← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.

стр. 14771

اللهم اجعلنا من النفوس المطمئنة الراضية المرضية، وأدخلنا في جنتك مع المتقين من الأنبياء والشهداء والصالحين، والحمد لله رب العالمين آمين. الإعراب ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾. ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿الْفَجْرِ﴾: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالفجر، والجملة مستأنفة، ﴿وَلَيَالٍ﴾: معطوف على ﴿الْفَجْرِ﴾ مجرور بالفتحة الظاهرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف علة واحدة تقوم مقام علتين، وهي: صيغة منتهى المجموع؛ لأنه على زنة مفاعل، كما ذكره ابن مالك في "الخلاصة": وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلا ... أو الْمَفَاعِيْلَ بِمَنْعٍ كَافِلًا وأصله: ليالي، استثقلت الحركة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء طلبًا للتخفيف، وعوض عنه التنوين، فصار: ليال. ﴿عَشْرٍ﴾: صفة ﴿وَلَيَالٍ﴾، مجرور بالكسرة الظاهرة ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ﴾: معطوفات أيضًا على ﴿الْفَجْرِ﴾، مجرورات بالكسرة الظاهرة ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بفعل القسم المحذوف تقديره: أقسم بالليل وقت سراه ﴿يَسْرِ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لرعاية الفاصلة، أو اتباعًا لخط المصحف، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالياء، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّيْلِ﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وجواب القسم في هذه المذكورات كلها محذوف تقديره: لنجازين كل أحد بما عمل، أو لنعذبن. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ

стр. 14772

رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التفخيمي والتعظيمي للأمور المقسم بها ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم ﴿قَسَمٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿قَسَمٌ﴾، والجملة جملة إنشائية مسوقة لتقرير ما قبلها وتفخيمه، لا محل لها من الإعراب ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري؛ أي: قد رأيت وعلمت علمًا ضروريًا ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والجملة جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل نصب على المصدرية بـ ﴿فَعَلَ﴾، والمعنى: قد علمت أيَّ فعل فعل ربك بعاد. ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِعَادٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَعَلَ﴾، والجملة الفعلية المعلقة بـ ﴿كَيْفَ﴾ الاستفهامية سدت مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾، ﴿إِرَمَ﴾: بدل من ﴿عاد﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان له مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: صفة لـ ﴿إِرَمَ﴾ مجرور بالكسرة ﴿الْعِمَادِ﴾: مضاف إليه ﴿الَّتِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿إِرَمَ﴾، وجملة ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ صلة الموصول ﴿يُخْلَقْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِثْلُهَا﴾: نائب فاعل ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْلَقْ﴾، ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف على ﴿عاد﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: نعت لـ ﴿ثَمُودَ﴾: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول ﴿بِالْوَادِ﴾: متعلق بـ ﴿جَابُوا﴾، و ﴿الباء﴾ بمعنى في، وحذفت الياء من ﴿الواد﴾؛ لأنها من ياءات الزوائد، ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: عطف على ﴿عاد﴾، ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ صفة لـ ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للمذكورين من عاد وإرم وثمود، أو منصوب على الذم، وجملة ﴿طَغَوْا﴾ صلة الموصول ﴿فِي الْبِلَادِ﴾: متعلق بـ ﴿طَغَوْا﴾، ﴿فَصَبَّ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿صب﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿صب﴾ ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿طَغَوْا﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿بالمرصاد﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى

стр. 14773

طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن ربك لبالمرصاد لأعمال عباده خيرًا أو شرًا ليجازيهم عليها، وأردت بيان أحوال الإنسان، هل هو في مراقبة ربه فيشكر على نعمه، ويصبر على نقمه، أم لا؟ فأقول لك: أما الإنسان. ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿الْإِنْسَانُ﴾: مبتدأ ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿يقول﴾ ﴿مَا﴾: زائدة ﴿ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها مجردة عن معنى الشرط، ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أكرمه﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الرب، ومفعول به، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿ابْتَلَاهُ﴾. ﴿وَنَعَّمَهُ﴾: معطوف على ﴿أكرمه﴾ ﴿فَيَقُولُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها، وجملة ﴿يقول﴾ في محل الرفع خبر عن ﴿الْإِنْسَانُ﴾، ولا يمنع تعلق الظرف بـ ﴿يقول﴾ كونه خبر المبتدأ؛ لأن الظرف في نية التأخير، والتقدير: فأما الإنسان .. فقائل ربي أكرمني وقت الابتلاء، والجملة من المبتدأ والخبر جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿رَبِّي﴾: مبتدأ، وجملة ﴿أَكْرَمَنِ﴾ خبره، وحذفوا الياء من ﴿أَكْرَمَنِ﴾ اجتزاءً بكسر نون الوقاية، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾ وجملة قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ معطوفة على جملة ﴿فَأَمَّا﴾ الأولى مماثلة لها في إعرابها ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر للإنسان عن قوله المذكور. ﴿بَل﴾: حرف إضراب من قبيح إلى أقبح منه ﴿لَا﴾: نافية ﴿تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما هو أقبح من قول الإنسان المذكور، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تُكْرِمُونَ﴾. ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ متعلق بـ ﴿تَحَاضُّونَ﴾، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿تُكْرِمُونَ﴾ ﴿أَكْلًا﴾: مفعول مطلق ﴿لَمًّا﴾: صفة ﴿أَكْلًا﴾، ﴿وَتُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿لا تكرمون﴾ ﴿الْمَالَ﴾: مفعول به ﴿حُبًّا﴾: مفعول مطلق ﴿جَمًّا﴾ صفة ﴿حُبًّا﴾. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ

стр. 14774

بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر لهم عن ذلك كله ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَتَذَكَّرُ﴾، وجملة ﴿دُكَّتِ﴾ في محل الخفض بإضافة الظرف إليها ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿دَكًّا دَكًّا﴾: حال مركبة من ﴿الْأَرْضُ﴾ في محل النصب مبني على فتح الجزءين؛ أي: مدكوكةً دكًا بعد دك، بني الجزء الأول لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا؛ بافتقاره إلى الجزء الثاني، وبني الجزء الثاني لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا؛ لتضمنه معنى الحرف، وحركا ليعلم أن لهما أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركب، وليس الثاني تأكيدًا للأول، بل التكرر للدلالة على الاستيعاب، كقرأت النحو بابًا بابًا، وعلمته الخط حرفًا حرفًا، وأعرب ابن خالويه ﴿دَكًّا﴾ الأول: مصدرًا، والثاني: تأكيدًا، وليس بعيدًا. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿دُكَّتِ﴾، ﴿وَالْمَلَكُ﴾: معطوف على ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿صَفًّا صَفًّا﴾: حال مركبة من الملك؛ أي: مصطفين، أو ذوي صفوف، نظير ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ والمجوز لمجيء الحال جامدة دلالتها على الترتيب، وضابطه: أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزأيه مكررًا، وفي إعراب هذا المكرر خلاف طويل، اقتصرت على الراجح منها، فراجعه في محله ﴿وَجِيءَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿وَجِيءَ﴾، و ﴿بِجَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿جيء﴾، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿دُكَّتِ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله بدل من ﴿إذا﴾ في قوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ بدل كل من كل، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب؛ أي: يوم إذا دكت الأرض دكًا دكًا، ويوم إذ جاء ربك والملك صفًا صفًا، ويوم إذ جيء بجهنم يتذكر الإنسان تفاصيل أعماله التي عملها في الدنيا، ﴿وَأَنَّى﴾. ﴿الواو﴾: حالية ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون؛ لتضمنه معنى حرف الاستفهام، والظرف متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا. ﴿لَهُ﴾: متعلق بما تعلق به الظرف، ﴿الذِّكْرَى﴾: مبتدأ مؤخر، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: ومن أين حاصلة له منفعة الذكرى، وإلا فبين ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ و [﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾] تناف وتناقض، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتَذَكَّرُ﴾.

стр. 14775

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الإنسان، والجملة الفعلية بدل اشتمال من جملة قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أو مستأنفة. ﴿لَيْتَنِي﴾: ﴿يا﴾: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، وجملة النداء في محل النصب مقول القول لـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿ليت﴾: حرف تمنٍ ونصب، و ﴿النون﴾ للوقاية؛ لأنها تبقي الحرف على حركة بنائه الأصلي، وياء المتكلم في محل النصب اسمها، وجملة ﴿قَدَّمْتُ﴾، خبرها ﴿لِحَيَاتِي﴾: متعلق بـ ﴿قَدَّمْتُ﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول القول ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿يُعَذِّبُ﴾، ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُعَذِّبُ﴾: فعل مضارع مبني للفاعل، ﴿عَذَابَهُ﴾: مفعول مطلق، والضمير فيه عائد إلى الله، فيكون مصدرًا مضافًا إلى الفاعل ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل، وقرىء ﴿يعذب﴾ بالبناء للمفعول، فيكون ﴿أَحَدٌ﴾ نائب فاعل، والضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ للإنسان الكافر، فيكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول، والجملة الفعلية على كلا القراءتين مستأنفة، وجملة قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ معطوفة على ما قبلها مماثلة له في إعرابه في كلتا القراءتين. ﴿يَا أَيَّتُهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿آية﴾: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات، أي: من الإضافة ﴿النَّفْسُ﴾: بدل من ﴿أي﴾ ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: صفة لـ ﴿النَّفْسُ﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: يقول الله سبحانه للمؤمن بلا واسطة، أو بواسطة الملك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ...﴾ إلخ، وجملة القول المحذوف مستأنفة. ﴿ارْجِعِي﴾: فعل أمر مبني على حدف النون، والياء فاعل ﴿إِلَى رَبِّكِ﴾: متعلق بـ ﴿ارْجِعِي﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف على كونها جواب النداء ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾: حالان من فاعل ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿فَادْخُلِي﴾: فعل أمر وفاعل، معطوف على ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿فِي عِبَادِي﴾: متعلق بـ ﴿ادخلي﴾، ﴿وَادْخُلِي﴾: معطوف أيضًا على ﴿ارْجِعِي﴾، ﴿جَنَّتِي﴾: مفعول به على التوسع. والله أعلم.

