴿وَأَنَّى﴾. ﴿الواو﴾: حالية ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون؛ لتضمنه معنى حرف الاستفهام، والظرف متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا. ﴿لَهُ﴾: متعلق بما تعلق به الظرف، ﴿الذِّكْرَى﴾: مبتدأ مؤخر، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: ومن أين حاصلة له منفعة الذكرى، وإلا فبين ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ و [﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾] تناف وتناقض، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتَذَكَّرُ﴾.

стр. 14775

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة الفعلية بدل اشتمال من جملة قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أو مستأنفة. ﴿لَيْتَنِي﴾: ﴿يا﴾: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، وجملة النداء في محل النصب مقول القول لـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿ليت﴾: حرف تمنٍ ونصب، و ﴿النون﴾ للوقاية؛ لأنها تبقي الحرف على حركة بنائه الأصلي، وياء المتكلم في محل النصب اسمها، وجملة ﴿قَدَّمْتُ﴾، خبرها ﴿لِحَيَاتِي﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّمْتُ﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول القول ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿يُعَذِّبُ﴾، ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُعَذِّبُ﴾: فعل مضارع مبني للفاعل، ﴿عَذَابَهُ﴾: مفعول مطلق، والضمير فيه عائد إلى الله، فيكون مصدرًا مضافًا إلى الفاعل ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل، وقرىء ﴿يعذب﴾ بالبناء للمفعول، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾ نائب فاعل، والضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ للإنسان الكافر، فيكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول، والجملة الفعلية على كلا القراءتين مستأنفة، وجملة قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ معطوفة على ما قبلها مماثلة له في إعرابه في كلتا القراءتين. ﴿يَا أَيَّتُهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿آية﴾: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات، أي: من الإضافة ﴿النَّفْسُ﴾: بدل من ﴿أي﴾ ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: صفة لـ ﴿النَّفْسُ﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: يقول الله سبحانه للمؤمن بلا واسطة، أو بواسطة الملك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ...﴾ إلخ، وجملة القول المحذوف مستأنفة. ﴿ارْجِعِي﴾: فعل أمر مبني على حدف النون، والياء فاعل ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾: متعلق بـ ﴿ارْجِعِي﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها جواب النداء ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾: حالان من فاعل ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿فَادْخُلِي﴾: فعل أمر وفاعل، معطوف على ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿فِي عِبَادِي﴾: متعلق بـ ﴿ادخلي﴾، ﴿وَادْخُلِي﴾: معطوف أيضًا على ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿جَنَّتِي﴾: مفعول به على التوسع. والله أعلم.
следующие страницы →