٣ - ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي (١): وقال كل فرد من أفراد الناس لما يغشاهم من الأهوال ويلحق بهم من فرط الدهشة وكمال الحيرة. ﴿مَا لَهَا﴾؛ أي: أي شيء - للأرض زلزلت هذه المرة الشديدة من الزلزال وأخرجت ما فيها من الأثقال استعظامًا لما شاهده من الأمر الهائل، وتعجبًا لما يرونه من العجائب التي لم تسمع بها الأذان ولا ينطق بها اللسان، لكن المؤمن يقول بعد الإفاقة: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، والكافر: مَن بعثنا من مرقدنا.
وقوله: ﴿مَا لَهَا﴾ مبتدأ وخبر، وفيه معنى التعجب؛ أي: أي شيء ثبت لها؟ أو لأي شيء زلزلت، وأخرجت أثقالها؟ والمعنى (٢)؛ أي: وقال من يكون من الناس مشاهدًا لهذا الزلزال الذي يخالف أمثاله في شدته، ويحار العقل في معرفة أسبابه، ويصيبه الدهش مما يرى ويبصر ما لهذه الأرض وما الذي وقع لها مما لم يعهد له نظير من قبل، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾.
٤ - وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾ وقوله: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ عامل فيهما، وهو جواب الشرط كما مر، وهذا على القول (٣) بأن العامل في ﴿إِذَا﴾ الشرطية جوابها، و ﴿أَخْبَارَهَا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تُحَدِّثُ﴾ والأول محذوف؛ لعدم تعلق الغرض بذكره؛ إذ الكلام مسوق لبيان تهويل اليوم، وأن الجمادات تنطق فيه، وأما ما ذكر ابن الحاجب من أن حدَّث وأنبأ ونَبَّأ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، فغير مسلم الصحة على ما فُصِّل في محله، والمعنى: يوم إذا زلزلت الأرض وأخرجت أثقالها تحدث الخلق وتخبرهم أخبارها إما بلسان الحال، حيث تدل دلالة ظاهرة على ما لأجله زلزالها، واخراج أثقالها، وأن هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويخوفون منه، وإما بلسان المقال؛ وهو قول الجمهور حيث ينطقها الله تعالى، فتخبر بما عُمل على ظهرها من خير وشر حتى يود الكافر أنه سيق إلى النار بما يرى من الفضوح.
روي: أن عبد الرحمن بن صعصعة كان يتيمًا في حجر أبي سعيد الخدري ﵁ فقال أبو سعيد: يا بني إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان،
стр. 15017
فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يسمعه جن ولا إنس ولا حجر ولا شجر إلا شهد له".
وروي: أن أبا أمية صلى في المسجد الحرام المكتوبة ثم تقدم فجعل يصلى هاهنا وهاهنا، فلما فرغ. قيل له: يا أبا أمية، ما هذا الذي تصنع؟ قال: قرأت هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ فأردت أن يشهد لي يوم القيامة، فطوبى لمن شهد له المكان بالذكر والتلاوة والصلاة ونحوها، وويل لمن شهد عليه بالزنا والشرب والسرقة والمساوىء. ويقال: إن لله عليك سبعة شهود: المكان؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾، والزمان؛ كما في الخبر: "ينادي كل يوم: أنا يوم جديد، وأنا على ما تعمل فيّ شهيد"، واللسان؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾، والأركان؛ كما قال تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾، والملكان؛ كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾، والديوان؛ كما قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، والرحمن؛ كما قال: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾، فكيف يكون حالك أيها العاصي إذا شهد عليك هؤلاء الشهود؟.
والمعنى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾؛ أي: في (١) ذلك الوقت، وقت الزلزلة تحدثك الأرض أحاديثها.
والمعنى: أي إن حالها وما يقع فيها من الاضطراب والانقلاب وما لم يعهد له نظير من الخراب تُعْلِم السائل وتفهمه أن ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التي وضعت لأمثاله مما نراه حين استقر نظام هذا الكون،
٥ - ثم بين سبب ما يرى، فقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾؛ أي (٢): تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها وأمره إياها بالتحديث بلسان المقال على ما عليه الجمهور أو بسبب أن أحدث فيها أحوالًا دالة على الإخبار، كما إذا كان التحديث بلسان الحال، و ﴿اللام﴾ (٣) في ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ بمعنى إلى، وإنما أوثرت اللام على إلى مع كون المشهور تعديتها بأل لموافقة الفواصل قال العجاج يصف الأرض:
стр. 15018
أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ ... وَشَدَّها بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ
فعداها باللام، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى، كذا قال أبو عبيدة ..
قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها. وقيل: إن ﴿أَوْحَى﴾ يتعدى باللام تارةً وبإلى أخرى. وقيل: إن اللام على بابها مع كونها للعلة. والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير: أوحى إلى الملائكة المتصرفين فيها لأجل الأرض؛ أي: لأجل ما يفعلون فيها، والأول أولى، وإذا كان الإيحاء إليها .. احتمل أن يكون وحي إلهام، واحتمل أن يكون برسول من الملائكة.
والمعنى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾؛ أي: إن ما يكون للأرض يومئذٍ إنما هو بأمر إلهي خاص، فيقول لها: كوني خرابًا، كما قال لها حين بدأ النشأة الأولى: كوني أرضًا، وإنما سمي ذلك وحيًّا لأنه أتى على خلاف ما عُهِد منذ نشأة الأرض.
٦ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقع ما ذكر ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾؛ أي (١): يرجع الناس من قبورهم إلى موقف الحساب، والظرف إما بدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ قبله، وإما منصوب بـ ﴿يَصْدُرُ﴾، وإما باذكر مقدرًا. والصَّدْر - بسكون الدال -: مصدر بمعنى الرجوع والانصراف بعد الورود والمجيء. قال الجمهور: الورود كونهم مدفونين، والصدر قيامهم من قبورهم، والاسم منه: الصَّدَرُ - بالتحريك - ومنه طواف الصَّدَرِ، وهو طواف الوداع. وقوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ حال من الناس، جمع شت - بالفتح - أي: متفرق؛ أي: متفرقين في النظام.
وعبارة الخطيب: يوم إذ زلزلت الأرض وأخرجت أثقالها يرجع الناس من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد؛ ليفصل بينهم، حال كونهم متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال، من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. وعن ابن عباس: متفرقين على قدر أعمالهم، أهل الإيمان على حدة، وأهل الكفر على حدة، أو متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنّة وآخذ ذات الشمال إلى النار، أو متفرقين بيض الوجوه والثياب آمنين، ينادي المنادي بين أيديهم: هؤلاء أولياء الله سبحانه، وسود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال فزعين،
стр. 15019
ينادي المنادي بين أيديهم: هؤلاء أعداء الله تعالى.
وعن ابن عباس ﵄: "أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ يومًا، فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، وهو يقول: ما لي أراك مغمومًا - وهو أعلم به -؛ فقال ﷺ : يا جبريل، قد طال تفكري في أمر أمتي يوم القيامة، قال: يا محمد، في أمر أهل الكفر أم في أمر أهل الإِسلام؟ قال: يا جبريل، لا بل في أمر أهل لا إله إلا الله، قال: فأخذ بيده حتى أقامه على مقبرة بني سلمة، فضرب بجناحه الأيمن على قبر ميت فقال: قم بإذن الله، فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، الحمد لله رب العالمين، فقال له جبريل: عد، فعاد كما كان، ثم ضرب بجناحه الأيسر على قبر ميت، فقال: قم بإذن الله، فخرج رجل مسود الوجه أزرق العين، وهو يقول: واحسرتاه، واندامتاه، واسوأتاه، فقال له جبريل: عد، فعاد كما كان، ثم قال جبريل: هكذا يبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه" و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَصْدُرُ﴾ أي: يومئذٍ يصدر الناس أو قبورهم إلى ربهم ﴿لِيُرَوْا﴾ جزاء ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ خيرًا كان أو شرًا والكلام على حذف مضاف، وإلا .. فنفس الأعمال لا يتعلق بها الرؤية البصرية؛ إذ الرؤية هنا بصرية لا علمية؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ إلخ تفصيل ﴿لِيُرَوْا﴾، والرؤية فيه بصرية لتعديتها إلى مفعول واحد، اللهم إلَّا أن يُجعل لها صور نورانية أو ظلمانية، أو يتعلق الرؤية بكتبها كما سيجيء، فحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير مضاف. أي: ليري الله سبحانه المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة، حتى يكلم كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة، كما أخبر ذلك رسوله ﷺ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ فيعلمون جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله.
وقرأ الجمهور: ﴿لِيُرَوْا﴾ بضم الياء مبنيًا للمفعول، وهو من رؤية البصر؛ أي: ليريهم الله سبحانه أعمالهم. وقرأ الحسن والأعرج، وقتادة وحمّاد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة بن مصرف، والزهري وأبو حيوة وعيسى، ونافع في رواية بفتحها على البناء للفاعل، والمعنى: ليروا جزاء أعمالهم.
وقصارى ذلك؛ يوم يقع الخراب العظيم لهذا العالم الأرضي، ويظهر ذلك الكون الجديد، كون الحياة الأخرى .. يصدر الناس متفرقين متمايزين، فلا يكون
стр. 15020
محسن في طريق واحد مع مسيء، ولا مطيع مع عاص؛ ليريهم الله جزاء ما قدمت أيديهم، ويجنوا ثمر ما غرسته أيديهم.
٧ - ثم فصل ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ ...﴾ إلخ تفصيل للواو في قوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ كما في "البيضاوي". ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزن نملة صغيرة، وهي أصغر ما يكون من النمل. قال مقاتل: فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾؛ أي: يرى ذلك الخير يوم القيامة في كتابه فيفرح به،
٨ - ﴿و﴾ كذلك ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ في الدنيا ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؛ أي، يرى ذلك الشر يوم القيامة في كتابه فيسوءه. ومثل هذه الآية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ والمثقال (١) الوزن، والذرة النملة الصغيرة، وكل مئة منها زنة حبة شعير، وأربع ذرات وزن خردلة. اهـ قسطلاني. وقيل: الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من الشعيرة. اهـ عيني. وفي الخطيب: قال ابن عباس ﵄: إذا وضعت يدك - أي: راحتك - على الأرض ثم رفعتها .. فكل واحدة مما لزق من التراب ذرة. وقيل: الذرة ما يرى في شعاع الشمس. الداخل من الكوة من الهباء الطائرة. وقال يحيى بن عمار: حبَّة الشعير أربع أرزات، والأرزة أربع سمسمات، والسمسمة أربع خردلات، والخردلة أربع أوراق نخالة، وورق النخالة ذرة. والأول أولى وفي بعد الأحاديث: أن الذرة لا زنة لها، وهذا مثل ضربه الله سبحانه ليبين أنه لا يغفل عن عمل ابن آدم، صغيرًا ولا كبيرًا، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ اهـ خطيب. ومعنى رؤية إما يعادل الذرة من خير أو شر، وإما مشاهدة أجزيته، ﴿فَمَنْ﴾ الأولى مختصة بالسعداء، والمخصوص قوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ أي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ من السعداء ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ومن الثانية بالأشقياء، بقرينه ﴿أَشْتَاتًا﴾ أيضًا؛ أي: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ من الأشقياء ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وذلك لأن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن المجتنب عن الكبائر معفوة. وما قيل من أن حسنة الكافر تؤثر في نقص العقاب وقد ورد أن حاتمًا الطائي يخفف الله عنه لكرمه وورد مثله في أبي طالب وغيره .. يرده قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ وقوله ﷺ في حق عبد الله بن جدعان: "لا ينفعه" لأنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم
стр. 15021
الدين وذلك حين قالت عائشة ﵂: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ وقوله ﷺ في حق أبي طالب: "ولولا أنا .. كان في الدرك الأسفل من النار" فتلك الشفاعة مختصة به وأما حسنات الكفار: فمقبولة بعد إسلامهم، وعن ابن عباس ﵄: (ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه أما المؤمن: فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته وأما الكافر: فيرد حسناته تحسيرًا له). وفي "تفسير البقاعي" الكافر يوقف على ما عمله من خير على أنه جوزي به في الدنيا، أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان, فهو صورة بلا معنى، ليشتد ندمه ويَقْوَى حزنه وأسفه، والمؤمن يراه ليشتد سروره به، وفي جانب الشر يراه المؤمن ويعلم أنه قد غفر له فيكمل فرحه، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه. وقال محمد بن كعب (١): (فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا. وليس له عند الله تعالى خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس عليه عند الله شر). والتفسير الأول أولى. قال مقاتل: (نزلت في رجلين، كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يؤتيه التمر والكسرة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ويقول: إنما أوعد الله النار على الكافرين).
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَرَهُ﴾ في الموضعين بفتح الياء فيهما مبنيًا للفاعل؛ أي: يرى جزاءه من ثواب وعقاب، وقرأ ابن عباس وابن عمر، والحسن والحسين ابنا علي، وزيد بن علي وأبو حيوة، وعبد الله بن مسلم والكلبي، وخُليد بن نشيط وأبان عن عاصم، والكسائي في رواية حميد بن الربيع عنه، والجحدري والسلمي وعيسى: ﴿يُره﴾ بضم الياء فيهما على البناء للمفعول، أي: يريه الله إياه. وقرأ عكرمة ﴿يَرَهُ﴾ على توهم أن ﴿مَن﴾ موصولة، أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة في آخر الفعل، على لغة حكاها الأخفش. وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَرَهُ﴾ في الوضحين بضم الهاء وصلًا وسكونها وقفًا وقرأ هشام بسكونها وصلا ووقفا ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر سكونها فيهما، وعن أبي عمرو ضمها فيهما، مشبعة
стр. 15022
موصولة بواو، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية، وفي هذا النقل نظر، والصواب ما ذكرنا. والإسكان في الوصل لغة حكاها الأخفش ولم يحكها سيبويه، وحكاها الكسائي أيضًا عن بني كلاب وبني عقيل. وعبارة أبي حيان: وقرأ عكرمة (١): ﴿يراه﴾ بالألف في الموضعين، وذلك على لغة من يرى الجزم بحذف الحركة المقدرة في حروف العلة، حكاه الأخفش، أو على توهم أن ﴿مَن﴾ موصولة لا شرطية، كما قيل في ﴿إِنه من يتقي ويصبر﴾ في قراءة من أثبت ياء يتقي وجزم يصبر، توهم أن ﴿مَن﴾ شرطية لا موصولة، وجزم ﴿ويصبر﴾ عطفًا على التوهم.
والرؤية هتا رؤية بصر كما مر وقال النقاش: ليست برؤية بصر، وإنما المعنى: يصيبه ويناله، انتهت.
وحاصل المعنى (٢): أي فمن يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره. فإنه يجد جزاءه، ومن يعمل الشر ولو قليلًا .. يجد جزاءه، ولا فرق بين المؤمن والكافر، وحسنات الكافرين لا تخلصهم من عذاب الكفر، فهم به خالدون في الشقاء وما نطق من الآيات بحبوط عمل الكافرين وأنها لا تنفعهم .. فالمراد به أنها لا تنجيهم من عذاب الكفر وإن خففت عنهم بعض العذاب الذي كان يرتقبهم من السيئات الأخرى أما عذاب الكفر فلا يخفف عنهم منه شيء، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ فقوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ صريح في أن المؤمن والكافر في ذلك سواء، وأن كلًّا يوفَّى يوم القيامة جزاءه، وقد ورد: أن حاتمًا يخفف عنه لكرمه، وأن أبا لهب يخفف عنه لسروره بولادة النبي ﷺ ، هذا تلخيص ما قاله الأستاذ الإِمام في تفسير الآية.
وقيل في معنى ﴿يَرَهُ﴾؛ أي: يرى جزاء عمله ولا يرى العمل نفسه؛ لأن ما عمله قد مضى وعُدِم فلا يرى، وأنشدوا:
إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا ... وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ
وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَرَّ شَرًّا ... وَبِفِعْلِ الْجَمِيْلِ أيْضًا جَزَاهُ
стр. 15023
هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّيْ ... فِيْ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاه
قال الإِمام الرازي في "تفسيره": لقائل أن يقول: إذا كان الأمر إلى هذا الحد ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ فأين الكرم؟.
والجواب: هذا هو الكرم؛ لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفات والكريم لا يحتمله، وفي الطاعة تعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأنَّ الله سبحانه يقول: لا تحسب مثقال ذرة من الخير صغيرًا؛ فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع منى الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها واستدللت بها على ذاتي وصفاتي، واتخذتها مركبًا به وصلت إِليَّ، إِذا لم تضيع أنت ذرتي .. أفأضيع أنا ذَرَّتك؟ ثم التحقيق: أن المقصود هو النية والقصد فإذا كان العمل قليلًا لكن النية خالصة .. فقد حصل المطلوب وإن كان العمل كثيرًا والنية دائرة .. فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئًا من المعروف؛ فإن رجلًا دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة. وعن عائشة ﵂: كان بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها، فجاء سائل، فأمرت له بحبة من ذلك العنب، فضحك بعض من عندها فقالت: إن فيما ترون مثاقيل الذر، وتلت هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ ولعلها كان غرضها التعليم، وإلا .. فهي كانت في غاية السخاوة. روي: أن ابن الزبير بعث إليها بمئة ألف درهم في غرارتين، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية، هَلُمِّي فطوري، فجاءت بخبز وزيت، فقيل لها: أما أمسَكْتِ لنا درهمًا نشتري به لحمًا نفطر عليه؟ فقالت: لو ذَكَّرْتِني لفعلت ذلك. وفي الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" متفق عليه.
الإعراب
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾.
﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿تُحَدِّثُ﴾ الآتي؛ لأنه جوابها ﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل
стр. 15024
﴿زِلْزَالَهَا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، وقيل: ﴿إِذَا﴾ لمجرد الظرفية والعامل فيها محذوف، تقديره: يحشرون، وقيل: اذكر، فهي مفعول به، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿زُلْزِلَتِ﴾ ﴿أَثْقَالَهَا﴾: مفعول به ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿زُلْزِلَتِ﴾ ﴿ما﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل الرفع مبتدأ، ﴿لها﴾ خبر لها، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف مضاف لمثله، في محل النصب على الظرفية على أنه بدل من ﴿إِذَا﴾ والعامل فيه هو العامل في المبدل منه ﴿يوم﴾: مضاف. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والتنوين عوض عن المضاف إليه، تقديره: إذ تزلزل الأرض زلزالها، وتخرج الأرض أثقالها، ويقول الإنسان مالها .. تحدث الأرض أخبارها بسبب إيحاء ربك إليها، فحذفت هذه الجمل الثلاث وناب منابها التنوين، فاجتمع ساكنان وهما الذال والتنوين، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة في الذال بكسرة إعراب، وإن كانت ﴿إذ﴾ في موضع جر بإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لالتقاء الساكنين، ويسمى هذا التنوين: تنوبن العوض ﴿تُحَدِّثُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَرْضُ﴾ ﴿أَخْبَارَهَا﴾: مفعول به ثان، والأول محذوف تقديره: أي الخلق. والجملة الفعلية جواب ﴿إذ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذ﴾ مع جوابها مستأنفة استئنافًا نحويًا لا محل لها من الإعراب.
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
﴿بِأَنَّ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿أن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿رَبَّكَ﴾ اسمها ﴿أَوْحَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْحَى﴾ و ﴿اللام﴾ بمعنى إلى، أو على بابها كما مر، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: بأن ربك موحٍ إليها، وجملة ﴿أَنَّ﴾ مع معموليها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إيحاء ربك إليها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُحَدِّثُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، بدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ قبله، أو متعلق
стр. 15025
بـ ﴿يَصْدُرُ﴾، أو هو مفعول به لـ اذكر، مقدرًا ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾: فعل مضارع وفاعل، ﴿أَشْتَاتًا﴾: حال من ﴿النَّاسُ﴾. والجملة الفعلية جواب ﴿إذ﴾، أو مستأنفة ﴿لِيُرَوْا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿يروا﴾: فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بأن مضمرة بعد (لام) كي وعلامة نصبه: حذف النون، والواو نائب فاعل، وهو المفعول الأول ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول ثان له، والرؤية بصرية ولذلك عديت إلى مفعولين؛ لأن أرى إذا كانت علمية تتعدى إلى ثلاث والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المضمرة، و (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإراءة الله سبحانه إياهم جزاء أعمالهم، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَصْدُرُ﴾. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره إذا عرفت أنهم يصدرون إلى ربهم وأردت تفاصيل أحوالهم .. فأقول لك ﴿من يعمل﴾، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَن﴾، تقديره: هو، ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿خَيْرًا﴾: تمييز ذات ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ منصوب به، ﴿يَرَهُ﴾: ير فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: هو، يعود على ﴿مَن﴾ و ﴿الهاء﴾ في محل النصب مفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية كما مر، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، وجملة قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، مماثلة لها في إعرابها حرفًا بحرف فلا حاجة إلى إعرابها.
التصريف مفردات اللغة
﴿زِلْزَالَهَا﴾ الزلزلة: الحركة الشديدة مع اضطراب، قال الزمخشري: وقرىء بكسر الزاي وفتحها، فالمكسور مصدر، والمفتوح اسم مصدر، وليس في الأبنية فعلال - بالفتح - إلا في المضاعف. اهـ.
وهذا بالنظر إلى الغالب، وإلا فقد ورد: ناقة خزعال، قال في "القاموس": وخزعل الضبع عرج وخمع، وخزعل الماشي نفض رجليه، وناقة بها خزعال ظلع،
стр. 15026
وليس فعلال من غير المضاعف سواه، وقسطال وخرطال، وفيه أيضًا: وزلزلهُ زلزلةً وزلزالًا مثلثة: حركه.
والزلازل البلايا، وقال ابن عرفة الزلزلة والتلتلة واحد، والزلازل والتلاتل كذلك، وأنشد للراعي:
فَأَبُوْكَ سَيِّدُهَا وَأَنْتَ أَشَدُّهَا ... زَمَنَ الزَّلَازِلِ فِيْ التَّلاتِلِ جُوْلَا
﴿أَثْقَالَهَا﴾: جمع ثِقْل - بكسر فسكون - كحمل وأحمال كما في "المختار"، وعبارة الزمخشري: وجعل ما في جوفها من الدفائن أثقالًا لها. والثقل في الأصل متاع البيت، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ والمراد به هنا: ما في جوف الأرض من الدفائن، كالموتى والكنوز.
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ﴾: الإنسان فيه قولان، أحدهما: أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر، أي: يقول الجميع ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، والثاني: أنه الكافر خاصة؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ يقال: أوحى له وأوحى إليه، ووحى له ووحى إليه، إذا كَلَّمه خفية من ألهمه كما جاء في قوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ والوحي الإعلام خفية من الإلهام ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ أي يرجع، فالوارد هو الآتي للماء ليشرب من يستقي، والصادر هو الراجع عنه ﴿أَشْتَاتًا﴾ جمع شَتٍّ، يقال: أمر شت وشتات؛ أي: متشتت ومتفرق، وهو وصفٌ بالمصدر، ويقال: جاؤوا أشتاتًا، وجاؤوا شتات شتات؛ أي متفرقين وقال عدي بن زيد:
قَدْ هَرَاقَ المَاءَ فِي أَجْوَافِهَا ... وَتَطَايَرْنَ بِأَشْتَاتِ شَقَقْ
﴿لِيُرَوْا﴾ أصله لِيُرْأَيُوا، بوزن يُفعَلوا، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت، وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقاء الساكنين ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزنها، وهو مَثَلٌ في الصغر، والذرة النملة الصغيرة أو هي الهَباء الذي يُرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة ﴿يَرَهُ﴾: أصله يَرْايُهُ بوزن يفعل، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت للتخفيف، وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لَمَّا جُزِم الفعل.
стр. 15027
نادرة: قال أبو عبد الله: حدَّثني أبو العيناء عن الأصمعي، قال: قرأ أعرابي: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة شرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ فقدم وأخر فقلت له: قدمت وأخرت فقال:
خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أَوْ قَفَاهَا فَإِنَّهُ ... كِلَا جَانِبَيْ هَرْشَى لَهُنَّ طَرِيْقُ
وروى هذه النادرة الزمخشري في "كشافه" أيضًا، وأضاف: وهرشى كسكرى، ثنية في طريق (مكة) عند الجحفة؛ أي: اسلكا أمام تلك الثنية من خلفها، فإنه - أي الحال والشأن - كلٌّ من جانبيها طريق للإبل التي تطلبانها، وتكرير لفظ هرشى لتقريرها في ذهن السامع خوف غفلته عنها، والمقام كان مقام هداية فحسن فيه ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾.
ومنها: الإضافة للتهويل والتفظيع.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾؛ لأن المخرج حقيقة هو الله سبحانه، نظير قولهم: أثبت الربيع البقل.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾؛ لزيادة التقرير والتوكيد، ولتفخيم هول الساعة.
ومنها: إيثار الواو على الفاء في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾ مع أن الإخراج متسبب عن الزلزال؛ للتفويض إلى ذهن السامع.
ومنها: الاستفهام للتعجيب والاستغراب في قوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾.
ومنها: إيثار (اللام) على (إلى) في قوله: ﴿بأن ربك أوحي لها﴾؛ لمراعاة الفواصل، ولأن ما يتعدى بـ (إلى) يجوز أن يتعدى بـ (اللام)، ولا عكس.
стр. 15028
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 15029
مقاصد هذه السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على مقصدين:
١ - اضطراب الأرض يوم القيامة ودهشة الناس حينئذ.
٢ - ذهاب الناس لموقف العرض والحساب ثم مجازاتهم على أعمالهم (١)
والله أعلم
* * *
стр. 15030
سورة العاديات
سورة العاديات مكية، نزلت بعد سورة العصر في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء، ومدنيَّة في قول ابن عباس وأنس بن مالك وقتادة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة العاديات بـ (مكة).
وآياتها: إحدى عشرة آية، وكلماتها: إحدى عشرة آية، وكلماتها: أربعون كلمة، وحروفها: مئة وستة وستون حرفًا.
المناسبة: مناسبة هذه السورة لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما ذكر في السابقة الجزاء على الخير والشر .. أتبعه بتعنيف الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ولا يستعدون لحياتهم الثانية بتعويد أنفسهم فعل الخير، وقد نزلت سورة العاديات بعد سورة العصر ووضعت بعد سورة الزلزلة لبيان أن من ألهاه الفاني العاجل عن الباقي الآجل خاسر هالك يوم الزلزلة. وسميت بالعاديات: لذِكر لفظها فيها، وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة العاديات كلها محكم لا ناسخ ولا منسوخ.
ومن فضائلها (٢): ما أخرجه أبو عبيد في "فضائله" عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ تعدل نصف القرآن، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ تعدل نصف القرآن" وهو مرسل. وأخرج محمد بن نصر من طريق عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس مرفوعًا مِثله، وزاد: و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ تعدل ربع القرآن".
والله أعلم
* * *
стр. 15031
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.
أسباب النزول
سبب نزول سورة العاديات: ما قاله الكلبي: أن النبي ﷺ بعث سرية إلى أناس من كنانة، فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر، فتخوف عليها، فنزل جبريل ﵇ بخبر مسيرها، وكأنه أقسم بخيل تلك السرية المجاهدة في سبيل الله. وذكر أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري في كتابه "أسباب النزول" سبب نزول هذه السورة، فقال: قال مقاتل: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى حيٍّ من كنانة، واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري (١) وكان أحد النقباء، فتأخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعًا، فأخبر الله تعالى عنها وعن سلامتها وبشرهم بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم العاديات ضبحا؛ يعني تلك الخيل. ثم ذكر الواحدي رواية عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث خيلًا فأسهبت شهرًا لم يأته منها خبر، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ ضبحته بمناخرها إلى آخر السورة ومعنى أسهبت أمضت في السهوب، وهي الأرض الواسعة جمع سهب صفحة: (٢٥٨) أسباب النزول.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ أي أقسم بالخيول العاديات التي تعدو وتجري بسرعة وتضبح ﴿ضَبْحًا﴾؛ أي: تصوت بأنفاسهن صوتًا شديدًا لشدة جريهنَّ وعَدْوهن. والعاديات جمع عادية؛ وهي الجارية بسرعة، من العدو وهو المشي بسرعة، وياؤها مقلوبة عن
стр. 15032
الواو لكسر ما قبلها، كالغازيات من الغزوة. وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ مصدر منصوب إما بفعله المحذوف الواقع حالًا منها؛ أي: أقسم بالعاديات حالة كونها تضبح ضبحا؛ أي: تَنَفَّسُ نفسًا شديدًا لشدة جريها. والضبح: صوت يسمع من أفواه الفرس وأجوافها إذا عدون، وهو صوت غير الصهيل والحمحمة، والصهيل: صوت الفرس عند طلب الأكل، والحمحمة: صوت البرذون عند أكل الشعير. أو منصوب بالعاديات، فإن العدو مستلزم للضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحا، أو منصوب على الحال على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي حالة كونها ضابحات؛ أي: رافعاتٍ أنفاسهن لشدة العدو. وقيل: الضبح صوت حوافرها إذا عدت. وقيل: الضبح نوع من السير من العدو، ويقال: ضبح الفرس إذا عدا بشدة فيكون مصدرًا معنويًا مؤكدًا للعاديات
٢ - ﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾؛ أي: فأقسم بالخيول اللاتي توري وتوقد ﴿قَدْحًا﴾؛ أي: نارًا؛ أي: تخرج النار بحوافرها من الحجارة التي في طريقها لشدة جريها، ويتطاير منها الشرر أثناء جريها. فالإيراء إخراج النار، والقدح الضرب، فجعل ضرب الخيل بحوافرها الحجارة بعضها ببعض حتى يخرج منها الشرر كالقدح بالزناد. قال الزجاج: إذا عدت الخيل بالليل وأصاب حوافرها الحجارة .. انقدح منها النيران. والكلام في انتصاب ﴿قَدْحًا﴾ كالكلام في انتصاب ﴿ضَبْحًا﴾ في الأوجه الثلاثة؛ أي: تقدح قدحا، فالقادحات قدحًا أو قادحات وعبارة الروح: الإيراء إخراج النار، والقدح الضرب، فإن الخيل يضربن بحوافرهن الحجارة فيخرجن منها نارًا، يقال: قدح الزند فأورى، وقدح فأصلد؛ أي صوَّت ولم يور، فالقدح يتقدم على الإيراء بخلاف الضبح حيث يتأخر ويتسبب عن العدو.
والمعنى: فبالخيول التي تورى النار بحوافرها إذا مشت في الأرض ذات الحجارة
٣ - ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾؛ أي: فبالخيول التي تعدو وتغير على العدو لتأخذه بغتة ﴿صُبْحًا﴾؛ أي: في وقت الصباح، يقال: أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل، وأغار الفرس اشتد عدوه في الغارة وغيرها، أسند الإغارة - التي هي مباغتة العدو للنهب والقتل والأسر - إلى الخيل، وهي حال أهلها، إيذانًا بأنها العمدة في إغارتهم وقوله: ﴿صُبْحًا﴾ نُصب على الظرفية؛ أي: في وقت الصبح، وخصه بالذكر لأنه المعتاد في الغارات؛ لأنهم يعدون ليلًا لئلا يشعر بهم العدو ويهجمون عليهم صباحًا على حين غفلة ليروا ما يأتون وما يذرون، ومنه قولهم عند خوف الغارة: يا
стр. 15033
صباحاه، أي: يا قوم احذروا من شر توجه إلينا صباحًا.
٤ - وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾؛ أي: هيجن ﴿بِهِ﴾؛ أي: في وقت الصباح ﴿نَقْعًا﴾؛ أي: غبارًا معطوف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذ المعنى: والخيول اللاتي عدون فأورين فأغرن ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾؛ أي: فهيجن في ذلك الوقت وأصله أَثْوَرْن، من الثور وهو الهيجان، كما سيأتي بسطه في مبحث التصريف، والنقع: الغبار المرتفع، من نقع الصوت إذا ارتفع، سمي الغبار نقعًا لارتفاعه، أو من النقع في الماء، فكان صاحب الغبار خاض فيه كما يخوض الرجل في الماء. وتخصيص إثارة النقع بالصبح لأنه لا يثور ولا يظهر ثورانه بالليل، وبهذا يظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في الليل، ولله در شأن التنزيل. قال سعدي المفتي: وإثارة النقع لأنهم يكونون حال الإغارة مختلفين يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا، بحَسَب الكر والفر في المجاولة إثر المدبر الهارب، والمصاولة مع المقبل المحارب، فينشأ الغبار الكثير. ويجوز أن يجعل الضمير في ﴿بِهِ﴾ لفعل الإغارة فـ ﴿الباء﴾ للسببية أو للملابسة؛ أي: فأثرن بسبب الإغارة، أو حال كونها متلبسات بالإغارة.
والمعنى: فهيجن في وقت الصبح غبارًا لشدة عدوهن،
٥ - ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ من الأعداء؛ أي: تواسطن جمعًا من جموع الأعداء ففرقنه وشتتن شمله، أي: دخلن في وسطهم في وقت الصباح فوسطن بمعنى توسطن و ﴿الباء﴾ في ﴿به﴾ للظرفية، والضمير عائد إلى صبحًا، من للملابسة، والضمير للنقع؛ أي: توسطن - حال كونهن متلبسات بالنقع والغبار - جمعًا من الأعداء، أي: دخلن بينهم للقتل والأسر والنهب، وقوله: ﴿جَمْعًا﴾ مفعول به، والفاءات (١) في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل منها على ما قبلها، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتبة على الإغارة المترتبة على الإيراء المترتب على العدو،
٦ - وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ جواب القسم؛ أي: أقسمت بتلك الخيول الموصوفات بالصفات المذكورة على أن جنس الإنسان لشديد الكفران لنعم ربه، حيث خلقه وأنعمه بنعمة الإيجاد والتربية، فجعل له شريكًا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَأَثَرْنَ﴾ ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بتخفيف الثاء والسين، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بشدهما، وقرأ علي
стр. 15034
وزيد بن علي وقتادة وابن أبي ليلى بشد السين، وقال الزمخشري: وقرأ أبو حية: ﴿فأثَّرن﴾ بالتشديد، بمعنى: فأظهرن غبارًا؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن، وقلب الواو همزة. وقرىء: ﴿فوسَّطن﴾ بالتشديد للتعدية، و ﴿الباء﴾ مزيدة للتوكيد، كقوله: وأُتُوا به، وهي مبالغة في وسطن، انتهى. أما قوله: من قلب فتمحُّلٌ بارد. وأما إن التشديد للتعدية .. فقد نقلوا أن وسط مخففًا ومثقلًا بمعنى واحد، وأنهما لغتان.
وعبارة الخازن هنا: قوله : ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ فيه (١) قولان:
أحدهما: أنها الإبل في الحج، قال علي كرم الله وجهه: (هي الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى). وعنه أيضًا قال: (كانت أول غزاة في الإِسلام بدرًا. وما كان معنا إلا فَرَسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات فيها؟) فعلى هذا القول يكون معنى ضبحها: مد أعناقها في السير، وأصله من حركة النار في العود. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾؛ يعني: أن أخفاف الإبل ترمي بالحجارة من شدة عدوها، فيضرب بعض الحجارة حجرًا آخر فيوري النار. وقيل: هي النيران بجَمْعٍ ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾؛ يعني: الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى، والسُّنَة أن لا يدفع حتى يصبح. والإغارة: سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كيما نغير. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾؛ أي: هيجن بمكان سيرها غبارًا، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾؛ أي: وسطن بالنقع جمعًا، وهو مزدلفة، فوجه القسم على هذا القول: أن الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة، وتعريضه بإبل الحج للترغيب، وفيه تقريع لمن لم يحج بعد الاستطاعة عليه، فإن الكُنود هو الكفر ومن لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك.
والقول الثاني: في تفسير ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ قال ابن عباس وجماعة: هي الخيل العادية في سبيل الله، والضبح: صوت أجوافها إذا عدت، قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات يضبح سوى الفرس والكلب والثعلب. وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من فزع من تعب، وهو من قول العرب: ضبحته النار، إذا غيرت لونه. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾؛ يعني: أنها توري النار بحوافرها إذا سارت في
стр. 15035
الحجارة، وقيل: هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها، وقال ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل فيوري أصحابها نارًا ويصنعون طعامهم. وقيل: هو مكر الرجال في الحرب، والعرب تقول - إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه -: أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾؛ يعني: الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح؛ لأن الناس في غفلة في ذلك الوقت عن الاستعداد. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾؛ أي: المكان ﴿نَقْعًا﴾: غبارًا. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾؛ أي: دخلن به؛ أي: بذلك النقع، وهو الغبار. وقيل: صرن بعدوهن وسط جمع العدو، وهم: الكتيبة.
وهذا القول في تفسير هذه الآيات أولى بالصحة وأشبه بالمعنى؛ لأن الضبح من صفة الخيل، وكذا إيراء النار بحوافرها وإثارة الغبار أيضًا. وإنما أقسم الله سبحانه بخيل الغزاة لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية، الأجر والغنيمة، وتنبيهًا على فضلها وفضل رباطها في سبيل الله ، ويؤيده ما سبق في أسباب النزول من أن رسول الله ﷺ بعث إلى أناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري ﵁ وكان أحد النقباء، فأبطأ عليه ﷺ خبرها شهرًا، فقال المنافقون: إنهم قتلوا، فنزلت السورة إخبارًا للنبي ﷺ بسلامتها، وإشارة له بإغارتها على القوم، ونعيًا على المرجفين في حقهم ما هم فيه من الكفر والكفران. فـ ﴿اللام﴾ في ﴿العاديات﴾ إن كانت للعهد .. كان المقسَمُ به خيلَ تلك السرية، وإن كانت للجنس .. كان ذلك قسمًا بكل خيل عدت في سبيل الله تعالى واتصفت بالصفات المذكورة، وعلى التقديرين فهي مستحقة لأن يقسم لاتصافها بتلك الصفات الشريفة. وفي تخصيص خيل الغزاة بالإقسام بها من البراءة ما لا مزيد عليه، كأنه قيل: وخيل الغزاة التي فعلت كيت وكيت، وإذا كان شرف خيل الغزاة بهذه المرتبة حتى أقسم الله بها .. فما ظنك بشرف الغزاة وفضلهم عند الله تعالى؟.
والحاصل: أن الله سبحانه أقسم (١) بالخيل التي لها هذه الصفات والتي تعمل تلك الأعمال ليُعِلي من شأنها في نفوس عباده المؤمنين أهل الجد والعمل؛ وليُعْنوا بتربيتها وتعويدها الكر والفر، وليحملهم على العناية بالفروسية والتدرب على ركوب
стр. 15036
الخيل والإغارة بها على العدو؛ ليكون كل امرىء مسلم منهم عاملًا ناصبًا إذا جد الجد واضطرت الأمة إلى صد عدو أو بعثها باعث على كسر شوكته، يرشد إلى ذلك قوله في آية آخرى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وفي إقسام الله بها بوصف العاديات المغيرات الموريات إشارة إلى أنه يجب أن تقتنى الخيل لهذه الأغراض والمنافع لا للخيلاء والزينة، وأن الركوب الذي يحمد ما يكون لكبح جماح الأعداء وخضد شوكتهم وقد عدوانهم.
وقصارى ذلك: أن للخيل في عدوها فوائد لا يحصى عدها، فهي تصلح للطلب وتسعف في الهرب، وتساعد جِد المساعدة في النجاء والفر والكر على الأعداء وقطع شاسع المسافة في الزمن القليل.
ثم ذكر المحلوف عليه بتلك الإيمان الشريفة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾؛ أي: إن جنس (١) الإنسان طبع على نكران الحق وجحوده، وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له، إلا من عصم الله تعالى وهم الذين روَّضوا أنفسهم على فعل الفضائل وترك الرذائل ما ظهر منها وما بطن. وعبارة الرازي: لما ذكر المقسم به، وهو ثلاثة أمور: ذكر المقسم عليه، وهو أمور ثلاثة، أولها: قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾، ثانيها: قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ ثالثها: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾، وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ ...﴾ إلخ، شروع في تخويف الإنسان بعد تعديد قبائح أفعاله عليه، فأقسم بثلاثة على ثلاثة اهـ. وروي: أن النبي ﷺ قال: "الكَنود: الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده"؛ أي: عطاءه، أي: أنه لا يعطي شيئًا مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباده كما رأف به، فهو كافر بنعمته مجانف لما يقتضي به العقل والشرع. وسر الجِبِلَّة: أن الإنسان يحصر همه فيما حضره وينسى ماضيه وما عسى أن يستقبله، فإذا أنعم الله عليه بنعمة .. غرته غفلته، وقسا قلبه، وامتلأ جفوة على عباده. وقال ابن عباس: الكنود: الكفور الجحود لنعمة الله تعالى. وقيل: ﴿الكنود﴾ العاصي، وقيل: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم، وقيل: هو قليل الخير، مأخوذ من الأرض الكنود وهي التي لا تنبت شيئًا. وقال الفضيل بن
стр. 15037
عياض: ﴿الكنود﴾: الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان (١)، وضده الشكور، وهو الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. يقال: كَنَدَ النعمة كُنودًا كفر بها، فالكُنود - بالضم - كفران النعمة , وبالفتح الكَفور، ومنه سمي كندة - بالكسر - وهو لقب ثور بن عفير أبي حي من اليمن؛ لأنه كند أبوه النعمة ففارقه ولحق بأخواله. وقال الكلبي: ﴿الكنود﴾ بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور. قيل: كان ثلاثة نفر من العرب في عمر واحد، أحدهم آية في السخاء وهو حاتم الطائي، والثاني آية في البخل وهو أبو حباحب، وبخله أنه كان لا يوقد النار للخير إلا إذا نام الناس، فإذا انتبهوا .. أطفا ناره؛ لئلا ينتفع بها أحد، والثالث آية في الطمع، وهو أشعب بن جبير مولى مصعب بن الزبير بن العوام، قرأ صبي في المكتب وعنده أشعب جالس: إن أبي يدعوك، فقام ولبس نعليه، فقال الصبي: أنا أقرأ حزبي! وكان إذا رأى إنسانًا يحك عنقه .. يظن أنه ينتزع قميصه ليدفعه إليه، وكان إذا رأى دخانًا ارتفع من دار .. ظن أن أهلها تأتي بطعام، وكان إذا رأى عروسًا تزف إلى موضع .. جعل يكنس باب داره لكي تدخل داره، قال: ما رأيت أطمع منى إلا كلبًا تبعني على مضغ العلك فرسخًا.
وقال الحسن: ﴿لَكَنُودٌ﴾؛ أي: لوام لربه، يذكر المصيبات وينسى النعم. وقال: القاشاني: لكفور لربه باحتجاجه بنعمه عنه ووقوفه معها، وعدم استعماله لها فيما ينبغي ليتوصل بها إليه، وقيل غير ذلك. والمراد بالإنسان: بعض أفراده؛ أي: إنه لنعمة ربه خصوصًا لكفور؛ أي: شديد الكفران. فقوله: ﴿لِرَبِّهِ﴾ متعلق بـ ﴿كنود﴾، قدم عليه لإفادة التخصيص ومراعاة الفواصل،
٧ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن الإنسان، ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾؛ أي: على كُنوده ﴿لَشَهِيدٌ﴾؛ أي: شاهد يشهد على نفسه بالكنود لظهور أثره عليه، فالشهادة هنا بلسان الحال لا بلسان المقال، ويحتمل أن يجعل من الشهود, بمعنى أنه لكفور مع علمه بكفرانه، والعمل السيء مع العلم به غاية المذمة. والمعنى أي (٢): وإنه مع كنوده ولجاجته في الطغيان وتماديه في الإنكار والبهتان إذا خلى ونفسَه .. رجع إلى الحق وأذعن إلى أنه ما شكر ربه على
стр. 15038
نعمه إلا أن أعماله كلها جحود لنعم الله تعالى، فهي شهادة منه على كنوده، وشهادة بلسان الحال وهي أفصح من لسان المقال. وقيل: المعنى: وإن الله جل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد، وبه قال الجمهور، وقال بالأول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب، وهو أرجح من قول الجمهور؛
٨ - لقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن الإنسان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي لحب المال، فإن الضمير راجع إلى الإنسان، والمعنى (١): وإنه لحب المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: قوي مطيق مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه، والخير المال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن زيد: سمى المال خيرًا، وعسى أن يكون شرًا بأن كان حرامًا، ولكن الناس يجدونه خيرًا فسماه خيرًا جريًا على عادتهم، كما سمى الجهاد سوءًا فقال: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾؛ أي: قتال، والقتال ليس بسوء، ولكن ذكره سوءًا جريًا على عادتهم. وحب المال: إيثار الدنيا وطلبها، و ﴿اللام﴾ في ﴿لِحُبِّ﴾ متعلقة بـ ﴿شديد﴾ قدم عليه لمراعاة الفاصلة، يقال: هو شديد لهذا الأمر وقوي له إذا كان مطيقًا له ضابطًا؛ يعني: أنه قوي مجد في طلب المال وتحصيله متهالك عليه، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس. وقيل: الشديد البخيل الممسك؛ يعني: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبخيل ممسك. والمعنى عليه أي: وإن الإنسان بسبب محبته للمال وشغفه به وتعلقه بجمعه وادخاره لبخيل .. شديد في بخله، حريص متناه في حرصه، ممسك مبالغ في إمساكه متشدد فيه، قال: طرفة:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِيْ ... عَقِيْلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
ولعل وصفه بهذا الوصف القبيح بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية للمنافقين إلى النفاق حب المال؛ لأنهم بما يظهرون من الإِسلام يعصمون أموالهم ويحوزون من الغنائم نصيبًا.
٩ - ثم هدد الإنسان الذي هذه صفاته وتوعده بقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ الهمزة (٢) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيفعل ما يفعل من القبائح، من ألا يلاحظ فلا يعلم في الدنيا أن الله مجازيه ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ وأُخِرج ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ من الموتى لمجازاتهم على
стр. 15039
أعمالهم، فناصب ﴿إِذَا﴾ محذوف كما قدرناه، وهو مفعول يعلم ﴿لا يعلم﴾ لأن الإنسان لا يراد منه العلم في ذلك الوقت، وإنما يراد منه ذلك في الدنيا، أي: لا يعلم أن الله مجازيه وقت إذ بعث وأخرج ما في القبور من الموتى، وإيراد ﴿ما﴾ لكونهم إذ ذاك بمعزل عن مرتبة العقلاء، قال أبو عبيدة: يقال: بعثرت المتاع إذا جعلت أسفله أعلاه، وقد تقدم الكلام على هذا في قوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾.
١٠ - وقوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ معطوف على ﴿بُعْثِرَ﴾؛ أي: مُيَّز وبُيَّن ما فيها من الخير والشر؛ أي: ميز خير ما في القلوب من الأسرار من شره، للمجازاة على كل منهما بموجبه من الثواب والعقاب، فالتحصيل (١) بمعنى التمييز، ومنه قيل للمنخل: المحصل؛ أي آلة التحصيل وتمييز الدقيق من النخالة، فإنه لا بد من التمييز بين الواجب، والمباح، والمكروه، والمحظور، فإن لكل واحد منها حكمًا على حدة، فتمييز البعض من البعض وتخصيص كل واحد منها بحكمه اللاحق هو التحصيل.
وقيل المعنى: أي جُمع في الصحف وأُظهر ما في الصدور من الأسرار الخفية التي من جملتها ما يخفيه المنافقون من الكفر والمعاصي، فضلًا عن الأعمال الجلية؛ أي: أُظهر محصَّلًا مجموعًا، وأصل التحصيل: إخراج المستور بإخراج المغمور فيه وأخذه منه، كإخراج اللب من القشر، وإخراج الذهب من حجر المعدن، والبر من التبن، والدهن من اللبن، ومن الدُّردي، والجمع والإظهار من لوازمه. وتخصيص (٢) أعمال الصدور بالذكر لأنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح، فالقلب أصل وأعمال الجوارح متابعة له، ولذا قال تعالى: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وقال النبي ﷺ : "يبعثون على نياتهم" وعبارة "الجمل" هنا: ﴿وَحُصِّلَ﴾؛ أي: اخرج وجُمع بغاية السهولة ﴿مَا فِي الصُّدُورِ﴾ من خير وشر مما يظن أنه لا يعلمه أحد أصلًا وظهر مكتوبًا في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها، اهـ خطيب.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بُعْثِرَ﴾ بالعين، مبنيًا للمفعول، وقرأ عبد الله ﴿بحثر﴾ بالحاء وقرأ الأسود بن يزيد ﴿بحث﴾ وقرأ نصر بن عاصم: ﴿بحثر﴾ على بنائه
стр. 15040
للفاعل. وقرأ الجمهور: ﴿وَحُصِّلَ﴾ بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورًا مبنيًا للمفعول، وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، ومحمد بن أبي سعدان: ﴿حَصَل﴾ بفتح الحاء والصاد مخففًا، مبنيًا للفاعل؛ أي: ظهر.
١١ - وقرأ الجمهور: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾ بكسر الهمزة، على الاستئناف الإخباري، وبإثبات لام ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ أي: إن رب المبعوثين كنى عنهم بعدًا لإحياء الثاني بضمير العقلاء بعدما عبر عنهم بما في قوله: ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ بناء على تفاوتهم في الحالين، فحين كانوا في القبور كانوا كجمادات بلا عقل ولا علم وإن كان لهم نوع حياة فيها، بخلاف وقت الحشر ﴿بِهِمْ﴾؛ أي: بذواتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يكون ما ذكر من بعث ما في القبور. وتحصيل ما الصدور، والعامل في ﴿بِهِمْ﴾ وفي ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿لَخَبِيرٌ﴾؛ أي: عالم بظواهرهم وبواطنهم علمًا موجبًا للجزاء متصلًا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، وإلا فمطلق علمه تعالى محيط بما كان وما سيكون. وقُدِّما عليه مراعاة للفواصل، واللام غير مانعة لعمله فيهما، لكنه ضَمَّن خبير معنى مجاز لهم في ذلك اليوم، أي: إن رب المبعوثين لخبير بهم يوم إذ بعث ما في القبور وحصل ما في الصدور، لا تخفى عليه منهم خافية، فيجازيهم بالخير خيرًا وبالشر شرًا، قال الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى: أن الله يجازيهم في ذلك اليوم، ومثلُه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم، انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾ بكسر الهمزة واللام في ﴿لَخَبِيرٌ﴾ كما مر آنفأ وقرأ أبو السمال والحجاج بفتح الهمزة وإسقاط اللام، ويظهر في هذه القراءة تسلط ﴿يَعْلَمُ﴾ على ﴿إِنَّ﴾ لكنه لا يمكن إعمال خبير في ﴿إِذَا﴾؛ لكونه في صلة أن المصدرية، لكنه يمكن أن يقدر له عامل فيه من معنى الكلام، فإنه يقال: يجزيهم إذا بعثر.
والمعنى (٢): أفلا يعلم هذا الإنسان المنكر لنعم الله تعالى عليه الجاحد لفضله وأياديه أنه سبحانه عليم بما تنطوي عليه نفسه، وأنه مجازيه على جحده وإنكاره يوم يحصل ما في الصدور ويبعثر ما في القبور. وقد عبر سبحانه عن مجازاتهم على ما كسبت أيديهم بالخبرة بهم والعلم المحيط لأعمالهم وهذا كثير في الكلام، تقول
стр. 15041
لشخص في معرض التهديد: سأعرف لك عملك هذا، مع أنك تعرفه الآن قطعًا، وإنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة، وهو مجازاته بما يستحق، وقد جاء على هذا النسق قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ مع أن كتابة أقوالهم حاصلة فعلًا، فالمراد: سنجازيهم بما قالوا الجزاء الذي هم له أهل، والله أعلم بأسرار كتابه.
الإعراب
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾.
﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ ﴿الواو﴾ حرف جر وقسم، العاديات: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قَسَم محذوف وجوبًا لكون القسم بالواو تقديره: أقسم بالعاديات، والجملة القَسَمية مستأنفة استئنافًا نحويًا ﴿ضَبْحًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: يضبحن ضبحا، والجملة المقدرة حال من العاديات، ويجوز أن يكون ﴿ضَبْحًا﴾ مصدرًا وقع موضع الحال من ﴿العاديات﴾؛ أي: أقسم بالعاديات حالة كونها ضابحات، ويجوز أن يكون منصوبًا بالعاديات، ﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿الموريات﴾ معطوف على ﴿العاديات﴾، ﴿قَدْحًا﴾ وقد جاء فيه الأوجه الثلاثة التي في ﴿ضَبْحًا﴾. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿المغيرات﴾: معطوف على ﴿الموريات﴾ لا على ﴿العاديات﴾ كما توهمه بعضهم؛ لأن العطف إذا كان بحرف مرتب فكل معطوف على ما قبله كما بيّناه في "باكورتنا على الأجرومية" نقلًا عن الشيخ الحامدي، و ﴿صُبْحًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿المغيرات﴾ أي: اللاتي تغير في وقت الصبح، قال أبو حيان وأجاد: وفي هذا دليل على أن هذه الأوصاف لذات واحدة لعطفها بالفاء التي تقتضي التعقيب، والظاهر، أنها الخيل التي يُجاهَد عليها العدو من الكفار كما مرّ بسطه في مبحث التفسير.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾.
﴿فَأَثَرْنَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أثرن﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أثرن﴾ و ﴿نَقْعًا﴾: مفعول به، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على العدو من على الصبح، و ﴿الباء﴾ حينئذٍ بمعنى (في)، أي: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ في وقت الصبح ﴿نَقْعًا﴾: قال أبو حيان: وهذا أحسن
стр. 15042
من الأول؛ لأن المرجع مذكور بالصريح، والجملة الفعلية معطوفة على صلة (أل) الداخلة على الصفات المذكورة لأنها موصولة، والتقدير: واللاتي عدون ضبحًا، فأورين قدحًا، فأغرن صبحًا، فأثرن به نقعًا، ﴿فَوَسَطْنَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿وسطن﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أثرن﴾ ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿وسطن﴾ والضمير للصبح، و ﴿الباء﴾ بمعنى: (في)، من على النقع، و ﴿الباء﴾ للتعدية، وقيل: ﴿الباء﴾ متعلقة بمحذوف حالي من ضمير الفاعل، و ﴿الباء﴾ للملابسة، أي: حالة كونهن متلبسات بالغبار ﴿جَمْعًا﴾ مفعول به على الأوجه الثلاثة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه ﴿لِرَبِّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كنود﴾، ﴿لَكَنُودٌ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿كنود﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب ﴿وَإِنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إنه﴾: ناصب واسمه ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿شهيد﴾، ﴿لَشَهِيدٌ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿شهيد﴾: خبر إن، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها جواب قسم لا محل لها من الإعراب ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شديد﴾. ﴿لَشَدِيدٌ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿شديد﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى؛ لأن العاطف هنا غير مرتب كما مرت الإشارة إليه.
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.
﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لا﴾: نافية ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الإنسان، معطوف على ذلك المحذوف ومفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ محذوف تقديره: أيفعل الإنسان ما يفعل من القبائح فلا يعلم أن الله يجازيه إذا بعث ما في القبور؟ والجملة المحذوفة جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بمفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ المحذوف لا به كما مرّ بسطه؛ أي: أفلا يعلم أن الله مجازيه وقت بعث ما في القبور؟ ﴿بُعْثِرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل، ﴿فِي الْقُبُورِ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة في محل الخفض بإضافة الظرف إليها، ﴿وَحُصِّلَ﴾: فعل ماض مغير الضيغة ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل
стр. 15043
﴿فِي الصُّدُورِ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة الفعلية في محل الخفض معطوفة على ما قبلها، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿بهم﴾ متعلق بـ ﴿خبير﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿خبير﴾ أيضًا، ﴿بخبير﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿خبير﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل عامل ﴿إِذَا﴾ المحذوف؛ أي: أفلا يعلم أن الله مجازيه وقت ما ذكر لأنه خبير بأحوالهم وأعمالهم بتفاصيلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالْعَادِيَات﴾: جمع عادية، كغازيات جمع غازية، وهي: الخيل الجارية بسرعة، من العدو، وهو المشي بسرعة، ففيه إعلال بالقلب، أصله: العادوات، فقلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، يقال: عدا يعدو عدوًا، فهو عاد وهي عادية اهـ، "سمين". ﴿ضَبْحًا﴾ والضبح صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل، وفي "المختار": ضبحت الخيل من باب قطع والضبح: صوت أنفاسها إذا عدت اهـ، وفي "القاموس": ضبحت الخيل ضبحًا وضباحًا أسمعت من أفواهها صوتًا ليس بصهيل ولا حمحمة، قال عنترة:
وَالْخَيْلُ تَكْدَحُ حِيْنَ تَضْـ ... ـبَحُ فِيْ حِيَاضِ الْمَوْتِ ضَبْحَا
والكدح: الجد في العدو. وشبه عنترة الموت بالسيل على طريق الاستعارة المكنية، والحياض تخييلُ ذلك.
﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: جمع مورية، من الإيراء، وهو إخراج النار من الحجارة، ففيه حذف همزة أفعل من الوصف، يقال: أورى فلان إذا أخرج النار بزند، ونحوه، وفي "المصباح": وَرَى الزندِ، يَرِيْ، من باب وعد، وفي لغة: ورى - بكسرهما - وأورى بالألف، وذلك إذا أخرج ناره، وفي "المختار": وأوراه غيره اهـ، فاستفيد من مجموعها أنه يستعمل ثلاثيًا لازمًا لا غير، ورباعيًا لازمًا ومتعديًا، وما في الآية من قبيل المتعدي. ﴿قَدْحًا﴾: والقدح الضرب لإخراج النار، كضرب الزناد بالحجر، وفي "القرطبي": وأصل القدح الاستخراج، ومنه: قدحت العين إذا أخرجت منها الفاسد، واقتدحت الزند واقتدحت المرق غرفته، والمقدحة - بكسر الميم - ما تقدح به النار، والقداحة والقدح: الحجر الذي يوري النار اهـ. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾: فيه إعلال بالنقل، نقلت حركة حرف العلة إلى الغين قبلها فسكن فصار حرف مد،
стр. 15044
فأصله المغْيِرات، نقلت حركة الياء إلى الغين، يقال: أغار يغير إغارة، إذا باغت عدوه لنهب من قتل من أسر، وفي "المصباح": وأغار الفرس إغارة، والاسم الغارة، مثل أطاع إطاعة والاسم الطاعة، إذا أسرع في العدو، وأغار القوم إغارة أسرعوا في السير اهـ. وفي "القاموس": أغار على القوم غارة واغارة دفع عليهم الخيل، وأغار الفرس اشتد عدوه في الغارة وغيرها اهـ. قال الشاعر:
أَغَارَ عَلَى الْعَدُوِّ بِكُلِّ طَرْفٍ .... وَسَلْهَبَةٍ تَجُولُ بِلَا حِزَامِ
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾؛ أي: هيجن في وقت الصبح غبارًا، يقال: ثار يثور ثورًا، وثورانًا وثؤورًا، أهاج، ومنه ثارت الفتنة بينهم، وثار الغبار من الدخان ارتفع، وثار الجراد ظهر، وثارت نفسه جشأت وجاشت، وثار إليه وبه، وثب عليه. وما في الآية من الإثارة وهو التهييج وتحريك الغبار، وأصله: أَثْوَرْن من الثور وهو الهيجان، نقلت حركة الواو إلى الثاء قبلها، وقلبت الواو ألفًا فصار أثارن، فحذفت الألف لاجتماع الساكنين، فبقي أثرن بوزن أفلن. ﴿نَقْعًا﴾: والنقع الغبار؛ والنقع أيضًا: أن يروى الإنسان من شرب الماء، يقال: نقعت غلي بشربة ماء، وقال بشار:
كَأَنَّ مَثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوْسِنَا ... وَأَسْيَافُنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ
﴿فَوَسَطْنَ﴾؛ أي: توسطن، وفي "المصباح": ويقال: وسطت القوم والمكان أسط وسطًا - من باب وعد - إذا توسطت بين ذلك، والفاعل واسط، وبه سمي البلد المشهور بالعراق لأنه توسط الإقليم، وفي "المختار": تقول: جلست وَسْط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف، وجلست وَسَط الدار بالتحريك؛ لأنه اسم لما يكتنفه غيره من جهاته، وكل موضع صلح فيه (بين) فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه (بين) فهو وسط بالتحريك، وربما سكن وليس بالوجه اهـ.
وعبارة "القاموس": ووَسَطَهُم كوعد، وَسَطًا وسِطَة جلس وسطهم كتوسطهم وهو وسيط فيهم؛ أي: أوسطهم نسبًا، وأرفعهم محلًا، والوسيط بين المتخاصمين إلى آخر ما ذكره. ﴿لَكَنُودٌ﴾: وفي "المختار": كند النعمة كفر بها، وبابه: دخل، فهو كنود وامرأة كنود أيضًا، وقال الحسن في قوله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ قال: الكنود الذي يذكر المصائب وينسى النعم. وقال: النمر بن تولب:
стр. 15045
كَنُودٌ لَا تَمُنُّ ولَا تُفَادِيْ ... إِذَا عَلِقَتْ حَبَائِلُهَا بِرَهْنِ
لَهَا مَا تَشْتَهِي عَسَلٌ مُصَفَّى ... إِذَا شَاءَتْ وَحُوَّارَى بِسَمْنِ
وقال غيره:
كَنَد النعمةَ كَفَرها ولم يَشْكُرها.
وأنشدوا:
كَنُوْدٌ لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ وَمَنْ يَكُنْ ... كَنُوْدًا لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ يُبَعَّدُ
وأصل الكنود: الأرض التي لا تنبت شيئًا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات ومعروفات ﴿لَشَهِيدٌ﴾؛ أي: لشاهد على كنوده وكفره بنعمة ربه ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾؛ أي: لأجل حب الخير ﴿لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: لبخيل، والخير المال، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ البعثرة بالعين، والبحثرة بالحاء: استخراج الشيء واستكشافه كما تقدم في سورة الانفطار عن "المختار".
فإذا قيل: لم قال: ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾، ولم يقل: من في القبور، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾؟ أجيب عن الأول: بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، من أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. ﴿وَحُصِّلَ﴾؛ أي: أُظهِر محصلًا مجموعًا في صحائف الأعمال، قال في "القاموس": التحصيل تمييز ما يحصل، والحاصل من كل ما يبقى وثبت وذهب ما سواه اهـ. ﴿مَا فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ما في القلوب من العزائم والنوايا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المخالفة بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ إذ عطف الفعل على الاسم الذي هو العاديات وما بعده؛ لأنها أسماء فاعلين تعطي معنى الفعل، ففيها سر بديع، وهو تصوير هذه الأفعال في النفس وتجسيدها أمام
стр. 15046
العين، فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم لما بينهما من التخالف، وهو أبلغ من التصوير والتجسيد بالأسماء المتناسقة.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾؛ حيث شبه الخيول العادية اللاتي تضرب بحوافرها الحجارة بالجماعة الذين يورون الزند، فالقدح استعارة لضرب الحجارة، من يقال: شبه الحرب بالنار المشتعلة وحذف المشبه وأبقى المشبه به، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ حيث أسند الإغارة التي هي مباغتة العدو للنهب والقتل والأسر إلى الخيل وهي حال أهلها، إيذانًا بأنها العمدة في إغارتهم.
ومنها: تخصيص إثارة النقع بالصبح؛ لأنه لا يثور، ولا يظهر ثورانه بالليل، وبهذا يظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في الليل، ولله در شأن التنزيل.
ومنها: التأكيد بـ ﴿إن﴾ واللام واسمية الجملة في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ لزيادة التقرير والبيان.
ومنها: الجناس المحرف في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾ وهو الذي يكون الضبط فيه فارقًا بين الكلمتين أو بعضهما، وهو أيضًا ما اتفق ركناه في أعداد الحروف واختلفا في الحركات، سواء كانا من اسمين أو فعلين أو اسم وفعل أو من غير ذلك، والغاية فيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ولا يقال: إن اللفظين متحدان في المعنى فلا يكون بينهما تجانس؛ لأنا نقول: المراد بالأول: اسم الفاعل، وبالثاني: اسم المفعول، فالاختلاف ظاهر، ومنه قوله ﷺ : "اللهم كما حسنت خَلْقِي فحسن خُلُقي" ومنه قولهم: جُبة البُرد جُنة البرد.
ومنها: الجناس اللاحق في قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ وهو الذي أبدل في إحدى الكلمتين حرف واحد بغيره من غير مخرجه، وسواء كان الإبدال من الأول نحو قوله: تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ أو في الوسط كهذه الآية التي نحن بصددها، أو في الآخر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ ومن أمثلة الشعر على هذا الترتيب المذكور أيضًا قول أبي فراس:
стр. 15047
إِنَّ الْغَنِيَّ هُوَ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ ... وَلَوْ أَنَّهُ عَارِيْ الْمُنَاكِبِ حَافِيْ
مَا كُلُّ مَا فَوْقَ الْبَسِيْطَةِ كَافِيًا ... وَإِذَا قَنِعْتَ فَكُلُّ شَيءٍ كَافِيْ
ومن الثاني قول البحتري:
وَقُعُودِيْ عَنِ التَّقَلُّبُ وَالأَرْ ... ضُ لِمِثْلِي رَحِيْبَةُ الأَكْنَافِ
لَيْس عَنْ ثَرْوَةٍ بَلَغَتْ مَدَاها ... غَيْرَ أَنِّي امْرُؤٌ كَفَانِي كَفَافِيْ
ومن الثالث قول بعضهم:
شَوْقِي لِذَاكَ الْمُحَيَّا الزَّاهِرِ الزَّاهِيْ ... شَوْقٌ شَدِيْدٌ وَجِسْمِيْ الوَاهِنُ الْوَاهِيْ
أَسْهَرْتُ طَرْفِي وَوَلَّهْتُ الفُؤَادَ هَوًى ... فَالْقَلْبُ وَالطَّرْفُ بَيْنَ السَّاهِرِ السَّاهِيْ
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ﴾ لإفادة التهديد والوعيد.
ومنها: التضمين في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ ضمن لفظ ﴿خبير﴾ معنى المجازاة؛ أي: مجازيهم على أعمالهم.
ومنها: إيثار ﴿ما﴾ على (من) في قوله: ﴿مَا فِي الْقُبُور﴾ لكونهم إذ ذاك بمعزل عن مرتبة العقلاء.
ومنها: تخصيص أعمال القلوب بالذكر في قوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ دون أعمال الجوارح؛ لأنها متابعة لأعمال القلوب فإنه لولا تحقق البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح، اهـ "زاده".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
* * *
стр. 15048
سورة القارعة
سورة القارعة مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة قريش، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة القارعة بمكة.
وآياتها: إحدى عشرة آية، من عشرة، من ثمان، كلماتها: ست وثلاثون كلمة، وحروفها: مئة واثنان وخمسون حرفًا.
المناسبة: مناسبتها لما قبلها (١): أن آخر السابقة كان في وصف يوم القيامة، من بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، ومجازاة الناس على ما كسبت أيديهم، وهذه السورة بأسرها في وصف ذلك اليوم الشديد وما يكون فيه من الأهوال، من كون الناس كالفراش المبثوث، وكون الجبال كالعهن المنفوش.
قال الرازي: واعلم أَنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ فكأنه قيل: وما ذاك اليوم؟ فقيل هي: القارعة، اهـ من "تفسير الكبير".
ومما يدل على فضلها: ما ورد عن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة القارعة .. ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة" اهـ "بيضاوي" ولكن فيه مقال.
التسمية: وسميت سورة القارعة لذكر لفظ القارعة فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة القارعة كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
والله أعلم
* * *
стр. 15049
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ اتفقوا (١) على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، كـ ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾، ﴿الطَّامَّةُ﴾، ﴿الْغَاشِيَةِ﴾، ﴿الصَّاخَّةُ﴾.
وسبب تسميتها بالقارعة: أن القارعة هي الصيحة التي يموت منها الخلائق، وهي الصيحة الأولى التي تموت منها الخلائق سوى إسرافيل، ثم يميته الله تعالى ثم يحييه فينفخ في الصور النفخة الثانية فيقومون. وقيل: القارعة هي التي تفزع الخلائق بالأهوال والأفزاع؛ أي: تؤثر فيهم على وجوه شتى، وذلك في السموات بالانشقاق والانفطار، وفي الشمس والقمر بالتكوير، في الكواكب بالانتثار، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الأرض. بالطي والتبديل، وهو قول الكلبي. وقيل: إنها تخوف أعداء الله بالعذاب والخزي، وهو قول مقاتل. قال بعض المحققين: وهذا أولى من قول الكلبي؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ اهـ. وهي مبتدأ،
٢ - خبره جملة قوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ على أن ﴿مَا﴾ الاستفهامية مبتدأ والقارعة خبر عنها، أي القارعة؛ أي: شيء هي؟ هي شيء عجيب في الفخامة والفظاعة، فوضع الظاهر موضع المضمر تأكيدًا للتهويل من شأنها. والاستفهام هنا للتعجيب، وفيما سيأتي للإنكار، والمراد بالقارعة هنا: النفخة الثانية التي تقرع القلوب؛ أي: تفزعها بفنون الأفزاع والأهوال، وتخرج جميع الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال كما مر آنفًا. والعرب تقول: قرعتهم القارعة، إذا وقع بهم أمر فظيع، قال الشاعر:
стр. 15050
وَقَارِعَةٌ مِنَ الأَيَّامِ لَوْلَا ... سَبِيْلُهُمُ لَرَاحَتْ عَنْكَ حِيْنَا
وقال الآخر:
مَتَى نَقْرعْ بِمَرْأَتِكُمْ نَسُؤْكُمْ ... وَلَمْ يُوْ قَدْ لَنَا فِي الْقِدْرِ نَارُ
وقرأ الجمهور (١): ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ بالرفع على أنها مبتدأ و ﴿مَا﴾ اسم استفهام للاستعظام والتعجيب، في محل الرفع مبتدأ ثان، و ﴿الْقَارِعَةُ﴾: خبره والجملة خبر للأول كما تقدم تقريره في ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ وقال الزجاج: معنى الكلام التحذير، والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد قول الشاعر:
لَجَدِيْرُوْنَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا ... لَ أَخَوُ النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السِّلَاحُ
والحمل على معنى التفخيم والتعظيم أولى، ويؤيده وضع الظاهر موضع المضمر، فإنه أدل على هذا المعنى، ويؤيده أيضًا قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ فإنه تأكيد لشدة هولها ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية أحد منهم. وقرأ عيسى بنصبها على تقدير: احذروا القارعة، أو اذكروا القارعة و ﴿ما﴾ زائدة للتوكيد، و ﴿القارعة﴾ تأكيد لفظي للأولى ذكره في "البحر".
والحاصل (٢): أن القارعة من أسماء القيامة، كالحاقة مثلًا، سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بهولها كما تسمى الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعةً، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾؛ أي: حادثة عظيمة تقرعهم وتصك أجسادهم فيألمون لها. ﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾؛ أي: أي شيء هي القارعة، وهذا أسلوب يراد به تهويل أمرها، كأنها لشدة ما يكون فيها من الأهوال التي تفزع منه النفوس وتدهش لها العقول يصعب تصورها ويتعذر إدراك حقيقتها،
٣ - ثم زاد أمرها تعظيمًا فقال: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ و ﴿ما﴾ للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿أَدْرَاكَ﴾ خبرها، ﴿مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ مبتدأ وخبر،
стр. 15051
والجملة في محل النصب على أنها مفعول لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، والمعنى أي: وأي شيء أعلمك يا محمد - من أيها المخاطب - ما شأن القارعة؟ فإن عظم شأنها بحيث لا تكاد تناله دراية أحد حتى يدرك بها,
٤ - ولما كان هذا منبئًا عن وعد الكريم بإعلامها أنجز ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾؛ أي: هي يوم يكون الناس، على أن يوم مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفتحتُه فتحةُ بناء لإضافته إلى الفعل، إن كان مضارعًا على ما هو رأي الكوفيين. أو: اذكر يوم يكون الناس إلخ، فإنه يدريك ما هي.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَوْمَ﴾ بالنصب، وتخريجه كما ذكرنا، وقرأ زيد بن علي ﴿يَوْمَ﴾ برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وقتها يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: جمع فراشة، وهي التي تطير وتتهافت على السراج فتحترق، والمبثوث: المفرق، وبه شبه فراشة القفل، وهو ما ينشب فيه، ولم يقل: المبثوثة، بل قال: المبثوث؛ لأن الكل جائز، كما في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ كما مر بيان وجه ذلك.
والمعنى: هي - أي: القارعة - يوم يكون الناس كالفراش المفرق في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار، وبه يضرب المثل في الطيش والهوج، ويقال: أطيش من فراشة.
قال الشاعر:
فَرَاشَةُ الْحِلْمِ فِرْعَوْنُ الْعَذَابِ وَإِنْ ... يُطْلَبْ نَدَاهُ فَكَلْبٌ دُوْنَهُ كَلَبُ
وقال الآخر:
وَقَدْ كَانَ أَقْوَامٌ رَدَدْتُ حُلُوْمَهُمْ ... عَلَيْهِمْ وَكَانُوْا كَالْفَرَاشِ مِنَ الْجَهْلِ
وقال جرير:
إِنَّ الْفَرَزْدَقَ مَا عَلِمْتَ وَقَوْمَهُ ... مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشَيْنَ نَارَ الْمُصْطَلِيْ
وهذا يدل على كثرة الفراش ولو في بعض المواضع، فسقط ما قال سعدي (٢)
стр. 15052
المفتي فيه: إن الفراش لا يعرف بالكثرة بحيث يصلح أن يكون مشبهًا به لأهل المحشر فيها إلا أن يفسر بصغار الجراد. وقال ابن الشيخ: شبه الله سبحانه الخلق وقت البعث في هذه الآية بالفراش المبثوث، وفي الآية الأخرى بالجراد المنتشر فيجمع بينهما بأن وجه التشبه بالجراد هو الكثرة والاضطراب، وبالفراش المبثوث اختلاف جهات حركاتهم، فإنهم إذا بعثوا .. فزعوا، فيذهب كل واحد منهم إلى جهة غير جهة الآخر، كالفراش؛ فإنها إذا طارت لا تتجه إلى جهة واحدة بل تختلف جهاتها، انتهى.
٥ - وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: في محل الخفض معطوف على جملة ﴿يَكُونُ النَّاسُ﴾، و ﴿العهن﴾: الصوف المصبوغ بألوان مختلفة، والنفش: نشر الشعر والصوف والقطن، بالأصبع، وخلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، قال السجاوندي: شبه خفتها بعد رزانتها بالصوف، وتلونها بالمصبوغ، ومرها بالمندوف، واختصاص العهن لألوان الجبال، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ والمعنى: ويوم تكون الجبال كالصوف الملون بالألوان المختلفة المندوف في تفرق أجزائها وتطايرها في الحق، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق، يبدل الله الأرض غير الأرض ويغير هيئاتها، ويسيِّر الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئات الهائلة، يشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت عند النفخة الأولى ولكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية. والمعنى: إن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين على وجوههم، لا يدرون ماذا يفعلون، ولا ماذا يراد بهم، كالفراش الذي يتجه إلى غير جهة واحدة، بل تذهب كل فراشة إلى جهة غير ما تذهب إليها الأخرى. وإن الجبال لتفتتها وتفرق أجزائها لم يبق لها إلا صورة الصوف المنفوش الذي نفش ففرقت شعراته بعضها عن بعض حتى صار على حال يطير مع أضعف ريح، فلا تلبث الجبال أن تذهب وتتطاير، فكيف يكون الإنسان حين حدوث القارعة، وهو ذلك الجسم الضعيف السريع الانحلال؟.
وقد كثر في القرآن ذكر حال الجبال يوم القيامة فقال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ وقال: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ كل ذلك ليبين أن هذه الأجسام العظيمة التي من طبعها الاستقرار
стр. 15053
والثبات تؤثر فيها هذه القارعة، فما بالك أيها المخلوق الضعيف الذي لا قوة له؟ فمراتب الجبال ثلاثة: تفتتها أولًا، ثم صيرورتها كالعهن، ثم صيرورتها هباءً منبثًا كما بينه ذو الجلال في سورة النمل، ونص عبارته هناك: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: المطر إذا ضربته الريح، أي: تسير مسيرة حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير كالعهن، ثم تفسير هباءً منثورًا، اهـ. وفي هذا تحذير للإنسان وتخويف له كما لا يخفى.
٦ - وبعد أن ذكر أوصاف هذا اليوم بما يكون من أحوال بعض الخلائق .. أعقب ذلك بذكر الجزاء على الأعمال، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾: جمع الموزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، من جمع ميزان. وثقلها رجحانها؛ لأن الحق ثقيل والباطل خفيف، والجمع للتعظيم، من لأن لكل مكلف ميزانًا، من لاختلاف الموزونات وكثرتها.
وقال ابن عباس ﵄: إن ميزانه له لسان وكفتان، لا يوزن فيه إلا الأعمال ليبين الله أمر العباد بما عهدوه فيما بينهم، قالوا: توضع فيه صحف الأعمال إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، من تبرز الأعمال العرضية بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح؛ يعني: يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة، وبالأعمال السيئة على صور سيئة، فتوضع في الميزان؛ أي: فمن ترجحت حسناته ..
٧ - ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾؛ أي: عشية طيبة، فهو من قبيل الإسناد إلى السبب؛ لأن العيش سبب الرضى من منَعَّم العيش، وقال بعضهم: معنى راضية؛ أي: راضٍ عنها صاحبها، يقال: ثَقُل ميزان (١) فلان، إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة، كأنه إذا وضع في ميزان كان له به رجحان، وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون النعيم المقيم الدائم، ويكونون في عيشة راضية تقر بها أعينهم وتسر بها نفوسهم، ويرى بعض المفسرين: أن الذي يوزن هو الصحف التي تكتب فيها الحسنات والسيئات ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾؛ أي: عيشة طيبة مرضية له وحياة هنيئة يتقلب فيها قال البقاعي: ولعله ألحقها بالهاء الدالة على الوحدة، والمراد: العيش، ليُفهم أنها على حالة واحدة في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا؛ لأن أُمه من مسكنه جنة
стр. 15054
عالية، ومعنى ﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي: ذات رضا، بأن يرضاها صاحبها على أنها للنسب كلابن وتامر.
٨ - ولما ذكر نعيم أهل الخير أردفه عقاب أهل الشر، فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ بأن لم يكن له حسنة يعشو بها، من ترجحت على حسناته، وعن ابن مسعود ﵁: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة .. دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة .. دخل النار
٩ - ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: مأواه ﴿هَاوِيَةٌ﴾: هي من أسماء النار، سميت (١) بها لغاية عمقها وبعد مهواها. روي: أن أهل النار يهوون فيها سبعين خريفًا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وفيه تهكم به، من لأنها تحيط به إحاطة رحم الأم بالولد، من لأن الأم هي الأصل والكافر خلق من النار، وكل شيء يرجع إلى أصله، وهو اللائح. وفي "الكشاف" من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة. هوت أمه؛ لأنه إذا هوى؛ أي: سقط وهلك .. فقد هوت أمه ثكلًا وحزنًا، فكأنه قيل: فقد هلك، وعن قتادة: ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: فأم رأسه ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطة في جهنم؛ لأنه يطرح فيها منكوسًا. وأم الرأس: الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليها، يقال خف ميزانه؛ أي: سقطت قيمته، فكأنه ليس بشيء حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أختها، ومن كان في الدنيا كثير الشر قليل فعل الخّير فدس نفسه بالشر واجتراح المعاصي وعاث في الأرض فسادًا. لم يكن شيئًا، فلا ترجح له كفة ميزان لو وضع فيها، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾؛ أي: حسناته بسبب ثقل سيئاته.
وبقي قسم ثالث غير مذكور في الآية وهو (٢): من استوت حسناته وسيئاته، وفي "المناوي" فمن رجحت حسناته بسبب زيادتها على السيئات فهو في الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فيحاسب حسابًا يسيرًا، ومن رجحت سيئاته على حسناته؛ أي: بسبب زيادتها .. فيشفع فيه أو يعذب اهـ. وعلى الجملة (٣): فعلينا أن نؤمن بما ذكره الله تعالى من الميزان في هذه الآية وفي قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ومن وزن الأعمال وتمييز مقدار لكل عمل، وليس علينا
стр. 15055
أن نبحث وراء ذلك، فلا نسأل كيف يزن ولا كيف يقدر؛ فهو أعلم بغيبه ونحن لا نعلم. أما إن الميزان له لسان وكفتان .. فهذا لم يرد به نص عن المعصوم يلزمنا التصديق به، وكيف يوزن بهذا الميزان الذي تعلمه الإنسان في مهد البداوة الأولى ويترك ما هو أدق منه مما اخترع فيما بعد وهدى إليه الناس؟ على أن جميع ما عمله البشر فهو ميزان للأثقال الجسمانية لا ميزان للمعاني المقولة كالحسنات والسيئات، فلنفوض أمر ذلك إلى الله تعالى عالم الغيب. و ﴿الهاوية﴾: اسم طبقة من طبقات النار السبع وهي آخرها، والمراد من كون أمه هاوية: أن مرجعه الذي يأوي إليه مهواة سحيقة في جهنم يهوي فيها كما يأوي الولد إلى أمه، قال: أمية بن أبي الصلت:
وَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أَمُّنَا ... فِيْهَا مَقَابرُنَا وَفِيْهَا نُوْلَدُ
وقال الآخر:
يَا عَمْرُوْ لَوْ نَالَتْكَ أَرْمَاحُنَا ... كَنْتَ كَمَنْ تَهْوِيْ بِهِ الْهَاوَيهْ
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأُمُّهُ﴾ بضم الهمزة، وطلحة بكسرها، قال ابن خالويه وحكى ابن دريد: أنها لغة، وأما النحويون .. فإنهم يقولون: لا يجوز كسر الهمزة إلا أن يتقدمها كسرة من ياء، انتهى. والمهوى والمهواة ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في إثر بعض.
١٠ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد ﴿مَا﴾؛ أي: جواب ما الهاوية وما حقيقتها، فضمير ﴿هي﴾ (٢) يعود إلى ﴿الهاوية﴾ و ﴿الهاء﴾ للسكت والاستراحة والوقف، وإذا وصل القارىء .. حذفها وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج؛ لأنها ثابتة في المصحف، وقد أجيز إثباتها مع الوصل، قال أبو الليث: قرأ حمزة والكسائي بغير هاء في الوصل، وبالهاء عند الوقف، والباقون بإثباتها في الوصل والوقف، وقد سبق مفصلًا في الحاقة. والاستفهام هنا للتهويل والتفظيع ببيان أنها خارجة عن حدود المعهود، فلا يدريها أحد،
١١ - ثم أعلمها بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾؛ أي: هي نار متناهية نهاية الحرارة، يقال: حمي الشمس والنارُ حَمْيًا وحُميًّا وحموَّا، إذا اشتد