стр. 14776

التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ الفجر: هو الوقت الذي ينشق فيه الضوء، وينفجر فيه النور، وقد أقسم ربنا به؛ لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وما يترتب على ذلك من المنافع، كانتشار الناس وسائر الحيوان من الطير والوحش لطلب الرزق، كما مر. ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ جمع: ليلة، وهي الزمن الذي بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر أو طلوع الشمس، وهذه الليالي العشر غير متعينة، بل في كل شهر، وهذه العشر يتشابه حالها مع حال الفجر، فيكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام أول الليل إلى أن تغلبه الظلمة، كما يهزم ضوء الصبح ظلمة الليل حتى سطع النهار، ولا يزال الضوء منتشرًا إلى الليل الذي بعده، وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام، ثم لا يزال الليل يغالبه إلى أن يغلبه، فيسدل على الكون حجبه. ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾؛ أي: والزوج والفرد من هذه اليالي، فهو سبحانه أقسم بالليالي جملة، ثم أقسم بما حوته من زوج وفرد، والشفع: الزوج من العدد، يقال: أشفع هو أم وتر؟؛ أي: أزوج هو أم فرد، ويجمع على أشفاع وشفاع، ومصدر شفع يشفع - من باب فتح - شفعًا الشيء؛ أي: صيره شفعًا؛ أي: زوجًا بأن يضيف إليه مثله، يقال: كان وترًا فشفعه بآخر؛ أي: قرنه به. وفي "القاموس": والشفع: خلاف الوتر، وهو الزوج، وشفعه كمنعه ﴿وَالْوَتْرِ﴾ وفي "القاموس": والوتر - بالكسر ويفتح - الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ يقال: سرى يسري سُرى ومسرى: إذا سار عامة الليل. وفي "المصباح": سريت الليل، وسريتُ به سرى، والاسم السراية: إذا قطعته بالسير، وأسريت بالألف لغة حجازية، ويستعملان متعديين بالباء إلى المفعول، ويقال: سريت بزيد، وأسريت به، والسرية - بضم السين وفتحها - أخص، يقال: سرينا سريةً من الليل وسرية، والجمع: السرى مثل: مدية ومدى. قال أبو زيد: ويكون السري أول الليل وأوسطه وآخره، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهًا لها بالأجسام مجازًا واتساعًا. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾، والمعنى: إذا يمضي. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾؛ أي؛ لصاحب

стр. 14777

عقل، وسمي العقل بذلك؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل ولا ينبغي، كما سمي عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبهُ عن القبائح، وينهاه، وسمي أيضًا نُهْيةً؛ لأنه ينهى صاحبهُ عما لا يليق ولا يحل. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾ وعاد: جيل من العرب البائدة، يقولون: إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، ويلقب أيضًا: بإرم. ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ أي: سكان الخيام، وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت، والعماد كالعمود، والجمع: عَمَد وعُمُد بفتحتين وبضمتين. ﴿وَثَمُودَ﴾: قبيلة من العرب البائدة كذلك، وهي من ولد كاثر بن إرم بن سام بن نوح ﵇، ومنازلهم بالحجر بين الشام والحجاز. ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾؛ أي: قطعوه ونحتوه ﴿بِالْوَادِ﴾؛ أي: في الوادي الذي كانوا يسكنون فيه، وفي "المختار": وجاب: خرق وقطع، وبابه: قال، وأصل جابوا: جوبوا، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ففيه إعلال بالقلب. ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾ هو حاكم مصر الذي كان في عهد موسى ﵇. ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾؛ أي: ذي المباني العظيمة المشيدة الثابتة جمع: وتد بالتحريك وبكسر التاء أيضًا. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾؛ أي: تجاوزوا الحد في الظلم والعتو، وأصل طغوا: طغيوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لما التقت ساكنة بواو الجماعة. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾؛ أي: أفرغ وأنزل وألقى، وصبُّ الماء: إراقته من أعلى؛ أي: أنزل عليهم إنزالًا شديدًا ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ أي: أنواعًا من العقوبات التي أنزلها عليهم جزاء طغيانهم، والسوط في الأصل: الجلد المضفور؛ أي: المنسوج المفتول الذي يضرب به، كما مر. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ والمرصاد: هو المكان الذي يقوم فيه الرصد، والرصد: من يرصد الأمور؛ أي: يترقبها ليقف على ما فيها من الخير والشر، ويطلق أيضًا على الحارس الذي يحرس ما يخشى عليه، وهو مفعال من رصده، كالميقات من وقته،

стр. 14778

ويجوز أن يكون صيغة مبالغة، كالمطعان لكثير الطعن. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾؛ أي: اختبره ببسط الرزق، أصله: ابتليه بوزن افتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾؛ أي: صير مكرمًا يرفل في بحبوحة النعيم. ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾؛ أي: اختبره بتضييق الرزق عليه. ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ أي: صيره فقيرًا مقترًا عليه في الرزق، تقول: قدرت عليه الشيء؛ أي: ضيقته عليه، وكأنك جعلته بقدر لا يتجاوزه. ﴿أَهَانَنِ﴾ أصله: أهوَيُ، بوزن: أفعل، نقلت حركة الواو إلى الهاء فسكنت، فقلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها الآن. ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾ أصله: تتحاضضون بوزن: تتفاعلون، حذفت إحدى التاءين للتخفيف، وأدغمت الضاد في الضاد، فصار تحاضون. وقرأ غير الكوفيين: ﴿تحضون﴾ بضم الحاء وأصله: تحضضون بوزن: تفعلون بمعنى: تحاضون المتقدم، نقلت حركة الضاد الأولى إلى الحاء، ثم أدغمت لما سكنت في الضاد الثانية من الحض، وهو الحث والتحريض. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ التراث: بوزن فعال الميراث، وأصله: وراث كتجاه في وجاه، قلبت واوه تاءً، والميراث: هو المال المنتقل من الميت. ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ واللم: الجمع، يقال؛ كتيبة ملمومة؛ أي: مجتمعة بعضها إلى بعض، وفي "المختار": ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ فعله من باب رد، يقال: لم الله شعثه؛ أي: أصلح وجمع ما تفرق من أمره، وقال أبو عبيدة: لممت ما على الخوان: إذا أكلت جميع ما عليه بأسره. ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ الجم: الكثير، يقال: جم الماء في الحوض إذا اجتمع فيه وكثر. قال الشاعر: إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ الدك: الدق، يقال: دككت الشيء أدكه دكًا: إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض، وقال الخليل: الدك: كسر الحائط والجبل وتسويته بالأرض، ومنه: اندك سنام البعير: إذا انغرس في ظهره ﴿دَكًّا دَكًّا﴾؛ أي: دكًا بعد دك؛ أي: كرر عليها الدك، وتتابع حتى صارت كالصخرة الملساء. ﴿صَفًّا صَفًّا﴾؛ أي: صفًا بعد صف، بحسب منازلهم ومراتبهم في الفضل.

стр. 14779

﴿وَثَاقَهُ﴾ في "المصباح": وثق الشيء بالضم وثاقه: قوي وثبت، فهو وثيق ثابت، وأوثقته: جعلته وثيقًا، والوثاق - بفتح الواو وكسرها -: القيد والحبل ونحوه، والجمع: وثق، مثل: رباط وربط، ويطلق هنا: على الشد والربط بالسلاسل والأغلال. ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ من الاطمئنان: وهو الاستقرار والثبات. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ اسم مفعول من رضي، وأصله: مرضوية بوزن: مفعول اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، ثم كسرت الضاد لمناسبة الياء، ولام المادة واو، وعليه فـ ﴿رَاضِيَةً﴾ أصله: راضوة، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة، كما فعلوا في رضي أصله: رضو من الرضوان. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التنكير في قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ للدلالة على تعظيمها؛ لأنها مخصوصة بفضائل ليست لغيرها، ولذلك أقسم الله بها، وذلك كالاشتغال بأعمال الحج في عشر ذي الحجة. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾. ومنها: تقييد الليل بالسرى في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة؛ كأن جميع الحيوانات أعيدت إليهم الحياة بعد الموت في الليل، وتسببوا بذلك لطلب الأرزاق المعدة للحياة الدنيوية التي يتوسل بها إلى سعادة الدارين. ذكره في "الروح". ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ لتحقيق فخامة شأن المقسم بها، وكونها أمورًا جليلة بالإعظام والإجلال عند أرباب العقول، وللتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، حقيق بأن يؤكد به الإخبار. ومنها: التنوين في قوله: ﴿حِجْرٍ﴾ للدلالة على تعظيمها، قال بعض الحكماء: العقل للقلب بمنزلة الروح للجسد، فكل قلب لا عقل له، فهو ميت

стр. 14780

بمنزلة قلب البهائم. ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾؛ لأن الهمزة فيه للإنكار وفي قوة النفي، ونفي النفي إثبات، فصار تقريريًا إثباتيًا، أي: قد علمت يا محمد بإعلام الله تعالى، وبالتواتر أيضًا كيف عذب ربك عادًا. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾، فقد استعمل الصب، وهو خاص بالماء لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب. قال الشاعر: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ مُحْصَرَاتٍ كَأَنَّهَا ... شَآبِيْبُ لَيْسَتْ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَطْرِ وقال آخر في وصف الخيل: صَبَبْنَا عَلَيْهِمْ ظَالِمِيْنَ سَيَاطَنَا ... فَطَارَتْ بِهَا أَيْدٍ سِرَاعٌ وَأَرْجُلُ واستعار السوط للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ شبه كونه تعالى حافظًا لأعمال العباد مراقبًا عليها، ومجازيًا على ما دق وجل منها، بحيث لا ينجو منه بحال من قعد على الطريق مترصدًا لمن يسلكها ليأخذه، فيوقع به ما يريد، ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر على طريقة الاستعارة التمثيلية. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ...﴾ إلخ، وبين قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ...﴾ إلخ، فقد قابل بين توسعة الرزق وإقتاره، وبين الإكرام والإهانة. ومنها: الالتفات من الغيبة في قول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ للإيذان باقتضاء ملاحظة جنايته السابقة لمشابهته بالتوبيخ تشديدًا للتقريع، وتأكيدًا للتنشيع، والجمع فيه باعتبار معنى الإنسان، إذا المراد به الجنس، وكان مقتضى السياق أن يقال: بل لا يكرمون اليتيم. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ﴾، وقوله: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ ﴿الذِّكْرَى﴾.

стр. 14781

ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾. ومنها: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، والإخبار عنه مجاز في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾، وهو نظير قول من رأى موكبًا عظيمًا، أو جيشًا خضمًا، فقال: جاء الملك نفسه، وهو يعلم أنه ما جاء إلا جيشه، فقد جعل في الآية مجيء جلائل آياته مجيئًا له ، فأسند المجيء إليه على سبيل المجاز، كذا قالوا، وهذا إنما يتمشى على مذهب المؤولين. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * *

стр. 14782

خلاصة ما تضمنته هذه السورة من المقاصد تشتمل هذه السورة على مقاصد ستة: ١ - القسم على أن عذاب الكافرين لا محيص منه. ٢ - ضرب المثل بالأمم البائدة، كعاد وثمود. ٣ - كثرة النعم على العبد ليست دليلًا على إكرام الله له، ولا البلاء دليلًا على إهانته وخذلانه. ٤ - وصف يوم القيامة وما فيه من الأهوال. ٥ - تمني الأشقياء العودة إلى الدنيا. ٦ - كرامة النفوس الراضية المرضية، وما تلقاه من النعيم بجوار ربها (١). شعرٌ وَإِنِّيْ وَإِنْ كُنْتُ أَخِيْرًا زَمَانُهُ ... لآتٍ بِما لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ والله أعلم * * *

стр. 14783

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثاني والثلاثون»

стр. 14784

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 14785

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [٣٢]

стр. 14786

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 14787

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على إفضاله والشكر على نواله، والصلاة والسلام على نبيه وآله، أما بعد: فلما فرغتُ من تفسير المجلد الحادي والثلاثين .. تفرغتُ للشروع في المجلد الثاني والثلاثين إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه، فأقول مستمدًا منه الفيض والإمداد والتوفيق لطريق السداد والرشاد، وقولي هذا: سورة البلد سورة البلد؛ ويقال لها: سورة لا أقسم، مكية بلا خلاف (١)، نزلت بعد سورة ق؛ وأخرج ابن الضّريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة لا أقسم بهذا البلد بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وآياتها: عشرون آية، وكلماتها (٢): اثنتان وثمانون كلمة، وحروفها: ثلاث مئة وعشرون حرفًا. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها: ١ - أنه تعالى ذم في السابقة من أحب المال وأكل التراث، ولم يحض على طعام المسكين، وذكر هنا الخصال التي تُطلب من صاحب المال من فك الرقبة والإطعام في يقوم المسغبة. ٢ - ذكر هناك حال النفس المطمئنة، وذكر هنا ما يكون به الاطمئنان؛ وهو الإيمان والتواصي بالصبر. وعبارة أبي حيان (٣): ومناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر في السابقة ابتلاءه للإنسان بحالة التنعيم، وحالة التقدير، وذكر من صفاته الذميمة ما ذكر، وما آل إليه حاله وحال المؤمن .. أتبعه في هذه السورة بنوع من ابتلائه، ومن حاله السيء، وما آل إليه في الاخرة. انتهى. وأيضًا سورة البلد فيها ذكر أحوال الدول

стр. 14788

والأمم المتمدنة والتمدن في دين الإِسلام لا يكون إلا باقتحام العقبة التي بينتها آيات سورة البلد، وسميت سورة البلد؛ لذكر لفظ البلد فيها. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة البلد كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة لا أقسم بهذا البلد .. أعطاه الله الأمانة من غضبه يوم القيامة" وفيه مقال. والله أعلم * * *

стр. 14789

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾. المناسبة تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها قريبًا، وأما قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) ...﴾ الآيات، فالمناسبة بينها وبين ما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) ذكر أنه لا ينبغي للمفتونين بقوة أبدانهم المغرورين بواسع جاههم أن يتمادَوا في صلفهم وكبريائهم .. شرع يوبخهم على الاغترار بقوتهم الزائلة، ويذكرهم بما أنعم به عليهم من النعم الكثيرة الحسية والعقلية. قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ...﴾ الآيات، المناسبة بينها وبين ما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر هؤلاء المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبًا للشهرة، وحبًا في حسن الأحدوثة، وأَنَّبَهم على افتخارهم بما صنعوا مع خلو بواطنهم من حسن النية، وبيّن لهم أن أفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق، والعقل المميز بين الخير والشر، والنفع والضر هو منه ، وهو القادر على سلبه منهم .. أردفه ببيان أنه كان عليهم أن يشكروا تلك النعم، ويختاروا طريق الخير، ويرجحوا سبيل السعادة، فيفيضوا على الناس بشيء مما أفاض به عليهم، وأفضل ذلك أن يعينوا على تحرير الأرقاء من البشر، أو يواسوا الأيتام من أقاربهم حين العوز وعزة الطعام، أو يطعموا المساكين الذين لا وسيلة لهم إلى كسب ما يقيمون به أودهم؛

стр. 14790

لضعفهم وعجزهم، ثم هم مع ذلك يكونون صحيحي الإيمان صبورين على أذى الناس، وعلى ما يصيبهم من المكاره في سبيل الدعوة إلى الحق، رحماء بعباده، مواسين لهم حين الشدائد، هذه هي الطريق التي كان من حق العقل أن يُرشد إليها، لكن الإنسان قد خدعه غروره، فلم يقتحم هذه العقبة، ولم يسلك هذه السبيل القويمة، ولم يسر فيما يرشد إليه العقل السليم. أسباب النزول روي أن قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ نزل في أبي الأشد أُسيد بن كلدة الجمحي، وكان مغترًا بقوته البدنية، وأن قوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ نزل في الحارث بن نوفل، وكان يقول: أهلكت مالًا لبدًا في الكفارات منذ أطعت محمدًا، وسواء أكانت هذه الآيات نزلت في هؤلاء أم في غيرهم، فإن معناها عام بكل من اتصف بما فيها من الاغترارات. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾؛ أي: أقسم (١) بالبلد الحرام الذي هو مكة، فكلمة ﴿لَا﴾ صلة دل عليه أن الله سبحانه أقسم بالبلد الأمين في سورة التين، قال في "كشف الأسرار": و ﴿لَا﴾: زائدة لتأكيد القسم، كقول العرب: لا والله ما فعلت كذا، لا والله لأفعلن كذا، والبلد: المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه، وجمعه بلاد وبلدان، ثم إن (٢) الله سبحانه؛ وتعالى أقسم بمكة لفضلها؛ فإنه جعلها حرمًا آمنًا، ومسقط رأس النبي ﷺ ، وحرم أبيه إبراهيم ﵇، ومنشأ أبيه إسماعيل ﵇، وجعل البيت قبلة لأهل الشرق والغرب، وحج البيت كفارة لذنوب العمر، وجعل البيت المعمور في السماء بإزائه، ومن زيادة (٣) لا في غير القسم قول الشاعر: تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِيْ صَبَابَةٌ ... وَكَادَ صَمِيْمُ الْقلْبِ لَا يَتصَدَّعُ

