إليه أبرهة وكنيته أبو يكسون، وكان رجلًا قصير الجثمان لحيمًا ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلًا طويلًا عظيمًا وفي يده حربة، وخلف أبرهة غلام يقال له: عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة، فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته؛ أي: شقت وقطعت وخدشت، فبذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة في اليمن بلا منازع، وكان ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي، فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا، فقال: عدا على أميري فقتله بغير أمري، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته، فلما بلغ هذا الخبر أبرهة حلق رأسه، وملأ جرابًا ترابًا من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي مع هدايا جليلة كثيرة، وكتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعة لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط له، وأسْوَس منه، وقد حلقت رأسي حين بلغني حلف الملك، وبعثت إليه بجراب من أرض ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فيَّ، فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي لان ورضي عنه، وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري، فأقام أبرهة باليمن، ثم إنه رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله الحرام، فتحرك منه عرق الحسد، فبنى بصنعاء كنيسة من رخام ملون وجواهر مرصع؛ أي: مزين.
وفي "إنسان العيون": واجتهد في زخرفتها، فجعل فيها الرخام المجذع، والحجارة المنقوشة بالذهب، وكان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان ﵇، وجعل فيها صلبانًا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والأبنوس، وسماها القُلَيْس - كجميز - لارتفاع بنائها وعلوها، ومنها القلانيس؛ لأنها في أعلى الرأس، وأراد أن يصرف إليها الحجاج، وكتب أبرهة إلى النجاشي: أيها الملك إني بنيت لك كنيسة لم يُبْنَ مثلها لملك قبلك، ولست أرضى حتى أصرف إليها حجاج العرب، فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من بني كنانة يقال له: مالك بن كنانة، فخرج لها ليلًا، فدخل إليها فقعد فيها, ولطخ بالعذرة قبتها، فبلغ ذلك أبرهة، فقال: من اجترأ علي؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت قد سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن
стр. 15122
إلى الكعبة ثم يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان فيلًا يقال له: محمود، وكان فيلًا لم ير مثله عظمًا وجسمًا وقوةً، فبعث به إليه، فخرج أبرهة سائرًا إلى مكة وخرج معه بالفيل، فسمعت العرب بذلك فعظموه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ ذا نفر، فقال لأبرهة: يا أيها الملك استبقني، فإن بقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع من قبائل اليمن فهزمهم، وأخذ نفيلًا، فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب، فاستبقاه وخرج معه يدله؛ إذ مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبارغال مولى لهم، وأبو رغال - بوزن كتاب - وهو رجل من ثمود، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره الآن.
وفي "القاموس": المغمس - كمعظم ومحدث - موضع بطريق الطائف، فيه قبر أبي رغال، دليل أبرهة، وُيرجم، وبعث أبرهة رجلًا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مسعود مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نَعَم الناس، فجمع الأسود إليه أموال أصحاب الحرم، وأصاب لعبد المطلب مئتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل حناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لإهدام هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب، فقال له: إن الملك أرسلني لأخبرك أنه لم يأت لقتال، ولا أن تقاتلوه، وإنما جاء لهدم هذا البيت، ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا يد أن ندفعه عما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت إبراهيم خليله ﵇، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يحل بينه وبين ذلك، فوالله ما لنا بدفعه قوة، قال: فانطلق معي إليه، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب، فقال: ياذا نفر هل عندك من غناء؟ أي: نفع فيما نزل بنا، قال: أنا رجل أسير، لا آمن أن أقتل بكرة أو عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل،
стр. 15123
فإنه لي صديق، فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم حظوتك ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أُنيس، فأتاه فقال: إن هذا سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مئتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه فانفعه، فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أُنيس على أبرهة، فقال: أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يُطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك، فقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، فأذن له وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة أن يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه، وأجلس عبد المطلب بجنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد إلى مئتي بعير أصابها، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك، قال: لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه، لم تكلمني فيه وتكلمني في مئتي بعير غصبتها لك، قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال: ما كان ليمنعه منى، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فرُدَّت عليه، فلما رُدت الإبل على عبد المطلب خرج، فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفًا عليهم من معرة الجيش ففعلوا، وأتى عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من رجال قريش يدعون الله، ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لَاهُمُّ إِنَّ أثمَرْءَ يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ
فَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْـ ... ـبِ وَعَابِدِيْهِ الْيَوْمَ آلَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيْبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ
إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَكَعْـ ... ـبَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ
وقالَ:
يَا رَبِّ لَا أَرْجُوْ لَهُمْ سِوَاكا ... يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا
стр. 15124
إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... امْنَعْهُمُ أَنْ يَخَرُبُوَا حِمَاكا
ولا هم أصله: اللهم، فإن العرب تحذف الألف واللام وتكتفي بما بقي، والحِلال - بكسر الحاء المهملة - جمع حلة، وهي البيوت المجتمعة، والمحال - بكسر الميم - الشدة والقوة، والغَدْوُ - بالغين المعجمة - أصل الغد، وهو اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه.
فلما فرغ من دعائه توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمَّس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلًا لم ير مثله في العظم والقوة، ويقال: كانت الأفيال اثني عشر فيلًا، فأقبل أنيس إلى الفيل الأعظم، ثم أخذ بأذنه وقال له: ابرك محمودًا وارجع رشيدًا، فإنك ببلد الله الحرام، فبرك، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه، فأدخل محاجنه تحت مراقه ومرافقه، ففزعوه ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى قدامه ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى، وخرج أنيس يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل الله سبحانه طيرًا من البحر مثل الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحرج في منقاره، أكبر من العدسة وأقل من الحمصة، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم تُصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك، وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه، وصرخ القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل تتساقط أنامله، كلما سقطت أنملة أتبعها المدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائره فوق رأسه حتى وقف بين يدي النجاشي، فلما أخبره الخبر سقط عليه الحجر، فمات بين يديه، وأما محمود فيل النجاشي فربض، ولم يشجع على الحرم، فنجا لما وقع منه من الفعل الجميل الذي لم يقع مثله من العقلاء، ولذا قال البوصيري في همزيته:
كَمْ رَأَيْنَا مَا لَيْسَ يَعْقِلُ أُلْهِـ ... ـمَ مَا لَيْسَ يُلْهَمُ الْعُقَلَاءُ
إِذْ أَبَى الْفِيْلُ مَا أَتَى صَاحِبُ الْفِيْـ ... ـلِ وَلَمْ يَنْفَعِ الْحِجَا وَالذَّكَاءُ
وأما الفيلة الأخرى فشجعت على دخول الحرم، فرُميت بالحصباء فهلكت.
стр. 15125
الإعراب
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، و ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَر﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد ﷺ أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة مستأنفة، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على المصدرية والعامل فيه ما بعده؛ لأنه في تقدير أيَّ فعلِ فَعَل ربك، ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب سدت مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾ معلقة عنها، بالاستفهام لأن الرؤية هنا قلبية ﴿بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فَعَلَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿يَجْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبُّكَ﴾ ﴿كَيْدَهُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿في تَضْلِيلٍ﴾: في موضع المفعول الثاني، والجملة مستأنفة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَرْسَلَ﴾: فعل، وفاعل مستتريعود على الله معطوف على ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾: لأن الاستفهام فيه تقريري، فيكون المعنى: قد جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم إلخ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿طَيْرًا﴾: مفعول به. ﴿أَبَابِيلَ﴾: صفة أولى لـ ﴿طَيْرًا﴾؛ لأنه اسم جمع مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف؛ لكونه على صيغة منتهى المجموع. ﴿تَرْمِيهِمْ﴾: فعل, وفاعل مستتر يعود على ﴿طَيْرًا﴾ ومفعول به. ﴿بِحِجَارَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿تَرْمِيهِمْ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿طَيْرًا﴾. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: صفة لـ ﴿حجارة﴾. ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿جعلهم﴾: فعل، وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول أول معطوف على ﴿أرسل﴾. ﴿كَعَصْفٍ﴾: في موضع المفعول الثاني. ﴿مَأْكُولٍ﴾: صفة لـ ﴿عصف﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وأصل ﴿تَرَ﴾: تَرْأَي بوزن تفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصارت ألفًا لفظًا، وياءً خطًا، ونقلوا فتحة الهمزة إلى الراء وأسقطوها تخفيفًا؛ لأن
стр. 15126
الماضي من ترى رأيت مهموزًا، والمصدر من ذلك الرؤية، تقول: رأيت زيدًا بعيني أراه رؤية، فأنا راءٍ - بوزن فاعٍ - أصله: رائي بوزن فاعل، فاستثقلوا الضمة على الياء المتطرفة، فحذفوها، فالتقى ساكنان الياء والتنوين، فأسقطوا الياء لالتقاء الساكنين، فصار راء بوزن فاع كقاض وراع وباغ، فالهمزة في راء بإزاء الضاد في قاض، فإن شئت أثبته خطًا، فجعلت بعد الألف ياء عوضًا عن الهمزة، وإن شئت كتبته بألفٍ، ولم تثبت الهمزة؛ لأن الهمزة، إذا جاءت بعد الألف تخفى وقفًا، فحذفوها خطًا، وكذلك جاء وشاء وساء ومراء جمع مراءة، كل ذلك أنت مخير فيه في الحذف والإثبات، فإذا أمرت من رأيت قلت: رِ يازيد براء واحدة، فإذا وقفت قلت: ره، وإنما صار الأمر فيه على حرف واحد، والأصل ثلاثة؛ لأن الهمزة سقطت تخفيفًا، والألف سقطت للجزم، فبقي الأمر على حرف واحد، ومثله قوله: عِ كلامي، شِ ثوبك، قِ زيدًا، لِ الأمر، فِ الوعدَ، أمرًا من وعى ووشى ووقى وولي ووفى، كما هو مبسوط في كتب النحو والصرف.
