والحكمة في جعله أولًا فقيرًا، ثم إغنائه: أنه لو كان متمولًا من أول الأمر .. لكان يسبق إلى بعض الأوهام أنه إنما وجد العز والغلبة بسبب المال، فلما علا كل العلو على الأغنياء والملوك .. عُلم أنه كان علوه من جهة الحق سبحانه، وقيل معناه: فأغنى قلبك وقنعك بما أعطاك.
قال ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" ولذا قال الراغب: معنى فأغناك: أي: أزال عنك فقر النفس وجعل لك الغنى الأكبر، وهو المعني بقوله ﷺ : "الغنى غنى النفس" ثم المراد (١) من تعداد هذه النعم ليس الامتنان، بل تقوية قلبه ﷺ للاطمئنان بعد التوديع، وقرأ الجمهور (٢): ﴿عَائِلًا﴾؛ أي: فقيرًا.
قال جرير:
اللهُ نَزَّلَ فيْ الْكِتَابِ فَرِيْضَةً ... لابْنِ السَّبِيْلِ وَللْفَقِيْرِ الْعَائِلِ
كرره لاختلاف اللفظ، وقرأ محمد بن السميفع واليماني: ﴿عَيَّلًا﴾ بفتح العين وتشديد الياء المكسورة على وزان سيد، ومنه قول أحيحة بن الجلاح:
وَمَا يَدْرِيْ الْفَقِيْرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِيْ الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيْلُ
والمعنى (٣): أي إنك كنت فقيرًا لم يترك لك والدك من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناك بما أجراه لك من الربح في التجارة، وبما وهبته لك خديجة من مالها.
وخلاصة ما تقدم: أن من آواك في يتمك وهداك من ضلالك، وأغناك من فقرك لا يتركك في مستقبل أمرك،
٩ - وبعد أن بين نعمه السابقة، أوصاه باليتامى والفقراء شكرًا على هذه النعم، وأداء لحقها، فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿فَلَا تَقْهَر﴾ فالفاء الأولى للإفصاح، والثانية لربط جواب ﴿أما﴾ الشرطية، كما بيَّنَّاهما في شروحنا على الآجرومية؛ أي: إذا عرفت ما بينّاه لك من النعم المذكورة، وأردت القيام بشكرها، فأقول لك: لا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذلِله ولا تغلبه على ماله وحقه بوجه من وجوه القهر كائنًا ما كان، قال مجاهد: لا تحرك
стр. 14877
اليتيم فقد كنت يتيمًا وإن له ربًا ينصره، وقال الأخفش: لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك، وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في حق اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله ﷺ يُحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي به.
وفي الحديث: "إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن، فيقول: من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده تحت الثرى، من أسكته - أي: أرضاه - فله الجنة" وروي أيضًا أنه ﷺ قال: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بأصبعه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وهو يشير باصبعيه، رواه البغوي بسنده.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَا تَقْهَر﴾ بالقاف، وقرأ ابن مسعود إبراهيم النخعي والشعبي والأشهب العقيلي: ﴿تكهر﴾ بالكاف بدل القاف، وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور، والعرب تعاقب بين القاف والكاف، وقال النحاس: إنما يقال: كهره إذا اشتد عليه وغلّظ، وقيل: القهر الغلبة، والكهر الزجر، وقيل: معنى ﴿فلا تكهر﴾ فلا تعبس في وجهه، والمعنى؛ أي: لا تقهر اليتيم ولا تستذله, بل ارفع نفسه بالأدب، وهذّبه بمكارم الأخلاق؛ ليكون عضوًا نافعًا في جماعتك، لا جرثومة فساد يتعدى أذاها إلى كل من يخالطها من أمتك، ومن ذاق مرارة لضيق في نفسه، فما أجدر أن يستشعرها في غيره، وقد كان ﷺ يتيمًا، فباعد الله عنه ذل اليتم، فآواه، فمن أولى منه بأن يكرم كل يتيم شكرًا لله تعالى على نعمته.
١٠ - ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ والمستعطي ﴿فَلَا تَنْهَرْ﴾؛ أي: فلا تزجره، لكن أعطه، أو رده ردًا جميلًا، والنهر والانتهار: الزجر بمغالظة؛ أي: لا تزجره، ولا تغلظ له القول، بل رده ردًا طيبًا، وهذا بمقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾.
قال الواحدي (٢): قال المفسرون: يريد السائل على الباب يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينًا، قال قتادة: معناه رد السائل برحمة ولين، وقيل: المراد بالسائل: الذي يسأل عن الدِّين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، فيكون في مقابلة ﴿وَوَجَدَكَ
стр. 14878
ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾، و ﴿السَّائِلَ﴾ منصوب بـ ﴿تنهر﴾ كما أن ﴿الْيَتِيمَ﴾ منصوب بـ ﴿تقهر﴾، والتقدير: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل.
والآية بيّنة لجميع الخلق (١)؛ لأن كل واحد من الناس كان فقيرًا في الأصل، فإذا أنعم الله سبحانه عليه .. وجب عليه أن يعرف حق الفقراء، وقال بعضهم: الأولى حمل السائل على المعنى الأعم من أن يسأل المال، ويسأل عن العلم، فيكون التفصيل مطابقًا للتعديد، كما مرت الإشارة إليه آنفًا، فيجب إكرام طالب العلم وإنصافه بمطلوبه ولا يعبس في وجهه، ولا يُنهَر، ولا يُتلَقى بمكروه.
وفي الحديث: "من كتم علمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار"، وهذا الوعيد يشمل حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها.
١١ - ولما ذكّره نعمه عليه في هذه السورة من جبر اليتم، والهدى بعد الضلالة، والإغناء بعد العيلة والفقر .. أمره أن يشكره على إنعامه عليه، فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ لأن تحديث العبد، وإخباره بنعمة الله تعالى شكر لها باللسان وتذكير للغير.
وفي الحديث: "التحدث بالنعم شكر" والمراد بتحديثها إظهارها للناس وإشهارها بينهم، والظاهر (٢) حمل النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، من نوع من أنواعها، وقال مجاهد والكلبي: المراد بالنعمة هنا القرآن، وقال الكلبي: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يقرأه، قال الفراء: وكان يقرؤه ويحدثه به، وقال مجاهد أيضًا: المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله، واختار الزجاج هذا القول، فقال: أي: بلِّغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله تعالى، وهي أجل النعم، فحينئذ فقد إندرج تحت الأمر هدايته ﷺ لأهل الضلال، وتعليمه للشرائع والأحكام حسبما هداه الله وعلّمه من الكتاب والحكمة، وقال مقاتل: يعني: اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدى بعد الضلال، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكرها وحدث بها للناس؛ لأن التحدث بنعمة الله شكر وكتمانها كفر.
وهذا الثالث بمقابلة الثاني (٣)، وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ آخره
стр. 14879
لمراعاة الفواصل، ولأن التحلية وهو التحدث بنعمة الله بعد التخلية، وهو ﴿لا تقهر﴾ و ﴿لا تنهر﴾، وكرر أما؛ لوقوعها في مقابلة ثلاث آيات.
قال في "الكواشي": رأى بعض العلماء التحدث بنعمة الله من الطاعات، مع أمن الرياء، وغائلة النفس، وطلب الاقتداء به، وكرهه بعضهم خوف الفتنة، وفي "عين المعاني" أنه ﷺ قال: "التحدث بالنعم شكر وتركه كفر"، وأما الحديث الآخر: "عليكم بكتمان النعم، فإن كل ذي نعمة محسود" يعني: عن الحسود لا غير، وفي "الأشباه":
(س) أي رجل ينبغي له إخفاء إخراج الزكاة عن بعض دون بعض؟.
(ج) فقيل: المريض إذا خاف من ورثته يخرجها سرًا عنهم.
(س) وأي رجل يُستحب له إخفاؤها؟.
(ج) فقيل: الخائف من الظلمة، لا يعلمون كثرة ماله. وقال ابن عطية في الآية: حدِّث به نفسك؛ أي: لا تنس فضله عليك قديمًا وحديثًا.
وخلاصة معنى قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾؛ أي: أوسع (١) في البذل على الفقراء بمالك، وأفض من نعمه الأخرى على طالبيها, وليس المراد مجرد ذكر الثروة والإفاضة في حديثها، فإن ذلك ليس من كرم الأخلاق في شىء.
وقد جرت عادة البخلاء أن يكتموا مالهم؛ لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، ولا تجدهم إلا شاكِين من القل، أما الكرماء فلا يزالو يظهرون بالبذل مما آتاهم الله تعالى من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه، وقد استفاضت الأحاديث بأنه ﷺ كان كثير الإنفاق على الفقراء، وعظيم الرأفة بهم، واسع الإحسان إليهم، وكان يتصدق بكل ما يدخل في ملكه ويبيت طاويًا.
نبذة من الأحاديث المناسبة للآية
منها: ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أُعطي عطاء فليُجْزِ به إن وجد، فإن لم يجد فليثن عليه، فإن أثنى عليه فقد
стр. 14880
شكره، ومن كتمه فقد كفر، ومن تحلى بما لم يُعط كان كلابس ثوبي زور" أخرجه الترمذي، وله عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
وله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعم الشاكر بمنزله الصائم الصابر".
وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النعمان بن بشير قال: قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".
فائدة: والسنة في قراءة أهل مكة أن يكبر من أول سورة الضحى على رأس كل سورة حتى يختم القرآن، فيقول: الله أكبر، وسبب ذلك أن الوحي لما احتبس عن رسول الله ﷺ .. قال المشركون: هجره شيطانه وودعه، فاغتم النبي ﷺ لذلك، فلما نزلت: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ .. كبر رسول الله ﷺ فرحًا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة، والله أعلم.
الإعراب
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾.
﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿الضحى﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بالضحى، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَاللَّيْلِ﴾: معطوف على ﴿وَالضُّحَى (١)﴾، وأجاز ابن هشام أن تكون ﴿الواو﴾ في ﴿وَاللَّيْلِ﴾ عاطفة، من قسمية، قال: والصواب الأول، وإلا لاحتاج كل إلى الجواب. ﴿إِذَا﴾: ظرف زمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بفعل القسم، وتقدمت لها نظائر، وجملة ﴿سَجَى﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، وفاعل ﴿سَجَى﴾: ضمير يعود إلى ﴿الليل﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿وَدَّعَكَ﴾: فعل ماض ومفعول به. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿قَلَى﴾: فعل ماض، وفاعل
стр. 14881
مستتر يعود على الرب، والمفعول محذوف لعلمه مما قبله، أي: وما قلاك، والجملة معطوفة على جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء مؤكِّدة لمضمون الجملة. ﴿الآخرة﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره، ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، وكذا ﴿مِنَ الْأُولَى﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ أيضًا، والجملة معطوفة على جملة القسم، أو على جوابها, أو مستأنفة. ﴿وَلَسَوْفَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء مؤكد لمضمون الجملة. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد. ﴿يُعْطِيكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به أول، والثاني محذوف معلوم من السياق تقديره: سوف يعطيك ترضاه. ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك ربك، والجملة الابتدائية معطوفة على جملة جواب القسم , وإنما لم تكن ﴿اللام﴾ للقسم؛ لأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد ,فتعيَّن أن تكون للابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة المكونة من المبتدأ والخبر، فتعيَّن تقدير مبتدأ، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة، وان تأخر لما في التأخير من المصلحة. ﴿فَتَرْضَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ترضى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعْطِيكَ﴾.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم ونفى. ﴿يَجِدْكَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله, تقديره: هو, و ﴿الكاف﴾: ضمير متصل في محل النصب مفعول أول. ﴿يَتِيمًا﴾: مفعول ثان, والجملة مستأنفة مسوقة لتعداد أياديه ونعمه عليه، والغرض من تعدادها كما تقدم تقوية قلبه ﷺ ، وتشجيعه على السير في طريقه التي إختارها الله له, وهى طريق محمودة العواقب سليمة المغابَّ. ﴿فَآوَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿آوَى﴾:فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ لأنه
стр. 14882
في تقدير الإثبات؛ لأن الاستفهام تقريري، والتقدير: ووجدك يتيمًا فآواك. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعولان، معطوف على قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾؛ لأنه في معنى الإثبات، كما مر آنفًا. ﴿فَهَدَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هدى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، ومفعولان، معطوف على قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾. ﴿فَأَغْنَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أغنى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾، والمفعول محذوف كسابقه؛ أي: فأغناك. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما أنعمنا به عليك من النعم المذكورة، وأردت بيان ما هو اللازم لك في المستقبل .. فأقول لك: ﴿أما اليتيم﴾ ﴿أما﴾: حرف شرط أبدًا وتفصيل غالبًا، نائبة عن أداة الشرط وفعله، والأصل مهما يكن من شيء، فأقول لك: لا تقهر اليتيم: حرف لا محل لها من الإعراب، مبني على سكون الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين ﴿الْيَتِيمَ﴾: مفعول به مقدم لـ ﴿تَقْهَرْ﴾؛ للفصل به بين ﴿أما﴾ وجوابها. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾؛ لأن أصل التركيب مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْهَرْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد مجزوم بـ ﴿لا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿أما﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أما﴾: حرف شرط. ﴿السَّائِلَ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَنْهَرْ﴾ ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَنْهَرْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة الفعلية جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى. ﴿وَأَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حَدِّثْ﴾، والفاء غير مانعة؛ لأنها بمثابة الزائدة. ﴿فَحَدِّثْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾، ﴿حدِّث﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾
стр. 14883
معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالضُّحَى (١)﴾: صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي أشعتها على هذا الكون، وفي "القاموس": والضَّحو والضَّحوة والضحية كعشية ارتفاع النهار، والضُّحى فويقه، والضَّحاء بالمد إذا قرب انتصاف النهار، وبالضم والقصر يطلق على الشمس أيضًا اهـ. وأصله: ضَحَوَ بوزن فعل تحرك حرف العلة وفتح ما قبله فقُلبت ألفًا.
﴿إِذَا سَجَى﴾؛ أي: سكن، يقال: سجا البحر يسجو سجوًا - من باب سما - إذا سكنت أمواجه، وليلة ساجية ساكنة الريح، والمراد إذا الأحياء فيه، وانقطعوا عن الحركة، وفيه إعلال بالقلب أصله: سَجَوَ واوي اللام، تحركت الواو وفُتح ما قبلها فقلبت ألفًا.
﴿مَا وَدَّعَكَ﴾: من التوديع، وهو مبالغة في الوَدْع، وهو الترك؛ أي: ما تركك ضائعًا بتأخير الوحي عنك، وقرىء بالتخفيف من قولهم: ودعه إذا تركه، واختُلف في دع بمعنى الترك هل يتصرف، فيأتي منه الماضي وغيره، أم لا؟ قال الجوهري: أميت ماضيه، وقال غيره: ربما جاء ماضيه في الضرورة، وهو المشهور.
قال الشاعر:
لَيْتَ شِعْرِيْ عَنْ خَلِيْلِيْ مَا الَّذِيْ ... غَالَة فِىْ الْحُبَّ حَتَّى وَدَعَهْ
ومنه قوله تعالى: ﴿ما وَدَعَك ربك﴾ على قراءة التخفيف، وجا منه المصدر، ومنه الحديث: "ولينتهن أقوام عن وَدْعِهم الجمعات"؛ أي: عن تركهم إياها، وجاء منه اسم المفعول وغيره في الشعر، والأصح القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة.
﴿وَمَا قَلَى﴾؛ أي: وما أبغضك، فالمفعول محذوف كما مر، وفى "المصباح": قليته قليًا، وقلوته قلوًا من بابي: ضرب وقتل، وهو الإنضاج في المِقلى، وهي: مِفعَل بالكسر، وقد يقال: مِقلاة بالهاء، واللحم وغيره مَقِلي بالياء، ومقلو بالواو،
والفاعل: قَلّاء بالتشديد؛ لأنه صنعة كالعطار والنجار، وقليت الرجل أقليه - من باب رمى - قلى بالكسر والقصر، وقد يمد إذا أبغضته، ومن باب تعب لغة، وقال
стр. 14884
بن خالويه يقال: قلاه يقلاه بفتح الماضي والمستقبل، وليس في كلام العرب فعل يفتح فيه الماضي والمستقبل مما ليس فيه حرف من حروف الحلق إلا قلى يقلى، وأبى يأبى مثلًا.
فقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: قَلَوَ أو قَلَيَ بوزن فعل، قلُبت الواو من الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿فَتَرْضَى﴾ أصله: تَرْضَيُ بوزن تفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿فَآوَى﴾ قرأ العامة: ﴿آوى﴾ بألف بعد الهمزة رباعيًا، من آواه يؤويه إيواء، وقرأ أبو الأشهب: ﴿فَآوَى﴾ ثلاثيًا، وفي "المصباح": أوى إلى منزله يأوي - من باب ضرب - أويًا، أقام، وربما عُدِّي بنفسه، فقيل: أوى منزلَه، والمأوى بفتح الواو لكل حيوان مسكنه، وآويت زيدًا بالمد، في التعدي، ومنهم من يجعله مما يستعمل لازمًا ومتعديًا، فيقول: أويته وزان ضربته، ومنهم من يستعمل الرباعي لازمًا أيضًا، ورده جماعة.
وأصل ﴿فَآوَى﴾ أأوى بوزن: أفعل، أُبدلت الهمزة الثانية ألفًا حرف مد مجانسًا لحركة الأولى، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أصله: ضالِلًا اسم فاعل، أُدغمت اللام الأولى في الثانية.
﴿فَهَدَى﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: هَدَيَ بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾: فيه إعلال بالإبدال، أصله: عايلًا، أبدلت الياء همزةً في الوصف حملًا له على فعله في الإعلال.
﴿فَأَغْنَى﴾ أصله: أَغْنَيَ بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
﴿السَّائِلَ﴾: اسم فاعل من سأل الثلاثي بوزن فعل، وقوله: أيضًا ﴿عَائِلًا﴾ من عال زيد من باب: سار؛ أي: افتقر، وأعال زيد إذا كثرت عياله، وهذه المادة لها أصلان: واوي ويائي، أما الواوي، فقد قال في "القاموس": فيه عال - أي: جار ومال عن الحق، وعال الميزان نقص وجار، أو زاد - يعول ويعيل، وعال أمرهم: اشتد وتفاقم، وعال الشيء فلانًا إذا غلبه وثقل عليه وأهمه، وعالت الفريضة في
стр. 14885
الحساب: زادت وارتفعت إلى آخر ما ذكره، وأما اليائي، فقد قال صاحب "القاموس": وعال يعيل عيلًا وعيلة وعيولًا ومعيلًا إذا افتقر، فهو عائل، والجمع عالة وعُيُل وعَيْلَى، كسكرى، والاسم العيلة، والمعيل الأسد والنمر والذئب؛ لأنه يعيل صيدًا؛ أي: يلتمس، وعالني الشيء عيلًا ومعيلًا أعوزني، وفي مشيه تمايل واختالّ وتبختر كتعيّل، إلى آخر ما جاء في هذه المادة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان البديع:
فمنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿إِذَا سَجَى﴾؛ أي: سكن أهله، ففيه إسناد الفعل إلى زمانه، كنهاره صائم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾؛ لأن التوديع حقيقة في تشييع المسافر، فاستعمله هنا على طريق الاستعارة التصريحية التبعية بجامع القطع والفرقة في كل.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾؛ أي: وما قلاك، وكذا قوله: ﴿فَهَدَى﴾ ﴿فَأَغْنَى﴾، فحذف المفعول لعلمه من المقام.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾؛ لأن المراد بـ ﴿الْأُولَى﴾: الدنيا، وهي تطابق ﴿الآخرة﴾.
ومنها: الجمع بين لام الابتداء وحرف التنفيس في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾؛ للدلالة على أن الإعطاء كائن لا محالة، وإن تراخى لحكمة، يعني: أن لام الابتداء لما تجردت للدلالة على التأكيد، وكانت السين تدل على التأخير والتنفيس .. حصل من اجتماعهما أن العطاء المتأخر لحكمة كائن لا محالة، وكانت اللام لتأكيد الحكم المقترن بالاستقبال.
ومنها: حذف المفعول الثاني لأعطى؛ للدلالة على التعميم والتفخيم؛ أي: كل ما ترضى في الدنيا والآخرة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ شبه
стр. 14886
الشريعة بالهدى، وعدم وجودها بالضلال، وحذف المشبه، وأبقى المشبه به وهو الضلال، من ضل في طريقه إذا سلك طريقًا غير موصلة لمقصده، والمقصد هنا العلوم النافعة التي تسمو بالعقل والروح معًا.
ومنها: الالتزام، من لزوم ما لا يلزم في قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ فقد لزمت الهاء قبل الراء في هاتين الفاصلتين، وفيه أيضًا الجناس الناقص بين الفاصلتين؛ لاختلاف الحرف الثاني في الكلمتين.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بالصواب، وإليه الرجعى والمآب.
* * *
стр. 14887
مقاصد هذه السورة الكريمة
اشتملت هذه السورة على أربعة مقاصد:
١ - أن الله ما قَلَى رسوله ولا تركه.
٢ - وعد رسوله بأنه سيكون في مستأنَف أمره خيرًا من ماضيه.
٣ - تذكيره بنعمه عليه فيما مضى، وأنه سيواليها عليه.
٤ - طلب الشكر منه على هذه النعم (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14888
سورة الشرح
سورة الشرح مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة الضحى، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ نزلت بمكة، وزاد بعد الضحى.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ألم نشرح بمكة، وآياتها (١): ثمان، وكلماتها تسع وعشرون كلمة، وحروفها: مئة وثلاثة أحرف.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها: ظاهرة؛ لأنها شديدة الاتصال بما قبلها؛ لكونهما نزلتا في تعداد النعم على الرسول ﷺ ، حتى روي (٢) عن طاووس وعمر بن عبد العزيز: أنهما كانا يقولان: هما سورة واحدة، وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة، وما كانا يفصلان بينهما بالبسملة، ولكن المتواتر كونهما سورتين، وإن كانتا متصلتين معنى؛ إذ في كل منهما تعداد النعم وطلب الشكر عليها.
وعبارة "الجمل": ولما ذكر الله تعالى بعض النعم عليه ﷺ بقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ...﴾ إلخ .. أتبعه بما هو كالتتمة له، وهو شرح الصدر المذكور في هذه السورة. انتهى. وسميت الشرح؛ لذكر الشرح في أولها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الشرح كلها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
ومن فضلها (٣): ما روي عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة ألم نشرح .. فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني" ولكن لا أصل له.
والله أعلم
* * *
стр. 14889
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.
المناسبة
قد تقدم بيان مناسبة هذه السورة لما قبلها آنفًا، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ إلى آخر السورة، مناسبته لما قبله: أن الله لما أبان بعض نعمه على رسوله من شرح الصدر ووضع الوزر، ورفع الذكر بعد استحكام الكرب وضيق الأمر .. ذكر أن ذلك قد وقع على ما جرت به سنته في خلقه من إحداث اليسر بعد العسر، وأكد هذا بإعادة القضية نفسها مؤكدة؛ لقصد تقريرها في النفوس، وتمكينها في القلوب.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ونوسع ﴿لَكَ﴾ يا محمد ﴿صَدْرَكَ﴾ وقلبك لحمل أعباء النبوة وحفظ الوحي؛ أي: قد شرحنا صدرك يا محمد لحفظ الوحي وتبليغ الرسالة، فالهمزة للاستفهام التقريري؛ لأن (١) نفي النفي إثبات؛ أي: عدم شرحنا لك صدرك منفي، بل قد شرحنا لك صدرك ووسَّعناه لأعباء الرسالة حتى اتصف بمَلَكَتَيْ الاستفادة والإفادة، فما صَدَّك الملابسةُ بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية، وما عاقك التعلق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق؛ أي: لم تحتجب، لا بالحق عن الخلق، ولا بالخلق عن الحق، قال الراغب: الشرح بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم إذا بسطته، وفصلت بعضه عن بعض، ومنه شرح الصدر بنور إلهي وسكينة من جهة الله تعالى، ورَوْح منه، وشرح المشكل من الكلام بسطه وإظهار ما يخفى من معانيه. انتهى.
стр. 14890
وفي الحديث: "إذا دخل النور في القلب انشرح"؛ أي: انفسح واحتمل البلاء، وحفظ سر الربوبية، كما قال موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾؛ أي: وسع قلبي حتى لا يضيق بسفاهة المعاندين ولجاجهم، بل يحتمل أذاهم، والصدر: ما بين النحر والبطن، والمراد هنا القلب، من إطلاق المحل وإرادة الحال، والحكمة في زيادة ﴿لَكَ﴾ الإيذان بأن الشرح من منافعه ومصالحه ﵇، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك، لا لأجلي، وإنما خص (١) الصدر؛ لأنه محل أحوال النفس من العلوم والإدراكات.
والمراد من الآية: الامتنان عليه ﷺ بفتح صدره، وتوسيعه حتى قام بما قام به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي.
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى انفساح قلبه بنور النبوة، وحمل همومها بواسطة دعوة الثقلين، وانشراح صدر سره بضياء الرسالة، واحتمال مكاره الكفار وأهل النفاق، وانبساط صدر نوره بأشعة الولاية، وتحققه بالعلوم اللدنية، والحكم الإلهية، والمعارف الربانية، والحقائق الرحمانية.
وأما شرح الصدر الصوري، فقد وقع مرارًا: مرة وهو ابن خمس، أو ست لإخراج مغمز الشيطان؛ وهو الدم الأسود الذي به يميل القلب إلى المعاصي، ويعرض عن الطاعة، ومرة عند ابتداء الوحي، ومرة ليلة المعراج.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿نَشْرَحْ﴾ بجزم الحاء لدخول الجازم، وقرأ أبو جعفر: بفتحها وخرجه ابن عطية في كتابه على أنه: ألم نشرحن، فأبدل من النون ألفًا، ثم حذفها تخفيفًا، ولهذه القراءة تخريج أحسن من هذا كله، وهو أنه لغة لبعض العرب حكاها اللحياني في "نوادره" وهي الجزم بلن، والنصسب بلم، عكس الاستعمال المعروف عند الناس، وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن أبي عبيد، وهو القائم بثأر الحسين بن علي ﵄:
قَدْ كَانَ سَمْكُ الْهُدَى يَنْهَدُّ قَائِمُهُ ... حَتَّى أُتِيْحَ لَهُ الْمُخْتَارُ فَانْعَمَدَا
فِيْ كُلِّ مَا هَمَّ أَمْضَى رَأْيَهُ قُدُمًا ... وَلَمْ يُشَاوِرَ فِيْ إِقْدَامِهِ أَحَدَا
стр. 14891
بنصب يشاور، وهذا محتمل للتخريجين، وهو أحسن مما تقدم اهـ من "البحر" بتصرف.
وعلى كل حال، فقراءة هذا الرجل مع شدة جوره ومزيد ظلمه، وكثرة جبروته، وقلة علمه ليست بحقيقة بالاشتغال بها.
ومعنى الآية: أي إنا (١) شرحنا لك صدرك، فأخرجناك من الحَيرة التي كنت تضيق بها ذرعًا بما كنت تلاقي من عناد قومك، واستكبارهم عن اتباع الحق، وكنت تتلمس الطريق لهدايتهم، فهُديت إلى الوسيلة التي تنقذهم بها من التهلكة، وتجنبهم الردى الذي كانوا مشرفين عليه.
وقصارى ذلك: أنا أذهبنا عن نفسك جميع الهموم حتى لا تقلق ولا تضجر، وجعلناك راضي النفس مطمئن الخاطر واثقًا من تأييد الله ونصره، عالمًا كل العلم أن الذي أرسلك لا يخذلك ولا يعين عليك عدوًا،
٢ - وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا﴾؛ أي: حططنا وأسقطنا ﴿عَنْكَ﴾ يا محمد ﴿وِزْرَكَ﴾؛ أي: حملك الثقيل، معطوف على ما تقدم، لا على لفظه؛ أي: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، نظير قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِيْنَ بُطُوْنَ رَاحِ
أي: أنتم خير من ركب المطايا وأندى الخ، والوزر (٢): الذنب؛ أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل: المعنى: حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وقوله: ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بـ ﴿وضعنا﴾، وتقديمه على المفعول الصريح؛ للقصد إلى تعجيل المسرة، والتشويق إلى المتأخر، وقد يُجعل قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، فيكون كقول القائل: رفعنا عنك مشفة الزيارة لمن لم يصدر عنه زيارة قط، على سبيل المبالغة في انتفاء الزيارة منه له،
٣ - ثم وصف هذا
стр. 14892
الوزر، فقال: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ﴾ وأثقل ﴿ظَهْرَكَ﴾، قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض؛ أي: صوت، وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل لسمع نقيض ظهره؛ أي: صوته، وأهل اللغة يقولون: أنقَضَ الحِمْلُ ظهر الناقة إذا سُمع له صرير؛ أي: صوت، قال قتادة: كان للنبي ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تُثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له، وكذا قال أبو عبيدة وغيره.
وعبارة "الروح" هنا: مُثِّل (١) به حاله ﷺ مما كان يثقل عليه، ويغمه من فرطاته قبل النبوة، من من عدم إحاطته بتفاصيل الأحكام والشرائع، ومن تهالكه على إسلام المعاندين من قومه وتلهفه، ووضعه عنه مغفرته، كما قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ وتعليم الشرائع، وتمهيد عذره بعد أن بلَّغ وبالغ اهـ.
وقرأ ابن مسعود (٢): ﴿وحللنا عنك وقرك﴾ ومعنى (٣) الآية؛ أي: حططنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة حتى تبلِّغها، فجعلنا التبليغ عليك سهلًا، ونفسك به مطمئنة راضية، ولو قوبلت بالإساءة ممن أرسلت إليهم، كما يرضى الرجل بالعمل لأبنائه ويهتم بهم، فالعبء مهما ثقل عليه يخففه ما يجيش بقلبه من العطف عليهم والحدب على راحتهم، ويتحمل الشدائد وهو راض بما يقاسي في سبيل حياطتهم وتنشئتهم.
٤ - ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته عنده، فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ بعنوان النبوة والرسالة وأحكامها، روى (٤) البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه سأل جبريل عن هذه الآية ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ قال: قال الله عن وجل: "إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي"، قال ابن عباس يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر، فلو أن عبدًا عَبَدَ الله وصدَّقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا ﷺ رسول الله .. لم ينتفع من ذلك بشيء وكان كافرًا، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
стр. 14893
وقال الضحاك: لا تُقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، وقال مجاهد: يريد التأذين، وقيل: المعنى: ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض، والظاهر (١) أن هذا الرفع، لذكره الذي امتن الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره ﷺ عن الله أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، وأمر الله بطاعته، كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وغير ذلك، وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السموات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وفيه يقول حسان بن ثابت ﵁:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللهِ مَشْهُوْرٌ يَلُوْحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الإِلهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِيْ الْخَمْسِ الْمُؤَذَّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُوْ الْعَرْشِ مَحْمُوْدٌ وَهَذَا محَمَّدُ
وقيل: رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به، والإقرار بفضله، وقيل: رفع ذكره بأن قرن اسمه باسمه في قوله: محمد رسول الله، وقيل غير ذلك مما جاء في القرآن وغيره من كتب الأنبياء،
٥ - ثم وعده باليسر والرخاء بعد الشدة والعناء، وذلك أنه ﷺ كان في شدة بمكة، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ والضيق والشدة التي فيها من جهاد المشركين وإيذائهم ﴿يُسْرًا﴾ ورخاء بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به؛ أي: إن مع الضيقة سعةً ومع الشدة رخاء، ومع الكرب فرحًا، وفي هذا وعد منه له ﷺ وللمؤمنين بأن كل عسير عليكم يتيسر، وكل شديد يهون، وكل صعب يلين، فاللام فيه للاستغراق، وتقرير لما قبله.
стр. 14894
قال في "الكشاف": فإن قلت: كيف تعلق قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ بما قبله؟
قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإِسلام؛ لافتقار أهله واحتقارهم، فذكَّره ما أنعم الله به من جلائل النعم، ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ ...﴾ إلخ، كأنه قيل: خولناك من جلائل النعم، فكن على ثقة بفضل الله ولطفه، فإن مع العسر يسرا كثيرًا. انتهى.
وفي كلمة ﴿مَعَ﴾ إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقارن للعسر، وإلا فالظاهر ذكر كلمة المعاقبة لا أداة المصاحبة؛ لأن الضدين لا يجتمعان، بل يتعاقبان، وقال بعضهم هي: معية امتزاج لا معية مقارنة ولا تعاقب، ولذلك كررها، فلولا وجود اليسر في العسر .. لم يبق عسر لعموم الهلاك، ولولا وجود العسر في اليسر. لم يبق يسر:
وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأَشْيَاءُ
ثم إن العسر يؤول كله إلى اليسر، فقد سبقت الرحمة الغضب، وذلك عناية من الله ، فإن ذلك قد يكون مصقلة وجلاء لقلوب الأكابر، وتوسعة لاستعدادهم، فتتسع لتجلي الأنوار والمعارف، وكما أن حظهم من الملائم أوفر، فكذلك غير الملائم، قال النبي ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل".
ولذلك قال الله تعالى: ﴿أدعوني أستجب لكم﴾، وقال ﷺ : "إن الله يحب الملحين في الدعاء"، وفي تعريف العسر وتنكير اليسر إشارة لطيفة إلى أن الدنيا دار العسر، فالعسر عند السامع معلوم معهود، واليسر مجهول مبهم.
٦ - ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريرًا وتأكيدًا، فقال مكررًا له بلفظه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾: إن (١) مع ذلك العسر المذكور سابقًا يسرًا آخر، لما تقرر من أنه إذا أُعيد المعرَّف يكون الثاني غير الأول، سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المُنكّر إذا أعيد، فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأول في
стр. 14895
الغالب، كقولك: كسبت درهمًا، فأنفقت درهمًا، فالثاني غير الأول، وإذا قلت: كسبت درهمًا فأنفقت الدرهم، فالثاني هو الأول، كما قال السيوطي في "عقود الجمان":
ثُمّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَهْ ... إِذَا أَتَتْ نَكِرَةً مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَتْ وَإنْ يُعَرَّفْ ثَانِيْ ... تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف، فكان عسرًا واحدًا، واليسر مكرر بلفظ التنكير، فكانا يسرين، فكأنه سبحانه قال: فإن مع العسر يسرًا إن مع ذلك العسر يسرًا آخر، قال الحسن: لما نزلت هذه الآية .. قال رسول الله ﷺ : "أبشروا فقد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين"، وقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه إنه لن يغلب عسر يسرين. وزيف أبو (١) علي الحسن بن يحيى الجرجاني هذا القول، وقال: قد تكلم الناس في قوله: لن يغلب عسر يسرين، فلم يحصل منه غير قولهم: إن العسر معرفة، واليسر نكرة، فواجب أن يكون عسر واحد ويسران، وهذا قول مدخول فيه معترض، فإنه إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفًا إن مع الفارس سيفًا، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدًا، والسيف اثنين، فمجاز قوله ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين" أن الله بعث نبيه ﷺ وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيَّره بذلك حتى قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فاغتم النبي ﷺ لذلك، وظن أن قومه إنما كذبوه لفقره، فعددَّ الله سبحانه نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى؛ ليسلَّيه بذلك عما خامره من الغم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾؛ أي: لا يحزنك الذي يقولون، فإن مع العسر الذي في الدنيا يسرًا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، وفتح عليه القرى القريبة، ووسَّع ذات يده حتى كان يُعطي المئين من الإبل، ويهب الهبة السنية، ثم ابتدأ فضلًا آخر من أمور الآخرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾، والدليل (٢) على ابتدائه تعنيه من الفاء والواو، وهذا وعد لجميع المؤمنين.
стр. 14896
والمعنى: أن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا؛ وهو ما ذكره في الآية الأولى، ويسر الآخرة؛ وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقوله: "لن يغلب عسر يسرين". أي: إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة، إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا، فأما يُسر الآخرة فدائم أبدًا غير زائل؛ أي: لا يجتمعان في الغلبة، فهو كقوله ﷺ : "شهرا عيد لا ينقصان"؛ أي: لا يجتمعان في النقص، قال القشيري: كنت يومًا في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت:
أَرَى الْمَوْتَ لِمَن أَصْبَحَ ... مَغْمُوْمًا لَهُ أَرْوَحْ
فلما جن الليل سمعت هاتفًا يهتف في الهواء:
أَلَا يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ الْـ ... لَذِيْ الْهَمُّ بِهِ بَرَّحْ
وَقَدْ أَنْشَدْتَ بَيْتًا لَمْ ... يَزَلْ في فِكْرِهِ يَسْبَحْ
إِذَا اشْتَدَّ بِكَ الْعُسْرُ ... فَفَكّرْ فِيْ أَلَمْ نَشْرَحْ
فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ... إِذَا أَبْصَرْتَهُ فَافْرَحْ
قال: فحفظت الأبيات ففرَّج الله عني، وقال إسحاق بن بهلول القاضي:
فَلَا تَيْأَسْ إِذَا أَعْسَرْتَ يَوْمًا ... فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِيْ دَهْرِ طَوِيْلِ
وَلَا تَظْنُنْ بِرَبَّكَ ظَنَّ سُوْءٍ ... فَإِنَّ الله أَوْلَى بِالْجَمِيْلِ
فَإِنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ يَسَارٌ ... وَقَوْلُ الله أَصْدَقُ كُلِّ قِيْلِ
وقال أحمد بن سليمان في المعنى:
تَوَقَّعْ لِعُسْرٍ دَهَاكَ سُرُوْرَا ... تَرَى الْعُسْرَ عَنْكَ بِيُسْرٍ تَسَرَّى
فَمَا الله يُخْلِفُ مِيْعَادَهُ ... وَقَدْ قَالَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا
وقال غيره:
وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... يَكُوْنُ وَرَاءَهَا فَرَجٌ قَرِيْبُ
وقرأ الجمهور: بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين، وقرأ يحيى بن
стр. 14897
وثاب وأبو جعفر وعيسى بضمها في الجميع.
وعبارة "المراغي" هنا: قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾؛ أي: وجعلناك على الشأن رفيع المنزلة عظيم القدر، وأي منزلة أرفع من النبوة التي منحكها الله سبحانه، وأي ذكر أنبه من أن يكون لك في كل طرف من أطراف المعمورة أتباع يمتثلون أوامرك، ويجتنبون نواهيك، ويرون طاعتك مغنمًا، ومعصيتك مغرمًا؟ وهل من فخار بعد ذكرك في كلمة الإيمان مع العلي الرحمن، وأي ذكر أرفع من ذكر من فرض الله على الناس الإقرار بنبوته، وجعل الاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته شرطًا في دخول جنته؟ هذا إلى أنه ﷺ أنقذ أممًا كثيرة من رق الأوهام، وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة الأولى من حرية العقل، والإرادة والإصابة في معرفة الحق، ومعرفة من يُقصَد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بإله واحد، بعد أن كانوا متفرقين طرائق قددًا، عُبَّاد أصنام وأوثان وشموس وأقمار، لا يجدون إلى الهدى سبيلًا، ولا للوصول إلى الحق طريقًا، فازاح عنهم تلك الغمة، وأنار لهم طريق الهدى والرشاد.
وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾؛ أي: فإن مع الضيق فرجًا، ومع قلة الوسائل إلى إدراك المطلوب مخرجًا إذا تدرع المرء بالصبر، وتوكل على ربه، ولقد كان هذا حال النبي ﷺ ، فإنه قد ضاق به الأمر في بادىء أمره قبل النبوة وبعدها؛ إذ تألب عليه قومه، لكن لم يثنه ذلك عن عزمه، ولم يفلل من حده، بل صبر على مكروههم، وألقى بنفسه في غمرات الدعوة متوكلًا على ربه محتسبًا نفسه عنده، راضيًا بكل ما يجد في هذا السبيل من أذى، ولم تزل هذه حاله حتى قيَّض الله له أنصارًا أُشرِبت قلوبهم حُبَّه، ومُلئت نفوسهم بالرغبة الصادقة في الدفاع عنه وعن دينه، ورأوا أن لا حياة لهم إلا بهدم أركان الشرك والوثنية، فاشتروا ما عند الله تعالى من جزيل الثواب بأرواحهم وأموالهم وأزواجهم، ثم كان منهم من قوَّض دعائم الأكاسرة، وأباد جيوش الأباطرة والقياصرة.
وقصارى ذلك: أنه مهما اشتد العسر وكانت النفس حريصة على الخروج منه، طالبة كشف شدته، مستعملة أجمل وسائل الفكر والنظر في الخلاص منه، معتصمة بالتوكل على ربها، فإنها ولا ريب ستخرج ظافرة مهما أقيم أمامها من عقبات، واعترضها من بلايا ومحن.
стр. 14898
وفي هذا: عبرة لرسوله ﷺ بأنه سيبدل حاله من الفقر إلى الغنى، ومن قلة الأعوان إلى كثرة الإخوان، ومن عداوة قومه إلى محبتهم إلى أشباه ذلك،
٧ - ولما (١) عدد الله سبحانه على نبيه ﷺ نعمه السالفة .. بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها، وأن لا يخفي وقتًا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى، فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من عبادة، أي عبادة كالصلاة والصوم والدعوة ﴿فَانْصَبْ﴾؛ أي: فأتعب نفسك بأخرى؛ أي: فأتبعها بعبادة أخرى، واجتهد فيها كالنوافل مما ذكر، والنَصَب - محركًا - التعب، قال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وقيل: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وقيل: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك، وقيل: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الاستغفار لك وللمؤمنين، قال الرازي: وبالجملة فالمراد: أن يواصل بين بعض العبادة وبعض آخر، وأن لا يخلِّي وقتًا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى اهـ.
وقال عمر بن الخطاب: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا سبهللًا، لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته، والسبهلل: الذي لا شيء معه، وقيل السبهلل: الباطل، وقال الحسن: إذا كنت صحيحًا فاجعل فراغك في العبادة، كما روي أن شريحًا مر برجلين يتصارعان، وآخر فارغ، فقال: ما أمر بهذا إنما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾، وقعود الرجل فارغًا من غير شغل، من اشتغاله بما لا يعنيه في دينه من دنياه من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة.
٨ - ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ ومالك أمرك وحده ﴿فَارْغَبْ﴾؛ أي: فتضرع وتذلل إليه راغبًا في الجنة راهبًا من النار، وقيل: اجعل رغبتك إلى الله تعالى في جميع أحوالك، لا إلى أحد سواه.
والمعنى: أنه يرغب إليه تعالى لا إلى غيره كائنًا من كان، فلا يطلب حاجاته إلا منه، ولا يعوِّل في جميع أموره إلا إليه.
стр. 14899
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَرَغْتَ﴾ بفتح الراء، وأبو السمال بكسرها، وهي لغة، قال الزمخشري: ليست بفصيحة، وقرأ الجمهور: ﴿فَانْصَبْ﴾ بسكون الباء خفيفة، وقرأ قوم: بشدها مفتوحة، أمر من الانصباب، وقرأ آخرون من الإمامية: ﴿فانصب﴾ بكسر الصاد، بمعنى: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب خليفة، قال في "الكشاف": ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة: أنه قرأ: ﴿فانصب﴾ بكسر الصاد؛ أي: فانصب عليًا للإمامة، ولو صح هذا للرافضة .. لصح للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمرًا بالنصب الذي هو بغض علي وعداوته اهـ.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم. انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿فَارْغَبْ﴾ أمرًا من رغب ثلاثيًا؛ أي: اصرف وجه الرغبات إليه تعالى، لا إلى سواه، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة: ﴿فرَغِّب﴾ أمر من: رغَّب المضعّف بشد الغين؛ أي: فرغِّب الناس إلى الله سبحانه، وشوِّقهم إلى ما عنده من الخير.
والمعنى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾؛ أي: فإذا فرغت من عمل فاتعب في مزاولة عمل آخر، فإنك ستجد في المثابرة لذة تقر بها عينك ويثلج لها صدرك، وفي هذا حث له ﷺ على المواظبة على العمل واستدامته. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾؛ أي: ولا ترغب في ثواب أعمالك وتثميرها إلا إلى ربك وحده، فإنه هو الحقيق بالتوجه إليه والضراعة له.
الإعراب
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿نَشْرَحْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿نَشْرَحْ﴾. ﴿صَدْرَكَ﴾: مفعول به. ﴿وَوَضَعْنَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وضعنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْكَ﴾: متعلق به. ﴿وِزْرَكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على
стр. 14900
جملة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ باعتبار المعنى؛ أي: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، كما مر ﴿الَّذِي﴾: صفة للوزر. ﴿أَنْقَضَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿ظَهْرَكَ﴾: مفعول به. لـ ﴿أَنْقَضَ﴾، وجملة ﴿أَنْقَضَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَرَفَعْنَا﴾: ﴿رفعنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ما قبله. ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿رفعنا﴾. ﴿ذِكْرَكَ﴾: مفعول به.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾.
﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: خوّلناك ما خوّلناك، فلا يخامرك البأس، فإن مع العسر يسرًا، ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿مَعَ﴾: ظرف بمعنى: بعد متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ ﴿إن﴾، وفي التعبير بـ ﴿مَعَ﴾ إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقارن للعسر. ﴿مَعَ﴾: مضاف. ﴿الْعُسْرِ﴾: مضاف إليه. ﴿يُسْرًا﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة عطف علة على معلول. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿مَعَ الْعُسْرِ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ مقدم. ﴿يُسْرًا﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة، لتقرير أن العسر متبوع بيسر، أو مكررة لتأكيد ما قبلها.
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.
﴿فَإِذَا﴾ الفاء: استئنافية، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما خولناك من النعم الجسام، وأردت بيان ما هو اللازم لك في الشكر .. فأقول لك: إذا فرغت إلخ ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط متعلق بالجواب. ﴿فَرَغْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَانْصَبْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿انصب﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿ارغب﴾، ولا تمنع الفاء من تعلقه به؛ لأنها فاء الربط، فهي كالزائدة. ﴿فَارْغَبْ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة، لتأكيد ربط الجواب، ﴿ارغب﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة الجواب لا محل لها.
стр. 14901
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قال الراغب: الشرح بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم وشرحته إذا بسطته، ومنه شرح الصدر بنور إلهي وسكينة من جهة الله تعالى وروح منه، والشرح أيضًا التوسعة، والعرب تطلق الصدر وتريد به القوة وعظيم المنة والمسرة وانبساط النفس، ويفخرون بذلك في مدائحهم من قبل أن سعة الصدر تُعطي الأحشاء فسحة للنمو والراحة، وإذا تم ذلك للمرء كان ذهنه حاضرًا لا يضيق ذرعًا بأمر.
﴿وِزْرَكَ﴾ والوزر: الحمل الثقيل أو الذنب.
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾؛ أي: أثقله، والظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض، أي: صوت خفي، وفي "القاموس": أنقض ظهرك أثقله حتى جعله نقضًا؛ أي: مهزولًا، من أثقله حتى سُمع نقيضه؛ أي: صوته، وفي "المختار": وأصل الإنقاض: صوت مثل النقر، وقال أبو حيان: وقال أهل اللغة: أنقض الحِمْلُ ظهر الناقة إذا سمعتَ له صريرًا من شدة الحمل، وسمعت نقيض المرجل؛ أي: صريره، قال عباس بن مرداس:
وَأَنْقَضَ ظَهْرِيْ مَا تَطَوَّيْتُ مِنْهُمُ ... وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنَا
وقال ابن خالويه: يقال أنقض ينقض إنقاضًا فهو منقض، ومعناه: أثقل ظهره اهـ، والنقض: الجمل المهزول، وجمعه: أنقاض.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ العسر: الفقر والضعف، وجهالة الصديق، وقوة العدو، وإنكار الجميل.
﴿فَانْصَبْ﴾؛ أي: فاتعب نفسك في العبادة، واجتهد في الدعاء شكرًا؛ لما أوليناك من النعم السالفة، ووعدناك من الآلاء الآتية، وبه ارتبطت الآية بما قبلها، ويجوز أن يقال: فإذا فرغت من تلقي الوحي، فانصب واتعب في تبليغه، وفي "المختار": ونَصِب بمعنى: تعب، وبابه طرب، وفيه أيضًا فرغ من الشغل من باب دخل، وفراغًا أيضًا، وفيه أيضًا رغب فيه، أراده، وبابه: طرب، ورغبة أيضًا، وارتغب فيه مثله، ورغب عنه لم يرده، ويقال: رَغَّبه فيه ترغيبًا، وأرغبه فيه أيضًا.
стр. 14902
﴿فَارْغَبْ﴾ أصل الرغبة: السعة في الشيء، يراد بها السعة في الإرادة، فإن قيل: رغب فيه وإليه يقتضي الحرص عليه، وإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرغبة عنه، والزهد فيه، وفي "القاموس": رغب فيه - كسمع - رغبًا، ويضم، رغبة أراده، وعنه لم يرده، وإليه رَغَبًا - محركة - ابتهل، من هو الضراعة والمسألة. والمعنى: فارغب بالسؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التقريري للامتنان والتذكير بنعم الرحمن في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ شبّه الذنوب يحمل ثقيل يرهق كأهل الإنسان، ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية، ونقول في تقرير هذه الاستعارة: شبه حاله بحال من آده الحمل، وكلله العرق، وبرح به الجهد، حتى إذا انحط عنه الحمل تنفس الصعداء، وانزاحت عنه الكروب والأهوال بجامع أن كلًا منهما مجهود مكروب مما يحمل يتبرم به ويتذمر منه، ويربو أن ينحط عن كاهله، ثم استعير التركيب الدال على حال المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية والقرينة حالية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿صَدْرَكَ﴾، أي: قلبك فإنه من إطلاق المحل وإرادة الحال، والعلاقة المحلية.
ومنها: زيادة ﴿لَكَ﴾، للإيذان بأن الشرح من منافعه ومصالحه ﷺ ؛ لأن بالشرح يحصل له الاستفادة والإفادة بالوحي.
ومنها: تقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ قصدًا إلى تعجيل المسرة له، وتشويقًا إلى المؤخر، وكذا يقال في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾.
ومنها: التنكير للتفخيم والتعظيم في قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ نكر اليسر
стр. 14903
للتعظيم، كأنه قال: يسرًا عظيمًا.
ومنها: الجناس الناقص بين لفظ ﴿اليسر﴾ و ﴿الْعُسْرِ﴾.
ومنها: تكرير الجملة في قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾؛ لتقرير معناها في النفوس، وتمكينها في القلوب، ويسمى هذا أيضًا الإطناب.
تتمة: وفي "زاده": قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ زاد لفظة ﴿لَكَ﴾ في ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾، وفي: ﴿رفعنا لك﴾، وزاد لفظة: ﴿عَنْكَ﴾ في: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ﴾، فأي فائدة في تقديم الزيادة على المفاعيل الثلاثة؟ والجواب: أن زيادتها مقدمة عليها تفيد إبهام المشروح والموضوع والمرفوع، ثم توضيحه والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 14904
خلاصة ما تضمنته هذه السورة من المقاصد
اشتملت هذه السورة الكريمة على أربعة مقاصد:
١ - تعداد ما أنعم به على رسوله من النعم.
٢ - وعده له بإزالة ما نزل به من الشدائد والمحن.
٣ - أمره بالمداومة على الأعمال الصالحة.
٤ - التوكل عليه وحده، والرغبة فيما عنده (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14905
سورة التين
سورة التين مكية في قول الأكثرين، نزلت بعد سورة البروج، وروى القرطبي عن ابن عباس أنها مدنية، ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة التين بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وآياتها: ثمان، وكلماتها: أربع وثلاثون، وحروفها: مئة وخمسة أحرف.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها: أنه تعالى ذكر في السورة السابقة حال أكمل خلق الله تعالى ﷺ ، وذكر هنا حال النوع الإنساني وما ينتهي إليه أمره من ضعف بعد قوة، وشيخوخة بعد شباب وفتوة، وما أعده الله من تمام نعمته لمن آمن بالله ورسوله، ودوامها واستمرارها، وعدم انقطاعها، وأجر المؤمنين موصول، وكرامتهم عند الله تعال محفوظة، وهم بإذن الله تعالى لا يخرفون ولا يهرمون، ولا يذهب عقل من كان عالمًا عاملًا منهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ومن فضائلها: ما أخرجه البخاري ومسلم، وأهل "السنن" وغيرهم عن البراء بن عازب قال: كان النبي ﷺ في سفر، فصلى العشاء، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمت أحدًا أحسنَ صوتًا ولا قراءة منه ﷺ .
وأخرج الخطيب عنه قال: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب، فقرأ بالتين والزيتون.
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"، وعبد بن حميد في "مسنده"، والطبراني عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ قرأ في المغرب: والتين والزيتون.
ومنها: ما أخرجه ابن قانع وابن السكين والشيرازي في "الألقاب" عن زرعة بن خليفة قال: أتيت النبي ﷺ من اليمامة، فعرض علينا الإِسلام فأسلمنا، فلما صلينا
стр. 14906
الغداة قرأ بالتين والزيتون، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، وسميت سورة التين؛ لبدايتها بلفظ التين.
الناسخ والمنسوخ: قال ابن حزم ﵀: سورة التين كلها محكمة إلا آية واحدة، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ نُسخ معناها بآية السيف.
والله أعلم
* * *
стр. 14907
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عن عباس ﵄ قال: هم نفر رُدوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله ﷺ فسُئل عنهم حين سفهت عقولهم، فأنزل الله سبحانه عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾؛ أي: أقسم بالتين، وبالزيتون على خلق الإنسان في أحسن تقويم، هما ثمران معلومان أقسم الله بهما لما فيهما من المنافع الكثيرة، والمصالح للعباد، وخصهما (١) من بين الثمار بالإقسام؛ لاختصاصهما بخواص جليلة، فإن التين فاكهة طيبة لا فضل له, وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع، يليِّن الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سدد الكبد والطحال.
وروى أبو ذر ﵁ أنه أُهدي للنبي ﷺ سل من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: "كلوا التين، فإنه يقطع البواسير"، وعن بعضهم: التين يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما كونه دواء، فلأنه سبب لإخراج فضلات البدن، وهو مأكول الظاهر والباطن دون غيره، كالجوز والتمر، والتين في النوم رجل غير جبار، ومن نالها في المنام نال مالًا، ومن أكلها منامًا رزقه الله تعالى أولادًا، وتستر آدم بورق التين حين فارق الجنة.
стр. 14908
قال في "خريدة العجائب": إذا نُثر رماد خشب التين في البساتين .. هلك منه الدود، ودخان التين يهرب منه البق والبعوض. انتهى. وفي "القسطلاني على البخاري": في تفسير سورة التين ما نصه: التين فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، وفيه دواء كثير النفع؛ لأنه يلين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن، ويقطع البواسير، وينفع من النقرس، ويشبه فواكه الجنة؛ لأنه بلا عجم، ولا يمكث في المعدة، ويخرج بطريق الرشح. انتهى.
قال الشهاب: ورمل المثانة بفتح الراء وسكون الميم، والمثانة مقر البول، ودملها مرض يستولي عليها، فيحجز البول عن الخروج بأجزاء دقيقة كالرمل يعسر معها البول، ويتأذى به الإنسان، فإن زاد صار حصاة انتهى.
وأما الزيتون: فهو فاكهة من وجه، ودواء من وجه، ويستصبح به، ومن رأى ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى اهـ. "رازي"، وقال بعضهم: الزيتون فاكهة، وإدام، ودواء، ولو لم يكن سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع مع حصوله في بقاع لا دهنية فيها كالجبال .. لكفى به فضلًا، وشجرته هي الشجرة المباركة المشهورة في التنزيل، ومر معاذ بن جبل ﵁ بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيبًا واستاك به، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "نعم سواك الزيتون، وهو سواكي وسواك الأنبياء من قبلي"، وشجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة.
ومن خواصّها (١): أنها تصبر عن الماء طويلًا كالنخل، وإذا لقط ثمرتها جنب فسدت، وألقت حملها وانتثر ورقها، وينبغي أن تُغرس في المدر لكثرة الغبار؛ لأن الغبار كلما علا على زيتونها .. زاد دسمه ونضجه، ورماد ورقها ينفع العين كحلًا، ويقوم مقام التوتيا في نفع العين، وفي الحديث؛ "عليكم بالزيت، فإنه يكشف المرة، ويذهب البلغم، ويشد العصب، ويمنع الغشي، ويحسن الخلق، ويطيب النفس، ويذهب الهم".
وعن ابن عباس ﵄: التين مسجد نوح ﵇ الذي بُنِي
стр. 14909
على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، وقال الضحاك: ﴿وَالتِّينِ﴾: المسجد الحرام، و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: المسجد الأقصى، وقال ابن زيد: و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: مسجد بيت المقدس، وقال قتادة: ﴿وَالتِّينِ﴾: الجبل الذي عليه دمشق، و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: الجبل الذي عليه بيت المقدس، وقال محمد بن كعب: ﴿وَالتِّين﴾ مسجد أصحاب الكهف، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: إلياء، وقال كعب الأحبار وقتادة أيضًا، وعكرمة وابن زيد أيضًا: ﴿وَالتِّينِ﴾: دمشق، و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: بيت المقدس، وهذا اختيار الطبري، قال الشوكاني (١): وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى الحقيقي المبنية على الخيالات التي لا ترجع إلى عقل، ولا إلى نقل؟ وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخِر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية، وقال الفراء: سمعت رجلًا من أهل الشام يقول ﴿وَالتِّينِ﴾: جبال ما بين حلوان إلى همدان، و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: جبال الشام، وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما: طور تينا، وطور زيتا بالسريانية، سميا بذلك؛ لأنهما ينبتان بهما اهـ "قرطبي"، وقيل: إنه على حذف مضاف؛ أي: وأقسم بمنابت التين والزيتون، قال النحاس: لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يحوز خلافة.
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَالتِّينِ﴾ أي: أقسم (٢) بعصر آدم أبي البشر الأول، وهو العهد الذي طلق فيه آدم وزوجه يخصفان عليهما من ورق الجنة. ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾؛أي: وأقسم بالزيتون عصر نوح ﵇ وذريته حينما أهلك الله من أهلك بالطوفان, وبعد أن بلغت الأرض الماء جاءته بعض الطيور حاملة ورقة من هذا الشجر فاستبشر, وعلم أن غضب الله قد سكت, وأذن للأرض أن تبتلع ماءها لتُعمر، ويسكنها الناس، ثم أرسى السفينة ونزل هو وأولاده، وعمروا الأرض.
وقصارى ذلك: أن التين والزيتون يذكران بهذين العصرين عصر آدم أبى البشر الأول، وعصر نوح أبي البشر الثاني. انتهى.
٢ - ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾؛ أي: وأقسم بجبل طور سينين، وهو (٣) الجبل الذي ناجى عليه موسى ﵇ ربه , قال الماوردي: ليس كل جبل يقال له طور
стр. 14910
إلا أن يكون فيه الأشجار والثمار، وإلا فهو جبل فقط، وسينين وسيناء عَلَمان للموضع الذي هو فيه، ولذلك أضيف إليهما، ومعنى ﴿سِينِينَ﴾: بالسريانية ذو الشجر، من حسن مبارك بلغة الحبشة، وقال مجاهد والكلبي: ﴿سِينِينَ﴾: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط، قال الأخفش: ﴿وَالتِّينِ﴾ جبل، و ﴿سِينِينَ﴾: شجر، واحدته: سينينة، وهو غريب جدًّا غير معروف عند أهل الصرف، قال أبو علي الفارسي: ﴿سِينِينَ﴾: فعليل، فكررت اللام التي هي نون فيه، ولم ينصرف ﴿سِينِينَ﴾ كما لم ينصرف سيناء؛ لأنه جُعل اسمًا للبقعة.
وفي "كشف الأسرار": أصل ﴿سِينِينَ﴾ سيناء بفتح السين وكسرها، وإنما قال هنا: ﴿سينين﴾؛ لأن تاج الآيات النون، كما قال في سورة الصافات: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١ ٣ ٠)﴾، وهو إلياس، فخُرّج على تاج آيات السورة، وإنما أقسم سبحانه بهذا الجبل؛ لأنه بالشام وهي الأرض المقدسة، كما في قوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم الله سبحانه لموسى ﵇، وقرأ الجمهور: ﴿سِينِينَ﴾ بكسر السين، وقرأ ابن أبي إسحاق وعمرو بن ميمون وأبو رجاء بفتحها، وهي لغة بكر وتميم، وقال الزمخشري: ونحو سينون بيرون في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب. انتهى.
وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والحسن وطلحة: ﴿سيناء﴾ بكسر السين والمد، وعمر أيضًا وزيد بن علي: بفتحها، والمد وهو لفظ سرياني اختلفت بها لغات العرب.
والإقسام (١) به تذكير بما كان عند ذلك الجبل من الآيات الباهرات التي ظهرت لموسى وقومه، وما كان بعد ذلك من إنزال التوراة عليه، وظهور نور التوحيد بعد أن تدنست جوانب الأرض بالوثنية، وما زال الأنبياء بعده يدعون أقوامهم إلى التمسك بهذه الشريعة، ثم عرضت لها البدع، فجاء عيسى مخلصًا لها مما أصابها،
٣ - ثم أصاب قومه ما أصاب الأمم قبلهم من الاختلاف في الدين حتى من الله على الناس بعهد النور المحمدي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾؛
стр. 14911
أي: وأقسم بهذا البلد الأمين الذي شرّفه الله تعالى بميلاد رسوله محمد ﷺ فيه، وكرَّمه بالبيت الحرام، وهو مكة المكرمة زادها الله تعالى شرفًا، ومعنى ﴿الْأَمِينِ﴾؛ أي: الآمن، فالأمين مبالغة آمن؛ أي: آمن من فيه، ومن دخله، وكل ما فيه من طير وحيوان وشجر جاهليه وإسلامًا، مِن قتلٍ وسبي واصطياد وقطع، كما يحفظ الأمين ما ائتُمن عليه، من أَمُن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول؛ أي: بمعنى المأمون فيه على الحذف والإيصال من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل والعاهات, كما وُصف بالأمن في قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ بمعنى ذي أمن, وفي الحديث: "من مات في أحد الحرمين بُعث يوم القيامة آمنًا" وفيه مقال.
وحكمة القسم بهذه الأشياء (١): الإبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين، فمنبت التين والزيتون: مهاجر إبراهيم ومولد عيسى، ومَنْشَؤُهما ﵉، والطُور: المكان الذي نودي فيه موسى ﵇، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه.
وخلاصة ما سلف: أن الله سبحانة أقسم بهذه العهود الأربعة التي كان لها أثر بارز في تاريخ البشر، وفيها أنقذ الناس من الظلمات إلى النور،
٤ - ثم ذكر المقسم عليه، فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: جنس الإنسان؛ لأن المراد بالإنسان الماهية من حيث هي الشاملة للمؤمن والكافر. ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وتعديل؛ أي: في أحسن صورة (٢)، فجعلناه مديد القامة حسن البزة, يتناول بيده ما يريد، لا كسائر الحيوان يتناول ما يريد بفيه، إلى أنه خصه بالعقل والتمييز والاستعداد لقبول العلوم والمعارف، واستنباط الحيل التي بها يستطيع أن يكون له السلطان على جميع الكائنات، وله من الحول والطول ما يستمد إلى كل شيء. لكن قد غفل عما ميز به وظن نفسه كسائر المخلوقات، وراح يعمل ما لا يبيحه له العقل ولا ترضى عنه الفطرة، وانطلق يتزود من متاع الدنيا والاستمتاع بشهواتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأعرض عن النظر فيما ينفعه في معاده، وما يرضي به ربه، وما يوصله إلى
стр. 14912
النعيم المقيم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ إلى آخر السورة؛ أي: خلقنا جنس الإنسان حال (١) كونه كائنًا في أحسن تقويم وتعديل، وقال الواحدي: قال المفسرون: إن الله خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قام إذا انتصب، وقام الأمر اعتدل، كما ستقام، وقومته، عدلته، كما في "القاموس"، والتقويم (٢): تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في التأليف والتعديل، وعن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة، فإنه حَكَى أنَّ مَلِك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة، فقال لها: إن لم تكوني أحسن من القمر، فأنت كذا، فأفتى كل العلماء بالحنث إلا يحيى بن أكثم قال: لا يحنث، فقالوا: خالفت شيوخك، فقال: الفتوى بالعلم، ولقد أفتى من هو أعلم منا، وهو الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، وسيأتي قريبًا بسط هذه القصة.
وفي "المفردات": هو إشارة إلى ما خص به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدال على استيلائه على كل ما في هذا العالم، والمعنى: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: كائنًا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث يراه تعالى مستوي القامة، متناسب الأعضاء، حسن الشكل، كما قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾؛ أي: صوركم أحسن تصوير. قال (٣) ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا مدبرًا حكيمًا، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته"؛ أي: على صفاته التي ذكرناها هنا. قلت: وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وعليه يدور معنى قوله ﷺ : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" فإن الإنسان مظهر الجلال والجمال والكمال.
وحاصل ما في هذا المقام: أنه أقسم بالأمور الأربعة السابقة
стр. 14913
على أنه خلق الإنسان، وقوَّمه أفضل تقويم، وركبه أحسن تركيب، وجعله في أحسن اعتدال، وأفضل قوام، وقطره أحسن فطرة نفسًا وبدنًا، وكرمه بالعقل الذي ساد به العوالم الأرضية، وأطلعه به على ما شاء الله سبحانه من العوالم السماوية حتى أوصله بحكمته تعالى وأمره إلى القمر، وجعله يطير في الفضاء، ويحلق في الأجواء، ويغوص في الماء، ويفعل العجائب والغرائب، كل ذلك بفضله تعالى، وفضل هذا العقل الذي ركبه فيه، وهو عجيب من عجائب خلق الله تعالى.
قصة وفتوى
ذكر أنه كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبًا جمًا، وقد خرج معها يومًا في ليلة مقمرة، فقال لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم تكوني أحسن من هذا القمر، فنهضت المرأة واحتجبت عنه، وقالت: لقد طلقتني، وبات زوجها بليلة كئيبة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى الخليفة المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعًا عظيمًا، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلًا واحدًا من أصحاب أبي حنيفة، وهو القاضي يحيى بن أكثم، فإنه كان ساكتًا، فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال: الرجل لم يطلق، ولم يحنث في يمينه، فقيل له خالفت شيوخك، فقال: الفتوى بالعلم، ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو الله تعالى، فإنه يقول عز من قائل عليم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك، ولا تعصيه، فما طلقك. ذكرها "القرطبي" و"الرازي" وغيرهما.
وهذا الفهم لهذه الآية مما يدل على أن الإنسان أحسن خلق الله باطنًا وظاهرًا جمال هيئة وبديع تركيب، قامته منتصبة، وصورته حسنة، وخواص الكائنات فيه مستجمعة، وقواه الباطنة تامة، وحواسه كافية، وأعضاء بطنه وعمله بما يحتاج إليه قائمة، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالَم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه، وفي هذا الإنسان قال الشاعر:
أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيْرُ ... وَفِيْكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ
٥ - ﴿ثُمَّ﴾ بعدما خلقناه في أحسن تقويم وتعديل، ﴿رَدَدْنَاهُ﴾ أي رددنا الإنسان
стр. 14914
المذكور وصيرناه وجعلناه ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي: أسفل من سفل في خلقه وصورته، وأضعف من ضعف في قوته وحيلته ورأيه؛ أي: جعلناه أضعف الضعفاء في القوة والعقل، فينقص عمله وأجره، بأن رددناه إلى أرذل العمر وأخسه، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي، فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من المفسرين.
قال الواحدي: والسافلون: هم الضعفاء والزمناء والأطفال، والشيخ الكبير يكون أسفل من هؤلاء. وقيل المعنى: ثم رددنا ذلك الإنسان بعدما خلقناه في أحسن تقويم، وجعلناه بسبب سوء فعاله واعتقاده أسفل سافلين؛ أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل؛ لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها .. لكان في أعلى عليين، فالضمير راجع إلى الإنسان بالنظر إلى بعض أفراده على هذا المعنى، ففيه استخدام كما سيأتي في مبحثه.
والحاصل: أنه حُوِّل بسوء حاله من أحسن تقويم إلى أقبح تقويم صورة ومعنى؛ لأن مسخ الظاهر إنما هو من مسخ الباطن، فالمراد بـ ﴿السافلين﴾: عصاة المؤمنين، وأفعل التفضيل هنا يتناول المتعدد المتفاوت، و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ إما حال من المفعول؛ أي: رددنا ذلك الكافر إلى النار حال كونه أسفل السافلين في دركات النار، أو صفة لمكان محذوف؛ أي: رددناه إلى مكان هو أسفل أمكنة السافلين، والأول أظهر، ثم هذا بحسب بعض الأفراد الإنسانية وهو الكافر؛ لانغماسهم في بحر الشهوات الحيوانية البهيمية، وانهماكهم في ظلمات اللذات الجسمانية الشيطانية والسبعية، وفيه إشارة إلى أن الاعتبار إنما هو بالصورة الباطنة، لا بالصورة الظاهرة، فكم من مصور على أحسن الصور في الظاهر، وهو في الباطن على أقبح الهيئات، ولذا يجيء الناس يوم القيامة أفواجًا، فإن صفاتهم الباطنة تظهر على صورهم الظاهرة، فتتنوع صورهم بحسب صفاتهم على أنواع، وقال مجاهد وأبو العالية والحسن: المعنى: ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل. وقيل في معنى الآية: لما وصف الله الإنسان
стр. 14915
بتلك الصفات الجليلة التي ركب الإنسان عليها .. طغى وعلا، حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، واعترض على الخالق .
قال الشاعر:
إِذَا طَغَى الْعَقْلُ عَلَى رَبِّهِ ... فَإنَّمَا الْعَقْلُ هُوَ الْجَهْلُ
يَعْتَرِضُ الْعَقْلُ عَلَى صَانِعٍ ... مِنْ بَعْضِ مَصْنُوْعَاتِهِ الْعَقْلُ
إِنْ بَانَ فَضْلُ الْعَقْلِ في صُنْعِهِ ... فَصَانِعُ الْعَقْلِ لَهُ الْفَضْلُ
وحين علم الله سبحانه هذا من عبده وهو العلم بكل شيء، وقضاؤه صادر من عنده .. رده أسفل سافلين بأن جعله مملوءًا حَذرًا، مشحونًا نجاسة، وأخرجها على ظاهره إخراجًا منكرًا على وجه الاختيار تارة، وعلى وجه الغلبة أخرى، حتى إذا شاهد ذلك من أمره رجع إلى قدره، ذكره القرطبي في "تفسيره".
وذكر الطنطاوي في "تفسيره": ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾: إما برده إلى أرذل العمر، فتنكَّس خَلْقه، وتقوس ظهره بعد اعتداله، وتبيض شعره بعد اسوداده، وتغير جلده بالانكماش، وسمعه وبصره بالضعف، ويمشي دلفًا وهو ضعيف القوة، خافت الصوت، إما بضعف قواه العقلية بالخرف وقت الهرم، وإما بأن نحول بينه وبين قلبه، فيعتقد اعتقادًا يضر في دنياه وآخرته، فندخله جهنم.
وخلاصة ما ذكر في الآية: أي ثم رددناه بعد ذلك الكمال الجسماني والعقلي أسفل من سفلوا بتشويه صورة من عقل من دخول جهنم ذليلًا. انتهى. قال في "عين المعاني" (١): ولم تدخل لام الجنس في ﴿سَافِلِينَ﴾ كما ورد في مصحف عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأنه عني أسفل الخرفين خاصة دون كل الناس من أهل الزمانة، وفي "كشف الأسرار": السافلون هم الضعفاء من المرضى والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعًا. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ مُنَكَّرًا، وقرأ عبد الله: ﴿أسفل السافلين﴾ معَرَّفًا بالألف واللام،
٦ - وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانًا صادقًا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المأمور بها، والمأجور عليها، استثناء منقطع على المعنى الأول، فالمعنى: لكن