стр. 14791

أي: يتصدع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؛ أي: أن تسجد، وقيل: إن ﴿لَا﴾ لنفي القسم، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، وقال مجاهد: إن ﴿لَا﴾ رد على من أنكر البعث، ثم ابتدأ، فقال: ﴿أُقْسِمُ﴾ والمعنى عليه: ليس الأمر كما تحسبون، والأول أولى، وقال الواحدى: أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام مكة المكرمة، وقال الواسطي: إن المراد بالبلد المدينة المنورة، وهو مع كونه خلاف ما أجمع عليه المفسرون مدفوع يكون السورة مكية لا مدنية، وقرأ الجمهور: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ بـ ﴿لا﴾ النافية الزائدة، وقرأ الحسن والأعمش: ﴿لأقسم﴾ من غير ألف، ٢ - وجملة قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ حال (١) من المقسم به، و ﴿لَا﴾ خطاب للنبي ﷺ ، ﴿حِلٌّ﴾؛ بمعنى حال من الحلول؛ وهو النزول؛ أي: والحال أنت يا محمد حالٌّ في مكة نازل بها، قيد إقسامه تعالى بمكة بحلوله ﷺ فيها إظهارًا لمزيد فضلها، فإنها بعد أن كانت شريفة بنفسها .. زاد شرفها بحلول النبي العظيم الشريف، فما لا شرف فيه يحصل له شرف بشرف المكين، وما فيه شرف ذاتي يحصل له بشريف شرف زائد، ومحل قدمي النبي ﷺ ، كمكة والمدينة ينبغي أن يحافَظ على حرمته. وفي هذه الجملة تعريض لأهل مكة بأنهم لجهلهم يرون أن يخرجوا منها من به مزيد شرفها ويؤذوه، ويجوز أن تكون الجملة معترضة بين القسم وجوابه؛ لغرض التأكيد. والمعنى عليه: أقسم بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد، وقال الواحدي: الحل والحلال والمُحِل معناها واحد، وهو ضد المحرم، يعني: أن مثلك على عظيم حرمته يستحل بهذا البلد ما حُرِّم على غيره، كما يستحل الصيد في غير الحرم، وذلك أن الله سبحانه أحل لنبيه ﷺ مكة يوم الفتح حتى قاتل، وقد قال ﷺ : "لم تحلَّ لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحلَّ لي إلا ساعة من نهار"، قال الواحدي: والمعنى: أن الله لما أقسم بمكة دل ذلك على عُظْم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه ﷺ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، ويفتحها على يده، وهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حِلاًّ. انتهى. فالمعنى: وأنت حل بهذا البلد في المستقبل، كما في قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ

стр. 14792

مَيِّتُونَ (٣ ٠)﴾ قال مجاهد: المعنى: ما صنعت فيه من شيء فأنت حل. وفي "فتح الرحمن": إن قلت: لِمَ كرر لفظ ﴿الْبَلَد﴾؟ قلت: لم يكرره؛ إذ التقدير: لا أقسم بهذا البلد المحرم الذي جبلت العرب على تعظيمه وتحريمه، وأنت حل بهذا البلد؛ أي: أحل لك فيه من حرماته ما لم يحل لأحد قبلك ولا بعدك، من قتل ابن خطل، وقتال المشركين ساعة من نهار، فالمراد بالبلد الأول: الباقي على تحريمه، والثانى: الذي أُحل للنبي ﷺ إكرامًا له وتعظيمًا لمنزلته، هكذا قاله بعض المفسرين. انتهى. ٣ - وقوله: ﴿وَوَالِدٍ﴾: معطوف على ﴿هذا البلد﴾. والمراد به إبراهيم ﵇، والتنكير فيه للتفخيم، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ذلك الوالد وهو إسماعيل ﵇، فإنه ولده بلا واسطة، ومحمد ﷺ فإنه ولده بواسطة إسماعيل، فتتضمن السورة القسم بالنبي ﷺ في موضعين. وإيثار (١) ﴿مَا﴾ على من؛ لمعنى التعجب مما أعطاه الله من الكمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾؛ أي: بأي شيء وضعت يعني: موضوعًا عجيب الشأن وهو مريم، أو المراد بـ ﴿الوالد﴾ آدم ﵇، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ذريته، وهو الأنسب لمضمون الجواب، فالتفخيم المستفاد من كلمة ﴿مَا﴾ لا بد فيه من اعتبار التغليب؛ أي: فهو من باب وصف الكل بوصف البعض، أو للتعجيب من الأمر الذي يشترك فيه الكل كالنطق والبيان والصورة البديعة وغيرها، وقيل المراد: كل والد وكل مولود من الإنسان وغيره، واختار هذا القول ابن جرير. ٤ - وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ حال كونه ﴿فِي كَبَدٍ﴾ وتعب ونصب ومشقة في جميع أحواله، جواب للقسم، يقال: كَبِد الرجل كَبَدًا إذا وجعت كبده فانتفخت، وأصله: كَبَدَهُ إذا أصاب كَبِدَه، كذكرته إذا قطعت ذكره، ورأيته إذا قطعت رئته، ثم اتسع فيه حتى استُعمل في كل نصب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة بمعنى مقاساة الشدة، و ﴿فِي كَبَدٍ﴾ حال من ﴿الْإِنْسَانَ﴾ بمعنى مكابدًا، وحرف ﴿في﴾ واللام متقاربان، تقول: إنما أنت للعناء والنصب، وإنما أنت في العناء والنصب، والإنسان هو هذا النوع الإنساني. والمعنى (٢): لقد خلقنا الإنسان في تعب ومشقة، فإنه مع كونه أضعف الخلق

стр. 14793

لا يزال يقاسي فنون الشدائد، مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقهُ، ومنتهاها الموت وما بعده، فابن آدم يكابد من البلايا ما لا يكابده غيره، يعني: أن الكبد يتناول شدائد الدنيا من قطع سرته والتفافه بخرقة محبوس الأعضاء، ومكابدة الختان وأوجاعه، ومكابدة المعلم وصولته، والأستاذ وهيبته، ثم مكابدة شغل الزواج وشغل الأولاد والخدم، وشغل المسكن، ثم الكبر والهرم من جملة مصائب كثيرة لا يمكن تعدادها، كالصداع ووجع الأضراس ورمد العين، وهمّ الدَّين ونحو ذلك، ويتناول أيضًا شدائد التكاليف، كالشكر على السراء والصبر على الضراء، والمكابدة في أداء العبادات، كالصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد، ثم بعد ذلك يقاسي شدة الموت وسؤال الملك وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على الملك المحاسب إلى أن يصل إلى موضع الاستقرار إما في الجنة وإما في النار، كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ فهو مكابد من أول قطع سرته إلى أن يستقر قراره إما في جنته، فتزول عنه المشقات، وإما في نار، فتتضاعف مشقاته وشدائده. كما في "البحر". قال الإِمام (١): ليس في الدنيا لذة ألبتة، بل ذلك الذي يظن أنه لذة فهو خلاص من الألم، فاللذة عند الأكل هي الخلاص من ألم الجوع، وعند اللبس هي الخلاص من ألم الحر والبرد، فليس للإنسان إلا ألم وخلاص من ألم، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ مما كان يكابده من كفار قريش، قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يقال له: أبو الأَشُد - بفتح الهمزة وضم الشين - وكان يأخذ الأديم العكاظي، ويجعله تحت رجليه، ويقول: من أزالني عنه .. فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي ﷺ ، وفيه نزل: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾؛ لقوته، ويكون معنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾ على هذا: في شدة الخلق، وقيل معنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أنه جريء القلب غليظ الكبد. والخلاصة (٢): أي إنه تعالى جعل حياة الإنسان سلسلة متصلة الجهاد، مبتدأة بالمشقة منتهية بها، فهو لا يزال يقاسي من ضروبها ما يقاسي منذ نشأته في بطن أمه إلى أن يصير رجلًا، وكلما كبر ازدادات أتعابه وآلامه، فهو يحتاج إلى تحصيل

стр. 14794

أرزاقه وتربية أولاده، وإلى مقارعة الخطوب والنوازل ومصابرة النفس على الطاعة والخضوع للواحد المعبود، ثم بعد هذا كله يمرض ويموت ويلاقي في قبره وفي آخرته من المشاق والمتاعب ما لا يقدر عليه إلا بتيسير الله سبحانه. والسر في ذكر هذه الجملة تسلية رسول الله ﷺ على ما يلاقيه من إذاية الكفار، كما مر آنفًا، وتنبيه المغرورين الذين يشعرون بالقوة في أنفسهم، ويظنون أنهم بها يستطيعون مصارعة الأقران، وكأنه يقول لهم: لا تتمادوا في غروركم ولا تستمروا على صلفكم وكبريائكم، فإن الإنسان لا يخلو من العناء في تصريف شؤونه وشؤون ذويه، ومهما عظمت منزلته وقويت شكيمته فهو لا يستطيع الخلاص من مشاق الحياة. وقد جمع سبحانه بين البلد المعظم والوالد والولد، يشير إلى أن مكة على ما بها من عمل أهلها ستلد مولودًا عظيمًا، يكون إكليلًا لمجد النوع الإنساني وشرفه؛ وهو دين الإِسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، وأن العناء الذي يلاقيه إنما هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده والمولود في بلوغ الغاية في سبيل نموه، إلى ما فيه من الوعد بإتمام نوره ولو كره الكافرون. ٥ - والضمير في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ﴾ لبعض صناديد قريش، الذين كان ﷺ يكابد منهم أكثر مما يكابد من غيرهم، كالوليد بن المغيرة وأضرابه ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة سادَّةٌ مع اسمها مسد مفعولي الحسبان؛ أي: أيظن (١) الإنسان المعهود الذي هو أبو الأَشُد، أو جنس بني آدم أن الحال الشأن ﴿لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على الانتقام منه ﴿أَحَدٌ﴾ فحسبانه الناشىء عن غلظ الحجاب، ومرض القلب فاسد؛ لأن الله الأحد يقدر عليه، وهو عزيز ذو انتقام، ٦ - ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان، فقال: ﴿يَقولُ﴾ ذلك الظان على سبيل الرعونة والخيلاء ﴿أَهْلَكْتُ﴾؛ أي: أنفقت كقول العرب: خسرت عليه كذا إذا أنفق عليه ﴿مَالًا لُبَدًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا متلبدًا مجتمعًا بعضه إلى بعض، من تلبد الشيء إذا اجتمع، يريد كثرة ما أنفقه سمعة ومفاخرة، وكان أهل الجاهلية يسمون مثل ذلك مكارم، ويدعونه معالي ومفاخر. قال الليث (٢): ﴿مَالًا لُبَدًا﴾، لا يُخاف فناؤه لكثرته، قال الكلبي ومقاتل:

стр. 14795

يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا، وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستافتى النبي ﷺ ، فأمره أن يكفر، فقال؛ لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد ﷺ ، وفي لفظ الإهلاك إشارة إلى أنه ضائع في الحقيقة؛ إذ لا ينتفع به صاحبه في الآخرة، كما قالت عائشة ﵂ في حق عبد الله بن جدعان: كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "لا ينفعه؛ لأنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، وقرأ الجمهور (١): ﴿لُبَدًا﴾ - بضم اللام وفتح الباء مخففًا - وقرأ مجاهد وحميد وابن أبي الزناد: ﴿لُبُدًا﴾ - بضمهما مخففًا - وقرأ أبو جعفر: بضم اللام وفتح الباء مشددًا، قال أبو عبيدة: لبد - فعل من التلبيد - المال الكثير بعضه على بعض، قال الزجاج: فعل للكثرة، يقال: رجل حطم همز لمز إذا كان كثير الحطم والهمز واللمز، قال الفراء: واحدته: لبدة، والجمع: لبد. ٧ - ﴿أَيَحْسَبُ﴾؛ أي: أيظن ذلك الأحمق المباهي ﴿أَن﴾؛ أي: أن الشأن ﴿لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ حين كان يُنفق، وأنه تعالى لا يسأله عنه، ولا يجاريه عليه؛ أي: يظن أنه لم يعاينه أحد، والاستفهام للإنكار كسابقه. قال قتادة: أيظن أن الله سبحانه لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وأين أنفقه، وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال، فقال الله: أيظن أن الله لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق، يعني أن الله سبحانه رآه واطلع على خبث نيته، وفساد سريرته، وأنه مجازيه عليه، فمثل ذلك الإنفاق وهو ما كان بطريق المباهاة رذيلة، فكيف يعده الجاهل فضيلة، وفي الحديث: "لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين كسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به". وحاصل معنى الآيات: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾؛ أي: أيظن (٢) ذلك المغتر بقوته المفتون بما أنعمنا له عليه أنه مهما عظمت حاله وقوي سلطانه يبلغ منزلة لا يقدر عليه فيها أحد، ما أجهله إذا ظن ذلك، فإن في الوجود قوة فوق جميع القوى المهيمنة على كل قوة، والمسيطرة على كل القدرة، وهي القوة التي

стр. 14796

أبدعته، والقدرة التي أنشاته، ثم ذكر صنفًا آخر من الأغنياء البخلاء المرائين بقوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾؛ أي: إنهم إذا طُلب إليهم أن يعملوا عملًا من أعمال البر .. قالوا: إننا ننفق الكثير من أموالنا في المفاخر والمكارم، ولم يعلموا أن المكرمة ما عده الله مكرمة، والبر ما اعتبره الله سبحانه برًا، فليس من البر إنفاقهم المال في مشاقة الله ورسوله، ولا إنفاقهم الأموال في الصد عن سبيل الله، والكيد للذين آمنوا بالله ورسوله. ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: أيظن ذلك المغتر بماله المدعي أنه أنفقه في سبيل الخير أن الله لم يطلع على أفعاله، ولم يعلم ما دعاه إلى الإنفاق، إنه لا ينبغي له أن يظن ذلك، فإن البارىء له مطلع على قرارة نفسه، عالم بخبيثات قلبه، لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، عليم بأنه لم يُنفق شيئًا من ماله في سبيل الخير المشروع والبر المحمود، وإنما أنفق ما أنفق للرياء والسمعة، أو لمشاقة الله ورسوله، أو في وجوه أخرى يظنها خيرًا؛ وهي خسران وضلال مبين. ٨ - وبعد أن أنكر على هؤلاء اغترارهم بقوتهم وكثرة أموالهم .. شرع يذكر آثار قدرته الغالبة؛ ليبين لهم أن هناك قوة لها من الاثار ما هم يشاهدون، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾ فهو إذا أبصر شيئًا فإنما يكون ذلك بما خلقنا له من العينين، فهذه النعمة التي يعتز بها إنما هي من عملنا؛ أي: ألم (١) نخلق له عينين يبصر بهما عالَم الملك من الأرض إلى السماء حتى يشاهد بهما في طرفة عين النجوم العلوية التي بينه وبينها عدة الآف سنة، ويفرق بهما بين ما يضر وما ينفع، وبهما يحصل شرف النظر إلى وجه العالِم، وإلى المصحف وإلى الشواهد. قال في "أسئلة الحكم": العين تحرس البدن من الآفاق، وهي نيرة كالمرآة إذا قابلها شيء ارتسمت صورته فيها مع صغر الناظر، وهو الحدقة التي هي شحمة، وجعل الله سبحانه العين سريعة الحركة، وجعل لها أجفانًا تسترها، وأهدابًا من الشعر كجناح الطائر تطرد بانضمامها وبانفتاحها الذباب والهوام عن العين، وجعل العين في الرأس؛ لأن السراج يوضع على رأس المنار، وجعلها ثنتين كالشمس والقمر، فإنهما عينا التعين الدنيوي، وجعل فوقهما حاجبين أسودين، لئلا يتضرر

стр. 14797

البصر بالضياء، ولأن الذي ينظر في السواد إلى البياض يكون أحد نظرًا، ولذلك جُعلت الحدقة سوداء، وأهداب العين شعرًا أسود؛ لأن السواد يقوي البصر. ولما بني ذو القرنين الإسكندرية .. رخمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام، فمن ذلك اليوم لبس الرهبان السواد، فإن النظر إلى الأبيض يفرق البصر ويضعفة، ولذا قال ﷺ في الإثمد: "إنه يقوي البصر"، وجعل سبحانه الحدقة محركة في مكانها لتتحرك إلى الجهات يمنة ويسرة، فيبصر بها من غير أن يلوي عنقه، وجعل الناظرين جميعًا على خط مستقيم عرضًا، ولم يقع واحد منهما أعلى ولا أخفض؛ ليجتمع الناظران على شيء واحد؛ لئلا يتراءى له الشخص الواحد شخصين، وجعل العين ثنتين؛ لأن نظر عينين أتم من نظر عين واحدة، وإشارة إلى العين الظاهرة والعين الباطنة، فينبغي أن يحافظ على كلتيهما. ٩ - ﴿و﴾ ألم نجعل ﴿لِسَانًا﴾ يترجم (١) به عن ضمائره وينطق به، وبه تنعقد المعاملات، وتحصل الشهادات، ويدرك الطعوم من الحلو والمر، ولو لم يكن اللسان لاحتاج الإنسان إلى الإشارة أو الكتابة فتعسر أمره، وإنما تعدد العين والأذن، وتفرد اللسان؛ لأن حاجة الإنسان إلى السمع والبصر أكثر من حاجته إلى الكلام، وفيه تنبيه أيضًا على أن يقل من الكلام إلا في الخير، وأن لا يتكلم فيما لا فائدة فيه، وهو السر في أن الله تعالى جعل اللسان داخل الفم، وجعل دونه الشفتين اللتين لا يمكن الكلام إلا بفتحهما؛ ليستعين العبد بطباق شفتيه على رد الكلام. ﴿و﴾ ألم نجعل له ﴿شَفَتَيْنِ﴾ يستر بهما فاه وثغره إذا أراد السكوت، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ، قال السجاوندي: خص الشفة، لخروج أكثر الحروف منها، وفي الدعاء: الحمد لله الذي جعلنا ننطق بلحم ونبصر بشحم ونسمع بعظم. قال بعضهم: أسبل الصانع الحكم أمام الفم سترًا من الشفة ذا طرفين يضمهما عند الحاجة، ويمتص بهما المشروب، وجعل الشارب محيطًا من العليا؛ ليمنع ما على وجه الشراب من القش والقذى أن يدخل حالة الشرب. انتهى. وفي الحديث: "إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد

стр. 14798

أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق". وفي الخبر: "الفرج أمانة، والأذن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له" قال الزجاج: والمعنى: ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة اللام، وأصلها: شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة. ١٠ - وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ﴾، أي: هدينا ذلك الإنسان ﴿النَّجْدَيْنِ﴾؛ أي: الطريقين طريقي الخير والشر معطوف (١) على ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ﴾؛ لأنه في التقدير مثبت؛ أي: جعلنا له ذلك المذكور، وهديناه طريقي الخير والشر؛ أي: بيناهما له وأوضحناهما له بالدلائل الواضحة القاطعة، قال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر مبينتين كتبيين الطريقين العاليتين، كما قال ﷺ : "النجدان هما الطريقان، نجد الخير ونجد الشر؛ فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير". وقال عكرمة وسعيد بن المسيب والضحاك: النجدان: الثديان؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه، وتمكين مولود عاجز من رضاع أمه عقيب الولادة قدرة من الله سبحانه ونعمة جلية عليه، والأول أولى. وأصل النجد (٢): المكان المرتفع، وجمعه نجود، ومنه سميت نجدًا لارتفاعها عن انخفاض تهامة، فالنجدان الطريقان العاليان، ومنه قول امرىء القيس: فَرِيْقَانِ مِنْهُمْ قَاطِعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وآخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ فجعل الخير بمنزلة مكان مرتفع واضح بخلاف الشر، فإنه يستلزم الانحطاط عن ذروة الفطرة إلى حضيض الشقاوة، فكان استعمال النجدين هنا بطريق التغليب، أو لأن فعل الشر بالنسبة إلى قوته في الواهمة مصور بصورة المكان المرتفع، وقال ابن الشيخ: لما وضحت الدلالة الدالة على الخير والشر .. صارتا كالطريقين المرتفعين بسبب كونهما واضحين للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار. والمعنى (٣): أي وأودعنا في فطرة الإنسان التمييز بين الخير والشر، وجعلنا له

стр. 14799

من العقل والفكر ما يكون مذكرًا ومنبهًا، ونصبنا له الدلائل على حسن الخير، وأرشدناه إلى ما في الشر من هفوات وعيوب، ثم أقدرناه على أن يسلك أي الطريقين شاء بعد أن آتيناه قوة التمييز والقدرة على الاختيار والترجيح، ليسلك الطريق التي أراد منهما، فليكن نجد الخير أحب إلى أحدكم من نجد الشر، فمن نازعته نفسه، واتجهت إلى نجد الشر .. فليقمعها بالنظر في آيات الله، والتدبر في دلائله؛ ليعلم أن ذلك الطريق مظلم معوج يهوي بصاحبه إلى طريق الردى ويوقعه في المهالك، وإنما (١) سماهما الله نجدين للإشارة إلى أنهما واضحان كطريقين عاليين يراهما ذوو الأبصار، وإلى أن في كل منهما وعورة يشق معها السلوك، ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه وراضها، وفي ذلك إيماء إلى أن طريق الشر ليست بأهون من طريق الخير، بل الغالب أن طريق الشر أصعب وأشق وأحوج إلى بذل الجهد حتى تقطع إلى النهاية والتوصل إلى الغاية. ١١ - ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾؛ أي: فهلا سلك ذلك الإنسان المغرور ﴿الْعَقَبَةَ﴾؛ أي: طريق العقبة التي يشق عسلوكها، والسير فيها على أكثر الناس التي هي مجاهدة النفس والشيطان والهوى، وسلوك طريق الخير والهدى؛ ليكون شاكرًا لربه على هذه النعمة، وقد ضرب الله سبحانه العقبة مثلًا لهذا الجهاد؛ لأن الإنسان يريد أن يرقى من عالم الحس عالم الأشباح إلى عالم الأنوار والأرواح، وبينه وبين ذلك عقبات من ورائها عقبات، وسبيل الوصول إلى غايته هذه هي فعل الخيرات، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة الحسية ﴿فَلَا﴾ بمعنى: هلا للتحضيض؛ أي: الذي أنفق ماله في عداوة النبي ﷺ . هلا أنفقه لاقتحام العقبة ومجاوزتها، فيأمن من مهالك الدارين، ولكن كون ﴿لا﴾ بمعنى هلّا لم يُسمع وإن ذكره الجلال. قال الفراء والزجاج (٢): ذكر سبحانه هنا ﴿لا﴾ مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد ﴿لا﴾ مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يُعيدوها في كلام آخر، كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ وإنما أفردها هنا؛ لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قائمًا مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن، قال المبرد وأبو علي الفارسي: إن ﴿لا﴾ هنا بمعنى لم؛

стр. 14800

أي: فلم يقتحم العقبة، وروي نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم يحتج إلى التكرير، وقيل: هو جار مجرى الدعاء، كقولهم: لا نجا، قال أبو زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام هنا: الاستفهام الذي بمعنى الإنكار، تقديره: أفلا اقتحم العقبة، أو التحضيض تقديره: هلّا اقتحم العقبة، كما مر آنفًا، ولكنه ضعيف؛ لأنه لم يُسمع في كلام العرب كون ﴿لا﴾ للتحضيض، والاقتحام (١): الدخول في أمر شديد ومجاوزته في صعوبة، وفي "القاموس": قحم في الأمر - كنصر - قحومًا إذا رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية، والعقبة: الطريق الوعر في الجبل، والمعنى على النفي؛ أي: فلم يشكر تلك النعم الجليلة بالأعمال الصالحة، وعبر عنها بالعقبة لصعوبة سلوكها، ١٢ - ثم بيّن سبحانه العقبة، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾؛ أي: أي شيء أعلمك يا محمد جواب ما اقتحام العقبة؟ فإن المراد ليس العقبة الصورية، ١٣ - وأبّين لك بقولي: اقتحام العقبة هو ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾، أي: إعتاق نسمة، وتخليصها من أسر الرق، أو من قتل، أو يد كافر، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وأصل الفك (٢): الفرق بين الشيئين بإزالة أحدهما عن الآخر، كفك القيد والغل، وفك الرقبة، الفرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية، سمي العتق فكًا؛ لأن الرق كالقيد، وسمي المرقوق رقبةً؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والرقبة: اسم للعضو المخصوص، ثم يعبر بها عن الجملة، وجُعل في التعارف اسمًا للمماليك، كما عبر بالرأس وبالظهر عن المركوب، فيقال: فلان يربط كذا رأسًا وكذا ظهرًا. والمعنى هنا: هو - أي اقتحام العقبة - إعتاق رقبة، فالفك، ليس تفسيرًا وبيانًا لنفس العقبة، بل لاقتحامها بتقدير المضاف، وذلك لأن العقبة عين، والفك فعل فلا يكون تفسيرًا للآخر. ثم فك الرقبة (٣) قد يكون بأن ينفرد الرجل في عتق الرقبة، وقد يكون بأن يُعطي مكاتبه ما يصرفه إلى جهة فكاك رقبته، وبأن يعين في تخليص نفس من قَوَد أو غُرْم، فهذا كله يعمه الفك دون الإعتاق، ويحتمل أن يكون المراد بفك الرقبة: أن

стр. 14801

يفك المرء نفسه رقبة نفسه من عذاب الله تعالى، بأن يشتغل بالأعمال الصالحة حتى يصير بها إلى الجنة، ويتخلص من النار، وهي الحرية الوسطى، وأن يفك رقبة القلب من أسر النفس وقيد الهوى، وتعلق السوى، وهي الحرية الكبرى، فيكون قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ ...﴾ إلخ من قبيل التخصيص بعد التعميم إشارة إلى فضل ذلك الخاص بحيث خرج به من أن يتناوله اللفظ السابق مع عمومه. قال بعضهم: تقديم العتق على الصدقة يدل على أنه أفضل منها، كما هو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي الحديث: "من فك رقبة .. فك الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار". قال الراغب: فك الإنسان غيره من العذاب إنما يحصل بعد فك نفسه منه، فإن من لم يهتد ليس في قوته أن يهدي، وفك الرقبة من قبيل فك النفس؛ لأنه من الأعمال الصالحة التي لها مدخل عظيم في فكها. وقرأ النحويان (١) أبو عمرو والكسائي وابن كثير: ﴿فَكَّ﴾ فعلًا ماضيًا ﴿رقبةً﴾ نصبًا على المفعولية، وهكذا قرؤوا: ﴿أَطْعَم﴾ فعلًا ماضيًا ﴿مِسْكِينًا﴾ وما بعده نصبًا على المفعولية، وقرأ باقي السبعة: ﴿فَكُّ﴾ مرفوعًا ﴿رَقَبَةٍ﴾ مجرورًا ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ بالرفع معسوفًا على ﴿فَكُّ﴾ على أنهما مصدران، وجر ﴿رَقَبَةٍ﴾ بإضافة المصدر إليها، فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلًا من ﴿اقتَحَمَ﴾، كأنه قيل: فلا فك ولا أطعم، وقرأ علي وأبو رجاء كقراءة ابن كثير إلا أنهما قَرآ: ﴿ذا مسغبة﴾ بالألف، وقرأ الحسن وأبو رجاء أيضًا: ﴿أو إطعام في يوم ذا﴾ بالألف، ونصبـ ﴿ذا﴾ على المفعولية؛ أي: إنسانًا ذا مسغبة، و ﴿يَتِيمًا﴾ بدل منه أو صفة، وقرأ بعض التابعين: ﴿فك رقبة﴾ بالإضافة ﴿أو أطعمَ﴾ فعلًا ماضيًا، ومن قرأ ﴿فَكُّ﴾ بالرفع، فهو تفسير لاقتحام العقبة، والتقدير: وما أدراك ما اقتحام العقبة، ومن قرأها فعلًا ماضيًا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، بل يكون التعظيم المفهوم من الاستفهام للعقبة نفسها، ويجيء ﴿فَكَّ﴾ بدلًا من اقتحم. قاله ابن عطية. والحاصل (٢): أنه أرشد إلى أن اقتحامها يكون بفعل صنوف من الخير، منها:

стр. 14802

١ - ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾؛ أي: عتق الرقبة أو الإعاثة عليها، وقد ورد في الكتاب الكريم والسنة الترغيب في العتق والحث عليه، منها ما روى البراء بن عازب ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: "عتق النسمة وفك الرقبة"، قال: يا رسول الله، أوليسا واحدًا؟ قال: "لا، عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها". ٢ - ١٤ ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾؛ أي: ذي مجاعة لقحط أو غلاء من سغب إذا جاع، قال الراغب: السغب: الجوع مع التعب، وربما قيل في العطش مع التعب، يقال منه: سغب الرجل سغبًا ومسغوبًا فهو ساغب وسغبان، والمسغبة بوزن مفعلة مصدر ميمي، وأنشد أبو عبيدة: فَلَوْ كُنْتَ حُرًّا يَا ابْنَ قَيسِ بْنِ عَاِصمٍ ... لَمَا بِتَّ شَبْعَانًا وَجَارُكَ سَاغِبَا قال النخعي: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾؛ أي: عزيز فيه الطعام، وقيد الإطعام (١) بيوم المجاعة؛ لأن إخراج المال في ذلك الوقت أثقل على النفس وأوجب للأجر، وقرأ الجمهور (٢): ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ على أنه صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾، و ﴿يَتِيمًا﴾ هو مفعول ﴿إِطْعَامٌ﴾، وقرأ الحسن: ﴿ذا مسغبة﴾ بالنصب على أنه مفعول إطعام؛ أي: يُطعمون ذا مسغبة، و ﴿يَتِيمًا﴾ بدل منه. ١٥ - ﴿يَتِيمًا﴾: مفعول به ﴿لإطعام﴾ ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾؛ أي: صاحب قرابة من قرب في النسب قربًا ومقربة، فالمقربة مصدر ميمي أيضًا بمعنى القرابة. وقال السجاوندي: قرب قرابة أو جوار. انتهى. وقيّد اليتيم بأن يكون بينه وبين المطعم قرابة نسبية؛ لأنه اجتمع فيه جهتا الاستحقاق، اليُتم والقرابة، فإطعامه أفضل؛ لاشتماله على الصدقة وصلة الرحم، واليتيم في الأصل: الضعيف، يقال: يُتم الرجل إذا ضعف، واليتيم عند أهل اللغة: من لا أب له، وقيل: هو من لا أب له ولا أم، ومنه قول قيس بن الملوِّح: إِلَى اللهِ أَشكُوْ فَقْدَ لَيْلَى كَمَا شَكَا ... إِلَى اللهِ فَقْدَ الوَالِدَيْنِ يَتِيْمُ

стр. 14803

والمعنى (١): أو إطعام يتيم من أقاربه في أيام الجوع والعوز، وفي هذا جمع بهين حقين: حق اليتم، وحق القرابة. ٣ - ١٦ ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾؛ أي: ذا افتقار لا شيء له، كأنه لصق بالتراب لفقره، وليس له مأوى إلا التراب، مأخوذ من تَرِب - بالكسر - تَرَبًا بفتحتين، ومتربًا إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب من فقره وضره، فليس فوقه ما يستره، ولا تحته ما يوطئه ويفرشه، وأما قولهم: أترب فمعناه: صار ذا مال، كالتراب في الكثرة، كما يقال: أثرى فلان إذا كثر ماله، وعن النبي ﷺ في قوله: ﴿ذَا مَتْرَبَة﴾ "الذي مأواه المزابل"، وقال مجاهد (٢): هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره، وقال قتادة: هو ذو العيال، وقال عكرمة: هو المديون، وقال أبو سنان: هو ذو الزمانة، وقال ابن جبير: هو الذي ليس له أحد، وقال عكرمة: هو البعيد التربة الغريب عن وطنه، والأول أولى، ومنه قول الهذلي: وَكُنَّا إِذَا مَا الضَّيْفُ حَلَّ بأَرْضِنَا ... سَفَكْنا دِمَاءَ الْبُدْنِ فِيْ تُرْبَةِ الْحَال وفي الحديث: "الساعي على الأرملة والمسكين كالساعي في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر" يقول الفقير: خص الفك والإطعام؛ لصعوبة العمل بهما، وجعل الإطعام لليتيم والمسكين؛ لما أن ذلك يثقل على النفس، فقد ينفق المرء الوفاء في هواه كطعام أهل الهوى وبناء الأبنية الزائدة، ونحو ذلك، ولا يستكثرها، وأما الفقير واليتيم فلا يراهما بصره، لهوانهما عنده، وعلى تقدير الرؤية فيصعب عليه إعطاء درهم أو درهمين، أو إطعام لقمة أو لقمتين. والخلاصة: أي أو إطعام المسكين الذي لا وسيلة له إلى كسب المال؛ لضعفه وعجزه، ١٧ - وقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) عطف على المنفي بـ ﴿لا﴾، وجاء بـ ﴿ثم﴾؛ للدلالة على تراخي رتبة الإيمان عن العتق والصدقة، ورفعة محله على محلهما، لتوقف صحة جميع الأعمال الصالحة على وجوده؛ لكونه أساسها، وإلا فهو في الزمان مقدم على الطاعات. والمعنى: أن الإنفاق مع الإيمان، والتواصي هو الإنفاق المرضي النافع عند

стр. 14804

الله تعالى، لا أن يُهلك مالًا لبدًا في الرياء والفخار، فيكون مثله كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم، وفي ذكر العقبة إشارة إلى أن عقبة الآخرة لا يجوزها إلا من كان محقًا، أو يكون المعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان؛ إذ الموافاة عليه شرط في الانتفاع بالطاعات، والمعنى: أي: ثم كان مع اقتحامه العقبة من الذين صدقوا في إيمانهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عطف على ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله وعن المعاصي وفي المصائب والبلايا إذا أصابتهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: مصدر (١) ميمي بمعنى الرحمة؛ أي: أوصى بعضهم بعضًا بالرحمة على عباد الله، أو بموجبات رحمته تعالى من الخيرات على حذف المضاف، أو على ذكر المسبب وإرادة السبب تنبيهًا على كماله في السببية، والرحمة بهذا المعنى أعم من الرحمة بالمعنى الأول؛ وهي الشفقة لمن يستحقها من العباد يتيمًا أو فقيرًا، أو نحو ذلك، وفي الحديث: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس". واعلم (٢): أنه إنما اشترط الإيمان مع فعل هذه المَبَارِّ؛ لأن من فعلها دون أن يكون مؤمنًا لم ينتفع بها، ولم يكن له ثواب عليها؛ إذ لا ينفع مع الكفر بر، ١٨ - ثم بيّن مآل فاعل هذه المبرات، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالنعوت الجليلة المذكورة. وفي اسم الإشارة (٣) دلالة على حضورهم عند الله في مقام كرامته، وعلوّ رتبتهم، وبعد درجتهم ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾؛ أي: أصحاب اليمين الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم، ويُسلَك بهم من طريق اليمين إلى الجنة، أو أصحاب اليمن والخير والسعادة؛ لأن الصلحاء ميامين على أنفسهم بطاعتهم وعلى غيرهم أيضًا، أو أصحاب اليد اليمنى. والمعنى (٤): أي أولئك الذين اقتحموا العقبة، ففكوا الرقاب، وأطعموا المساكين، وواسوا ذوي القربى في يوم المسغبة هم السعداء المُمَتَّعون بجنات النعيم، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) ...﴾ الآيات.

стр. 14805

١٩ - ثم ذكر مقابل هؤلاء، وهم الذين صدوا عن سبيل الله، وتواصوا بالإثم وتوا صوا بالعدوان ومعصية الرسول، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الكونية وآياتنا السمعية التي جاءت على ألسنة الرسل، كالقرآن وغيره من الكتب السماوية ﴿هُمْ﴾ في الإتيان (١) بضمير الغيبة دلالة على سقوطهم عن شرف الحضور، وأنهم أحقاء بالإخفاء ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾؛ أي: هم أصحاب الشمال الذين يُعطون كتبهم بشمائلهم ومن وراء ظهورهم، ويُسلَك بهم شمالًا إلى النار، أو أصحاب الشؤم والشر والشقاوة؛ لأن الفساق مشائيم على أنفسهم بمعصيتهم وعلى غيرهم أيضًا؛ أي: هم أهل الشمال الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) ...﴾ الآيات. ٢٠ - ﴿عَلَيْهِمْ﴾ خبر مقدم لقوله: ﴿نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾؛ أي: نار أبوابها مغلقة عليهم، فلا يُفتح لهم باب، فلا يُخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح أبد الآباد، إلا أنها جُعلت صفة للنار إشعارًا بإحاطتها بهم، فأصل التركيب مؤصدة الأبواب، فلما تُركت الإضافة عاد التنوين إليها؛ لأنهما يتعاقبان، والمعنى؛ أي: عليهم نار مطبقة مغلقة عليهم، فلا يستطيعون الفكاك منها، ولا الخلاص من عذابها، أعاذنا الله سبحانه وجميع المسلمين منها بمنه وكرمه، وجعلنا من أصحاب الميمنة، يقال: آصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته، ومنه قول الشاعر: تَحِنُّ إِلَى أَجْبَالِ مَكَّةَ نَاقَتِيْ ... وَمِنْ دُوْيهَا أَبْوَابُ صَنْعَاءَ مُؤْصَدَهْ وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص (٢): ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمز هنا وفي الهُمزة، فيظهر أنه من أصدت، قيل: ويجوز أن يكون من أوصدت، وهمز على حد من قرأ بـ ﴿السؤق﴾ مهموزًا، وقرأ باقي السبعة بغير همز، فيظهر أنه من أوصدت، وقيل: يجوز أن يكون ومن آصدت، وسهل الهمزة. وقال الشاعر: قَوْمًا تُعَالِجُ قُمَّلًا أَبْنَاؤُهُمُ ... وَسَلاَسِلًا حَلَقًا وَبَابًا مُؤْصَدَا والحاصل: أنه قُرىء بالواو وبالهمزة مكان الواو، وهما لغتان، والمعنى

стр. 14806

واحد، وقيل: معنى المهموز: المطبقة، ومعنى غير المهموز: المغلقة انتهى. اهـ "خطيب"، وفي "السمين" والظاهر أن القراءتين من مادتين: الأولى من آصد يؤصد، كأكرم يكرم، والثانية من أوصد يوصد، كأوصل كيوصل. انتهى. الإعراب ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾. ﴿لَا﴾: زائدة. ﴿أُقْسِمُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه، والجملة مستأنفة، ﴿بِهَذَا﴾: جار ومجرور معلق بـ ﴿أُقْسِمُ﴾. ﴿الْبَلَد﴾: بدل من اسم الإشارة، ﴿وَأَنْتَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، أو اعتراضية. ﴿أنت﴾: مبتدأ. ﴿حِلٌّ﴾: خبر ﴿بِهَذَا﴾: متعلق بـ ﴿حِلٌّ ﴿الْبَلَدِ﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة في محل النصب حال من ﴿هذا البلد﴾ أو معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَالِدٍ﴾: الواو: عاطفة، أو حرف قسم. ﴿والد﴾: معطوف على القسم السابق. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿والد﴾. ﴿وَلَدَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿والد﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وما ولده ذلك الوالد. ﴿لقَد﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي كَبَدٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: حال كونه مكابدًا للمشاق. ﴿أَيَحْسَبُ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿يحسب﴾: فعل مضارع، وفاعلهُ ضمير يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿لن﴾: حرف نصب. ﴿يَقْدِرَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَقدِرَ﴾. ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿يحسب﴾، ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، وجملة القول في محل النصب حال من فاعل ﴿يحسب﴾، أو مستأنفة. ﴿أَهْلَكْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَالًا﴾: مفعول

стр. 14807

به. ﴿لُبَدًا﴾: صفة لـ ﴿مَالًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿أَيَحْسَبُ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿يحسب﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿أَن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَرَهُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، و ﴿الهاء﴾: مفعول به؛ لأن رأى بصرية. ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل ليرى والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿يحسب﴾. ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾. ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿نَجْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نَجْعَلْ﴾؛ لأنه بمعنى نخلق. ﴿عَيْنَيْنِ﴾: مفعول به، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾: معطوفان على ﴿عَيْنَيْنِ﴾. ﴿وَهَدَيْنَاهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة: ﴿هديناه﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿النَّجْدَيْنِ﴾: مفعول ثان له، أو منصوب بنزع الخافض، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ﴾؛ لأن الاستفهام فيه تقريري، فيكون بمعنى: وجعلنا له عينين. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: نافية بمعنى: ما. ﴿اقْتَحَمَ﴾ فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ القائل، والجملة معطوفة على ﴿هديناه﴾؛ أي: وهديناه النجدين فما اقتحم العقبة، و ﴿الْعَقَبَةَ﴾: مفعول به، وقيل ﴿لا﴾: دعائية، دعا عليه أن لا يفعل خيرًا، وهذا أرجح الأقوال الجارية هنا، وقيل: ﴿لا﴾ تحضيضية، والأصل: فألا اقتحم العقبة، ثم حُذفت الهمزة للتخفيف، وهذا القول ضعيف. وإن كان واضح المعنى كما مر، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية ﴿ما﴾: استفهامية في مخل الرفع مبتدأ. ﴿أَدْرَاكَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾ و ﴿الكاف﴾ مفعول أول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية معترضة مقحمة لبيان العقبة، مقررة لمعنى الإبهام والتفسير، فإن قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ عين تلك العقبة؛ لأن المعرف باللام

стр. 14808

والألف إذا أعيد كان الثاني عين الأول. ﴿مَا﴾: استفهامية في محل الرفع مبتدأ. ﴿الْعَقَبَةُ﴾: خبر عنها، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾ معلق عنها بالاستفهام. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو فك رقبة، كأنه قيل: وما هو: اقتحام العقبة، فقيل: هو فك رقبة أو إطعام ... إلخ، والجملة مفسرة لاقتحام العقبة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ معطوف على ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾. ﴿فِي يَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾. ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿يَتِيمًا﴾: مفعول به لـ ﴿إِطْعَامٌ﴾: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: صفة لـ ﴿يَتِيمًا﴾. ﴿أَوْ مِسْكِينًا﴾: معطوف على ﴿يَتِيمًا﴾. ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: صفة ﴿مِسْكِينًا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الإنسان المذكور. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار وجرور خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾؛ أي: فهلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين ... إلخ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالْمَرْحَمَةِ﴾: متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: معطوف أيضًا على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالْمَرْحَمَةِ﴾: متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ثان، أو ضمير فصل. ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: خبر عن ﴿هُمْ﴾ ومضاف إليه، والجملة خبر عن ﴿الَّذِينَ﴾، أو ﴿هُمْ﴾ خبر عن ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم. ﴿نَارٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: صفة لـ ﴿نَارٌ﴾، والجملة خبر ثان عن ﴿هُمْ﴾، أو عن ﴿الَّذِينَ﴾، أو مستأنفة، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ وفي "القاموس": البلد والبلدة: مكة شرفها الله تعالى، وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة، والتراب والبلد أيضًا القبر والمقبرة والدار والأثر. وذكر له معاني إلى أن قال: وبلد بالمكان بلودًا إذا أقام ولزمه، أو اتخذه بلدًا، وفي "روح البيان": البلد: المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه، وجمعه بلاد وبلدان. انتهى. كما مر في بحث التفسير.

стр. 14809

﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ والحل: بمعنى الحال من الحلول؛ وهو النزول، يقال: حل وحلال وحرم وحرام بمعنى واحد، وحل في المكان إذا نزل فيه يحل - بضم الحاء - حلولًا، فهو حال، والمكان محلول فيه، والمعنى: أي: وأنت حال مقيم فيه. ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾؛ أي: وأقسم لك بأي والد وبأي مولود من الإنسان والحيوان والنبات. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾؛ أي: في نصب ومشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الاخرة، وفي "المصباح": والكَبَد - بفتحتين - المشقة من المكابدة للشيء، وهو يتحمل المشاق في فعله، يقال: كَبِدَ الرجل كبدًا - من باب طرب - إذا وجعت كبده فانتفخت، ويقال: كبده إذا أصاب كبده، كذكرته إذا قطعت ذكره، ورأيته إذا قطعت رئته، ثم اتسع فيه حتى استُعمل في كل نصب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة بمعنى مقاساة الشدة، ومنه قال لبيد يرثي أخاه أربد: يَا عَيْنُ هَلْ رَأيْتِ أرْبَدَ إِذْ ... قُمْنَا وَقَامَ الخُصُوْمُ فِي كَبَدِ أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب. ﴿مَالًا لُبَدًا﴾؛ أي: مالًا كثيرًا متلبدًا من تلبد الشيء إذا اجتمع، وتكدس بعضه على بعض، ولا يخاف فناؤه من كثرته، يريد كثرة ما أنفقه رياء وسمعة وعداوة للنبي ﷺ . ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أصله: يرأي بوزن يفعل، نقلت حركة الهمزة عين الفعل إلى الراء، ثم حذفت للتخفيف، ثم قُلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لدخول الجازم، فلم يبق من الفعل إلا فاؤه فوزنه يفه. ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾: مثنى شفة، فيه إعلال بحذف لامه، وأصله: شفهة، أو شفو لتصغيره على شفيهة، وجمعها على شفاه، حُذفت لامه وعُوّض عنها التاء ونظيره سنة. ﴿النَّجْدَيْنِ﴾: والنجدان: طريقا الخير والشر، والنجد في الأصل الطريق المرتفع وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن انخفاض تهامة، وفي "القاموس" النجد: ما ارتفع من الأرض، وجمعه أنجد وأنجاد ونجاد ونجود ونُجُد، وجمع النجود: أنجدة، والطريق الواضح، وما خالف الغور؛ أي: تهامة، وتضم

стр. 14810

جيمه مذكر أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وأوله من جهة الحجاز ذات عرق، وما ينجد به البيت من بسط وفرش ووسادة، والجمع نجود ونجاد، والدليل الماهر، والمكان لا شجر فيه. ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ والاقتحام: الدخول في أمر شديد ومجاوزته بصعوبة، وفي "القاموس": قحم في الأمر - كنصر - قحومًا رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية، والعقبة: الطريق الوعر. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ والفك في الأصل: الفرق بين الشيئين بإزالة أحدهما عن الاخر، كفك القيد والغل، وفك الرقبة: الفرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية، والرقبة: العضو المخصوص، ثم يعبر بها عن جملة الذات، كا مر بسطه. ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مصدر ميمي من سَغِب يسغب سغبًا - من باب فرح - إذا جاع، وفي "القاموس": سغب - كفرح ونصر - سَغَبًا وسغْبًا وسغابة وسغوبة ومسغبة جاع، فهو ساغب وسغبان وسَغِب، وهي سغبى، وجمعها سغاب، والسغب أيضًا العطش، وليس بمستعمل. ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ والمقربة القرابة في النسب تقول: فلان من ذوي قرابتي، ومن أهل مقربتي إذا كان قريبك نسبًا فهو مصدر ميمي بمعنى القرابة. ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ والمتربة؛ الفقر، تقول: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا كثر ماله حتى صار كالتراب، وفي "المختار": ترب الشيء إذا أصابه التراب، وبابه طرب، ومنه ترب الرجل؛ أي: افتقر كأنه لصق بالتراب، وتربت يداه دعاء عليه لا أصاب خيرًا، وتَرَّبَه تتْريبًا فتَترَّب؛ أي: لطخه فتلطخ، وأتربه جعل عليه التراب، وفي الحديث "أتربوا الكتاب فإنه أنجح للحاجة" وأترب الرجل استغنى، كأنه صار له من المال بقدر التراب، والمتربة: المسكنة والفاقة، ومسكين ذو متربة؛ أي: لاصق بالتراب؛ لفقره وضره، فليس فوقه ما يستره، ولا تحته ما يفرشه. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: نصح بعضهم بعضًا به، وأصله تواصَيُوا بوزن: تفاعلوا، قُلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ﴿بِالْمَرْحَمَةِ﴾ والمرحمة مصدر ميمي بمعنى الرحمة. ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ الميمنة: طريق النجاة والسعادة، وهو اسم مكان أو مصدر ميمي.
следующие страницы →