← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 14946–14985 · переход к 14951.

стр. 14946

والفاعل على كلا القراءتين الله سبحانه، وقرأ ابن مسعود: ﴿لأسفعن﴾؛ أي: يقول يا محمد أنا الذي أتولى إهانة أبي جهل اهـ. "مراح". روي (١): أنه لما نزلت سورة الرحمن .. قال ﷺ : "من يقرؤها على رؤساء قريش"، فتثاقلوا فقام ابن مسعود ﵁ وقال: أنا. فأجلسه رسول الله، ثم قال ثانيًا: "من يقرؤها عليهم" فلم يقم إلا ابن مسعود ﵁ ثم ثالثًا، إلى أن أذن له ﷺ ، وكان ﷺ يُبقي عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة، فافتتح قراءة السورة، فقام أبو جهل، فلطمه، فشق أذنه وأدماها فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه ﷺ رق قلبه وأطرق رأسه مغمومًا، فإذا جبريل جاء ضاحكًا مستبشرًا، فقال: "يا جبريل تضحك، ويبكي ابن مسعود"، فقال: سيعلم، فلما ظفر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد، فقال له ﷺ : "خذ رمحك والتمس في الجرحى، ومن كان له رمق فاقتله، فإنك تنال ثواب المجاهدين، فأخذ يطالع القتلى، فإذا أبو جهل مصروع يخور، فخاف أن تكون فيه قوة فيؤديه، فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه، ولعل هذا قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾، ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه، فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال له: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبًا، فقال ابن مسعود: الإِسلام يعلو ولا يُعلى عليه، فقال له أبو جهل: بلِّغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلى منه في حال مماتي، فروي أنه ﵇ لما سمع ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى، فإنه قال: آمنت وهو قد زاد عتوًا، ثم قال: يابن مسعود اقطع بسيفي هذا؛ لأنه أحد وأَقطع، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل الخيط فيها، وجعل يجره إلى رسول الله ﷺ وجبريل بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس هاهنا مع الأذن مقطوع، ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفًا حتى لم يقول على الرأس المقطوع لوجوه: أحدها: أن أبا جهل كلب، والكلب يُجَر ولا يحمل. والثاني: ليشق الأذن، فيقتص الأذن بالأذن.

стр. 14947

والثالث: ليحقق الوعيد المذكور بقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ فيجر تلك الرأس على مقدمها. قال ابن الشيخ: الناصية شعر الجبهة (١)، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، ثم إنه تعالى كنى بها هاهنا عن الوجه والرأس، ولعل السبب في تخصيص السفع بها أن اللعين كان شديد الاهتمام بترجيل الناصية وتطييبها. ١٦ - وقوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بالجر بدل من ﴿الناصية﴾، وإنما أبدل (٢) النكرة من المعرفة؛ لوصفها بقوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين فيجوز إبدال النكرة من المعرفة كالعكس بلا شرط وأنشدوا: فَلاَ وَأَبِيْكَ خَيْرٍ مِنْكَ إِنِّي ... لَيُؤْذِيْنِي التَّحَمُّمُ وَالصَّهِيْلُ ووصف الناصية بالكذب والخطأ على الإسناد المجازي، وهما لصاحبها حقيقة، وفيه من الجزالة ما ليس في قولك: ناصية كاذب خاطىء كأن الكافر بلغ في الكذب قولًا والخطأ فعلًا إلى حيث أن كلًا من الكذب والخطأ، ظهر من ناصيته، وكان أبو جهل كاذبًا على الله في أنه لم يرسل محمدًا، وكاذبًا في أنه ساحر ونحوه، وخاطئًا بما تعرض له ﷺ بأنواع الأذية. وقرأ الجمهور (٣): ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ بجر الثلاثة على أن ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من المعرفة، وأن ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ صفتان لـ ﴿نَاصِيَةٍ﴾، قال الزمخشري: لأنها وُصفت فاستقلت بفائدة. انتهى. وليس شرطًا في إبدال النكرة من المعرفة أن توصف عند البصريين، كما مر آنفًا، خلافًا لمن شرط ذلك من غيرهم، ولا أن يكون من لفظ الأول أيضًا خلافًا لزاعمه، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي بنصبها على الذم، وقرأ الكسائي: في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ؛ أي: هي ناصية. ومعنى الآية (٤): أي لا يستمرن بهذا الكافر جهله وغروره وطغيانه، أقسم بعزتي وجلالي لئن لم ينته وينزجر عن هذا الطغيان، ويكف عن نهي المصلي عن

стр. 14948

صلاته لنأخذن بناصيته، ولنذيقنه العذاب الأليم. أَلَا إن تلك الناصية لكاذبة لغرورها بقوتها، مع أنها في قبضة خالقها فهي تزعم ما لا حقيقة له، وإنها لخاطئة؛ لأنها طغت وتجاوزت حدها وعتت عن أمر ربها، ونسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية، والكاذب والمخطىء صاحبها كما مر من قبل أنها مصدر الغرور والكبرياء، ١٧ - وقد أُمِر هذا الكافر على ضرب من التهكم والتوبيخ بأن يدعو أهل الدفاع من قومه وذوي النجدة والبطش لينقذوه مما سيحل به، فقال: ﴿فَلْيَدْعُ﴾ ذلك الكافر اللعين من الدعوة ﴿نَادِيَهُ﴾؛ أي: أهل (١) ناديه ومجلسه ليعينوه، والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم؛ أي: يجتمعون فيه، وقدر المضاف؛ لأن نفس المجلس والمكان يدعى ولا يسمى المكان ناديًا حتى يكون فيه أهله، ودار الندوة بمكة كانوا يجتمعون فيه للتشاور، والمعنى: فليدع عشيرته فليستنصر بهم، ١٨ - روي أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ وهو يصلي، فقال: ألم ننهك؟ فأغلظ رسول الله ﷺ ، فقال: "أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا" يريد كثرة من يعينه، فنزلت: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾؛ أي: الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج، وهي ملائكة العذاب ليجروه إلى النار، واحد منهم يغلب على ألف ألف من أمثال أهل ناديه، قال ﷺ : "لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عِيانًا". وقال الكسائي والأخفش وعيسى بن عمر (٢): ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ واحدهم زابن، وقال أبو عبيدة: زبينة، وقيل: واحدهم (٣) زباني، وقيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه كأبابيل وعباديد - اسم موضع -، وأصل الزبن الدفع، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه. وقرأ الجمهور (٤): ﴿سَنَدْعُ﴾ بالنون مبنيًا للفاعل وكتبت بغير واو؛ لأنها تسقط عند الوصل لفظًا لالتقاء الساكنين، وسقطت في الكتابة تبعًا للفظ كما سيأتي، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿سيدعى﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ على النيابة عن الفاعل؛ أي: سيدعو الله سبحانه الزبانية ليجروه إلى جهنم.

стр. 14949

وقال قتادة: ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ (١) في الأصل في كلام العرب: الشُرَط كصُرَد، وجمع شرطة بالضم، وهم طائفة من أعوان الولاة، سموا بذلك؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، كما في "القاموس"، والشَرَط بالتحريك العلامة، واحدهم زبنية كعفرية، وعفرية الديك شعرة القفا التي يردها إلى يافوخه عند الهراش من الزَّبْن بالفتح، كالضرب وهو الدفع؛ لأنهم يزبنون الكفار؛ أي: يدفعونهم في جهنم بشدة وبطش، يعني: أن ملائكة العذاب سموا بما سُمي به الشرط تشبيهًا لهم بهم في البطش والقهر والعنف والدفع، وقيل: الواحد زبني، وكأنه نُسب إلى الزبن، ثم غُيِّر إلى زبانية كإنسي بكسر الهمزة، وأصلها زباني، وقيل: زبانية بتعويض التاء عن الياء بعد حذفها للمبالغة في الدفع. فائدة: اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من ﴿سَنَدْعُ﴾ خطًا، ولا موجب للحذف لفظًا من القواعد العربية، ولعله للمشاكلة مع ﴿فَلْيَدْعُ﴾ أو للتشبيه بالأمر في أن الدعاء أمر لا بد منه. وقال ابن خالويه: في إعراب الثلاثين آية الأصل سندعو بالواو، غير أن الواو ساكنة فاستثقلتها اللام ساكنة، فسقطت الواو في المصحف من ﴿سَنَدْعُ﴾، و ﴿يدع الإنسان﴾ و ﴿يمح الله الباطل﴾، وكذلك الياء من ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والعلة ما أنباتك من بنائهم الخط على اللفظ. انتهى. والمعنى: أي فليجمع (٢) أمثاله ممن ينتدي معهم؛ ليمنع المصلين المخلصين ويؤذي أهل الحق الصادقين، فإنه إن فعل ذلك تعرض لسخط ربه ، واستحق التنكيل به، وسندعو له من جنودنا كل قوي متين لا قبل له بمغالبته في الدنيا أو يرديه في النار في الآخرة، والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله تعالى على تعذيب العصاة من خلقه، وسُموا ﴿زبانية﴾؛ لأنهم يزبنون الكفار في النار؛ أي: يدفعونهم إليها ١٩ - ثم بالغ في زجر الكافر عن صلفه وكبريائه، ونفي قدرته على ما تهدد به، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع (٣) بعد ردع للناهي المذكور، وزجر له إثر زجر، فهو متصل بما قبله، ولذا جعلوا الوقف عليه وقفًا مطلقًا.

стр. 14950

﴿لَا تُطِعْهُ﴾ يا محمد؛ أي: لا تطع ذلك الكافر الناهي لك عن الصلاة؛ أي: دم على ما أنت عليه من معاصاة ذلك الناهي الكاذب الخاطىء، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ و ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربك؛ أي: وواظب على سجودك وصلاتك غير مكترث به ولا مبال له. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي: وتقرب بذلك السجود إلى ربك وابتغ المنزلة عنده. وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار، والأول أولى. وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود" وكلمة ما مصدرية، وأقرب مبتدأ حذف خبره، ويكون تامة؛ أي: أقرب وجود العبد من ربه حاصل وقت سجوده، وهذا السجود الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل: سجود التلاوة، ويدل على هذا ما ثبت عنه ﷺ من السجود عند تلاوة هذه الآية كما مر وسيأتي. وهذه الآية: محل السجود عند الأئمة الثلاثة خلافًا لمالك، فإنه كان يسجد فيها في خاصية نفسه، وهم على أصولهم في قولهم بالوجوب والسنية، وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة عند الشافعي، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها يدل عليه ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ أخرجه مسلم. وللسجدة أقسام: سجدة الصلاة، وسجدة التلاوة، وسجدة السهو؛ وهذه مشهورة، وسجدة التعظيم لجلال الله وكبريائه، وسجدة التضرع إليه خوفًا وطمعًا، وسجدة الشكر له، وسجدة المناجاة، وهذه مستحبة في الأصح صادرة عن الملائكة، وعن رسول ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة واللام، وقال أبو حنيفة ومالك: سجود الشكر مكروه، فيقتصر على الحمد والشكر باللسان، وقال الإمامان: هي قربة يثاب فاعلها. الإعراب ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾.

стр. 14951

﴿اقْرَأْ﴾: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿اقْرَأْ﴾؛ أي: حالة كونك مفتتحًا أو متبركًا أو مبتدئًا، وقيل ﴿الباء﴾: زائدة؛ أي: اقرأ اسم ربك واذكره. ﴿الَّذِي﴾: صفة للرب، وجملة ﴿خَلَقَ﴾ صلته لا محل لها من الإعراب، والضمير المستتر فيه يعود على الموصول ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية بدل من الجملة التي قبلها، ويجوز أن تكون توكيدًا لفظيًا أكد الصلة وحدها. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿اقْرَأْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر مؤكد لـ ﴿اقْرَأْ﴾ الأول. ﴿وَرَبُّكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو حالية. ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْأَكْرَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿اقْرَأْ﴾، وقال ابن خالويه: ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْأَكْرَمُ﴾: صفة، وجملة ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، والأول أولى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾: خبر ثان لـ ﴿ربك﴾، وأعربه ابن خالويه نعتًا ثانيًا لـ ﴿ربك﴾، ولسنا نرى هذا الرأي، وجملة ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ صلة الموصول، وفاعل ﴿عَلَّمَ﴾ ضمير مستتر يعود على الله، ومفعولاه محذوفان؛ أي: علم الإنسان الخط بالقلم، و ﴿بِالْقَلَمِ﴾: متعلق بـ ﴿عَلَّمَ﴾، وفي الحقيقة أنه متعلق بالخط. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به أول، والجملة تأكيد لجملة ﴿عَلَّمَ﴾ الأولى، من بدل، من خبر كما مر آنفًا. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿عَلَّمَ﴾، وجملة ﴿لَمْ يَعْلَمْ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف؛ أي: ما لم يعلمه. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الْإِنْسَانَ﴾: اسمها. ﴿لَيَطْغَى﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، و ﴿يطغى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿أنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿رَآهُ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ تقديره: هو، والهاء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول لـ ﴿رأى﴾. ﴿اسْتَغْنَى﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأى﴾؛ لأنها

стр. 14952

علمية نحو: ظننتني صديقك تقديره: أن رأى نفسه مستغنيًا، وجملة ﴿رأى﴾ صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، و ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول لأجله، أي: إن الإنسان ليطغى رؤية نفسه مستغنيًا؛ أي: لأجل رؤيتها غنية بالمال من الجاه من الخدم. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: خبر مقدم لها. ﴿الرُّجْعَى﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنْ﴾: مستأنفة مسوقة لمخاطبة الإنسان الطاغي بطريق الالتفات. ﴿أَرَأَيْتَ﴾: فعل وفاعل بمعنى: أخبرني يتعدى إلى مفعولين، والهمزة فيه للاستفهام التعجبي. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿رأيت﴾. ﴿يَنْهَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصوف. ﴿عَبْدًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَنْهَى﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَنْهَى﴾، وجملة ﴿صَلَّى﴾ في محل الخفض بإضافة إذا إليها، ومفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ محذوف، لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه تقديره: أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى ألم يعلم بأن الله يراه فيجازيه، وجملة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مستأنفة مسوقة لتعجيب المخاطَب عن حال هذا الناهي وحمقه وجهله. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾. ﴿أَرَأَيْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام، ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل، ومعناه: أخبرني، ومفعولاها محذوفان تقديرهما: أرأيت هذا الناهي ألم يعلم بأن الله يراه ويجازيه، حذف الأول منهما لدلالة المفعول الأول لـ ﴿رأيت﴾ الأولى عليه، وحذف الثاني، لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه، وجملة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مؤكدة لـ ﴿أرأيت﴾ الأولى. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير مستتر يعود على العبد المنهي. ﴿عَلَى الْهُدَى﴾: خبرها. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف بمعنى الواو. ﴿أَمَرَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿كَانَ﴾، وفاعله ضمير يعود على العبد المنهي. ﴿بِالتَّقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿أَمَرَ﴾، وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة الاستفهامية الآتية في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة تقديره: إن كان على الهدى، من أمر بالتقوى أفلم يعلم ذلك الناهي بأن الله يراه ويجازيه، والجملة الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿أَرَأَيْتَ﴾: فعل

стр. 14953

وفاعل بمعنى: أخبرني، و ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي، وجملة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ جملة استفهامية مؤكِّدة للأولى أيضًا، والمفعول الأول لـ ﴿رأيت﴾ محذوف دل عليه المفعول الأول لـ ﴿رأيت﴾ الأولى، والثاني الجملة الاستفهامية المذكورة بعدها، والتقدير: أرأيت هذا الناهي ألم يعلم بأن الله يرى. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَذَّبَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الناهي؛ ﴿وَتَوَلَّى﴾: معطوف على ﴿كَذَّبَ﴾، وجواب الشرط محذوف دلت عليه الجملة الاستفهامية بعده، تقديره: إن كذب ذلك الناهي وتولى أفلم يعلم بأن الله يراه ويجازيه، وجملة الشرط جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ جواب الشرط؛ قلت: صح كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿يَعْلَمْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على الناهي. ﴿يَرَى﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ومفعوله محذوف تقديره: بأن الله يراه، وهي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وجملة ﴿يَرَى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ مع معموليها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَعْلَمْ﴾ تقديره: ألم يعلم ذلك الناهي رؤية الله إياه، وجملة ﴿يَعْلَمْ﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾. وقد ذكرت ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هنا ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة، منها بجملة الاستفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا﴾ الواقع مفعولًا أول لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى فمفعولها الأول ﴿الَّذِي﴾، ومفعولها الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية نظير الجملة الواقعة بعد ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية، فلم يذكر لها مفعول لا أول، ولا ثان، فحذف الأول لدلالة المفعول الأول لـ ﴿رأيت﴾ الأولى عليه، وحذف الثاني لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه، فقد حذف الثاني من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس ذلك من باب التنازع؛ لأن التنازع يستدعي إضمارًا، والجمل لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة. ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ

стр. 14954

الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر لأبي جهل، ﴿لَئِنْ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم؛ لأنها دخلت على أداة الشرط؛ للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على القسم قبلها لا على الشرط، ومن ثم سمى اللام المؤذنة الموطئة؛ لأنها وطئت الجواب للقسم؛ أي: مهدته له، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ونفي وقلب. ﴿يَنْتَهِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على الكافر الناهي، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَنَسْفَعًا﴾: اللام رابطة لجواب القسم مؤكِّدة للأولى، ﴿نسفعن﴾: فعل مضارع في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، ونون التوكيد - المكتوبة ألفًا نظرًا إلى حالة الوقف عليها؛ لأن الوقف عليها هكذا - حرف لا محل لها مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على الله تقديره: نحن ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾: متعلق بـ ﴿نسفعا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب جريًا على القاعدة المقررة عندهم من أنه إذا اجتمع شرط وقسم يكون الجواب للمقدم منهما، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة، وجواب الشرط محذوف، دل عليه جواب القسم تقديره: إن لم ينته نسفعن بالناصية، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿نَاصِيَةٍ﴾: بدل من ﴿الناصية﴾، وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة؛ لأنها وصفت. ﴿كَاذِبَةٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿نَاصِيَةٍ﴾. ﴿خَاطِئَةٍ﴾ صفة ثانية لها. ﴿فَلْيَدْعُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا استمر هذا الملعون الأحمق على مكابرته وعناده، وأردت بيان ما نقول له .. فأقول لك: ﴿ليدع ناديه﴾، و ﴿اللام﴾: لام أمر وجزم، ﴿يدع﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الواو، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: هو. ﴿نَادِيَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿سَنَدْعُ﴾: ﴿السين﴾: حرف استقبال، ﴿ندع﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو المحذوفة لفظًا؛ لالتقاء الساكنين المحذوفة خطًا تبعًا لخط المصحف العثماني، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالواو، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا يعود على الله،

стр. 14955

تقديره: نحن. ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر مؤكد للأول. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُطِعْهُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَاسْجُدْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اسجد﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة النهي. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿اقترب﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاسْجُدْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ العلق: الدم، وهو اسم جنس جمعي وقيل: جمع علقة كثمر وثمرة، وهي: الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح؛ أي: دم جامد رطب يعلق بما مر عليه، أصله: مبني، وفي "الشهاب": هو اسم جنس جمعي، وقول المفسرين: إنه جمع علقة؛ إما على وجه التسمح، أو جمع لغوي، وفي "المصباح": العلق: المني فينتقل طورًا بعد طور، فيصير دمًا غليظًا متجمدًا، ثم ينتقل طورًا آخر فيصير لحمًا، وهو المضغة، وعبارة "القاموس": العلق محركة، الدم عامة، أو الشديد العمرة، أو الغليظ أو الجامد، والقطعة منه بهاء، وكل ما علق بالشيء، والطين الذي يعلق باليد، والخصومة والمحبة اللازمتان، وذو علق جبل لبني أسد لهم فيه يوم على ربيعة بن مالك، ودويبة في الماء تمتص الدم إلى آخر ما جاء في هذه المادة المطولة. فائدة: اعلم أن اسم الجنس مطلقًا موضوع للماهية من حيث هي، ثم إن صدق على القليل والكثير كماء وضرب، سمي إفراديًا، وإن دل على أكثر من اثنين، وفرق بينه وبين واحده بالتاء بأن يتفقا في الهيئة والحروف ما عداها كتمر وتمرة، أو بالياء كروم ورومي، سمي جمعيًا والفرق بينه وبين مشابهه من الجمع كتخم وتخمة بأن الغالب في ضميره التذكير مراعاة للفظه، وفي الجمع التأنيث، وكونه جمعيًا إنما هو بحسب الاستعمال، فلا ينافي في وضعه للماهية من حيث هي، فالحاصل: أن اسم الجنس الجمعي ما دل على أكثر من اثنين، وفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، أو بالياء كروم ورومي، واسم الجنس الإفرادي ما دل على القليل والكثير، كماء وضرب، واسم الجمع ما دل على أكثر من اثنين، ولا واحد له من لفظه كقوم

стр. 14956

ورهط وإبل ونساء وطائفة وجماعة، أوله واحد من لفظه مع كونه ليس من أوزان المجموع، كركب وصحب اهـ، من "الخضري على ابن عقيل" مع التصرف. ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهو الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه ينعم بلا غرض ولا يطلب مدحًا. ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ والقلم ما تكتب به، سمي بالقلم؛ لأنه يقلم ويقص أولًا، ثم يقطع رأسه ثانيًا، ويكون من القصب الفارسي بنوعيه ومن شجرة مريم وغيرهما، وهذا بالنظر إلى ما في العصر الأول، ومنه تقليم الأظافر، قال بعض الشعراء المُحْدَثين يصف القلم: فَكَأَنَّهُ وَالْحِبْرُ يَخْضُبُ رَأسَهُ ... شَيْخٌ لِوَصْلِ خَرِيْدَةٍ يَتَصَنَّعُ أَلَّا أُلاحِظَهُ بِعَيْنِ جَلاَلَةٍ ... وَبِهِ إِلَى اللهِ الصَّحَائِفُ تُرْفَعُ ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ الرجعى: مصدر لرجع الثلاثي، كالرجوع والمرجع، والألف فيه للتأنيث، نظير ذكرى ورقبى. ﴿لَيَطْغَى﴾ فيه إعلال بالقلب، أصله: يَطْغَيُ بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ رآه أصله: رَأَيَهُ قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وأصل استغنى استَغْنَيَ بوزن استفعل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩)﴾ أصله: يَنْهَيُ بوزن يفعل، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿إِذَا صَلَّى﴾ أصله: صَلَّيَ بوزن فَعَّل، أُعل بقلب الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أصله: ينتهي، حذفت منه الياء للجازم، فوزنه: يفتع. ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ أصله: تُطْوِعْه، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت فدخل الجازم عليه، فسُكن آخر الفعل، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فوزنه: تفله. ﴿لَنَسْفَعًا﴾ السفع: الأخذ والقبض على الشيء وجذبه بشدة، وفي "المختار": سفع بناصيته؛ أي: أخذ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون البشرة، وبابهما: قطع، والناصية شعر مقدم

стр. 14957

الرأس اهـ. "خازن"، وتطلق على مقدم الرأس، وإن لم يكن فيه شعر. ﴿خَاطِئَةٍ﴾ في فعلها، وفي "المصباح": والخطأ مهموز بفتحتين ضد الصواب، وهو اسم من أخطأ فهو مخطىء قال أبو عبيدة: خَطِىءَ خطأ من باب علم، وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد، وقال غيره: خطىء في الدين وأخطأ في كل شيء عامدًا كان من غير عامد، وقيل: خطىء إذا تعمد ما نهي عنه فهو خاطئ، وأخطأ، إذا أراد الصواب فصار إلى غيره، فإن أراد إلى غير الصواب وفعله .. قيل: قصده أو تعمده، والخطأ الذنب تسمية بالمصدر اهـ. ﴿نَادِيَهُ﴾ وفي "المصباح": ندا القوم ندوًا - من باب غزا - اجتمعوا، ومنه اشتُق النادي وهو مجلس القوم للتحدث، وفي "المختار": ناداه جالسه في النادي، وتنادَوا تجالسوا في النادي، والنَّدِي على وزن فعيل مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى، فإن تفرق القوم عنه فليس بندي، ومنه سميت دار الندوة التي بناها قصي بمكة؛ لأنهم كانوا ينتدون فيها؛ أي: يجتمعون للمشاورة اهـ. ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ واحدها: زِبْنِية - بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه -، وتخفيف الياء من الزَّبْن وهو: الدفع، من زبني على النسب، وأصله زبَّاني بتشديد الياء، فالتاء عوض عن الياء اهـ. "بيضاوي"، وفي "المختار": واحد الزبانية، زبان من زابان اهـ. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإطناب بتكرير الفعل في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. ومنها: الجناس الناقص بين ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿عَلَقٍ﴾. ومنها: إيراده بلفظ الجمع، حيث لم يقل علقة بناء على أن الإنسان في معنى الجمع؛ لأن الألف فيه للاستغراق، أو لمراعاة الفواصل، ولعله هو السر في تخصيصه بالذكر من بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية مع كون النطفة والتراب أدل منه على كمال القدرة؛ لكونهما أبعد منه بالنسبة إلى الإنسانية.

стр. 14958

ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾. ومنها: تعليل طغيان الإنسان برؤيته لنفسه الاستغناء؛ للإيذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد. ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا﴾ كنى بالعبد عن رسول الله ﷺ . ومنها: تنكير عبد لتفخيمه ﷺ ، كأنه قيل: ينهى أكمل الخلق في العبودية عن عبادة ربه. ومنها: العدول عن ينهاك إلى ﴿يَنْهَى عَبْدًا﴾؛ للدلالة على أن النهي للعبد كان عن إقامة خدمة مولاه، ولا أقبح منه. ومنها: الاستفهام للتعجيب من شأن الناهي في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩)﴾ وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ فإن الناصية عبارة عن الشخص نفسه، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، فقد أسند الكذب والخطأ إلى الناصية، وفي الحقيقة أنهما وصف لصاحبها، وفيه من الجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء، كان الكافر بلغ في الكذب قولًا والخطأ فعلًا إلى حيث أن كلًّا من الكذب والخطأ ظهر من ناصيته، وكان أبو جهل كاذبًا على الله في أنه لم يرسل محمدًا، وكاذبًا في أنه شاعر كاهن ساحر مثلًا، وخاطئًا بما تعرض له ﷺ بأنواع الأذية. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ والمراد أهل النادي، فالنادي لا يدعى، وإنما يدعى أهله، فأطلق المحل وأريد الحال، فالمجاز مرسل علاقته المحلية، والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم؛ أي: يجتمعون فيه كما مر. ومنها: الزيادة والحذف على عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 14959

خلاصة ما في هذه السورة الكريمة من المقاصد اشتملت هذه السورة على ثلاثة مقاصد: ١ - حكمة الله تعالى في خلق الإنسان، وكيف رقاه من جرثومة صغيرة إلى أن بسط سلطانه على جميع العوالم الأرضية. ٢ - إنه لكرمه وعظيم إحسانه عَلَّمه من البيان ما لم يعلم، وأفاض عليه من العلوم ما جعل له القدرة على غيره مما في الأرض. ٣ - بيان أن هذه النعم على توافرها قد غفل عنها الإنسان، فإذا رأى نفسه غنيًا صلف وتجبر واستكبر (١). والله أعلم * * *

стр. 14960

سورة القدر سورة القدر مكية عند أكثر المفسرين (١)، نزلت بعد سورة عبس، كذا قال الماوردي، وقال الثعلبي: هي مدنية في قول أكثر المفسرين، وذكر الواقدي: أنها أول سورة نزلت بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، وابن الزبير وعائشة أنها نزلت بمكة، قال الخازن: والقول بأنها مدنية أصح، وهي خمس آيات وثلاثون كلمة، ومئة واثنا عشر حرفًا. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (٢): أن في تلك أمر رسول الله ﷺ بأن يقرأ القرآن باسم ربه الذي خلق، واسم الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وفي هذه ذكر القرآن ونزوله وبيان فضله، وأنه من عند ربه ذي العظمة والسلطان العلم بمصالح الناس، وبما يسعدهم في دينهم ودنياهم، وأنه أنزله في ليلة لها من الجلال والكمال ما قصته السورة، قال أبو حيان: فكأنه تعالى قال: اقرأ ما أنزلناه عليك من كلامنا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ انتهى. فضلها: وروي في فضلها أنه ﷺ قال: "من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان، وأحيا ليلة القدر" ذكره البيضاوي، وهو موضوع لا أصل له. الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم: سورة القدر كلها محكمة، لا ناسخ فيها ولا منسوخ، وسميت سورة القدر؛ لذكر لفظ القدر فيها. تسميتها: وسميت ليلة القدر؛ إما لتقدير الأمور وقضائها فيها؛ أي: إظهار تقديرها للملائكة بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة ويعرفهم إياه، وليس المراد منه: أنه يحدثه في تلك الليلة؛ لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل، فالقدر بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة البالغة، قيل: للحسين بن

стр. 14961

الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؛ قال: نعم، قيل له: فما معنى ليلة القدر؛ قال: سَوْق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وعن ابن عباس ﵄ قال: إن الله سبحانه يقدر في ليلة القدر، ويكتب كل ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة وغيرها إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة، فيسلمه إلى مدبرات الأمور من الملائكة، فيدفع نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والرياح والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل، ونسخة الأعمال إلى إسرافيل، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. فَكَمْ مِنْ فَتَى يُمْسِيْ وُيُصْبِحُ آمِنًا ... وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لَا يَدْرِيْ وَكَمْ مِنْ شيُوْخٍ تَرَتَجِي طُوْلَ عُمْرِهِمْ ... وَقَدْ رَهَقَتْ أَجْسَادَهُمْ ظُلْمَةُ الْقَبْرِ وَكَمْ مِنْ عَرُوْسِ زيَّنُوْهَا لِزَوْجِهَا ... وَقَدْ قُبِضَتْ أَرْوَاحُهُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وإما لخطرها وشرفها على سائر الليالي، فالقدر بمعنى المنزلة والشرف إما باعتبار العامل على معنى أن من أتى بالطاعة فيها صار ذا قدر وشرف، وإما باعتبار نفس العمل على معنى أن الطاعة الواقعة في تلك الليلة لها قدر وشرف زائد. وعن أبي بكر الوراق - رحمه الله تعالى - سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على رسول ذي قدر، لأمة لها قدر، ولعله تعالى إنما ذكر لفظ القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب، وقال الخليل - رحمه الله تعالى - سميت ليلة القدر؛ أي: ليلة الضيق؛ لأن الأرض تضيَّق فيها بالملائكة، فالقدر بمعنى الضيق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. والله أعلم * * *

стр. 14962

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾. أسباب النزول سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم والواحدي عن مجاهد أن رسول الله ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزله الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح فيها في سبيل الله. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو في النهار حتى يمسي، فعمل ذلك ألف شهر فأنزل الله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ عملها ذلك الرجل. وفي الحديث (٢): "أن أربعة من الأنبياء عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع، فعجب الصحابة من ذلك، فقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) ...﴾ السورة، فسروا بذلك. تقدمة: تبين ميقات هذه الليلة المباركة (٣): أشار الكتاب الكريم إلى زمان نزول القرآن على رسول الله ﷺ في أربعة مواضع من كتابه الكريم، والقرآن يفسر بعضه بعضًا: ١ - قوله في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾. ٢ - قوله في سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ

стр. 14963

مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾. ٣ - قوله في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ٤ - قوله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤ ١)﴾ . فآية القدر صريحة في أن إنزال القرآن كان في ليلة القدر، وآية الدخان تؤكد ذلك وتبين أن النزول كان في ليلة مباركة، وآية البقرة ترشد إلى أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، وآية الأنفال تدل على أن إنزال القرآن على رسوله ﷺ كان في ليلة اليوم المماثل ليوم التقاء الجمعين في غزوة بدر التي فرق الله سبحانه فيها بين الحق والباطل، ونصر حزب الرحمن على حزب الشيطان، ومن ذلك يتضح أن هذه الليلة هي ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿إِنَّا﴾ نحن ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: أنزلنا هذا القرآن الكريم جملة واحدة. ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ في مكان يقال له: بيت العنة، ثم نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ نجومًا متفرقة في مدة ثلاث وعشرين سنة، فكان ينزل بحَسَب الوقائع والحاجة إليه. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ النون (١) فيه للعظمة، من للدلالة على الذات مع الصفات والأسماء، والضمير للقرآن؛ لأن شهرته تقوم مقام تصريحه باسمه، وإرجاع الضمير إليه، فكأنه حاضر في جميع الأذهان، وعظمه بأن أسند إنزاله إلى جنابه مع أن نزوله إنما يكون بواسطة الملك، وهو جبريل على طريقة القصر بتقديم الفاعل المعنوي، إلا أنه اكتفى بذكر الأصل عن ذكر التبع، قال في بعض التفاسير: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: مبتدأ وخبر في الأصل بمعنى: نحن أنزلناه، فأدخل ﴿إنَّ﴾ للتحقيق، فاختير

стр. 14964

اتصال الضمير للتخفيف، ومعنى صيغة الماضي أنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، وقضينا به وقدرناه في الأزل. ثم إن الإنزال (١) يُستعمل في الدفعي، والقرآن لم ينزل جملة واحدة، بل أُنزل منجمًا مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة، وهذه السورة من جملة ما أنزل، وجوابه أن المراد أن جبريل نزل به جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العنة في السماء الدنيا، وأملاه على السفرة؛ أي: الملائكة الكاتبين في تلك السماء، ثم كان ينزل على النبي ﷺ منجمًا على حَسَب المصالح، وكان ابتداء تنزيله أيضًا في مثل تلك الليلة. وفيه إشارة (٢) إلى أن بيت العزة أشرف المقامات السماوية بعد اللوح المحفوظ لنزول القرآن منه إليه، ولذلك قيل بفضل السماء الأولى على أخواتها؛ لأنها مقر الوحي الرباني، وقيل: لشرف المكان بالمكين، وكل منهما وجه، فإن السلطان إنما ينزل على أنزه مكان، ولو فرضنا نزوله على مسبخة .. لكفى نزوله هناك شرفًا لها، فالمكان الشريف يزداد شرفًا بالمكين الشريف، كما سبق في سورة البلد. ففي نزول القرآن بالتدريج إشارة إلى تعظيم الجانب المحمدي، كما تدخل الهدايا شيئًا بعد شيء على أيدي الخدام تعظيمًا للمُهدى إليه بعد التسوية بينه وبين موسى ﵉ بإنزاله جملة إلى بيت العزة، وفي التدريج أيضًا تسهيل للحفظ وتثبيت لفؤاده، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، وكلام الله المنزل قسمان: القرآن، والخبر القدسي؛ لأن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى، لأن جبريل أداها بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى؛ لأن جبريل أداها باللفظ. والسر في ذلك التعبد بلفظه، والإعجاز به فإنه لا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه من الإعجاز لفظًا، ومن الأسرار معنى، فكيف يقوم لفظ الغير ومعناه مقام حرف القرآن.

стр. 14965

ومعناه: ثم إن اللوح المحفوظ قلب هذا التعين، ولكن قلب الإنسان ألطف منه؛ لأنه زبدته وأشرفه؛ لأن القرآن نزل به الروح الأمين على قلب النبي المختار. وهنا سؤال: وهو أن الملائكة بأَسْرِهِم صعقوا ليلة نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العنة، كما ورد فيما وجهه. والجواب: أن محمدًا ﷺ عندهم من أشراط القيامة، والقرآن كتابه، فنزوله دل على قيام الساعة، فصعقوا هيبة منه، وإجلالًا لكلامه ووعده ووعيده، ثم إن القرآن كلامه القديم أنزله في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهذا هو البيان الأول، ولم ندر نهارًا أنزل فيه أم ليلًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهذا هو البيان الثاني، ولم ندر أي ليلة هي، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، فهذا هو البيان الثالث الذي هو غاية البيان. فالصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، وينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها هي ليلة القدر، ولتقدير الأمور فيها، سميت ليلة القدر؛ أي: ليلة تقدير الأحكام، والأمور السفلية، ويشهد التنزيل لما ذكرنا؛ إذ في أول الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم وصفها فقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾، والقرآن إنما نزل في ليلة القدر، فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، كذا في "قوت القلوب" للشيخ أبي طالب المكي رحمه الله تعالى. فإن قلت (١): ما الحكمة في إنزال القرآن ليلًا؟ قلت: لأن أكثر الكرامات ونزول النفحات والأسرار في السموات يكون بالليل، والليل من الجنة؛ لأنها محل الاستراحة، والنهار من النار؛ لأن فيه المعاش والتعب، والنهار حظ اللباس والفراق، والليل حظ الفراش والوصال، وعبادة الليل أفضل من عبادة النهار؛ لأن قلب الإنسان فيه أجمع، والمقصود من

стр. 14966

العبادة هو حضور القلب. ٢ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾؛ أي: ما مقدار شرفها, وليس المراد: ما حقيقتها؟ فإنها مدة مخصوصة من الزمان، أي: وأي شيء أعلمك يا محمد ما هي؛ أي: إنك لا تعلم كنهها؛ لأن علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يدريها أحد منهم، ولا يدريها إلا علام الغيوب، وهو تعظيم للوقت الذي أنزل فيه، ومن بعض فضائل ذلك الوقت أنه يرتفع سؤال القبر عمن مات فيه، وكذا في سائر الأوقات الفاضلة، ومن ذلك العيد، ثم مقتضى الكرم أن لا يسأل بعده أيضًا. فصل في فضل ليلة القدر وما وقع فيها من الاختلاف عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا .. غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. واختلف العلماء في وقتها (١)، فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ ، ثم رُفعت لقوله ﷺ حين تلاحى الرجلان: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، فعسى أن يكون خيرًا لكم" وهذه غلط ممن قال بهذا القول؛ لأن آخر الحديث يرد عليه، فإنه ﷺ قال في آخره: "فالتمسوها في العشر الأواخر": في التاسعة والسابعة والخامسة، فلو كان المراد: رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، وعامة الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة. روي عن عبد الله بن خنيس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رُفعت، قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر رمضان استقبله؟ قال: نعم. ومن قال ببقائها ووجودها اختلفوا في محلها، فقيل: هي متنقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى هكذا أبدًا، قالوا: وبهذا يُجمع بين الأحاديث الواردة في أوقاتها المختلفة، وقال مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو

стр. 14967

ثور: إنها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل تنتقل في رمضان كله، وقيل: إنها في ليلة معينة لا تنتقل عنها أبدًا في جميع السنين ولا تفارقها، فعلى هذا هي في ليلة من السنة كلها، وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة وصاحبيه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: من يقم الحول يصبها، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس، وقال جمهور العلماء: إنها في شهر رمضان، واختلفوا في تلك الليلة، فقال أبو رزين العقيلي: في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل: هي ليلة سبعة عشر، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر، ويحكى هذا عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضًا والحسن، والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من رمضان. والله أعلم. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان" رواه مسلم. وذهب الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين. وعن أبي هريرة أن أبا سعيد قال: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأواسط، فلما كانت صبيحة عشرين نقلنا متاعنا، فأتانا النبي ﷺ ، فقال: "من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه وأنا أريت هذه الليلة ورأيتني أسجد في ماء وطين، فلما رجع إلى معتكفه هاجت السماء فمُطِرنا، فوالذي بعثه بالحق، لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم وكان المسجد على عريش، ولقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين" متفق عليه. وفي رواية نحوه إلا أنه قال: حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة

стр. 14968

التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر". وورد في فضل ليلة القدر: اثنان وعشرون حديثًا، عن عبد الله بن أنيس قال: كنت في مجلس لبني سلمة وأنا أصغرهم، فقالوا: من يسأل لنا رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؛ وذلك في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان فخرجت، فوافيت رسول الله ﷺ فقلت: أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر، فقال: كم الليلة؟ فقلت: اثنتان وعشرون، فقال: هي الليلة، ثم رجع، فقال: من القابلة يريد ثلاثًا وعشرين. أخرجه أبو داود. وذهب جماعة من الصحابة وغيرهم أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، ومال إليه الشافعي أيضًا، وعن الصنابحي: أنه سأل رجلًا هل سمعت في ليلة القدر شيئًا؟ قال: أخبرني بلال مؤذن رسول الله ﷺ أنها في أول السبع من العشر الأواخر، وهذا اللفظ مختصر عن عبد الله بن أنيس قال: قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال: "أنزل ليلة ثلاث وعشرين"، قيل لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج إلا لحاجة حتى تصلى الصبح فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها, ولحق بباديته أخرجه أبو داود، ولمسلم عنه أن رسول الله ﷺ قال: "أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني أسجد صبيحتها في ماء وطين" قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ وانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه، ويحكى عن بلال وابن عباس والحسن أنها ليلة أربع وعشرين. وعن ابن عباس قال: التمسوها في أربع وعشرين. أخرجه البخاري. وقيل: هي في ليلة خمس وعشرين، دليله قوله ﷺ : "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" وقيل: هي ليلة سبع وعشرين، ويحكى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم: أبي بن كعب، وابن عباس وإليه ذهب أحمد. وعن زر بن حبيش قال: سمعت أبي بن كعب يقول: وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، قال أبيّ: والله الذي لا إله إلا هو

стр. 14969

إنها لفي رمضان يحلف ولا يستثني، فوالله إني لأعلم أي ليلة هي: هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس من صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. وعن معاوية عن النبي ﷺ في ليلة القدر قال: "ليلة سبع وعشرين". أخرجه أبو داود، وقيل: هي ليلة تسع وعشرين، دليله قوله: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" وقيل: هي ليلة آخر الشهر، وعن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر وأنا أسمع، فقال: "هي في كل رمضان" وأخرجه أبو داود قال: ويروى موقوفًا عليه. ذكر ليال مشتركة وعن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ في ليلة القدر: "اطلبوها ليلة سبع وعشرين من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، ثم سكت" أخرجه أبو داود. وعن عتبة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بملتمسها بشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: "التمسوها في تسع يبقين"، من في سبع يبقين، من في خمس يبقين، من في ثلاث يبقين، من آخر الشهر قال: وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر الأواخر اجتهد. أخرجه الترمذي. وعن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال النبي ﷺ : "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" أخرجه البخاري. قوله: "فتلاحى رجلان"؛ أي: تخاصم رجلان، قوله: "فرفعت" لم يرد رفع عينها، وإنما أراد رفع بيان وقتها, ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "هي في العشر

стр. 14970

في سبع مضين، من سبع يبقين" يعني: ليلة القدر أخرجه البخاري، وفي رواية: "في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" قال أبو عيسى: روي عن النبي ﷺ في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان. قال الشافعي: كان هذا عندي والله أعلم أن النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما يُسئل عنه يقال له: ألتمسها في كذا؟ فقال: التمسوها في ليلة كذا، قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين، قال البغوي: وبالجملة أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة المحمدية ليجتهدوا في العبادة ليالي شهر رمضان طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في أسمائه ورضاه في الطاعات؛ ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي، لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة؛ ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها. ومن علاماتها ما روي عن الحسن رفعه "أنها ليلة بلجة؛ أي: مضيئة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها"، وعن عائشة قالت: (كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر)، متفق عليه. ولمسلم عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره)، وعنها أن النبي ﷺ : (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده) متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) متفق عليه. وعن عائشة قالت: قلت يا رسول الله: إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" أخرجه الترمذي، وقال الحديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي وابن ماجه. ومعنى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾؛ أي: إنا بدأنا تنزيل الكتاب

стр. 14971

الكريم في ليلة الشرف، ثم أنزلناه بعد ذلك منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسَب الحوادث التي كانت تدعو إلى نزول شيء منه تبيانًا لما أشكل من الفتوى فيها، من عبرة بما يقتص فيه من قصص وزواجر، ولا شك أن البشر كانوا في حاجة إلى دستور يبين لهم ما التبس عليهم من أمر دينهم ودنياهم، ويوضح لهم أمر النشأة الأولى، وأمر النشأة الآخرة؛ لأنهم كانوا أعجز من أن يفهموا مصالحهم الحقة حتى يستنوا لأنفسهم من النظم ما يغنيهم عن الدين والتدين وحوادث الكون التي نراها رأي العين كفيلة بأن تبين وجه الحق في ذلك، فإن من بدء الخليقة يُبدِئون ويعيدون ويصححون ويراجعون في قوانينهم الوضعية، ثم يستبين لهم بعد قليل من الزمان أنها لا تكفي لهدي المجتمع، والأخذ بيده إلى موضح الرشاد، ومنعه من الوقوع في مهاوي الزلل، ومن ثم قيل: لا غنى للبشر عن دين ولا عن وازع روحي يضع لهم مقاييس الأشياء، وقيمها بعد أن أبان لهم العلم وصفها وخواصها، كما لا غنى له عن الاعتقاد في قوة غيبية يلجأ إليها حين يظلم عليه ليل الشك، وتختلط عليه صروف الحياة وألوان مآسيها. ثم أشار إلى أن فضلها لا يحيط بها إلا هو، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾؛ أي: ولم تبلغ درايتك وعلمك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، وفي هذا إيماء إلى أن شرفها مما لا يحيط به علم العلماء، وإنما يعلمه علام الغيوب الذي خلق العوالم، وأنشأها من العدم. ٣ - ثم أوضح مقدار فضلها من ثلاثة أوجه: الوجه الأول منها قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾؛ أي: قيامها والعبادة فيها. ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾؛ أي: من صيام ألف شهر وقيامها ليس فيها ليلة القدر حتى لا يلزم تفضيل الشيء على نفسه، فـ ﴿خَيْرٌ﴾ هنا للتفضيل، أي: أفضل وأعظم قدرًا، وأكثر أجرًا من تلك المدة، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، وتخصيص الألف بالذكر: إما للتكثير؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء كلها, ولا تريد حقيقتها، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، أو لما روي أنه ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل اسمه: شمسون لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فتعجب المؤمنون منه، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأُعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك المغازي، رواه ابن عباس ﵄، وقيل: إن الرجل فيما مضى

стр. 14972

كان لا يقال له: عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أَحْيَوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد، وقيل: رأى النبي ﷺ أعمار الأمم كافة، فاستقصر أعمار أمته، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجُعلت لنا خيرًا من ألف شهر لسائر الأمم. أخرجه مالك في "الموطأ" ممن يشق به من أهل العلم، وقيل غير ذلك. والمعنى (١): أي هذه الليلة أعظم قدرًا وأكثر أجرًا من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ لأن ليلة يسطع فيها نور الهدى، وتكون فاتحة التشريع الجديد الذي أنزل لخير البشر، ويكون فيها وضع الحجر الأساسي لهذا الدين الذي هو آخر الأديان الصالح لهم في كل زمان ومكان هي خير من ألف شهر من شهورهم التي كانوا يتخبطون فيها في ظلام الشرك وضلال الوثنية حيارى، لا يهتدون إلى غاية، ولا يقفون عند حد. والله تعالى يفضل ما شاء من زمان ومكان لمعنى من المعاني التي تدعو إلى التفضيل، وله الحكمة البالغة، وأي عظمة أعلى من عظمة ليلة يبتدىء فيها نزول هذا النور والهداية للناس بعد أن مضت على قومه ﷺ حقب متتابعة، وهم في ضلال الوثنية؟ وأي شرف أرفع من شرف ليلة سطع فيها بدر المعارف الإلهية على قلب رسوله ﷺ بعباده يبشرهم وينذرهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويجعل منهم أمة تحرر الناس من استعباد القياصرة، وجبروت الأكاسرة، ويجمعهم بعد الفرقة، ويلم شعثهم بعد الشتات؟. فحق على المسلمين أن يتخذوا هذه الليلة عيدًا لهم، إذ فيها بدأ نزول ذلك الدستور السماوي الذي وجّه المسلمين تلك الجهة الصالحة النافعة، ويجددوا العهد أمام ربهم بحياطته بأنفسهم وأموالهم شكرًا له على نعمه ورجاء مثوبته. قال المفسرون: معنى هذه الآية (٢): العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى في تلك الليلة من المنافع والأرزاق وأنواع الخير والبركة. ومن المعلوم (٣): أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة،

стр. 14973

لكن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه، ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، مع أن صلاة الجماعة قد تنقص صورة، فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة، وأيضًا فأنت إذا قلت لمن يُرجَم بالزنا هذا زان فلا بأس، ولو قلته للنصراني فهو قذف يوجب التعزير، ولو قلته للمحصَن فهو قذف يوجب الحد، ولو قلته في حق عائشة كان ذلك القول كفرًا، ثم القائل بقوله: هذا زان قد ظن أن هذه اللفظة سهلة، مع أنها أثقل من الجبال، فثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب؛ لاختلاف وجوهها، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعة الكثيرة. قال في "الكواشي": ثم إن (١) نهار ليلة القدر مثل ليلة القدر في الخير، واختلفوا في وقتها كما مر، فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها، وإنما جُعلت في العشر الأخير الذي هو مظنة ضعف الصائم وفتوره في العبادة؛ ليتجدد جِده في العبادة رجاء إدراكها وجُعلت في الوتر؛ لأن الله سبحانه وتر يحب الوتر. ٤ - والوجه الثاني من فضلها: قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الليلة تهبط الملائكة كلهم من كل سماء إلى الأرض، وهو الأظهر؛ لأن الملائكة إذا نزلت في سائر الأيام إلى مجلس الذكر، فلأن ينزلوا في تلك الليلة مع علو شأنها أولى، أو إلى السماء الدنيا قالوا: ينزلون فوجًا فوجًا فمن نازل ومن صاعد كأهل الحج، فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة، ومواضع النسك بأسرهم، لكن الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر، وذكر لفظ ﴿تَنَزَّلُ﴾ هو المفيد للتدريج، وبه يندفع ما يرد أن الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتملها الأرض، وكذا السماء الدنيا على أن شأن الأرواح غير شأن الأجسام، والملائكة وإن كان لهم أجسام لطيفة يقال لهم: الأرواح. وهذه الجملة مستأنفة مبينة لما له فضلت على ألف شهر، والحكمة (٢) في نزولهم في تلك الليلة أنهم لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وظهر أن الأمر

стр. 14974

بخلاف ما قالوه. وتبين حال المؤمنين، وما هم عليه من الطاعة والعبادة والجد والاجتهاد .. نزلوا إليهم ليسلموا عليهم ويعتذروا مما قالوه، ويستغفروا لهم لما يرون من تقصير قد يقع من بعضهم، وقوله: ﴿وَالرُّوحُ﴾ هو: جبريل ﵇، قاله أكثر المفسرين، وفي حديث أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله " ذكره ابن الجوزي. ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه، وقيل: إن الروح صنف من الملائكة هم أشرافهم لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقيل: إن الروح ملك عظيم ينزل مع الملائكة تلك الليلة، ومن عظمه أنه لو التقم السموات والأرضين كانت له لقمة واحدة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقرأ الجمهور (١): ﴿تَنَزَّلُ﴾ أصله: تتنزل بتاءين، وقرأ طلحة بن مصرف وابن سميفع بضمها على البناء للمفعول، وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾، من بمحذوف هو حال من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: تنزل الملائكة وتهبط في تلك الليلة كلهم، والروح، بإذن ربهم؛ أي: بأمره وإرادته، أو حال كونهم متلبسين بإذن ربهم وإرادته. وهذا يدل (٢) على أنهم كانوا يرغبون إلينا ويشتاقون، فيستأذنون فيؤذن لهم في النزول إلينا، فإن قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة ذنوبنا؟ .. قلنا: لا يقفون على تفصيل المعاصي. روي أنهم يطالعون اللوح المحفوظ، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة، فإذا وصلوا إلى معاصيه أُرخي الستر، فلا يرونه فحينئذ يقولون: سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح، من لأنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات كإطعام الطعام وأنين العصاة، وفي الحديث القدسي: "لأنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين" فيقولون: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتًا هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا، وكيف لا يكون أحب، وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين، وأنين المذنبين إظهار

стр. 14975

لغفارية رب العالمين. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْر﴾ متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾ أيضًا؛ أي: تنزل من أجل كل أمر من الأمور قد قدر وقضي في تلك السنة من خير من شر؛ أي: لأجل إنفاذ كل أمر قد قدر في تلك السنة، فـ ﴿مِنْ﴾ للتعليل، فإن قيل (١): المقدرات لا تُفعل في تلك الليلة، بل في تمام السنة، فلماذا تنزيل الملائكة فيها لأجل تلك الأمور؟ .. قيل: لعل تنزلهم؛ لتعين إنفاذ تلك الأمور، وتنزلهم لأجل كل أمر ليس تنزل كل واحد لأجل كل أمر، بل ينزل الجمع لأجل جميع الأمور حتى يكون في الكلام تقسيم العلل على المعلولات، وقيل: إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكل أمر من الخير والبركة كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله، قيل: يقسم جبريل ﵇ تلك الليلة بقية الرحمة في دار الحرب على من علم الله أنه يموت مسلمًا، فبتلك الرحمة التي قسمت عليهم ليلة القدر يُسلِمون ويموتون مسلمين. وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَمْرٍ﴾ وهو واحد الأمور، وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي: ﴿من كل امرىء﴾ مذكر امرأة؛ أي: من أجل إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل مع الملائكة، فيسلمون على كل إنسان، فـ ﴿مِنْ﴾ على هذا بمعنى: على، والأول أولى، وقد تم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، وما بعده مستأنفة، والمعنى؛ أي (٣): تنزلت الملائكة من عالمها حتى تمثلت لبصره ﷺ ، وتمثل له الروح جبريل مبلغًا للوحي، وهذا التجلي على النفس الكاملة كان بإذن ربهم بعد أن هيأه لقبوله ليبلغ لعباده ما فيه الخير والبركة لهم، ونزول الملائكة إلى الأرض شأن من شؤونه تعالى، لا نبحث عن كيفيته، فنحن نؤمن به دون أن نحاول معرفة تفاصيله وأسراره، فما عرف العالم بعد علمه المادي بشتى وسائله إلا النزر اليسير من الأكوان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. والخلاصة: أن هذه الليلة عيد المسلمين لنزول القرآن فيها, وليلة شكر على الإحسان والإنعام بذلك تشاركهم الملائكة فيها بما يشعر بعظمتها، ويشعر بفضل الإنسان، وقد استخلفه في الأرض.

стр. 14976

٥ - والوجه الثالث قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾؛ أي: ما هي إلا سلامة وخير كلها, لا شر فيها، وتقديم (١) الخبر فيه؛ لإفادة الحصر مثل: تميمي أنا؛ أي: ما تلك الليلة إلا ذات سلامة؛ أي: لا يحدث فيها داء ولا شيء من الشرور والآفات، كالرياح والصواعق ونحو ذلك مما يخاف منه، بل كل ما ينزل في هذه الليلة إنما هو سلامة ونفع وخير، ولا يستطيع الشيطان فيها سوءًا، ولا ينفذ فيها سحر ساحر، والليلة ليست نفس السلامة بل ظرف لها، ومع ذلك وُصفت بالسلامة للمبالغة في اشتمالها عليها، وعُلم منه أنه يُقضى في غير ليلة القدر كل من السلامة والبلاء، يعني: يتعلق قضاء الله تعالى بهما، وقال الشعبي: ما هي إلا ذات تسليم من الملائكة على أهل المساجد وسائر المؤمنين من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن، ومن أصابته تسليمة من الملائكة غفر له ذنبه، وفي الحديث: "ينزل جبريل كل ليلة القدر في كبكبة من الملائكة؛ - أي: جماعة متضامة - يصلون ويسلمون على كل عبد قائم من قاعد يذكر الله تعالى"، وقيل يعني: سلام الملائكة بعضهم على بعض، قال عطاء: يريد سلام على أولياء الله وأهل طاعته. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ أي: من مبدئها إلى وقت طلوع الفجر فيها، وقدر المضاف؛ لكون الغاية من جنس المغيا؛ أي: إن ذلك السلام من تلك السلامة تستمر وتدوم في تلك الليلة إلى وقت طلوع الفجر، فتصعد الملائكة عند طلوعه، فيعود الزمن على حاله الأول، فمطلع بفتح اللام مصدر ميمي، ومن قرأ: بكسر اللام جعله اسمًا لوقت الطلوع؛ أي: اسم زمان، و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾ على أنها غاية لحكم التنزل؛ أي: لمكثهم في تنزلهم، أو لنفس تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم فوجًا بعد فوج إلى طلوع الفجر، وقال بعضهم ليلة القدر من غروب الشمس إلى طلوع الفجر سلام؛ أي: يسلم فيها الملائكة على المطيعين إلى وقت طلوع الفجر، ثم يصعدون إلى السماء، فـ ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بـ ﴿سَلَامٌ﴾. قالوا (٢): علامة ليلة القدر أنها ليلة لا حارة ولا باردة، وتطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها كما مر؛ لأن الملائكة تصعد عند طلوع الشمس إلى السماء،

стр. 14977

فيمنع صعودها انتشار شعاعها لكثرة الملائكة، من لأنها لا تطلع في هذه الليلة بين قرني الشيطان، فإنها على ما جاء في بعض الأخبار: تطلع كل يوم بين قرني الشيطان، ويزيد الشيطان في بث شعاعها وتزيين طلوعها؛ ليزيد في غرور الكافرين، ويحسَّن في أعين الساجدين لها، ومن علامتها أيضًا على ما قيل: أنه يعذب الماء الملح تلك الليلة، وأما النور الذي يُرى ليلة القدر فهو نور أجنحة الملائكة، أو نور جنة عدن تُفتح أبوابها ليلة القدر، أو نور لواء الحمد الذي ينزل به جبريل ﵇. وقرأ الجمهور (١): ﴿مَطْلَعِ﴾ - بفتح اللام - وقرأ أبو رجاء والأعمش وابن وثّاب وطلحة وابن محيصن والكسائي وأبو عمرو بخلاف عنه بكسرها، فقيل: هما مصدران في لغة بني تميم، وقيل: المصدر بالفتح، وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز. والمعنى (٢): أي هذه الليلة التي حقها الخير بنزول القرآن، وشهود ملائكة الرحمن، ليلة كلها سلامة وأمن, وكلها خير وبركة من مبدئها إلى نهايتها، ففيها فرَّج الله تعالى الكرب عن نبيه ﷺ ، وفتح له سبل الهداية والإرشاد. الإعراب ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًا. ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَدْرَاكَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾، والكاف في محل النصب مفعول أول لـ ﴿أدرى﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاستفهامية معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة المعلقة

стр. 14978

بالاستفهام سدت مسد المفعول الثاني لـ ﴿أدرى﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر تقديره: وما فضائلها. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالرُّوحُ﴾: معطوف على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾، والجملة مستأنفة واقعة في جواب السؤال المذكور في الجملة التي قبلها. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾، أو بمحذوف حال من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: متلبسين. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾ أيضًا، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام التعليلية؛ أي: من أجل كل أمر قضاه الله تعالى في تلك الليلة. ﴿سَلَامٌ﴾: خبر مقدم. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة واقعة في جواب السؤال المذكور سابقًا .. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾، وفيه إشكال، وهو الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ، والجواب أن الظروف والجار والمجرور يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها، والأحسن كما قال الخطيب أن يتعلقا بمحذوف قدره الخطيب: يستمرون على التسليم من غروب الشمس حتى مطلع الفجر. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ والقَدْر - بسكون الدال - إما بمعنى العظمة والشرف من قولهم لفلان: قدر عند فلان؛ أي: منزلة ودرجة وشرف، أو بمعنى التقدير: وهو جعل الشيء على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حَسَبما اقتضت الحكمة والمصلحة، سميت ليلة القدر بمعنى المنزلة والشرف إما باعتبار العامل فيها على معنى أن من أتى بالطاعة فيها صار ذا قدر وشرف، وإما باعتبار نفس العمل على معنى أن الطاعة الواقعة في تلك الليلة لها قدر وشرف زائد، قال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر على رسول ذي قدر لأمة لها قدر، وسميت ليلة القدر بمعنى التقدير؛ لتقدير الأمور الواقعة في تلك السنة فيها؛ أي: لإظهار تقديرها للملائكة، وإلا فالتقدير نفسه أزلي أو بمعنى الضيق، قال الخليل: سميت ليلة القدر؛ أي: ليلة الضيق؛ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، فالقدر بمعنى الضيق،

стр. 14979

كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أصله: تتنزل بتائين، حذفت إحداهما للتخفيف على حد قول ابن مالك: وَمَا بِتَائَيْنِ ابْتُدِيْ قَدْ يُقْتَصَرْ ... فِيْهِ عَلَى تَاءٍ كَتَبْيِيْنِ الْعِبَرْ والتاء في ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى المجموع، وبه يلغز فيقال: كلمة إذا حذف من آخرها حرف امتنع صرفها. جمع: ملك، وأصله: ملائك، ووزنه فعال، فالهمزة زائدة، ومادته تدل على المُلك والقوة والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل، فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب، وأصله مالك من الألوكة وهي الرسالة، قلب قلبًا مكانيًا فصار: ملائك، ففي وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال: سقطت الهمزة فصار ملك، والملائكة أجسام نورانية لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، لهم قدرة على التشكلات بالصور غير الخسيسة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ يصح أن يكون ضمير ﴿هِيَ﴾ عائدًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، و ﴿سَلَامٌ﴾ بمعنى التسليم، والمعنى: أن الملائكة يسلمون على المؤمنين، ويصح أن يكون عائدًا على ﴿لَيْلَةُ﴾، و ﴿سَلَامٌ﴾ أيضًا بمعنى التسليم، والمعنى: أن الليلة ذات تسليم من الملائكة على المؤمنين أو من بعضهم على بعض، ويصح على هذا الوجه أن يُجعل ﴿سَلَامٌ﴾ بمعنى سلامة؛ أي: ليلة القدر ذات سلامة من كل شر. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ بفتح اللام وكسرها، فهما مصدران في لغة بني تميم، وقيل: المصدر بالفتح، والموضع بالكسر عند أهل الحجاز اهـ "بحر". وعبارة "السمين": وقرأ الكسائي: ﴿مطلع﴾ بكسر اللام، والباقون بفتحها، والفتح هو القياس، وهل هما مصدران من المفتوح مصدر والمكسور اسم مكان؟ فيه خلاف اهـ، وعبارة "مناهل الرجال على لامية الأفعال" عند قول ابن مالك: مَظْلَمَةٌ مَطْلَعُ الْمَجْمَعِ مَحْمَدَةٌ ... مَذِمَّةٌ مَنْسِكٌ مَضِنَّةُ الْبُخَلَا واعلم: أنه قد تقدم لك أن الشاذ في باب مفعل ثلاثة أضرب: الضرب الأول منها: ما جاء فيه وجهان: الفتح والكسر، وهو اثنتان وعشرون كلمة: الأول منها مظلمة، والثاني منها مطلع، يقال: طلع الكوكب يطلُع - من باب نصر - طلوعًا ومطلعًا - بالفتح - على القياس، ومطلِعًا - بالكسر - على الشذوذ؛ أي:

стр. 14980

طلوعًا إذا ظهر، وهذا مطلَع الشمس - بالفتح - على القياس، ومطلع القمر - بالكسر - على الشذوذ؛ أي: مكان طلوعهما من زمانه. انتهى. و ﴿الْفَجْرِ﴾ الضوء المنتشر في أفق السماء عرضًا عند قرب طلوع الشمس، والفجر إذا أطلق انصرف إلى الفجر الصادق؛ لأنه هو الذي يتعلق به الأحكام الشرعية. البلاغة وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإتيان بـ ﴿ـإن﴾ المكسورة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ لتأكيد الحكم والرد على المنكِر أو الشاك والمخاطبون فيهم ذلك، فقد قالوا: من تلقاء نفسه، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: تنزلت به الشياطين، فرد على جميع ذلك بذكر الإنزال، لا أنه مختلق ولا من أساطير الأولين. فإن قلت: إن المؤمنين يصدقون خبر المولى بلا توكيد، والكافرون يعاندون ولو تعدد التأكيد .. أجيب عنه بجوابين: الأول: يمنع أن الكافرين يعاندون مع التأكيد، فإن عاداتهم الانقياد للتأكيدات، فربما حصل لهم هداية بسبب ذلك التأكيد. الثاني: على تسليم أنهم يعاندون مع التأكيد، فلا نسلم حصر معنى إن في التأكيد، بل قد يؤتى بها ترغيبًا في تلقي الخير والتنبيه بعظيم قدره وشرف حكمه. ومنها: الإتيان بضمير المتكلم المعظِّم نفسَه وهو الله تعالى إشعارًا بتعظيم المنزل والمنزل به، ويحتمل أنها للمتكلم ومعه غيره، فإن الله سبحانه أنزله، والملائكة لهم مدخلية في إنزاله، والمعنى: إنا وملائكة قدمنا أنزلناه على حد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾، والإسناد لله حقيقة إجماعًا، وللملائكة قيل كذلك، وقيل: مجاز، وعليه فلا مانع من الجمع بين الحقيقة والمجاز، يقال: بني الأميرُ وعَمَلَتُهُ المدينةَ، ولا يعترض بالجمع بين القديم والحادث في ضميره فإنه حاصل في ضمير ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ونحوه، وأما قوله ﷺ للخطيب: "بئس الخطيب" لما

стр. 14981

قال: مَن يُطع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن يعصهما فقد غوى، فلأن الخطب محل إطناب. وقيل: وقف على قوله: ومن يعصهما قبل الجواب اهـ "صاوي". ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ حيث شبه الإيحاء بالإنزال، واستُعير الإنزال للإيحاء، واشتُق من الإنزال بمعنى الإيحاء أنزلنا بمعنى: أوحينا بجامع الإعلام في كلٍّ على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية؛ لأن الإنزال وصف للأجسام، والقرآن عَرَض لا جسم، فكيف يوصف بالإنزال، ويحتمل كون إسناد الإنزال إلى القرآن مجازًا عقليًا، وحقه أن يُسند إلى حامله، فالتجوز إما في الظرف أو الإسناد. ومنها: التعبير بالإنزال دون التنزيل؛ للدلالة على أن إنزاله في ليلة القدر دفعيٌّ لا تدريجي. ومنها: الإضمار بلا سبق مرجع في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ لأن ضمير الغيبة للقرآن اكتفاء بشهرته؛ لأن شهرته تقوم مقام تصريحه باسمه، وإرجاع الضمير إليه فكأنه حاضر في جميع الأذهان. ومنها: الإطناب بذكر ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثلاث مرات زيادة في الاعتناء بشأنها وتفخيمًا لأمرها. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾؛ لغرض التفخيم والتعظيم. ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ حيث عطف ﴿الروح﴾ الذي هو جبريل مع دخوله في الملائكة إظهارًا لشرفه وجلالة قدره. ومنها: التعبير بالتنزل دون النزول في قوله: ﴿تَنَزَّلُ﴾ إشارة إلى أنهم ينزلون طائفة بعد طائفة، فينزل فوج ويصعد فوج لضيق الأرض عنهم. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ حيث جعل الليلة عين السلام مبالغة في اشتمالها على السلامة على حد: زيد عدل. ومنها: تقديم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾؛ لإفادة الحصر مثل

стр. 14982

قولهم: تميمىٌ أنا؛ أي: ما هي إلا سلامة. ومنها: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿الْقَدْرِ﴾ ﴿شَهْرٍ﴾ ﴿أَمْرٍ﴾ ﴿الْفَجْرِ﴾؛ لأنه من المحسنات البديعية اللفظية. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. تتمتان: الأولى: اختلفت المذاهب في ليلة القدر، فقال مالك: إنها دائرة في العام كله، والغالب كونها في رمضان، والغالب أيضًا كونها في العشر الأواخر منه، وقال أبو حنيفة والشافعي: هي في رمضان لا تتنقل منه، والغالب كونها في العشر الأواخر، واشتهر عن أبي بن كعب وابن عباس وكثير من العلماء: أنها ليلة السابع والعشرين، وأيده بعضهم بطريق الإشارة بأن عدد كلمات السورة ثلاثون كأيام رمضان، واتفق أن كلمة ﴿هِيَ﴾ تمام سبع وعشرين، وطريق آخر في الإشارة: أن حروف ليلة القدر تسعة، وقد ذُكرت في السورة ثلاث مرات، وثلاث في تسعة بسبع وعشرين، ونُقل عن بعضهم: ضبطها بأول الشهر من أيام الأسبوع، وقالوا: إنها تُعلم باليوم الأول من الشهر، فإن كان أوله يوم الأحد أو الأربعاء فهي ليلة تسع وعشرين، أو يوم الاثنين فهي ليلة إحدى وعشرين، أو يوم الثلاثاء أو الجمعة فهي ليلة سبع وعشرين، أو يوم الخميس فهي ليلة خمس وعشرين، أو يوم السبت فهي ليلة ثلاث وعشرين، قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: ومنذ ما بلغت سن الرجال ما فاتتني ليلة القدر بهذه القاعدة المذكورة، وقد نظمتها بقولي: يَا سَائِلِيْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِيْ ... فيْ عَشْرِ رَمْضَانَ الأَخِيْرِ حَلَّتِ فَإنَّهَا فِيْ مُفْرَدَاتِ الْعَشْرِ ... تُعْرَفُ مِنْ يَوْمِ ابْتِدَاءِ الشَّهْرِ فَبِالأَحَدْ وَالأرْبِعَا فِيْ التَّاسِعَهْ ... وَجُمْعَةِ مَعَ الثَّلاَثَا السَّابِعَهْ وَإِنْ بَدَا الْخَمِيْس فهْيَ الخَامِسَهْ ... وَإِنْ بَدَا بِالسَّبْتِ فَهْيَ الثَّالِثَةُ وَإِنْ بَدَا الإِثْنَيْنِ فَهْيَ الْحَادِيْ ... هَذَا عَنِ السَّادَاتِ وَالزُّهَّادِ اهـ من "القليوبي على الجلال المحلي على المنهاج النووي". والثانية: ذكر العلماء لليلة القدر علامات كما مر بعضها منها: قلة نبح

стр. 14983

الكلاب ونهيق الحمار وعذوبة الماء الملح، ورُؤية كل مخلوق ساجدًا لله تعالى، وسماع كل شيء يذكر الله تعالى بلسان المقال، وكونها ليلة بلجة مضيئة مشرقة بالأنوار، وطلوع الشمس يومها صافيًا نقية ليست بين قرني الشيطان كيوم غيرها، وأحسن ما يُدعى به في تلك الليلة العفو والعافية، كما ورد في حديث عائشة: ويكثر من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل وأنواع الذكر والصلاة على النبي ﷺ ، ويدعو بما أحب لنفسه ولأحبابه أحياءً وأمواتًا، ويتصدق بما تيسر له، ويحفظ جوارحه عن المعاصي، ويكفي في قيامها صلاة العشاء والصبح جماعة. والله أعلم * * *

стр. 14984

خلاصة ما تضمنته هذه السورة الكريمة اشتملت هذه السورة على خمسة مقاصد: ١ - بيان إنزال القرآن في ليلة القدر جملة إلى السماء الدنيا. ٢ - تفخيم شأن ليلة القدر بالاستفهام عنها. ٣ - بيان خيريتها على ألف شهر ليست فيها ليلة القدر. ٤ - بيان تنزل الملائكة فيها إظهارًا لشرفها وقدرها. ٥ - وصفها بكونها ذات سلامة من كل شر (١). والله أعلم * * *

стр. 14985

سورة البينة سورة البينة، وتسمى سورة: لم يكن، مدنية في قول الجمهور، نزلت بعد سورة الطلاق، وقيل: مكية، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت سورة لم يكن بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة: لم يكن بمكة، وهي: ثمان آيات، وأربع وتسعون (١) كلمة، وثلاث مئة وتسعة وتسعون حرفًا. المناسبة: مناسبتها لما قبلها (٢): أن قوله سبحانه في هذه السورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ... الخ كالعلة لإنزال القرآن، كأنه قيل: إنا أنزلناه؛ لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى يأتيهم رسول يتلو صحفًا مطهرة، ووضعها النبي ﷺ بعد سورة القدر؛ لأن الصحف المطهرة التي كان يتلوها النبي نزلت ليلة القدر. فضلها: ومن فضائلها (٣): ما أخرجه أبو نعيم في "المعرفة" عن إسماعيل بن أبي حكيم المزني قال: حدثني الفضل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يستمع قراءة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول: أبشر عبدي وعنتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى" قال ابن كثير: حديث غريب جدًّا، وأخرجه أبو موسى المدني عن مطر المزني من المدني بنحوه. وما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال: وسماني لك. قال: نعم، فبكى". وما أخرجه أحمد وابن قانع في "معجم الصحابة" والطبراني وابن مردويه عن أبي حية - البدري قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها .. قال جبريل: يا رسول الله: إن ربك يأمرك أن تُقرِئَها أُبَيًّا، فقال النبي ﷺ
следующие страницы →