والجملة في محل النصب على أنها مفعول لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾، والمعنى أي: وأي شيء أعلمك يا محمد - من أيها المخاطب - ما شأن القارعة؟ فإن عظم شأنها بحيث لا تكاد تناله دراية أحد حتى يدرك بها,
٤ - ولما كان هذا منبئًا عن وعد الكريم بإعلامها أنجز ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾؛ أي: هي يوم يكون الناس، على أن يوم مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفتحتُه فتحةُ بناء لإضافته إلى الفعل، إن كان مضارعًا على ما هو رأي الكوفيين. أو: اذكر يوم يكون الناس إلخ، فإنه يدريك ما هي.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَوْمَ﴾ بالنصب، وتخريجه كما ذكرنا، وقرأ زيد بن علي ﴿يَوْمَ﴾ برفع الميم على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وقتها يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: جمع فراشة، وهي التي تطير وتتهافت على السراج فتحترق، والمبثوث: المفرق، وبه شبه فراشة القفل، وهو ما ينشب فيه، ولم يقل: المبثوثة، بل قال: المبثوث؛ لأن الكل جائز، كما في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ كما مر بيان وجه ذلك.
والمعنى: هي - أي: القارعة - يوم يكون الناس كالفراش المفرق في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار، وبه يضرب المثل في الطيش والهوج، ويقال: أطيش من فراشة.
قال الشاعر:
فَرَاشَةُ الْحِلْمِ فِرْعَوْنُ الْعَذَابِ وَإِنْ ... يُطْلَبْ نَدَاهُ فَكَلْبٌ دُوْنَهُ كَلَبُ
وقال الآخر:
وَقَدْ كَانَ أَقْوَامٌ رَدَدْتُ حُلُوْمَهُمْ ... عَلَيْهِمْ وَكَانُوْا كَالْفَرَاشِ مِنَ الْجَهْلِ
وقال جرير:
إِنَّ الْفَرَزْدَقَ مَا عَلِمْتَ وَقَوْمَهُ ... مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشَيْنَ نَارَ الْمُصْطَلِيْ
وهذا يدل على كثرة الفراش ولو في بعض المواضع، فسقط ما قال سعدي (٢)
стр. 15052
المفتي فيه: إن الفراش لا يعرف بالكثرة بحيث يصلح أن يكون مشبهًا به لأهل المحشر فيها إلا أن يفسر بصغار الجراد. وقال ابن الشيخ: شبه الله سبحانه الخلق وقت البعث في هذه الآية بالفراش المبثوث، وفي الآية الأخرى بالجراد المنتشر فيجمع بينهما بأن وجه التشبه بالجراد هو الكثرة والاضطراب، وبالفراش المبثوث اختلاف جهات حركاتهم، فإنهم إذا بعثوا .. فزعوا، فيذهب كل واحد منهم إلى جهة غير جهة الآخر، كالفراش؛ فإنها إذا طارت لا تتجه إلى جهة واحدة بل تختلف جهاتها، انتهى.
٥ - وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾: في محل الخفض معطوف على جملة ﴿يَكُونُ النَّاسُ﴾، و ﴿العهن﴾: الصوف المصبوغ بألوان مختلفة، والنفش: نشر الشعر والصوف والقطن، بالأصبع، وخلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، قال السجاوندي: شبه خفتها بعد رزانتها بالصوف، وتلونها بالمصبوغ، ومرها بالمندوف، واختصاص العهن لألوان الجبال، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ والمعنى: ويوم تكون الجبال كالصوف الملون بالألوان المختلفة المندوف في تفرق أجزائها وتطايرها في الحق، وكلا الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق، يبدل الله الأرض غير الأرض ويغير هيئاتها، ويسيِّر الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئات الهائلة، يشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت عند النفخة الأولى ولكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية. والمعنى: إن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين على وجوههم، لا يدرون ماذا يفعلون، ولا ماذا يراد بهم، كالفراش الذي يتجه إلى غير جهة واحدة، بل تذهب كل فراشة إلى جهة غير ما تذهب إليها الأخرى. وإن الجبال لتفتتها وتفرق أجزائها لم يبق لها إلا صورة الصوف المنفوش الذي نفش ففرقت شعراته بعضها عن بعض حتى صار على حال يطير مع أضعف ريح، فلا تلبث الجبال أن تذهب وتتطاير، فكيف يكون الإنسان حين حدوث القارعة، وهو ذلك الجسم الضعيف السريع الانحلال؟.
وقد كثر في القرآن ذكر حال الجبال يوم القيامة فقال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ وقال: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ كل ذلك ليبين أن هذه الأجسام العظيمة التي من طبعها الاستقرار
стр. 15053
والثبات تؤثر فيها هذه القارعة، فما بالك أيها المخلوق الضعيف الذي لا قوة له؟ فمراتب الجبال ثلاثة: تفتتها أولًا، ثم صيرورتها كالعهن، ثم صيرورتها هباءً منبثًا كما بينه ذو الجلال في سورة النمل، ونص عبارته هناك: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: المطر إذا ضربته الريح، أي: تسير مسيرة حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير كالعهن، ثم تفسير هباءً منثورًا، اهـ. وفي هذا تحذير للإنسان وتخويف له كما لا يخفى.
٦ - وبعد أن ذكر أوصاف هذا اليوم بما يكون من أحوال بعض الخلائق .. أعقب ذلك بذكر الجزاء على الأعمال، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾: جمع الموزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، من جمع ميزان. وثقلها رجحانها؛ لأن الحق ثقيل والباطل خفيف، والجمع للتعظيم، من لأن لكل مكلف ميزانًا، من لاختلاف الموزونات وكثرتها.
وقال ابن عباس ﵄: إن ميزانه له لسان وكفتان، لا يوزن فيه إلا الأعمال ليبين الله أمر العباد بما عهدوه فيما بينهم، قالوا: توضع فيه صحف الأعمال إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، من تبرز الأعمال العرضية بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح؛ يعني: يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة، وبالأعمال السيئة على صور سيئة، فتوضع في الميزان؛ أي: فمن ترجحت حسناته ..
٧ - ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾؛ أي: عشية طيبة، فهو من قبيل الإسناد إلى السبب؛ لأن العيش سبب الرضى من منَعَّم العيش، وقال بعضهم: معنى راضية؛ أي: راضٍ عنها صاحبها، يقال: ثَقُل ميزان (١) فلان، إذا كان له قدر ومنزلة رفيعة، كأنه إذا وضع في ميزان كان له به رجحان، وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون النعيم المقيم الدائم، ويكونون في عيشة راضية تقر بها أعينهم وتسر بها نفوسهم، ويرى بعض المفسرين: أن الذي يوزن هو الصحف التي تكتب فيها الحسنات والسيئات ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾؛ أي: عيشة طيبة مرضية له وحياة هنيئة يتقلب فيها قال البقاعي: ولعله ألحقها بالهاء الدالة على الوحدة، والمراد: العيش، ليُفهم أنها على حالة واحدة في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا؛ لأن أُمه من مسكنه جنة
стр. 15054
عالية، ومعنى ﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي: ذات رضا، بأن يرضاها صاحبها على أنها للنسب كلابن وتامر.
٨ - ولما ذكر نعيم أهل الخير أردفه عقاب أهل الشر، فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ بأن لم يكن له حسنة يعشو بها، من ترجحت على حسناته، وعن ابن مسعود ﵁: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة .. دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة .. دخل النار
٩ - ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: مأواه ﴿هَاوِيَةٌ﴾: هي من أسماء النار، سميت (١) بها لغاية عمقها وبعد مهواها. روي: أن أهل النار يهوون فيها سبعين خريفًا. وعبر عن المأوى بالأم لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وفيه تهكم به، من لأنها تحيط به إحاطة رحم الأم بالولد، من لأن الأم هي الأصل والكافر خلق من النار، وكل شيء يرجع إلى أصله، وهو اللائح. وفي "الكشاف" من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة. هوت أمه؛ لأنه إذا هوى؛ أي: سقط وهلك .. فقد هوت أمه ثكلًا وحزنًا، فكأنه قيل: فقد هلك، وعن قتادة: ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: فأم رأسه ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطة في جهنم؛ لأنه يطرح فيها منكوسًا. وأم الرأس: الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليها، يقال خف ميزانه؛ أي: سقطت قيمته، فكأنه ليس بشيء حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أختها، ومن كان في الدنيا كثير الشر قليل فعل الخّير فدس نفسه بالشر واجتراح المعاصي وعاث في الأرض فسادًا. لم يكن شيئًا، فلا ترجح له كفة ميزان لو وضع فيها، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾؛ أي: حسناته بسبب ثقل سيئاته.
وبقي قسم ثالث غير مذكور في الآية وهو (٢): من استوت حسناته وسيئاته، وفي "المناوي" فمن رجحت حسناته بسبب زيادتها على السيئات فهو في الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فيحاسب حسابًا يسيرًا، ومن رجحت سيئاته على حسناته؛ أي: بسبب زيادتها .. فيشفع فيه أو يعذب اهـ. وعلى الجملة (٣): فعلينا أن نؤمن بما ذكره الله تعالى من الميزان في هذه الآية وفي قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ومن وزن الأعمال وتمييز مقدار لكل عمل، وليس علينا
стр. 15055
أن نبحث وراء ذلك، فلا نسأل كيف يزن ولا كيف يقدر؛ فهو أعلم بغيبه ونحن لا نعلم. أما إن الميزان له لسان وكفتان .. فهذا لم يرد به نص عن المعصوم يلزمنا التصديق به، وكيف يوزن بهذا الميزان الذي تعلمه الإنسان في مهد البداوة الأولى ويترك ما هو أدق منه مما اخترع فيما بعد وهدى إليه الناس؟ على أن جميع ما عمله البشر فهو ميزان للأثقال الجسمانية لا ميزان للمعاني المقولة كالحسنات والسيئات، فلنفوض أمر ذلك إلى الله تعالى عالم الغيب. و ﴿الهاوية﴾: اسم طبقة من طبقات النار السبع وهي آخرها، والمراد من كون أمه هاوية: أن مرجعه الذي يأوي إليه مهواة سحيقة في جهنم يهوي فيها كما يأوي الولد إلى أمه، قال: أمية بن أبي الصلت:
وَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أَمُّنَا ... فِيْهَا مَقَابرُنَا وَفِيْهَا نُوْلَدُ
وقال الآخر:
يَا عَمْرُوْ لَوْ نَالَتْكَ أَرْمَاحُنَا ... كَنْتَ كَمَنْ تَهْوِيْ بِهِ الْهَاوَيهْ
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأُمُّهُ﴾ بضم الهمزة، وطلحة بكسرها، قال ابن خالويه وحكى ابن دريد: أنها لغة، وأما النحويون .. فإنهم يقولون: لا يجوز كسر الهمزة إلا أن يتقدمها كسرة من ياء، انتهى. والمهوى والمهواة ما بين الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في إثر بعض.
١٠ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمد ﴿مَا﴾؛ أي: جواب ما الهاوية وما حقيقتها، فضمير ﴿هي﴾ (٢) يعود إلى ﴿الهاوية﴾ و ﴿الهاء﴾ للسكت والاستراحة والوقف، وإذا وصل القارىء .. حذفها وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج؛ لأنها ثابتة في المصحف، وقد أجيز إثباتها مع الوصل، قال أبو الليث: قرأ حمزة والكسائي بغير هاء في الوصل، وبالهاء عند الوقف، والباقون بإثباتها في الوصل والوقف، وقد سبق مفصلًا في الحاقة. والاستفهام هنا للتهويل والتفظيع ببيان أنها خارجة عن حدود المعهود، فلا يدريها أحد،
١١ - ثم أعلمها بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾؛ أي: هي نار متناهية نهاية الحرارة، يقال: حمي الشمس والنارُ حَمْيًا وحُميًّا وحموَّا، إذا اشتد
стр. 15056
حرهما، والمعنى أي: وأي شيء يخبرك بما هي تلك الهاوية وأنها أي شيء تكون؟ ثم فسرها بعد إبهامها، فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾؛ أي: هي نار ملتهبة يهوي فيها ليلقئ جزاء ما قدم من عمل وما اجترح من سيئات. وفي هذا إيماء إلى أن جميع النيران إذا قيست بها ووزنت حالها بحالها .. لم تكن حامية، وذلك دليل على قوة حرارتها وشدة استعارها، وقانا الله سبحانه شر هذه النار الحامية، وآمننا من سعيرها بمنه وكرمه.
الإعراب
﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾.
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾: مبتدأ أول، ﴿مَا﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجيبي في محل الرفع مبتدأ ثان، ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني مع خبره للأول، والرابط: تكرار لفظ المبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة استئنافًا نحويًا. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾: اسم استفهام للاستفهام التعظيمي في محل الرفع مبتدأ، ﴿أدرى﴾: فعل ماض، و ﴿الكاف﴾: في محل النصب مفعول أول لـ ﴿أدرى﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ وهو الرابط، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن ﴿ما﴾ الاستفهامية والجملة الاستفهامية معطوفة على ما قبلها، ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد مفعولَي ﴿أَدْرَاكَ﴾ الثاني والثالث، معلقة عنهما باسم الاستفهام؛ لأن أدرى ينصب ثلاثة مفاعيل؛ لأنه بمعنى أعلم ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلّق بمحذوف دلّ عليه لفظ ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾، تقديره تقرع القلوب يوم يكون الناس ... إلخ، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بالقارعة الأول؛ اللفصل بينهما بالخبر، ولا بالثاني والثالث؛ لعدم التئام الظرف معهما من حيث المعنى ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص ﴿النَّاسُ﴾: اسمها ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: خبرها ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ صفة للفراش، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل الجر بإضافة الظرف إليها، ويجوز أن تكون ﴿يَكُونُ﴾ تامة و ﴿النَّاسُ﴾: فاعلًا و ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: حالًا من فاعل
стр. 15057
﴿يَكُونُ﴾ التامة؛ أي: يوجدون ويحشرون حال كونهم كالفراش، ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿كَالْعِهْنِ﴾: خبره، ﴿الْمَنْفُوشِ﴾: صفة لـ ﴿العهن﴾، والجملة الناقصة في محل الخفض معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فَأَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من أحوال الناس في يوم القيامة وأردت بيان مآلهم .. فأقول لك: أما من ثقلت إلخ ﴿أما﴾ حرف شرط وتفصيل، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ أول، ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿فَهُوَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها للثقل، ﴿هو﴾ مبتدأ ثان، ﴿فِي عِيشَةٍ﴾: خبره، ﴿رَاضِيَةٍ﴾: صفة لـ ﴿عِيشَةٍ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أما﴾: حرف شرط ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ أول ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿فَأُمُّهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ ﴿أمه﴾: مبتدأ ثان ﴿هَاوِيَةٌ﴾:خبره والجملة الثانية في محل الرفع خبر للأول وجملة الأول جواب ﴿أما﴾ الشرطية، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَدْرَاكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾ ومفعول أول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر عن ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الاستفهامية معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الثانية، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿هيه﴾ ﴿هي﴾ ضمير للمفرد المؤنثة الغائبة في محل الرفع خبر لـ ﴿ما﴾ الاستفهامية، و ﴿الهاء﴾ حرف سكت لا محل لها من الإعراب، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعولين الثاني والثالث لـ ﴿أدرى﴾ معلقة عنها باسم الاستفهام، ﴿نَارٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي نارٌ ﴿حَامِيَةٌ﴾: صفة لـ ﴿نَارٌ﴾ والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره مستأنفة استئنافًا
стр. 15058
بيانيًا لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾: القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها، من القرع وهو الضرب بشدة واعتماد، بحيث يحصل منه صوت شديد، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة والمراد بها هاهنا: القيامة كما مر. وفي "المختار": قرع من باب قطع، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر، وهي الداهية، وفي "المصباح": وقرعت الباب قرعًا، بمعنى طرقته ونقرت عليه. ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: وفي "القاموس": والفراشة - بفتح الفاء - الطير التي تتهافت في السراج، والجمع فراش، ومن القفل ما ينشب فيه، وكل عظم رقيق، والماء القليل، والرجل الخفيف، وقرية بين بغداد والحلة، وموضع بالبادية، وعلم، ودرب فراشة محلة ببغداد، والفراش كسحاب ما يبس بعد الماء من الطين على الأرض، ومن النبيذ: الحبب الذي يبقى عليه، وعرقان أخضران تحت اللسان، والحديدتان يربط بهما العلوان في اللجام، وبالكسر: ما يفرش، ويجمع على فُرُش، وزوجة الرجل، قيل ومنه: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ وعش الطائر وموقع اللسان في قعر الفم، وقد خلط صاحب المنجد فمزج الفراشة والفراش في مادة واحدة، وجعل معاني الفراش الرجل الخفيف وإنما هو فراشة. ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ المتفرق المنتشر، ويقال: بسط فلان خبره وبثه وبقه، إذا وسعه، قال.
وَبَسَطَ الْخَيْرَ لَنَا وَبَقَّهُ ... فَالنَّاسُ طُرًّا يَأْكُلُوْنَ رِزْقَهَ
﴿كَالْعِهْنِ﴾: العهن الصوف الأحمر، واحدها عهنة، ﴿الْمَنْفُوشِ﴾: اسم مفعول من النَّفْش، وهو كما في "القاموس" تشعيث الشيء بأصبعك حتى ينتشر كالتنفيش، والنَّفَش - بالتحريك - الصوف، وعبارة ابن خالويه: يقال: نفشت الصوف والقطن وسبخته إذا نفشته وخففته كما يفعل النادف. ويقال لقطع القطن وما يتساقط عند الندف: السبيخة، وجمعها سبائخ، ويقال: سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها وسَلَّها عنك. ومن ذلك: أن النبي ﷺ رأى عائشة تدعو على سارق سرقها، فقال: "لا تُسبِّخي عنهُ بِدُعائِكِ عَلَيْهِ" وعبارة القرطبي: كالصوف الذي ينفش باليد، اهـ. وهي أنسب باللغة؛ فإن النفش يكون باليد من غير آلة، والندف يكون بالآلة.
стр. 15059
وفي "القاموس" أيضًا: ندف القطن يندفه - من باب ضرب - ضربه بالمندف، والمندفة بكسر أولهما؛ أي: بالخشبة التي يطرق بها الوتر ليرق القطن، وهو مندوف ونديف اهـ.
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾: وقد اختلف في الموازين هنا، فقيل: جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وبه قال الفراء وغيره. وقيل: هي جمع ميزان وهو الآلة التي توضع فيها صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ الجمع كما يقال لكل حادثة ميزان، وقيل: المراد بالموازين الحجج و"الدلائل" كما في قول الشاعر:
قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّةٍ ... عِنْدِيْ لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيْزَانُهُ
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾؛ أي: في حياة طيبة، وفي "المختار": العيش: الحياة، وقد عاش يعيش - من باب سار - عيشًا وعيشة ومعاشًا - بالفتح - ومعيشًا بوزن مبيت، وأعاشه الله عيشة راضية، والمعيشة جمعها معايش بلا همزة إذا جمعتها على الأصل، وأصلها مَعْيشة، بوزن مَفْعلة، والياء متحركة أصلية، فلا تقلب في الجمع همزة، وإن جمعتها على الفرع .. همزت وشبهت مفعلة بفعلية كما همزت المصائب؛ لأن الياء ساكنة، ومن النحويين من يرى الهمز لحنًا. والتعيُّش: تكلف أسباب العيش. وعائشة مهموزة، ولا تقل: عَيْشة. اهـ. ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: مرضية لصاحبها، فهي فاعلة بمعنى مفعولة. ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾؛ أي: فمأواه هاوية، فهو من قبيل زيد أسد، شبهت النار للعصاة بالأم لكونها تهوي بهم فتضمهم إلى نفسها كما تضم الأم الأولاد إليها، اهـ "زاده".
وعبارة الخطيب: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ أي: نار نازلة سافلة جدًّا فهو بحيث لا يزال يهوى فيها نازلًا فهو في عيشة ساخطة، فالآية من الاحتباك، ذكر العيشة أولًا دليلًا على حذفها ثانيًا وذكر الأم ثانيًا دليلًا على حذفها أولًا، والهاوية اسم من أسماء جهنم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 15060
فمنها: التكرار في قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ تهويلًا من شأنها وتفخيمًا لفظاعتها.
ومنها: الاستفهام التعجيبي في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾ لغرض التفخيم.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ تأكيدًا للتهويل، والأصل أن يقال: القارعة ما هي؟.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ ففيهما تشبيهان رائعان، وهو تشبيه مرسل مجمل؛ لأن وجه الشبه حذف فيهما، ففي الأول وجوه الشبه كثيرة منها:
١ - الطيش الذي لحقهم.
٢ - وانتشارهم في الأرض.
٣ - وركوب بعضهم بعضًا.
٤ - الكثرة لا غناء فيها.
٥ - والضعف والتذلل وإجابة الداعي من كل جهة.
٦ - والتطاير إلى النار للاحتراق من حيث لا تريد الاحتراق.
وفي تشبيه الجبال بالعهن المنفوش أوجه كثيرة أيضًا، منها:
١ - تفتتها وانهيارها.
٢ - صيرورتها كالعهن.
٣ - ثم صيرورتها كالهباء.
وقد تشبث الشعراء بهذه المعاني، فقال جرير يهجو الفرزدق:
أَبْلِغْ بَنِيْ وَقْبَانَ أَنَّ حُلُوْمَهُمْ ... خَفَّتْ فَمَا يَزِنُوْنَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
أَزْرَى بِحِلْمِكُمُ الْفِيَاشُ فَأَنْتُمُ ... مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشِيْنَ نَارَ الْمُصْطَلِيْ
وقال أبو العلاء المعري في رثاء والده:
стр. 15061
فَيَا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ يَحِقُّ وَقَارُهُ ... إِذَا صَارَ أَحْدٌ فِيْ الْقِيَامَةِ كَالْعِهْنِ
وَهَلْ يَرِدُ الْحَوْضَ الرَّوِىَّ مُبَادِرًا ... مَعَ النَّاسِ أَمْ يَأْبَى الزَّحَامَ فَيَسْتَأْنِيْ
ومنها: جمع الموازين في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ للتعظيم، أو لأن لكل مكلف ميزانًا أو لاختلاف الموزونات وكثرتها، كما مر.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ ثم قابلها بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ففيه إسناد ما للشيء إلى محله؛ لأن الذي يرضى بها الذي يعيش فيها، ففيها إسناد مجازي علاقته المحلية نحو: نهاره صائم وليله قائم.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾؛ وهو: أن يحذف من كل من المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر، فحذف هنا من الأول: فأمه الجنة، وذكر فيه ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ وحذف من الثاني فهو في عيشة ساخطة، وذكر فيه فأمه هاوية فحذف من كل منهما نظير ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعة.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾، أو لأنها تحيط به إحاطة رحم الأم بالولد، كما مر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
* * *
стр. 15062
سورة التكاثر
سورة التكاثر مكية عند الجميع، نزلت بعد سورة الكوثر، وروى البخاري: أنها مدنية، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزل بمكة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾.
المناسبة: مناسبتها لما قبلها (١): أنه في السابقة وصف القيامة وبعض أحوالها، وجزاء الأخيار والأشرار، وأن في هذه ذكر الجحيم وهي: الهاوية التي ذكرت في السورة السابقة، وذكر السؤال عما قدم المرء من الأعمال في الحياة الدنيا، وهذا بعض أحوال الآخرة.
وهي ثمان آيات، وثمان وعشرون كلمة، ومئة وعشرون حرفًا. وسميت بسورة التكاثر لذكر لفظ التكاثر فيها، وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة التكاثر كلها محكمة، لا ناسخ فيها ولا منسوخ.
فضلها: ومما ورد في فضلها (٢): ما أخرجه الحاكم والبيهقي في "الشُّعَب" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم" قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قال: "أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: ألهاكم التكاثر؟ " وأخرج الخطيب في "المتفق والمفترق" والديلمي عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في ليلة ألف آية .. لقي الله وهو ضاحك في وجهه" قيل: يا رسول الله، ومن يقوى على ألف آية؟ فقرأ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ألهاكم التكاثر ... إلى آخرها، ثم قال: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ألف آية". ومنه ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، عن عبد الله بن الشخير قال: وانتهيت إلى رسول الله حب وهو يقرأ ألهاكم التكاثر. وفي لفظ: وقد أنزلت عليه ألهاكم التكاثر، فقال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت؟ " وأخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - ولم يذكر فيه قراءة هذه السورة ولا نزولها -: "يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثة:
стр. 15063
ما أكل فأفنى، وما لبس فأبلى، من تصدق فأَبقى، وما سوى ذلك .. فهو ذاهب وتاركه للناس". ومنه ما أخرجه الحكيم، والترمذي في "نوادر الأصول"، والبيهقي في "الشعب" وضعفه عن جرير بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إني قارىء عليكم سورة ألهاكم التكاثر، فمن بكى .. فله الجنة" فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه، فقال: "إني قارئها عليكم الثانية، فمن بكى .. فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي .. فليتباكَ".
والله أعلم
* * *
стр. 15064
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
أسباب النزول
سبب نزول هذه السورة: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي بريدة قال: نزلت ألهاكم التكاثر في قبيلتين من الأنصار؛ وهما: بنو حارثة، وبنو الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: أفيكم مثل فلان وفلان، وقالت الأخرى: مثل ذلك تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: أفيكم مثل ذلك وتشير إلى القبر ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه السورة، وقيل غير ذلك.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها والتغالب فيها يقال: ألهاه عن كذا، وألهاه إذا شغله، ومنه قول امرىء القيس:
فَمِثْلَكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ ... فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِيْ تَمَائِمَ مُحْوِلِ
يقال (١): لهوت بكذا, ولهوت عن كذا؛ أي: اشتغلت عنه بلهو، واللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، ويعبر به عن كل ما به استمتاع، ويقال: ألهى عن كذا؛ أي: شغل عما هو أهم، والتكاثر التباري في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر، والمعنى: شغلكم عن الآخرة التغالب في الكثرة والتفاخر بها. قال الحسن: معنى ألهاكم: أنساكم
٢ - ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾؛ أي: حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال ولحقتم بالقبور، وقال قتادة: إن
стр. 15065
التكاثر والتفاخر بالقبائل والعشائر، وقال الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش، وقال مقاتل وقتادة أيضًا وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا، وقال الكلبي: نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم تعادَوا وتكاثروا بالسيادة والأشراف في الإِسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيدًا، وأعز عزيزًا، وأعظم نفرًا، وأكثر قائدًا، فأكثر بنو عبد مناف على بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم بهم، فنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ فلم ترضوا ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ مفتخرين بالأموات، وقيل: نزلت في حيين من الأنصار كما مر، والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها.
وفي الآية: دليل (١) على أن الاشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة، وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ وحذف (٢) المُلهى عنه؛ أي: الذي أُلهِيَ عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدنيا للتعظيم، والمبالغة، أما الأول فلأن الحذف كالتنكير قد يُجعل ذريعة إلى التعظيم لاشتراكهما في الإبهام، وأما الثاني فلأن تذهب النفس كل مذهب ممكن، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام مثل: ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات، والمندوبات مما يتعلق بالقلب كالعلم والتفكر والاعتبار، أو بالجوارح كأنواع الطاعات، وتعريف التكاثر للعهد. والعهد المذموم هو التكاثر في الأمور الدنيوية الفانية، كالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء، وأما التفاخر بالأمور الأخروية الباقية، فممدوح، كالتفاخر بالعلم والعمل والأخلاق الكريمة والصحة والقوة والغنى والجمال وحسن الصوت إذا كان بطريق تحديث النعمة، ومنه تفاخر العباس ﵁ بأن السقاية بيده، وتفاخر شيبة بأن مفتاح البيت بيده إلى أن قال علي ﵁: وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي، فصار الكفر مثلة، ومعنى ﴿التَّكَاثُرُ﴾: مكاثرة اثنين مالًا أو عددًا بأن يقول كل منهما لصاحبه: أنا أكثر منك مالًا وأعظم نفرًا، كما كثر بنو عبد مناف على بني سهم، كما سبق آنفًا.
والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى زرتم المقابر؛ أي: استوعبتم عددهم وصرتم إلى التفاخر والتكاثر بالأموات، فعبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة
стр. 15066
القبور؛ أي: جُعلت كناية عنه تهكمًا بهم. قال الطيبي: إنما كان تهكمًا؛ لأن زيارة القبور شُرعت لتذكر الموت ورفض حب الدنيا، وترك المباهاة والمفاخرة، وهؤلاء عكسوا حيث جعلوا زيارة القبور سببًا لمزيد القسوة والاستغراق في حب الدنيا، والتفاخر في الكثرة، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ، والغاية تدخل تحت (١) المغيَّا في هذا الوجه، وقيل المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيَّعين أعماركم في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم من السعي لأخراكم، فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت، والتكاثر هو التكاثر بالمال والولد.
وفي الآية: إشارة إلى أنهم يُبعثون، فإن الزائر منصرف لا مقيم، وقرأها عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى المقابر إلا زيارة، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته إما إلى الجنة أو إلى النار، وفيه تحذير عن الدنيا وترغيب في الآخرة والاستعداد للموت.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ على الخبر، وقرأ ابن عباس وعائشة ومعاوية وأبو عمران الجوني وأبو صالح ومالك بن دينار وأبو الجوزاء وجماعة بالمد على الاستفهام، وقد روي كذلك عن الكلبي ويعقوب وعن أبي بكر الصديق وابن عباس أيضًا وأبي العالية وابن أبي عبلة والكسائي في رواية: ﴿أألهاكم﴾ بهمزتين، ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقريع على قبح فعلهم.
وحاصل معنى الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾؛ أي: شغلكم (٣) التفاخر والتباهي بكثرة الأنصار والأشياع وصرفكم ذلك عن الجد في العمل، فكنتم في لهو بالقول عن العمل، وفي غرور وإعجاب بالآباء والأعوان وصرفكم ذلك عن توجيه قواكم إلى العمل بما فُرض عليكم من الأعمال لأنفسكم وأهليكم، وما زال ذلك ديدنكم ودأبكم الذي سرتم عليه.
وروى مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب".
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾؛ أي: حتى هلكتم وصرتم من الموتى، فأضعتم
стр. 15067
أعماركم فيما لا يُجدي فائدة، ولا يعود عليكم بعائدة، في حياتكم الباقية الخالدة، قال العلماء: إن زيارة القبور من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر بالموت والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها، ومن ثم قال ﷺ : "كنت نهيكتم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكركم الآخرة".
كما لا خلاف في منع زيارتها إذا حدث في ذلك منكرات وأشياء مما نهى عنه الشرع، كاختلاط الرجال بالنساء وحدوث فتن لا تحمد عقباها،
٣ - ثم نبههم إلى خطأ ما هم عليه، وزجرهم عن البقاء على تلك الحال التي لها وخيم العاقبة، فقال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ ﴿كَلَّا﴾ ردع (١) عما هم عليه من التكاثر؛ أي: ليس الأمر كما يتوهم هؤلاء من أن فضل الإنسان وسعادته بكثرة أعوانه وقبائله وأمواله؛ أي: ارتدعوا عن هذا وتنبهوا عن الخطأ به، وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن لا يكون معظم همه مقصورًا على الدنيا، فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول المحشر، فالعلم بمعنى المعرفة، ولذا قُدر له مفعول واحد، وهذا إنذار وتخويف ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم.
قال الحسن - رحمه الله تعالى -: لا يغرنك كثرة من ترى حولك، فإنك تموت وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك، والمعنى؛ أي (٢): ازدجروا عن مثل هذا العمل الذي لا تكون عاقبته إلا القطيعة والهجران والضغينة والأحقاد، وَالْجَؤوا إلى التناصر على الحق، والتكاتف على أعمال البر، والتضافر على ما فيه حياة الأفراد والجماعات من تقويم الأخلاق وتطهير الأعراق، وإنكم سوف تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من التكاثر إذا استمر بكم هذا التفاخر بالباطل بدون عمل صالح نافع لكم في العقبى،
٤ - ثم أكد هذا وزاد في التهديد، فقال: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ كرر الردع تأكيدًا للزجر والإنذار، وفي ﴿ثُمَّ﴾ (٣) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول؛ لأن فيه تأكيدًا خلا عنه الأول؛ لأن فيه تنزيلًا لبعد المرتبة، مرتبة بعد الزمان، واستعمالًا للفظ ﴿ثُمَّ﴾ في مجرد التدرج في درج الارتقاء، كما تقول للمنصوح:
стр. 15068
أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل، من الأول عند الموت في وقت ما بشر به المحتضر من جنة من نار، وفي القبر حين سؤال منكر ونكير: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؛ والثاني عند النشور حين ينادي المنادي: شقي فلان شقاوة لا سعادة بعدها، وحين يقال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥ ٩)﴾، فعلى هذا لا تكرار في الآية لحصول التغاير بينهما بتغاير زمانَي العِلْمَين ومتعلقيهما، فإنه يلقى في كل واحد من الزمانين نوعًا آخر من العذاب، و ﴿ثُمَّ﴾ على بابها من المهلة لتباعد ما بين الموت والنشور، وكذا ما بين القبور والنشور.
وعن علي ﵁: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة إلى قوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾؛ أي: سوف تعلمون في القبر ثم في القيامة.
٥ - ﴿كَلَّا﴾ تكرير للتنبيه تأكيدًا ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾؛ أي: لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علمًا يقينًا لعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا .. لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر، من لفعلتم ما ينفعكم من الخير، وتركتم ما لا ينفعكم مما أنتم فيه، و ﴿كَلَّا﴾ في هذا الموضع الثالث للزجر والردع كالموضعين الأولين جيء بها للتأكيد، وقال الفراء: هي (١) بمعنى حقًا، وقيل: هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف كما قدرنا للتهويل، فإنه إذا حُذف الجواب يذهب الوهم كل مذهب ممكن، و ﴿عِلْمَ﴾ مصدر أضيف إلى مفعوله، و ﴿الْيَقِينِ﴾: صفة لذلك المفعول، وهو المتيقَّن به؛ أي: لو تعلمون ما بين أيديكم من الأهوال علم الأمر المتيقن به كمال التيقن حتى كأنه عين اليقين .. لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر، لكنكم ضُلَّال جهلة، فاليقين بمعنى المتيقن به، وإلا فيلزم إضافة أحد المترادفين إلى الآخر؛ إذ العلم في اللغة بمعنى اليقين، ويمكن أن تكون الإضافة فيه من إضافة العام إلى الخاص بناء على أن اليقين أخص من العلم، فإن العلم قد يعم الظن واليقين، فتكون إضافته كإضافة بلد بغداد، ويدل قولهم: العلم اليقين بالوصف.
والمعنى: أي (٢) ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم، فإنكم لو تعلمون عاقبة أمركم لشغلكم ذلك عن التكاثر، وصرفكم إلى صالح الأعمال، وإن ما تدَّعونه علمًا ليس
стр. 15069
في الحقيقة بعلم، وإنما هو وهم وظن. لا يلبث أن يتغير؛ لأنه لا يطابق الواقع، والجدير بأن يسمى علمًا هو علم اليقين المطابق للواقع بناء على العيان والحس، أو الدليل الصحيح الذي يؤيده العقل والنقل الصحيح عن المعصوم ﷺ ، وإنما ذكر سبحانه هذا زيادة في زجرهم عن تغريرهم بأنفسهم، فقد جرت عادة الغافلين أنهم إذا ذكروا بعواقب حالهم أن يقولوا إنهم يعلمون العواقب وإنهم في منتهى اليقظة وسداد الفكرة،
٦ - ثم ذكر لهم بعض ما ينتهي إليه هذا اللهو، وهو عذاب الآخرة بعد خزي الدنيا، فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ جواب قسم محذوف، أكد به الوعيد حيث إن ما أوعدوا به مما لا مدخل فيه للريب، وشدد به التهديد، وأوضح به ما أنذروه بعد إبهامه تفخيمًا، تقديره: والله لترون الجحيم في الآخرة بأبصاركم، ولا يجوز أن يكون جواب ﴿لَوْ﴾: لأن رؤية الجحيم مثبتة محققة الوقوع وليست بمعلقة. قال الرازي: وليس هذا جواب ﴿لَوْ﴾؛ لأن جواب ﴿لَوْ﴾ يكون منفيًا وهذا مثبت، ولأنه عطف عليه.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ﴾: وهو مستقبل لا بد من وقوعه، وحذف جواب ﴿لَوْ﴾ كثير، فلو جعل جواب ﴿لَوْ﴾ لكان المعنى: إنكم لا ترونها لكونكم جهالًا، وهو غير صحيح، وقال بعضهم: يصح أن يكون جوابًا، فيكون المعنى: سوف تعلمون الجزاء، ثم قال: لو تعلمون الجزاء علم اليقين الآن لترون الجحيم يعني: يكون الجحيم دائمًا في نظركم لا يغيب عنكم أصلًا اهـ.
والرؤية هنا بصرية؛ أي: وعزتي، وجلالي: إنكم لترون الجحيم بأبصاركم بعد الموت، فلذلك تعدت إلى مفعول واحد،
٧ - ثم كرر الوعيد والتهديد للتأكيد، فقال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾؛ أي: ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل: الأولى (١) إذا رأوها من مكان بعيد ببعض خواصها وأحوالها مثل رؤية لهبها ودخانها، والثانية إذا اوردوها، فإن معاينة نفس الحفرة وما فيها من الحيوانات المؤذية وكيفية السقوط فيها أجلى وأكشف من الرؤية الأولى، فعلى هذا يتنازع الفعلان في عين اليقين، أو المراد بالأولى المعرفة، وبالثانية المشاهدة، والمعاينة,
стр. 15070
وقوله: ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾؛ أي (١): الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة للمحسوسات أقصى مراتب اليقين، فلا يرد أن أعلى اليقينيات الأوليات وهي ما يحكم فيها العقل من أول وهلة لعدم توقفها على شيء بعد تصدر الطرفين، وتسمى الضروريات كقولهم: السكين قاطع، والسماء فوقنا، والأرض تحتنا اهـ "صبان" بتصرف.
وإنما قيَّد الرؤية بعين اليقين احترازًا عن رؤية فيها غلط الحس، فانتصاب ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ على أنه صفة المصدر ﴿لَتَرَوُنَّهَا﴾، وجعل الرؤية التي هي سبب اليقين نفس اليقين مبالغة.
والمعنى: أي (٢) لترونها رؤية هي اليقين إلى أي دين، أو إلى أي شخص كانت نسبتكم، فلتتقوا الله ربكم ولتنتهوا عما يقذف بكم فيها, ولتنظروا إلى ما أنتم فيه من نعمة، ولترعوا حق الله فيها، فاستعملوها فيما أمر أن تُستعمل فيه، ولا تجترحوا السيئات، ولا تقترفوا المنكرات، وإنكم لتمنون أنفسكم بأنكم ممن يعفو الله عنكم ويزحزحكم من النار بمجرد نسبتكم إلى الدين الإِسلامي، وتلقيبكم بألقابه مع مخالفتكم أحكام القرآن وعملكم عمل أعداء الإِسلام.
وقرأ ابن عامر والكسائي (٣): ﴿لترون﴾ بضم التاء وباقي السبعة بالفتح، وقرأ علي وابن كثير في رواية, وعاصم في رواية بفتحها في: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ وضمها في: ﴿لَتَرَوُنَّهَا﴾ ومجاهد والأشهب وابن أبي عبلة بضمهما، وروي عن الحسن وأبي عمرو بخلاف عنهما أنهما همزا الواوين، استثقلوا الضمة على الواو، فهمزوا كما همزوا في: وقتت، وكان القياس أن لا تهمز؛ لأنها حركة عارضة لالتقاء الساكنين، فلا يعتد بها, لكنها لما تمكنت من الكلمة بحيث لا تزول أشبهت الحركة الأصلية فهمزوا، وقد همزوا من الحركة العارضة ما يزول في الوقت نحو: استرؤوا الصلاة فهمز هذه أولى.
٨ - ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال في "التيسير": كلمة (٤) ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب
стр. 15071
في الإخبار لا في الوجود، فإن السؤال بأنك أشَكرت على تلك النعمة أم كفرت يكون في موقف الحساب قبل دخول النار، والمعنى: ثم لتسألن يوم رؤية الجحيم وورودها عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، فتعذبون على ترك الشكر، فإن الخطاب في ﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾ مخصوص بمن عكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين، يقَطَّعُ أوقاته باللهو والطرب لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمِّل على نفسه مشاقهما، فإن من تمتع بنعمة الله وتقوَّى بها على طاعته وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذلك بمعزل بعيد، فدخل في الآية كفار مكة ومن لحق بهم في وصفهم من فسقة المؤمنين، وقيل: الآية مخصوصة بالكفار، وقال بعضهم: المراد بالنعيم هو الصحة والفراغ، وقال أبو حيان: الظاهر العموم في ﴿النَّعِيمِ﴾ وهو كل ما يلتذ به من مطعم ومشرب ومفرش ومركب، فالمؤمن يُسأل سؤال إكرام وتشريف، والكافر سؤال توبيخ وتقريع، وعن ابن مسعود ومجاهد والشعبي وسفيان: هو الأمن والصحة، وعن ابن عباس: البدن والحواس فيم استعملها، وعن ابن جبير: كل ما يتلذذ به، وفي الحديث: "بيت يكنك وخرقة تواريك، وكسرة تشد قلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم" انتهى.
وفي "الشوكاني" قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾؛ أي: نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، قال قتادة: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيُسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به، قال الحسن: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار، وقال قتادة: إن الله سبحانه سائلٌ كلَّ ذي نعمة عما أنعم عليه، وهذا هو الظاهر كما مر عن أبي حيان، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد أو نوع من الأفراد؛ لأن تعريفه للجنس أو للاستغراق، ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي يُسأل عنها، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه فيم صرفها وبم عمل فيها؛ ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر عليها، وقيل: السؤال عن الأمن والصحة، وقيل: عن الإدراك بالحواس، وقيل: عن ملاذ المأكول والمشروب، وقيل: عن الغداء والعشاء، وقيل: عن بارد الماء وظلال المساكن، وقيل: عن اعتدال الخلق، وقيل: عن لذة النوم، وقيل: عن الصحة والفراغ، والأولى الدموم كما ذكرنا، وفي الحديث: "نعمتان مغبون فيهما كثير من
стр. 15072
الناس الصحة والفراغ" أخرجه البخاري، وفي هذا الحديث دلالة على عظم محل هاتين النعمتين وجلالة خطرهما، وذلك لأن بهما يستدرك مصالح الدنيا، ويكتسب درجات الآخرة، فإن الصحة تنبىء عن اجتماع القوى الذاتية، والفراغ يدل على انتظام الأسباب الخارجة المنفصلة، ولا قدرة على تمهيد مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة إلا بهذين الأمرين، ثم سائر النعم بَعْدُ من توابعهما، وقال معاوية بن قرة: شدة الحساب يوم القيامة على الصحيح الفارغ، يقال: كيف أديت شكرهما؟، وفي "عين المعاني": يسأل عن النعم الخمس: شبع البطون، وبرد الشراب، ولذة النوم، وظلال المساكن، واعتدال الخَلْق.
والمعنى: أي إن هذا النعيم الذي تتفاخرون به وتعدونه مما يباهي به بعضكم بعضًا ستسألون عنه ماذا صنعتم به، هل أديتم حق الله فيه، وراعيتم حدود أحكامه في التمتع به؟ فإن لم تفعلوا ذلك كان هذا النعيم غاية الشقاء في دار البقاء.
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أي نعيم نُسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، فقال رسول الله ﷺ : "ظلال المساكن والأشجار، والأخبية التي تقيكم الحر والبرد، والماء البارد في اليوم الحارث، وروي عن الزبير بن العوام ﵁ قال: نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قال الزبير: يا رسول الله: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: "أما إنه سيكون" أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من أصبح آمنًا في بدنه، معافى في بدنه، وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال رسول الله ﷺ : "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول الله، قال: "والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقدما فقاموا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان؟ " قالت: ذهب يستعذب لنا الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ -
стр. 15073
وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحدٌ اليومَ أكرمَ أضيافًا منى قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا وأخذ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "إياك والحلوب" فذبح لهم شاة، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، فلما شبعوا ورووا .. قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" وأخرجه الترمذي بأطول من هذا، وقال فيه: "والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة ظل بارد ورطب طيب وماء بارد"، وكنَّى الرجل من الأنصار، فقال أبو الهيثم بن التيهان، واسمه: مالك بن التيهان وذكر قصته.
قال الرازي: قيل السؤال إنما هي عن الزائد على ما لا بد منه من مطعم وملبس ومسكن، والحق أن السؤال يعم المؤمن والكافر، وأنه عن جميع النعم سواء كانت النعم مما لا بد منه أو لا، والسؤال إنما هو في موقف الحساب، و ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الإخباري لا المعنوي؛ لأن السؤال قبل رؤية الجحيم. انتهى.
تتمة: والفرق بين علم اليقين وعين اليقين أن علم اليقين: هو إدراك الشيء من غير مشاهدة، وعين اليقين: الرؤية التي هي العلم به مع المشاهدة، وأما حق اليقين فهو: مع الملاصقة والممازجة، وقد أخبر الله سبحانه هنا بالأولين، وأخبر بالثالث في سورة الواقعة، حيث قال: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ...﴾ الآية، والله أعلم.
الإعراب
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾.
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾: فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، أو عاطفة. ﴿زُرْتُمُ﴾: فعل وفاعل في محل النصب بأن مضمرة؛ لأنه ماض في اللفظ مستقبل في المعنى بالنسبة إلى ما قبل ﴿حَتَّى﴾. ﴿الْمَقَابِرَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: ألهاكم التكاثر إلى زيارتكم المقابر، أو الجملة معطوفة على جملة ﴿أَلْهَاكُمُ﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر عن التشاغل عن الطاعات. ﴿سَوْفَ﴾:
стр. 15074
حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل مرفوع بثبوت النون، والمفعول محذوف تقديره: ما أمامكم، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿كَلَّا﴾ سبق إعرابه ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: معطوف على الجملة الأولى، وجعله ابن مالك من باب التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع مكرر للتأكيد. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف تقديره: لو تعلمون عاقبة التلهي والتفاخر والتكاثر، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: ما شُغِلتم بالتكاثر والتفاخر، وجملة ﴿لَوْ﴾ مع جوابها المحذوف مستأنفة. وحذف متعلق العلم في الأفعال الثلاثة؛ لأن الغرض هو الفعل لا متعلقه، والعلم بمعنى المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد. ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مصدر مبين للنوع، وأصله العلم اليقين، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، ولا يصح أن يكون قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هو الجواب؛ لأنه محقق الوقوع، فلا يعلق ﴿لَتَرَوُنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله لترون الجحيم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿تَرَوُنَّ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحركة بالضم لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل. ﴿الْجَحِيمَ﴾: مفعول به، والرؤية هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وأصله: لتَرْأَيُون، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، وحُذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، ثم ألقيت حركة الهمزة التي هي عين الكلمة على الراء، وحُذفت لثقلها، ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وحُركت الواو بالضم لالتقاء الساكنين، ولم تُحذف؛ لأنها لو حذفت لاختل الفعل بحذف عينه ولامه وواو الضمير.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿لَتَرَوُنَّهَا﴾ ﴿تروُنَّ﴾: فعل مضارع، وفاعل، مرفوع بثبات النون، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على الجيملة التي قبلها، ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: منصوب على المصدرية؛ لأنه مصدر معنوي لرأى؛ لأن رأى وعاين بمعنى واحد، أو لأنها صفة لمصدر محذوف؛ أي: لترونها رؤية عين اليقين. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾ ﴿تُسألن﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة
стр. 15075
رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الضمير المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع نائب فاعل , و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله متعلق بـ ﴿تسألن﴾، و ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾: متعلق بـ ﴿تسألن﴾ أيضًا على أنه في موضع المفعول الثاني.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾؛ أي: شغلكم التفاخر بالأموال والأولاد عن دينكم، واللهو: ما يشغل الإنسان سواء أكان مما يسر أم لا، ثم خص بما يشغل مما فيه سرور، وإذا أُلهي المرء بشيء فهو غافل به عما سواه، والتكاثر: التباهي بالكثرة بأن يقول كل للآخر: أنا أكثر منك مالًا، أنا أكثر منك ولدًا، أنا أكثر منك رجال ضرب وحرب.
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾؛ أي: حتى صرتم من الموتى، قال جرير:
زَارَ الْقُبُوْرَ أَبُوْ مَالِكٍ ... فَأَصْبَحَ أَلأمَ زُوَّارِهَا
والمقابر: جمع مقبرة بضم الباء وفتحها، وهي مدفن الموتى، والقبور: جمع قبر، قال الشاعر:
أَرَى أَهْلَ الْقُبُوْرِ إِذَا أمِيْتُوْا ... بَنَوْا فَوْقَ الْمَقَابِرِ بِالصُّخُوْرِ
أَبَوْا إِلَّا مُبَاهَاةً وَفَخْرًا ... عَلَى الْفُقَرَاءِ حَتَّى فِيْ الْقُبُوْرِ
﴿كَلَّا﴾ وفي "القرطبي": قيل إن ﴿كَلَّا﴾ في المواضع الثلاثة بمعنى ألا، قاله ابن أبي حاتم، وقال الفراء: هي بمعنى حقًا في المواضع الثلاثة، وقيل: هي للردع والزجر في المواضع الثلاثة اهـ بتصرف.
وقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أصله: أَلْهَيَكم بوزن أفعَلَ، قُلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، وقوله: ﴿زُرْتُمُ﴾ فيه إعلال بالقلب والحذف، أصله: زَوَرَ قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم أُسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، فسُكِّن آخره فالتقى ساكنان، فحُذفت الألف، ثم حذفت حركة فاء الفعل، وعُوَّض عنها حركة مناسبة للعين المحذوفة التي هي الواو، والمناسب لها الضمة، فقيل: زرتم بوزن فلتم.
قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ أصله: لتَرْأَيُون بوزن تفعلون، كما مر آنفًا، نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت بعد النقل تخفيفًا، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد
стр. 15076
فتح، فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف، ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة على الفعل فاجتمع ثلاث نونات، فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: واو الجماعة ونون التوكيد الثقيلة، فحُركت الواو بالضم، فالفعل مُعْرَب لعدم مباشرة نون التوكيد لآخره؛ لأن المحذوف لعلة كلا محذوف، فنون الرفع المحذوفة لتوالي الأمثال مقدرة، وكذلك يقال: في قوله: ﴿لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾.
﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾؛ أي: علم الأمر الميقون الموثوق به.
﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾ أصله: لتسألون، اتصلت بالفعل نون التوكيد الثقيلة، فاجتمع ثلاث نونات، فحذفت نون الرفع، فصار لتسألون، فالتقى ساكنان فحُذفت الواو.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التذكير والتوبيخ في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾؛ لأنه قد خرج الخبر فيه عن حقيقته إلى التوبيخ والتذكير.
ومنها: حذف المُلهى عنه؛ أي: الذي أُلْهِيَ عنه، وهو ما يعنيهم من أمر الدين في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾؛ للتعظيم والمبالغة، أما الأول فلأن الحذف كالتنكير قد يُجعل ذريعة إلى التعظيم لاشتراكهما في الإبهام، وأما الثاني فلأن تذهب النفس كل مذهب ممكن، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام، مثل ألهاكم التكاثر عن ذكر الله تعالى، من ألهاكم التكاثر عن الواجبات أو عن المندوبات أو عن المهمات مثلًا.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ لأنه عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة القبور؛ أي: جُعلت الزيارة كناية عنه تهكمًا بهم، قال الطيبي: إنما كان تهكمًا؛ لأن زيارة القبور شُرعت لتذكر الموت ورفض حب الدنيا وترك المباهاة والتفاخر، وهؤلاء عكسوا حيث جعلوا زيارة القبور سببًا لمزيد القسوة والاستغراق في حب الدنيا والتفاخر بالكثرة.
ومنها: التكرار للتهديد والإنذار في قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، وعطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾ للتنبيه على أن الثاني أبلغ من الأول، كما يقول
стр. 15077
العظيم لعبده: أقول لك، ثم أقول لك: لا تفعل، ولكونه أبلغ نُزِّل منزلة المغايرة، فعُطف بـ ﴿ثُمَّ﴾.
ومنها: حذف جواب ﴿لَوْ﴾ للتهويل والتفخيم في قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ تقديره: لرأيتم ما تشيب له الرؤوس، وتفزع له النفوس من الشدائد والأهوال؛ لأنه إذا حذف الجواب يذهب الوهم كل مذهب ممكن.
ومنها: القسم في قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾؛ لتوكيد الوعيد.
ومنها: تكرار القسم معطوفًا بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ تغليظًا في التهديد، وزيادة في الوعيد.
ومنها: جعل الرؤية ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ وخالصته مبالغة خاصة.
ومنها: حذف متعلق العلم في قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ...﴾ إلخ في الأفعال الثلاثة إشعارًا بأن الغرض هو الفعل لا متعلقه، كما في "السمين".
ومنها: الإطناب بتكرار الفعل في قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ لبيان شدة الهول.
ومنها: تكرار القسم معطوفًا في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ تغليظًا في التهديد وزيادة في الوعيد.
ومنها: التعريف بـ ﴿أل﴾ الاستغراقية في قوله: ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ إشعارًا بأن السؤال عن جميع أنواع النعم وأفرادها.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 15078
سورة العصر
سورة العصر مكية عند الجمهور نزلت بعد سورة الشرح، وقال قتادة: هي مدنية، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة العصر بمكة، وهي ثلاث آيات، وأربع عشرة كلمة، وثمانية وستون حرفًا.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (١): أنه ذكر في السورة السابقة أنهم اشتغلوا بالتفاخر والتكاثر، وبكل ما من شأنه أن يُلهي عن طاعة الله، وذكر هنا أن طبيعة الإنسان داعية إلى البوار، وموقعة له في الدمار، إلا من عصم الله وأزال عنه شرور نفسه، فكان هذا تعليل لما سلف. إلى أنه ذكر في السالفة صفة من أَتبع نفسه وهواه، وجرى مع شيطانه حتى وقع في التهلكة، وهنا ذكر من تجمل بأجمل الطباع، فآمن بالله وعمل الصالحات، وتواصى مع إخوانه على الاستمساك بعرى الحق، والاصطبار على مكارهه.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أنه لما قال فيما قبلها: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ ووقع التهديد بتكرار ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ ... بيَّن هنا حال المؤمن والكافر اهـ. وسميت سورة العصر؛ لذكر لفظ العصر فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة العصر (٢) كلها محكم، وفيها خلاف، فقيل المنسوخ فيها آية واحدة، وهي قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ نُسخت بالاستثناء المذكور بعدها، وهو قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ اهـ.
فضلها: ومما ورد في فضلها: ما أخرجه (٣) الطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "الشعب" عن أبي مزينة الدارمي، وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر،
стр. 15079
ثم يسلم أحدهما على الآخر.
ومنها: ما روي عن النبي ﷺ : من قرأ سورة العصر غفر الله له، وكان ممن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وروي (١) عن الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه قال: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم، أو قال: لو لم يُنزَل من القرآن سواها لكفت الناس.
وهذه السورة من أجلِّ سور القرآن العظيمِ وأوجزها لفظًا وأكثرها معنًى وحكمة وبيانًا، ولجلالة ما جمعت من المعاني السامية أنه كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، كما مر آنفًا ذلك؛ ليُذكّر كل منهما صاحبه بما يجب أن يكون عليه من امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وفي هذه السورة أعظم دلالة على إعجاز القرآن، ألا ترى أنها مع قلة حروفها تدل على جميع ما يحتاج إليه الناس في الدين علمًا وعملًا، وفي وجوب التواصي بالحق والصبر إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والله أعلم
* * *
стр. 15080
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾؛ أي: أقسم بالعصر، أقسم سبحانه (١) بالعصر وهو الدهر؛ لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع وعلى توحيده، ويقال لليل: عصر، وللنهار: عصر، ومنه قول حميد بن ثور:
وَلَمْ يَنْتَهِ الْعَصْرَانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ... إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَمَنَّيَا
ويقال للغداة والعشي عصران، ومنه قال الشاعر:
وَأمْطُلُهُ الْعَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِيْ ... وَيَرْضَى بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَالأَنْفُ رَاغِمُ
وقال قتادة والحسن: المراد به في الآية: العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، ومنه قول الشاعر:
يَرُوْحُ بِنَا عَمْرٌ ووَقَدْ قَصُرَ الْعَصْرُ ... وَفِيْ الرَّوْحَةِ الأُوْلَى الْغَنِيْمَةُ وَالأَجْرُ
وقال ابن عباس: العصر هو الدهر والزمن، قيل: أقسم الله به لما فيه من العبر والعجائب للناظر، وفي "تفسير الرازي": أقسم (٢) الله تعالى بالدهر لما فيه من الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، ولأن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيَّعتَ ألف سنة فيما لا يعني، ثم ثبتت السعادة في اللمحة الأخيرة من العمر بقيتَ في الجنة آبد الآباد، فعلمت أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم، ولأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به سبحانه؛ لكونه نعمة خالصة لا عيب فيه إنما الخاسر والمعيب الإنسان.
стр. 15081
وقد ورد في الحديث: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" رواه مسلم وغيره، وذلك لأنهم كانوا يضيفون النوائب والنوازل إلى الدهر، فأقسم به تنبيهًا على شرفه، وأن الله هو المؤثر فيه فما حصل فيه من النوائب والنوازل كان بقضاء الله تعالى وقدره، وقيل: الكلام على حذف مضاف تقديره: ورب العصر، ورُوي عن قتادة أيضًا أنه: آخر ساعة من ساعات النهار، فالعصر هو الطرف الأخير من النهار، وقد أقسم الله سبحانه به لما في ذلك من الدلالة على قدرة الله تعالى في تصرفه في هذا الكون العظيم ووحدانيته بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان الشمس، فقد أقسم هنا بالطرف الأخير من النهار، كما أقسم في آية أخرى بالطرف الأول من النهار، حيث قال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾، وهو الطرف الأول من النهار؛ لما فيه من حدوث سلطان الشمس وإقبال النهار، وأيضًا إنه كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق من خبث الحديث، وما يؤدي به بعضهم بعضًا، فيتوهم الناس أن الوقت مذموم، وأن الدهر مشاكس ملعون، كما يفعل بعض الجهلة في زماننا هذا، فأقسم الله تعالى بالعصر؛ لينبه على أن الزمان في نفسه ليس مما يُذم ويسب ويلعن، كما اعتاد بعض الناس أن يقولوا زمان مشؤوم ووقت نحس ودهر سوء، وما يشبه ذلك، بل الدهر ظرف للحسنات، كما هو ظرف للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله العظيمة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع وإحياء وإماتة. فكيف يُذم في ذاته وإنما يُذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة، فالله تعالى يُقسم بالزمان مطلقًا أو بذلك الوقت المخصوص، والزمان الذي هو العصر مملوء بالعبر والعظات مشحون بالحوادث والوقائع.
والزمان هو الأستاذ الأكبر والمعلم الأول الذي يُعلِّم الأفراد والشعوب أن العاقبة للعاملين المخلصين المتقين، وأن الخسران للعاملين الخائنين الظالمين، ومن لم يؤدبه الأبوان أدّبه الزمان؛ لأن الزمان إنما هو مؤدب أكبر ومرشد أعظم، وصروف الدهر وتقلبات الأيام كلها عبر وآيات بينات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن أجل ذلك أقسم الله تعالى به إرشادًا إلى علو مرتبته وإلى أنه شاهد صدق على أن الناس جميعًا في خسارة إلا المؤمنين الصالحين.
وقال مقاتل إن المراد به صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله
стр. 15082
سبحانه بالمحافظة عليها، وقيل: هو قسم بعصر النبي ﷺ قال الزجاج: قال بعضهم معناه: ورب العصر، والأول أولى، وقرأ سلَّام (١): ﴿والعصِر﴾ بكسر الصاد، و ﴿الصبِر﴾ بكسر الباء، قال ابن عطية: وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وروي عن أبي عمرو: ﴿بالصبِر﴾ بكسر الباء إشمامًا، وهذا أيضًا لا يكون إلا في الوقف. انتهى.
وفي "الكامل" للهذلي: ﴿والعصر﴾ و ﴿الصبر﴾ ﴿والفجر﴾ ﴿والوتر﴾ بكسر ما قبل الساكن في هذه كلها، وقرأ هارون وابن موسى عن أبي عمرو والباقون بالإسكان كالجماعة. انتهى.
وقال ابن خالويه: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ بنقل الحركة عن أبي عمرو، وقال صاحب "اللوامح": قرأ عيسى البصرة: ﴿بالصبر﴾ بنقل حركة الراء إلى الباء؛ لئلا يحتاج أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن فيجتمع ساكنان، وذلك لغة شائعة، وليست شاذة بل مستفيضة، وفي ذلك دلالة على الإعراب وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية لحقّ الموقوف عليه من السكون. انتهى.
وقد أنشدنا في الدلالة على هذا في شرح "التسهيل" عدة أبيات، كقول الراجز:
أَنَا جَرِيْرٌ كُنْيَتِي أَبُوْ عُمِرْ ... أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَسَعْدٌ فِيْ الْعَصِرْ
يريد أبو عمر والعصر.
وحاصل المعنى: أن الله أقسم (٢) بالدهر؛ لما فيه من أحداث وعبر يُستدل بها على قدرته وبالغ حكمته وواسع علمه، انظر إلى ما فيه من تعاقب الليل والنهار، وهما آيتان من آيات الله، كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ وإلى ما فيه من سراء وضراء، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وراحة وتعب، وحزن وفرح إلى نحو ذلك مما يسترشد به حصيف الرأي إلى أن للكون خالقًا ومدبرًا، وهو الذي ينبغي أن يوجه إليه بالعبادة، ويُدعى لكشف الضر وجلب الخير إلى أن الكفار كانوا يضيفون أحداث السوء إلى الدهر، فيقولون: هذه نائبة من
стр. 15083
نوائب الدهر، وهذا زمان بلاءً، فأرشدهم سبحانه إلى أن الدهر خَلْقٌ من خلقه، وأنه ظرف تقع فيه الحوادث خيرها وشرها، فإن وقعت للمرء مصيبة، فبما كسبت يداه، وليس للدهر فيها من سبب.
٢ - وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ جواب القسم، و ﴿أل﴾ في ﴿الْإِنْسَانَ﴾ استغراقية بدليل ذكر الاستثناء بعدها، فإن صحة الاستثناء من جملة أدلة العموم والاستغراق، وهي: التي يخلفها كل، ويصح الاستثناء من مدخولها؛ أي: إن كل فرد من أفراد الإنسان لفي خسران في مُتاجَره، وغبن في مساعيه، وصرف أعماره في أعمال الدنيا وضلال وخطأ عن الحق، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقيل: إن ﴿أل﴾ فيه عهدية؛ أي: للعهد الحضوري، وهي ما عهد مصحوبها ذهنًا؛ أي: إن الإنسان المعهود في ذهنك يا محمد وهم جماعة من صناديد قريش، كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العهموم ولدلالة الاستثناء عليه، والخسر (١) والخسران: النقصان وذهاب رأس المال وفى حق جنس الإنسان هو نفسه وعمره، والتنكير فيه للتفخيم؛ أي: لفي خسران عظيم، لا يعلم كنهه إلا الله في متاجرهم وصرف أعمارهم في مباغيهم، ويجوز أن يكون التنوين فيه للتنويع؛ أي: نوع من الخسران غير ما يتعارفه الناس، قال الأخفش: ﴿في خسر﴾؛ أي: في هلكة، وقال الفراء: عقوبة، وقال ابن زيد: ﴿لفي شر﴾، وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ بضم الخاء وسكون السين، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى: ﴿خسر﴾ بضم الخاء والسين، ورويت هذه القراءة عن عاصم, والمعنى: إن جنس الإنسان لفي نقصان؛ لأنه ينقص عمره كل يوم وهو رأس ماله، فإذا ذهب رأس ماله ولم يكتسب به الطاعة يكون على نقصان طول دهره وخسران، إذ لا خسران أعظم من استحقاق العقاب الدائم، وكيف لا يكون الإنسان في خسران ووراءه ذلك المصير المحتوم الذي قد صدر فيه الحكم من رب العنة، وكل نفس ذائقة الموت وإن عاشوا، فإلى أمد قصير وعيش حقير، ثم يتركون لذائذ الدنيا وبهجتها إلى الرمس الضيق الصغير, ثم يواريهم التراب وان كان ملكًا كبيرًا، وكأن لم يكونوا شيئًا مذكورا، فإذا لم يكونوا
стр. 15084
ممن استثناهم الله تعالى وهم الذين آمنوا الخ، فهم لا شك في خسران عظيم يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا يستعتبون.
والخلاصة: أي إن هذا الجنس من المخلوقات لخاسر في أعماله ضربًا من الخسران إلا من استثناهم الله تعالى، فأعمال الإنسان هي مصدر شقائه، لا الزمان ولا المكان، وهي توقعه في الهلاك، فذنب المرء في حق بارئه ومن يمن عليه بنعمه الجليلة وآلائه الجسيمة جريمة لا تعدلها جريمة أخرى.
٣ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا واعترفوا وأيقنوا بالخالق وآمنوا به وبرسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، وصدقوا بالقدر خيره وشره من الله تعالى، واعتقدوا اعتقادًا صحيحًا أن للعالم كله إلهًا خالقًا قادرًا يرضى عن المطيع ويغضب على العاصي، وأن هناك فرقًا بين الفضيلة والرذيلة، فدفعهم ذلك إلى عمل البر والخير.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: اكتسبوا الفضائل والخيرات الباقية، فربحوا بزيادة النور الكمالي على النور الاستعدادي الذي هو رأس مالهم، فهم في تجارة لن تبور حيث باعوا الفاني الخسيس، واشتروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات، فيا لها من صفقة ما أربحها، وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم، واستدل بعض الطوائف بالآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار؛ لأنه لم يستثن من الخسران إلا الذين آمنوا إلخ.
والتقصي منه أن غير المستثنى في خسر لا محالة؛ إما بالخلود إن مات كافرًا, وإما بالدخول في النار إن مات عاصيًا لم يُغفر له، وإما بفوات الدرجات العالية إن غُفر له.
والمعنى: أي جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، والاستثناء متصل، ومن قال: إن المراد بالإنسان الكافر فقط، فيكون منقطعًا، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل من أن المراد بهم الصحابة أو بعضهم، فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان والعمل الصالح.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا﴾؛ أي: أوصى وأمر بعضهم بعضًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ ويتحاثوا عليه؛ أي: بالأمر الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره،
стр. 15085
وهو الخير كله من الإيمان بالله، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل؛ أي: وصى بعضهم بعضًا بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله والتوحيد والقيام بما شرعه الله تعالى، واجتناب ما نهى عنه، قال قتادة: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالقرآن، وقيل: بالتوحيد، والحمل على العموم أولى.
﴿وَتَوَاصَوْا﴾؛ أي: أوصى بعضهم بعضًا وتحاثوا ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة البشرية وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها، وعلى ما يبلو الله به عباده من البلايا، وتخصيص (١) هذا التواصي بالذكر مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال الاعتناء به، أو لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة التي هى فعل ما يرضي به الله تعالى، والثاني عبارة عن رتبة العبودية التي هي الرضا بما فعل الله ، فإن المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما تشوق إليه من فعل أو ترك، بل هو تلقي ما ورد منه تعالى بالجميل والرضا به ظاهرًا وباطنًا، ولعله سبحانه إنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاءً ببيان المقصود، فإن المقصود بيان ما فيه الفوز بالحياة الأبدية، والسعادة السرمدية، وإشعارًا بأن ما عدا ما عُدَّ يؤدي إلى خسر ونقص حظ أو تكرمًا، فإن الإبهام في جانب الخسر كرم,؛ لأنه ترك تعداد مثالبهم وأعرض عن مواجهتهم به، وكرر التواصي لاختلاف المفعولين، وهما قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿بِالصَّبْرِ﴾، وعبارة "الشوكاني": هنا: وفي جعل (٢) التواصي بالصبر قرينًا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وأيضًا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق ومزيد شرفه عليها وارتفاع طبقته عنها. انتهى.
وخلاصة ما سلف (٣): أن الناس جميعًا في خسران إلا من اتصفوا بأربعة أشياء: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فيعملون الخير ويدعون إلى العمل به، ولا يزحزحهم عن الدعوة إليه ما يلاقونه من مشقة وبلاء،
стр. 15086
والإنسان جميعه خسر مساعيه وضل مناهجه، وصرف عمره في غير مطالبه فهو قد جاء إلى الأرض؛ ليخلص نفسه من الرذائل، ويتحلى بالفضائل، حتى إذا رجع إلى عالم الأرواح كان أقوى جناحًا وأمضى سلاحًا، لكنه حين رجع إلى مقره في عالم السموات لم يجد إلا نقصًا يحيط به، وجهلًا يرديه، فندم إلا طائفة منه عاشوا في الدنيا مفكرين، فآمنوا بأنبيائهم وصدقوا برسلهم، وأحبوا بني جنسهم، وأحسنوا إلى إخوانهم، فساعدوهم بأنفسهم وأموالهم، وصاروا معهم متعاضدين متعاونين، وصبروا على ما نزل بهم من الحدثان، ورُموا به من البهتان، فهؤلاء في الدنيا يفوزون بما يريدون، وفي الآخرة يفرحون بالنعيم المقيم.
أقسام الصبر: والصبر من الخلال الشخصية التي ينبغي للمرء أن يتدرع بها ويروَّض نفسه عليها منذ الحداثة والصغر، على الآباء والأمهات أن يربوا أولادهم على الصبر واحتمال الأذى، والصبر في أصل معناه اللغوي: الحبس، وهو باعتبار متعلَّقه ينقسم ثلاثة أقسام:
١ - حبس النفس عن فعل السوء والشر ودواعي الهوى والشهوة، وكل ما يمس كرامة الإنسان ويشوّه سمعته.
٢ - الصبر على المكروه والألم وتحمل الرزايا والمصائب، وكل ما يقلق الراحة وينغص العيش، ومثل ذلك الصبر على ما يفوت الإنسان من المآرب والحظوظ الدنيوية.
٣ - الصبر في مواطن الخوف والذعر، بل في مواطن الخطر أحيانًا دفاعًا عن حق، من حماية لمصلحة أو وقاية لعرض وشرف، وهذا النوع من الصبر يسمى: الشجاعة والإقدام، والشجاعة ضرب من الصبر، قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
قال بعض الحكماء: ليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون الرجل قوي الجسد على الكد والتعب؛ لأن هذا تشاركه فيه الدابة، ولكن أن يكون للنفس غَلُوبًا، وللخطوب حَمُولًا، ولجأشه عند الحفاظ مرتبطًا؛ أي: مالكًا نفسه عند الغضب، قال لقمان لابنه: الذهب يجرَّب بالنار، والعبد الصالح يجرب بالبلاء،
стр. 15087
وقال الفضيل بن عياض: إن الله ليتعهد عبده المؤمن بالبلاء، كما يتعهد الرجل أهله بالخير، ولولا أن في حلول الكوارث ونزول الحوادث تخفيفًا من الأوزار، وحطًا من الذنوب، ومحوًا من السيئات ما استطعنا عليهم صبرًا، ولولا أن في موافقة اللذات ومقارنة الشهوات أنواعًا من المكاره، وأصنافًا من الشدائد؛ ما وجدنا عنها صبرًا، ولكثر إسرعنا، وقيل عنها امتناعنا، لا جرم أن جميع خلال الخير وخصال البر وأحوال الطاعة وما يجعل الله في الإنسان من حسن الشيم وكرم الأخلاق وأسباب الديانة ودواعى الإيمان إنما هي كلها مرتبطة بالصبر، وراجعة إلى الصبر، ومحمولة على الصبر، وجارية مع الصبر كيفما تأملتها، وعلى أي حال تدبرتها، فإنه قطب تدور عليه جميع الأفعال المحمودة، لذا أمر الله سبحانه بالتواصي به؛ لأنه جماع صفلت الخير، ألا ترى أن الكرم صبر على مفارقة المال وعلى حبه، وأن العدل صبر على إمضاء الحكم وإن شق، وأن الصدق صبر، فربما خالطه شوائب تكره, وإن الحلم جامع لأشتات الصبر، فما منح الله الصبر عبدًا من عبيده، وهو يريد به شيئًا سوى الخير، وكل شيء في الوجود يولد صغيرًا، ثم يكبر إلا المصائب , فإنها تولد كبارًا، ثم تصغر وتضمحل، والصبر محمود الأثر شريف الغاية, ولو لم يكن فيه إلا أنه مظهر من مظاهر الكمال والرجولة اللائقة بكل إنسان .. لكفى , قال الشاعر:
فَلَوْ كَانَ يُغْنِيْ أَنْ يُرَى الْمَرْءُ جَازِعًا ... لِحَادِثَةٍ أَوْ كَانَ يُغْنِيْ التَّذَلُّلُ
لَكَانَ التَّعَزِّيْ عِنْدَ كُل مُصِيْبَةٍ ... وَنَائِبَةٍ بِالْحُرِّ أَوْلَى وَأَجْمَلُ
قال بعض الحكماء: الجزع على الفائت آفة، وعلى المتوقع سخافة، فهو لا يخلو عمره من النكد، ولا يستفيق من التعذيب والكمد، وإذا استولى الجزع تضاعف الكرب, واشتد حتى أصبح لا يطاق، كما قال ابن الرومي:
إِنَّ الْبَلَاءَ يُطَاقُ غَيْرَ مُضَاعَفٍ ... فَإِذَا تَضَاعَفَ صَارَ غَيْرَ مُطَاقِ
ومن الحكم المشهورة: من أكثر الشكوى عظمت عليه البلوى، ومن كلام بعض العلماء: من كثر جزعه كثرت زلته وعظمت علته وبعد أمله وحبط عمله، وإذا كان الجزع يحبط الحسنات فإن الصبر يربي الحسنات، وهو من أجل القربات، قال الأشعث بن قيس دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ -
стр. 15088
فوجدته قد أثَّر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلًا ونهارًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة؟ فما زاد على أن قال:
اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الإِدْلَاجِ فِيْ السَّحَرِ ... وَفِيْ الرَّوَاحِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِيْ الْبُكَرِ
إِنِّيْ رَأيْتُ وَفِيْ الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُوْدَةَ الأَثَرِ
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِيْ شَيْءٍ يُؤَمِّلُهُ ... وَاسْتَشْعَرَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ
وفي هذا المعنى قال بعضهم:
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... وَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيْهِ خُسْرَانُ
عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
وقد رُكب في طباع الإنسان حب تفضيله على جنسه، فما أحد إلا ويحب أن يكون أعلى درجة من غيره، فإذا وقعت نكبة بإنسان أوجبت نزوله عن مرتبة سواه، فينبغي له أن يتجلد؛ لئلا يُرى بعين النقص، وليتجمل بالصبر، فإنه عدة الرجال الكَمَلة قال الشاعر:
وَتَجَلُّدِيْ لِلشَّامِتِيْنَ أُرِيْهِمُ ... أَنِّيْ لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... ألْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لَا تَنْفَعُ
فأهل الكمال يُظهرون التجلد عند المصائب والفقر والبلاء؛ لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء، وإنها على بعض النفوس لأشد من كل نائبة، لذا كان فقيرهم يظهر الغنى، ومريضهم يظهر العافية، وإليكم هذا المثل من الشريعة الغراء حين قدم الرسول ﷺ مكة المكرمة أصابتهم الحمى، وقد أراد المسلمون الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والمشركون ينظرون إلى المسلمين، فخاف النبي ﷺ أن يشمت بهم الأعداء حين رأوا ضعفهم عن السعي، فقال مخاطبًا للمسلمين: "رحم الله من أظهر من نفسه التجلد"، فرملوا، والرمَل شدة السعي، وقد زال ذلك السبب، وبقي الحكم في أعمال الحج ليُتذكَّر السبب فيفهم معناه ومغزاه لهذه الأسباب وغيرها من معاني الصبر وآثاره في حياة الفرد والجماعة، فقد أمر الله سبحانه بالصبر، وأمر بالتواصي بالصبر بين المؤمنين والمؤمنات، فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
стр. 15089
الإعراب
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾. ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم. ﴿العصر﴾: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالعصر والدهر، وجملة القسم مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿في خسر﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء ﴿الَّذِينَ﴾: مستثنى من ﴿الْإِنْسَانَ﴾ في محل النصب على الاستثناء، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: فعل ماض وفاعل مبني بفتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿تواصوا﴾. ﴿وَتَوَاصَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف أيضًا على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِالصَّبْرِ﴾: متعلق به.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ قال في "القاموس": العصر مثلثة العين، وبضمتين الدهر، والجمع أعصار وعصور وأعصر وعُصُر، والعصر اليوم والليلة والعشي إلى احمرار الشمس، ويحرك، والغداة والحبس والرهط والعشيرة، والمطر من المعصرات والمنع والعطية، يقال: عصره يعصره، وبالتحريك الملجأ والمنجاة كالعصر بالضم إلى آخر هذه الصاد الطويلة.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ والإنسان هو هذا النوع من المخلوقات، وهو لفظ يقع على الذكر والأنثى من بني آدم، وربما أنثت العرب، فقالوا: إنسان وإنسانة، فقال:
إِنْسَانَةٌ تَسْقِيْكَ مِنْ إِنْسَانِهَا ... خَمْرًا حَلَالًا مُقْلَتَاهَا عِنَبُهْ
و ﴿أل﴾ فيه لاستغراق الجنس، فيشمل المؤمن والكافر بدليل الاستثناء.
﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي خسران ونقصان، وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران؛ لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك لأن كل ساعة من عمر الإنسان إما
стр. 15090
أن تكون تلك الساعة في طاعة أو معصية، فإن كانت في معصية فهو الخسران البين الظاهر، وإن كانت في طاعة فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان به، فكان فعل غير الأفضل تضييعًا وخسرانًا، فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران اهـ "جمل".
﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي غبن وخسارة، وفي "المصباح": خسر في تجارته خسارة - بالفتح - وخسرًا وخسرانًا، ويتعدى بالهمزة، فقال: أخسرته فيها، وخسر خسرًا وخسرانًا أيضًا هلك، والخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال، والمراد به ما ينغمس فيه الإنسان من الآفات المهلكة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فحكم بالخسران على جميع الناس إلا من كان آتيًا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذه الأمور اشتملت على ما يخص نفسه، وهو الإيمان والعمل الصالح وما يخص غيره، وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهما معطوفان على ما قبلهما من عطف الخاص على العام للمبالغة. اهـ. "رازي".
والحاصل: أن كل ما مضى من عمر الإنسان في طاعة الله فهو في صلاح وخير، وما كان بضده فهو في خسر وفساد وهلاك. اهـ. "خازن".
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ فعل ماض من باب تفاعل مأخوذ من المواصاة، وهي التقديم إلى الغير بما يعمل به مقرونًا بوعظ ونصيحة من قولهم: أرض واصية؛ أي: متصلة بالنبات، يقال: واصيت إليه بكذا؛ أي: قدمته إليه إذا أمرته قبل الحاجة إلى الفعل. اهـ. "كرخي" بتصرف.
﴿بِالْحَقِّ﴾: وهو كل ما حكم الشرع بصحته، ولا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله تعالى وطاعته واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. اهـ. "خطيب"، وقيل: الحق هو ما تصدّر من حقيقة ثابتة أرشد إليها دليل , قاطع، أو عيان ومشاهدة، أو شريعة صحيحة جاء بها نبي معصوم.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والصبر: هو قوة للنفس تدعوها إلى احتمال المشقة في العمل