﴿الْفِيلِ﴾ حيوان من أضخم الحيوانات جسمًا، له خرطوم طويل يرفع به العلف والماء إلى فمه ويضرب به، وهو مع عظم جسمه ضعيف يخاف من السنور ويفزع منه، ومعنى بروك الفيل في القصة السابقة: سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر الله، أو لزوم موضعه كالذي برك، وإلا فالفيل لا يبرك، كما قال عبد اللطيف البغدادي: الفيلة تحمل سبع سنين، وإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها؛ لأنها تلد وهي قائمة ولا فواصل لقوائمها، فتلد والذكر عند ذلك يحرسها وولدها من الحيتان. انتهى.
وقال بعضهم: الفيل صنفان صنف لا يبرك وصنف يبرك كالجمل، انتهى، ويُجمع على أفيال وفِيْلة وفيول، ومؤنثه فِيْلة، والفيل أيضًا الخسيس الثقيل، وداء الفيل مرض يحدث منه غلظ كثيف في القدم والساق، تتخلله عجر صغيرة ناتئة، والفيَّال صاحب الفيل، والجمع فيالة، وقال الرأي وفائله وفيله ضعيفه، والفيالة ضعيف الرأي.
﴿كَيْدَهُمْ﴾ والكيد: إرادة وقوع ضرر بغيرك على وجه الخفاء.
﴿في تَضْلِيلٍ﴾ والتضليل: التضييع والإبطال، تقول: ضلَّلت كيد فلان إذا جعلته
стр. 15127
باطلًا ضائعًا، والمعنى: جعل كيدهم في ضياع وخسار وهلاك، وقيل لامرىء القيس الملك الضليل؛ لأنه ضلل ملك أبيه؛ أي: ضيَّعه، ما مر.
﴿طَيْرًا﴾ والطير: كل ما طار في الهواء صغيرًا كان أو كبيرًا، وهو اسم جنس يذكر ويؤنث.
﴿أَبَابِيلَ﴾ قال ابن خالويه: وأبابيل نعت للطير؛ أي: جماعات جماعات، جمع إبَّوْلٍ مثل عجَّول وعجاجيل، والعِجَّول - بوزن سكيت - لغة في العجل ولد البقرة، وقال أبو جعفر الرؤاسي: واحدتها أبيل، وقال آخرون: أبابيل لا واحد لها، ومثلها أساطير، والإبِّيل في غير هذا الموضع الراهب، والوبيل العصا، يقال: رأيت إبِّيلًا؛ أي: راهبًا متكئًا على وبيل يسوق أفيلًا، والأفيل ولد الناقة، قال عدي:
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّيْ مَأْلَكًا ... قَوْلَ مَنْ خَافَ آظّنانًا وَاعْتَذَرْ
إِنَّنِيْ وَاللهِ فَأقْبَلْ حَلِفِيْ ... بِإِبيْلٍ كُلَّمَا صَلى جَأَرْ
﴿بِحِجَارَةٍ﴾: جمع حجر بالتحريك بمعنى الصخرة.
﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ والسجيل: طين مطبوخ محرق كالآجر، واشتقاقه من الإسجال، وهو الإرسال كما مر؛ لأن العذاب موصوف بذلك.
﴿كَعَصْفٍ﴾ والعصف: ورق الزرع الذي يبقى بعد الحصاد، وتعصفه الرياح فتأكله الماشية.
﴿مَأْكُولٍ﴾؛ أي: أكلت الدواب بعضه، وتناثر الآخر من بين أسنانها.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التقريري التعجيبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾؛ لتشريف المضاف إليه النبي ﷺ ، وفيه التعبير بعنوان الربوبية، إشارة بشأن قدرة الله .
стр. 15128
ومنها: تعليق الرؤية بكيفية فعله تعالى لا بنفسه بأن يقال: ألم تر ما فعل ربك إلخ؛ لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئات عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته وعزة بيته، وشرف رسوله ﷺ ، فإن ذلك من الإرهاصات، كما مر.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾؛ لأن فيه ذكر الأداة، وحذف وجه الشبه حيث شبههم في فنائهم وذهابهم بالكلية بورق الزرع المأكول؛ لأن شأنه أن يقطع فتعصفه الرياح؛ أي: تذهب به إلى هاهنا وهاهنا، أو شبههم بزرع أُكِل حَبُّه في ذهاب أرواحهم، وبقاء أجسادهم، فالكلام على حذف مضاف؛ أي: كعصف مأكول الحب، كما مر.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
стр. 15129
سورة قريش
سورة قريش مكية عند الجمهور، وقال الضحاك والكلبي هي مدنية نزلت بعد سورة التين، ويقال لها: سورة لإيلاف قريش.
وهي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة, ثلاثة وسبعون حرفًا.
مناسبتها لما قبلها (١): أن كلًّا من السورتين تضمن ذكر نعمة من نعم الله تعالى على أهل مكة، فالأولى تضمنت إهلاك عدوهم الذي جاء لهدم بيتهم، وهو أساس مجدهم وعزهم، والثانية ذكرت نعمة أخرى، وهي اجتماع أمرهم والتئام شملهم؛ ليتمكنوا من الارتحال صيفًا وشتاءً في تجارتهم, وجلب المبرة لهم، ولوثيق الصلة بين السورتين كان أبي بن كعب يعتبرهما سورة واحدة، حتى روي عنه أنه لم يفصل بينهما ببسملة، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هاتين إنما هما سورة واحدة فصل بينهما بالبسملة، وقالوا: إن هذه السورة متعلقة بالتي قبلها، وأن ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ متعلقة بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾؛ أي: إنه أرسل الجماعة من الطير على أصحاب الفي، ترميهم بالحجارة حتى أصيبوا وهلكوا ودمروا، وقد فعل ذلك كله فيهم لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف.
ومن قال: إنهما سورة واحدة قال: إن الفصل بالبسملة إنما هو لإظهار العناية بما احتوت عليه كل سورة من السورتين، حتى إن كل جملة مما حوتا يصح أن تقصد لذاتها، وما تضمنته سورة قريش جدير بالعناية؛ لأن الخطاب والتذكير كان لهم، وهم قوم النبي ﷺ والسامعون لدعوته والحاملون لرسالته المبشرون بها، فحق لهم أن يفصل ما يختص بهم عما قبله بفاصل يلتفت الذهن إليه وان كان مرتبطًا به، والأصح أنهما سورتان منفصلتان.
قال ابن جرير: الصواب أن ﴿اللام﴾ لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا
стр. 15130
لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
ونقل الإِمام الطبري في "تفسيره" قال: قال عمرو بن ميمون الأزدي: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب ﵁، وقرأ في الركعة الأولى سورة والتين والزيتون، وفي الثانية ألم تر كيف ولإيلاف قريش، وسميت سورة قريش، لذكر لفظ قريش فيها، وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة قريش كلها محكم لا ناسخ ولا منسوخ فيها.
فضائلها: ومما يدل على فضلها: ما أخرجه (١) البخاري في "تاريخه" والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانىء بنت أبي طالب ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "فضَّل الله قريشًا بسبع خصال لم يعطها أحدًا قبلهم، ولا يعطيها أحدًا بعدهم: أني فيهم، - وفي لفظٍ: النبوةُ فيهم -، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سنين - وفي لفظ عشر سنين - لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يُذكر فيها أحد غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ " وفيه إشارة إلى أنهم سبب نزولها، قال ابن كثير هو حديث غريب، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل الله قريشًا بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنها نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم، وهي: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ "، وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والسقاية، وأخرج الخطيب في "تاريخه" عن سعيد بن المسيب مرفوعًا نحوه، وهو مرسل.
والله أعلم
* * *
стр. 15131
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ متعلقة (١) بقوله تعالى في آخر السورة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ وهو قول الزجاج، أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم رحلتين، ودخلت ﴿الفاء﴾؛ لما في الكلام من معنى الشرط؛ إذ المعنى: إن نعم الله عليهم غير محصورة، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة التي هي إيلافهم الرحلتين، فإنها أظهر نعمة عليهم؛ أي: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف؛ أي: ليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة، فالإيلاف مصدر مضاف إلى مفعوله الأول مطلقًا عن المفعول الثاني الذي هو الرحلة كما قيد به في الإيلاف الثاني، والمعنى (٢): لتأليف الله لهم؛ أي: لتحبيبه لهم الرحلتين؛ أي: لجعلهم آلفين ومحبين لهما مسترزقين بهما؛ لتيسيرهما عليهم فليعبدوه شكرًا له.
وقيل (٣): متعلقة بآخر السورة التي قبلها، كأنها قال سبحانه: أهلكت أصحاب الفيل؛ لأجل إيلاف قريش هاتين الرحلتين ولزومهم إياهما؛ أي: أهلكت من قصدهم من الحبشة؛ لأجل أن يألفوا هاتين الرحلتين ويجمعوا بينهما، ويلزموا إياهما ويثبتوا عليهما متصلًا لا منقطعًا، بحيث إذ فرغوا من هذه أخذوا في هذه وبالعكس، وذلك لأن الناس إذا تسامعوا بذلك الإهلاك تهيبوا لهم زيادة تهيب واحترموهم فضل احترام، فلا يجترىء عليهم أحد فينتظم لهم الأمن في رحلتيهم، وكان لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم الله تعالى وولاة بيته العزيز، فلا يتعرض لهم، والناس حولهم بين متخطف ومنهوب، وذلك أن قريشًا إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء
стр. 15132
حتى يموتوا، وكانوا على ذلك إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه، فقام خطيبًا في قريش، فقال: إنكم أحدثتم حديثًا تقلون فيه وتذلون، وأنتم أهل حرم الله وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، قالوا: نحن تبع لك، فليس عليك منا خلاف، فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام؛ لأن بلاد اليمن حامية حارة، وبلاد الشام مرتفعة باردة؛ ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات، فما ربح الغني قسم بينه وبين فقرائهم حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإِسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالًا ولا أعز من قريش، وكان هاشم أول من حمل السمراء من الشام، وقيل تقديره: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، وذلك لأنهم كانوا يزدادون كل يوم غيًا وانغماسًا في عبادة الأوثان، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظم أسباب معايشهم، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه، وتكون ﴿اللام﴾ للتعجب، أو بمعنى إلى، وقرأ الجمهور (١): ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ بالياء مهموزًا مصدر آلف الرباعي، ومنه قول الشاعر:
الْمُنْعِمِيْنَ إِذَا النُّجُوْمُ تَغَيَّرَتْ ... وَالظَّاعِنِيْنَ لِرِحْلَةِ الإِيْلَافِ
وقرأ ابن عامر: ﴿لإلاف﴾ بدون ياء - على وزن فعال - كتاب - مصدر ألف الثلاثي، يقال: ألف الرجل الأمر إلفًا وإلافًا، وقرأ أبو جعفر ﴿لإلْف﴾ بوزن حِمْل، وقد جمع بين هاتين القراءتين الشاعر، فقال:
زَعَمْتُمْ أَنَّ إِخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ ... لَهُمْ إِلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَافُ
جمع بين مصدري ألف الثلاثي، ولم يختلف القراء السبعة في قراءة ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ مصدرًا للرباعي، وقرأ عكرمة: ﴿ليألف قريش﴾ بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك في مصحف ابن مسعود، وفتح لام الأمر لغة معروفة كما سيأتي.
ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين (٢): أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول في اتفاق المصاحف على إثباتها خطًا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطًا؛ فهو أدل دليل على أن القراء
стр. 15133
متبعون الأثر والرواية, لا مجرد الخط.
وقرأ عاصم في رواية: ﴿إئلافهم﴾ بهمزتين، الأولى مكسورة والثانية ساكنة وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال الثانية حرفًا مجانسًا كإيمان، وروي عنه أيضًا بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة، وخُرِّجت على أنه أشبع كسرة الهمزة الثانية، فتولد منها ياء، وهذه أشذ من الأولى، ونقل أبو البقاء أشذ منها، فقال بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهو بعيد، ووجهها: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين، كالألف في ﴿أأنذرتهم﴾، وعن أبي جعفر وابن كثير: ﴿إلفهم﴾، وعن أبي جعفر أيضًا، وعن ابن عامر: ﴿إلافهم﴾ مثل كتابهم، وعن ابن عامر أيضًا: ﴿ليلاف﴾ بياء ساكنة بعد اللام، وقرأ عكرمة: ﴿ليألف قريش﴾ فعلًا مضارعًا، وعنه أيضًا ﴿ليألف﴾ على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر، وهي لغة كما مر اهـ "سمين".
و ﴿قُرَيْشٍ﴾ مصغرًا، هم ولد النضر بن كنانة، فكل من ولده النضر فهو قريش دون من لم يلده النضر، وإن ولده كنانة وهو الصحيح، وقيل: هم، ولد فهو بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهو فليس بقريش، وإن ولده النضر، فوقع الاتفاق على أن بني فهو قرشيون، وعلى أن بني كنانة الذين لم يلدهم النضر ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في بني النضر وبني مالك، وفهر هو الجد الحادي عشر من أجداده ﷺ ، والنضر هو الثالث عشر، ويسمى فهر قريشًا أيضًا، وذلك لأنه ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، واسمه قريش بن مالك بن النضر بن كنانة إلى آخر النسب الشريف اهـ من "المواهب".
واختُلف في اشتقاقهم على أوجه (١):
أحدها: أنه من التقريش، وهو التجمع، سموا بذلك لاجتماعهم إلى الحرم بعد افتراقهم، قال الشاعر:
أَبُوْنَا قُرَيْشٌ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَّعَ الله الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ
стр. 15134
والثاني: أنه من القرش وهو الكسب، وكانت قريش تجارًا، يقال: قرش يقرش؛ أي: اكتسب.
والثالث: أنه من التقريش بمعنى التفتيش، يقال: قرش، يقرش عني؛ أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاف من الحجاج وغيرهم ليسدوا خلتهم، قال الشاعر:
أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْروِ وَهَلْ لِذَاكَ بَقَاءُ
وقيل: سموا بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر، تعبث بالسفن وتقلبها وتضربها فتكسرها، ولا تطاق إلا بالنار، فشبهوا بها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تُعلى، والتصغير للتعظيم، فكأنه قيل: قريش عظيم، فيكون وجه الشبه وصف الآكلية وعدم المأكولية، ووصف الغلبة وعدم المغلوبية.
قال الزمخشري: سمعت (١) بعض التجار بمكة ونحن قعود عند باب بني شيبة يصف لي القرش، فقال: مدور الخلقة كما بين مقامنا هذا إلى الكعبة، ومن شأنه أن يتعرض للسفن الكبار، فلا يرده شيء إلا أن يأخذ أهلها المشاعل، فيمر على وجهه كالبرق، وكل شيء عنده قليل إلا النار، وبه سميت قريش، قال الشاعر:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِيْ تَسْكُنُ الْبَحْـ ... ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالْسَّمِيْنَ وَلاَ تَتْـ ... ـرُكُ فِيْهِ لِذِيْ جَنَاحَيْنِ رِيْشَا
هَكَذَا في الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأَكُلُوْنَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيْشَا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيْهِمُ وَالْخُمُوْشَا
الخموش: الخدوش، وأكلًا كميشًا؛ أي: سريعًا، وأجمعوا (٢) على صرفه هنا مرادًا به الحي، ولو أريد به القبيلة؛ لامتنع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، قال سيبويه في معد وثقيف وقريش وكنانة: هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل فهو جائز حسن اهـ "سمين".
٢ - وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ بدل من ﴿إيلاف قريش﴾ وقيل: إنه تأكيد له، والأول
стр. 15135
أَولى، ورجحه أبو البقاء، وقوله: ﴿رِحْلَةَ﴾ مفعول (١) به لـ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾، وقيل: منصوب بمصدر مقدر؛ أي: ارتحالهم رحلة، وهي بكسر الراء الارتحال، وبالضم الجهة التي يُرحَل إليها، وأصل الرحلة السير على الراحلة، وهي: الناقة القوية، ثم استعمل في كل سير وارتحال، وإفرادها مع أنه أراد رحلتي الشتاء والصيف؛ لأمن الإلباس مع تناول اسم الجنس للواحد والكثير، وفي إطلاق الإيلاف عن المفعول أولًا، ثم إبدال المقيد منه تفخيم لأمره، وتذكير لعظيم النعمة فيه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿رِحْلَةً﴾ - بكسر الراء - وأبو السمال بضمها، فبالكسر مصدر، وبالضم الجهة التي يرحل إليها كما مر آنفًا، والجمهور على أنها رحلتان، فقيل: إلى الشام في التجارة وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر:
سَفَرَيْنِ بَيْنَهُمَا لَهُ وَلغَيْرِهِ ... سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الأَصْيَافِ
وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾؛ أي: انتقالهم إلى اليمن والشام، والشتاء والصيف فصلان من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم:
رَبِيْعُ صَيْفٍ مِنَ الأَزْمَانِ ... خَرِيْفُ شِتَاءٍ فَخُذْ بَيَانِيْ
والمراد بالصيف هنا زمن الحرارة، فيشمل الربيع، وبالشتاء زمن البرودة، فيشمل الخريف.
والحاصل: أنه كان (٣) لقريش رحلتان: رحلة في الشتاء إلى اليمن؛ لأنه أدفأ، وفي الصيف إلى الشام؛ لأنه أبرد، فكانت أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين، ويأتون لأهل بلدهم ما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وإنما كانوا يربحون في أسفارهم؛ لأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة، حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة .. لزال عنهم هذا العز، ولبطلت تلك المزايا من التعظيم والاحترام، ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يُتخطفون من كل جانب، ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم، فلما أهلك الله أصحاب الفيل .. ازداد شرف أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم ملوك الأطراف
стр. 15136
لهم، فازدادت تلك المنافع والمتاجر حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإِسلام وهم على ذلك، فلهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةً الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ ولولا هاتان الرحلتان لم يكن بها مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا على التصرف، هذا وتعلق أول هذه السورة بما قبلها من قوله تعالى: ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾، أو من قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ ليس بحجة على أنهما سورة واحدة؛ لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، بل كالآية الواحدة في أنه يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه معنى بعض، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ متعلق بما قبله من ذكر القرآن، وأما قراءة سيدنا عمر ﵁ فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة؛ لأن الإِمام له أن يقرأ سورتين في ركعة واحدة.
وقيل: إن المراد رحلة الناس إلى أهل مكة، فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة؛ لأنه كان أحدهما شتاءً والآخر صيفًا، وموسم منافع مكة يكون بهما, ولو كان تم لأصحاب الفيل ما أرادوا لعُطِّلت هذه المنفعة.
قيل: وأول من سن (١) لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير، حتى كان فقيرهم كغنيهم، واتبع هاشمًا على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بجاه هؤلاء الإخوة؛ أي: بحهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي اهـ "خطيب".
٣ - و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ واقعة في جواب شرط مقدر، كما في "السمين" تقديره: إن لم يعبدوه لسائر نعمه عليهم فليعبدوا ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ العتيق؛ لإيلافهم هاتين الرحلتين؛ أي: لتأليف الله وتمكينه لهم من هاتين الرحلتين؛ أي: لتحبيبه لهم الرحلتين؛ أي: لجعله إياهم آلفين ومحبين لهما مسترزقين بهما لتيسيرهما عليهم، وقيل: ﴿الفاء﴾ زائدة، ولذلك جاز تقديم معمول ما بعدها عليها، قاله الشهاب، والأول أصح.
стр. 15137
٤ - ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ بسبب تين الرحلتين اللَّتين تمكنوا منهما بواسطة كونهم من جيران هذا البيت وسكان حرمه، وقيل: بسبب دعوة إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ ﴿مِنْ جُوعٍ﴾؛ أي: من بعد جوع شديد كانوا فيه قبلهما بحمل المِيرة إليهم من البلاد النائية في البر والبحر بسبب كونهم جيران البيت، وكان الجوع يصيبهم لعدم زرع بمكة إلى أن جمعهم عمرو العلي وهو هاشم المذكور على الرحلتين، قال أبو حيان: ﴿من﴾ هاهنا للتعليل مع تقدير مضاف؛ أي: أنعم عليهم وأطعمهم لأجل إزالة الجوع عنهم الحاصلة بالرحلتين؛ أي: بالتجارة فيهما وبازالة الخوف عنهم، وقال سعدي المفتي: الجوع لا يجامع مع الإطعام، والظاهر أنها للبدلية، يقول الفقير: الظاهر أن مآل المعنى: نجاتهم من الجوع بسبب الإطعام والترزيق.
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ عظيم لا يقادر قدره، وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم، وقال صاحب "الكشاف": الفرق بين عن ومن أن عن يقتضي حصول جوع قد زال بالإطعام، ومن يقتضي المنع من لحاق الجوع، ولذلك اختارها هنا.
والمعنى (١): أطعمهم فلم يلحقهم جوع، وآمنهم فلم يلحقهم خوف، فتكون ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.
والخلاصه: أطعمهم في بدء جوعهم قبل لحاقه إياهم وآمنهم في بدء خوفهم قبل اللحاق، وقيل في معنى الآية: إنهم لما كذبوا محمدًا ﷺ دعا عليهم، فقال: اللهم اجعلها سنينًا كسني يوسف، فاشتد عليهم القحط، وأصابهم الجهد والجوع، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا، فإنا مؤمنون، فدعا رسول الله ﷺ وأخصبت البلاد، وأخصب أهل مكة بدل القحط والجهد، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ لمكان الحرم، وكونهم من أهل مكة، حتى لا يتعرض لهم أحد، قال ابن زيد: كان العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها بعضًا، فآمن قريشًا لمكان الحرم، وقيل: آمنهم من خوف الجذام، فلا ترى بمكة مجذومًا،
стр. 15138
قاله ابن عباس والضحاك: والتنكير في ﴿جُوعٍ﴾ (١) و ﴿خَوْفٍ﴾؛ لشدتهما يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما وآمنهم من خوف عظيم، خوف أصحاب الفيل وخوف التخطف، كما مر آنفًا.
وقرأ الجمهور: ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾ بإظهار النون عند الخاء، والمسيبي عن نافع بإخفائهما، وكذلك مع العين نحو من علي، وهي لغة حكاها سيبويه.
وخلاصة معنى قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾؛ أي: فلتعبد (٢) قريش ربها شكرًا له أن جعلهم قومًا تَجْرًا ذوي أسفار في بلاد غير ذات زرع ولا ضرع، لهم رحلتان رحلة إلى اليمن شتاء لجلب الأعطار والأفاويه التي تأتي من بلاد الهند والخليج الفارسي إلى تلك البلاد، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام؛ لجلب الحاصلات الزراعية إلى بلادهم المحرومة منها.
وقد كان العرب يحترمونهم في أسفارهم؛ لأنهم جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة، فيذهبون امنين ويعودون سالمين لا يمسهم أحد بسوء على كثرة ما كان بين العرب من السلب والنهب والغارات التي لا تنقطع، فكان احترام البيت ضربًا من القوة المعنوية التي تحتمي بها قريش في الأسفار، فلهذا ألفتها نفوسهم وتعلقت بالرحيل استدرارًا للرزق، وهذا الإجلال الذي ملك قلوب العرب ونفوسهم من البيت الحرام إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه، وقد حفظ حرمته، وزادها في نفوس العرب، رد الحبشة عنه حين أرادوا هدمه وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرًا بل قبل أن يدنوا منه، ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب، ونقصت حرمته عندهم، واستطالت الأيدي على سفارهم .. لنفروا من تلك الرحلات، فقلَّت وسائل الكسب بينهم؛ لأن أرضهم ليست بذات زرع ولا ضرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج إليها الناس فيأتوهم، وهم في عقر ديارهم ليأخذوا منها، فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق، وينقطع عنهم ينابيع الخيرات.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ الذي حماها من الحبشة وغيرهم، ومكن
стр. 15139
منزلته في النفوس، وكان من الحق أن يفردوه بالتعظيم والإجلال والعبادة دون الأصنام والأحجار التي يدعونها، ثم وصف رب هذا البيت بقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾؛ أي: إنه هو الذي أوسع لهم الرزق، ومهد لهم سبله، ولولاه لكانوا في جوع وضنك عيش. ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾؛ أي: وآمن طريقهم، وأورثهم القبول عند الناس، ومنع عنهم التعدي والتطاول إلى أموالهم وأنفسهم، ولولاه لأخذهم الخوف من كل مكان، فعاشوا في ضنك وجهد شديد.
وإذا كانوا يعرفون أن هذا كله بفضل رب هذا البيت، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره وتوسيط سواه عنده، مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه في شيء من النعمة التي هم فيها، نعمة الأمن ونعمة الرزق وكفاية الحاجة، وقال ابن الأسلت يخاطب قريشًا:
فقوموا فصَلُّوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكمُ منه بلاء ومصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبتُه بالسهل تمشي ورحلة ... على العادقات في رؤوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش رَدَّهم ... جنود مليء بين ساق وحاجب
فوَلَّوا سراعًا هاربين ولم يَؤُبْ ... إلى أهله مجليش غير عصائب
الإعراب
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾: بدل من ﴿إيلاف﴾ الأول بدل مقيد من مطلق، وهو مصدر مضاف إلى فاعله. ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ﴾: مفعوله؛ ﴿وَالصَّيْفِ﴾: معطوف على ﴿الشِّتَاءِ﴾، أو مضاف إلى مفعوله الأول؛ أي: إيلافنا إياهم رحلة الشتاء والصيف، وتمكيننا إياهم من رحلتين. ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط محذوف تقديره: إن لم يعبدوا الله لسائر نعمه السابغة المترادفة عليهم، فليعبدوه لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، وهي نعمة سابغة أتاحت لهم الإتجار، وضمنت لهم ميسور الرزق،
стр. 15140
و ﴿اللام﴾: لام الأمر، ﴿يعبدوا﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿رَبَّ﴾: مفعول به وهو مضاف، ﴿هَذَا﴾: مضاف إليه، ﴿الْبَيْتِ﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية في محل الجزم بالشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف مستأنفة استئنافًا نحويًا، وقيل: الجار والمجرور في قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ متعلق بـ ﴿جعلهم﴾ في قوله في السورة السابقة: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾؛ لأن السورتين بمنزلة سورة واحدة، وإلى هذا ذهب الأخفش، وعلى هذا القول فـ ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفوا أن الله تعالى جعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، وأرادوا بيان ما هو اللازم لهم في شكر هذه النعمة، فأقول لهم: ليعبدوا رب هذا البيت، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا لإيلاف قريش، و ﴿الفاء﴾ في ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ فاء الفصيحة أيضًا. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿رب﴾، أو بدل منه. ﴿أَطْعَمَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ جُوعٍ﴾: متعلق بـ ﴿أطعم﴾. ﴿وَآمَنَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿أَطْعَمَهُمْ﴾. ﴿مِنْ خَوْفٍ﴾: متعلق بـ ﴿آمن﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ والإيلاف إما مصدر آلف الرباعي بوزن أكرم، تقول: آلف يؤلف إيلافًا، فهو مُؤْلِف، مثل آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وعلى هذا يكون أصله: إئلافًا بوزن إفعال كإكرام؛ لأن آلف أصله: أألف، ومصدره: إئلاف بوزن إفعال، فأُبدلت الهمزة الساكنة في المصدر ياء؛ لكسر ما قبلها، فصار: إيلافًا، وهذا على قراءة من قرأ: ﴿لِإِيلَافِ﴾ بالياء، وأما على قراءة من قرأ ﴿إِلْفِهِمْ﴾، أو ﴿إلافِهِم﴾ بلا ياء، فهو مصدر لأَلِفَ الثلاثي، يقال: ألف يالف إلفًا، كعلم يعلم علمًا، فهو عالم، والأمر من الممدود الف يا زيد، ومن المقصور: إيلف يا زيد، تقول: ألفت الشيء إلفًا وإلافًا من الثلاثي، وآلفته إيلافًا من الرباعي إذا لزمته وعكفت عليه من الإنس به وعدم النفور منه، والإيلاف إيجاب الإلْف بحسن التدبير والتلطف، فالإيلاف نقيض الإيحاش ونظير الإيلاف: الإيناس.
стр. 15141
و ﴿قُرَيْشٍ﴾: اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة كما مر، وفي "القاموس": قرشه يقرُشه ويقرِشه قطعه، وجمعه هاهنا وهاهنا، وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش؛ لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم يتقرشون البيعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جمل قريش؛ أي: شديد، والنسبة إليه: قرشي وقريشي. انتهى.
﴿رِحْلَةَ﴾ والرِحلة - بالكسر - ارتحال القوم؛ أي: شدهم الرحال للمسير، وبالضم الجهة التي يُرتَحَل إليها، وأصل الرحلة السير على الراحلة؛ وهي الناقة القوية، ثم استُعمل في كل سير وارتحال، وإفرادها مع أنه أراد رحلتي الشتاء والصيف؛ لأمن الإلباس مع تناول اسم الجنس للواحد والكثير، كما مر.
﴿الشِّتَاءِ﴾ والشتاء الفصل المقابل للصيف، وفي "القاموس": الشتاء: أحد أرباع الأزمنة والموضع المشتي، وفيه إعلال الإبدال أصله: الشتاو من شتا يشتو، أبدلت الواو همزة لوقوعها متطرفة إثر ألف زائدة.
﴿وَالصَّيْفِ﴾ والصيف: القيظ، أو بعد الربيع، والقيظ صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل.
﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ أي: وسَّع لهم الرزق، ومهد لهم سبيله.
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾؛ أي: جعلهم في أمن من التعدي عليهم، والتطاول إلى أموالهم وأنفسهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ على عامله في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ تذكيرًا للنعمة واعتناء ببيانها.
ومنها: تصغير لفظ ﴿قُرَيْشٍ﴾؛ للتعظيم، فكأنه قيل: قريش عظيم على ما قيل، والأوجه أن التصغير على حقيقته ومعناه، كما مر.
ومنها: إطلاق الإيلاف عن المفعول أولًا في قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ ثم
стр. 15142
إبدال المقيد منه في قوله: ﴿إيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ﴾ تفخيمًا لأمره، وتذكيرًا لعظيم
النعمة فيه.
ومنها: الطباق بين ﴿الشِّتَاءِ﴾ و ﴿الصيف﴾ في قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ وبين الجوع والإطعام في قولهم: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ وبين الأمن والخوف في قوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه وتكريمه في قوله: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾.
ومنها: التنكير في لفظة ﴿جُوعٍ﴾ ولفظة ﴿خَوْفٍ﴾؛ لبيان شدتهما وعظمهما؛ أي: جوع شديد وخوف عظيم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
فائدة: قال الإِمام الرازي في "تفسيره": اعلم أن الإنعام على قسمين:
أحدهما: دفع ضر، وهو ما ذكره في سورة الفيل.
والثاني: جلب النفع، وهو ما ذكره في هذه السورة، ولما دفع الله سبحانه عنهم الضر وجلب لهم النفع، وهما نعمتان عظيمتان .. أمرهم بالعبودية في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ ... الآيات، أداء لشكر هذه النعمة العظيمة (١).
والله أعلم
* * *
стр. 15143
سورة الماعون
سورة الماعون، ويقال لها سورة الدين، وسورة اليتيم، وهي نزلت بعد سورة التكاثر في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس، ومدنية في قول قتادة وآخرين.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة: أريت الذي يكذب بالدين بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وقيل: نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، والنصف الثاني بالمدينة في عبد الله ابن أبي ابن سلول المنافق.
وآياتها: سبع، وكلماتها: خمس وعشرون، وحروفها: مئة وخمسة وعشرون حرفًا.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (١): من ثلاث أوجه:
١ - أنه قال في السورة السابقة: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، وذم في هذه من لم يحض على إطعام المسكين.
٢ - أنه قال في السورة السابقة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾، وهنا ذم من سها عن صلاته.
٣ - أنه هناك عدد نعمه على قريش، وهم مع ذلك ينكرون البعث ويجحدون الجزاء، وهنا أتبعه بتهديدهم وتخويفهم من عذابه.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الماعون كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وسميت سورة الماعون؛ لذكر الماعون فيها.
فضلها: وروي في فضلها: أنه ﷺ قال: "من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤديًا"، وفيه مقال.
والله أعلم
* * *
стр. 15144
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.
أسباب النزول
قيل نزلت (١) هذه السورة في أبي جهل، أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، أو عمر بن عائذ، أو رجل من المنافقين، أو أبي سفيان بن حرب كان ينحر في كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم، فسأله شيئًا، فقرعه بعصاه، أقوال آخرها لابن جريج، وأخرج ابن المنذر (٢) عن طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) ...﴾ الآية، قال نزلت في المنافقين: كانوا يراؤون المؤمنين بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنحونهم العاريَّة.
التفسير وأوجه القراءة
١ - والخطاب في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح له، والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين، والرؤية بمعنى المعرفة تتعدى لمفعول واحد، وهو: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ والدين: الجزاء والحساب في الآخرة، وقيل: بالقرآن، وقال ابن عباس: ﴿بِالدِّينِ﴾، أي: بحكم الله.
وفي الكلام حذف، والتقدير: هل عرفت يا محمد الذي يكذب بالبعث والجزاء في الآخرة؟ إن طلبت معرفته، فذلك الذي يدع اليتيم إلخ.
قيل: التقدير: أمصيب هو أم مخطىء؟ وأبدى (٣) فيه السمين احتمالين آخرين: ونصه: وفي ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هذه وجهان:
стр. 15145
أحدهما: أنها بصرية، فتتعدى لمفعول واحد وهو الموصول، كأنه قال: أبصرت المكذب بالدين.
والثاني: أنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين، فقدره الحوفي: أليس مستحقًا العذاب، وقدره الزمخشري: من هو، ويدل لذلك قراءة عبد الله: أريتك بكاف الخطاب، و ﴿الكاف﴾ لا تلحق البصرية اهـ.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بإثبات الهمزة الثانية، وقرأ الكسائي بإسقاطها، قال الزجاج: لا يقال في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفًا.
والمعنى: أي هل عرفت ذلك الذي يكذب بما وراء إِدراكه من الأمور الإلهية والشؤون الغيبية، بعد أن ظهر له بالدليل القاطع والبرهان الساطع،
٢ - فإن كنت لا تعرفه بذاته فاعرفه بصفاته، وهي:
١ - ﴿فَذَلِكَ﴾ المكذب بالدين هو: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾؛ أي: يدفع اليتيم دفعًا عنيفًا، ويزجره زجرًا قبيحًا إذا جاء يطلب منه حاجة احتقارًا لشأنه وتكبرًا عليه، و ﴿الفاء﴾ واقعة في جواب شرط مقدر، و ﴿ذلك﴾: مبتدأ، والموصول خبره، والجملة الاسمية جواب لذلك الشرط المقدر، والتقدير: إن طلبت معرفة ذلك المكذب بصفاته، فهو الذي يدع اليتيم، ويزجره زجرًا عنيفًا إذا طلب منه حاجةً وهو أبو جهل، كان وصيًا ليتيم، فجاءه عريانًا يسأله من مال نفسه، فدفعه دفعًا شنيعًا، فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد يشفع لك، وكان غرضهم الاستهزاء به، وهو ﷺ كان لا يرد محتاجًا، فذهب معه إلى أبي جهل، فقام أبو جهل وبذل المال لليتيم، فعيَّره قريش وقالوا: أصبوت، فقال: لا والله ما صبوت، ولكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها فيَّ، فـ ﴿الَّذِي﴾ للعهد، ويحتمل الجنس، فيكون عامًا لكل من كان مكذبًا بالدين، ومن شأنه أذية الضعيف ودفعه بعنف وخشونة؛ لاستيلاء النفس السبعية عليه، ويجوز أن تكون ﴿الفاء﴾ عاطفة على الذي يكذِّب إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة، ويكون اسم الإشارة في
стр. 15146
محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب، ويصح حمل الحق على الميراث، فقد تقدم في سورة النساء أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام اهـ "قرطبي".
٢ - ٣ ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾؛ أي: ولا يحث أهله وغيرهم من الموسرين ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ والمحاويج؛ أي: على إطعامه، وإذا كان لا يحث غيره على ذلك ولا يدعو إليه، فهو لا يفعله بالأولى، وفي هذا توجيه (١) لأنظارنا إلى أَنَّا إذا لم نستطع مساعدة المسكين .. كان علينا أن نطلب من غيرنا معونته ونحثه على ذلك، كما تفعل جماعات الخير، والجمعيات الخيرية.
وقصارى ما سلف: أَن للمكذبين صفتين:
أولاهما: أن يُحقِّر الضعفاء ويتكبر عليهم.
وثانيهما: أن يبخل بماله على الفقراء والمحاويج، أو يبخل لسعيه لدى الأغنياء؛ ليساعدوا أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بكفاف العيش، وسواء أكان المحتقِر للحقوق البخيل بالمال والسعي لدى غيره، مصليًا أو غير مصل، فهو في صف المكذبين، ولا تخرجه صلاته منهم؛ لأن المصدق بشيء لا تطاوعه نفسه على الخروج مما صدق به، فلو صدق بالدين حقًا .. لصار منكسرًا متواضعًا لا يتكبر على الفقراء ولا ينهر المساكين ولا يزجرهم، فمن لم يفعل شيئًا من ذلك فهو مراء في عمله، كاذب في دعواه، ومن ثم قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) ...﴾ إلخ.
والخلاصة (٢): أنه يمنع المعروف عن المستحق لاستيلاء النفس البهيمية ومحبة المال عليه، واستحكام رذيلة البخل فيه، فإنه إذا ترك حث غيره، فكيف يفعل هو بنفسه، فعُلم أن كلًّا من ترك الحث وترك الفعل من أمارات التكذيب، وفي العدول من الإطعام إلى الطعام وإضافته إلى المسكين دلالة على أن للمساكين شركة وحقًا في مال الأغنياء، وأنه إنما منع المسكين مما هو حقه، وذلك نهاية البخل وقساوة البخل وخساسة الطبع.
стр. 15147
فإن قلت: قد لا يحض المرء في كثير من الأحوال، ولا يعد ذلك إثمًا، فكيف يذم به؟.
قلت: إما لأن عدم حضه لعدم اعتقاده بالجزاء، وإما لأن ترك الحض كناية عن البخل ومنع المعروف عن المساكين، ولا شبهة في كونه محل الذم والتوبيخ، كما أن منع الغير من الإحسان كذلك.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَدُعُّ﴾ - بضم الدال وشد العين - من دع من باب رد، كما في "المختار" بمعنى دفع، وقرأ علي والحسن وأبو رجاء واليماني بفتح الدال تخفيف العين من وَدَعَ بمعنى ترك؛ أي: يترك اليتيم بمعنى: لا يحسن إليه، ويجفوه.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ مضارع حض الثلاثي، وقرأ زيد بن علي: ﴿يحاض﴾ مضارع حاضض الرباعي،
٤ - ولما ذكر أولًا عمود الكفر وهو التكذيب بالدين .. ذكر ما يترتب عليه مما يتعلق بالخالق، وهو عبادته بالصلاة، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ ﴿الفاء﴾ (٢): لربط ما بعدها بشرط محذوف، كأنه قيل: إذا كان ما ذُكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين من دلائل التكذيب بالدين وموجبات الذم والتوبيخ .. فويل للمصلين؛ أي: فشدة عذاب، أو هلاك عظيم، أو واد في جهنم كما سبق الخلاف في الويل، كائن للمصلين؛ ﴿فَوَيْلٌ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾: خبره.
٥ - ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ ومعرضون عنها، سهو ترك لها وقلة التفاتٍ إليها وعدم مبالاةٍ بها، وذلك فعل المنافقين أو الفسقة من المؤمنين، وهو معنى ﴿عَن﴾ في قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾، ولذا قال أنس ﵁: الحمد لله على أن لم يقل في صلاتهم، وذلك أنه لو قال: في صلاتهم .. لكان المعنى: أن السهو يعتريهم، وهم فيها إما بوسوسة شيطان أو بحديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، والخلوص منه عسير، ولما نزلت هذه الآية .. قال رسول الله ﷺ : هذه خير لكم من أن يُعطى كلُّ واحد منكم مثلَ جميع الدنيا، ومعنى ﴿سَاهُونَ﴾ (٣): غافلون غير مبالين بها، ويجوز أن تكون ﴿الفاء﴾؛ لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذُكر من قبائحهم ووضع المصلين موضع ضميرهم؛ للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر.
стр. 15148
قال الواحدي: نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثوابًا إن صَلَّوا، ولا يخافون عليها عقابًا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صَلَّوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو معنى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ ؛ أي: يراؤون الناس بصلاتهم إن صلَّوا، أو يراؤون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر؛ ليثنوا عليهم، قال النخعي: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ هو في إذا سجد قال: برأسه هكذا وهكذا ملتفتًا، وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله، وقرأ ابن مسعود: ﴿الذين هم عن صلاتهم لا هون﴾.
فإن قلت (١): هل صدر عن النبي ﷺ سهو أم لا؟.
قلت: نعم، كما قال: "شغلونا عن صلاة العصر"؛ - أي: يوم الخندق - "ملأ الله قلوبهم نارًا" وأيضًا سها عن صلاة الفجر ليلة التعريس، وأيضًا صلى الظهر ركعتين، ثم سلم، فقال له أبو بكر ﵁: صليت ركعتين، فقام وأضاف إليهما ركعتين، وكذلك في قصة ذي اليدين، لكن سهوه ﷺ فيما ذكر، وفي غيره ليس كسهو سائر الناس، وهو في الاستغراق والإنجذاب دائمًا، وقد قال: تنام عيني ولا ينام قلبي، وأيضًا سهوه لحكمة تشريع سجود السهو وأحكامه، فعلى العاقل أن لا تفوته الصلاة التي هي من باب المعراج والمناجاة، ولا يعبث فيها باللحية والثياب، ولا يكثر التثاؤب والالتفات ونحوهما ومن المصلين من لا يدري عن كم انصرف، ولا ما قرأ من السورة.
وخلاصة معنى قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾؛ أي: فعذاب (٢) شديد لمن يؤدي الصلاة بجسمه ولسانه من غير أن يكون لها أثر في نفسه، ومن غير أن تؤتى ثمرتها التي شُرعت لأجلها؛ لأن قلبه غافل عما يقوله اللسان وتفعله الجوارح، فيركع وهو لاه عن ركوعه، ويسجد وهو لاه عن سجوده، ويكبر وهو لا يعني ما يقول، وإنما هي حركات اعتادها، وكلمات حفظها، ولا تُدرك نفسه معناها، ولا تصل إلى معرفة ثمرتها.
٦ - ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾؛ أي: يُرون الناس أعمالهم؛ ليروهم الثناء عليها؛
стр. 15149
أي: إنهم يفعلون أفعالًا ظاهرة بقدر ما يرى الناس دون أن تستشعر قلوبهم بها، أو تصل إلى معرفة حكمها وأسرارها، وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وطلب المنزلة في قلوب الناس، ويكون فعل ذلك على ضروب:
١ - بتحسين السمت مع إرادة الجاه وثناء الناس.
٢ - بلبس الثياب القصار، أو الخشنة، ليأخذ بذلك هيبة الزهاد في الدنيا.
٣ - بإظهار السخط على الدنيا، وإظهار التأسف على ما يفوته من فعل الخير.
٤ - بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة، لرؤية الناس له، قال في "الكشاف": والعمل الصالح إن كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها؛ لقوله ﷺ : "ولا غمة في فرائض الله"؛ لأنها أعلام الإِسلام وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوعًا فحقه أن يخفي؛ لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، وإن أظهره قاصدًا للاقتداء فيه كان جميلًا، وإنما الرياء أن يقصد أن تراه الأعين فيثنى عليه بالصلاح، واجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص، ومن ثم قال ﷺ : "الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على المسح الأسود"، والمسح كساء من صوف خشن يلبسه الزهاد، والفرق (١) بين المرائي والمنافق أن المنافق يُبطِن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر زيادة الخشوع وآثار الصلاح؛ ليعتقد من يراه أنه من أهل الصلاح.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُرَاءُونَ﴾ مضارع راءَى من باب فاعل، وقرأ ابن أبي إسحاق والأشهب: مهموزة مقصورة مشددة الهمزة من باب فعل المضعف، وعن ابن أبي إسحاق بغير شد في الهمزة، فتوجيه الأولى، إلى أنه ضعف الهمزة تعديةً، كما عَدَّوا بالهمزة، فقالوا في رأى أرى، وقالوا: راءى، فجاء المضارع يُرَئِّيْ كيصلي، وجاء الجمع يُرَؤُّون كيصلون، وتوجيه الثانية أنه استثقل التضعيف في الهمزة، فخففها أو حذف الألف من يرأون حذفًا لا لسبب.
٧ - ﴿وَيَمْنَعُونَ﴾ الناس ﴿الْمَاعُونَ﴾؛ أي: محقرات الأموال وقلائلها مما يتعاطاه
стр. 15150
الناس فيما بينهم ويتعاورونه يعتادون التسامح من أثاث البيت وغيره، كالدلو والقدر والإبريق والفأس والسكين والإبرة والخيط والخمير وبقايا الطعام والماء والملح والنار من الأشياء التافهة التي جرى عرف الناس بالتسامح بها فيما بينهم.
أي: يمنعون الناس ما لم تجر العادة بمنعه مما يسأله الغني والفقير، ويُنسب منعه إلى لؤم الطبع وسوء الخلق، وقال الطبري في "تفسيره": الماعون: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو والفأس والقدر، وما لا يُمنع كالماء والملح والنار والخيط والمخيط، نُقل هذا عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير، ثم قال: وروى أبو بصير عن أبي عبد الله قال: ﴿الْمَاعُونَ﴾ هو القرض تقرضه، والمعروف تصنعه، ومتاع البيت تعيره، قال: فقلت: إن لنا جيرانًا إذا أعرناهم متاعًا كسروه وأفسدوه، أفعلينا جناح أن نمنعهم؟ فقال: لا ليس عليك جناح أن تمنعهم إذا كانوا كذلك، وقال الكلبي: ﴿الْمَاعُونَ﴾ المعروف كله، وقال علي وابن عمر وابن عباس أيضًا: ﴿الْمَاعُونَ﴾ هو الزكاة، ومنه قول الراعي:
أخَلِيْفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ ... حُنُفًا نُسَجدُ بُكْرَةً وَأَصِيْلًا
عُرْبٌ نَرَى لِلَّهِ فِيْ أَمْوَالِنَا ... حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيْلَا
قَوْمٌ عَلَى الإِسْلَامِ لَمَّا يَمْنَعُوْا ... مَا عُوْنَهُمْ وَيُضَيِّعُوْا التَّهْلِيْلَا
يعني بالماعون الزكاة، وهذا القول يناسبه ما ذكره قطرب من أن أصله من المعن، وهو الشيء القليل، فسميت الزكاة ماعونًا؛ لأنها قليل من كثير؛ لأنها ربع أو عشر، وقال عبد الله بن عمر منع الماعون هو منع الحق، وقال ابن عباس أيضًا: هو العارية، وقيل الماء والكلأ، قال أبو الليث: الماعون بلغة الحبشة المال، وفي "برهان القرآن" قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾، ثم بعده ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ كرر ولم يقتصر على مرة واحدة؛ لامتناع عطف الفعل على الاسم، ولم يقل: الذين هم يمنعون؛ لأنه فعل، فحسن العطف على الفعل وهذه دقيقة. انتهى.
والمعنى: ويمنعون الزكاة، كما دل عليه ذكره عقيب الصلاة، أو ما يتعاور عادة، فإن عدم المبالاة باليتيم والمسكين حيث كان من عدم الاعتقاد بالجزاء موجب للذم والتوبيخ، فعدم المبالاة بالصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإِسلام، وسوء المعاملة مع الخلق
стр. 15151
أحق بذلك، ولم يُرَ من المتسمين بالإِسلام، بل من العلماء منهم من هو على هذه الصفة، فيا مصيبتاه، والمراد بما يتعاوروه عادةً؛ أي: يتداوله الناس بالعارية، ويعين بعضهم بعضًا بإعارته هو مثل الفأس والقدر والدلو والإبرة والقصعة، والغربال والقدوم والمقدحة والنار، والماء والملح، ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز في تنورك، أو يضع متاعه عندك يومًا أو نصف يوم، وقد يكون منع هذه الأشياء محظورًا في الشريعة إذا استُعيرت عن اضطرار، وقبحًا في المروءة في غير حال الضرورة، وفي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: يستحب أن يستكثر الرجل في بيته مما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب اهـ "صاوي".
قال الإمام: وحاصل معنى هذه السورة؛ أي: فأولئك الذين يصَلُّون ولا يأتون من الأعمال إلا ما يُرى للناس مما لا يكلفهم بذل شيء من مالهم، ولا يخشون منه ضررًا يلحق بأبدانهم، أو نقصًا يلم بجاههم، ثم يمنعون ماعونهم، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سد حاجة المعوزين، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم، وطمأنينتهم ولا تنفعهم صلاتهم، ولا تخرجهم عن حد المكذبين بالدين، لا فرق بين من وَسَموا أنفسهم بسِمَة الإِسلام أو غيره، فإن حكم الله واحد لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع.
فخاصة المصدق بالدين التي تميزه عمن سواه من المكذبين هو العدل والرحمة وبذل المعروف للناس وخاصة المكذب التي يمتاز بها عن المصدقين هي احتقار حقوق الضعفاء، وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة، وحب الأثرة بالمال، والتعزز بالقوة، ومنع المعروف عمن يستحق من الناس.
فهل للمسلمين الذين يزعمون أنهم آمنوا بمحمد ﷺ وبما جاء به أن يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلون في هذه السورة الشريفة؛ ليعرفوا هل هم من قسم المصدقين أو المكذبين، وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة التي لا أثر لها إلا في ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع في يسمونه صيامًا، ولا أثر له إلا في عبوس وجوههم وبذاذة ألسنتهم وضياع أوقاتهم في اللهو والبطالة، ويرجعوا إلى
стр. 15152
الحق من دينهم، فيقيموا الصلاة، ويحيوا صورتها بالخشوع للعليِّ الأعلى، فلا يخرجوا من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد الله يلتمسون رضاه في رعاية حقوقه بما يراه، ويجعلوا من الصوم مؤدِّبًا للشهوة ومهذبًا للرغبة رادعًا للنفس عن الأثرة فلا يكون في صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم، ثم يؤدون الزكاة المفروضة عليهم ولا يبخلون بالمعونة فيما يمنع الخاصة والعامة اهـ. والله أعلم.
الإعراب
﴿أرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.
﴿أَرَأَيْتَ﴾ ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التعجبي، ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل، والخطاب لمحمد ﷺ ، أو عام كما مر، والرؤية هنا إما بصرية تتعدى إلى مفعول، وهو قوله: ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿رأيت﴾. ﴿يُكَذِّبُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصول. ﴿بِالدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿يُكَذِّبُ﴾، والمعنى: أبصرت يا محمد المكذب بالدين، وهل عرفته بذاته؟ وإما بمعنى أخبرني فتتعدى لاثنين: الأول: الموصول، والثاني محذوف قدَّره الحوفي بقوله: أليس مستحقًا للعذاب؛ أي: أخبرني يا محمد المكذبَ بالدين أليس مستحقًا العذاب، والجملة الفعلية على كلا التقديرين مستأنفة. ﴿فَذَلِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن طلبت معرفة ذلك المكذب بصفاته، فهو الذي يدع اليتيم. ﴿ذلك﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبره، وجملة ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ صلة الموصول، والجملة الاسمية في محل الجزم بذلك الشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف مستأنفة. ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَحُضُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَحُضُّ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. ﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة أيضًا في جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين من دلائل التكذيب بالدين وموجبات الذم والتوبيخ، فويل للمصلين المذكورين؛ لأن السهو عن الصلاة من سمة التكذيب
стр. 15153
بالدين، ﴿ويل﴾: مبتدأ. ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بالشرط المقدر، وجملة الشرط المقدر مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الجر صفة لـ ﴿المصلين﴾: ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾: متعلق بما بعده. ﴿سَاهُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ الأول على كونه صفة لـ ﴿المصلين﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُرَاءُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية صلة الموصول. ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على جملة ﴿يُرَاءُونَ﴾ داخلة في حيز الصلة، ومفعول ﴿يمنعون﴾ الأول محذوت تقديره: أي: الناس والطالبين، و ﴿الْمَاعُونَ﴾ مفعوله الثاني.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾؛ أي: يدفع بعنف وجفوة، وفي المختار: دَعَّ من باب رد، قال ابن دريد: دعه ودحه بمعنى واحد، وامرأة دعوع ودحوح بمعنى، وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
قَدْ أَغْتَدِيْ وَاللَّيْلُ فِيْ حِزِّيْمِه ... مُعَسْكِرًا فِيْ الغُرِّ مِنْ نُجُوْمِهِ
وَالصُّبْحُ قَدْ نَسَّمَ فِيْ أَدِيْمِهِ ... يَدُعُّهُ بِضِفَّتَيْ حَيْزُوْمِهِ
دَعَّ الرَّبِيْبِ لِحَيَّتَيْ يَتِيْمِهِ
وأصله: يَدْعُع بوزن يفعُل، نقلت حركة العين الأولى إلى الدال فسكنت فأدغمت في الثانية، وكذلك القول في: ﴿يَحُضُّ﴾ أصله: يَحْضُض بوزن يفعل.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ أصله: المصليين بيائين، الأولى لام الكلمة والثانية ياء الجمع، سكنت لام الكلمة للتخفيف، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء الأولى، فصار المصلين بوزن المفعيّن.
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ من باب فاعل، كيقاتلون، ومعنى المفاعلة فيه أن المرائي يُري الناس عمله، وهم يُرُونه الثناء عليه، فالمشاركة فيهما واضحة، وأصله: يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما، وضمت الهمزة لمناسبة الواو، فصار ﴿يُرَاءُونَ﴾، بوزن
стр. 15154
يفاعون.
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ أصله: ساهيون جمع ساه، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت للتخفيف، ثم ضمت الهاء لمناسبة الواو وأصل هذه الياء الواو؛ لأنه من سها يسهو قلبت ياء لتطرفها إثر كسرة.
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ منع يتعدى لمفعولين: ثانيهما: قوله ﴿الْمَاعُونَ﴾، وأولهما محذوف تقديره: الناس، حُذف للعلم به، و ﴿الْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن؛ أي: قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين، فأصله معوون، دخله القلب المكاني فصار: موعون، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، وفي "المختار": والماعون اسم جامع لمنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام الذي يراد به تشويق السامع إلى الخبر، وتعجيبه منه في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾؛ لأنه حذف منه الشرط، تقديره: إن أردت أن تعرف ذلك المكذب بصفاته، فذلك المكذب هو الذي يدع اليتيم.
ومنها: وضع الظاهر، وهو قوله: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾ موضع المضمر، وهو لهم؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: فويل لهم؛ لأنهم مع التكذيب وما أضيف إليه ساهون عن الصلاة غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها إما مكية أو مدنية، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهين، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، و ﴿الفاء﴾ واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها، فويل للمصلين الخ اهـ من "الصاوي".
стр. 15155
ومنها: تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها رأسًا؛ لأنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم.
ومنها: التعبير بـ ﴿عَنْ﴾ دون في، في قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ إشعارًا بأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها لا السهو فيها؛ لوقوعه من الأنبياء.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿سَاهُونَ﴾ حيث استعار السهو للترك بجامع الإعراب في كل؛ لأنهم تاركون لها رأسًا، أو إن حصلت منهم تكون رياءً وسمعة، فهي كلاصلاة.
ومنها: حذف المفعول الأول لـ ﴿يمنعون﴾ في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾؛ أي: يمنعون الناس، للعلم به.
ومنها: الجناس الناقص بين ﴿يمنعون﴾ و ﴿الْمَاعُونَ﴾.
فائدة: السهو خطأ عن غفلة، وذلك ضربان:
أحدهما: أن لا يكون من الإنسان جوالبه ومولداته، كمجنون سب إنسانًا.
والثاني: أن يكون منه مولداته كمن شرب خمرًا، ثم ظهر منه منكر، لا عن قصد إلى فعله، فالأول معفو عنه، والثاني مأخوذ به، ومنه ما ذم الله سبحانه في الآية، انتهى من "الروح".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم بالصواب
* * *
стр. 15156
سورة الكوثر
سورة الكوثر مكية نزلت بعد سورة العاديات في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، وكذا قاله الجمهور، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة، وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها (١): أنه سبحانه وصف في السابقة الذي يكذب بالدين بأمور أربع: البخل، الإعراض عن الصلاة، الرياء، منع المعونة، وهنا وصف ما منحه رسوله ﷺ من الخير والبركة، فذكر أنه أعطاه الكوثر، وهو الخير الكثير، والحرص على الصلاة ودوامها، والإخلاص فيها، والتصدق على الفقراء.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر فيما قبلها وصف المنافق بالبخل، وترك الصلاة والرياء، ومنع الزكاة .. قابل في هذه السورة البخل بـ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، والسهو في الصلاة بقوله: ﴿فَصَلِ﴾، والرياء بقوله: ﴿لِرَبِّكَ﴾، ومنع الزكاة بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾، أراد به التصدق بلحم الأضاحي، فقابل أربعة بأربع. انتهى. وسميت سورة الكوثر؛ لذكر الكوثر فيها.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الكوثر كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
فضلها: ومما ورد في فضلها (٢): ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الكوثر سقاه الله تعالى من كل نهر له في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر" ولكن فيه مقال.
والله أعلم
* * *
стр. 15157
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
أسباب النزول
قيل: إن هذه السورة نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه رأى رسول الله ﷺ يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد فلما دخل العاص بن وائل قالوا: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال ذلك الأبتر دعوه، فإنه رجل لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، وكان في تلك الأيام قد توفي عبد الله بن رسول الله ﷺ ، (وقيل: ولده إبراهيم)، وهو من خديجة "الكبرى" ففرح أعداء رسول الله ﷺ ، ومبغضوه، وقالوا: قد بتر محمد، وسينقطع ذكره، ولم يبق له أثر في أولاده من بعده، وكانوا يعدون ذلك عيبًا يلمزونه به، وسينفرون الناس من اتِّباعه، فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن رسول الله ﷺ ذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتِر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل .. قالوا: بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا: بُتر محمد، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
وعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في أبي جهل، وفي رواية أخرى عنه قال: نزلت في كعب بن الأشرف؛ إذ قدم مكة، فقالت له قريش: أنت سيد أهل المدينة وخيرهم، ألا ترى هذا الصابئى المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
قال ابن عباس: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني: عدوك، وهذا يعم جميع من اتصف
стр. 15158
بذلك ممن ذكروا وغيرهم من أعداء الإِسلام، ومبغضي رسول الله ﷺ الذين كانوا يستهزئون به وبدعوته، واستمروا كذلك حتى كفاه الله شرهم، فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾، وقضى الله عليهم، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله على كل شيء قدير.
وحاصل أسباب نزول هذه السورة (١): أنه كان المشركون من أهل مكة والمنافقدن من أهل المدينة يعيبون النبي ﷺ ، ويلمزونه بأمور:
١ - أنه إنما اتبعه الضعفاء ولم يتبعه السادة الكبراء، ولو كان ما جاء به من الدين صحيحًا .. لكان أنصاره من ذوي الرأي والمكانة بين عشائرهم، وهم ليسوا ببدع في هذه المقالة، فقد قال قوم نوح له فيما قصه الله علينا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أن يسرع في إجابة دعوة الرسل الضعفاء من قبل أنهم لا يملكون مالًا، فيخافوا في سبيل الدعوة الجديدة ولا جاهًا ولا نفوذًا، فيخافوا أن يضيَّعا أمام الجاه في منحه صاحب الدعوة، وأن يتخلف عنها السادة الكبراء حتى يدخلوا في دين الله، وهم له كارهون، ومن ثم يظل الجدل بين أولئك الصناديد ورسل الله تعالى، ويأخذون في انتقاصهم وكيل التهم لهم تهمة بعد تهمة، والله ينصر رسله ويؤيدهم وبشد أزرهم، وعلى هذا السنن سار أهل مكة مع النبي ﷺ ، فقد تخلف عنه سادتهم وكبراؤهم حسدًا له ولقومه الأدنين.
٢ - أنهم كانوا إذا رأوا أبناءه يموتون يقولون: انقطع ذكر محمد وصار أبتر، يحسبون ذلك عيبًا، فيلمزونه به، ويحاولون تنفير الناس عن اتباعه.
٣ - أنهم كانوا إذا شدة نزلت بالمؤمنين .. طاروا بها فرحًا، وانتظروا أن تدول الدولة عليهم، وتذهب ريحهم، فتعود إليهم مكانتهم التي زعزعها الدين الجديد، فجاءت هذه السورة لتؤكد لرسوله أن ما يرجف به المشركون، وهم لا حقيقة له، ولتمحص نفوس الذين لم تصلب قناتهم، ولترد كيد المشركين في نحورهم، ولتعلمهم أن الرسول منتصر لا محالة، وأن أتباعه هم المفلحون.
стр. 15159
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿إِنَّا﴾: و ﴿إن﴾ (١): جار مجرى القسم في تأكيد الجملة. ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ يا محمد، عبر بصيغة الماضي مع أن العطايا الأخروية وأكثر ما يكون في الدنيا لم تحصل بعد إشعارًا بتحقق وقوعها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني: ﴿أنطيناك﴾ بالنون، وهي قراءة مروية عن رسول الله ﷺ ، قال الترمذي: هي لغة للعرب العاربة من أولي قريش، ومن كلامه ﷺ : "اليد العليا المُنطِية، واليد السفلى المُنطاة" ومن كلامه ﷺ أيضًا: "وانْطوا المنيحة"، وقال الأعمش:
جِيَادُكَ خَيْرُ جِيَادِ الْمُلُوْكْ ... تُصَانُ الْحَلَالَ وَتُنْطِيْ السَّعِيْرَا
قال أبو الفضل الرازي وأبو زكريا التبريزي: أبدل من العين نونًا، ﴿الْكَوْثَرَ﴾؛ أي: الخير المفرِط في الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين، والكوثر (٣) فوعل من الكثرة، وُصِف به للمبالغة في الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرًا، ومنه قول الشاعر:
وَقَدْ ثَارَ نَقْعُ المَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
قيل لأعرابية آب ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر؛ أي: بالعدد الكثير من الخير، فالمعنى على هذا (٤): إنا أعطيناك يا محمد الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية.
وذكر أكثر المفسرين كما حكاه الواحدي: إلى أن ﴿الْكَوْثَرَ﴾. نهر في الجنة، وقيل: هو حوض النبي ﷺ في الموقف، قاله عطاء، وقال عكرمة: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: النبوة، وقال الحسن: ﴿الْكَوْثَرَ﴾: القرآن، وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة،
стр. 15160
وقال ابن كيسان هو: الإيثار، وقيل: هو الإسلام، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: هو المعجزات، وقيل: إجابة الدعوة، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس.
وذكر صاحب "التحرير" في الكوثر ستة وعشرين قولًا، والصحيح هو ما فسر به رسول الله ﷺ ، فقال: "هو نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعليه جمهور العلماء، كما جاء مبينًا في عدة أحاديث:
منها: ما رواه (١) الشيخان عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: "أنزلت علي آنفًا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وَعَدَنيه ربي خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" هذا لفظ مسلم، وللبخاري قال: قال رسول الله ﷺ : "لما عُرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طينته - مسك أذفر" شك الراوي.
ومنها: ما أخرجه الترمذي عن أنس ﵁: سُئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: "ذلك نهر أعطانيه - يعني في الجنة - أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزور".
قال عمر: إن هذه لناعمة، فقال رسول الله ﷺ : "أَكَلَتُها أنعم منها"، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
ومنها: ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة،