أي: وأقسم بهذا البلد الأمين الذي شرّفه الله تعالى بميلاد رسوله محمد ﷺ فيه، وكرَّمه بالبيت الحرام، وهو مكة المكرمة زادها الله تعالى شرفًا، ومعنى ﴿الْأَمِينِ﴾؛ أي: الآمن، فالأمين مبالغة آمن؛ أي: آمن من فيه، ومن دخله، وكل ما فيه من طير وحيوان وشجر جاهليه وإسلامًا، مِن قتلٍ وسبي واصطياد وقطع، كما يحفظ الأمين ما ائتُمن عليه، من أَمُن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول؛ أي: بمعنى المأمون فيه على الحذف والإيصال من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل والعاهات, كما وُصف بالأمن في قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ بمعنى ذي أمن, وفي الحديث: "من مات في أحد الحرمين بُعث يوم القيامة آمنًا" وفيه مقال.
وحكمة القسم بهذه الأشياء (١): الإبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين، فمنبت التين والزيتون: مهاجر إبراهيم ومولد عيسى، ومَنْشَؤُهما ﵉، والطُور: المكان الذي نودي فيه موسى ﵇، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه.
وخلاصة ما سلف: أن الله سبحانة أقسم بهذه العهود الأربعة التي كان لها أثر بارز في تاريخ البشر، وفيها أنقذ الناس من الظلمات إلى النور،
٤ - ثم ذكر المقسم عليه، فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: جنس الإنسان؛ لأن المراد بالإنسان الماهية من حيث هي الشاملة للمؤمن والكافر. ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وتعديل؛ أي: في أحسن صورة (٢)، فجعلناه مديد القامة حسن البزة, يتناول بيده ما يريد، لا كسائر الحيوان يتناول ما يريد بفيه، إلى أنه خصه بالعقل والتمييز والاستعداد لقبول العلوم والمعارف، واستنباط الحيل التي بها يستطيع أن يكون له السلطان على جميع الكائنات، وله من الحول والطول ما يستمد إلى كل شيء. لكن قد غفل عما ميز به وظن نفسه كسائر المخلوقات، وراح يعمل ما لا يبيحه له العقل ولا ترضى عنه الفطرة، وانطلق يتزود من متاع الدنيا والاستمتاع بشهواتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأعرض عن النظر فيما ينفعه في معاده، وما يرضي به ربه، وما يوصله إلى
стр. 14912
النعيم المقيم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ إلى آخر السورة؛ أي: خلقنا جنس الإنسان حال (١) كونه كائنًا في أحسن تقويم وتعديل، وقال الواحدي: قال المفسرون: إن الله خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قام إذا انتصب، وقام الأمر اعتدل، كما ستقام، وقومته، عدلته، كما في "القاموس"، والتقويم (٢): تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في التأليف والتعديل، وعن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة، فإنه حَكَى أنَّ مَلِك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة، فقال لها: إن لم تكوني أحسن من القمر، فأنت كذا، فأفتى كل العلماء بالحنث إلا يحيى بن أكثم قال: لا يحنث، فقالوا: خالفت شيوخك، فقال: الفتوى بالعلم، ولقد أفتى من هو أعلم منا، وهو الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، وسيأتي قريبًا بسط هذه القصة.
وفي "المفردات": هو إشارة إلى ما خص به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدال على استيلائه على كل ما في هذا العالم، والمعنى: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: كائنًا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورة ومعنى، حيث يراه تعالى مستوي القامة، متناسب الأعضاء، حسن الشكل، كما قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾؛ أي: صوركم أحسن تصوير. قال (٣) ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيًا عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا مدبرًا حكيمًا، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته"؛ أي: على صفاته التي ذكرناها هنا. قلت: وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وعليه يدور معنى قوله ﷺ : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" فإن الإنسان مظهر الجلال والجمال والكمال.
وحاصل ما في هذا المقام: أنه أقسم بالأمور الأربعة السابقة
стр. 14913
على أنه خلق الإنسان، وقوَّمه أفضل تقويم، وركبه أحسن تركيب، وجعله في أحسن اعتدال، وأفضل قوام، وقطره أحسن فطرة نفسًا وبدنًا، وكرمه بالعقل الذي ساد به العوالم الأرضية، وأطلعه به على ما شاء الله سبحانه من العوالم السماوية حتى أوصله بحكمته تعالى وأمره إلى القمر، وجعله يطير في الفضاء، ويحلق في الأجواء، ويغوص في الماء، ويفعل العجائب والغرائب، كل ذلك بفضله تعالى، وفضل هذا العقل الذي ركبه فيه، وهو عجيب من عجائب خلق الله تعالى.
قصة وفتوى
ذكر أنه كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبًا جمًا، وقد خرج معها يومًا في ليلة مقمرة، فقال لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم تكوني أحسن من هذا القمر، فنهضت المرأة واحتجبت عنه، وقالت: لقد طلقتني، وبات زوجها بليلة كئيبة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى الخليفة المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعًا عظيمًا، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلًا واحدًا من أصحاب أبي حنيفة، وهو القاضي يحيى بن أكثم، فإنه كان ساكتًا، فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال: الرجل لم يطلق، ولم يحنث في يمينه، فقيل له خالفت شيوخك، فقال: الفتوى بالعلم، ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو الله تعالى، فإنه يقول عز من قائل عليم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك، ولا تعصيه، فما طلقك. ذكرها "القرطبي" و"الرازي" وغيرهما.
وهذا الفهم لهذه الآية مما يدل على أن الإنسان أحسن خلق الله باطنًا وظاهرًا جمال هيئة وبديع تركيب، قامته منتصبة، وصورته حسنة، وخواص الكائنات فيه مستجمعة، وقواه الباطنة تامة، وحواسه كافية، وأعضاء بطنه وعمله بما يحتاج إليه قائمة، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالَم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه، وفي هذا الإنسان قال الشاعر:
أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيْرُ ... وَفِيْكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ
٥ - ﴿ثُمَّ﴾ بعدما خلقناه في أحسن تقويم وتعديل، ﴿رَدَدْنَاهُ﴾ أي رددنا الإنسان
стр. 14914
المذكور وصيرناه وجعلناه ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي: أسفل من سفل في خلقه وصورته، وأضعف من ضعف في قوته وحيلته ورأيه؛ أي: جعلناه أضعف الضعفاء في القوة والعقل، فينقص عمله وأجره، بأن رددناه إلى أرذل العمر وأخسه، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي، فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من المفسرين.
قال الواحدي: والسافلون: هم الضعفاء والزمناء والأطفال، والشيخ الكبير يكون أسفل من هؤلاء. وقيل المعنى: ثم رددنا ذلك الإنسان بعدما خلقناه في أحسن تقويم، وجعلناه بسبب سوء فعاله واعتقاده أسفل سافلين؛ أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل؛ لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها .. لكان في أعلى عليين، فالضمير راجع إلى الإنسان بالنظر إلى بعض أفراده على هذا المعنى، ففيه استخدام كما سيأتي في مبحثه.
والحاصل: أنه حُوِّل بسوء حاله من أحسن تقويم إلى أقبح تقويم صورة ومعنى؛ لأن مسخ الظاهر إنما هو من مسخ الباطن، فالمراد بـ ﴿السافلين﴾: عصاة المؤمنين، وأفعل التفضيل هنا يتناول المتعدد المتفاوت، و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ إما حال من المفعول؛ أي: رددنا ذلك الكافر إلى النار حال كونه أسفل السافلين في دركات النار، أو صفة لمكان محذوف؛ أي: رددناه إلى مكان هو أسفل أمكنة السافلين، والأول أظهر، ثم هذا بحسب بعض الأفراد الإنسانية وهو الكافر؛ لانغماسهم في بحر الشهوات الحيوانية البهيمية، وانهماكهم في ظلمات اللذات الجسمانية الشيطانية والسبعية، وفيه إشارة إلى أن الاعتبار إنما هو بالصورة الباطنة، لا بالصورة الظاهرة، فكم من مصور على أحسن الصور في الظاهر، وهو في الباطن على أقبح الهيئات، ولذا يجيء الناس يوم القيامة أفواجًا، فإن صفاتهم الباطنة تظهر على صورهم الظاهرة، فتتنوع صورهم بحسب صفاتهم على أنواع، وقال مجاهد وأبو العالية والحسن: المعنى: ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل. وقيل في معنى الآية: لما وصف الله الإنسان
стр. 14915
بتلك الصفات الجليلة التي ركب الإنسان عليها .. طغى وعلا، حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، واعترض على الخالق .
قال الشاعر:
إِذَا طَغَى الْعَقْلُ عَلَى رَبِّهِ ... فَإنَّمَا الْعَقْلُ هُوَ الْجَهْلُ
يَعْتَرِضُ الْعَقْلُ عَلَى صَانِعٍ ... مِنْ بَعْضِ مَصْنُوْعَاتِهِ الْعَقْلُ
إِنْ بَانَ فَضْلُ الْعَقْلِ في صُنْعِهِ ... فَصَانِعُ الْعَقْلِ لَهُ الْفَضْلُ
وحين علم الله سبحانه هذا من عبده وهو العلم بكل شيء، وقضاؤه صادر من عنده .. رده أسفل سافلين بأن جعله مملوءًا حَذرًا، مشحونًا نجاسة، وأخرجها على ظاهره إخراجًا منكرًا على وجه الاختيار تارة، وعلى وجه الغلبة أخرى، حتى إذا شاهد ذلك من أمره رجع إلى قدره، ذكره القرطبي في "تفسيره".
وذكر الطنطاوي في "تفسيره": ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾: إما برده إلى أرذل العمر، فتنكَّس خَلْقه، وتقوس ظهره بعد اعتداله، وتبيض شعره بعد اسوداده، وتغير جلده بالانكماش، وسمعه وبصره بالضعف، ويمشي دلفًا وهو ضعيف القوة، خافت الصوت، إما بضعف قواه العقلية بالخرف وقت الهرم، وإما بأن نحول بينه وبين قلبه، فيعتقد اعتقادًا يضر في دنياه وآخرته، فندخله جهنم.
وخلاصة ما ذكر في الآية: أي ثم رددناه بعد ذلك الكمال الجسماني والعقلي أسفل من سفلوا بتشويه صورة من عقل من دخول جهنم ذليلًا. انتهى. قال في "عين المعاني" (١): ولم تدخل لام الجنس في ﴿سَافِلِينَ﴾ كما ورد في مصحف عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأنه عني أسفل الخرفين خاصة دون كل الناس من أهل الزمانة، وفي "كشف الأسرار": السافلون هم الضعفاء من المرضى والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعًا. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ مُنَكَّرًا، وقرأ عبد الله: ﴿أسفل السافلين﴾ معَرَّفًا بالألف واللام،
٦ - وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانًا صادقًا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المأمور بها، والمأجور عليها، استثناء منقطع على المعنى الأول، فالمعنى: لكن
стр. 14916
الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يخرفون ولا يهرمون، ولا تذهب عقولهم، ووجه كون الاستثناء منقطعًا: أن الهرم والرد إلى أرذل العمر، يصاب به المؤمن، كما يصاب به الكافر، فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى، وعلى المعنى الثاني يكون الاستثناء متصلًا من ضمير ﴿رَدَدْنَاهُ﴾، فإنه في معنى الجمع؛ أي: رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال القرطبي: والاستثناء على قول من قال: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ الهرم منقطع، وعلى قول من قال: إنه النار فهو متصل. انتهى.
﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير منقوص ولا مقطوع، بل أجرهم موصول، ورزقهم موفور من رب كريم عظيم يعطي الجزيل؛ أي: فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم، وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق، والقيام بالعبادة على ضعف نهوضهم، ويجوز أن يكون المعنى: غير ممنون عليهم؛ أي: لا يمن به عليهم، ومن كمال صفات الثواب أن يكون موصولًا غير مقطوع، وأن لا يكون منغصًا بالمنة والتعالي بإظهار الفضل على من صدر الفضل إليهم.
فهذه الجملة على المعنى الأول مبينة لكيفية حال المؤمنين (١)، وعلى المعنى الثاني مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد إلى النار، وقال: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، ولو قال: أسفل سافل .. لجاز؛ لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد، وقيل معنى قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ رددناه إلى الضلال، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾؛ أي: إلا هؤلاء، فلا يردون إلى ذلك.
وعبارة "الخازن" هنا: وعلى القول الأول (٢): يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾: فزال عقله وانقطع عمله، فلا تُكتب له حسنة، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يُكتب لهم بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملونه في حالة الشباب والصحة.
стр. 14917
وقال ابن عباس: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر في زمن النبي ﷺ ، فأنزل الله عذرهم، وأخبرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم، فعلى هذا القول السبب خاص، وحكمه عام، قال عكرمة: ما يضر هذا الشيخ كِبَرُه إذا ختم الله له عمله بأحسن ما كان يعمل، ورُوي عن ابن عباس: إلا الذين قرؤوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يُرد إلى أرذل العمر، وقال أبو الليث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ...﴾ إلخ يعني: لا يخرف ولا يذهب عقل من كان عالمًا عاملًا، وفي الحديث: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله"، والفاء (١) في قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾ في دار الكرامة؛ لأنها المحل، له رابطة على القول الأول؛ لتضمن الموصول معنى الشرط، وتعليلية على القول الثاني؛ أي: لا يغير صورهم في النار؛ لأنهم مثابون في الجنة، وفي "التيسير" عن رسول الله ﷺ : إن العبد إذا مرض من سافر .. كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، أخرجه البخاري وأحمد وغيرهما عن أبي موسى الأشعري ﵁، وكذا رُوي في الهرم، وفي "تفسير أبي الليث" رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المؤمن إذا مات صعد الملكان إلى السماء، فيقولان: إن عبدك فلانًا قد مات، فائذن لنا حتى نعبدك على السماء، فيقول الله سبحانه: إن سمواتي مملوءة بملائكتي، ولكن اذهبا إلى قبره واكتبا حسناته إلى يوم القيامة".
٧ - ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ يا محمد، من يا أيها الإنسان خطابًا على طريق الالتفات ﴿بَعْدُ﴾؛ أي: بعد هذه الحجة القاطعة، والبرهان الساطع، و ﴿بَعْدُ﴾ مبني على الضم؛ لحذف المضاف إليه ونيته، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام الحجة إن كان الخطاب للإنسان، وللتعجب إن كان الخطاب للرسول ﷺ ﴿بِالدِّينِ﴾؛ أي: بالحساب والجزاء، والمعنى: على أن الخطاب (٢) للإنسان؛ أي: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؛ أي: فما الذي يلجئك (٣) إلى هذا الكذب ألا تتفكر في صورتك وشبابك ومبدأ خلقك وهرمك، فتعتبر وتقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني؛ أي: فأي شيء يجعلك أيها الإنسان مكذبًا بالدين والجزاء منكرًا له بعد هذا الدليل.
стр. 14918
وحاصله: أن خلق الإنسان من نطفة قذرة وتقويمه بشرًا سويًا، وتحويله من حال إلى حال كمالًا ونقصانًا، أوضح دليل على قدرة الله تعالى على البعث والجزاء؛ فأي شيء يضطرك بعد هذا الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيبه أيها الإنسان، والمعنى: على أن الخطاب لمحمد ﷺ ؛ أي: فمن يكذبك أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل والبراهين على البعث والجزاء؛ أي: فمن ينسبك إلى الكذب بسبب إثباتك الجزاء وإخبارك عن البعث بعد ظهور الأدلة الدالة على كمال القدرة، فإن مَن خلق الإنسان السوي من الماء المهين، وجعل ظاهره وباطنه على أحسن تقويم، ودرجه في مراتب الزيادة إلى أن استكمل واستوى، ثم نكسه إلى أن يبلغ إلى أرذل العمر، لا شك أنه قادر على البعث والجزاء، فكأنه قال: من يقدر على تكذيبك في إثبات الثواب والعقاب بعدما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، فـ ﴿ما﴾ بمعنى: من، كما في "الجمل"، واختار هذا المعنى الآخر ابن جرير، و ﴿الدين﴾ (١): الجزاء، ومنه قول الشاعر:
دِنَّا تَمِيْمًا كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا ... دَانَتْ أَوَائِلُهُمْ مِنْ سَالِفِ الزَّمَنِ
وقال الآخر:
وَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ ... فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَا ... نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوْا
٨ - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ الذي فعل ما فعل مما ذكرنا ﴿بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: بأتقن (٢) المتقنين صنعًا وتدبيرًا في كل ما خلق، حتى تتوهم أيها الإنسان عدم الإعادة والجزاء، وفيه وعيد شديد للكفار، أي: أليس ذلك بأبلغ إتقانًا للأمور من كل متقن لها؛ إذ الحاكم هو المتقين للأمور، ويلزمه كونه تام القدرة كامل العلم، وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين، تعين الإعادة والجزاء؛ أي: بل هو سبحانه أتقن المتقنين صنعًا في كل ما خلق؛ لأن الاستفهام تقريري، أو المعنى: أليس الله بأقضى القاضين يحكم بينك وبين من يكذبك بالحق والعدل، يقال: حكم بينهم إذا قضى، والاستفهام فيه تقريري؛ لأن نفي النفي إثبات، كما تقدم في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ
стр. 14919
لَكَ﴾، والآية وعيد للمكذبين له ﷺ ، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله؛ أي: بل هو سبحانه أعدل القاضين وأنفذهم وأصحهم قضاء بين خلقه نافذ الحكم ولا بد، بخلاف قضاء غيره من القضاة.
وأخرج (١) الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا: من قرأ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ فقرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعًا: "إذا قرأت ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، فقرأت ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾، فقل: بلى".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ قال: سبحانك اللهم فبلى، وظاهر الحديثين وأثر ابن عباس ﵄ يدل على أنه يأتي قارئها بهذه الكلمات، سواء كان في الصلاة من خارجًا عنها، كما عليه الشافعية خلافًا لمن خصه بخارج الصلاة، كالحنفية.
خاتمة: قال في "فتح الرحمن": قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، إن فسر (٢) بالرد إلى جهنم، فهو سفل حقيقي، والاستثناء بعده متصل، وعليه فقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قائم مقام قوله: فلا نردهم أسفل سافلين، من بالرد إلى أسفل العمر، فهو تسفل في الرتب والأوصاف بالنسبة إلى رتب الشباب وأوصافه. والاستثناء بعده منقطع، وعليه فقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير مقطوع بالهرم والضعف.
والمعنى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال شبابهم وقوتهم إذا عجزوا بالهرم عن العمل .. كتب لهم ثواب ما كانوا يعملون إلى وقت موتهم. انتهى.
الإعراب
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾.
стр. 14920
﴿وَالتِّينِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿وَالتِّينِ﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالتين، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: معطوف على ﴿وَالتِّينِ﴾. ﴿وَطُورِ﴾: معطوف على ﴿وَالتِّينِ﴾، وهو الجبل، وهو مضاف. ﴿سِينِينَ﴾: مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعناه: البقعة المباركة مجرور بالفتحة الظاهرة على النون نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف بعلتين فرعيتين، وهما العلمية والعُجمة؛ لأنه لفظ سرياني عُرِّب، فهو جار مجرى حين في إعرابه بالحركات الظاهرة، ويجوز أن يعرب إعراب جمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء جرًا ونصبًا. ﴿وَهَذَا﴾: في محل الجر معطوف على ﴿وَالتِّينِ﴾. ﴿الْبَلَدِ﴾: بدل من اسم الإشارة. ﴿الْأَمِينِ﴾. صفة لـ ﴿الْبَلَدِ﴾. ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي أَحْسَن﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسَانَ﴾. ﴿أَحْسَنِ﴾: مضاف. ﴿تَقْوِيمٍ﴾: مضاف إليه. و ﴿أَحْسَنِ﴾: صفة لموصوف محذوف؛ أي: في تقويم أحسن تقويم، ويجوز أن تكون ﴿فِي﴾ زائدة؛ أي: قومناه أحسن تقويم اهـ "سمين". ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ. ﴿رَدَدْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول معطوف على ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: مفعول ثان لرد؛ لأنه بمعنى: رجع، فينصب مفعولين، نظير قول الشاعر:
فَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ السُّوْدَ بِيْضًا ... وَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ الْبِيْضَ سُوْدَا
أو حال من المفعول في ﴿رَدَدْنَاهُ﴾، أو صفة لمكان محذوف؛ أي: مكانًا أسفل سافلين، فهو ظرف مكان. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب على الاستثناء المتصل إن فسرنا الرد بالرد إلى جهنم، أو على الاستثناء المنقطع إن فسرنا الرد بالرد إلى الهرم، وعلى هذا تكون ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، خبره جملة قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، والجملة الابتدائية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ معطوفة على ﴿آمَنُوا﴾ داخلة في حيز الصلة. ﴿فَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية على أن الاستثناء متصل، ﴿لهم﴾: خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: صفة لـ ﴿أَجْرٌ﴾، والجملة الاسمية جملة تعليلية لا محل لها
стр. 14921
من الإعراب مسوقة لتعليل الاستثناء؛ لأن الفاء بعد الاستثناء المتصل؛ للتعليل غالبًا، ورابطة الخبر بالمبتدأ على أن الاستثناء منقطع لما في الموصول من معنى الشرط الذي هو الإبهام.
