سورة الكوثر
سورة الكوثر مكية نزلت بعد سورة العاديات في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، وكذا قاله الجمهور، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة، وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها (١): أنه سبحانه وصف في السابقة الذي يكذب بالدين بأمور أربع: البخل، الإعراض عن الصلاة، الرياء، منع المعونة، وهنا وصف ما منحه رسوله ﷺ من الخير والبركة، فذكر أنه أعطاه الكوثر، وهو الخير الكثير، والحرص على الصلاة ودوامها، والإخلاص فيها، والتصدق على الفقراء.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر فيما قبلها وصف المنافق بالبخل، وترك الصلاة والرياء، ومنع الزكاة .. قابل في هذه السورة البخل بـ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، والسهو في الصلاة بقوله: ﴿فَصَلِ﴾، والرياء بقوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾، ومنع الزكاة بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾، أراد به التصدق بلحم الأضاحي، فقابل أربعة بأربع. انتهى. وسميت سورة الكوثر؛ لذكر الكوثر فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الكوثر كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
فضلها: ومما ورد في فضلها (٢): ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الكوثر سقاه الله تعالى من كل نهر له في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر" ولكن فيه مقال.
والله أعلم
* * *
стр. 15157
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
أسباب النزول
قيل: إن هذه السورة نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه رأى رسول الله ﷺ يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد فلما دخل العاص بن وائل قالوا: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال ذلك الأبتر دعوه، فإنه رجل لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، وكان في تلك الأيام قد توفي عبد الله بن رسول الله ﷺ ، (وقيل: ولده إبراهيم)، وهو من خديجة "الكبرى" ففرح أعداء رسول الله ﷺ ، ومبغضوه، وقالوا: قد بتر محمد، وسينقطع ذكره، ولم يبق له أثر في أولاده من بعده، وكانوا يعدون ذلك عيبًا يلمزونه به، وسينفرون الناس من اتِّباعه، فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن رسول الله ﷺ ذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتِر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل .. قالوا: بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بُتر محمد، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في أبي جهل، وفي رواية أخرى عنه قال: نزلت في كعب بن الأشرف؛ إذ قدم مكة، فقالت له قريش: أنت سيد أهل المدينة وخيرهم، ألا ترى هذا الصابئى المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
قال ابن عباس: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني: عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف
стр. 15158
بذلك ممن ذكروا وغيرهم من أعداء الإِسلام، ومبغضي رسول الله ﷺ الذين كانوا يستهزئون به وبدعوته، واستمروا كذلك حتى كفاه الله شرهم، فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾، وقضى الله عليهم، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله على كل شيء قدير.
وحاصل أسباب نزول هذه السورة (١): أنه كان المشركون من أهل مكة والمنافقدن من أهل المدينة يعيبون النبي ﷺ ، ويلمزونه بأمور:
١ - أنه إنما اتبعه الضعفاء ولم يتبعه السادة الكبراء، ولو كان ما جاء به من الدين صحيحًا .. لكان أنصاره من ذوي الرأي والمكانة بين عشائرهم، وهم ليسوا ببدع في هذه المقالة، فقد قال قوم نوح له فيما قصه الله علينا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أن يسرع في إجابة دعوة الرسل الضعفاء من قبل أنهم لا يملكون مالًا، فيخافوا في سبيل الدعوة الجديدة ولا جاهًا ولا نفوذًا، فيخافوا أن يضيَّعا أمام الجاه في منحه صاحب الدعوة، وأن يتخلف عنها السادة الكبراء حتى يدخلوا في دين الله، وهم له كارهون، ومن ثم يظل الجدل بين أولئك الصناديد ورسل الله تعالى، ويأخذون في انتقاصهم وكيل التهم لهم تهمة بعد تهمة، والله ينصر رسله ويؤيدهم وبشد أزرهم، وعلى هذا السنن سار أهل مكة مع النبي ﷺ ، فقد تخلف عنه سادتهم وكبراؤهم حسدًا له ولقومه الأدنين.
٢ - أنهم كانوا إذا رأوا أبناءه يموتون يقولون: انقطع ذكر محمد وصار أبتر، يحسبون ذلك عيبًا، فيلمزونه به، ويحاولون تنفير الناس عن اتباعه.
٣ - أنهم كانوا إذا شدة نزلت بالمؤمنين .. طاروا بها فرحًا، وانتظروا أن تدول الدولة عليهم، وتذهب ريحهم، فتعود إليهم مكانتهم التي زعزعها الدين الجديد، فجاءت هذه السورة لتؤكد لرسوله أن ما يرجف به المشركون، وهم لا حقيقة له، ولتمحص نفوس الذين لم تصلب قناتهم، ولترد كيد المشركين في نحورهم، ولتعلمهم أن الرسول منتصر لا محالة، وأن أتباعه هم المفلحون.
стр. 15159
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿إِنَّا﴾: و ﴿إن﴾ (١): جار مجرى القسم في تأكيد الجملة. ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ يا محمد، عبر بصيغة الماضي مع أن العطايا الأخروية وأكثر ما يكون في الدنيا لم تحصل بعد إشعارًا بتحقق وقوعها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني: ﴿أنطيناك﴾ بالنون، وهي قراءة مروية عن رسول الله ﷺ ، قال الترمذي: هي لغة للعرب العاربة من أولي قريش، ومن كلامه ﷺ : "اليد العليا المُنطِية، واليد السفلى المُنطاة" ومن كلامه ﷺ أيضًا: "وانْطوا المنيحة"، وقال الأعمش:
جِيَادُكَ خَيْرُ جِيَادِ الْمُلُوْكْ ... تُصَانُ الْحَلَالَ وَتُنْطِيْ السَّعِيْرَا
قال أبو الفضل الرازي وأبو زكريا التبريزي: أبدل من العين نونًا، ﴿الْكَوْثَرَ﴾؛ أي: الخير المفرِط في الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين، والكوثر (٣) فوعل من الكثرة، وُصِف به للمبالغة في الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرًا، ومنه قول الشاعر:
وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
قيل لأعرابية آب ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر؛ أي: بالعدد الكثير من الخير، فالمعنى على هذا (٤): إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية.
وذكر أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي: إلى أن ﴿الْكَوْثَرَ﴾. نهر في الجنة، وقيل: هو حوض النبي ﷺ في الموقف، قاله عطاء، وقال عكرمة: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: النبوة، وقال الحسن: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: القرآن، وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة،
стр. 15160
وقال ابن كيسان هو: الإيثار، وقيل: هو الإسلام، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: هو المعجزات، وقيل: إجابة الدعوة، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس.
وذكر صاحب "التحرير" في الكوثر ستة وعشرين قولًا، والصحيح هو ما فسر به رسول الله ﷺ ، فقال: "هو نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعليه جمهور العلماء، كما جاء مبينًا في عدة أحاديث:
منها: ما رواه (١) الشيخان عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: "أنزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وَعَدَنيه ربي خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" هذا لفظ مسلم، وللبخاري قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عُرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طينته - مسك أذفر" شك الراوي.
ومنها: ما أخرجه الترمذي عن أنس ﵁: سُئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: "ذلك نهر أعطانيه - يعني في الجنة - أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزور".
قال عمر: إن هذه لناعمة، فقال رسول الله ﷺ : "أَكَلَتُها أنعم منها"، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
ومنها: ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة،
стр. 15161
حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
ومنها: ما رواه عامر بن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: سألت عائشة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه در مجوف، آنيته كعدد نجوم السماء. أخرجه البخاري.
ومنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها لا يظمأ أبدًا" زاد في رواية "وزواياه سواء" متفق عليه.
ومنها: ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمامكم حوضي، ما بين جنبيه كما بين جرباء وأذرح" متفق عليه، وقال بعض الرواة هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وفي رواية: "فيه أباريق كنجوم السماء، مَن وَرَدَهُ فشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا".
ومنها: ما رواه أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين ناحيتي" - وفي رواية: "لابَتَيْ حوضي، كما بين صنعاء والمدينة" وفي رواية "مثل ما بين المدينة وعمان" وفي رواية قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" متفق عليه.
ومنها: ما روي عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده، لآنِيَتُهُ أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثله طوله، ما بين عمَّان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل" أخرجه مسلم.
وبقي في هذا الباب أحاديث كثيرة لا يسعها هذا المختصر. قال القاضي عياض: وفي بعض هذه الأحاديث ما يقتضي كون الحديث متواترًا، وأما صفة الحوض ومقداره فقد قال في رواية "حوضي مسيرة شهر" وفي رواية: "ما بين جنبيه كما بين جرباء وأذرح" وفي رواية: "كما بين أيلة وصنعاء اليمن" وفي رواية: "مثل
стр. 15162
طوله ما بين عمان إلى أيلة" وفي رواية: "إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن"، فهذا الاختلاف في هذه الروايات في قدر الحوض ليس موجبًا للاضطراب فيها؛ لأنه لم يأت في حديث واحد، بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعات من الصحابة سمعوها من النبي ﷺ في مواطن مختلفة، ضربها النبي ﷺ مثلًا لبعد أقطار الحوض وسِعَته، وقرَّب ذلك على أفهام السامعين، لبعد ما بين هذه البلاد المذكورة لا على القدر الموضوع للتحديد، بل لإعلام السامعين عظم بُعد المسافة وسعة الحوض بقدر ما يعرفه كل من السامعين، وليس في ذكر القليل من هذه المسافة منع من الكثير، فإن الكثير ثابت على ظاهره، وصحت الرواية به، والقليل داخل فيه، فلا معارضة ومنافاة بينهما، وكذلك القول في آنية الحوض من أن العدد المذكور في الأحاديث على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع يمنع من ذلك، إذ قد وردت الأحاديث الصحيحة الثابتة بذلك وقوله في الأحاديث" "كما بين جرباء وأذرح" جرباء قرية الشام، وأذرح مدينة في طرف الشام قريبة من الشوبك وأما عمان بليدة بالبلقاء من أرض الشام، وأيلة مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين دمشق ومصر بينها وبين المدينة، نحو خمس عشرة مرحلة، وهي: آخر الحجاز وأول الشام، وأما صنعاء فهي قاعدة اليمن وأكبر مدنه، وإنما قيدها باليمن في الحديث؛ لأن بدمشق موضعًا يُعرف بصنعاء دمشق.
والمعنى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾؛ أي (١): إنا أعطيناك من المواهب الشيء الكثير في يعجز عن بلوغه العد، ومنحناك من الفضائل ما لا سبيل للوصول إلى حقيقته، وإن استخف به أعداؤك واستقلوه، فإنما ذلك من فساد عقولهم وضعف إدراكهم؛ أي (٢): إنا بجلالنا وعظمة قدرتنا، فالإتيان بـ ﴿إن﴾ ونون العظمة؛ للتأكيد ولزيادة تشريفه ﷺ ، والمعنى: قضينا به لك، وخصصناك به، وأنجزناه لك في علمنا، وتقديرنا الأزلي، وإن لم تستول عليه، والتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز، والتمكن والاستيلاء عليه مستقبل.
إن قلت: إنه عبر هنا بالماضي، وفي الضحى بالمضارع، حيث قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، فكيف الجمع بينهما؟.
стр. 15163
قلت: أجيب عنه بأن في الضحى باعتبار التمكن والاستيلاء، وذلك يحصل في المستقبل في يوم القيامة، وما هنا بتقدير التقدير الأزلي.
والصحيح: أن للنبي ﷺ نهرين:
أحدهما: بعد دخول الجنة يسمى كوثرًا.
والثاني: قبل الصراط، ويسمى حوضًا، كما يدل عليه مجموع الأحاديث السابقة، واختُلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر؟ فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض قبل.
قال الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل، قلت: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشًا، فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم اهـ من "تذكرة القرطبي".
٢ - وبعد أن أكد الله لنبيه ﷺ الخبر بأن في أعطاه هو الكوثر الذي لا يُستقل عدده ولا يُنتقص قدره، وأن ما يعدونه كثيرًا وعظيمًا من خيراتهم ونعيمهم، فهو بالنسبة إليه قليل وحقير، طالبه الله سبحانه بالشكر على ذلك، فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾؛ أي: وانحر له، فحذف اكتفاء بما قبله، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر؛ لأنه يوجب عظمة ومهابة، و ﴿الفاء﴾ (١) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن إعطاءه تعالى إياه ﷺ ما ذُكر من العطية التي لم يعطها، ولن يعطيها أحدًا من العالمين مستوجب للمأمور به أي استيجاب، والنحر يكون في اللبة كالذبح في الحلق، ويصح أن تكون ﴿الفاء﴾ للإفصاح، والمعنى على الأول: فدم يا محمد على الصلاة لربك الذي أفاض عليك هذه النعمة الجليلة التي لا تضاهيها نعمة خالصًا لوجهه، كما دل عليه اللام الاختصاصية، خلافًا للساهين عنها المرائين فيها أداء لحقوق شكرها، فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، وهي ثلاثة: الشكر بالقلب؛ وهو أن يعلم أن تلك النعم منه تعالى لا من غيره، والشكر باللسان؛ وهو أن يمدح المنعم ويثني عليه، والشكر بالجوارح، وهو أن يخدمه ويتواضع له، والصلاة جامعة لهذه الأقسام، والمراد الأمر له ﷺ بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة.
стр. 15164
﴿وَانْحَرْ﴾ البُدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى، وتصدق بها على المحاويج، خلافًا لمن يَدُعُّهم ويمنع منهم الماعون، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد، والنحر بالتضحية، وهذا يناسب كون السورة مدنية.
وعن عطية هي صلاة الفجر بجَمْعٍ، والنحر (١) بمنى، وقال محمد بن كعب: إن ناسًا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه ﷺ أن تكون صلاته ونحره له، وعن علي ﵁: النحر هاهنا وضع اليدين في الصلاة على النحر، وقال محمد بن كعب: النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، وقيل: هو، أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبير إلى حذاء نحوه، وقيل: هو أن يستقبل القبلة بنحوه، قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص، وروي عن عطاء أنه قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسًا حتى يبدو نحوه اهـ.
وقال سليمان التيمي: المعنى وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك، وظاهر الآية الأمر له ﷺ بمطلق الصلاة ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص، فهو في حكم التقييد له، والمعنى؛ أي (٢): اجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك وما هو نسك لك لله أيضًا، فإنه هو الذي رباك، وأسبغ عليك نعمه دون سواه، كما قال تعالى آمرًا له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦ ٣)﴾
٣ - وبعد أن بشر رسوله ﷺ أعظم البشارة وطالبه بشكره على ذلك، وكان من تمام النعمة أن يصبح عدوه مقهورًا ذليلًا .. أعقبه بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾؛ أي: إن مبغضك يا محمد كائنًا من كان كأبي جهل وأضرابه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْأَبْتَرُ﴾؛ أي: المنقطع عن كل خير على العموم، المقطوع ذكره في الدنيا والآخرة؛ لبغضه لك؛ لأن (٣) نسبة أمر إلى المشتق تفيد علية المأخذ، يقال: شنأه - كمنعه وسمعه - شنًا إذا أبغضه، والبغض ضد الحب، والبتر يستعمل في قطع الذَّنَب، ثم أجري قطع العقب مجراه، فقيل: فلان أبتر إذا لم يكن له عقب يخلفه، والمعنى: إن مبغضك على العموم هو الذي لا عقب له، حيث لا يبقى له نسل ولا
стр. 15165
حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان.
وشانئوه (١) ما كانوا يبغضونه لشخصه؛ لأنه كان محببًا إلى نفوسهم، بل كانوا يمقتون ما جاء به من الهدى والحكمة؛ لأنه سفه إحلامهم وعاب معبوداتهم، ونادى بفراق ما ألفوه ونشؤوا عليه، وقد حقق الله سبحانه الذي شانئيه من العرب وغيرهم الذي زمنه ﷺ ما يستحقونه من الخذلان والخسران ولم يبق لهم إلا سوء الذكر. أما النبي ﷺ ومن اهتدى بهديه، فإن الله سبحانه رفع منزلتهم فوق كل منزلة وجعل كلمتهم هي العليا.
قال الحسن - رحمه الله تعالى -: عني المشركون بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله سبحانه بيَّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك اهـ.
وقال ابن عباس ﵄ (٢) -: نزلت هذه السورة في كعب بن الأشرف وجماعة قريش، وذلك أنه لما قدم كعب بن الأشرف قالت له قريش: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل المدينة، أفنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ فقال: أنتم خير منه، فنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ...﴾ الآية، ونزلت في الذين قالوا: إنه أبتر ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾؛ أي: المنقطع عن كل خير، وقولهم في النبي ﷺ : هذا الصنبور أرادوا أنه فرد ليس له ولد، فإذا مات انقطع ذكره، شبهوه بالنخلة المنفردة يدق أسفلها، وتسمى الصنبور، وقيل: هي النخلة التي يخرج في أصل أخرى لم تغرس، وقيل: الصنابر سعفات تنبت من جذع النخلة تضر بها، ودواؤها أن تُقطع تلك الصنابر منها، فأراد كفار مكة أن محمدًا ﷺ بمنزلة الصنبور ينبت في جذع نخلة، فإذا انقطع استراحت النخلة، فكذا محمد ﷺ إذا مات انقطع ذكره، وقيل: الصنبور الوحيد الضعيف الذي لا ولد له ولا عشيرة ولا ناصر من قريب ولا غريب، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ورد عليهم أشنع رد، فقال: إن شانئك يا محمد هو الأبتر الضعيف الوحيد الحقير، وأنت الأعز الأشرف الأعظم. والله أعلم.
стр. 15166
وظاهر الآية: العموم وأن هذا شأن كل من يبغض النبي ﷺ ، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل أو غيره، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما مر غير مرة. والله أعلم بمراده.
وقرأ الجمهور (١): ﴿شَانِئَكَ﴾ بالألف، وقرأ ابن عباس: ﴿شنيك﴾ بغير ألف، فقيل: هو مقصور من شانىء، كما قالوا: بَرَر وبَر في بارِر وبار، ويجوز أن يكون بناء على فعل، وهو مضاف للمفعول إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وإن كان بمعنى الماضي فتكون إضافته لا من نصب على مذهب البصريين، وقد قالوا: حذر أمورًا، ومزقون عرضي، فلا يستوحش من كونه مضافًا للمفعول، ولفظ ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، والأحسن الأعرف في المعنى أن يكون ضمير فصل؛ أي: هو المنفرد بالبتر المخصوص به لا رسول الله ﷺ ، فجميع المؤمنين أولاده، وذكره مرفوع على المنائر والمنابر، ومسرود على لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يُبدأ بذكر الله تعالى، ويثَنَّى بذكره ﷺ ، وله في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف ﷺ وعلى آله وصحبه وشرَّف وكرَّم صلاة وسلامًا دائمين ما بقي الدهر.
الإعراب
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًا. ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، و ﴿الْكَوْثَرَ﴾: مفعول به ثان؛ ﴿فَصَلِ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية؛ لكون ما بعدها مرتبًا على ما قبلها، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إعطاءنا إياك الخير الكثير الذي لا يُعد ولا يحصى، وأردت بيان ما يلزمك في شكره، فأقول لك صل لربك، ﴿صل﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ ، تقديره: أنت. ﴿لِرَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿صل﴾، والجملة الفعلية على القول الأول معطوفة على جملة ﴿إن﴾، وعلى الثاني مقول لجواب إذا
стр. 15167
المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَانْحَرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿صل﴾. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾: ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، أو ضمير فصل. ﴿الْأَبْتَرُ﴾: خبر. ﴿هُوَ﴾، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، أو ﴿الْأَبْتَرُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مؤكدة لما قبلها، ولا أدري كيف أجاز أبو البقاء أن يُعرب هو تأكيدًا؛ لأن المُظهَر لا يؤكد بالمضمر، وعبارة ابن هشام: ووهم أبو البقاء هنا، فأجاز في ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ التوكيد، ويحتمل أنه أراد أنه توكيد لضمير مستتر في ﴿شَانِئَكَ﴾ لا لنفس ﴿شَانِئَكَ﴾، وذلك لأن شانىء اسم فاعل بمعنى مبغضك.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْكَوْثَرَ﴾ في "القاموس": والكوثر الكثير من كل شيء، والكثير الملتف من الغبار، والإِسلام، والنبوة، وقرية بالطائف كان الحجاج معلِّمًا بها، والرجل الخير المعطاء، والسيد، والنهر، ونهر في الجنة، وعبارة الزمخشري: والكوثر فوعل من الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر، قال الكميت الأسدي:
وَأَنْتَ كَثِيْرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ... وَكَانَ أَبُوْكَ ابْنَ العَفَائِلِ كَوْثَرَا
والعفائل: خيار النساء، والكوثر بليغ النهاية في الخير، والمراد به هنا النبوة والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدنيا والآخرة، والكوثر فوعل من الكثرة كنوفل من النفل، وجوهر من الجهر، وفي "المفردات" وقد يقال للرجل السخي كوثر، ويقال: تكوثر الشيء إذا كثر كثرة متناهية، والواو فيه زائدة مثل كوسج وجوهر ونوفل، وعبارة ابن خالويه: والكوثر نهر في الجنة، حافتاه الذهب وحصباؤه المرجان والدر، وحاله المسك يعني الحمأة، وماؤه أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
﴿وَانْحَرْ﴾ والنحر في اللبة كالذبح في الحلق.
﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾؛ أي: مبغضك، وفي "المصباح": شَنِئَه - كسَمِعَه ومَنَعَه - شنًا مثل فلس وشَنَآناٌ - بفتح النون وسكونها - إذا أبغضه، والفاعل شانىءٌ في المذكر، وشانئة في المؤنث، وشنئت بالأمر اعترفت به، وقال ابن خالويه: والشانِىء
стр. 15168
المبغض قال الأعمش:
وَمِنَ شَانِىءٍ كَاسِفٍ وَجْهُهُ ... إِذَا مَا انْتَسَبْتَ لَهُ أَنْكَرَنْ
﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: هو الذي لا عقب له، وهو الذي الأصل الشيء المقطوع من بتره إذا قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له، ورجل أُباتر بضم الهمزة؛ أي: قاطع رحمه، قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر: القطع، يقال: بترت الشيء بترًا إذا قطعته.
وعبارة ابن خالويه: معناه أن مبغضك يا محمد هو الأبتر؛ أي: لا ولد له، والأبتر الحقير، والأبتر الذليل، والأبتر من الحيات المقطوع الذنب، والأبتر ذنب الفيل، كانت قريش والشانئون لرسول الله ﷺ يقولون: إن محمدًا صنبور؛ أي: فرد لا ولد له، فإذا مات انقطع ذكره، فأكذبهم الله تعالى، وأعلمهم أن ذكر محمد مقرون بذكره إلى يوم القيامة، إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، والصنبور: النخلة، تبقى مفردة ويدق أسفلها، قال: ولقي رجل رجلًا، فسأله عن نخلِهِ، فقال: صنبرَ أسفله، وعششَ أعلاه، والصنبور أيضًا ما في فم الإداوة من حديد أو رصاص، والصنبور الصبي الصغير، قال أوس بن حجر:
مُخَلَّفُوْنَ وَيَقْضِيْ النَّاسُ أَمْرَهُمُ ... غِشَّ الأَمَانَةِ صُنْبُوْرٌ فَصُنْبُوْرُ
وفي "المختار": بتره قبل التمام وبابه نصر، والانبتار الانقطاع، والأبتر المقطوع الذنب، وبابه طرب، والأبتر أيضًا لا عقب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم في قوله: ﴿إِنَّا﴾ فإنه بمنزلة أن يقال: إنا نحن والله أعطيناك.
стр. 15169
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ مع أن العطايا الأخروية وأكثر ما يكون في الدنيا لم تحصل بعد إشعارًا بتحقق وقوعها.
ومنها: صيغة الجمع الدالة على التعظيم في ﴿نَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ تفخيمًا لشأن المعطى له، حيث لم يقل: أنا أعطيتك.
ومنها: المبالغة في لفظ ﴿الْكَوْثَرَ﴾.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر؛ لأنه يوجب عظمة ومهابة، وفيه أيضًا التفات من التكلم إلى الغَيبة، والأصل: فصل لنا، ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن في لفظ الرب حثًا على فعل المأمور به؛ لأن من يربيك يستحق العبادة منك.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أي: وانحر له، فحذف له اكتفاء بما قبله.
ومنها: الإضافة للتشريف، والتكريم في قوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾.
ومنها: إفادة الحصر في قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾؛ أي: إن مبغضك لا محبك من المؤمنين هو الأبتر عن كل خير.
ومنها: المطابقة بين أول السورة وآخرها يعني بين: ﴿الْكَوْثَرَ﴾ و ﴿الْأَبْتَرُ﴾، فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة مع وجازتها جمعت فنونًا من البلاغة والبيان والبديع، ولولا خوف الإطالة مع كون كتابنا من المختصرات .. لأشبعنا من مباحث بلاغتها ومعانيها أوراقًا وصحائف كثيرة، كالمذهب الكلامي الذي يطول بذكره الكلام.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 15170
سورة الكافرون
سورة الكافرون نزلت بعد سورة الكوثر مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة: يا أيها الكافرون بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت سورة يا أيها الكافرون بالمدينة، وآياتها: ست، وكلماتها: ست وعشرون، وحروفها: أربعة وتسعون.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (١): أنه في السورة السابقه أمر رسوله ﷺ بعبادته والشكر له على نعمه الكثيرة بإخلاص العبادة، وفي هذه السورة التصريح بما أشير إليه في السالفة، سميت سورة الكافرون، لذكر لفظ (الكافرون) فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الكافرون فيها آية واحدة منسوخة، وهي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ نُسخت بآية السيف.
فضلها: وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث شريفة تنبه إلى أهمية هذه السورة وعظيم قدرها.
فمنها (٢): ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة، وبقل هو الله أحد في ركعتي الطواف.
وفي "صحيح مسلم" أيضًا من حديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ (قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين أو بضع عشرة مرة. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾).
стр. 15171
ومنها: ما أخرجه الحاكم وصححه عن أُبيِّ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِحِ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾.
ومنها: ما أخرجه محمد بن نصر والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ تُعدل ربع القرآن" وكان يقرأ بهما الذي ركعتي الفجر.
ومنها: ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ كانت له عدلَ ربع القرآن"، ومنها: ما أخرجه الطبراني في "الصغير"، والبيهقي في "الشعب" عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن".
ومنها: ما أخرجه أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في "ترغيبه" عن شيخ أدرك النبي ﷺ قال: خرجت مع النبي ﷺ في سفر، فمر برجل يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فقال: "أما هذا فقد برىء من الشرك، وإذا آخر يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾، فقال النبي ﷺ : بها وجب له الجنة"، وفي رواية "أما هذا فقد غفر له".
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في "المصاحف" والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" عن فروة بن نوفل بن معاويةَ الأشجعي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: "اقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك" وأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عبد الرحمن بن نوفلٍ الأشجعي عن أبيه مرفوعًا مثله.
ومنها: ما أخرجه ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ لنوفل بن معاوية الأشجعي: "إذا أتيت مضجعك للنوم، فاقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فإنك إذا قلتها فقد برئت من الشرك".
ومنها: ما أخرجه أحمد والطبراني في "الأوسط" عن الحارث بن جبلة، وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة قال: قلت يا رسول الله
стр. 15172
علمني شيئًا أقوله عند منامي، قال: "إذا أخذت مضجعك من الليل، فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك".
ومنها: ما أخرجه البيهقي في "الشعب" عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ: "اقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ عند منامك، فإنها براءة من الشرك".
ومنها: ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تقرؤون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ عند منامكم".
ومنها: ما أخرجه البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي ﷺ قال: "إذا أخذت مضجعك، فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ " وإن النبي ﷺ لم يأت فراشه قط إلا قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ حتى يختم، وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "من لقي الله بسورتين، فلا حساب عليه ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾ ".
ومنها: ما أخرجه أبو عبيد في "فضائله"، وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال: من قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾ في ليلة فقد أكثر وأطاب.
والله أعلم
* * *
стр. 15173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
أسباب النزول
ذكر المفسرون رحمهم الله تعالى: أن هذه السورة نزلت في نفر من قريش، منهم الحارث بن العاص السهمي، والعاص بن أبي وائل، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف في جماعة آخرين من صناديد قريش وساداتهم أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: له هلم يا محمد، فاتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان في جئت به خيرًا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان في بأيدينا خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت حظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، وأنزل الله ردًا على هؤلاء هذه السورة، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه ملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم قرأ عليهم هذه السورة حتى فرغ منها، فأيسوا منه عند ذلك، وطفقوا يؤذون أصحابه حتى كانت الهجرة، قال ابن عباس: وفيهم نزل أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أن قريشًا قالت: لو استلَمْتَ آلهتنا لعبدنا إلهك، فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ...﴾ السورة كلها.
стр. 15174
التفسير وأوجه القراءة
١ - و ﴿الألف﴾ (١) و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ للجنس، ولكنها لما كانت الآية خطابًا لمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره .. كان المراد بهذا العموم خصوص من كان كذلك؛ لأن من الكفار عند نزول هذه السورة من أسلم وعبد الله تعالى.
قال المفسرون: في مناداتهم (٢) بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وشوكتهم إيذان بأنه ﷺ محروس منهم، ففيها عَلَم من أعلام النبوة، وفي التعبير بالجمع الصحيح دلالة على قلتهم أو حقارتهم وذلتهم، وهم كفرة مخصوصة كالوليد بن المغيرة وأبي جهل والعاص بن وائل وأضرابهم ممن قد علم الله أنه لا يأتي ولا يتأتى منهم الإيمان أبدًا على ما هو مضمون السورة، فالخطاب للرسول ﷺ بالنسبة إلى قوم مخصوصين، فلا يرد أن مقتضى هذا الأمران يقول كل مسلم ذلك لكل جماعة من الكفار، مع أن الشرع ليس حاكمًا به؛ أي: قل لهم يا محمد يا هؤلاء الكفرة الذين علم الله عدم إيمانهم يعني صناديد قريش المذكورين آنفًا.
٢ - ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ أنا فيما يُستقبل من الزمان ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: الأصنام التي تعبدونها؛ لأن لا، لا تدخل غالبًا إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن ما، لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن لن تأكيد فيما تنفيه لا، قال الخليل في: لن أصله لا، والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم.
٣ - ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾؛ أي: ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي، والمراد: ولا أنتم عابدون عبادة يعتد بها؛ إذ العبادة مع إشراك الأنداد لا تكون في حيز الاعتداد.
٤ - ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾؛ أي: وما كنت عابدًا فيما سلف ما عبدتم فيه؛ أي: لم يُعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف يرجى مني في الإِسلام.
стр. 15175
٥ - ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾؛ أي: وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته وهو الله تعالى، فليس في السورة تكرار.
وقيل: هاتان الجملتان لنفي العبادة حالًا، كما أن الأوليين لنفيها استقبالًا، وإنما لم يقل (١): ما عبدت ليوافق ما عبدتم؛ لأنهم كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام، وهو ﵇ لم يكن حينئذ موسومًا بعبادة الله ومشتهرًا بكونه عابدًا لله على سبيل الامتثال لأمره يعني ما يقتضيه جعل العبادة صلة للموصول، ثم عدم الموسومية بشيء لا يقتضي عدم ذلك الشيء، فلا يلزم أن لا يكون ﷺ عابدًا لله قبل البعثة، بل يكون ما وقع منه قبلها من قبيل الجري على العادة المستمرة القديمة، وفي "القاموس": كان ﷺ على دين قومه على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم وإساعيل ﵉ في حجهم ومناكحهم وبيوعهم وأساليبهم، وأما التوحيد فإنهم كانوا بذلوه والنبي ﷺ لم يكن إلا عليه. انتهى.
وإيثار ﴿مَا﴾ في ﴿أَعْبُدُ﴾ على من؛ لأن المراد هو الوصف، كأنه قيل: ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته قال (٢): الأخفش والفراء، المعنى: لا أعبد الساعة ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد، قال الزجاج: نفى رسول الله ﷺ بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفيما يستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل، وقيل: إن كل واحد من الجملتين يصلح للحال والاستقبال، ولكنا نخص أحدهما بالحال، والثاني بالاستقبال رفعًا للتكرار.
وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ للاستقبال وإن كان صحيحًا على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ للاستقبال؛ لأن الجملة تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات، فدخول النفي عليهما يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحًا للزم مثله في قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما
стр. 15176
قيل من العكس؛ لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة؟ وأما قول من قال: إن كل واحد منها يصلح للحال والاستقبال، فهو إقرار منه بالتكرار؛ لأن حمل هذا على معنى، وحمل هذا على معنى آخر مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه دليل.
وإذا تقرر لك هذا (١): فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا تجحد واستعمالاتهم التي لا تُنكر أنهم إذا أرادوا التأكيد كرروا، كما أن من مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا، وهذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه؛ لأنه يستدل على ما فيه خفاء، ويبرهن على ما هو متنازع فيه، وأما ما كان من الوضوح والظهور والجلاء بحيث لا يشك فيه شاك ولا يرتاب فيه مرتاب، فهو مستغن عن التطويل غير محتاج إلى تكثير القال والقيل، وقد وقع في القرآن من هذا ما يعلمه كل من يتلو القرآن، وربما يكثر في بعض السور، كما في سورة الرحمن وسورة المرسلات، وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر، ومن ذلك قول الشاعر:
يَا لَبَكْرٍ انْشُرُوْا لِيْ كُلَيْبَا ... يَا لَبَكْرٍ أَيْنَ أيْنَ الْفِرَارُ
وقول الآخر:
هَلَّا سَأَلْتِ جُمُوْعَ كِلْـ ... ـدَةَ يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنَا
وقول الآخر:
يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ ... خَيْرَ تَمِيْمٍ كُلِّهَا وَأَكْرَمَهْ
وقول الآخر:
لَا يَا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِيْ ... ثُلَّاثَ تَحْيَاتٍ وإنْ لَمْ تُكْلَمِ
وقول الآخر:
стр. 15177
يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَرُ ... إِنْ أَكُ دَحْدَاحًا فَأَنْتَ أَقْصَرُ
وقول الآخر:
فَأيْنَ إِلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي ... أَتَاكِ أَتَاكِ اللَّاحِقُوْنَ احْبِسِ احْبِسِ
وقد ثبت عن الصادق المصدوق؛ وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات، وإذا عرفت هذا ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله ﷺ إلى ما سألوه من عبادة آلهتهم، قلت التأسيس كما قالوا أولى من حمله على التأكيد، لما في التأسيس من أهمية كل جملة بفإدتها لعلم لم تفده الأخرى، كما أشرنا إليه في سورة الرحمن والمرسلات، وإنما عبر سبحانه بـ ﴿ما﴾ التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة؛ لأنه يجوز ذلك، كما في قوله: سبحان ما سخركن لنا ونحوه.
والنكتة في ذلك أن يجري الكلام على نمط واحد ولا يختلف، وقيل: إنه أراد الصفة كما مر، كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، وقيل: إن ما، في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة؛ أي: لا أعبد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي، إلخ. انتهى من "الشوكاني".
وعبارة أبي حيان هنا: وللمفسرين في هذه الجمل أقوال (١):
أحدها: أنها للتأكيد، فقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ توكيد لقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾، وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ ثانيًا تأكيد لقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ أولًا، والتوكيد في لسان العرب كثير جدًّا نثرًا ونظمًا، وفائدة هذا التوكيد: قطع أطماع الكفار، وتحقيق الإخبار بموافاتهم على الكفر، وأنهم لا يسلمون أبدًا.
والثاني: أنه ليس للتوكيد، واختلفوا فقال الأخفش: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد، فزال التوكيد؛ إذ قد تقيَّدت كل جملة بزمان مغاير.
стр. 15178
وقال أبو مسلم (١): ﴿مَا﴾ في الأوليين بمعنى الذي، والمقصود المعبود، و ﴿مَا﴾ في الأُخريين مصدرية؛ أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، وقال ابن عطية: لما كان قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ﴾ محتملًا أن يراد به الآن، ويبقى المستأنُف منتظرًا ما يكون فيه جاء البيان بقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ أبدًا وما حييت، ثم جاء قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ الثاني حتمًا عليهم أنهم لا يؤمنون به أبدًا، كالذي كشف الغيب، فهذا كما قيل لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ ولكن ﴿مَا﴾ هنا في قوم معينين، وقوم نوح عموا بذلك، لهذا معنى الترديد الذي في السورة، وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط، بل فيما ذكرته. انتهى.
وقد ذكر النحاة: أن دخول لا على المضارع يراد به الحال، ودخول ما على المضارع يراد به الاستقبال، وذلك مذكور في المبسوطات من كتب النحو اهـ من "البحر".
وخلاصة معنى السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾؛ أي: قل لهم يا محمد (٢): إن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده؛ لأنكم تعبدون من يتخذ الشفعاء أو الولد، أو يحل في شخص، أو يتجلى في صورة معينة، أو نحو ذلك مما تزعمون، وأنا أعبد إلهًا لا مثيل له ولا ند، وليس له ولد ولا صاحبة، ولا يحل في جسم، ولا تُدرك كنهه العقول، ولا تحويه الأمكنة، ولا تمر به الأزمنة، ولا يُتقرب إليه بالشفعاء، ولا تقدم إليه الوسائل، وعلى الجملة فبين ما تعبدون وما أعبد فارق عظيم وبون شاسع، فأنتم تصفون معبودكم بصفات لا يجمل بمعبودي أن يتصف بها.
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾؛ أي: إنكم لستم بعابدين إلهي في أدعو إليه لمخالفة صفاته لإلهكم، فلا يمكن التوفيق بينهما بحال، وبعد أن نفى الاختلاف في المعبود نفى الاختلاف في العبادة من قبل أنهم كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم، أو في المعابد التي أقاموها لها، أو في خلواتهم، وهم على اعتقادهم بالشفعاء عبادة خالصة لله، وأن النبي ﷺ لا يفضلهم في شيء، فقال:
стр. 15179
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾؛ أي: ولا أنا بعابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي، قاله أبو مسلم الأصفهاني كما مر.
وخلاصة ما سلف: الاختلاف التام في المعبود والاختلاف البين في العبادة، فلا معبودنا واحد ولا عبادتنا واحدة؛ لأن معبودي منزه عن الند والنظير، متعال عن الظهور في شخص معين وعن المحاباة لشعب أو واحد بعينه، والذي تعبدونه أنتم على خلاف ذلك، كما أن عبادتي خالصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى، فلا تسمى على الحقيقة عبادة،
٦ - ثم هددهم وتوعدهم، فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾، وهذه الجملة تقرير لقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾، وقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾، وأما قوله: ﴿وَلِيَ﴾ - بفتح ياء المتكلم - ﴿دِينِ﴾ - بحذف الياء إذ أصله: ديني - فتقرير لقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾.
والمعنى (١): إن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم، لا يتجاوزه إلى الحصول لي أيضًا، كما تطمعون، فلا تعلِّقوا به أمانيكم الفارغة، فإن ذلك من المحال، وإن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم أيضًا؛ لأنكم علقتموه بالمَحال الذي هو عبادتي لآلهتكم، أو استلامي إياها؛ ولأن ما وعدتموه عين الإشراك، وحيث كان مبنى قولهم: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، على شركة الفريقين في كلتا العبادتين .. كان القصر المستفاد من تقديم المسند قصر إفراد حتمًا؛ أي: إن رضيتم بدينكم فقد رضيت بديني، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم على أعمالكم، ولي جزائي على عملي؛ لأن الدين هو الجزاء، وقال أبو الليث: وفي هذه الآية دليل على أن الرجل إذا رأى منكرًا أو سمع قولًا منكرًا، فأنكره ولم يقبلوا منه.
لا يجب عليه أكثر من ذلك، وإنما عليه مذهبه وطريقه، وتركهم على مذهبهم وطريقهم اهـ.
وهذه الآية: منسوخة بآية السيف كما مر، وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأنها أخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ.
стр. 15180
وفي الحديث: "مروا صبيانكم، فليقرؤوا هذه السورة عند المنام، فلا يعرض لهم شيء".
ومن خرج مسافرًا فقرأ هذه السور الخمس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ رجع سالمًا غانمًا، وقرأ الجمهور (١): بإسكان الياء من قوله: ﴿وليْ﴾ وقرأ نافع وهشام وحفص والبزي بفتحها، وقرأ الجمهور أيضًا بحذف الياء من ديني وقفًا ووصلًا، وأثبتها نصر بن عاصم وسلام ويعقوب وصلًا ووقفًا، قالوا: لأنها اسم فلا تُحذف، ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ وإن كانت اسمًا.
الإعراب
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة. ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصوده في محل النصب على المفعولية مبني على الضم، و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: بدل من ﴿أي﴾، أو نعت لها، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَعْبُدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا، يعود على محمد ﷺ . ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما تعبدونه، ويجوز أن تكون مصدرية، فتكون مؤولة مع ما بعدها بمصدر مفعول مطلق. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾؛ مبتدأ. ﴿عَابِدُونَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿عَابِدُونَ﴾، ووقعت للعقلاء على سبيل التعظيم، وجملة ﴿أَعْبُدُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما
стр. 15181
أعبده، ويجوز أن تكون مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر منصوب على أنه مفعول مطلق. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَنَا عَابِدٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿عَابِدٌ﴾، وجملة ﴿عَبَدْتُمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ موصولة كانت أو مصدرية. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿عَابِدُونَ﴾: خبر، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿عَابِدُونَ﴾، وجملة ﴿أعبُدُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿دِينُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ مقرَّرة لما قبلها. ﴿وَلِيَ﴾ خبر مقدم. ﴿دِينِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة، دين مضاف، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت في إعراب السورة: ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ...﴾ إلى آخر السورة مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾؛ لأن مرادنا لفظها لا معناها، والمقول منصوب بالقول، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الحكاية، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قُلْ﴾ أمر مقتطع من مضارعه المجزوم، وأصله: لم يقل، حذف الجازم وحرف المضارعة، فصار ﴿قُلْ﴾ بوزن فل، والمحذوف منه عين الكلمة، يقال: قال يقول قولًا إذا تلفظ بكلمة، والقول: لفظ مفرد وضع لمعنى.
﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾: جمع سلامة من كفر، مفرده كافر، والكفر بالضم والسكون ضد الإيمان، ويُفتح كالكُفور والكفران بضمهما، يقال: كفر بنعمة الله من باب نصر، والكفر أيضًا جحود النعمة وهو ضد الشكر، وقد كفره من باب دخل كفرًا وكفرانًا، وفي القاموس: كفر نعمة الله وبها كُفورًا وكفرانًا، جحدها وسترها، وكافَرَه حقه جحده، والمكفَّر كمعظَّم المجحود النعمة مع إحسانه، والكافر الجاحد لأنعم الله تعالى، والجمع كفار وكفرة محركة، وكِفار ككتاب، وهي كافرة من
стр. 15182
كوافر، ورجل كَفَّار كشدَّاد وكفور جمع كُفُر بضمتين، وكفر عليه يكفر - من باب ضرب - غطاه، والشيء ستره ككفَّره، والكافر الليل والبحر والوادي العظيم والنهر الكثير والسحاب المظلم والزارع والدرع ومن الأرض ما بعد عن الناس كالكَفْر بالفتح والسكون، والأرض المستوية والغائط الوطىء والنبت وموضع ببلاد هذيل، والظلمة كالكفرة بالفتح والسكون، والداخل في السلاح كالمكفر كمحدِّث، ومنه: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" أو معناه: لا تكفروا الناس، فتكفروا إلى آخر ما في هذه المادة.
فائدة: قالوا: وأول من سن الكفر والإباء والاستكبار إبليس اللعين، وأول من سن النسيان والتوبة آدم ﵇، وأول من سن القتل قابيل ولد آدم.
﴿لَا أَعْبُدُ﴾ يقال: عبده يعبده - من باب نصر - إذا تذلل له، وأطاع، والعبد الإنسان حرًا كان أو رقيقًا، والعبد أيضًا ضد الحر، والجمع عبيد مثل كلب وكَلِيب، وهو جمع عزيز وأَعبُد وعِباد وعُبْدان بالضم كتمر وتمران، وعبدان بالكسر وتشديد الدال، وعِبْدان بالكسر كجحش وجحشان إلى آخر ما في هذه المادة اهـ "مختار" كما ذكرناه في رسالتنا "سلَّم المعراج على خطبة المنهاج".
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ و ﴿ما﴾ في هذه السورة يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام، كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح؛ لأنهم غير عقلاء، وما أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري سبحانه، كما في الثانية والرابعة، فاستدل به من جوَّز وقوعها على أولي العلم، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي؛ أي: مثل عبادتي، وقال أبو مسلم ﴿مَا﴾ في الأوليين بمعنى الذي، والمقصود المعبود، و ﴿مَا﴾ في الأخريين مصدرية؛ أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، فتحصَّل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال.
والثاني: أنها كلها بمعنى الذي أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى الذي، والأخريان مصدريتان، ولقائل أن يقول: لو قيل: بأن الأولى والثالثة والرابعة مصدرية .. لكان حسنًا حتى لا يلزم وقوع (ما) على أولي العلم، وهو مقتضى قول
стр. 15183
من يمنع وقوعها على أولي العلم، كما تقدم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: خطابهم بهذا الوصف الشنيع الرذيل في محل عزهم وشوكتهم في قوله: ﴿أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إيذانًا بأنه ﷺ محروس منهم.
ومنها: التعبير فيه بالجمع الصحيح في من أوزان جمع القلة دلالة على قلتهم أو حقارتهم وذلتهم، وهم كفرة مخصوصة معينون، كما مر.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، فالأولى نفي، والثانية إثبات.
ومنها: المقابلة بين كل من الجملتين الأوليين: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾؛ أي: في الحال، والمقابلة بين الجملتين الأخريين: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾؛ أي: في الاستقبال، وفي هذه المقابلة نفي لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾.
ومنها: تقديم المسند على المسند إليه في قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ إفادةً للقصر، ويكون القصر فيه قصر إفراد؛ لإفادته قصر كل من الفريقين بعبادة إلهه.
ومنها: التكرير في هذه السورة؛ لإفادة التأكيد عند من يقول به.
ومنها: إيثار ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ على من إشعارًا بأن المراد منها الوصف، كأنه قيل: ولا أنتم عابدون ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته.
стр. 15184
ومنها: جناس الاشتقاق بين: ﴿أَعْبُدُ﴾ و ﴿عَابِدٌ﴾، وبين ﴿عَبَدْتُمْ﴾ و ﴿عَابِدُونَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
* * *
стр. 15185
سورة النصر
سورة النصر، وتسمى سورة التوديع، مدنية بلا خلاف، نزلت بعد سورة التوبة، وهي ثلاث آيات، وسبع عشرة كلمة، وسبعة وسبعون حرفًا.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (١): أنه لما ذكر في السورة السابقة اختلاف دين الرسول الذي يدعو إليه ودين الكفار الذي يعكفون عليه .. أشار في هذه السورة إلى أن دينهم سيضمحل ويزول، وأن الدين الذي يدعو إليه سيغلب عليه، ويكون هو دين السواد الأعظم من سكان المعمورة.
وقال أبو حيان (٢): مناسبتها لما قبلها: أنه لما كان في قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ موادعة جاء في هذه السورة بما يدل على تخويفهم وتهديدهم، وأنه آن مجيء نصر الله وفتح مكة واضمحلال ملة الأصنام، وإظهار دين الله تعالى.
فضلها: ومما ورد في فضلها ما تقدم في تفسير سورة الزلزلة أنها تعدل ربع القرآن، وسورة إذا زلزلت تعدل أيضًا ربع القرآن، ومنه ما روي (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة إذا جاء أُعطي من الأجر كمن شهد مع محمد ﷺ يوم فتح مكة" زادها الله شرفًا، ولكن فيه مقال.
تسميتها: وتسمى هذه السورة سورة التوديع، واختُلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك، وليس في ظاهرها نعي، فقيل: لأن التقدير: فسبح بحمد ربك فإنك حينئذٍ لاحق بالله وذائق طعم الموت، ما ذاقه من قبلك جميع الرسل، وعند الكمال يرقب الزوال، كما قال الشاعر:
إِذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا تَقْصُهُ ... تَوَقَّعْ زَوَالًا إِذَا قِيْلَ تَمّ
وقيل: لأنه سبحانه أمره بتجديد التوحيد واستدراك الفائت بالاستغفار، وذلك
стр. 15186
مما يلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار، وسميت سورة النصر؛ لذكر النصر فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة النصر كلها محكم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
والله أعلم
* * *
стр. 15187
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
أسباب النزول
قيل: نزلت منصرَفَهُ ﷺ ، من غزوة خيبر، وعاش بعد نزولها سنتين، وقال ابن عمر: نزلت في أوسط أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، وعاش ﷺ بعدها ثمانين يومًا أو نحوها، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أُنزل بالمدينة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي، في "الدلائل" عن ابن عمر قال: هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق بمنى، وهو في حجة الوداع ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ حتى ختمها، فعرف رسول الله ﷺ أنها الوداع.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال رسول الله ﷺ : "نُعيت إلى نفسي وقرب إليَّ أجلي"، وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه أيضًا قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ نُعِيَتْ لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت: لما أُنزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال رسول الله ﷺ : "إنه الله لم يبعث نبيًا إلا عمر في أمته شطر ما عُمِّر النبي الماضي قبله، فإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي وعشرون سنة، وأنا ميت في هذه السنة" فبكت فاطمة، فقال النبي ﷺ : "أنت أول أهلي بي لحوقًا فتبسمت".
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ .. دعا رسول الله ﷺ فاطمة، وقال: "إنه قد نُعيت إلى نفسي"، فبكت ثم
стр. 15188
ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نُعيت إليه نفسه، فبكيت، فقال: "اصبري، فإنك أول أهلي لحاقًا بي فضحكت".
وكان الأمر كما أخبر رسول الله ﷺ ، فلحقت به ﵂ بعد ستة أشهر، وقال الزمخشري إنها لما نزلت هذه السورة خطب رسول الله ﷺ ، فقال: "إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا ويين لقائه، فاختار لقاء الله، فعلم أبو بكر ﵁ فقال: فديناك يا رسول الله بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا".
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: إذا حصلت إعانته تعالى وإظهاره إياك على أعدائك، فإن (١) قلت: لا شك أن ما وقع من الفتوح كان بنصرة المؤمنين، فما وجه إضافتها إلى الله؟ .. قلت: لأن أفعالهم مستندة إلى دواعي قلوبهم، وهي أمور حادثة لا بد لها من محدث، وهو الله تعالى، فالعبد هو المبدأ الأقرب، والله هو المبدأ الأول والخالق للدواعي وما ينبني عليها من الأفعال، والعامل في إذا، هو ﴿سبح﴾؛ أي: فسبح إذا جاء نصر الله، ولا يمنع الفاء عن العمل على قول الأكثرين، أو فعل الشرط كما سيأتي.
﴿وَالْفَتْحُ﴾؛ أي: فتح مكة، على أن الإضافة و ﴿اللام﴾ للعهد، وهو الفتح الذي تطمح إليه الأبصار، ولذلك سمي فتح الفتوح، ووقع الوعد به في أول سورة الفتح، وقد سبقت قصة الفتح في تلك السورة، وقيل: جنس نصر الله، ومطلق الفتح على أن الإضافة و ﴿اللام﴾ للاستغراق، فإن فتح مكة لما كان مفتاح الفتوح ومناطها، كما أن نفسَها أمُ القرى وإمامها جعل مجيئه بمنزلة مجيء سائر الفتوح، وعلَّق به أمره ﷺ ، وأنهما على جناح الوصول إليه عن قريب.
يقال: نصره على عدوه ينصره نصرًاَ إذا أعانه عليه، قال الواحدي (٢): قال المفسرون: ﴿إِذَا جَاءَ﴾ ك يا محمد ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ سبحانه على من عاداك، وهم قريش ﴿وَالْفَتْحُ﴾؛ أي: فتح مكة، وقيل المراد: نصره ﷺ على قريش من غير تعيين، وقيل: نصره على من قاتله من الكفار، وقيل: هو فتح سائر البلاد، وقيل: هو ما
стр. 15189
فتحه الله عليه من العلوم.
وعبر عن حصول النصر والفتح بالمجيء؛ للإيذان بأنهما متوجهان إليه ﷺ ، وقيل: ﴿إِذَا﴾ بمعنى قد، وقيل: بمعنى إذ، وقال الرازي: الفرق بين النصر والفتح: أن الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان مغلقًا، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف عليه الفتح، أو يقال: النصر: كمال الدين، والفتح: إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمة، أو يقال: النصر الظفر، والفتح الجنة. انتهى.
وهذا معنى كلامه، ويقال: الأمر أوضح من هذا وأظهر، فإن النصر هو التاييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء، ودخول منازلهم، فظهر من هذا أن كلًا من النصر والفتح في الآية ينبغي أن يحمل على ما هو المطلق، لكني اقتفيت أثر أهل التفسير في تقديم ما هو المقيد، لكنه قول مرجوح تسامح الله عن قائله.
٢ - ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾؛ أي (١): أبصرتهم أو علمتهم، يعني: العرب، و ﴿اللام﴾ للعهد، أو الاستغراق العرفي، جعلوه خطابًا للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا لكل مؤمن، وحينئذ يظهر جواب آخر من أمر النبي ﷺ بالاستغفار، مع أنه لا تقصير له، إذ الخطاب لا يخصه، فالأمر بالاستغفار لمن سواه وإدخاله في الأمر تغليب.
﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾؛ أي: في ملة الإِسلام التي لا دين يضاف إليه تعالى غيرها، والجملة على تقدير الرؤية بصرية حال من ﴿النَّاسَ﴾، وعلى تقديرها علمية مفعول ثان.
وقال بعضهم: ومما يختلج في القلب أن المناسب لقوله: ﴿يَدْخُلُونَ ...﴾ إلخ أن يُحمل قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ على فتح باب الدين عليهم، وقوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾ حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾؛ أي: يدخلون فيه حال كونهم جماعات كثيرة فوجًا بعد فوج، كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب، وكانوا قبل ذلك يدخلون فيه واحدًا واحدًا أو اثنين اثنين، قال الحسن: لما فتح رسول الله ﷺ مكة .. قالت
стр. 15190
العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا بلا قتال، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإِسلام، قال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن، وذلك أنه وفد من اليمن سبع مئة إنسان مؤمنين، قال أبو عمر ابن عبد البر: لم يمت رسول الله ﷺ وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإِسلام بعد حُنين منهم من قدم، ومنهم من قدم وافده، وقال ابن عطية: والمراد والله أعلم: العرب عبدة الأوثان، وأما نصارى بني تغلب، فما أسلموا في حياته ﷺ ، ولكن أعطوا الجزية.
وفي "عين المعاني" ﴿النَّاسَ﴾: هم أهل البحر، وقال ﷺ : "الإيمان يماني والحكمة يمانية"، وقال: وجدت نَفَس ربكم من جانب اليمن؛ أي: تنفيسه من الكرب، وعن جابر بن عبد الله ﵁: أنه بكى ذات يوم، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "دخل الناس في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا".
٣ - وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ جواب الشرط، وهو (١) العامل في ﴿إِذَا﴾، والتقدير: فسبح يا محمد حال كونك متلبسًا بحمد ربك وقت حصول نصر الله إياك على أعدائك، وحصول فتح البلاد لك ورؤيتك الناس حال كونهم داخلين في دين الله جماعةً جماعة، وقال مكي: العامل في ﴿إِذَا﴾ هو ﴿جَاءَ﴾، ورجحه أبو حيان، وضعف الأول بان ما جاء بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها.
والتسبيح هنا (٢): مجاز عن التعجب بعلاقة السببية، فإن من رأى أمرًا عجيبًا يقول: سبحان الله، قال ابن الشيخ: لعل الوجه في إطلاق هذه الكلمة عند التعجب، كما ورد في الأثر: "ولكل أعجوبة سبحان الله" هو أن الإنسان عند مشاهدة الأمر العجيب الخارج عن حد أمثاله يستبعد وقوعه وتنفعل نفسه منه، كأنه استقصر قدرة الله، فلذلك خطر على قلبه أن يقول من قدر عليه وأوجده، ثم إنه في هذا الزعم مخطىء، فقال: سبحان الله تنزيهًا لله عن العجز عن خلق أمر عجيب يُستبعد وقوعه؛ لتيقنه بأن الله على شيء قدير.
стр. 15191
قال السهيلي - رحمه الله تعالى -: والحكمة في اقتران الحمد بالتسبيح أبدًا، نحو قوله: ﴿سبح بحمد ربك﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أن معرفة الله سبحانه تنقسم على قسمين: معرفة ذاته، ومعرفة أسمائه وصفاته، ولا سبيل إلى إثبات أحد القسمين دون الآخر، وإثبات وجود الذات من مقتضى العقل وإثبات الأسماء والصفات من مقتضى الشرع، فبالعقل عُرف المسمى، وبالشرع عُرفت الأسماء، ولا يتصور في العقل إثبات الذات إلا مع نفي سمات الحدوث عنها، وذلك هو التسبيح، ومقتضى العقل مقدم على مقتضى الشرع، وإنما جاء الشرع المنقول بعد حصول النظر والعقول، فنبه العقول على النظر، فعرفت ثم علَّمها ما لم تكن تعلم من الأسماء، فانضاف لها التسبيح والحمد والثناء، فما أمرنا تسبيحه إلا بحمده. انتهى.
وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿سبح﴾؛ أي: فقل يا محمد سبحان الله حال كونك متلبسًا بحمد ربك؛ أي: فتعجب لتيسير الله ما لم يكن يخطر ببال أحد من أن يغلب أحد على أهل حرمه المحترم، واحمده على جميع صنعه، وفيه الجمع بين تسبيح الله المؤذن بالتعجب مما يسره الله له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بهذه النعمة التي هي النصر والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة، والأكاذيب المختلفة ما هو معروف من قولهم: هو مجنون، هو ساحر، هو شاعر، هو كاهن، ونحو ذلك.
وقال بعضهم: والأشبه أن يراد نزهه عن العجز في تأخير ظهور الفتح، واحمده على التأخير وصفه بأن توقيت الأمور من عنده ليس إلا بحِكَم لا يعرفها إلا هو. انتهى. أو المعنى (١): فاذكره مسبحًا حامدًا، وزد في عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك، أو فصلِّ له حامدًا على نعمه، فالتسبيح مجاز عن الصلاة بعلاقة الجزئية؛ لأنها تشتمل عليه في الأكثر، روي أنه ﷺ لما فتح الكعبة .. صلى صلاة الضحى ثماني ركعات، وحملها بعضهم على صلاة الشكر لا على صلاة الضحى،
стр. 15192
وبعضهم على أن أربعًا منها للشكر وأربعًا للضحى، أو المعنى: فنزهه عما يقول الظلمة حامدًا له على أن صدق وعده.
وحاصل معنى ما تقدم: من أول السورة إلى هنا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾؛ أي (١): إذا رأيت نصر الله لدين الحق وانهزام أهل الشرك وخذلانهم، وفتح الله بينك وبين قومك بجعل الغلبة لك عليهم وإعزاز أمرك وإعلاء كلمتك: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾؛ أي: ورأيت الناس يدخلون في دينك وينضوون تحت لوائك جماعات لا أفرادًا، كما كان في بدء أمرك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: إذا تم لك كل ذلك، فنزه ربك وقدسه عن أن يُهمل الحق ويدعه للباطل يتغلب عليه، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بأن يجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ويتم نعمته عليك ولو كره الكافرون.
وليكن تنزيهه بحمده على ما أولاك من نعم وشكره على ما منحك من خير والثناء عليه بما هو له أهل، فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أهمل الكافرين فلن يضيع أجر العاملين.
ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمر نبيه ﷺ بالاستغفار، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ أي: واطلب من ربك المغفرة لذنبك هضمًا لنفسك، واستقصارًا لعملك، واستعظامًا لحقوق الله، واستدراكًا لما فَرَط منك من ترك ما هو الأولى. وقد كان ﷺ يرى قصوره عن القيام بحق الله تعالى ويكثر من الاستغفار والتضرع وإن كان قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو استغفره لذنبك وللمؤمنين، وهو المناسب لما في سورة محمد، وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق، ولك أن تقول: إن في التقديم المذكور تعليم أدب الدعاء، وهو أن لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول عنه.
وقيل: إن (٢) الاستغفار منه ﷺ ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبَّدَهم الله به، لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم، وقيل: إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيهًا لأمته وتعريضًا بهم، فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار، وقيل: إن الله سبحانه أمره
стр. 15193
بالاستغفار لأمته لا لذنبه؛ أي: واسأل أن يغفر لك ولمن اتبعك من أصحابك ما كان منهم من القلق والضجر والحزن والأسى لتأخر النصر، والتوبة من هذا القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله، وتغليبها على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وإن كان ذلك مما يشق على نفوس البشر، ولكن الله قد علم أن نفس رسوله قد تبلغ ذلك الكمال، ومن ثم أمره به، وهكذا يحدث في نفوس الكملة أصحابه وأتباعه ما يقارب ذلك، والله يتقبله منهم، ثم علل طلب الاستغفار بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؛ أي: إنه كان كثير القبول لتوبة عباده مبالغًا في قبول توبتهم منذ خلق المكلفين، فليكن كل تائب مستغفر متوقعًا للقبول، وذلك لأنه يربي (١) النفوس بالمحن، فإذا وجد الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدَّ عزيمتها بحسن الوعد، ولا يزال بها حتى تبلغ مرتبة الكمال، وهذه الجملة تعليل لأمره ﷺ بالاستغفار؛ أي: من شأنه التوبة على المستغفرين له يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم.
وفي اختيار (٢) ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ على غفارًا مع أنه الذي يستدعيه قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ حتى قيل: وتب مضمر بعده، وإلا لقال: غفارًا تنبيه على أن الاستغفار إنما ينفع إذا كان مع التوبة والندم والعزم على عدم العود، ثم إن مَن أضمر: وتب، يحتمل أنه جعل الآية من الاحتباك، حيث دل بالأمر بالاستغفار على التعليل بأنه كان غفارًا، وبالتعليل بأنه كان توابًا على الأمر بالتوبة؛ أي: استغفره وتب.
وذكر البرهان الرشيدي: أن صفات الله تعالى التي على صيغة المبالغة كلها مجاز؛ لأنها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها؛ لأن المبالغة أن يثبت للشيء أكبر وأكثر مما له وصفاته تعالى منزهة عن ذلك، واستحسنه الشيخ تقي الدين السبكي ﵀، وقال الزركشي في "البرهان": التحقيق أن صيغة المبالغة قسمان:
أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل.
والثاني: بحسب تعدد المفعولات، ولا شك أن تعددها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين، وعلى هذا القسم تُنَزَّلُ صفاته
стр. 15194
ويُرفع الإشكال، ولهذا قال بعضهم في حكيم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع، وقال في "الكشاف": المبالغة في التوبة؛ للدلالة على كثرة من يتوب عليه، أو لأنه بليغ في قبول التوبة بحيث ينزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة رحمته وكرمه.
وخلاصة ما سلف (١): إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق، فقد زال الخوف، فعليك أن تسبح ربك وتشكره وتنزع عما كان من خواطر النفس وقت الشدة، فلن تعود الشدائد تأخذ نفوس المخلصين من عباده ما داموا على تلك الكثرة ينزل بساحتهم الإخلاص وتجمعهم الألفة، وقد فهم النبي ﷺ من هذا أن الأمر قد تم ولم يبق إلا أن يلحق بالرفيق الأعلى، فقال فيما روي عنه: أنه قد نُعيت إليه نفسه، وقال الحسن: أعلم الله رسوله ﷺ أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح والتوبة؛ ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، اغفر لي إنك أنت التواب.
قال قتادة ومقاتل: وعاش ﷺ بعد نزول هذه السورة سنتين. وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ...﴾ فعاش بعدها ثمانين يومًا، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ...﴾ فعاش بعدها واحدًا وعشرين يومًا.
الإعراب
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿وَالْفَتْحُ﴾: معطوف على ﴿نَصْرُ﴾، والمصدر مضاف إلى فاعله، ومفعوله محذوف تقديره: نصر الله إياك والمؤمنين، والجملة الفعلية في محل
стр. 15195
الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق فالجواب الآتي أعني: ﴿فَسَبِّحْ﴾. وقال أبو حيان: ولا يصح إعمال ﴿فَسَبِّحْ﴾ في ﴿إِذَا﴾ لأجل الفاء؛ لأن فاء الجواب لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، بل العامل في ﴿إِذَا﴾ فعل الشرط المذكور بعدها على الصحيح. ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على جملة ﴿جَاءَ﴾ على كونه فعل شرط لـ ﴿قُلْ﴾، ويجوز أن تكون الرؤية إما بصرية، فتكون جملة ﴿يَدْخُلُونَ﴾ حالًا من ﴿النَّاسَ﴾، وأن تكون علمية، فتكون الجملة مفعولًا ثانيًا لـ ﴿رأيت﴾، و ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿أَفْوَاجًا﴾: حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿فَسَبِّحْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إذا وجوبًا، ﴿سبح﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ . ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿سبح﴾؛ أي: حال كونك متلبسًا بحمد ربك، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، و ﴿الباء﴾ للمصاحبة، والحمد مصدر مضاف للمفعول. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿سبح﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿كَانَ تَوَّابًا﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالاستغفار، و ﴿تَوَّابًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ النصر: العون، يقال: نصره على عدوه وينصره نصرًا إذا أعانه عليه، والاسم النصرة، ونصر الغيث الأرض إذا أعان على إظهار نباتها، ومنع من قحطها، قال شاعرهم:
إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي ... بلاد تميم وانصري أرض عامر
ويقال: استنصره على عدوه إذا سأله أن ينصره عليه.
﴿وَالْفَتْحُ﴾: الفصل بينه وبين أعدائه، وإعزاز دينه وإظهار كلمته.
﴿أَفْوَاجًا﴾ والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة، قال الحوفي: وقياس جمعه: أفْوُج على وزن أفعُل، ولكن استُثقلت الضمة على الواو، فعُدل إلى أفواج، كأنه يعني أنه كان ينبغي أن يكون معتل العين كالصحيح، فكما أن قياس فعل صحيحه أن يُجمع على أفعُل لا على أفعال، فكذلك هذا، والأمر في هذا المعتل