← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.

стр. 14841

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. المناسبة قد تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) أن سعي الناس مختلف في نفسه وعاقبته، وأرشد إلى أن المحسن في عمله يوفقه الله تعالى إلى أعمال البر، وأن المسيء فيه يسهل له الخذلان .. أردفه بأنه قد أعذر إلى عباده تقديم البيان الذي تتكشف معه أعمال الخير والشر جميعًا، ووضح السبيل أمام كل سالك، فإن شاء .. سلك الخير فسلم وسعد، وإن أراد .. ذهب في طريق الشر فتردى في الهاوية. أسباب النزول سبب نزول هذه السورة من أولها إلى آخرها: ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار، فصعد إلى النخلة ليأخذ منها التمر .. ربما سقطت التمرة، فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم .. أدخل أصبعه حتى يخرج التمرة من فمه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما يلقى من

стр. 14842

صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "اذهب" ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة" فقال له الرجل: يعجبني ثمرها وإن لي لنخلًا كثيرًا، وما فيها نخلة أعجب إلى ثمرة منها، فذهب الرجل، ثم جاء النبيَّ ﷺ رجل كان سمع كلام رسول الله ﷺ مع صاحب النخلة، فقال: يا رسول الله: أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: "نعم" فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة فساومها منه، فقال له: أشعرت أن محمدًا أعطاني بها نخلة في الجنة، فقلت له: يعجبني ثمرها، فقال له الرجل: أتريد بيعها؟ فقال: لا إلا أن أُعطى بها ما أريد، ولا أظن أن أُعطى، فقال له: فما مناك فيها؟ قال: أربعون نخلة. قال: لقد جئت بأمر عظيم، ثم سكت عنه، فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة، فقال له: أشهد لي إن كنت صادقًا، فمر ناس فدعاهم، فأشهدهم له على أربعين نخلة، ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إن النخلة صارت في ملكي فهي لك، فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدار، فقال: إن النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) ...﴾ الآيات، وصاحب النخلة رجل خزرجي وكان منافقًا، ومات على نفاقه، والذي اشترى النخلة هو الصحابي الجليل أبو الدحداح ﵁ قال ابن كثير هذا حديث غريب جدًّا. قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) ...﴾ الآيات، روي أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁ وقد كان من أمره أن بلال بن رباح ﵁ وكان مولى لعبد الله بن جدعان جاء إلى الأصنام وسلح عليها، فشكا كفار مكة إلى مولاه فوهبه لهم، ووهب لهم مئة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فجعلوا يعذبونه ويخرجونه إلى الرمضاء، وكان يقول وهم يعذبونه: أحد أحد، وكان رسول الله ﷺ يمر به وهو يعذب فيقول له: "ينجيك أحد"، ثم أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ بما يلقى بلال في الله، فحمل أبو بكر رطلًا من ذهب وابتاعه من المشركين، وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده، فنزل قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) ...﴾ الآيات.

стр. 14843

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؛ أي: وأقسم بالليل إذا يغطي (١) بظلمته ما كان مضيئًا، قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيُذهب ضوء النهار، وقيل يغشى: النهار، وقيل يغشى: الأرض، والأول أولى، و ﴿إذا﴾ للحال (٢) ؛ لكونها بعد القسم، كما مر في السورة السابقة؛ أي: أقسم بالليل حين يغشى الشمس، ويغطيها ويسترها، كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ فعدم ذكر المفعول للعلم به أو النهار، أو كل ما يواريه بظلامه، فعدم ذكر المفعول للتعميم، والليل عند أهل النجوم: ما بين غروب الشمس وطلوعها، وعند أهل الشرع: ما بين غروبها وطلوع الفجر الصادق، ولعله المراد هنا، والنهار ما يقابله على كلا الضبطين. قال بعض أهل المحبة: وَاللَّيْلُ دَاجٍ وَالْعُصَاةُ نِيَامُ ... وَالْعَابِدُوْنَ لِذِيْ الْجَلَالِ قِيَامُ ٢ - ﴿و﴾ أقسم بـ ﴿النَّهَارِ﴾ وضوئه ﴿إِذَا تَجَلَّى﴾؛ أي: ظهر وانكشف، ووضح؛ لزوال الظلمة التي كانت في الليل، إن كان المغشي غير الشمس، أو تبين وتكشف بطلوع الشمس، وإن كان المغشي الشمس، واختلاف الفاصلتين بالمضي والاستقبال؛ للدلالة على أنه لا يجري عليه تعالى زمان، فالمستقبل عنده تعالى كالماضي في التحقق ٣ - ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾؛ أي: وأقسم بالذي خلق وأوجد الذكر والأنثى، فـ ﴿ما﴾ موصولة، وعبر عن (٣) من بـ ﴿ما﴾؛ للدلالة على الوصفية، ولقصد التفخيم، كما في قوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾؛ لأنها (٤) لتوغلها في الإبهام أفادت أن الوصف الذي استُعملت هي فيه بالغ إلى أقصى درجات القوة والكمال بحيث كان مما لا يكتنه كنهه، وأنه لا سبيل للعقل إلى إدراكه بخصوصه، وإنما الممكن هو إدراكه بأمر عام صادق، واللامان (٥) للحقيقة، ويجوز أن تكونا للاستغراق.

стр. 14844

والمعنى: أي وأقسم بالقادر العظيم القدرة الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد، فخرج مثل البغل والبغلة، وقيل: إن الله سبحانه لم يخلق خلقًا من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى، والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرًا ولا أنثى، وقد لقي خنثي مشكلًا .. كان حانثًا؛ لأنه في الحقيقة إما ذكر أو أنثى وإن كان مشكلًا عندنا، كما في "الكشاف"، وقال الكلبي ومقاتل يعني آدم وحواء، فتكون ﴿اللام﴾ للعهد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، والظاهر العموم، وقيل: مخصوص ببني آدم؛ لاختصاصهم بولاية الله وطاعته، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: وبخلق الذكر والأنثى. قرأ الجمهور (١): ﴿تَجَلَّى﴾ فعلًا ماضيًا فاعله ضمير ﴿النهار﴾، وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير: ﴿تتجلى﴾ بتائين أعني: الشمس، وقرىء: ﴿تُجْلى﴾ - بضم التاء وسكون الجيم - أي: الشمس، وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ وقرأ ابن مسعود: ﴿وَالذكرِ والأنثى﴾ بدون ﴿ما خلق﴾ قال علقمة: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء ﵁ فقال: أفيكم من يقرأ قراءة عبد الله بن مسعود؟ فأشاروا إلي، فقلت: نعم أنا، فقال: كيف يقرأ هذه الآية؛ قلت: سمعته يقرأ: ﴿والذكِر والأنثى﴾ قال: وأنا هكذا، والله سمعت رسول الله يقرؤها، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ فلا أتابعهم. ٤ - وقوله ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ جواب القسم، والمصدر (٣) بمعنى الجمع؛ لما عُرف أن المصدر المضاف من صيغ العموم، ولذلك أخبر عنه بالجمع، و ﴿شتى﴾ جمع شتيت كمرضى ومريض، وهو المفترق المتثبت، والمعنى: إن مساعيكم؛ أي: أعمالكم أيها العباد لمختلفة حسب اختلاف الاستعدادات الأزلية، فبعضها حسن نافع خير صالح، وبعضها قبيح ضار شر فاسد، وفي الحديث: "الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، أو بائع نفسه فموبقها". وحاصل ما في المقام: أن الله سبحانه أقسم (٤) بما أقسم على أن سعي البشر

стр. 14845

مختلف فأقسم: ١ - بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مستقره، ويسكن عن الاضطراب؛ إذ يغشاه النوم الذي فيه راحة لبدنه وجسمه. ٢ - بالنهار الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم، وفيه تغدو الطير من أوكارها، وتخرج الهوام من أجحارها. ٣ - بالقادر العظيم الذي خلق الذكر والأنثى، وميز بين الصنفين، مع أن المادة التي تَكَوَّنا منها واحدة، والمحل الذي تكونا فيه واحد، وفي ذلك دليل على تمام العلم وعظيم القدرة، كما قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، فقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ أقسم بالليل حين يغشى الأشياء ويواريها في ظلامه، ويكون فيه مستراح للناس من أعمالهم بما يشملهم من النوم والهدوء ﴿و﴾ أقسم بـ ﴿النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ بزوال ظلمة الليل، فيتحرك الإنسان والحيوان طلبًا لمعاشهما، وبهذا يظهر وجه المصلحة في اختلافهما؛ إذ لو كان الدهر كله ليلًا .. لتعذر المعاش على الناس، ولو كان كله نهارًا .. لبطلت المصلحة، فكان في تعاقبهما آية بالغة يُستدل بها على علم الصانع وحكمته. إقرأ من شئت قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ ﴿و﴾ أقسم بـ ﴿مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾؛ أي: بالقادر العظيم الذي خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، وفي هذا (١) دليل على أنه عليم جد العلم بدقائق المادة وما فيها؛ إذ لا يُعقل أو يكون هذا التخالف بين الذكر والأنثى في الحيوان بمحض الاتفاق أو طبيعة لا شعور لها بما تفعل، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسبة فيهما، فحدوث هذا التخالف في الجنين دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل، حكيم فيما يصنع ويضع. وقصارى ما سلف: أو بعض الماء يكون تارة سببًا للحمل، وأخرى يكون غير مستعد للتلقيح، والأول يكون من بعضه الذكران، ومن بعضه الإناث، سبحانه ما

стр. 14846

أعظم قدرته وأجل حكمته، لا إله إلا هو الفعال لما يريد، ثم ذكر المحلوف عليه، فقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾؛ أي: من أعمالكم أيها الناس لمتباعدة متفرقة، بعضها ضلال وعماية، وبعضها هدى ونور، وبعضها يستحق النعيم، وبعضها يستحق العذاب الأليم، كما قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُنا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُنا نَعَمِلُنا الصَّالِحَاتِ سَنَاءً مَحْيَاهُمْ نَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُننَ (٢١)﴾ وقال: ﴿لَا يَسْتَنِي أَصْحَابُ النَّارِ نَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُننَ (٢٠)﴾. ٥ - وقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ بيان وتفصيل لتلك المساعي المختلفة وتبيين لأحكامها، و ﴿الفاء﴾ للإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن سعيكم شتى، وأردتم بيانها وتفصيلها لكم .. فأقول لكم: أما ﴿مَنْ أَعْطَى﴾؛ أي: أدى حقوق الله عليه بامتثال المأمورات، وأداء الواجبات، وحقوق الناس عليه بأداء أموالهم عليه، ووفاء البيعة للإمام مثلًا، فإن مطلق الإعطاء يتناول إعطاء يقول المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى، يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى البيعة، وقيل: معنى الإعطاء: إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب، وفك الأسارى، وتقوية المسلمين على عدوهم. اهـ من "الرازي". ﴿وَاتَّقَى﴾؛ أي: اجتنب (١) محارم الله التي نهى عنها، ومن جملتها المن والأذى ٦ - ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾؛ أي: بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان من الكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد، أو بالملة الحسنى، وهي ملة الإِسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والحسنى تأنيث الأحسن ٧ - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾؛ أي: فسنُهَيِّئُه ونوفقه ﴿لِلْيُسْرَى﴾؛ أي: للخصلة التي تؤدي إلى يسر وراحة، كدخول الجنة ومباديه، والمعنى: فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بالطاعة لله تعالى التي تؤديه إلى الجنة. قال الواحدي (٢): قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، اشترى ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله، كما مر؛ أي: نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون، وذلك في الدنيا والآخرة، وفي "الخطيب": واختُلف في الحسنى، فقال ابن عباس: أي: بـ: لا إله إلا الله؛ أي: مع محمد رسول الله، والمعنى: وصدَّق بالتوحيد والنبوة، وذلك لأنه لا ينفع مع

стр. 14847

الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم، وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ وقال زيد بن أسلم: الصلاة والزكاة والصوم. ومعنى التيسير (١): التهيئة لا ما يقابل التعسير، ومنه قوله: "كل ميسر لما خلق له" فلا حاجة إلى أن يقال: استُعمل التيسير في العسرى على المشاكلة كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ يقال يَسَّر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها، واليسرى تأنيث الأيسر فوصف الخصلة باليسرى مجاز باعتبار كونها مؤدية إلى اليسرى. فائدة (٢): ذكروا أن ﴿السين﴾ في ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾؛ للتلطيف، قال الشريف الصفوي: مرادها بالتلطيف ترقيق الكلام بمعنى أن لا يكون نصًا صريحًا في المقصود، بل يكون محتملًا لغير المقصود، فهو كالشيء الرقيق الذي يمكن تغييره ويسهل، ويقابل الكثيف بمعنى من يكون نصًا في المقصود؛ لأنه لا يمكن تغييره وتبديله، فهو كالشيء الكثيف الذي لا يمكن فيه ذلك، فالمقصود هاهنا من التيسير حاصل في الحال، لكن أتي بالسين الدالة على الاستقبال، والتأخير لتلطيف الكلام وترقيقه باحتمال أن لا يكون التيسير حاصلًا، فكانت تقتضي ذلك. ومعنى الآيات (٣): أي فأما من أعطى المال وأنفقه في وجوه الخير سواء كان واجبًا عليه أم لا كالصدقات والنوافل، كفك الأسارى، وتقوية المسلمين على عدوهم، وابتعد عن كل ما لا ينبغي، فحمى نفسه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وخاف من إيصال الأذى إلى الناس ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾؛ أي: وصدق بثبوت الفضيلة والعمل الطيب ونحو ذلك مما هو مركوز في طبيعة الإنسان، وهو مصدر الصالحات وأفعال البر والخير، ولا يكون تصديقًا حقًا، ولا ينظر الله إليه إلا إذا أصدر عنه الأثر الذي لا ينفك عنه، وهو بذل المال واتقاء مفاسد الأعمال. وكثير من الناس يظن نفسه مصدقًا بفضل الخير على الشر، ولكن هذا التصديق يكون سرابًا في النفس خَيَّلَه الوهم؛ لأنه لا يصدر منه ما يليق به من الأثر، فتراه قاسي القلب بعيدًا عن الحق، بخيلًا في الخير، مسرفًا في الشر، ثم ذكر جزاءه على ذلك، فقال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾؛ أي: فسنهيئه لأيسر الخطتين وأسهلهما في فصل الفطرة، وهو تكميل النفس إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه

стр. 14848

سعادتها، فالإنسان إنما يمتاز عن غيره من الحيوان بالتفكير في الأعمال ووزنها بنتائجها، فإذا حصل ذلك وظهرت آثاره فيها .. سهل الله له ما هو مسبوق إليه بأصل فطرته، وفاعل الخير للخير يجد أريحية في نفسه ويذوق لذة لا تعدلها لذة، فتزيد فيه رغبته وتشتد لفعله عنيمته، هذا هو التيسير الإلهي، والذي يوفق الله له الصالحين من عباده. ٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾؛ أي (١): بماله، فلم يبذله في سبيل الخير، والبخل؛ إمساك المقتنيات عما لا يليق حبسها عنه، ويقابله الجود ﴿وَاسْتَغْنَى﴾؛ أي: زهد فيما عند الله من الأجر والثواب؛ أي: لم يرغب فيه، كأنه مستغن عنه فلم يتق، من استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، فلم يتق، فيكون الاستغناء مستتبعًا لعدم الاتقاء الذي هو مقابل الاتقاء في الآية الأولى، وبه يحصل التقابل بينهما ٩ - ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾؛ أي: ما ذكر من المعاني المتلازمة التي هي الإيمان من كلمة التوحيد من ملة الإِسلام من الجنة ١٠ - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾؛ أي: فسنهيئه للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته؛ لاختياره لها، ونسهلها له حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار، ولعل تصدير (٢) القسمين بالإعطاء والبخل، مع من كلًّا منهما أدنى رتبة مما بعدهما في استتباع التيسير لليسرى والتيسير للعسرى؛ للإيذان بأن كلًّا منهما أصيل فيما ذُكر لا تتمة لما بعدهما من التصديق والتقوى والتكذيب والاستغناء. والظاهر (٣): أن ﴿السين﴾؛ للدلالة على الجزاء الموعود بمقابلة الطاعة والمعصية، وهو يكون في الآخرة التي هي أمر متراخ منتظر، فأُدخلت ﴿السين﴾ وهي حرف التأخير؛ ليدل ذلك على أن الوعد آجل غير حاضر، كذا في بعض التفاسير. وقيل العسرى (٤): الشر، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب والعسرة في العذاب، والمعنى عليه: سنهيئه للشر بأن نجريه على يده، قال الفراء: سنيسره: سنهيئه، والعرب تقبل: قد يَسَّرَت الغنم إذا ولدت، من تهيأت للولادة. قال الشاعر:

стр. 14849

هُمَا سَيِّدَانِ يَزْعُمَانِ وَإِنَّمَا ... يَسُوْدَانِنَا إِنْ يَسّرَتْ غَنَمَاهُمَا والمعنى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾؛ أي (١): وأما من أمسك ماله، من أنفق في شهواته، ولم ينفقه فيما يقرب من ربه، وخدعته ثروته وجاهه، فظن أنه بذلك لا يحتاج إلى أحد، ولا يحس بأنه واحد من الناس يصيبه ما أصابهم من السوء ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾؛ أي: وكذب بأن الله يخلف على المنفقين في سبيله، فبخل بماله، ولم ينفق إلا فيما يلذ له ويمتعه في حاضره، ولا يبالي بما عدا ذلك، ويدخل في المكذبين بالحسنى، أولئك الذين يتكلمون بها تقليدًا لغيرهم، ولا يظهر أثرها في أعمالهم ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾؛ أي: ومن مرنت نفسه على الشر وتعودت الخبث، فيسهل الله له الخطة العسرى، وهي الخطة التي يحط بها قدر نفسه، وينزل بها إلى حضيض الآثام، ويغمسها في أوحال الخطيئة ١١ - ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾؛ أي (٢): وما يدفع عنه ماله الذي بخل به شيئًا من عذاب الله، فـ ﴿ما﴾: نافية، والمفعول محذوف من؛ أي شيء يدفع عنه ماله الذي بخل به، فـ ﴿ما﴾ استفهامية في محل النصب مفعول ﴿يُغْنِي﴾، والاستفهام للإنكار ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ أي: هلك ومات تفعل من الردى؛ للمبالغة والردى، كالفتى وهو الهلاك، قال الراغب؛ الردى الهلاك، والتردي التعرض للهلاك. انتهى. من تردى وسقط في الحفرة إذا قُبِر، من تردى في قعر جهنم، يقال: ردى الرجل في البئر يردى ردى إذا سقط فيها، وتردى إذا هلك، فالمال الذي ينتفع به الإنسان في الآخرة وقت حاجته هو الذي أعطى حقه، وقدمه دون الذي بخل به وتركه لوارثه. والمعنى (٣): أي وإذا يسرناه للعسرى، فأي شيء يُغني عنه ماله الذي بخل به على الناس، ولم ينفقه في المصالح العامة؟ وفيما يعود نفعه على الجماعة، ولم يصحب منه شيئًا إلى آخرته التي هي موضع حاجته وفقره؟ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾، ١٢ - وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ استئناف مقرِّر لما قبله؛ أي: إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحِكَم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وطريق الضلال وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه، حيث بَيَّنَّا حال من

стр. 14850

سلك كلا الطريقين ترغيبًا وترهيبًا، ومن (١) هذا تبين من الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البغية، لا الدلالة الموصلة إليها قطعًا، وإن المراد بالوجوب المفهوم من على الوجوب بموجب القضاء ومقتضى الحكمة، فلا تكون الآية بظاهرها دليلًا على وجوب الأصلح عليه تعالى، كما جزءًا المعتزلة، قال الفراء: من علينا للهدى والإضلال، فحذف الإضلال، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وقيل: المعنى: من علينا ثواب هداه الذي هديناه. والخلاصة: أي إنّا خلقنا الإنسان وألهمناه التمييز بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ثم بعثنا له الكملة من أفراده وهم الأنبياء، وشرعنا لهم الأحكام، وبينا لهم العقائد تعليمًا وارشادًا، ثم هو بعد ذلك يختار أحد السبيلين سبيل الخير والفلاح، والسبيل المعوج، فيتردى في الهاوية. وقصارى ذلك: من الإنسان خلق نوعًا ممتازًا من سائر الحيوان بما أوتيه من العقل، وبما وضع له من الشرائع التي تهديه إلى سبيل الرشاد، ١٣ - ثم زاد الأمر توكيدًا، فأبان عظم قدرته، فقال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾؛ أي: وإن لنا التصرف الكلي فيهما كيفما نشاء من الأفعال التي من جملتها ما وعدنا من التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى، أو المعنى: من لنا كل ما في الآخرة وكل ما في الدنيا نتصرف فيه كيف نشاء، فمن أرادهما أو إحداهما .. فليطلب ذلك منا، ومن طلبهما من غير مالكهما .. فقد أخطأ، وقيل المعنى: من لنا ثواب الآخرة وثواب الدنيا. والخلاصة: أي وإنا لنحن المالكون لكل ما في الدنيا وكل ما في الآخرة، فنهب ما نشاء لمن نريد، ولا يضرنا من يترك بعض عبادنا الاهتداء بهدينا الذي بيناه لهم، ولا يزيد في ملكنا اهتداء من اهتدى منهم؛ لأن نفع ذلك وضره عائد إليهم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما حصل عليها، وما ربك بظلام للعبيد. وإذا كان مُلْك الحياتين لله .. كان هديه هو الذي يجب أن اتابعه فيهما؛ لأن المالك لأمر هو العالم بوجوه التصرف فيه، ١٤ - ثم بيّن سبيل الهداية التي أوجبها على

стр. 14851

نفسه، فقال: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾؛ أي: حذرتكم وخوفتكم يا أهل مكة في القرآن ﴿نَارًا﴾ هائلة عظيمة ﴿تَلَظَّى﴾؛ أي: تتوقد وتتوهج، وأصله: تتلظى، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، فإن النار (١) مؤنث وُصفت به، ولو كان ماضيًا .. لقيل: تلظت مع أن المراد بوصفها دوام التلظي بالفعل الاستمراري، وفي بعض التفاسير: المراد من ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ إنشاء الإنذار، كقولهم: بعت واشتريت، من إخبار يراد به الإنذار السابق في مثل قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ فإنها أول سورة نزلت عند الأكثرين، وهذا أشد تخويفًا من أن يقال: خافوا واتقوا نارًا تلظى. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَلَظَّى﴾ بتاء واحدة، وقرأ ابن الزبير وزيد بن علي وطلحة بن مصرف وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير: ﴿تتلظى﴾ بتاءين على الأصل، ١٥ - وقرأ البزي بتاء مشددة ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾؛ أي: لا يصلى تلك النار صليًا لازمًا، ولا يدخلها دخولًا مؤبدًا، من لا يقاسي صلاها، وهو حرها ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾؛ أي: إلا الزائد في الشقاوة، وهو الكافر، فإنه أشقى من الفاسق، وإن صَلِيَها غيره من العصاة، فليس صَلْيُهُ كصَلْيِهِ، فالفاسق لا يصلاها صليًا لازمًا، ولا يدخلها دخولًا أبديًا، كما يدل عليه قوله الآتي: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ ، وفي "كشف الأسرار" يعني: الشقي، والعرب تسمي الفاعل أفعل في كثير من كلامهم، منه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، ١٦ - ثم وصف الأشقى، فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ بالحق الذي جاءت به الرسل ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: أعرض عن الطاعة والإيمان, وليس هذا إلا الكافر. والمعنى (٣): أي لرحمتنا بكم وعلمنا الكامل بمصالحكم أسدينا إليكم الهدى، فأنذرناكم نارًا تلتهب يعذب فيها من كذب الرسول ﷺ فيما جاء به من الآيات، وأعرض عن اتباع شرائعه، وانصرف عن وجهة الحق، ولم يعد إليها تائبًا نادمًا. قال الزجاج: هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر (٤)، ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك

стр. 14852

الأسفل من النار، والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلو كان كل من لم يشرك لا يعذب .. لم يكن في قوله سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فائدة، وقال في "الكشاف": الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: ﴿الْأَشْقَى﴾، وجُعل مختصًا بالصلي، كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل: ﴿الْأَتْقَى﴾ وجُعل مختصًا بالنجاة، كأن الجنة لم تُخلق إلا له، وقيل: المراد بالأشقى أبو جهل، من أمية بن خلف، وبالأتقى أبو بكر الصديق ١٧ - ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾؛ أي: ويبعد (١) عن تلك النار بحيث لا يسمع حسيسها، والفاعل المُجَنَّب المبعد هو الله ﴿الْأَتْقَى﴾؛ أي: المبالغ في الإتقاء عن الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلًا عن دخولها من صليها الأبدي، وأما مَن دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي؛ وهو المؤمن الشقي الفاسق الغير التائب، فلا يبعد عنها هذا التبعيد يصلاها، وإن لم يذق شدة حرها، كما ذاق الكافر؛ لكونه في الطبقة الفوقانية من طبقات النار، فلذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا يقدح في الحصر السابق. قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى عن كل متصف بالصفتين المذكورتين. والحاصل (٢): أن من تمسك من المرجئة بقوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾ زاعمًا أن الأشقى هو الكافر؛ لأنه الذي كذب وتولى، ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين، فيقال له؛ فما تقول في قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ فإنه يدل على أنه لا يجنب عن النار إلا الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملًا فيها كعصاة المسلمين .. لم يكن ممن يجنب النار، فإن أولت التقوى بوجه من وجوه التأويل .. لزمك مثله في الأشقى، فخذ هذه إليك مع تلك، وكن كما قال الشاعر: عَلَى أَنَّنِى رَاضٍ بِأَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى ... وَأُخْرَجَ مِنْهُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وقيل: أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي، كما قال طرفة بن العبد:

стр. 14853

تَمَنَّى أُنَاسٌ أَنْ امُوْتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيْلٌ لَسْتُ فِيْهَا بِأَوْحَدِ أي: بواحد، ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون، إلا من الكافر، فلا يتم ما أراد قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين، ١٨ - ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى، فقال: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾؛ أي (١): يعطيه ويصرفه في وجوه البر والحسنات حال كونه ﴿يَتَزَكَّى﴾؛ أي: يطلب أن يكون زاكيًا عند الله لا يريد به رياء ولا سمعة، من متزكيًا متطهرًا من الذنوب ومن دنس البخل ووسخ الإمساك، فالجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْتِي﴾، ويجوز أن تكون بدلًا من ﴿يُؤْتِي﴾ داخلة في حكم الصلة لا محل لها من الإعراب. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يزكى﴾ مضارع تزكى، وقرأ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: ﴿يزكى﴾ بإدغام التاء في الزاي. والمعنى: أي ويبعد عنها المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي الشديد التحرز منهما بحيث لا يخطرهما ببال، ثم وصف الأتقى بأفضل مزاياه، فقال: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾؛ أي: إن الأتقى هو الذي يُنفق أمواله في وجوه الخير طالبًا بذلك طهارة نفسه وقربها من ربه، لا مريدًا بذلك رياء ولا سمعة، ولا طالبًا مديح الناس له، فإن ذلك ضرب من النفاق الذي يبطل معه العمل، ولا يكون لصاحبه عليه ثواب مهما أتعب نفسه وأجهدها، فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وقد أكد هذا بقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ ...﴾ إلخ، ١٩ - وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ استئناف مقرر؛ لكون إيتائه للتزكي خالصًا لوجه الله تعالى؛ أي: وليس لأحد عند ذلك الأتقى نعمة، ومنة من شأنها أن تجزى وتكافأ، فيقصد بإيتائه ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما (٣) قال: ﴿تُجْزَى﴾ بصيغة المضارع المبني للمجهول؛ لأجل الفواصل، والأصل: يجزيها إياه، من يجزيه إياها؛ أي: إنه لا يقصد بإنفاقه المال مكافأة أحد على نعمة كان قد أسلفها, ولا جزاء معروف كان قد تقدم به إليه، ٢٠ - ثم أكده مرة ثانية، فقال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ وطلب رضا ﴿وَجْهِ رَبِّهِ﴾؛ أي: ذات ربه ﴿الْأَعْلَى﴾؛ أي: الموصوف بالعلو والرفعة على خلقه، وهو استثناء (٤)

стр. 14854

منقطع من ﴿نِعْمَةٍ﴾؛ لأن ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ ليس من جنس نعمة تجزى، فالمعنى: لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربه الأعلى؛ أي: لابتغاء ذاته وطلب رضاه، فهو في الحقيقة مفعول له، وما أتى من المال مكافأة على نعمة سالفة، فذلك يجري مجرى أداء الدين، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب، وإنما يستحق الثواب إذا كان فعله لأجل أن الله سبحانه أمره به وحثه عليه، ومعنى ﴿الْأَعْلَى﴾: الرفيع فوق خلقه بالقهر والغلبة، كما قاله أبو الليث، وقال الفاكهاني: وصف الوجه الذي هو الذات الموجودة مع جميع الصفات بالأعلى؛ لأن لله بحسب كل اسم وجهًا يتجلى به لمن يدعوه بلسان حاله بذلك الاسم ويعبده باستعداده، والوجه الأعلى: هو الذي له بحسب اسمه الأعلى الشامل لجميع الأسماء، وإن جعلته وصف الرب، فالرب هو ذلك الاسم. انتهى. وقرأ الجمهور (١): ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ بنصب الهمزة، وهو استثناء منقطع؛ لأنه ليس داخلًا في ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾، وقرأ ابن وثاب: بالرفع على البدل من محل ﴿نِعْمَةٍ﴾؛ لأن محلها الرفع إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و ﴿مِن﴾ مزيدة، والرفع لغة تميم؛ لأنهم يجوزون البدل في المنقطع، ويجرونه مجرى المتصل، وقرأ الجمهور أيضًا: ﴿ابْتِغَاءَ﴾ بالمد، وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر، ٢١ - ثم وعد ذلك الأتقى بالرضا عنه، فقال: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ جواب قسم مقدر؛ أي: وأقسم بالله لسوف يرضى ذلك الأتقى الموصوف بما ذُكر؛ أي: ولسوف يرضيه ربه في الآخرة بثوابه وعظيم جزائه، وقرأ الجمهور: ﴿يَرْضَى﴾ مبنيًا للفاعل، وقُرىء مبنيًا للمفعول، وهذا وعد كريم (٢) بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها؛ إذ به يتحقق الرضى، قال بعضهم: أي: يرضي الله عنه ويرضى هو بما يُعطيه الله في الآخرة من الجنة والكرامة والزلفى جزاء على ما فعل، ولم يُنزل هذا الوعد إلا لرسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ ولأبي بكر ﵁ هاهنا. وفي قوله: ﴿وَلَسَوْفَ﴾ إيماء (٣) إلى أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال؛ لأن يبلغ العبد منزلة الرضى الإلهي. وقصارى ما سلف: أن الناس أصناف:

стр. 14855

١ - الأبرار الذين منحهم الله تعالى من قوة العقل وصفاء اليقين ما يجعلهم يبتعدون عن الفواحش، ما ظهر منها وما بطن. ٢ - الذين يلون هؤلاء، وهم من تغلبهم الشهوة أحيانًا، فيقعون في الذنب، ثم يثوب إليهم رشدهم، فيتوبون ويندمون، وهذان القسمان يدخلان في الأتقى. ٣ - من يخلط بين الخير والشر، فيعتقد وحدانية الله تعالى، ويقترف بعض السيئات، ويصر عليها, ولا يتوب منها، فهذا الإصرار منه دليل على أنه غير مصدق حق التصديق بما جاء فيها من الوعيد، يُرشد إلى ذلك قوله ﷺ : "لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" والمراد أن صورة الوعيد تذهب عن ذهن المخالف، وتوجد عنده ضروب أخرى من الصور تقاوم أثر هذه في النفس وتغلب عليها. ٤ - الكافرون الجاحدون بالله وبرسله وبما أُنزل عليهم، وهذان القسمان يشملهما الأشقى، وقد أُعدت النار لكل منهما إلا أن الفاسقين لا يخلّدون فيها، ويدخلها الكافرون، وهم فيها خالدون. الإعراب ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾. ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الليل﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بالليل، وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بفعل القسم، وجملة ﴿يَغْشَى﴾ في محل الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾: معطوف على الجملة التي قبله مماثل لها في إعرابها حرفًا بحرف. ﴿وَمَا خَلَقَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى مَن معطوف على ﴿الليل﴾، أو مصدرية على ما تقدم. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾؛ أي: ومن خلق الذكر، والجملة صلة الموصول. ﴿الذَّكَرَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْأُنْثَى﴾: معطوف عليه. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَشَتَّى﴾: خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب؛ أي: أقسم بهذه المذكورات على أن أعمالكم لمختلفة.

стр. 14856

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، من فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن سعيكم شتى، وأردتم بيان تفصيلها .. فأقول لكم: ﴿أما من أعطى﴾ ... إلخ. ﴿أما﴾: حرف شرط. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَعْطَى﴾ صلته والمفعول محذوف، تقديره: أي أعطى وأدى حقوق الله وحقوق العباد الواجبة عليه. ﴿وَاتَّقَى﴾: معطوف على ﴿أَعْطَى﴾. ﴿وَصَدَّقَ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿بِالْحُسْنَى﴾: متعلق بـ ﴿صدق﴾. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها، و ﴿السين﴾: حرف استقبال، ﴿نيسره﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به. ﴿لِلْيُسْرَى﴾: متعلق بـ ﴿نيسره﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانًا. ﴿وَأَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿بَخِلَ﴾ صلته. ﴿وَاسْتَغْنَى﴾: معطوف على ﴿بَخِلَ﴾. ﴿وَكَذَّبَ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿بِالْحُسْنَى﴾: متعلق بـ ﴿كذب﴾: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾، وجملة ﴿نيسره﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ. ﴿لِلْعُسْرَى﴾: متعلق بـ ﴿نيسر﴾، والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾، وجملة ﴿أَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿أما﴾ السابقة؛ ﴿وَمَا يُغْنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يُغْنِي﴾: فعل مضارع. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾. ﴿مَالُهُ﴾: فاعل، والمفعول محذوف؛ أي: العذاب، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾.أو ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿يُغْنِي﴾. ﴿يُغْنِي﴾: فعل مضارع. ﴿مَالُهُ﴾: فاعل، والجملة جملة إنشائية مستأنفة، أي: أي شيء يُغني عنه ماله. ﴿إِذَا﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾، وجملة ﴿تَرَدَّى﴾ في محل الخفض بإضافة إذا إليها ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿عَلَيْنَا﴾ خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَلْهُدَى﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنَّ﴾:

стр. 14857

﴿الواو﴾: عا طفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لَنَا﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم. ﴿لَلْآخِرَةَ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿وَالْأُولَى﴾ معطوف على ﴿لَلْآخِرَةَ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ التي قبلها. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، من استئنافية، ﴿أنذرتكم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿نَارًا﴾ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة مقدرة، تقديرها: فمن طلب الدنيا والآخرة من غير مالكهما الحقيقي، وهو الله سبحانه .. فقد أخطأ الطريق، وضل سواء السبيل ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ إلخ. من الجملة مستأنفة. وجملة ﴿تَلَظَّى﴾ صفة لـ ﴿نَارًا﴾، وهو مضارع مرفوع؛ لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الأخير منع من ظهورها التعذر. أصله: تتلظى، كما مر في مبحث التفسير. ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿يَصْلَاهَا﴾: فعل مضارع مرفوع ومفعول به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْأَشْقَى﴾: فاعل، والجملة في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿نَارًا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿الْأَشْقَى﴾، وجملة ﴿كَذَّبَ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿وَتَوَلَّى﴾ معطوفة على ﴿كَذَّبَ﴾ داخلة في حيز الصلة. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿السين﴾: حرف استقبال، ﴿يجنبها﴾: فعل مضارع ومفعول به. ﴿الْأَتْقَى﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿الْأَتْقَى﴾. ﴿يُؤْتِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿مَالَهُ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿يَتَزَكَّى﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة إما بدل من ﴿يُؤْتِي﴾ فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها داخلة في حيز الصلة، وإما في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْتِي﴾؛ أي: حال كونه متزكيًا به عن دنس الذنوب والمعاصي. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية مهملة. ﴿لِأَحَدٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةٍ﴾، أو من الضمير المستكن في الخبر الظرفي. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿نِعْمَةٍ﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿تُجْزَى﴾ صفة لـ ﴿نِعْمَةٍ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتَزَكَّى﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن؛ لأنه من غير الجنس؛ لأن ابتغاء وجه ربه

стр. 14858

ليس من جنس النعمة؛ أي: ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، والأحسن أن يعرب ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعولًا لأجله؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة. ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مضاف. ﴿وَجْهِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَجْهِ﴾: مضاف. ﴿رَبِّهِ﴾: مضاف إليه، وكثرة الإضافة لا تخرج الكلام عن الفصاحة؛ لورودها في الكتاب والسنة، كما هنا، ﴿الْأَعْلَى﴾: صفة لـ ﴿وَجْهِ﴾ أو لـ ﴿رَبِّهِ﴾. ﴿وَلَسَوْفَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد. ﴿يَرْضَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَتْقَى﴾، أو على أبي بكر الصديق الذي كان سببًا لنزول الآية، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾؛ أي: يُغطي كل شيء، فيواريه بظلامه، والليل: ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، كما مر، وهو ظل الأرض الحائل ما بين الشمس وما عليها، وأصله: يَغْشَيُ بوزن: يفعل، قُلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ والنهار: ما بين طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس؛ أي: انكشف وظهر بظهوره كل شيء، وأصل تجلى تَجَلَّيَ بوزن تفعل، قُلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾: حيوان له قوة التلقيح، والأنثى حيوان له قوة الإحبال. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ وشتى: جمع شتيت، كمرضى مريض، وهو المفترق المتشتت، وفي "المصباح": شت شتًا - من باب ضرب - إذا تفرق، والاسم الشتات، وشيء شتيت وِزان كريم متفرق، وقوم شتى - بوزن فعلى - متفرقون، وجاؤوا أشتاتًا كذلك، وشتان ما بينهما؛ أي: بعد. ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ وأصل تردى تَرَدَّيَ بوزن تفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، يقال: تردى يتردى ترديًا، فهو مترد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ يقال: تردى في بئر وفي أهوية وفي هلكة إذا وقع، ويقال: رَدِيَ زيد يَرْدَى رَدًى إذا هلك، وأرداه الله يُردِيه إرداء إذا أهلكه، قال الراغب: الردى

стр. 14859

الهلاك، والتردي: التعرض للهلاك انتهى كما مر، يقال: تردى في البئر إذا سقط في حفرتها، وتردى في جهنم إذا سقط في قعرها. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ والحسنى: مؤنث الأحسن، وكذا اليسرى مؤنث الأيسر. ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ مضارع تلظى، أصله: تَتَلَظَّيُ بوزن تتفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: تتلهب. ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ أصله: يَصْلَيُ بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح؛ أي: لا يقاسي حرها. ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ صيغة التفضيل أصله: الأشقَيُ، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أصله: تولَّيَ بوزن تفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿الْأَتْقَى﴾ صيغة التفضيل، أصله: الأتقَى، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿يَتَزَكَّى﴾ أصله: يتزكَّيُ بوزن يتفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿تُجْزَى﴾ أصله تجزَيُ، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ فيه إعلال بالإبدال، أصله: ابتغاي، أُبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. ﴿يَرْضَى﴾ أصله يرضَيُ بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: حذف المفعول للعلم به إن كان المحذوف الشمس؛ أي: حين يغشى الشمس ويغطيها ويسترها، أو للتعميم إن كان المحذوف غيرها؛ أي: يغشى النهار، من كل ما يواريه بظلامه، فعدم ذكر المفعول للعلم به في الأول، وللتعميم في الثاني، كما مر. ومنها: اختلاف الفاصلتين في قوله: ﴿إِذَا يَغْشَى﴾ وقوله: ﴿إِذَا تَجَلَّى﴾ بالاستقبال في الأول والماضي في الثاني إشعارًا باستواء الماضي والمستقبل عنده تعالى.

стр. 14860

ومنها: الطباق بين لفظة: ﴿الْأَشْقَى﴾، ولفظة ﴿الْأَتْقَى﴾، وبين ﴿لِلْيُسْرَى﴾ وبين ﴿لِلْعُسْرَى﴾. ومنها: الاشتقاق في قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾؛ لأن اليسرى هنا من التيسير، لا من اليسار. ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾. ومنها: الطباق بين ﴿صدق﴾ و ﴿وَكَذَّبَ﴾، وبين ﴿أَعْطَى﴾ و ﴿بَخِلَ﴾. ومنها: تصدير القسمين بالإعطاء والبخل، مع أن كلًّا منهما أدنى رتبة مما بعدهما في استتباع التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى؛ للإيذان بأن كلًّا منهما أصيل فيما ذُكر، لا تتمة لما بعدهما من التصديق والقوة والتكذيب والاستغناء. ومنها: الإتيان بسين الاستقبال في القسمين؛ للدلالة على أن الجزاء الموعود في مقابلة الطاعة والمعصية آجل غير حاضر يكون في الآخرة التي هي أمر متراخ منتظر. ومنها: حذف المفعول في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) ...﴾ الآيات إفادة للتعميم؛ ليذهب ذهن السامع مع كل مذهب. ومنها: الطباق بين ﴿وَاللَّيْلِ﴾ و ﴿وَالنَّهَارِ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ وبين ﴿الذَّكَرَ﴾ و ﴿وَالْأُنْثَى﴾ في قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾. ومنها: التعبير بـ ﴿ما﴾ التي لغير العاقل بدل من التي للعاقل؛ لأنها لتوغلها في الإبهام أفادت أن الوصف الذي استُعملت هي فيه بلغ إلى أقصى درجات القوة والكمال بحيث كان مما لا يُكتنه كنهه، وأنه لا سبيل للعقل إلى إدراكه بخصوصه، وإنما الممكن هو إدراكه بأمر عام صادق. ومنها: الاقتصار على الذكر والأنثى في هذه الآية إشعارًا بأن الله لم يخلق خلقًا من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى، والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله تعالى غير مشكل معلوم بالذكورة أو بالأنوثة، كما في "الروح". والله أعلم * * *

стр. 14861

مقاصد هذه السورة أولًا: بيان أن الناس في الدنيا فريقان: ١ - فريق يهيئه الله سبحانه للخصلة اليسرى، وهم الذين أعطوا الأموال لمن يستحقها، وصدقوا بما وعد الله من الإخلاف على ما أنفقوا. ٢ - فريق يهيئه الله للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة، وهم الذين بخلوا في الأموال، واستغنوا بالشهوات، وأنكروا ما وعد الله تعالى به من ثواب الجنة. ثانيًا: الجزاء في الآخرة لكل منهما، وجعله إما جنة ونعيمًا، وإما نارًا وعذابًا أليمًا (١). والله أعلم * * *

стр. 14862

سورة الضحى سورة الضحى مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة الفجر، وأخرج (١) ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: نزلت والضحى بمكة. وآياتها: إحدى عشرة آية، وكلماتها (٢): أربعون كلمة، وحروفها: مئة واثنان وأربعون حرفًا. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر في السابقة قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ وكان ﷺ سيد الأتقياء وصفي الأصفياء .. عقَّب ذلك سبحانه بذكر نعمه عليه ﷺ . وقال الشيخ موسى جار الله - رحمه الله تعالى - في كتابه "نظم الدرر" سورة الضحى: أن النبي ﷺ وضعها بعد سورة الليل؛ ليتصل رضي النبي الكريم برضى خليفته بعده، وقدم رضي خليفته؛ لأن ابتغاء وجه الله قبل كل شيء. التسمية: وتسميتها بالضحى: لبدايتها بلفظ الضحى، وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الضحى كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. فضلها: ومن فضائلها ما تقدم في سورة الشمس من الحديث الصحيح، ومنها (٣) ما أخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" من طريق أبي الحسن المقرىء قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على قسطيْطين، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ قال: كَبِّر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبر مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن

стр. 14863

عباس أن أُبيٌّ بن كعب أمره بذلك، وأخبر أبي: أن رسول الله ﷺ أمره بذلك، وأبو الحسن المقرىء المذكور هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرىء. قال ابن كثير: فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم ابن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات، وأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، قال ابن كثير: ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من آخر سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وقال آخرون من آخر الضحى، وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر، ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، وذكروا في مناسبة التكبير من أول الضحى: أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ ، وفتر تلك المدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) ...﴾ السورة كبر فرحًا وسرورًا، ولم يَرْوُوا ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. سبب نزولها: اتفق الرواة على أن سبب نزول هذه السورة الكريمة إنما هو حصول فترة انقطاع في توالي نزول الوحي على رسول الله ﷺ ، فظن من توهّم أن الله قد تركه وقلاه، فأنزل الله هذه السورة؛ ليلقي الطمأنينة في نفسه ﷺ . والله أعلم * * *

стр. 14864

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾. المناسبة قد سبق لك قريبًا بيان المناسبة بين أول هذه السورة وآخر ما قبلها، وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) ...﴾ إلى آخر السورة مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر رضاه عن رسوله، ووَعْدَه له أن يمنحه من المراتب والدرجات ما يرضيه ويثلج قلبه .. أردف ذلك ببيان أن هذا ليس عجبًا منه جل شأنه، فقد أنعم عليه بالنعم الجليلة قبل أن يصير رسولًا، فكيف يتركه بعد أن أعده لرسالته، ثم نهاه عن أمرين: قهر اليتيم وزجر السائل؛ لما لهما من أكبر الأثر في التعاطف والتعاون في المجتمع، ولما فيهما من الشفقة بالضعفاء وذوي الحاجة، ثم أمره بشكره على نعمه المتظاهرة عليه باستعمال كل منها في موضعها، وأداء حقها. أسباب النزول سبب نزول هذه السورة (٢): ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة من ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله عن وجل: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عن جندب قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فقال المشركون: قد وُدع محمد، فنزلت هذه السورة.

стр. 14865

وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال: مكث رسول الله ﷺ أيامًا لا ينزل عليه جبريل، فقالت أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل سبحانه: ﴿وَالضُّحَى (١) ...﴾ الآيات. وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة في "مسنده" والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يُعرف عن حفص بن صبرة القرشي عن أمه عن أمها خولة، وقد كانت خادمة رسول الله ﷺ : أن جروًا دخل بيت رسول الله ﷺ ، فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: "يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ جبريل لا يأتيني"، فقلت في نفسي لو هيأت البيت فكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ يرعد بجبينه، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾. قال الحافظ ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ مردود بما في "الصحيح". وأخرج (١) ابن جرير عن عبد الله بن شداد أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، فنزلت، وأخرج أيضًا عن عروة قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فجزع جزعًا شديدًا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك، فنزلت، وكلاهما مرسل، ورواتهما ثقات، قال الحافظ ابن حجر: فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل قالت شماتة، وخديجة قالته توجعًا. وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي، فسرني"، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ إسناده حسن، وأخرج الحاكم والبيهقي في "الدلائل"، والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: عُرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته كَفْرًا كَفْرًا؛ أي: قرية قرية، فسر به، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾.

стр. 14866

وعبارة "الخازن" هنا: واختلفوا في نزول هذه السورة على ثلاثة أقوال (١): القول الأول: ما روى الشيخان عن جندب بن سفيان البجلي قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فلم يقم ليلتين من ثلاثًا، فجاءت امرأة، فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك ليلتين من ثلاثًا، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ متفق عليه. قيل: إن المرأة المذكورة في هذا الحديث هي: أم جميل امرأة أبي لهب، وأخرجه الترمذي عن جندب قال: كنت مع النبي ﷺ في غار، فدميت أصبعه، فقال: هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيْتِ ... وَفِي سَبِيْلِ اللهِ مَا لَقِيْتِ قال: فأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد وُدع محمد، فأنزل الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. والقول الثاني: ما قاله المفسرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح وعن ذي القرنين وأصحاب الكهف حين أرسلوا إلى قريش، فأمروهم بسؤاله عن هذه الثلاثة، فسألته قريش، فقال: "سأخبركم غدًا"، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس الوحي عليه. والقول الثالث: ما قاله زيد بن أسلم كان سبب احتباس الوحي وجبريل عنه: أن جروًا كان في بيته، فلما نزل عليه عاتبه رسول الله ﷺ على إبطائه، فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة. واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه (٢)، فقيل: اثنا عشر يومًا، وقال ابن عباس: خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعون يومًا، فلما نزل جبريل ﵇ .. قال النبي ﷺ : "يا جبريل ما جئتَ حتى اشتقت إليك"، فقال جبريل: إني كنت إليك أشد اشتياقًا، ولكني عبد مأمور، ونزل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، وأنزل هذه السورة.

стр. 14867

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ أقسم بالضحى؛ أي: بالنهار كله بدليل أنه قابله بالليل كله في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ وقيل: أقسم بوقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحر والبرد في الصيف والشتاء، وعلى القول الأول يكون في الكلام مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل، وقرينته مقابلة بالليل، كما قاله البغوي، وقيل: على تقدير المضاف؛ أي: ورب الضحى، فيكون فيه مجاز بالحذف، قالوا: تخصيصه (١) بالإقسام به؛ لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى ﵇، وألقي السحرة فيها سجدًا؛ لقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ فكان له بذلك شرف، ومناسبة لمجال المقسم لأجله ٢ - ﴿وَاللَّيْلِ﴾؛ أي: وأقسم بجنس الليل، قال ابن خالويه هو معطوف على ﴿الضحى﴾، لا قسم مستقل؛ لأنه يصلح أن يقع في موضع ﴿الواو﴾ ثم، من الفاء بأن يقال: ثم الليل مثلًا، وثم لا تكون للقسم. ﴿إِذَا﴾: هذه لمجرد (٢) الظرفية، والعامل فيها فعل القسم المقدر مثل ما تقدم، وورد عليه الإشكال المتقدم في سورة الشمس؛ أي: وأقسم بالليل إذا ﴿سَجَى﴾ وغطى بظلامه على كل شيء، قال ابن عباس: إذا أقبل بظلامه، وعنه إذا ذهب، وقيل معناه: إذا سكن واستقر ظلامه وتناهى، فلا يزداد بعد ذلك يعني: أن سكون ظلامه عبارة عن عدم تغيره بالاشتداد، والتنزل، وذلك حين اشتد ظلامه وكمل، فيستقر زمانًا، ثم يشرع في التنزل، فإسناد سكون الظلمة الكائنة فيه إليه مجاز علاقته الحلول والظرفية، فإن الزمان ظرف لما فيه، من إذا سكن أهله فهو مجاز أيضًا، من إسناد ما للشيء إلى زمانه نحو نهاره صائم، وليله قائم، فمعناه: سكون الناس والأصوات، وجميع ما فيه يقال: سجا البحر - من باب سما - سجوًا إذا سكنت أمواجه، وليلة ساجية: ساكنة الريح، وعن جعفر الصادق: إن المراد بالضحى: هو الضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبالليل: ليلة المعراج. فإن قلت: لم قدم هنا (٣) ﴿الضحى﴾ على ﴿الليل﴾ وفي السورة التي قبلها قدم ﴿الليل﴾ على ﴿النهار﴾؟

стр. 14868

قلت: لأن لكل منهما أثرًا في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق، وللنهار فضيلة النور، فقدم هذا تارة وهذا أخرى، من يقال: إنه قدم الليل في سورة أبي بكر وهي السابقة؛ لأن أبا بكر سبق له كفر، وقدم الضحى في سورة محمد؛ لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب، ولم يفصل بين السورتين إشارة إلى أنه لا واسطة بين النبي ﷺ وأبي بكر ﵁. فإن قيل: ما الحكمة في ذكر الضحى وهو ساعة من النهار، وذكر الليل بجملته؟ أجيب: بأن ذلك إشارة إلى أن ساعة من نهار توازي جميع الليل، كما أن محمدًا ﷺ يوازي جميع الأنبياء، وأيضًا الضحى وقت السرور، والليل وقت الوحشة، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا أقل من شرورها، وأن غموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات اهـ "خطيب". ٣ - ثم ذكر جواب القسم بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ يا محمد؛ أي: ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك ﴿وَمَا قَلَى﴾؛ أي: وما أبغضك منذ أحبك، وإنما قال: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ولم يقل: وما قلاك، لموافقة رؤوس الآي، وقيل معناه: وما قلى أحدًا من أصحابك، ومن هو على دينك إلى يوم القيامة. وقال أبو حيان: وحذف المفعول اختصارًا في ﴿قَلَى﴾، وفي: ﴿فَأوَى﴾، وفي: ﴿فَهَدَى﴾، وفي: ﴿فَأَغْنَى﴾؛ إذ يعلم أنه ضمير المخاطب، وهو الرسول ﷺ ، وقوله: ﴿وَدَّعَكَ﴾ (١) من التوديع، وهو مبالغة في الوداع، وهو الترك؛ لأن من ودعك مفارقًا، فقد بالغ في تركك، والوداع وهو الإعلام بالفراق، وقال الراغب: أصل التوديع من الدعة، وهو: أن يدعو للمسافر أن يتحمل الله عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة والخفض، كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، فصار ذلك متعارفًا في تشييع المسافر وتركه، وعبر به عن الترك في الآية. والمعنى: ما قطعك ربك يا محمد قطع المودع، وما تركك بالحط عن درجة الوحي والقرب والكرامة، ففيه استعارة تبعية، وإشارة إلى أن الرب لا يترك المربوب، وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ بتشديد الدال من التوديع، كما مر، وقرأ

стр. 14869

ابن عباس وعروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة: بتخفيفها من قولهم: ودعه إذا تركه، واستغنت العرب في فصيح كلامها بترك عن ودع ووذر، وعن اسم فاعلهما بتارك، وعن اسم مفعولهما بمتروك، وعن مصدرهما بالترك، وقد سُمع وَدْع ووَذْر. قال أبو الأسود: لَيْتَ شِعْرِيْ عَنْ خَلِيْلِي مَا الَّذِيْ ... غَالَهُ فِىْ الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ ﴿وَمَا قَلَى﴾؛ أي: وما أبغضك (١)، والقِلى شدة البغض، يقال: قلا زيدًا يقلوه أبغضه من القلو؛ وهو الرمي، كما يقال: قلت الناقة براكبها رمت به، فكان المقلو هو الذي يقذفه القلب من بغضه، فلا يقبله، ولعل عطف ﴿وَمَا قَلَى﴾ على ما قبله من عطف السبب على المسبب؛ لإفادة التعليل. والحاصل: أن (٢) الله سبحانه أقسم لرسوله ﷺ بآيتين عظيمتين من آياته في الكون ضحى النهار وصدره، والليل وظلامه أنه ما تركك وما أبغضك كما يقال لك وكما تتوهم في نفسك، ٤ - ثم ذكر له ما يثلج صدره وما فيه الطمأنينة والبشرى، فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾؛ لما (٣) أنها باقية صافية عن الشوائب على الإطلاق ﴿خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾؛ أي: من الدنيا؛ لما أنها فانية مشوبة بالمضار، وسميت بالأولى؛ لأنها خلقت قبل الآخرة على ما قيل، فالمراد بالآخرة والأولى كرامتهما، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾: لام الابتداء المؤكدة للجملة، لا لام القسم، كما قاله الشوكاني، وفي "التأويلات النجمية": يعني أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أفعال بدايتك، كما أخبر بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ الآية؛ لأنه ﷺ لا يزال يطير بجناح الشريعة في سماء القرب والكرامة، وهذا حال ورثته. والمعنى (٤): أي وإن أحوالك في مستأنف حياتك خير لك مما مضى منها، وإن كل يوم ستزداد عزًا إلى عز، وسيرتفع شأنك كل يوم عما قبله، وسأمنحك كل آنٍ جلالًا فوق جلالك ورفعة فوق رفعتك، وكأنه يقول له: لا تظنن أني كرهتك أو

стр. 14870

تركتك، بل أنت عندي اليوم أشد تمكينًا وأقرب اتصالًا. ولقد صدق الله وعده، فما زال يسمو بنبيه ويرفع درجته يومًا بعد يوم، حتى بلغ الغاية التي لم يبلغها أحد قبله، فجعله رسول الرحمة والهداية والنور إلى جميع خلقه، وجعل محبته من محبة الله، واتباعه والاقتداء به سببًا للفوز العظيم، وجعله وأمته شهداء على الناس جميعًا، ونشر دينه وبلغ دعوته إلى أطراف المعمورة، فأي فضل فوق ذلك الفضل، وأي نعمة أصفى من هذه النعمة، وأي إكرام فوق هذا الإكرام؟ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ٥ - ثم زاده في البشرى، فقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّك﴾ و ﴿اللام﴾ (١) فيه للابتداء، دخلت على الخير؛ لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك ربك؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة الاسمية، وليست للقسم؛ لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وجمعها مع ﴿سوف﴾؛ للدلالة على أن الإعطاء كائن لا محالة وإن تراخى لحكمة يعني: أن لام الابتداء لما تجردت؛ للدلالة على التأكيد، وكانت ﴿سوف﴾ تدل على التأخير والتنفيس .. حصل من اجتماعهما أن العطاء المتأخر لحكمة كائن لا محالة، وكانت اللام لتأكيد الحكم المقترن بالاستقبال، وقيل (٢): ﴿اللام﴾: للقسم، قال أبو علي الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: إن زيدًا لقائم، بل هي التي في قولك: لأقومن، ونابت ﴿سوف﴾ عن إحدى نوني التوكيد، فكأنه قال: وليعطينك، قيل: المعنى: ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة، وقيل: ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك، كما ورد، وقيل: غير ذلك، والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، وأهم ذلك عنده وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته. ﴿فَتَرْضَى﴾ ما تعطاه مما يطمئن به قلبك، وهو معطوف على ما قبله بالفاء، والآية عدة (٣) كريمة شاملة لما أعطاه الله في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوحات الواقعة في عصره ﷺ ، وفي عمر خلفائه الراشدين، وغيرهم من الملوك الإِسلامية، وفشوّ الدعوة

стр. 14871

والإِسلام في مشارق الأرض ومغاربها, ولما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد أنبأ عن سمة منها قوله ﷺ : "لى في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابها المسك". والمعنى (١): أي ولسوف يظاهر ربك عليك نعمه ويوالي عليك منته، ومنها توارد الوحي عليك بما فيه إرشادك وإرشاد قومك إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وسيظهر دينك على الأديان كلها، وتعلو كلمتك ويرتفع شأنك على شؤون الناس جميعًا. ٦ - وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم؛ أي: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا بموت أبويك، والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: قد وجدك ربك يتيمًا، والوجود بمعنى العلم. و ﴿يَتِيمًا﴾: مفعوله الثاني. ﴿فَآوَى﴾ عطف على ما قبله؛ أي: ألم يَعْلَمْك الله يتيمًا بلا أب، فجعل لك مأوى تأوي إليه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَآوَى﴾ بألف بعد الهمزة رباعيًا من آواه يؤويه إذا جعل له مأوى يأوي إليه، وقرأ أبو الأشهب العقيلي: ﴿فأوى﴾ ثلاثيًا بلا مد، وهو إما بمعنى الرباعي، من من أوى له إذا رحمه، يقال: أوى فلان إلى منزله يأوي أويًا على وزن فعول إذا رجع ولجأ إليه، وآويته أنا إيواء، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء ليلًا من نهارًا؛ أي: يرجع إليه وينزل فيه، ويجوز أن يكون الوجود بمعنى (٣) المصادفة، و ﴿يَتِيمًا﴾ حال من مفعوله، يعني: على المجاز بأن يُجعل تعلق العلم الوقوعي الحالي مصادفة، وإلا فحقيقة المصادفة لا تمكن في حقه تعالى. روي (٤): أن أباه عبد الله مات بعد حمله بشهرين، وقيل: قبل ولادته بشهرين، وقيل: بعد ولادته بشهرين، وقيل: بعد ولادته بسبعة أشهر، وقيل: بعدها بتسعة أشهر، وقيل: بعدها بثمانية وعشرين شهرًا، والراجح المشهور الأول، وكانت وفاة أبيه بالمدينة المنورة، ودُفن في دار النابغة، وقيل: دُفن بالأبواء قرية من عمل

стр. 14872

الفُرع، وتوفيت أمه، وهو ابن أربع سنين، وقيل: خمس سنين، وقيل: ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: ثمان سنين، وقيل: تسع سنين، وقيل: ثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، وكانت وفاتها بالأبواء، وقيل: بالحجون اهـ، من "المواهب" و"شرحه". وقال بعضهم (١): لما وُلد رسول الله ﷺ كان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين، ثم مات جده بعد أمه بسنتين، ورسول الله ابن ثمان سنين، ولما أشرف جده عبد المطلب على الموت .. أوصى به ﷺ أبا طالب؛ لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة، فكان أبو طالب هو الذي كفل رسول الله ﷺ إلى أن بعثه الله تعالى نبيًا، فقام ينصره مدة مديدة، ثم توفي أبو طالب، فنال المشركون منه ﷺ ما لم ينالوا منه في حياة أبي طالب، أي: آذوه، وكان ﷺ يقول: "كنت يتيمًا في الصغر وغريبًا في الكبر"، وكان يحب الأيتام ويحسن إليهم، وفي الحديث: "من ضم يتيمًا، وكان في نفقته .. كفاه مؤنته، كان له حجابًا من النار، ومن مسح رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة". وإنما جعله الله سبحانه يتيمًا؛ لئلا يسبق إلى قلب بشر أن الذي نال من العز والشرف والاستيلاء .. كان عن تظاهر نسب أو توارث مال من نحو ذلك، وعن مجاهد، معنى الآية (٢): ألم يجدك واحدًا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله سبحانه بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيمًا من قولهم: درة يتيمة، أي: لا نظير لها، وهذا المعنى بعيد جدًّا، وقيل المعنى: ألم يجدك وحيدًا في قريش عديم النظير، فآواك إليه، وأيدك وشرفك بنبوته، واصطفاك برسالته، والأول أولى. وخلاصة المعنى: أي ألم تكن يا محمد يتيمًا لا أب له يعني: بتربيتك، ويقوم بشؤونك، ويهتم بتنشئتك، فما زال يحميك ويتعهدك برعايتك، ويجنبك أدناس الجاهلية وأوضارها، حتى رقيت إلى ذروة الكمال الإنساني، وقد عاش النبي ﷺ يتيمًا؛ إذ توفي أبوه وهو في بطن أمه، فلما وُلد عطَّف الله عليه قلب جده عبد المطلب، فما زال يكفله خير كفالة حتى توفي، والنبي ﷺ يومئذ في السنة الثامنة، فكفله عمه أبو طالب بوصية من عبد المطلب، فكان به حفيًا شديد العناية

стр. 14873

بأمره، وما زال يتعهده حتى كبر وترعرع حتى أرسله الله رسولًا، فقام يؤازره وينصره ويدفع عنه أذى قريش حتى مات، فاستطاعت قريش أن تنال منه، وتجرأ عليه سفهاؤهم، وسلطوا عليه غلمانهم حتى اضطروه إلى الهجرة، ولو تدبر (١) المنصف في رعاية الله له وحياطته بحفظه وحسن تنشئته .. لوجد من ذلك العجب، فقد كان اليتم وحده مدعاة إلى المضيعة وفساد الخلق؛ لقلة من يحفل باليتيم ويحرص عليه، وكان في خلق أهل مكة وعاداتهم ما فيه الكفاية في إضلاله لو أنه سار سيرتهم، لكن عناية الله تعالى كانت ترعاه، وتمنعه السير على نهجهم، فكان الوفي الذي لا يمين والأمين الذي لا يخون والصادق الذي لا يكذب والطاهر الذي لم يدنس برجس الجاهلية. ٧ - وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ معطوف (٢) على المضارع المنفي، وقيل: هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله كما ذكرنا؛ أي: قد وجدك يتيمًا فآوى، ووجدك ضالًا فهدى، والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وكما في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ والمعنى: إنه وجدك غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة فهداك إليه، واختار هذا الزجاج، وقيل: معنى ﴿ضَالًّا﴾ لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك، وقال الكلبي والسدي والفراء: وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله بك، وقيل: وجدك ضالًا، أي: طالبًا للقبلة، فهداك إليها، كما في قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ويكون الضلال بمعنى الطلب، وقيل: وجدك ضائعًا في قومك فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى الضياع، وقيل: وجدك محبًا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر: عَجَبًا لِعَزَّةَ فِيْ اخْتِيَارِ قَطِيْعَتِيْ ... بَعْدَ الضَّلَالِ فَحَبْلُهَا قَدْ أَخْلَقَا وقيل: وجدك ضالًا في شعاب مكة فهداك؛ أي: ردك إلى جدك عبد المطلب، وعن ابن عباس (٣) ﵄ أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة حال صباه، وكان عبد المطلب يطلبه، ويقول متعلقًا بأستار الكعبة:

стр. 14874

يَا رَبِّ فَارْدُدْ وَلَدِيْ مُحَمَّدَا ... رَدًّا إِلَيَّ وَاصْطَنِعْ عِنْدِيْ يَدَا فوجده أبو جهل، فرده إلى عبد المطلب، فمن الله عليه حيث خلصه على يدي عدوه، فكان في ذلك نظير موسى ﵇ حيث التقط فرعون تابوته، ليكون له عدوًا وحزنًا، فما زال عبد المطلب يكرر هذا البيت عند الكعبة حتى أتاه أبو جهل على ناقة له ومحمد بين يديه، وهو يقول: لا تدري ماذا ترى من ابنك، فقال عبد المطلب: ولِمَ؟ قال: أنخت الناقة وأركبته من خلفي، فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة، وكانت تقول: يا أحمق هو الإِمام، فكيف يقوم خلف المقتدي، وقال سعيد بن المسيّب (١): خرج رسول الله ﷺ مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة مظلمة إذ جاء إبليس، فأخذ زمام ناقته، فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل ﵇، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورد رسول الله ﷺ إلى القافلة، فمنَّ الله عليه بذلك، وقيل: الضلال هنا بمعنى الحيرة، وذلك لأنه ﷺ كان يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه حتى هداه الله لدينه، وقال الجنيد: ووجدك متحيرًا في بيان ما أنزل الله إليك فهداك لبيانه، فهذا ما قيل في تفسير هذه الآية، ولا يُلتفت إلى قول من قال: إنه ﷺ كان قبل النبوة على ملة قومه، فهداه الله سبحانه إلى الإِسلام؛ لأن نبينا ﷺ ، وكذلك الأنبياء قبله منذ وُلدوا انتشؤوا على التوحيد والإيمان قبل النبوة وبعدها، وإنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده، ويدل على ذلك أن قريشًا عابوا النبي ﷺ ، ورموه بكل عيب سوى الشرك وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلًا؛ إذ لو كان فيه شيء من ذلك لما سكتوا عنه، ولنُقِل ذلك، فبرّأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيَّروه به من السحر والكهانة والجنون والشعر. ويؤيد هذا (٢): ما روي في قصة بحيرا الراهب حين استحلف النبي ﷺ باللات والعزى، وذلك حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام، فرأى بحيرا علامة النبوة فيه، وهو صبي، فاختبره بذلك، فقال له النبي ﷺ : "لا تسألني بهما، فوالله ما أبغضت شيئًا بغضهما" ويؤيده شرح صدره ﷺ في حال الصغر، واستخراج العلقة

стр. 14875

منه، وقول جبريل: هذا حظ الشيطان منك، وملأه حكمة وإيمانًا، وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾. وقال الزمخشري: ومن قال كان على أمر قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه كان على خلقهم من العلوم السمعية فنعم، وإن أراد أنه كان على دين قومه فمعاذ الله، والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ والله أعلم. والمعنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾؛ أي: ووجدك حائرًا مضطربًا في أمرك مع اعتقادك أن قومك ليسوا على بصيرة من أمرهم، فعبادتهم باطلة ومعتقداتهم فاسدة، وكان يفكر في دين اليهودية، ثم يرى اليهود أنفسهم ليسوا على حال خير من حال قومه؛ إذ بدلوا دينهم وخالفوا ما كان عليه رسولهم، فيبدو عليه الإعراض عنه، ثم يفكر في دين عيسى ﵇، فيرى النصارى على حال شر من حال اليهود، فيرجع عن التفكير فيه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف ما حوته تلك الأديان من الأحكام والشرائع، وأعظم أنواع حيرته ما كان يراه في العرب أنفسهم من سخف في العقائد، وضعف في البصائر باستيلاء الأوهام عليهم، وفساد أعمالهم وشؤمها في أحوالهم بتفرق الكلمة، وتفانيهم في سفك الدماء، والإشراف على الهلاك باستعباد الغرباء لهم، وتحكمهم فيهم، فالحبشة والفرس من جانب، والرومان من جانب آخر، فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم العادات فيهم، وأي الطرق ينبغي أن يُسلك في إيقاظهم من سباتهم. وقصارى ذلك: أنه كان في قرارة نفسه يعتقد أن قومه قد ضلوا سواء السبيل، وبدلوا دين أبيهم إبراهيم، وكانت حال أهل الأديان الأخرى ليست خيرًا من حالهم، لكن الإله الحكيم لم يتركه ونفسه، بل أنزل عليه الوحي يبين له أوضح السبل، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ٨ - ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾؛ أي: فقيرًا لا مال لك، يؤيده ما في مصحف عبد الله بن مسعود ﴿عديمًا﴾ يقال: عال يعيل عيلًا وعيلة إذا افتقر ﴿فأغنا﴾ ك بمال خديجة ﵂ من بما أفاء الله عليه من الغنائم، حتى كان ﷺ يهب المئة من الإبل، وفي الحديث: "جعل رزقي تحت ظل رمحي" ولكن في هذا المعنى الأخير نظر؛ لأن السورة مكية.

стр. 14876

والحكمة في جعله أولًا فقيرًا، ثم إغنائه: أنه لو كان متمولًا من أول الأمر .. لكان يسبق إلى بعض الأوهام أنه إنما وجد العز والغلبة بسبب المال، فلما علا كل العلو على الأغنياء والملوك .. عُلم أنه كان علوه من جهة الحق سبحانه، وقيل معناه: فأغنى قلبك وقنعك بما أعطاك. قال ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" ولذا قال الراغب: معنى فأغناك: أي: أزال عنك فقر النفس وجعل لك الغنى الأكبر، وهو المعني بقوله ﷺ : "الغنى غنى النفس" ثم المراد (١) من تعداد هذه النعم ليس الامتنان، بل تقوية قلبه ﷺ للاطمئنان بعد التوديع، وقرأ الجمهور (٢): ﴿عَائِلًا﴾؛ أي: فقيرًا. قال جرير: اللهُ نَزَّلَ فيْ الْكِتَابِ فَرِيْضَةً ... لابْنِ السَّبِيْلِ وَللْفَقِيْرِ الْعَائِلِ كرره لاختلاف اللفظ، وقرأ محمد بن السميفع واليماني: ﴿عَيَّلًا﴾ بفتح العين وتشديد الياء المكسورة على وزان سيد، ومنه قول أحيحة بن الجلاح: وَمَا يَدْرِيْ الْفَقِيْرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِيْ الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيْلُ والمعنى (٣): أي إنك كنت فقيرًا لم يترك لك والدك من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناك بما أجراه لك من الربح في التجارة، وبما وهبته لك خديجة من مالها. وخلاصة ما تقدم: أن من آواك في يتمك وهداك من ضلالك، وأغناك من فقرك لا يتركك في مستقبل أمرك، ٩ - وبعد أن بين نعمه السابقة، أوصاه باليتامى والفقراء شكرًا على هذه النعم، وأداء لحقها، فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿فَلَا تَقْهَر﴾ فالفاء الأولى للإفصاح، والثانية لربط جواب ﴿أما﴾ الشرطية، كما بيَّنَّاهما في شروحنا على الآجرومية؛ أي: إذا عرفت ما بينّاه لك من النعم المذكورة، وأردت القيام بشكرها، فأقول لك: لا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذلِله ولا تغلبه على ماله وحقه بوجه من وجوه القهر كائنًا ما كان، قال مجاهد: لا تحرك

стр. 14877

اليتيم فقد كنت يتيمًا وإن له ربًا ينصره، وقال الأخفش: لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك، وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في حق اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله ﷺ يُحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي به. وفي الحديث: "إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن، فيقول: من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده تحت الثرى، من أسكته - أي: أرضاه - فله الجنة" وروي أيضًا أنه ﷺ قال: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بأصبعه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وهو يشير باصبعيه، رواه البغوي بسنده. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَا تَقْهَر﴾ بالقاف، وقرأ ابن مسعود إبراهيم النخعي والشعبي والأشهب العقيلي: ﴿تكهر﴾ بالكاف بدل القاف، وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور، والعرب تعاقب بين القاف والكاف، وقال النحاس: إنما يقال: كهره إذا اشتد عليه وغلّظ، وقيل: القهر الغلبة، والكهر الزجر، وقيل: معنى ﴿فلا تكهر﴾ فلا تعبس في وجهه، والمعنى؛ أي: لا تقهر اليتيم ولا تستذله, بل ارفع نفسه بالأدب، وهذّبه بمكارم الأخلاق؛ ليكون عضوًا نافعًا في جماعتك، لا جرثومة فساد يتعدى أذاها إلى كل من يخالطها من أمتك، ومن ذاق مرارة لضيق في نفسه، فما أجدر أن يستشعرها في غيره، وقد كان ﷺ يتيمًا، فباعد الله عنه ذل اليتم، فآواه، فمن أولى منه بأن يكرم كل يتيم شكرًا لله تعالى على نعمته. ١٠ - ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ والمستعطي ﴿فَلَا تَنْهَرْ﴾؛ أي: فلا تزجره، لكن أعطه، أو رده ردًا جميلًا، والنهر والانتهار: الزجر بمغالظة؛ أي: لا تزجره، ولا تغلظ له القول، بل رده ردًا طيبًا، وهذا بمقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾. قال الواحدي (٢): قال المفسرون: يريد السائل على الباب يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينًا، قال قتادة: معناه رد السائل برحمة ولين، وقيل: المراد بالسائل: الذي يسأل عن الدِّين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، فيكون في مقابلة ﴿وَوَجَدَكَ

стр. 14878

ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾، و ﴿السَّائِلَ﴾ منصوب بـ ﴿تنهر﴾ كما أن ﴿الْيَتِيمَ﴾ منصوب بـ ﴿تقهر﴾، والتقدير: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. والآية بيّنة لجميع الخلق (١)؛ لأن كل واحد من الناس كان فقيرًا في الأصل، فإذا أنعم الله سبحانه عليه .. وجب عليه أن يعرف حق الفقراء، وقال بعضهم: الأولى حمل السائل على المعنى الأعم من أن يسأل المال، ويسأل عن العلم، فيكون التفصيل مطابقًا للتعديد، كما مرت الإشارة إليه آنفًا، فيجب إكرام طالب العلم وإنصافه بمطلوبه ولا يعبس في وجهه، ولا يُنهَر، ولا يُتلَقى بمكروه. وفي الحديث: "من كتم علمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار"، وهذا الوعيد يشمل حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها. ١١ - ولما ذكّره نعمه عليه في هذه السورة من جبر اليتم، والهدى بعد الضلالة، والإغناء بعد العيلة والفقر .. أمره أن يشكره على إنعامه عليه، فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ لأن تحديث العبد، وإخباره بنعمة الله تعالى شكر لها باللسان وتذكير للغير. وفي الحديث: "التحدث بالنعم شكر" والمراد بتحديثها إظهارها للناس وإشهارها بينهم، والظاهر (٢) حمل النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، من نوع من أنواعها، وقال مجاهد والكلبي: المراد بالنعمة هنا القرآن، وقال الكلبي: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يقرأه، قال الفراء: وكان يقرؤه ويحدثه به، وقال مجاهد أيضًا: المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله، واختار الزجاج هذا القول، فقال: أي: بلِّغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله تعالى، وهي أجل النعم، فحينئذ فقد إندرج تحت الأمر هدايته ﷺ لأهل الضلال، وتعليمه للشرائع والأحكام حسبما هداه الله وعلّمه من الكتاب والحكمة، وقال مقاتل: يعني: اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدى بعد الضلال، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكرها وحدث بها للناس؛ لأن التحدث بنعمة الله شكر وكتمانها كفر. وهذا الثالث بمقابلة الثاني (٣)، وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ آخره

стр. 14879

لمراعاة الفواصل، ولأن التحلية وهو التحدث بنعمة الله بعد التخلية، وهو ﴿لا تقهر﴾ و ﴿لا تنهر﴾، وكرر أما؛ لوقوعها في مقابلة ثلاث آيات. قال في "الكواشي": رأى بعض العلماء التحدث بنعمة الله من الطاعات، مع أمن الرياء، وغائلة النفس، وطلب الاقتداء به، وكرهه بعضهم خوف الفتنة، وفي "عين المعاني" أنه ﷺ قال: "التحدث بالنعم شكر وتركه كفر"، وأما الحديث الآخر: "عليكم بكتمان النعم، فإن كل ذي نعمة محسود" يعني: عن الحسود لا غير، وفي "الأشباه": (س) أي رجل ينبغي له إخفاء إخراج الزكاة عن بعض دون بعض؟. (ج) فقيل: المريض إذا خاف من ورثته يخرجها سرًا عنهم. (س) وأي رجل يُستحب له إخفاؤها؟. (ج) فقيل: الخائف من الظلمة، لا يعلمون كثرة ماله. وقال ابن عطية في الآية: حدِّث به نفسك؛ أي: لا تنس فضله عليك قديمًا وحديثًا. وخلاصة معنى قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي: أوسع (١) في البذل على الفقراء بمالك، وأفض من نعمه الأخرى على طالبيها, وليس المراد مجرد ذكر الثروة والإفاضة في حديثها، فإن ذلك ليس من كرم الأخلاق في شىء. وقد جرت عادة البخلاء أن يكتموا مالهم؛ لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، ولا تجدهم إلا شاكِين من القل، أما الكرماء فلا يزالو يظهرون بالبذل مما آتاهم الله تعالى من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه، وقد استفاضت الأحاديث بأنه ﷺ كان كثير الإنفاق على الفقراء، وعظيم الرأفة بهم، واسع الإحسان إليهم، وكان يتصدق بكل ما يدخل في ملكه ويبيت طاويًا. نبذة من الأحاديث المناسبة للآية منها: ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أُعطي عطاء فليُجْزِ به إن وجد، فإن لم يجد فليثن عليه، فإن أثنى عليه فقد

стр. 14880

شكره، ومن كتمه فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور" أخرجه الترمذي، وله عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله". وله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعم الشاكر بمنزله الصائم الصابر". وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النعمان بن بشير قال: قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب". فائدة: والسنة في قراءة أهل مكة أن يكبر من أول سورة الضحى على رأس كل سورة حتى يختم القرآن، فيقول: الله أكبر، وسبب ذلك أن الوحي لما احتبس عن رسول الله ﷺ .. قال المشركون: هجره شيطانه وودعه، فاغتم النبي ﷺ لذلك، فلما نزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ .. كبر رسول الله ﷺ فرحًا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة، والله أعلم. الإعراب ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾. ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الضحى﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بالضحى، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَاللَّيْلِ﴾: معطوف على ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، وأجاز ابن هشام أن تكون ﴿الواو﴾ في ﴿وَاللَّيْلِ﴾ عاطفة، من قسمية، قال: والصواب الأول، وإلا لاحتاج كل إلى الجواب. ﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بفعل القسم، وتقدمت لها نظائر، وجملة ﴿سَجَى﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وفاعل ﴿سَجَى﴾: ضمير يعود إلى ﴿الليل﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿وَدَّعَكَ﴾: فعل ماض ومفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿قَلَى﴾: فعل ماض، وفاعل
следующие страницы →