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.
﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أسفل سافلين، وأردت بيان ما هو النصيحة لك .. فأقول لك: ما يكذبك؛ أي: ما يحملك على أن تذكب بالبعث والجزاء على أن الخطاب للإنسان. أو إذا عرفت يا محمد ما بينا لك من دلائل قدرتنا على البعث والجزاء، وأوردت أن تطمئن قلبك على ما بينا لك .. فأقول لك على أن الخطاب لمحمد ﷺ ، ﴿ما﴾: اسم استفهام للاستفهام التقريري المضمَّن للإنكار على أن الخطاب للإنسان، أو للاستفهام التعجبي بمعنى: من، على أن الخطاب للرسول ﷺ في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا ﴿يُكَذِّبُكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدَّرة مستأنفة. ﴿بَعْدُ﴾: في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا؛ لحذف المضاف إليه، ونية معناه؛ أي: بعد هذه العبر والعظات، الظرف متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُكَ﴾. ﴿بِالدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ أيضًا. ﴿أَلَيْسَ﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التقريري، ﴿ليس﴾: فعل ماض ناقص. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿بِأَحْكَمِ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة في خبر ﴿ليس﴾. ﴿أحكمِ﴾: خبرها مجرور لفظًا منصوب محلًا. ﴿الْحَاكِمِينَ﴾: مضاف إليه مجرور بالياء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ والتين - بكسر التاء - ثمر شجر ورطبه النضيج، أحمد الفاكهة وأكثرها غذاء، وأقلها نفخًا، جاذب محلل، مفتح سدد الكبد والطحال، مليَّن، والإكثار منه مقمل، وجبل بالشام ومسجد بها، وجبل لغطفان واسم دمشق، والتينة بالكسر الدُّبُرُ، والتينان - بالكسر - جبلان لبني نعامة
стр. 14922
والذئب، وتينات فرضة على بحر الشام اهـ من "القاموس".
والزيتون ثمر شجرة مباركة فيه إدام ودهن يؤكل ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة وتربية، ويمكث في الأرض ألوفًا من السنين، كما مر.
﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ والطور: جبل كلم الله تعالى عليه موسى ﵇، وهو جبل عظيم فيه عيون وأشجار. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ المقتضي أنه دك ولم يبق له أثر؛ أجيب: بأنه متسع والذي دك قطعة منه، ومعنى ﴿سِينِينَ﴾: المبارك، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، ومعناه: الجبل المبارك؛ لكونه مباركًا مشرفًا بتكليم موسى ربه عليه، وسينين يجوز أن يُعرب بالحركات الثلاث على النون، مع لزومه الياء في أحواله كلها، ويكون ممنوعًا من الصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه عَلَم على البقعة، أو الأرض، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا.
﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ والبلد والبلدة مكة، شرّفها الله تعالى، وكل قطعة من الأرض معمورًا بالسكنى، والبلد أيضًا: القبر والدار، يجمع على بلاد وبلدان.
﴿الْأَمِينِ﴾؛ أي: الآمن فعيل بمعنى: فاعل، يقال: أَمُن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانة مكة أنها تحفظ من دخلها جاهلية واسلامًا مِن قتلٍ وسبي، كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول بمعنى: المأمون فيه على الحذف والإيصال من أمنه إذا جعله مأمونًا مما يخاف؛ لأنها مأمونة الغوائل والعاهات والحروب.
﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ أي: في أعدل قامة وأحسن صورة، يتناول مأكوله بيده، مزينًا بالعلم والفهم والعقل، والتمييز والنطق والأدب، يقال: قام إذا انتصب، وقام الأمر إذا اعتدل، كاستقام، وقوَّمته تقويمًا عدلته، كما في "القاموس"، والتقويم: تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في التأليف والتعديل.
﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ و ﴿أَسْفَلَ﴾ هنا: اسم تفضيل، يتناول المتعدد المتفاوت، والسافلون هم إما الصغار والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير هو أسفل من هؤلاء؛ لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا؛ لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله على
стр. 14923
أهله وجيرانه، وعلى هذا المعنى، فالاستثناء الآتي منقطع، والمعنى حينئذ، ثم رددناه أسفل سافلين، فزال عقله، وانقطع عمله، فلا يُكتب له حسنة، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يكتب له بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملونه في حال الشباب والصحة، وإما عصاة المؤمنين، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، والمعنى: رددناه أسفل ممن سفل خلقًا وتركيبًا حسًا ومعنًى، وهو أهل النار إلا الذين آمنوا الخ، فيكون بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير مقطوع، بل متصل دائم، مِن مَنَّهُ مَنًّا إذا قطعه قطعًا، أو غير ممنون به عليهم، فإن المنة تكدّر النعمة، مِنْ مَنَّ عليه مِنَّة، والأول هو الظاهر، ولعل المراد من الثاني: تحقيق الأجر وإثباته، وأن المأجور استحق الأجر بعمله إطاعة لربه، وإن كان ذلك الاستحقاق من فضل الله تعالى.
﴿بِالدِّينِ﴾ والدين: الجزاء بعد البعث، كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ بإطلاق الحال وإرادة المحل على القول بأنه أراد موضعهما، وهو دمشق وبيت المقدس على ما رجحه ابن جرير.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ من إسناد ما للشيء إلى مكانه؛ لأن الأمن إنما يكون لمن فيه.
ومنها: الطباق بين ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وبين ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ حيث ذكر الإنسان أولًا بمعنى وهو الجنس، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده، والاستخدام عند البديعيين: ذكر الشيء بمعنى، وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر، كما هنا.
стр. 14924
ومنها: الاستفهام التقريعي أو التعجبي في قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ وفيه الالتفات أيضًا من الغيبة في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ إلى الخطاب هنا، والنكتة في ذلك الالتفات: تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب، كأنه قيل له: فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾؛ لأنه دخل على النفي، ونفي النفي تقرير.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
стр. 14925
مقاصد هذه السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على خمسة مقاصد:
١ - أقسم الله بأربعة أشياء على مقسم عليه واحد تعظيمًا للمقسم به، وإشعارًا بغرابة المقسم عليه.
٢ - بيان شرف الإنسان بكونه خُلق على أحسن تقويم.
٣ - استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين يردون إلى أرذل العمر.
٤ - التقريع والإنكار على المكذبين له ﷺ في إخباره عن البعث والجزاء.
٥ - وتطمين قلبه ﷺ بكون الله سبحانه أحكم الحاكمين بينه وبينهم (١).
والله أعلم
* * *
стр. 14926
سورة العلق
سورة العلق، وتسمى سورة القلم، وسورة اقرأ: مكية بلا خلاف، وهي أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، وأخرج ابن مردويه (١) من طرق عن ابن عباس ﵃: أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في "الحلية" عن أبي موسى الأشعري قال: أول سورة أنزلت على محمد ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾.
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وصححه عن عائشة ﵂ قالت: إن أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾، ويدل على أن هذه السورة أول ما نزل الحديث الطويل الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة، وفيه: فجاءه الحق وهو في غار حراء، فقال له: اقرأ الحديث، وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي هذه الأحاديث رد على من قال: أول ما نزل من القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ كما في حديث جابر المذكور في "صحيح مسلم" وغيره، ويجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن المراد يكون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ أول ما نزل كونه أول ما نزل بعد فترة الوحي نحو ثلاث سنوات، وآياتها: تسع عشرة آية، وكلماتها (٢): اثنتان وتسعون كلمة، وحروفها: مئتان وثمانون حرفًا.
المناسبة: مناسبتها لما قبلها (٣): أنه ذكر في سورة التين: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وذكر في هذه السورة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾، والمناسبة ظاهرة بين خلقه من علق، وخلقه في أحسن تقويم، ففي البداية من علق، وفي النهاية في أحسن تقويم، ثم أسفل سافلين إلى أنه تعالى ذكر هنا من أحوال
стр. 14927
الآخرة ما هو كالشرح والبيان لما ذكره في السورة السابقة والقرآن الكريم كله كالحلقة المفرغة في قالب واحد يرتبط أوله بآخره، وآخره بأوله، مع إيماءات وإشارات، لا يعلمها إلا من أطلعه الله سبحانه عليها من ذوي المعارف الصمدانية.
وعبارة "أبي حيان" (١) هنا: هذه السورة صدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في "صحيح البخاري" وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أول ما نزل الفاتحة لا يصح، وقال الزمخشري عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت، وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل، ثم سورة القلم. انتهى.
ولما ذكر فيما قبلها خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك .. ذكره هنا منبهًا على شيء من أطوارها، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة.
تسميتها: وسميت سورة العلق وسورة القلم؛ لذكرهما فيها.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - سورة العلق كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
والله أعلم
* * *
стр. 14928
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾.
المناسبة
تقدم لك آنفًا بيان المناسبة بين أول هذه السورة والتي قبلها، وأما قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) ...﴾ إلى آخر السورة. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) في مطلع السورة دلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وعلامات الحكمة البالغة، ودقة صنائعه البديعة، وكان ذلك كله بحيث يبتعد من العاقل أن لا يلتفت إليه .. أتبعه جل شأنه ببيان السبب الحقيقي في طغيان الإنسان وتكبره وتماديه عليه، وهو حبه للدنيا واشتغاله بها، وجعلها أكبر همه، وذلك يعمي قلبه، ويجعله يغفل عن خالقه، وما يجب له في عنقه من إجلال وتعظيم، وقد كان ينبغي أن يكون حين الغنى والميسرة وكثرة الأعوان واتساع الجاه أشد حاجة إلى الله تعالى منه في حال الفقر والمسكنة؛ لأنه في حال فقره، لا يتمنى إلا سلامة نفسه وأعضائه، أما في حال الغنى فيتمنى ذلك ويتمنى سلامة مماليكه وأتباعه وأمواله.
ألا يعلم أنه راجع إلى ربه فمجازيه على ما يعمل، وقد بلغ من حمقه أن يأمر وينهى، وأنه يوجب على غيره طاعته، ثم هو بعد ذلك يعرض عن طاعة ربه.
أما ينبغي له أن يهتدي ويشتغل بأمر نفسه، (فمن كان ذا عقل ورأي وثروة وجاه وأعوان، واختار الهدى، وتخلق بأخلاق المصلحين .. كان ذلك خيرًا له
стр. 14929
وأجدى)، وإنا لننكلن به نكالًا شديدًا في العاجلة، ولَنُهِيْتَهُ يوم العرض والحساب، وليدع أمثاله من المغرورين، فإنهم لن يمنعوه، ولن ينصروه، ثم ختم السورة بأمره بالتوفر على عبادة ربه فعلًا وإبلاغًا للناس مبتغيًا بذلك وجه الله سبحانه والقربى.
أسباب النزول
تقدمة تاريخية: جاء في صحيح الأحاديث: أن النبي ﷺ "كان يأتي غار حراء - حراء جبل بمكة - يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي وهو في الغار إذ جاءه الملك، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذه ثانيًا، فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذه ثالثة فغطه حتى بلغ منه الجهد، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.
قال الرواة: فرجع ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فأخبر خديجة الخبر، ثم قال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق". الحديث الطويل رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم.
ومن ذلك تعلم (١) أن صدر هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن الكريم، وأول رحمة رحم الله بها عباده، وأول خطاب وجه إلى رسوله ﷺ ، أما بقية السورة فهو متأخر النزول، نزل بعد شيوع بعثته ﷺ ، وبعد أن دعا قريشًا إلى الإيمان به وآمن به قوم منهم، وكان جمهرتهم يتحرشون بمن آمن به ويؤذونهم، ويحاولون ردهم عن تصديقه، والإيمان بما جاء به من عند ربه.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) ابن المنذر عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟، فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته،
стр. 14930
ولأعفرن وجهه في التراب، فأنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) ...﴾ الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١ ٠)﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه، فأنزل الله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ إلى قوله ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي وغيره عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟!، فزجره النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثرُ منى، فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ قال الترمذي حسن صحيح.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿اقْرَأْ﴾؛ أي (١): ما يوحى إليك يا محمد، فإن الأمر بالقراءة يقتضي المقروء قطعًا، وحيث لم يتعين .. وجب أن يكون ذلك ما يتصل بالأمر حتمًا سواء كانت السورة أول ما نزل أم لا، فليس فيه تكليف ما لا يطاق، سواء دل الأمر على الفور أم لا، والأقرب أن هذا إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أول ما نزل عليه ﷺ على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة, وإنما الخلاف في تمام السورة.
وعن عائشة ﵂: أول ما ابتُدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله به كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصالحة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح؛ أي: كضيائه وإنارته، فلا يشك فيها أحد، كما لا يشك في وضوح ضياء الصبح، وإنما ابتُدىء ﵇ بالرؤيا؛ لئلا يفجأه الملك الذي هو جبريل بالرسالة، فلا تتحملها القوة البشرية؛ لأنها لا تحتمل رؤية الملك، وإن لم يكن على صورته الأصلية، ولا على سماع صوته، ولا على ما يخبر به، فكانت الرؤيا تأنيسًا له، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر على ما هو أدنى مدة الحمل، ثم جاءه الملك فعبر عن عالم الرؤيا إلى عالم المثال.
стр. 14931
فإذا كانت مدة الرؤية ذلك العدد يكون ابتداؤها في شهر ربيع الأول، وهو مولده ﷺ ، ثم أوحي إليه في اليقظة في شهر رمضان، وكان ﷺ في تلك المدة إذا خلا يسمع نداء: يا محمد يا محمد، ويرى نورًا؛ أي: يقظة، وكان يخشى أن يكون الذي يناديه تابعًا من الجن، كما ينادي الكهنة، وكان في جبل حراء غار؛ وهو الجبل الذي نادى رسول الله ﷺ بقوله: إلى يا رسول الله لما قال له ثبير وهو على ظهره: اهبط عني يا رسول الله، فإني أخاف أن تُقتل على ظهري، وكان رسول الله ﷺ يتعبد في ذلك الغار ليالي ثلاثًا وسبعًا وشهرًا، ويتزود لذلك من الكعك والزيت، وذلك في تلك المدة وقبلها.
وأول من تعبد فيه من قريش جده عبد المطلب، ثم تبعه سائر المتألهين، وهم أبو أمية بن المغيرة، وورقة بن نوفل ونحوهما، وكان ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ابن عم خديجة ﵂ وكان قد قرأ الكتب السالفة، وكتب الكتاب العبري، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي في آواخر عمره ثم بلغ ﷺ رأس الأربعين، ودخلت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان جاءه الملك وهو في الغار، كما قال الإِمام الصرصري رحمه الله تعالى:
وَأَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُوْنَ فَأَشْرَقَتْ ... شَمْسُ النُّبُوَّةِ مِنْهُ فِيْ رَمَضَانِ
قالت عائشة ﵂: جاءه الملك سحر يوم الإثنين، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذني فغطني؛ أي: ضمني وعصرني، ثم أرسلني، فعله ثلاث مرات، ثم قال: ﴿اقْرَأْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وأخذ منه القاضي شريح من التابعين: إن المعلم لا يضرب الصبي على تعليم القرآن أكثر من ثلاث ضربات، فخرج ﷺ من الغار، حتى إذا كان في جانب من الجبل سمع صوتًا يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، ورجع إلى خديجة يرجف فؤاده، فحدثها بما جرى، فقالت له: أبشر يابن عمي واثبت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم انطلقت إلى ورقة فأخبرته بذلك، فقال فيه:
فَإِنْ يَكُ حَقًّا يَا خَدِيْجَةُ فَاعْلَمِيْ ... حَدِيْثَكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ
وَجِبْرِيْلُ يَأَتِيْهِ وَمِيْكَالُ مَعْهُمَا ... مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ
стр. 14932
يَفُوْزُ بِهِ مَنْ فَازَ عِزًّا لِدِيْنِهِ ... وَيشْقَى بِهِ الْغَاوِيْ الشَّقِي الْمُضَلَّلُ
فَرِيْقَانِ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ فِيْ جِنَانِهِ ... وَأُخَرَى بِأَغْلَالِ الْجَحِيْمِ تُغَلَّلُ
ومكث ﷺ مدة لا يرى جبريل، وإنما كان كذلك؛ ليذهب عنه ما كان يجده من الرعب، وليحصل له التشوق إلى العود، وكانت مدة الفترة؛ أي: فترة الوحي بين ﴿اقْرَأْ﴾ وبين ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، وتوفي ورقة في هذه الفترة، ودُفن بالحجون، وقد آمن به ﷺ وصدّقه قبل الدعوة التي هي الرسالة، ولذا قال ﷺ : "لقد رأيته في الجنة، وعليه ثياب الحرير"، ثم نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾، فظهر الفرق بين النبوة والرسالة.
والجار والمجرور في قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿اقْرَأْ﴾، ومفعول ﴿اقْرَأْ﴾ محذوف تقديره: اقرأ يا محمد ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أُمرت بقراءته حال كونك متلبسًا باسم ربك، أو مستعينًا باسم ربك، أو مفتتحًا باسم ربك، أو متبركًا باسم ربك، أو مبتدئًا باسم ربك؛ ليتحقق مقارنته لجميع أجزاء المقروء؛ أي: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم اقرأ، فعُلِم أن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ نزلت من غير بسملة، وقد صرَّح بذلك الإِمام البخاري - رحمه الله تعالى - أمره بذلك؛ لأن ذكر اسم الله قوة له في القراءة، وأنس بمولاه، فإن الإنس بالاسم يُفضي إلى الإنس بالمسمى، والذكر باللسان يؤدي إلى الذكر بالجنان.
قال في "الكواشي": دخلت ﴿الباء﴾ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾؛ لتدل على الملازمة والتكرير، كأخذت بالخطام، ولو قلت: أخذت الخطام لم يدل على التكرير والدوام، وقيل (١): ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ هو المفعول، وهو المأمور بقراءته، كما تقول: اقرأ الحمد لله، وقيل المعنى: اقرأ في أول كل سورةٍ وقراءةٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقال الأخفش: ﴿الباء﴾ بمعنى على؛ أي: اقرأ على اسم الله، كما قالوا في قوله: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾؛ أي: على اسم الله، وقال أبو عبيدة: ﴿الباء﴾: زائدة، والمعنى: اذكر اسم ربك، وقال أيضًا: الاسم صلة، والمعنى: اقرأ بعون ربك وتوفيقه، وجاء بـ ﴿اسم ربك﴾ ولم يأت بلفظ الجلالة: لما في لفظ
стр. 14933
الرب من معنى الذي رباك، ونظر في مصلحتك، وجاء الخطاب؛ ليدل على الاختصاص والتأنيس؛ أي: ليس لك رب غيره.
وقرأ الجمهور (١): ﴿اقْرَأْ﴾ بهمزة ساكنة أمرًا من القراءة، وقرأ الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بحذفها، كأنه على قول من يبدل الهمزة بمناسب حركتها، فيقول: قرأ يقرأ كسعى يسعى، فلما أمر منه قيل: اقْرَ بحذف الألف، كما تقول: اسع، وفي كتاب "شمس المعارف": أول آية نزلت على وجه الأرض: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يعني: على آدم الصفي ﵇، فقال آدم: الآن علمت أن ذريتي لا تُعذب بالنار ما دامت عليها، ثم أنزلت على إبراهيم ﵇ في المنجنيق، فأنجاه الله تعالى بها من النار، ثم على موسى ﵇ فقهر بها فرعون وجنوده، ثم على سليمان ﵇، فقالت الملائكة: الآن والله قد تم ملكك. فهي آية الرحمة والأمان لرسله وأممهم، ولما نزلت على رسول الله ﷺ في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ كانت فتحًا عظيمًا، فأمر رسول الله، فكُتبت على رؤوس السور وظهور الدفاتر وأوائل الرسالة، وحلف رب العزة بعزته أن لا يسميه عبد مؤمن على شيء إلا بورك له فيه، وكانت لقائلها حجابًا من النار، وهي تسعة عشر حرفًا تدفع تسع عشرة زبانية، وفي الخبر النبوي: "لو وُضعت السموات والأرضون وما فيهن وما بينهن في كفة، والبسملة في كفة لرجحت عليها" يعني البسملة.
وقال بعضهم: ﴿الباء﴾ في باسم الله بره تعالى على المؤمنين بأنواع الكرامات في الدارين، والسين كونه سميعًا لدعاء الخلق جميعًا، والميم معناه من العرش إلى تحت الثرى مِلكه ومُلكه.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾؛ أي: اتصف بالخلق والإيجاد للمخلوقات، من خلق الخلائق، من كل شيء وصف الرب به، لتذكير أول النعماء الفائضة عليه منه تعالى، والتنبيه على أن من قدر على خلق الإنسان على ما هو عليه من الحياة، وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية من مادة لم تشم رائحة الحياة فضلًا من سائر الكمالات .. قادر على تعليم القراءة للحي العالم المتكلم.
стр. 14934
والمعنى: أي اقرأ ما يوحى إليك يا محمد متبركًا باسم ربك الذي له الخلق والمستأثر به لا خالق سواه، فيكون ﴿خَلَقَ﴾ مُنَزَّلًا منزلة اللازم، وبه يتم مراد المقام؛ لدلالته على أن كل خلق مختص به، من المعنى: الذي خلق كل شيء، فيكون من حذف المفعول؛ للدلالة على التعميم.
وقال في "فتح الرحمن": لما ذكر الرب، وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أربابًا، جاء بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾، ومعنى الآية: أي (١): صر يا محمد قارئًا بقدرة الله الذي خلقك وإرادته بعد أن لم تكن كذلك، فإنه ﷺ لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، وقد جاءه الأمر الإلهي بأن يكون قارئًا وإن لم يكن كاتبًا، وسينزل عليه كتابًا يقرؤه وإن كان لا يكتبه.
وقصارى ذلك: أن الذي خلق الكائنات وأوجدها قادر أن يوجد فيها قراءة وإن لم يسبق لك تعلمها.
فائدة: ذكر السيوطي في "إتقانه": أن أول سورة اقرأ مشتمل على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال؛ لكونها أول ما نزل من القرآن، فإن فيها الأمر بالقراءة، وفيها البداءة باسم الله، وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾، ولهذا قيل: إنها جديرة بأن تسمى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله اهـ "ابن لقيمة على البيضاوي".
فائدة أخرى: قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ظاهره (٢) أن هذه الجملة ليست من القرآن؛ لأن الأمر بتحصيل الشيء غير ذلك الشيء، ولكن قام الإجماع على أنها من جملة القرآن خصوصًا مع إثباتها في المصاحف بخطها سلفًا وخلفًا من غير نكير، فعُلم منه أنها من جملة القرآن تأمل.
وفائدة أخرى: بسم الله تُكتب من غير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط؛ لكثرة الاستعمال بخلاف قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فإنها لم تُحذف فيه؛ لقلة الاستعمال، واختلفوا في حذفها من الرحمن والقاهر، فقال الكسائي وسعيد بن الأخفش: تحذف الألف، وقال يحيى بن وثاب: لا تُحذف إلا
стр. 14935
مع اسم الله فقط؛ لأن الاستعمال إنما كثر فيه، اهـ من القرطبي في أول "تفسيره".
٢ - وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: بني آدم تخصيص (١) لخلق الإنسان بالذكر من بين سائر المخلوقات؛ لاستقلاله ببدائع الصنع والتدبير على القول بأن ﴿خَلَقَ﴾ الأول لازم بمعنى اتصف بالخلق واستأئر به، وأما على القول بأن خَلَقَ الأول متعد حُذف مفعوله، فهو تخصيص لخلق الإنسان بالذكر والبيان بعد التعميم تفخيمًا لشأنه؛ إذ هو أشرفهم، وعليه نزل التنزيل، وهو المأمور بالقراءة، ويجوز أن يراد بالفعل الأول أيضًا خلق الإنسان، ويقصد بتجريده عن المفعول الإبهام، ثم التفسير رومًا لتفخيم شأنه.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾؛ أي: خلق الإنسان من دمٍ جامد جمع علقة، كثمر وثمرة، وهي الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح؛ أي: خلقه من دم جامد رطب يعلق بما مر عليه، لبيان كمال قدرته تعالى بإظهار ما بين حالته الأولى والآخرة من التباين البين، وإيراده (٢) بلفظ الجمع حيث لم يقل: علقة بناء على أن الإنسان في معنى الجمع؛ لأن الألف فيه للاستغراق من للجنس، والمعنى: الذي خلق جنس الإنسان من جنس العلق، من لمراعاة الفواصل، ولعله هو السر في تخصيصه بالذكر من بين سائر أطوار الفطرة الإنسانية مع كون النطفة والتراب أدل منه على كمال القدرة؛ لكونهما أبعد منه بالنسبة إلى الإنسانية.
ولما كان خلق الإنسان أول النعم الفائضة عليه منه تعالى، وأقوم الدلائل الدالة على وجوده تعالى، وكمال قدرته وعلمه وحكمته .. وصف ذاته تعالى بذلك أولًا؛ ليسششهد ﷺ به على تمكينه تعالى له من القراءة، وفي "حواشي ابن الشيخ": إن الحكيم لو قال له حين أراد أن يبعثه رسولًا إلى المشركين: اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له .. لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم في ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به حيث أمر رسوله أن يقول لهم: إنهم هم الذين خُلِقوا من العلقة ولا يمكنهم إنكاره، ثم أن يقول لهم: لا بد للفعل من فاعل، فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك الفعل إلى الوثن؛ لعلمهم بأنهم نحتوه، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان؛ لأن الإلهية موقوفة على الخالقية، ومن لم
стр. 14936
يخلق شيئًا كيف يكون إلهًا مستحقًا للعبادة.
ومعنى قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾؛ أي: إن (١) الذي خلق الإنسان وهو أشرف المخلوقات كلها من العلق، وآتاه القدرة على التسلط على كل شيء مما في هذا العالم الأرضي، وجعله يسوده بعلمه، ويسخره لخدمته قادر أن يجعل من الإنسان الكامل كالنبي ﷺ ، قارئًا وإن لم يسبق له تعلم القراءة.
والخلاصة (٢): أن من كان قادرًا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانًا حيًا ناطقًا يسود المخلوقات الأرضية جميعها قادر أن يجعل محمدًا ﷺ قارئًا وإن لم يتعلم القراءة والكتابة.
٣ - ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير، فقال: ﴿اقْرَأْ﴾؛ أي: افعل يا محمد ما أُمرت به من القراءة، وحكمة الأمر بالتكرير؛ لأن القراءة لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة، وتكرار الأمر الإلهي يقوم مقام تكرير المقروء، وبذلك تفسير القراءة ملكة للنبي ﷺ ، تدبر قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ وقيل (٣): إنه أمره بالقراءة أولًا لنفسه، ثم أمره بالقراءة ثانيًا للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأول أولى، وجملة قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ من المبتدأ والخبر مستأنفة مسوقة لإزاحة ما اعتذر به ﷺ من قوله: ما أنا بقارىء، يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي لا أعرف القراءة ولا الكتابة، فقيل له: اقرأ وربك الذي أمرك بالقراءة مبتدئًا باسمه وهو الأكرم؛ أي: الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه ينعم بلا غرض، ولا يطلب مدحًا من ثوابًا من تخلصًا من المذمة، وأيضًا أن كل كريم، إنما أخذ الكرم منه، فكيف يساوي الأصل.
والمعنى (٤): أي وربك يا محمد أكرم من يرتجى منه الإعطاء، فيسيرٌ عليه أن يفيض عليك نعمة القراءة من بحار كرمه من غير تعلُّم كتابة ولا قراءة. وقال ابن الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الْأَكْرَمُ﴾: صفته، و ﴿الَّذِي﴾، مع صلته في قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خبره؛ أي: علم ما علم بواسطة القلم لا غيره، فكما علم القارىء بواسطة الكتابة والقلم يعلمك بدونهما.
стр. 14937
وفي "الخازن": وقد يكون (١) ﴿الْأَكْرَمُ﴾ بمعنى الكريم، كما جاء الأعز بمعنى العزيز، وغاية الكرم إعطاؤه الشيء من غير طلب العوض، فمن طلب العوض فليس بكريم، وليس المراد أن يكون العوض عينًا بل المدح والثواب عوض، والله سبحانه ﷻ وتعالى عُلاهُ وشأنه يتعالى عن طلب العوض، ويستحيل ذلك في وصفه؛ لأنه أكرم الأكرمين، وقيل ﴿الْأَكْرَمُ﴾: هو الذي له الابتداء في كل كرم وإحسان، وقيل: هو الحليم عن جهل العباد، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، وقيل: يحتمل أن يكون هذا حثًا على القراءة، والمعنى: اقرأ وربك الأكرم؛ لأنه يجزي بكل حرف عشر حسنات.
٤ - ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾؛ أي: علم الخط والكتابة التي بها تُعرف الأمور الغائبة، وفيه تنبيه على فضل الكتابة؛ لما فيها من المنافع العظيمة؛ لأن بالكتابة ضُبطت العلوم، ودونت الحكم، وبها عُرفت أخبار الماضين وأحوالهم وسيرهم ومقالاتهم، ولولا الكتابة ما استقام أمر الدين والدنيا، قال قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لو يقم دين ولم يصلح عيش، وسئل (٢) بعضهم عن الكلام، فقال: ريح لا يبقى، قيل له: فما قيده؟ قال: الكتابة؛ لأن القلم ينوب عن اللسان، ولا ينوب اللسان عنه، كما قال بعضهم:
الْعِلْمُ صَيْدٌ وَالْكِتَابَةُ قَيْدُهُ ... قَيِّدْ صُيُوْدَكَ بِالْحِبَالِ الْوَاثِقَهْ
وقال الآخر:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَبْلَى ... وَيُبْقِي الدَّهْرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلاَ تَكْتُبْ بِكَفَّكَ غَيْرَ شَيءٍ ... يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
وفيه امتنان على الإنسان بتعليم علم الخط والكتابة بالقلم، وسمي قلمًا؛ لأنه يُقَلَّم ويقص ويقطع.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: "نعم، فاكتب فإن الله تعالى علم بالقلم".
وعن ابن مسعود قال (٣): قال رسول الله ﷺ : "لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا
стр. 14938
تعلموهن الكتابة؛ - أي: حذرًا من تطلعهن إلى الرجال وحذرًا من الفتنة - لأنهن قد يكتبن لمن يهوين".
قال كعب الأحبار (١): أول من وضع الكتاب العربي والسرياني، والكتب كلها آدم ﵇ قبل موته ثلاث مئة سنة كتبها في الطين ثم طبخه، فاستخرج إدريس ما كتب آدم وهذا هو الأصح.
وأما أول من كتب خط الرمل فإدريس ﵇، وأول من كتب بالفارسية: طهمورت ثالث ملوك الفرس، وأول من اتخذ القراطيس: يوسف ﵇، قال السيوطي - رحمه الله تعالى -: أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأول ما كتب القلم: أنا التواب أتوب على من تاب.
قال بعضهم: وجه المناسبة بين الخلق من العلق وتعليم القلم أن أدنى مراتب الإنسان كونه علقة، وأعلاها كونه عالمًا، فالله تعالى امتن على الإنسان بنقله من أدنى المراتب وهي العلقة إلى أعلاها وهو تعلم العلم،
٥ - وجملة قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ بدل اشتمال من التي قبلها وتعيين للمفعول؛ أي: علم الإنسان بالقلم وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية ما لم يخطر بباله أصلًا، قيل (٢) المراد بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾ هنا: آدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وقيل: ﴿الْإِنْسَانَ﴾ هنا: رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فالمراد بعلمه المستقبل، فإن هذا من أوائل ما نزل، والأولى حمل ﴿الْإِنْسَانَ﴾ على العموم، كما أشرنا إليه في الحال.
وحاصل معنى قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) ...﴾ الآيات، أي (٣): الذي جعل القلم واسطة التفاهم بين الناس على بعد الشقة، كما أفهمهم بوساطة اللسان. والقلم آلة جامدة لا حياة فيها, وليس من شأنها الإفهام، فمن جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان، أفيصعب عليه أن يجعل منك قارئًا مبينًا وتاليًا معلمًا، وأنت إنسان كامل، وقد وصف سبحانه نفسه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علمه بالقلم، ليبين أحوال هذا الإنسان، وأنه خلق من أحقر الأشياء، وبلغ في كماله الإنساني أن صار عالمًا بحقائق الأشياء، فكأنه قيل: تدبر أيها الإنسان تجد
стр. 14939
أنك قد انتقلت من أدنى المراتب إلى أعلى الدرجات وأرفعها, ولا بد لذلك من مدبر قادر حكيم أحسن كل شيء خلقه، ثم زاد الأمر بيانًا بتعداد نعمه، فقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾؛ أي: إن من صدر أمره بأن يكون رسوله ﷺ قارئًا هو الذي علم الإنسان جميع ما هو متمتع به من العلم، وممتاز به عن غيره من الحيوان، وكان في بدء أمره لا يعلم شيئًا، فهل من عجيب أن يعلمك القراءة ويعلمك كثيرًا من العلوم سواها، ونفسك مستعدة لقبول ذلك، وفي الآية دليل على فضك القراءة والكتابة والعلم، ولعمرك لولا القلم ما حُفظت العلوم، ولا أحصيت الجيوش، ولضاعت الديانات، ولا عرف الأواخر معارف الأوائل وعلومهم ومخترعاتهم وفنونهم، ولما سجل تاريخ السابقين المسيئين منهم والمحسنين، ولا كان علمهم نبراسًا يهتدي به الخلف، ويُبنى عليه ما به ترقى الأمم وتتقدم المخترعات.
كما أن فيها دليلًا على أن الله سبحانه خلق الإنسان الحي الناطق فيما لا حياة فيه ولا نطق ولا شكل ولا صورة، وعلمه أفضل العلوم وهي الكتابة، ووهبه العلم ولم يكن يعلم شيئًا، فما أعجب غفلتك أيها الإنسان.
٦ - ﴿كَلَّا﴾ ردع (١) لمن كفر بنعمة الله تعالى عليه بطغيانه وإن لم يسبق ذكره للمبالغة في الزجر فيوقف عليه، وقال السجاوندي: يوقف على ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾؛ لأنه بمعنى حقًا، ولذا وضع علامة الوقف عليه. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إن جنس الإنسان ﴿لَيَطْغَى﴾؛ أي: ليتجاوز الحد ويستكبر على ربه، وهذا بيان للمردوع والمردوع عنه إن قلنا: إنها حرف ردع، قيل: إن هذا إلى آخر السورة نزل في أبي جهل وأضرابه بعد زمان من نزول أول السورة، وهو الظاهر.
٧ - ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ مفعول له؛ أي: يطغى لأن رأى وعلم نفسه مستغنيًا من أبصر غناه، والمراد أنه يريد طغيانه باستغنائه بالعشيرة والأنصار والأعوان والأموال، قال مقاتل: كان أبو جهل إذا أصاب مالًا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه وشرابه، فذلك طغيانه، وكذلك قال الكلبي.
والرؤية هنا (٢): بمعنى العلم، ولو كانت بصرية لامتنع الجمع بين ضميرين لشيء واحد في فعلها؛ لأن ضمير الفاعل في ﴿رَآهُ﴾ وضمير المفعول عائدان على
стр. 14940
﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ لأن الجمع بين الضميرين المتصلين لشيء واحد من خواص أفعال القلوب، فتقول: رأيتني صديقك، فلا يجوز: زيد ضربه، وهما ضميرا زيد.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَنْ رَآهُ﴾ بألف بعد الهمزة، وهي لام الفعل، وقرأ قنبل عن ابن كثير بحذف الألف، وهي رواية ابن مجاهد عنه، قال: وهو غلط لا يجوز، وينبغي أن لا يغلّطه بل يتطلب له وجهًا، وقد حُذف الألف في نحو من هذا، قال الشاعر:
وَصَّانِيَ الْعَجَّاجُ فِيْمَا وَصَّنِيْ
يريد فيما وصاني، فحذف الألف وهي لام الفعل، وقد حذفت في مضارع رأى في قولهم: أصاب الناس جهد ولو تَرَ أهل مكة، وهو حذف لا ينقاس، لكن إذا صحت الرواية به وجب قبوله، والقراءات جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها.
وقيل معنى ﴿كَلَّا﴾ حقًا كما مر عن السجاوندي، والمعنى عليه: أي (٢) حقًا، إن أمر الإنسان لعجب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه وتطاول بأذى الناس، وعد نفسه فوقهم جميعًا، وقد كان من حقه أن يكون هو وإياهم أعضاء أسرة واحدة يتعاونون في السراء والضراء، ويحب الخير لهم، كما يحبه لنفسه، وفي "البخاري": "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، وروي عن علي في نصيحته لابنه الحسن: أحب الخير لغيرك كما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها، وعن ابن مسعود ﵁: منهومان لا يشبعان طالب العلم وطالب الدنيا ولا يستويان، أما طالب العلم فيزداد في رضا الله، وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان.
وتعليل طغيانه برؤيته لنفسه الاستغناء (٣)؛ للإيذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد، روي: أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : أتزعم أن من استغنى طغى؟ فاجعل لنا جبال مكة ذهبًا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل جبريل، فقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب
стр. 14941
المائدة، فكف رسول الله ﷺ عن الدعاء إبقاءً عليهم ورحمةً لهم، وأول (١) هذه السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال، وكفى بذلك مرغبًا في العلم والدين، ومنفرًا عن المال والدنيا، وكان ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غِنًى يُطغي وفقر يُنسي" وقد حكم (٢) سبحانه على الإنسان بالطغيان بالغنى باعتبار الأعم الأغلب، في أفراده، وإلا فإن الغنى والقوة في أيدي الأتقياء من وسائل الخير وأفضل أسباب السعادة الدنيوية والأخروية؛ لأنهم يستعملونها فيما يُرضي ربهم ويعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم،
٨ - ثم حذر من الطغيان وأنذر من عاقبته، وأبان أن ما بيد الطاغي عارية، وليست نفسه بباقية، وأن مرجع الأمر كله لله ، فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾؛ أي: إلى مالك (٣) أمرك أيها الإنسان رجوع الكل بالموت والبعث لا إلى غيره استقلالًا واشتراكًا، فسترى حينئذٍ عاقبة طغيانه، والرجعى مصدر بمعنى الرجوع، والألف للتأنيث كالمرجع والرجوع، يقال: رجع إليه مرجعًا ورجوعًا ورجعى، وتقدم الجار والمجرور؛ لإفادة القصر.
والمعنى (٤): أي إن المرجع إلى ربك وحده وهو مالك أمرك وما تملك، وسيتبين لك عظيم غرورك حينما تخرج من هذه الحياة، وتظهر في مظهر الذل، وتحاسب على كل ما اجترحته في حياتك الأولى قل من كثر عظم من حقر، كما قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾
٩ - ثم أعقب ما تقدم بالوعيد والتهديد والتعجيب، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ والاستفهام لتعجيب المخاطب، وهو النبي ﷺ ، وكل من يتأتى منه الرؤية، والرؤية هنا بصرية، وهي (٥) تتعدى إلى مفعولين؛ لأنها بمعنى: أخبِرْني، فالمفعول الأول: ﴿الَّذِي﴾، والمفعول الثاني: محذوف، وهو جملة استفهامية نظير الجملة الواقعة بعد ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة؛ أي: أخبِرْني يا محمد، من أيها المخاطَب الناهي من يصلي ألم يعلم أن الله يطلع على أحواله، فيجازيه بها حتى اجترأ على ما فعل؛ أي: أخبرني عن حال هذا الأحمق، فإن أمره لعجب، فقد بلغ به الكبر والتمرد والعناد إلى أن
стр. 14942
ينهى عبدًا من عباد الله عن صلاته، ويعتقد أنه يجب عليه طاعته وهو ليس بخالق ولا رازق، فكيف يستسيغ ذلك لنفسه ويعرض عن طاعة الخالق الرازق، وقد روي أن عليًا ﵁ رأى في المصلى قومًا يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فقيل له ألا تنهاهم، فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ ، فلم يصرح بالنهي عن الصلاة احتياطًا.
١٠ - وتنكير (١) ﴿عَبْدًا﴾ لتفخيمه ﷺ ، كأنه قيل ينهى أكمل الخلق في العبودية عن عبادة ربه، والعدول عن ينهاك إلى ﴿يَنْهَى عَبْدًا﴾ دال على أن النهي كان للعبد عن إقامة خدمة مولاه، ولا أقبح منه، قال المفسرون: ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ أبو جهل، والمراد بالعبد محمد ﷺ ، وفيه تقبيح لصنعه وتشنيع لفعل, كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية.
روي: أن أبا جهل قال في ملأ من طغاة قريش: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن عنقه، وفي "التكملة": نهى محمدًا عن الصلاة، وهمّ أن يُلقي على رأسه حجرًا، فرآه في الصلاة، وهي صلاة الظهر، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فنزلت الآية، والمراد أجنحة الملائكة، أبصر اللعين الأجنحة، ولم يبصر أصحابها، فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" وكان أبو جهل يكنى في الجاهلية بأبي الحكم لأنهم كانوا يزعمون أنه عالم ذو حكمة، ثم سمي أبا جهل في الإِسلام.
وكان ﷺ يدعو ويقول: "اللهم أعز الإِسلام بأبي جهل، أو بعمر" فلما أعنه الله بعمر ﵁ دل على أن عمر أسعد قريش، كما أن أبا جهل أشقى قريش؛ إذ الأشياء تتبين باضدادها.
١١ - ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ والرؤية هنا قلبية، معناه: أخبِرْني ذلك الناهي وهو المفعول الأول، فإن مفعولي (٢) ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هنا محذوفان،
стр. 14943
حذف الأول؛ لدلالة المفعول الأول من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى عليه، وحذف الثاني؛ لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه،
١٢ - و ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ أَمَرَ﴾ بمعنى الواو، والمعنى: أخبِرْني يا محمد ذلك الناهي إن صار على الهدى وأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيرًا له من الكفر بالله والنهي عن خدمته.
والخلاصة: أما كان الأفضل له أن يهتدي ويهدي غيره إلى خصال البر والخير، وقد كانت هذه حال النبي ﷺ ، فعمله كان، إما في إصلاح نفسه بالعبادات من صلاة وصيامٍ وغيرهما، وإما في إصلاح غيره بأمره بالتقوى ودعائه إليها.
كأنه تعالى يقول: تلهف يا مخاطَب عليه، كيف فوَّت على نفسه المراتب العالية، وقنع بالمراتب الدنيئة، وهو رجل عاقل ذو ثروة لا يليق به ذلك، والآية في الحقيقة تهكم بالناهي ضرورة أنه ليس في النهي عن عبادته تعالى، والأمر بعبادة الأصنام على هدًى ألبتة.
١٣ - ﴿أَرَأَيْتَ﴾ والرؤية أيضًا هنا قلبية تتعدى إلى مفعولين؛ أي: أخبِرْني ذلك الناهي ﴿إِنْ كَذَّبَ﴾ بالحق ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: أعرض عنه
١٤ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ ذلك الناهي ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَرَى﴾؛ أي: يراه ويجازيه على تكذيبه وإعراضه، والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ﴿لأ رأيت﴾، ومفعولها الأول محذوف، وهو يعود إلى الموصول، من اسم إشارة يشار به إليه، والمعنى: أخبِرْني يا محمد ذلك الناهي إن كذب بتلك الدلائل الواضحة وأعرض عن خدمة خالقه ألم يعلم بعقله أن الله سبحانه يرى منه هذه الأعمال القبيحة، أفلا ينزجر عنها.
والخلاصة (١): أي أنبئني عن حال هذا الكافر إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة، وأمارات القدرة الباهرة، وأعرض عن دعوتك والاستماع لهديك، ودعا الناس إلى مثل ذلك، أفلا يخشى أن تحل به قارعة ويصيبه من عذاب الله ما لا قبل له باحتماله، ألا عقل له يرشده إلى أن خالق هذا الكون مطلع على عمله، وأنه حكيم لا يُهمل عقابه، وأنه سيؤاخذه بكل ما اقترف من كل جرم، ولا يخفى ما في هذا من تهديد وتخويف للعصاة والمذنبين، وقال أبو الليث ﵀: والآية
стр. 14944
عظة لجميع الناس، وتهديد لمن يمنع عن الخير وعن الطاعة، وقال ابن الشيخ في "حواشيه": وهذه (١) الآية وإن نزلت في حق أبي جهل، لكن كل من نهى عن طاعة الله تعالى فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، ولا يلزم عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، والأوقات المكروهة؛ لأن المنهي عنه غير الصلاة، وهي المعصية التي هي الاستيلاء على حق الغير، وإيقاع الصلاة في الوقت المكروه، فإن عدم مشروعية الوصف المقارن، وكونه مستحقًا؛ لأن ينهى عنه لا ينافي مشروعية أصل الصلاة إلا أنه لشدة الاتصال بينهما بحيث يكون النهي عن الوصف موهمًا للنهي عن الأصل احتاط فيه بعض الأكابر، حتى روي عن علي ﵁ أنه رأى في المصلى أقوامًا يصلون قبل صلاة العيد إلى آخر ما مر.
وفي "البيضاوي": ومعنى الآيات: أخبِرْني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه، من أمر بالتقوى فيما يأمره من عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كان على التكذيب اللحق والتولي عن الصواب، كما يقول: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ ويطلع على أحواله، من هداه أو ضلاله ليجازيه عليه. انتهى.
وقال الفراء: المعنى: أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى وهو على الهدى وأمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الذكر؛ أي: فما أعجب هذا، ألم يعلم أبو جهل بأن الله تعالى يراه ويعلم فعله، فهذا تقرير وتوبيخ انتهى.
وقال التبريزى (٢): المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر، قيل: هي أول جماعة أقيمت في الإِسلام كان معه أبو بكر وعلي وجماعة من السابقين، فمر به أبو طالب ومعه ابنه جعفر، فقال له: صل جناح ابن عمك وانصرف مسرورًا، وأنشأ أبو طالب يقول:
إِنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا ثِقَتِىْ ... عِنْدَ مُلِمِّ الزَّمَانِ وَالْكُرَبِ
وَاللهِ لَا أَخْذُل النَّبِيَّ وَلَا ... يَخْذُلُهُ مَنْ يَكُوْنُ مِنْ حَسَبِيْ
لَا تَخْذُلَا وَانْصُرَا ابْنَ عَمَّكُمَا ... أَخِىْ لأُمَّيْ مِنْ بَيْنِهِمُ وَأَبِيْ
стр. 14945
ففرح رسول الله ﷺ بذلك، والخطاب (١) في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الظاهر أنه للرسول ﷺ ، وكذا ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثاني والثالث، والتناسق في الضمائر هو الذي يقتضيه النظم، وقيل: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ خطاب للكافر التفت إلى الكافر، فقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدًى ودعاءً إلى الله تعالى، وأمرًا بالتقوى أتنهاه مع ذلك، والضمير في ﴿إن كَانَ﴾، وفي ﴿إن كَذَّبَ﴾ عائد على الناهي.
١٥ - ﴿كَلَّا﴾ ردع (٢) للناهي اللعين عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة اللات. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف؛ أي: والله لئن لم ينته هذا الناهي اللعين عما هو عليه، ولم ينزجر ولم يتب ولم يسلم قبل الموت، والأصل: ينتهي بالياء المحذوفة للجازم، يقال: نهاه ينهاه نهيًا ضد أمره، فانتهى.
﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾؛ أي: لنجُزَّنَّه بناصيته إلى جهنم، أصله: لنسفعن بنون التوكيد الخفيفة، ونظيره: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ كتب في المصحف بالألف على حكم الوقف، فإنه يوقف على هذه النون بالألف تشبيهًا لها بالتنوين، والسفع: القبض على الشيء وجذبه بعنف وشدة، والناصية: شعر مقدم الرأس، والمعنى: والله لنأخذنه في الآخرة بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار بمعنى: لنأمرن الزبانية ليأخذوا بناصيته، ويجروه إلى النار بالتحقير والإهانة، وكانت العرب تأنف من جر الناصية، وفي "عين المعاني": الأخذ بالناصية عبارة عن القهر والهوان، والاكتفاء بلام العهد عن الإضافة، لظهور أن المراد ناصية الناهي المذكور، ويحتمل أن يكون المراد من هذا السفع سحبه على وجهه في الدنيا يوم بدر، فيكون بشارة بأن يمكِّن المسلمين من ناصيته حتى يجروه على وجهه إذا عاد إلى النهي، فلما عاد مكنهم الله من ناصيته يوم بدر.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿لَنَسْفَعًا﴾ بالنون الخفيفة، وكتبت بالألف باعتبار الوقف؛ إذ الوقف عليها بإبدالها ألفًا وكثر ذلك حتى صارت رويًا، فكتبت ألفًا كقوله:
يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا ... شَيْخًا عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا
وقرأ محبوب وهارون كلاهما عن أبي عمرو: ﴿لنسفعن﴾ بالنون الشديدة،
стр. 14946
والفاعل على كلا القراءتين الله سبحانه، وقرأ ابن مسعود: ﴿لأسفعن﴾؛ أي: يقول يا محمد أنا الذي أتولى إهانة أبي جهل اهـ. "مراح".
روي (١): أنه لما نزلت سورة الرحمن .. قال ﷺ : "من يقرؤها على رؤساء قريش"، فتثاقلوا فقام ابن مسعود ﵁ وقال: أنا. فأجلسه رسول الله، ثم قال ثانيًا: "من يقرؤها عليهم" فلم يقم إلا ابن مسعود ﵁ ثم ثالثًا، إلى أن أذن له ﷺ ، وكان ﷺ يُبقي عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة، فافتتح قراءة السورة، فقام أبو جهل، فلطمه، فشق أذنه وأدماها فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه ﷺ رق قلبه وأطرق رأسه مغمومًا، فإذا جبريل جاء ضاحكًا مستبشرًا، فقال: "يا جبريل تضحك، ويبكي ابن مسعود"، فقال: سيعلم، فلما ظفر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد، فقال له ﷺ : "خذ رمحك والتمس في الجرحى، ومن كان له رمق فاقتله، فإنك تنال ثواب المجاهدين، فأخذ يطالع القتلى، فإذا أبو جهل مصروع يخور، فخاف أن تكون فيه قوة فيؤديه، فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه، ولعل هذا قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾، ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه، فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال له: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبًا، فقال ابن مسعود: الإِسلام يعلو ولا يُعلى عليه، فقال له أبو جهل: بلِّغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلى منه في حال مماتي، فروي أنه ﵇ لما سمع ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى، فإنه قال: آمنت وهو قد زاد عتوًا، ثم قال: يابن مسعود اقطع بسيفي هذا؛ لأنه أحد وأَقطع، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل الخيط فيها، وجعل يجره إلى رسول الله ﷺ وجبريل بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس هاهنا مع الأذن مقطوع، ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفًا حتى لم يقول على الرأس المقطوع لوجوه:
أحدها: أن أبا جهل كلب، والكلب يُجَر ولا يحمل.
والثاني: ليشق الأذن، فيقتص الأذن بالأذن.
стр. 14947
والثالث: ليحقق الوعيد المذكور بقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ فيجر تلك الرأس على مقدمها.
قال ابن الشيخ: الناصية شعر الجبهة (١)، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، ثم إنه تعالى كنى بها هاهنا عن الوجه والرأس، ولعل السبب في تخصيص السفع بها أن اللعين كان شديد الاهتمام بترجيل الناصية وتطييبها.
١٦ - وقوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بالجر بدل من ﴿الناصية﴾، وإنما أبدل (٢) النكرة من المعرفة؛ لوصفها بقوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين فيجوز إبدال النكرة من المعرفة كالعكس بلا شرط وأنشدوا:
فَلاَ وَأَبِيْكَ خَيْرٍ مِنْكَ إِنِّي ... لَيُؤْذِيْنِي التَّحَمُّمُ وَالصَّهِيْلُ
ووصف الناصية بالكذب والخطأ على الإسناد المجازي، وهما لصاحبها حقيقة، وفيه من الجزالة ما ليس في قولك: ناصية كاذب خاطىء كأن الكافر بلغ في الكذب قولًا والخطأ فعلًا إلى حيث أن كلًا من الكذب والخطأ، ظهر من ناصيته، وكان أبو جهل كاذبًا على الله في أنه لم يرسل محمدًا، وكاذبًا في أنه ساحر ونحوه، وخاطئًا بما تعرض له ﷺ بأنواع الأذية.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ بجر الثلاثة على أن ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من المعرفة، وأن ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ صفتان لـ ﴿نَاصِيَةٍ﴾، قال الزمخشري: لأنها وُصفت فاستقلت بفائدة. انتهى. وليس شرطًا في إبدال النكرة من المعرفة أن توصف عند البصريين، كما مر آنفًا، خلافًا لمن شرط ذلك من غيرهم، ولا أن يكون من لفظ الأول أيضًا خلافًا لزاعمه، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي بنصبها على الذم، وقرأ الكسائي: في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ؛ أي: هي ناصية.
ومعنى الآية (٤): أي لا يستمرن بهذا الكافر جهله وغروره وطغيانه، أقسم بعزتي وجلالي لئن لم ينته وينزجر عن هذا الطغيان، ويكف عن نهي المصلي عن
стр. 14948
صلاته لنأخذن بناصيته، ولنذيقنه العذاب الأليم.
أَلَا إن تلك الناصية لكاذبة لغرورها بقوتها، مع أنها في قبضة خالقها فهي تزعم ما لا حقيقة له، وإنها لخاطئة؛ لأنها طغت وتجاوزت حدها وعتت عن أمر ربها، ونسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية، والكاذب والمخطىء صاحبها كما مر من قبل أنها مصدر الغرور والكبرياء،
١٧ - وقد أُمِر هذا الكافر على ضرب من التهكم والتوبيخ بأن يدعو أهل الدفاع من قومه وذوي النجدة والبطش لينقذوه مما سيحل به، فقال: ﴿فَلْيَدْعُ﴾ ذلك الكافر اللعين من الدعوة ﴿نَادِيَهُ﴾؛ أي: أهل (١) ناديه ومجلسه ليعينوه، والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم؛ أي: يجتمعون فيه، وقدر المضاف؛ لأن نفس المجلس والمكان يدعى ولا يسمى المكان ناديًا حتى يكون فيه أهله، ودار الندوة بمكة كانوا يجتمعون فيه للتشاور، والمعنى: فليدع عشيرته فليستنصر بهم،
١٨ - روي أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ وهو يصلي، فقال: ألم ننهك؟ فأغلظ رسول الله ﷺ ، فقال: "أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا" يريد كثرة من يعينه، فنزلت: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾؛ أي: الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج، وهي ملائكة العذاب ليجروه إلى النار، واحد منهم يغلب على ألف ألف من أمثال أهل ناديه، قال ﷺ : "لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عِيانًا".
وقال الكسائي والأخفش وعيسى بن عمر (٢): ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ واحدهم زابن، وقال أبو عبيدة: زبينة، وقيل: واحدهم (٣) زباني، وقيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه كأبابيل وعباديد - اسم موضع -، وأصل الزبن الدفع، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿سَنَدْعُ﴾ بالنون مبنيًا للفاعل وكتبت بغير واو؛ لأنها تسقط عند الوصل لفظًا لالتقاء الساكنين، وسقطت في الكتابة تبعًا للفظ كما سيأتي، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿سيدعى﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ على النيابة عن الفاعل؛ أي: سيدعو الله سبحانه الزبانية ليجروه إلى جهنم.
стр. 14949
وقال قتادة: ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ (١) في الأصل في كلام العرب: الشُرَط كصُرَد، وجمع شرطة بالضم، وهم طائفة من أعوان الولاة، سموا بذلك؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، كما في "القاموس"، والشَرَط بالتحريك العلامة، واحدهم زبنية كعفرية، وعفرية الديك شعرة القفا التي يردها إلى يافوخه عند الهراش من الزَّبْن بالفتح، كالضرب وهو الدفع؛ لأنهم يزبنون الكفار؛ أي: يدفعونهم في جهنم بشدة وبطش، يعني: أن ملائكة العذاب سموا بما سُمي به الشرط تشبيهًا لهم بهم في البطش والقهر والعنف والدفع، وقيل: الواحد زبني، وكأنه نُسب إلى الزبن، ثم غُيِّر إلى زبانية كإنسي بكسر الهمزة، وأصلها زباني، وقيل: زبانية بتعويض التاء عن الياء بعد حذفها للمبالغة في الدفع.
فائدة: اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من ﴿سَنَدْعُ﴾ خطًا، ولا موجب للحذف لفظًا من القواعد العربية، ولعله للمشاكلة مع ﴿فَلْيَدْعُ﴾ أو للتشبيه بالأمر في أن الدعاء أمر لا بد منه.
وقال ابن خالويه: في إعراب الثلاثين آية الأصل سندعو بالواو، غير أن الواو ساكنة فاستثقلتها اللام ساكنة، فسقطت الواو في المصحف من ﴿سَنَدْعُ﴾، و ﴿يدع الإنسان﴾ و ﴿يمح الله الباطل﴾، وكذلك الياء من ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والعلة ما أنباتك من بنائهم الخط على اللفظ. انتهى.
والمعنى: أي فليجمع (٢) أمثاله ممن ينتدي معهم؛ ليمنع المصلين المخلصين ويؤذي أهل الحق الصادقين، فإنه إن فعل ذلك تعرض لسخط ربه ، واستحق التنكيل به، وسندعو له من جنودنا كل قوي متين لا قبل له بمغالبته في الدنيا أو يرديه في النار في الآخرة، والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله تعالى على تعذيب العصاة من خلقه، وسُموا ﴿زبانية﴾؛ لأنهم يزبنون الكفار في النار؛ أي: يدفعونهم إليها
١٩ - ثم بالغ في زجر الكافر عن صلفه وكبريائه، ونفي قدرته على ما تهدد به، فقال: ﴿كَلَّا﴾ ردع (٣) بعد ردع للناهي المذكور، وزجر له إثر زجر، فهو متصل بما قبله، ولذا جعلوا الوقف عليه وقفًا مطلقًا.
стр. 14950
﴿لَا تُطِعْهُ﴾ يا محمد؛ أي: لا تطع ذلك الكافر الناهي لك عن الصلاة؛ أي: دم على ما أنت عليه من معاصاة ذلك الناهي الكاذب الخاطىء، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ و ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربك؛ أي: وواظب على سجودك وصلاتك غير مكترث به ولا مبال له. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي: وتقرب بذلك السجود إلى ربك وابتغ المنزلة عنده.
وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار، والأول أولى.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود" وكلمة ما مصدرية، وأقرب مبتدأ حذف خبره، ويكون تامة؛ أي: أقرب وجود العبد من ربه حاصل وقت سجوده، وهذا السجود الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل: سجود التلاوة، ويدل على هذا ما ثبت عنه ﷺ من السجود عند تلاوة هذه الآية كما مر وسيأتي.
وهذه الآية: محل السجود عند الأئمة الثلاثة خلافًا لمالك، فإنه كان يسجد فيها في خاصية نفسه، وهم على أصولهم في قولهم بالوجوب والسنية، وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة عند الشافعي، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها يدل عليه ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ أخرجه مسلم.
وللسجدة أقسام: سجدة الصلاة، وسجدة التلاوة، وسجدة السهو؛ وهذه مشهورة، وسجدة التعظيم لجلال الله وكبريائه، وسجدة التضرع إليه خوفًا وطمعًا، وسجدة الشكر له، وسجدة المناجاة، وهذه مستحبة في الأصح صادرة عن الملائكة، وعن رسول ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة واللام، وقال أبو حنيفة ومالك: سجود الشكر مكروه، فيقتصر على الحمد والشكر باللسان، وقال الإمامان: هي قربة يثاب فاعلها.
الإعراب
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾.