← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

حجة عليهم لا لهم، أو طلب الفتنة في الدين وهي الضلال عنه فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفًا لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان وطلب تحريفه على ما يريدون. وذلك كاحتجاج النصارى على عقيدتهم الفاسدة بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه عبد من عباد الله ورسول من رسله. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾؛ أي: والحال أنه ما يعلم تأويل المتشابه وتفسيره حقيقة ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحده، ونقل عن ابن عباس ﵄: تفسير القرآن على أربعة أنحاء: تفسير لا يسع لأحد جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. وقال المراغي قوله (١): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معناه: فأما الذين يميلون عن الحق ويتبعون أهواءَهم الباطلة، فينكرون المتشابه وينفِّرون الناس منه، ويستعينون على ذلك بما في غرائز الناس وطبائعهم من إنكار ما لم يصل إليه علمهم، ولا يناله حسهم؛ كالإحياء بعد الموت، وجميع شؤون العالم الأخروي، ويأخذونه على ظاهره بدون نظرٍ إلى الأصل المحكم؛ ليفتنوا الناس بدعوته إلى أهوائهم .. فيقولون: إن الله روح، والمسيح روح مثله، فهو من جنسه، وجنسه لا يتجزأ فهو هو، ومعنى ابتغاء تأويله: أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم، لا إلى الأصل المحكم الذي بُني عليه الاعتقاد، فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها، ويصرفونها إلى معانٍ من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس

стр. 1612

عن دينهم، والقرآن مليء بالرد عليهم من نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. انتهى. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: والذين رسخوا وثبتوا في العلم وتمكنوا فيه وعضوا فيه بضرس قاطع، وهذا كلام مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم، والخبر قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بالمتشابه أنه من عند الله، ولا نعلم معناه، وعدم التعرض لإيمانهم بالمحكم لظهوره ﴿كُلٌّ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾؛ أي: من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه. والراسخ في العلم (١): هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل القطعية اليقينية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا رأى شيئًا متشابهًا، ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مرادًا لله تعالى .. علم حينئذٍ قطعًا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى، وقطع بأن ذلك المعنى على أيِّ شيءٍ كان فهو الحق والصواب؛ لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى. وقيل الراسخ في العلم (٢): من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: وما يتعظ بما في القرآن وما يتيقظ له ويتدبر له إلا أصحاب العقول الكاملة المستنيرة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة، وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر. ٨ - ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات

стр. 1613

والمتشابهات .. تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿لَا تُزِغْ﴾ ولا تمل ﴿قُلُوبَنَا﴾ عن الحق والهدى، كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ؛ أي: لا تمل قلوبنا عن دينك. قراءة الجمهور: بضم التاء ونصب القلوب، وقرىء شذوذًا بفتح التاء ورفع القلوب على نسبة الفعل إليها ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾؛ أي: وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك، أو يقال: يا ربنا لا تجعل قلوبنا مائلة إلى الباطل بعد أن تجعلها مائلة إلى الحق ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ أي: أعطنا من فضلك وكرمك رحمة تثبتنا بها على دينك الحق والإيمان بكتابك، أو المعنى: أعطنا من عندك نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب ونور الطاعة والعبودية والخدمة في الأعضاء، وسهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفافة في الدنيا، وسهولة سكرات الموت عند الموت، وسهولة السؤال والظلمة في القبر، وغفران السيئات وترجيح الحسنات في القيامة. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ يا ربنا ﴿الْوَهَّابُ﴾ الهبة العظيم الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن هذا الذي طلبنا منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلينا، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك وغاية جودك ورحمتك. والوهاب في أسماء الله: هو الذي يعطي كل أحد على قدر استحقاقه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرِّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" أخرجه مسلم. وهذا الحديث من أحاديث الصفات، يجب الإيمان به وإمراره كما جاء من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه، بل نؤمن به كما جاء وأنه حق، ونكل علمه إلى مراد الله ورسوله ﷺ ، وهذا القول هو مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم وهو الأعلم الأسلم الذي نعض ٩ - عليه بالنواجذ ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾؛ أي؛ يا ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك في وقوعه فجازنا فيه أحسن الجزاء. ﴿إِنَّ اللَّه

стр. 1614

سبحانه وتعالى ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: لا يترك وفاء ما وعده لعباده، وهذا من بقية كلام الراسخين في العلم؛ وذلك لأنهم لما طلبوا من ربهم أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية وأنواع الرحمة .. فكأنهم قالوا: ليس غرضنا من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقرضة، وإنما غرضنا الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة، فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ونعلم أن وعدك بالجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والنار لا يكون خلفًا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته الهداية والرحمة بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. تنبيهات الأول منها: اختلفت عبارة العلماء في تفسير (١) المحكم والمتشابه على أقوال فقيل: إن المحكم ما عرف تأويله، وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، ومن القائلين بهذا القول: جابر بن عبد الله والشعبي وسفيان الثوري قالوا: وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما يحتمل وجوهًا. فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي .. صار المتشابه محكمًا، وقيل: إن المحكم: ناسخة وحرامه وحلاله وفرائضه وما نؤمن به ونعمل عليه، والمتشابه: منسوخه وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل به. ورُوي هذا القول عن ابن عباس، وقيل: المحكم: الناسخ. والمتشابه: المنسوخ وبه قال: ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك. وقيل: المحكم: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له. والمتشابه: ما فيه تصريف وتحريف وتأويل، وبه قال: مجاهد وابن إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال. وقيل: إن المحكم ما أطلع الله عباده على معناه. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة؛ مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول

стр. 1615

عيسى وطلوع الشمس من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة، فجميع هذا ما استأثر الله بعلمه. وبهذا القول اختار القرطبي والطبري، وقيل: إن المحكم: سائر القرآن. والمتشابه: هي الحروف المقطعة في أوائل السور إلى غير ذلك. والثاني منها: ما قيل (١): إن الله قد جعل القرآن هنا محكمًا ومتشابهًا، وجعله في موضع آخر كله محكمًا، كقوله في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وجعله في موضع آخر كله متشابهًا، كقوله في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ قلت: حيث جعله كله محكمًا أراد به أنه كله حق وصدق، ليس فيه عبث ولا هزل. وحيث جعله متشابهًا أراد أن بعضه يشبه بعضًا في الحسن والحق والصدق. وحيث جعله هنا بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا فقد اختلفت عبارات العلماء في تفسيرهما آنفًا. والثالث منها (٢): سؤال يخطر بالبال، وهو: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله، والراسخون في العلم، ولم يكن كله محكمًا يتساوى في فهمه جميع الناس، لأنه نزل لإرشاد العباد هاديًا لهم، والمتشابه يحول دون الهداية؛ لوقوع اللبس في فهمه وفتح باب الفتنة في تأويله لأهل التأويل؟ أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة: منها: أن في إنزال المتشابه امتحانًا لقلوبنا، في التصديق به؛ إذ لو كان ما جاء في الكتاب معقولًا لا شبهة فيه لأحد .. لما كان في الإيمان به شيء من الخضوع لأمر الله والتسليم لرسله. ومنها: أن في وجود المتشابه في القرآن حافزًا لعقول المؤمنين إلى النظر

стр. 1616

فيه؛ كيلا تضعف وتموت، إذ السهل الجلي لا عمل للعقل فيه، وإذا لم يجد العقل مجالًا للبحث .. مات. والدين أعز شيء على الإنسان فإذا ضعف عقله في فهمه .. ضعف في كل شيء، ومن ثم قال: والراسخون في العلم، ولم يقل: والراسخون في الدين؛ لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه؛ إذ بحثه يستلزم النظر في الأدلة الكونية والبراهين العقلية ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله. ومنها: أن الأنبياء بعثوا إلى الناس كافة، وفيهم العالم والجاهل والذكي والبليد، وكان من المعاني الحكم الدقيقة التي لا يمكن التعبير عنها بعبارة تكشف عن حقيقتها، فجعل فهم هذا من حظ الخاصة، وأمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله والوقوف عند فهم المحكم؛ ليكون لكل نصيبه على قدر استعداده فإطلاق كلمة الله، وروح الله على عيسى يفهم منه الخاصة ما لا يفهمه العامة، ومن ثم فُتن النصارى بمثل هذا التعبير؛ إذ لم يقفوا عند حد المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله أم أو ولد بمثل ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾. ومنها: أن القرآن نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم وكلامهم على ضربين: الأول: الموجز الذي لا يخفى على سامع وهذا هو الضرب الأول. والثاني: المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات، وهذا الضرب هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على الضربين ليتحقق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم. ولو نزل كله محكمًا لقالوا؛ هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا. والرابع منها: اختلف في الوقف في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فذهب الجمهور إلى أن الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للاستئناف، وهو قول أبي بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير وغيرهم، ويؤيد هذا القول قراءة أبي وابن عباس فيما رواه طاووس عنه شذوذًا: ﴿إلا الله

стр. 1617

ويقول الراسخون في العلم آمنا به﴾، وقراءة عبد الله: (ابتغاء تأويله إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون) وهي شاذة ومعناه: إن الله استأثر بعلمه تأويل المتشابه وحينئذٍ فحال الراسخين التصديق به. وجرى قوم على أن ﴿الراسخون﴾ معطوف على ﴿اللَّهُ﴾، ويقولون حال من الراسخون، فالوقف حينئذٍ على أولو الألباب؛ لتعلق ما قبل ذلك بعضه ببعض، وروي هذا القول: عن ابن عباس أيضًا ومجاهد والربيع بن أنس وغيرهم، والمعنى: إن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم، فالمراد ما للفكر والنظر فيه مجال. قال البغوي: والقول الأول أقيس بالعربية وأشبه بظاهر الآية، وقال الفخر الرازي: في الثاني لو كان الراسخون في العلم عالمين بتأويله .. لما كان لتخصيصهم بالإيمان وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلائل .. صار الإيمان كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به بخصوصه مزيد مدح. الإعراب ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾. اعلم أن فواتح السور إن جعلت مسرودة على نمط التعديد .. فلا محل لها من الإعراب، وإن جعلت أسماء للسور .. فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة قبلها، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام؛ كأذكر أو أقرأ أو نحوهما؛ كعليك والزم كما سبق ذلك كله في مبتدأ تفسير هذه السورة، وقد تقدم الكلام في إعرابه أيضًا في أول البقرة فراجعه. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف جوازًا تقديره: موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة في محل الرفع بدل من الضمير المستتر في خبر ﴿لَا﴾ بدل الشيء من الشيء، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: خبران آخران

стр. 1618

للاسم الشريف، أو خبران لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الحي القيوم. وقيل: إنهما صفتان للفظ الجلالة، أو بدلان منه أو من الخبر. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾. ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الجلالة ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية إما مستأنفة، أو خبر آخر للفظ الجلالة ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الكتاب تقديره: ملتبسًا بالحق ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال ثانية من ﴿الْكِتَابَ﴾ مؤكدة؛ لأنه لا يكون إلا مصدقًا، وبهذا قال الجمهور، وجوز بعضهم كونه منتقلة على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره. قال أبو البقاء: وإن شئت جعلته بدلًا من موضع قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وإن شئت جعلته حالًا من الضمير في المجرور. انتهى. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ اللام حرف جر ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر باللام متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾ ﴿بَيْنَ﴾: منصوب على الظرفية الاعتبارية، وهو مضاف. ﴿يدي﴾: مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى نظير: لبيك، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه، والظرف إما صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: الواو عاطفة. ﴿أنزل﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿نزل﴾، ﴿التَّوْرَاةَ﴾: مفعول به ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوف عليه. ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ ﴿هُدًى﴾: حال من ﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، ولم يثنَّ؛ لأنه مصدر كما مر، ولكنه في تأويل المشتق تقديره: حالة كونهما هاديين. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بهدى، أو صفة له. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الإنجيل﴾، ودل على حال للتوراة محذوف؛ كما يدل أحد الخبرين على الآخر. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ الواو عاطفة ﴿أنزل﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿الْفُرْقَانَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿نزل﴾ كالجملة التي قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.

стр. 1619

﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿شَدِيدٌ﴾: صفة له، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة إن مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: الواو استئنافية ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول ﴿ذُو﴾: خبر ثانٍ مرفوع بالواو، وهو مضاف، ﴿انْتِقَامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَخْفَى﴾: فعل مضارع ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿شَيْءٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿شَيْءٌ﴾، أو متعلق بـ ﴿يَخْفَى﴾ ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: الواو عاطفة ﴿لَا﴾: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير لعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾: متعلق بـ ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾، أو حال من ضمير المخاطبين؛ أي: يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ، قاله العُكبَري. ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾: ﴿كَيْفَ﴾: اسم (١) شرط غير جازم لعد دخول: ﴿ما﴾ عليه في محل النصب على الحالية بـ ﴿يَشَاءُ﴾ ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول ﴿يَشَاءُ﴾: محذوف معلوم مما قبله تقديره: كيف يشاء تصويركم، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ فعل شرط ﴿كَيْفَ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط

стр. 1620

معلوم مما قبله تقديره: كيف يشاء تصويركم يصوركم، وجملة ﴿كَيْفَ﴾ مستأنفة، وإن كانت في المعنى متعلقة بما قبلها نظير قولهم: أنت ظالم إن فعلت، التقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم، وعند من يجيز تقديم الجزاء على الشرط الصريح يجعل: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ المتقدم هو الجزاء و ﴿كَيْفَ﴾: منصوب على الحال بالفعل بعده، والمعنى: على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، وقال بعضهم (١): ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ في موضع الحال معمول ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾، ومعنى الحال؛ أي: يصوركم في الأرحام قادرًا على تصويركم مالكًا ذلك، وقيل التقدير: في هذه الحال يصوركم على مشيئته؛ أي: مريدًا، فيكون حالًا من ضمير اسم الله، ذكره أبو البقاء، وجوز أن يكون حالًا من المفعول؛ أي: من كاف المخاطبين؛ أي: يصوركم متقلبين على مشيئته، وقال الحوفي: يجوز أن تكون الجملة في موضع المصدر، المعنى: يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة وكما يشاء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿لَا﴾: نافية ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾: محذوف جوازًا تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾ مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾: في محل الرفع بدل من الضمير المستتر في خبر ﴿لَا﴾ بدل الشيء من الشيء ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ خبران لمبتدأ محذوف، أو بدلان من ﴿هُوَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿آيَاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٌ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿الْكِتَابَ﴾ ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ وخبر مضاف إليه، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿آيَاتٌ﴾ وقال الشيخ السمين: وأخبر بلفظ المفرد - وهو ﴿أم﴾ - عن

стр. 1621

الجمع وهو هن، إما لأن المراد أن كل واحدة منهن ﴿أُمُّ﴾، وإما لأن المجموع بمنزلة أم واحدة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع، وقيل: لأنه بمعنى أصل الكتاب، والأصل يوحد ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: الواو عاطفة ﴿وَأُخَرُ﴾: معطوف على ﴿آيَاتٌ﴾، ولكنه على حذف موصوف تقديره: ومنه آيات أخر ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: صفة لـ ﴿أخر﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ﴿فَأَمَّا﴾ الفاء فاء الفصيحة مبنية على الفتح؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدَّر تقديره: إذا عرفت انقسام، الكتاب إلى نوعين، وأردت بيان أقسام من يتبعه .. فأقول لك ﴿أما﴾: حرف شرط، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع مبتدأ. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم ﴿زَيْغٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الجمع ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها ﴿يتبعون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، والجملة الإسمية جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿مَا تَشَابَهَ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يتبعون﴾. ﴿تَشَابَهَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور حال، من فاعل ﴿تَشَابَهَ﴾ ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول لأجله وهو مضاف ﴿تَأْوِيلِهِ﴾: مضاف إليه ﴿وَابْتِغَاءَ﴾: معطوف على ﴿ابْتِغَاءَ﴾ الأول، وهو مضاف ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ مضاف إليه، تأويل مضاف، والهاء: مضاف إليه. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ﴿وَمَا يَعْلَمُ﴾ الواو حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع ﴿تَأْوِيلَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ فاعل،

стр. 1622

والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: الواو استئنافية ﴿الراسخون﴾: مبتدأ ﴿فِي الْعِلْمِ﴾: متعلق به ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، وإن شئت قلت: الواو عاطفة ﴿الراسخون﴾: معطوف على الجلالة، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ حال من ﴿الراسخون﴾. ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: جار ومجرور ومضافان إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَذَّكَّرُ﴾: فعل مضارع. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فاعل ومضاف إليه مرفوع بالواو، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ مقول محكى لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿لَا تُزِغْ﴾: ﴿لَا﴾: دعائية ﴿تُزِغْ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿قُلُوبَنَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول على كونها جوابًا للنداء. ﴿بَعْدَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تُزِغْ﴾ ﴿إِذْ﴾: حرف زائد بين المضاف والمضاف إليه لا معنى له ﴿هَدَيْتَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿بَعْدَ﴾ ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ الواو عاطفة، ﴿هب﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا تُزِغْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿هب﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾. ﴿مِن﴾ حرف جر، ﴿لدن﴾ ظرف مكان بمعنى: عند في محل الجر بـ ﴿مِن﴾ مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا. ﴿لدن﴾ مضاف، والكاف: مضاف إليه والظرف متعلق بـ ﴿تُزِغْ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول به. ﴿إِنَّكَ﴾: إنَّ حرف نصب، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ﴾: ضم

стр. 1623

فصل أو مؤكد لاسم إن ﴿الْوَهَّابُ﴾: خبر إن، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿إِنَّكَ﴾: حرف نصب واسمها ﴿جَامِعُ النَّاسِ﴾ خبر ﴿إن﴾ ومضاف إليه، وجملة (إن) جواب النداء في محل النصب مقول القول ﴿لِيَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَامِعُ﴾، واللام فيه بمعنى: في ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ﴿لَا﴾ نافية ﴿رَيْبَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لَا﴾ تقديره: لا ريب موجود فيه وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجر صفة لـ ﴿يوم﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها ﴿لَا يُخْلِفُ﴾: ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُخْلِفُ﴾؛ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿الْمِيعَادَ﴾: مفعول به وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ أو مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة واختلف في: عمران الذي سميت به هذه السورة، فقيل المراد به: أبو موسى وهارون، فآله: هم موسى وهارون، وقيل المراد به: أبو مريم فالمراد بآله: مريم وابنها عيسى، ويرجح هذا القول ذكرُ قصتهما إثر ذكره وبين عمران أبي موسى وهارون، وعمران أبي مريم ألف وثمان مئة عام. ﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أم لا لكونهما أعجميين؟ فذهب جماعة إلى الأول، فقالوا: التوراة مشتقة من قولهم: وري الزند يري إذا قدح فخرج منه نار، فلما كانت التوراة فيها ضياء ونور يخرج به من الضلال إلى الهدى كما يخرج بالنار من الظلام إلى النور .. سمي هذا الكتاب بالتوراة. فأصلها (١): وورية فأبدلت الواو

стр. 1624

الأولى تاء وأبدلت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقال الفراء: أصلها تورية على وزن تفعلة كتوصية من وري في كلامه تورية، ثم أبدلت من الكسرة الفتحة، فانقلبت الياء ألفًا كما قالوا في ناصية: ناصاة. ويجوز إمالتها؛ لأن أصل ألفها ياء. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: إفعيل من النجل، وهو التوسعة من قولهم نجلت الإهاب إذا شققته ووسعته، ومنه عين نجلاء، أي: واسعة الشق فسمي الإنجيل بذلك؛ لأنَّ فيه توسعة لم تكن في التوراة؛ إذ حلل فيه أشياء كانت محرمة فيها، والصحيح أنهما ليسا مشتقين بل اسمان عبرانيان، وقرأ الحسن شذوذًا: (الأنجيل) - بفتح الهمزة - ولا يعرف له نظير؛ إذ ليس في الكلام أفعيل إلا أن الحسن ثقة فيجوز أن يكون سمعها. ﴿الْفُرْقَانَ﴾: فعلان من الفرق وهو في الأصل مصدر، فيجوز أن يكون بمعنى الفارق، أو المفروق، ويجوز أن يكون التقدير: ذا الفرقان. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ الانتقام: افتعال من النقمة، وهي السطوة والانتصار، وقيل: هي المعاقبة على الذنب مبالغة في ذلك، ويقال: نقم ونقم إذا أنكر وانتقم إذا عاقبه بسبب ذنب تقدم منه. ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ يقال: صوَّره إذا جعل له صورة، والصورة الهيئة التي يكون عليها الشيء بالتأليف وهو بناء مبالغة من صاره إلى كذا يصوره إذا أماله إليه، فالصورة مائلة إلى هيئة وشبه مخصوص، وقال المروزي: التصوير ابتداء مثال من غير أن يسبقه نظير. و ﴿الأرحام﴾: جمع رحم مشتق من الرحمة؛ لأنه مما يتراحم به. ﴿زَيْغٌ﴾. الزيغ مصدر زاغ يزيغ زيغًا من باب باع، ومعناه: الميل ومنه: زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين. ﴿ابتغاء تأويله﴾ التأويل مصدر أوَّل من باب: فعَّل المضعف، ومعناه آخر

стр. 1625

الشيء ومآله ﴿الراسخون﴾: جمع راسخ اسم فاعل من رسخ - من باب خضع - يرسخ رسوخًا، والرسوخ: الثبوت. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البلاغة والفصاحة أنواعًا كثيرة (١): منها: حسن الإبهام؛ وهو فيما افتتحت به لينبه الفكر إلى النظر فيما بعده من الكلام. ومنها: مجاز التشبيه في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾؛ لأن حقيقة التنزيل طرح جرم من علو إلى أسفل، والقرآن مثبت في اللوح المحفوظ، فلما أثبت في القلب صار بمنزلة جرم ألقي من علو إلى أسفل، فشبِّه به وأُطلق عليه لفظ التنزيل. وعبر أيضًا عن القرآن بالكتاب الذي هو اسم جنس إيذانًا بكمال تفوقه على بقية الكتب السماوية، كأنه الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب. وفي قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ شبَّه القرآن المصدق لما تقدمه من الكتب بالإنسان الذي بين يديه شيء يناله شيئًا فشيئًا. وفي قوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أقام المصدر فيه مقام اسم الفاعل، فجعل التوراة كالرجل الذي يوري عنك أمرًا؛ أي: يستره لما فيها من المعاني الغامضة، وشبه الإنجيل لما فيه من اتساع الترغيب والترهيب والمواعظ والخضوع بالعين النبلاء، وجعل ذلك هدى لما فيه من الإرشاد الطريق الذي يهديك إلى المكان الذي ترومه. وفي قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ لأنه شبه الفرقان بالجرم الفارق بين جرمين. وفي قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ شبه أمره بقوله: كن، أو تعلق إرادته بكونه جاء

стр. 1626

على غاية من الأحكام والصنع بمصوِّر يمثِّل شيئًا فيضم جرمًا إلى جرم ويصور منه صورة. وفي قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ شبه القلب المائل عن القصد بالشيء الزائغ عن مكانه، وفي غير ذلك، وقيل: هذه كلها استعارات ولا تشبيه فيها؛ لأنه لم يصرح فيها بذكر أداة التشبيه. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ على تفسير من فسَّره بالزبور، واختص الأربعة دون بقية ما أنزل؛ لأن أصحاب الكتب، إذ ذاك المؤمنون واليهود والنصارى. وفي قوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ خصهما بالذكر؛ لأنهما أكبر مخلوقاته الظاهرة لنا. وفي قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ اختصهم بخصوصية الرسوخ في العلم بهم وفي قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ لأن العقلاء لهم خصوصية التمييز والنظر والاعتبار وفي قوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ اختص القلوب؛ لأن بها صلاح الجسد وفساده وليس كذلك بقية الأعضاء؛ ولأنها محل الإيمان، إلى غير ذلك ومنها الالتفات في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. والله أعلم * * *

стр. 1627

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾. المناسبة لما حكى الله تعالى عن المؤمنين دعاءهم أن يثبتهم الله على الإيمان .. حكى عن الكافرين سبب كفرهم وهو: اغترارهم في هذه الحياة الدنيا بكثرة المال والبنين، وبين أنها لن تدفع عنهم عذاب الله كما لم تغنِ عنهم شيئًا في الدنيا. وضرب على ذلك الأمثال بغزوة بدر حيث التقى فيها جند الرحمن بجند الشيطان، وكانت النتيجة اندحار الكافرين مع كثرتهم وانتصار المؤمنين مع قلتهم، فلم تنفعهم الأموال ولا الأولاد، ثم أعقب تعالى ذلك بذكر شهوات الدنيا، ومُتع الحياة التي يتنافس الناس فيها، ثم ختمها بالتذكير بأن ما عند الله خير للأبرار. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ...﴾ سبب نزوله (١): ما روى

стр. 1628

أبو داود في "سننه" والبيهقي في "الدلائل" من طريق أبي إسحاق عن محمَّد ابن أبي محمَّد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما أصاب قريشًا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال لهم: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشًا فقد عرفتم أني نبي مرسل، فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال - يعني: جهالًا لا علم لهم بالحرب - إنك والله لو قاتلتنا .. لعرفت أنا نحن الرجال، وأنك لم تلقَ مثلنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. وأخرج ابن جرير (١) عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قال هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذٍ ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، وكان المشركون مثليهم ست مئة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين. التفسير وأوجه القراءة ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا ما قد عرفوه من نبوة محمَّد ﷺ سواء كانوا من بني إسرائيل، أم من كفار العرب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لن تدفع عنهم ولن تنجيهم، ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ الذين يتناصرون ويتفاخرون بهم في مهام أمورهم ويعولون عليهم في الخطوب النازلة ﴿مِنَ﴾ عذاب ﴿اللَّهِ شَيْئًا﴾ وقد كانوا يقولون نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الكفرة ﴿هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾؛ أي: حطب النار الذي تسجر

стр. 1629

وتسعر به؛ أي: سيكونون يوم القيامة حطبًا لجهنم التي تُسعَّر بهم. وقيل: المراد بهؤلاء الكفرة: وفد نجران، وذلك لأن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه كرز: إني لأعلم أن محمدًا رسول الله حقًّا، وهو النبي الذي كنا ننتظره، ولكني إن أظهرت إيماني بمحمد أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال الكثير والجاه، فالله تعالى بين أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة. وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿لن يغني﴾ بالياء على تذكير العلامة، وقرأ علي: (لن تغني) بسكون الياء، وقرأ الحسن ﴿لن يغني﴾ بالياء أولًا وبالياء الساكنة آخرًا وذلك لاستثقال الحركة في حرف اللين، وإجراء المنصوب مجرى المرفوع، وبعض النحويين يخص هذا بالضرورة وينبغي أن لا يخص بها إذ كثر ذلك في كلامهم وكل هذه القراءة شاذ عدا قراءة الجمهور ﴿تغنيَ﴾. وقرأ الجمهور: ﴿وَقُودُ﴾ بفتح الواو بمعنى: الحطب الذي توقد به النار، وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف شذوذًا: ﴿وُقُود﴾ بضم الواو وهو مصدر: وقدت النار تقد وقودًا، ويكون على حذف مضاف؛ أي: أهل وقود النار أو حطب وقود النار، أو جعلهم نفس الحطب مبالغة، وقد قيل في المصدر أيضًا: وَقود بفتح الواو، وهو من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الواو فيحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي: هم أهل وقود النار. ولما ذكر أن من كفر وكذب بالله، مآله إلى النار، ولن يغني عنه ماله ولا ولده .. ذكر أن شأن هؤلاء في تكذيبهم لرسول الله ﷺ وترتب العذاب على كفرهم كشأن من تقدم من كفار الأمم الماضية وأخذوا بذنوبهم وعذبوا عليها، ونبه على آل فرعون؛ لأن الكلام مع بني إسرائيل، وهم يعرفون ما جرى لهم حين كذبوا بموسى من إغراقهم وتصييرهم آخرًا إلى النار وظهور بني إسرائيل عليهم وتوريثهم أماكن ملكهم، ففي هذا كله بشارة لرسول الله ﷺ ولمن ١١ - آمن به: أن الكفار مآلهم في الدنيا إلى الاستئصال، وفي الآخرة إلى النار، كما جرى لآل فرعون؛ أُهلكوا في الدنيا وصاروا إلى النار، فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ

стр. 1630

فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: شأن هؤلاء الكفرة في تكذيبهم محمدًا ﷺ وكفرهم بشريعته وصنيعهم وعادتهم، كدأب آل فرعون، أي: كشأن فرعون وقومه وعادتهم في تكذيبهم موسى وشريعته ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: وكدأب الأمم الذين من قبل قوم فرعون من كفار الأمم الماضية في تكذيبهم أنبياءهم كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم وغيرهم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: قد كذب آل فرعون ومن قبلهم بآياتنا ومعجزاتنا الدالة على صدق رسلنا وأنكروها، ومتى كذبوا بها. فقد كذبوا الأنبياء بلا شك ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: عاقب الله آل فرعون ومن قبلهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: أهلكهم بتكذيبهم المعجزات الدالة على صدق الرسل، وإنكارها، ونَصَر الرسل ومن آمن معهم ولم يجدوا من بأس الله محيصًا ولا مهربًا؛ إذ عقابه أثر طبيعي لاجتراح الذنوب وارتكاب الموبقات. وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾؛ إلى آخرها تفسير لدأبهم مما فعلوا أو فعل بهم. وإنما استعمل الأخذ في العقاب؛ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأسور المأخوذ الذي لا يقدر على التخلص ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: أليم العذاب شديد البطش، والغرض من الآية أن كفار قريش كفروا كما كفر أولئك المعاندون من آل فرعون ومن سبقهم، فلما لم تنفع أولئك أموالهم ولا أولادهم .. فكذا لن تنفع هؤلاء، وفي هذه الجملة إشارة إلى شدة سطوة الله على من كفر بآياته وكذب ١٢ - بها، ثم تهددهم وتوعدهم بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال: ﴿قُل﴾ يا محمَّد ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ليهود المدينة ومشركي مكة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾؛ أي: يغلبكم المسلمون عن قريب في الدنيا وقد صدق الله تعالى وعده بقتل بني قريظة، فقد قتل منهم النبي ﷺ في يوم واحد ست مئة، جمعهم في سوق بني قينقاع وأمر السياف بضرب أعناقهم، وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها، وبإجلاء بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على أهلها وبالأسر على بعض ولله الحمد. ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تجمعون وتساقون ﴿إلى﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: قبح المهاد والفراش الذي مهدتموه وفرشتموه لأنفسكم، والمخصوص بالذم نار جهنم، ودلت الآية على حصول البعث في يوم القيامة والنشر والحشر وعلى أن مرد الكافرين النار.

стр. 1631

وقرأ حمزة والكسائي وخلف (١): ﴿سيغلبون ويحشرون﴾ بالياء على الغيبة. وقرأ باقي السبعة: بالتاء خطابًا؛ أي: قل لهم في خطابك إياهم ستغلبون وتحشرون. فتكون الجملتان مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾، وعلى قراءة الياء لا تكون الجملة محكية بـ ﴿قُلْ﴾ بل محكية بقول آخر تقديره: قل لهم قولي: سيغلبون وإخباري أنه يقع عليهم الغلبة والهزيمة. والفرق بينهما (٢): أنه على الخطاب يكون الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، ١٣ - وعلى الغيبة يكون بلفظه. ثم حذرهم وأنذرهم بأن لا يغتروا بكثرة العَدَد والعُدَّة فلهم مما يشاهدون عبرة فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. وهذه الجملة جواب قسم محذوف، وهي من تمام القول المأمور به لتقدير مضمون ما قبله، ولم يقل: كانت؛ لأن التأنيث غير حقيقي، وقال الفراء: إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه وبين الاسم بقوله: لكم، وقال ابن جرير: الخطاب فيه لليهود والمعنى: قل يا محمَّد لليهود: واللهِ لقد كانت وحصلت لكم علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم من أنكم ستغلبون ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾؛ أي في فرقتين اجتمعتا يوم بدر للقتال ﴿فِئَةٌ﴾؛ أي: فرقة منهما ﴿تُقَاتِلُ﴾ وتجاهد ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله؛ لإعلاء كلمته، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، سبعة وسبعون رجلًا من المهاجرين، ومئتان وستة وثلاثون رجلًا من الأنصار، وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيرًا بين كل أربعة منهم بعير واحد ومن الخيل فرسان للمقداد بن عمرو ولمرثد بن أبي مرثد، وكان معهم من السلاح ستة دروع وثمانية سيوف. وقراءة العامة: ﴿فِئَةٌ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداهما. وقرأ الحسن ومجاهد وحميد شذوذًا: ﴿فئةٍ﴾ بالجر على البدلية من فئتين. وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا أيضًا: ﴿فئة﴾ بالنصب، فيكون نصب الأولى على المدح، والثاني على الذم، وكأنه قال: أمدح فئة تقاتل

стр. 1632

في سبيل الله، وأذم أخرى كافرة. وقرأ الجمهور: ﴿تُقَاتِلُ﴾ بالتاء على تأنيث الفئة، وقرأ مجاهد ومقاتل شذوذًا: ﴿يقاتل﴾ بالياء على التذكير نظرًا لكون الفئة بمعنى القوم ﴿و﴾ فرقة ﴿أخرى كافرة﴾ كافرة بالله ورسوله وهم مشركوا مكة، وكانوا تسع مئة وخمسين رجلًا من المقاتلة، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وكان رئيسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان فيهم مئة فرس، وكانت معهم من الإبل سبع مئة وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وكان في الرجال دروع سوى ذلك، وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول الله ﷺ بعد الهجرة ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾؛ أي: يرى المشركون المؤمنين بعد ما شرعوا في القتال ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: مثلي عدد المشركين قريبًا من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفًا وعشرين ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؛ أي: في رأي العين؛ أي: رؤية ظاهرة محققة بالعين لا بالوهم والخيال، وذلك أنه تعالى كَثَّر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا ويجبنوا عن قتالهم ولا يعارض هذا ما قال في سورة الأنفال: ﴿ويقللكم في أعينهم﴾؛ لأنهم قللوا أولًا في أعينهم حتى اجترؤوا على قتالهم، فلما اجتمعوا. كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المجمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى لها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. وهذا (١) على قراءة الجمهور بالياء التحتانية، وقرأ نافع وأبان عن عاصم من السبعة وسهل ويعقوب ﴿ترونهم﴾ بالتاء على الخطاب، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة، ومع ذلك غلبهم المؤمنون مع قلتهم جدًّا، فيكون هذا أبلغ في إكرام المؤمنين وعناية الله بهم، وقرأ ابن عباس وطلحة ﴿تُرَونهم﴾ بضم التاء على الخطاب، وقرأ السلمي: بضم الباء على الغيبة.

стр. 1633

﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ ويقوي ﴿بِنَصْرِهِ﴾ وعونه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويريد نصره على عدوه ولو بدون الأسباب العادية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ النصر لمحمد ﷺ وأصحابه يوم بدر مع قلتهم عَدَدًا وعُدَدًا أو رؤية القليل كثيرًا، أو في غلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظيمة؛ أي: لعظة عظيمة ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة والأفكار السليمة المستقيمة والمعنى: إن في هذا النصر مع قلة عددهم وكثرة عدوهم عظةٌ لمن عقل وتدبر فعرف الحق وثلج قلبه ببرد اليقين. ووجه (١) نظم هذه الآية أن الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ نزلت في شأن اليهود وأن رسول الله ﷺ لما دعاهم إلى الإِسلام .. أظهروا التمرد، وقالوا: لسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال، بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا، فالله تعالى قال لهم: إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدد والعدة .. فإنكم ستغلبون، ثم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك القول فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾. ١٤ - وروي أنه ﷺ لما دعا اليهود إلى الإِسلام بعد غزوة بدر .. أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبين الله تعالى أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة، وأن الآخرة خير وأبقى، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: حسن لجنس الناس والآدميين. قرأ الجمهور: ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للمفعول. وقرأ الضحاك: ﴿زَيَّنَ﴾ بالبناء للفاعل، والشهوات: جمع شهوة وهو توقان النفس إلى الشيء المشتهى، وهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول؛ أي: حسن لهم حب المشتهيات المذكورة، سماها شهوات مبالغة وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾، والمزيِّن لها هو الله تعالى عند أهل السنّة لا الشيطان كما قالت المعتزلة؛ لأنه

стр. 1634

تعالى خالق كل شيء ولا شريك له في ملكه، ولعله زينه ابتلاءً، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع الإنساني. وتزيين الله: عبارة عن جعل القلوب متعلقة بها مائلة إليها، وتزيين الشيطان ووسوسته وتحسينه الميل إليها حالة كون تلك المشتهيات ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾، والإماء داخلة فيها وإنما بدأ بذكر النساء؛ لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان ﴿و﴾ من ﴿البنين﴾: جمع ابن، وإنما خص البنين بالذكر؛ لأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى؛ لأنه يتكثر به ويعضده، ويقوم مقامه، وقد جعل الله تعالى في قلب الإنسان حب الزوجة والولد لحكمة بالغة، وهي بقاء التوالد. ولولا تلك المحبة لما حصل ذلك ﴿و﴾ من ﴿القناطير﴾؛ أي: ومن الأموال الكثيرة والكنوز الوفيرة ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾؛ أي: المجموعة أو المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير، وإنما كانا محبوبين؛ لأنهما جعلا ثمن جمع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وقوله: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ بيان للقناطير، أو حال منه، والواو فيه بمعنى: أو المانعة الخلو فتجوز الجمع. قيل: سُمي الذهب ذهبًا؛ لسرعة ذهابه بالإنفاق، والفضة فضة لأنها تنفض؛ أي: تتفرق بالإنفاق، والفض: التفرق ﴿و﴾ من ﴿الخيل المسومة﴾؛ أي: المرعية في المروج والمسارح، يقال: سامت الدابة إذا سرحت ورعت، والمقصود أنها إذا رعت زاد حسنها، أو المعلمة بعلامة خلقية بأن تكون غرًّا محجلة، أو بعلامة طارئة لتتميز عن غيرها كالكي، وقيل: الحسان المعدة للجهاد ﴿و﴾ من ﴿الأنعام﴾ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم؛ لأن منها المركب والمطعم والزينة ﴿و﴾ من ﴿الحرث﴾؛ أي: ومن المزروع والمغروس وهو مصدر بمعنى: المحروث الشامل للمغروس؛ لأن فيه تحصيل أقواتهم ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأصناف السابقة ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: ما يتمتع ويتنعم به مدة الحياة الدنيا، ثم يذهب ولا يبقى ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾؛ أي: المآب الحسن؛ أي؛ المرجع الحسن الدائم الذي لا يفنى في الآخرة وهو الجنة، لمن ترك ذلك. وفيه تزهيد من الدنيا وترغيب في الآخرة، وقيل: فيه إشارة إلى

стр. 1635

أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما يكون فيه صلاحه في الآخرة؛ لأنها السعادة القصوى. إيضاح معنى الآية: معنى تزيين حب الشهوات للناس: أن حبها مستحسن لديهم، لا يرون فيه قبحًا ولا غضاضة، ومن ثمَّ لا يكادون يرجعون عنه، وهذا أقصى مراتب الحب، وصاحبه قلما يفطن لقبحه أو ضرره إن كان قبيحًا أو ضارًّا، ولا يحب أن يرجع عنه وإن تأذى به وقد يحب الإنسان شيئًا وهو يراه شيئًا لا زينًا، وضارًّا لا نافعًا، كما يحب بعض الناس شرب الدخان على تأذيه منه، ومن أحب شيئًا ولم يزين له يوشك أن يرجع عنه يومًا ما، ومن زين له حبه فلا يكاد يرجع عنه. والمعنى: أن الله تعالى فطر الناس على حب هذه الشهوات الستة المبينة في الآية وغيرها كآلات الملاهي: فأولها: النساء: وهي موضع الرغبة ومطمح الأنظار، وإليهن تسكن النفوس، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ الآية، وعليهن ينفق أكثر ما يكسب الرجال بكدهم وجدهم، فهم القوامون عليهن لقوتهم وقدرتهم على حمايتهن، فإسرافهم في حبهن له الأثر العظيم في شؤون الأمة وفي إضاعة الحقوق أو حفظها. وقدم حب النساء على حب الأولاد مع أن حبهن قد يزول وحب الأولاد لا يزول؛ لأن حب الولد لا يعظم فيه الغلو والإسراف كحب المرأة، فكم من رجل جنى حبه للمرأة على أولاده، فكثير ممن تزوجوا فوق الواحدة أفرطو في حب واحدة وقلوا أخرى وأهملوا تربية أولاد المبغوضة وحرموهم سعة الرزق، وقد وسعوه على أولاد المحبوبة. وكم من غني عزيز يعيش أولاده عيشة الذل والفقر، وليس لهذا من سبب إلا حب والدهم لغير أمهم، فهو يفعل ذلك للتقرب عندها وابتغاء الزلفى إليها. وثانيها: البنون: والمراد بهم الأولاد مطلقًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ

стр. 1636

وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وفي الحديث: "الولد مجبنة مبخلة". والعلة في حب الزوجة والولد واحدة: وهي تسلسل النسل وبقاء النوع، وهي حكمة مطردة في غير الإنسان من الحيوانات الأخرى. وحب البنين أقوى من حب البنات لأسباب كثيرة: ومنها: أنهم عمود النسب الذي به تتصل سلسلة النسل، وبه يبقى ما يحرص عليه الإنسان من بقاء الذكر وحسن الأحدوثة بين الناس. ومنها: أمل الوالد في كفالتهم له حين الحاجة إليهم لضعف أو كبر. ومنها؛ أنه يرجي بهم من الشرف ما لا يرجي الإناث كنبوغ في علم أو عمل أو رياسة أو قيادة جيش للدفاع عن الوطن وحفظ كيان الأمة. ومنها: الشعور بأن الأنثى حين الكبر تنفصل من عشيرتها، وتتصل بعشيرة أخرى. وثالثها: القناطير المقنطرة من الذهب والفضة: والعرب تريد بالقنطار المال الكثير والمقنطرة مأخوذة منه على سبيل التوكيد، وقد جرت عادتهم بأن يصفوا الشيء بما يشتق منه مبالغة، كما قالوا: ألوف مؤلفة، وظل ظليل، وليل أليل وهذا التعبير يشعر بالكثرة التي تكون مظنة الافتتان، والتي تشغل القلب للتمتع بها وتستغرق في تدبيرها الوقت الكثير حتى لا يبقى بعد ذلك منفذ للشعور بالحاجة إلى نصرة الحق والاستعداد لأعمال الآخرة. ومن ثمَّ كان الأغنياء في كل الأمم لدى بعثة الرسل أول الكافرين المستكبرين عن تلبية دعوتهم وإن أجابوها وآمنوا .. فهم أقل الناس عملًا وأكثرهم بعدًا عن هدي الدين انظر إلى قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾. وحب المال مما أودع في غرائز البشر واختلط بلحمهم ودمهم، وسر هذا: أنه وسيلة إلى جلب الرغائب وسبيل إلى نيل اللذات والشهوات، ورغبات الإنسان

стр. 1637

غير محدودة، ولذاته لا عد لها ولا حصر، وكلما حصل على لذة طلب المزيد منها، وما وصل إلى غاية في جمع المال إلا تاقت نفسه إلى ما فوقها حتى يبلغ به النهم في جمعه أن ينسى أن المال وسيلة لا مقصد، فيتفنن في الوصول إليه الفنون المختلفة والطرق التي تعن له، ولا يبالي أمن حلال كسب أم من حرام؟ روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قوله ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب .. لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" ولقد أعمَّتْ فتنة المال كثيرًا من الناس، فشغلتهم عن حقوق الله وحقوق الأمة والوطن، بل عن حقوق من يعاملهم، بل عن حقوق بيوتهم وعيالهم، بل عن أنفسهم، ومنهم من يقصر في النفقة على نفسه وعياله بالقدر الذي يزري بمروءته، فيظهر بمظهر المسترذل بين الناس في مأكله ومشربه وملبسه، ومنهم من يثلم بشرفه ويفتح ثغره للطاعنين والقائلين فيه بالحق وبالباطل؛ لأجل المال ومن ثم قالوا: المال ميّال. ورابعها: ﴿الخيل المسومة﴾ التي ترعى في الأودية يقال: سام الدابة: رعاها وأسامها أخرجها إلى المرعى وكل من الخيل الراعية التي تقتنى للتجارة والمعلمة التي يقتنيها العظماء والأغنياء، من المتاع الذي يتنافس فيه الناس ويتفاخرون حتى لقد يتغالى بعضهم في ذلك إلى حد هو أشبه بالجنون. وخامسها: ﴿الأنعام﴾: وهي مال أهل البادية، ومنها تكون ثروتهم ومعايشهم ومرافقهم، وبها تفاخرهم وتكاثرهم، وقد امتن الله بها على عباده بقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وسادسها: ﴿الحرث﴾ وعليه قوام حياة الإنسان والحيوان في البدو والحضر والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الأنواع السالفة، والانتفاع به أتم منها، لكنه أخر عنها لأنه لما عم الارتفاق به .. كانت زينته في القلوب أقلَّ، وقلما يكون الانتفاع به صادرًا عن الاستعداد لأعمال الآخرة، أو مانعًا من نصرة الحق. وهناك ما هو أعم نفعًا وأعظم فائدة في الحياة وهو: الضوء والهواء، فلا

стр. 1638

يستغني عنهما حي من الأحياء، ومع ذلك قلما يلتفت الإنسان إليهما، ولا يفكر في غبطته بهما. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: هذا الذي ذكر من الأصناف الستة المتقدمة هو ما يتمتع به الناس قليلًا في هذه الحياة الفانية، ويجعلونه وسيلة في معايشهم وسببًا لقضاء شهواتهم، وقد زين لهم حبها في عاجل دنياهم. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ في الحياة الآخرة التي تكون بعد موتهم وبعثهم، فلا ينبغي لهم أن يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لخير الآجل، وفي هذه الجملة دلالة على أنه ليس فيما عدد عاقبة محمودة، فعلى المؤمن أن لا يفتن بهذه الشهوات ويجعلها أكبر همه، والشغل الشاغل له عن آخرته، فإذا استمتع بها بالقصد والاعتدال، ووقف عند حدود الله .. سَعِد في الدارين، ووفق لخير الحياتين كما قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ١٥ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد للكفار أو للناس عامة، وهو أمر للنبي ﷺ بتفصيل ما أجمل أولًا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾؛ أي: هل أخبركم أيها الناس بشيء أفضل من ذلكم المذكور من النساء والبنين إلى آخره. وجيء بالكلام على صورة الاستفهام التشبيثي لتوجيه النفوس إلى الجواب، وتشويقها إليه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿أأنبئكم﴾ - بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية -. والباقون: بالتحقيق فيهما، مع زيادة مد بينهما لبعضهم، وبدون زيادة لبعض آخر فالقراءات ثلاث، وليس في القرآن همزة مضمومة بعد مفتوحة إلا ما هنا، وما في ص: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾، وما في اقتربت: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾. وقوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾ يشعر بأن تلك الشهوات خير في ذاتها، ولا شك في ذلك؛ إذ هي من أجل النعم التي أنعم الله بها على الناس، وإنما يعرض الشر فيها كما يعرض في سائر نعم الله على عباده كالحواس والعقول وغيرها، فما مثل المسرف في حب النساء حتى يعطي امرأته حق غيرها، أو يهمل لأجلها تربية أولاده .. إلا مثل من يستعمل عقله في استنباط الحيل ليبتز

стр. 1639

حقوق الناس ويؤذيهم فسلوك الناس في الانتفاع بالنعم لا يدل على أنها هي في ذاتها شرٌّ، ولا كون حبها شرًّا مع القصد والاعتدال والوقوف عند حدود الشريعة. ثم أجاب عن هذا الاستفهام على نظير قولك: هل أدلك على تاجر عظيم في السوق يصدق في المعاملة، ويرخص السعر، ويفي بالوعد هو: فلان، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ هذه الجملة مستأنفة لبيان ما هو خير؛ أي: للذين اجتنبوا الشرك والمعاصي والشهوات النفسانية، وتبتلوا إلى طاعة الله، وأعرضوا عما سواها .. فلا تشغلهم الزينة عن طاعة الله تعالى، بساتينُ مؤبدة، وحدائق منضدة حالة كونها مدخرة لهم عند ربهم. وقرأ يعقوب: ﴿جناتٍ﴾ بالجر بدلًا من قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: تسيل وتطرد من تحت أشجارها ومساكنها أنهار الخمر والعسل واللبن والماء حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ﴿و﴾ لهم فيها ﴿أزواج مطهرة﴾؛ أي: زوجات منظفة مهذبة من الحيض والنفاس والبصاق والمني وتشويه الخلقة وسوء العشرة والأخلاق الذميمة وسائر ما يستقذر لا يغوطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن ولا يعتريهن ما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ولهم فيها رضا ربهم أكبر ما فيهم، فيه من النعيم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". متفق عليه. وقيل: إن العبد إذا علم أن الله تعالى قد رضي عنه .. كان أتم لسروره وأعظم لفرحه. وجاء في معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ

стр. 1640

أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ الآية. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن: ﴿رُضوان﴾ بضم الراء ما عدا الثاني في سورة المائدة وهو قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ففيه عنه خلاف. وقرأ باقي السبعة: بالكسر، وهما لغتان. وخلاصة المعنى: أن للذين اتقوا وأخبتوا إلى ربهم، وأنابوا إليه نوعين من الجزاء: أحدهما: جسماني: وهو الجنات وما فيها من النعيم والخيرات والأزواج المبرأة من العيوب التي في نساء الدنيا خَلْقًا وخُلُقًا. وثانيهما: روحاني عقلي: وهو رضوان الله الذي لا يشوبه سخط، ولا يعقبه غضب، وهو أعظم اللذات كلها في الآخرة عند المتقين. وفي الآية إيماء إلى أن أهل الجنة مراتب وطبقات، كما نرى ذلك في الدنيا، فمنهم من لا يفقه لرضوان الله معنى، ولا يكون ذلك باعثًا له على فعل الخير وترك الشر، وإنما يفقه اللذات الحسية التي جربها في الدنيا ففي مثلها يرغب. ومنهم من ارتقى إدراكه وعظم قربه من ربه، فيتمنى رضاه، ويجعله الغاية القصوى والسعادة التي ليس وراءها سعادة. وقد نبه بهذه الآية على نعمه، فأدناها متاع الدنيا، وأعلاها رضوان الله تعالى؛ لقوله : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وأوسطها الجنة ونعيمها. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: بصير بأعمالهم مطلع عليها عالم بمن يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا، فيجازي كلًّا بعمله، فيثيب ويعاقب على قدر

стр. 1641

الأعمال، فلا تخفى عليه خافية من أمرهم، وهو المجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر. وقد ختم هذه الآية بتلك الجملة؛ ليحاسب الإنسانُ نفسه على التقوى، فليس كل من ادعاها لنفسه أو تحرك بها لسانه يعد متقيًا، وإنما ١٦ - المتقي من يعلم منه ربه التقوى، ولما ذكر الله أن الجنة للمتقين .. ذكر شيئًا من صفاتهم فبدأ بالإيمان الذي هو رأس التقوى وأساسه فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يقولون في الدنيا ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ وصدقنا بك وبرسولك إجابةً لدعوتك ﴿فَاغْفِرْ﴾ اللهم ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ واسترها وتجاوز عنا بعفوك عنها وترك العقوبة عليها ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ أي: وادفع عنا عذاب النار بفضلك وكرمك إنك أنت الغفور الرحيم، وقد خصوا هذا العذاب بالمسألة؛ لأن من زحزح عن النار ١٧ - يومئذٍ .. فقد فاز بالنجاة وحسن المآب، ثم ذكر من أوصافهم ما امتازوا به عن غيرهم، وبه استحقوا المثوبة عند ربهم فقال: أمدح ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على تكاليف امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وفي البأساء والضراء وحين البأس ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾؛ أي: المطيعين لربهم المواظبين على العبادات وقيل هم المصلون. ﴿المنفقين﴾؛ أي: الباذلين أموالهم في وجوه الخير، ويدخل فيه نفقة الرجل على نفسه وعلى أهله وأقاربه وصلة رحمه، والزكاة والنفقة في جميع القربات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؛ أي: الطالبين من ربهم مغفرة الذنوب في أواخر الليل؛ لأنها وقت إجابة الدعاء، ووقت الخلوة والفراغ. قال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديكُ أكيس منك ينادي بالأسحار، وقيل: المصلين التهجد: في آخر الليل، وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم، ويشق فيه القيام، وتكون النفس فيه أصفى، والقلب أفرغ من الشواغل. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: مَنْ يدعوني .. فأستجيب له، مَنْ يسألني .. فأعطيه، مَنْ يستغفرني .. فأغفر له" متفق

стр. 1642

عليه. وفي لفظ مسلم: "فيقول: أنا الملك أنا الملك مَنْ ذا الذي يدعوني ... " الحديث، وله في رواية أخرى: "فيقول: هل من سائل فيُعطى، هل من داعٍ فيستجابَ له، هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح". وهذا الحديث من أحاديث الصفات، فمذهب السلف فيه الإيمان به وإجراؤه على ظاهره ونفي الكيفية عنه، وهو الأسلم الأعلم، وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم .. أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم. وخلاصة الكلام: أن المتقين هم الذين جمعوا هذه الصفات المذكورة التي لكل منها درجة في الفضل وشرف ورفعة، وبها نالوا هذا الوعد وهي خمسة: إحداها: الصبر، وأكمل أنواعه: الصبر على أداء الطاعات، وترك المحرمات، فإذا هبت أعاصير الشهوات، وجمحت بالنفس إلى ارتكاب المعاصي، فلا سبيل لردعها إلا بالصبر، فهو الذي يثبت الإيمان ويقف بها عند حدود الشرع، وهو الحافظ لشرف الإنسان في الدنيا عند المكاره، ولحقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع، وهو كالشرط في كل ما يذكر بعده من الصدق والقنوت والاستغفار بالأسحار. ثانيتها: الصدق، وهو منتهى الكمال، وحسبك في بيان فضيلته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾. وثالثتها: القنوت، وهو المداومة على الطاعة والإخبات إلى الله مع الخشوع والخضوع وهو لبُّ العبادة وروحها وبدونه تكون العبادة جسمًا بلا روح وشجرة بلا ثمرة. ورابعتها: الإنفاق للمال في جميع السبل التي حث عليها الدين سواء أكانت النفقة واجبة أم مستحبة فالإنفاق في وجوه الخير جميعًا مما حث عليه الشارع وندب إليه.

стр. 1643

وخامستها: الاستغفار بالأسحار؛ أي: التهجد في آخر الليل، وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم ويشق القيام وتكون النفس فيه أصفى والقلب فارغًا والاستغفار المطلوب: هو ما يقرن بالتوبة النصوح والعلم على ميزان الشرع، ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإدمان على فعل المنكر، فإن المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزىء بربه، ولا يغتر بمثل هذا الاستغفار إلا جاهل بدينه أو غر في معاملته لربه، ومن ثمَّ أثر عن بعضهم قوله: إنَّ استغفارنا يحتاج إلى استغفار. الإعراب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب اسمها ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿لَن﴾: حرف نصب ونفي. ﴿تُغْنِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَن﴾ ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ معطوف على ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من شيئًا؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ الواو استئنافية أو عاطفة. ﴿أولئك﴾): مبتدأ أول ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، أو ضمير فصل، ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة مقررة لعدم الإغناء، أو معطوفة على خبر (أن) وعلى كلا الاحتمالين ففيها تعيين للعذاب الذي بين أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئًا، ذكره أبو السعود. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿كَدَأْبِ آلِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، آل مضاف، ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: دأبهم كدأب

стр. 1644

آل فرعون، والجملة مستأنفة ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل الجر معطوف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، والجملة الفعلية جملة مفسِّرة لـ (دأب آل فرعون)، أو في محل النصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ولكنه على تقدير: قد، ويحتمل كون ﴿الذين من قبلهم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ الفاء عاطفة سببية (أخذهم الله): فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾ ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ (أخذهم). ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة مفيدة لتعليل ما قبلها، والإضافة فيه من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها والأصل: والله شديد عقابه. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جار ومجرور وصلة الموصول متعلق بـ ﴿قُل﴾ ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُل﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾: فعل مغير الصيغة، ونائب فاعله، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ جملة فعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: ﴿إِلَى﴾: حرف جر ﴿جَهَنَّمَ﴾: مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث المعنوي؛ لأنه بمعنى: الطبقة، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿تحشرون﴾. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: الواو عاطفة، أو استئنافية. ﴿بئس﴾: فعل ماضٍ، وهو من أفعال الذم ﴿الْمِهَادُ﴾: فاعل، والجملة في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف هو المخصوص بالذم تقديره: بئس المهاد جهنم، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾، أو جملة مستأنفة. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾.

стр. 1645

﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، أو تام ﴿آيَةٌ﴾ اسمها مؤخر، أو فاعل ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبرها مقدم على اسمها أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾. ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: في قصة فئتين، أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾، والتقدير على كونها ناقصة: قد كانت آية حاصلة في قصة فئتين كائنة لكم، وعلى كونها تامة: قد كان وحصل لكم في فئتين آية دالة على صدق ما أقول لكم من قول: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ من اسمها وخبرها، أو من الفعل والفاعل: جواب لقسم محذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، والتقدير: قل لهم يا محمَّد: واللهِ قد كان لكم آية في فئتين ... إلى آخر الآية. ﴿الْتَقَتَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿فِئَتَيْنِ﴾ تقديره: فئتين ملتقيتين. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. ﴿فِئَةٌ﴾: مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل، ﴿تُقَاتِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِئَةٌ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُقَاتِلُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: فئة مقاتلة في سبيل الله، والجملة الإسمية في محل الجر بدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾ بدل تفصيل من مُجمل، وأما على قراءة الجر فبدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، وعلى قراءة النصب فمنصوب على المدح بفعل محذوف. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: الواو عاطفة ﴿أخرى﴾: مبتدأ، ولكنه على حذف موصوف تقديره: وفئة أخرى. ﴿كَافِرَةٌ﴾: خبره، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على كونها بدلًا من ﴿فِئَتَيْنِ﴾. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾: حال من مفعول (يرون) منصوب بالياء، والضمير مضاف إليه، ولكنه على تأويله بمشتق

стр. 1646

تقديره: حالة كون الفرقة المسلمة مماثلين للفرقة الكافرة، وجملة (يرون) (١) من الفعل والفاعل خبر ثانٍ لقوله: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ أو صفة له، أو نعت لقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذه الاحتمالات على قراءة الياء التحتية، وأما على قراءة التاء الفوقية، فتكون الجملة مستقلة ومستأنفة راجعة لقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾، وأيًّا ما كان. فالقصد من هذا الوصف تقرير الآية التي في الفئتين وفي التقائهما واجتماعهما. تأملْ ذكره في "الفتوحات الإلهية". ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: مصدر مؤكد لعامله منصوب على المفعولية المطلقة بـ (يرون) و ﴿الْعَيْنِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿يُؤَيِّدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ كَانَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾، ﴿بِنَصْرِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يُؤَيِّدُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: يشاؤه، وهو العائد على ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ مقدم على اسمها. ﴿لَعِبْرَةً﴾ اللام حرف ابتداء، عبرةً: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة ﴿لَعِبْرَةً﴾ تقديره: إن عبرة كائنة لأولي الأبصار لكائنة في ذلك المذكور. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾. ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق

стр. 1647

بـ ﴿زُيِّنَ﴾ ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الشَّهَوَاتِ﴾ ﴿وَالْبَنِينَ﴾: معطوف على ﴿النِّسَاءِ﴾ ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾: معطوف على النساء أيضًا، ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ صفة لـ ﴿قناطير﴾ ﴿مِنَ الذَّهَبِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿القناطير﴾ ﴿وَالْفِضَّةِ﴾: معطوف عليه. ﴿وَالْخَيْلِ﴾: معطوف على ﴿النِّسَاءِ﴾ ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: صفة للخيل ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: معطوف على ﴿النِّسَاءِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالْحَرْثِ﴾: معطوف عليه جريًا على القاعدة المشهورة عند النحاة: أن المعطوفات إذا كثرت، وكان العطف بغير مرتب .. يكون العطف على الأول لا غير. كما ذكرته في "الباكورة الجنية على متن الآجرومية". ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ﴾: خبر ومضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الحياة﴾، والجملة مستأنفة، ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية ﴿الله﴾: مبتدأ أول ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ الثاني تقدير الكلام: والله حسن المآب كائن عنده، والجملة مستأنفة. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإنْ شئت قلتَ: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام التقريري مبنية على الفتح، ولكن ليس (١) المراد هنا بالتقرير: طلب الإقرار والاعتراف من المخاطبين، كما هو معنى الاستفهام التقريري في الأصل، بل المراد به هنا: التحقيق والتثبيت في نفوس المخاطبين؛ أي: تحقيق خيرية ما عند الله وأفضليته على شهوات الدنيا، (أنبئكم): فعل

стр. 1648

مضارع ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿بِخَيْرٍ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿نبأ﴾، ونبأ هنا (١) تعدَّتْ إلى مفعولين: أحدهما: بنفسه، والآخر: بحرف الجر، قاله أبو حيان في "النهر" ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بِخَيْرٍ﴾ ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر - أعني قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ - ويجوز أن يكون الظرف حالًا من ﴿جَنَّاتٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فتنصب حالًا ﴿جَنَّاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية جواب للاستفهام السابق في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ويقرأ شذوذًا (٢): ﴿جناتٍ﴾ بكسر التاء، وفيه حينئذٍ وجهان: أحدهما: هو مجرور بدلًا من (خير)، فيكون: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ على هذا صفة لـ (خير). والثاني: أن يكون منصوبًا على إضمار: أعني، أو بدلًا من موضع ﴿بِخَيْرٍ﴾، ويجوز أن يكون الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو جنات. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الآتي، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾ أو حال من فاعل ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: تجري الأنهار حالة كونها كائنة تحتها. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ﴿الذين اتقوا﴾، والعامل فيها الاستقرار المحذوف. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿وَأَزْوَاجٌ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾: صفة لـ ﴿أزواج﴾، وكذا قوله؛ ﴿وَرِضْوَانٌ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رضوان﴾. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: الواو استئنافية ﴿اللَّهِ﴾: مبتدأ. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿بِالْعِبَادِ﴾ متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾.

стр. 1649

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الجر بدل من (الذين اتقوا)، أو نعت له ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئتَ قلتَ: ﴿رب﴾: منادى مضاف و ﴿نا﴾ مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿إِنَّنَا﴾: (إنَّ) حرف نصب، ونا اسمها، ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول القول. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء عاطفة. ﴿اغفر﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾. قال الكرخي: وفي ترتيب هذا السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كافٍ في استحقاق المغفرة، وفيه ردٌّ على أهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: إن استحقاق المغفرة لا يكون بمجرد الإيمان. انتهى. ﴿ذُنُوبَنَا﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَقِنَا﴾: الواو عاطفة ﴿قِ﴾: فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة، وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها؛ لأنه من وقى يقي، وفاعله ضمير يعود على الله و ﴿نا﴾: مفعول أول ﴿عَذَابَ﴾: مفعول ثانٍ ﴿النَّارِ﴾: مضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾. ﴿الصَّابِرِينَ﴾: نعت ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أو لـ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ مجرور بالياء، وقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ كلها معطوفات على ﴿الصَّابِرِينَ﴾. ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾: متعلق بـ ﴿المستغفرين﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾: من أغنى الرباعي يغني إغناءً، والإغناء: الدفع والنفع، وفلان عظيم الغنى؛ أي: الدفع والنفع. ﴿وَقُودُ﴾: الوقود؛ بفتح الواو على قراءة الجمهور اسم لما توقد به النار من الحطب، وبضمها مصدر: وقدت

стр. 1650

النار تَقدُ وقودًا إذا اتقدت. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: والدأب: الاجتهاد، وهو مصدر: دأب الرجل في عمله يدأب - من بابي: قطع وخضع - دأبًا ودؤبًا، إذا جدَّ واجتهد وتعب فيه، وغلب استعماله في العادة والشأن والحال، والمراد به هنا: كعادة آل فرعون وشأنهم وحالهم. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾: تثنية: فئة، والفئة: الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وجمعها: فئات، وقد تجمع بالواو والنون جبرًا لما نقص، وسميت الجماعة من الناس فئة؛ لأنها يفاء إليها عند الشدة؛ أي: يرجع إليها في وقت الشدة. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: هو مصدر مؤكد ورأى هنا بصرية. ﴿يُؤَيِّدُ﴾؛ أي: يقوي، مضارع أيده تأييدًا إذا نصره وأعانه. ﴿لَعِبْرَةً﴾: العبرة: الاتعاظ، وهو اسم مصدر لاعتبر اعتبارًا، والاعتبار: الانتقال من حالة الجهل إلى حالة العلم، واشتقاقها من العبور، وهي مجاوزة الشيء إلى الشيء ومنه: عبور النهر، وفي "الخازن": العبرة: الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدية إلى العلم، وأصلها من العبور كالجلسة من الجلوس، كأنه طريق يعبرونه، فيوصلهم إلى مرادهم، وقيل: العبرة: هي التي يعبر عنها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم. انتهى. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: والتزيين: تحسين الشيء وتجميله في أعين الناس، والشهوات: جمع شهوة: اسم مصدر من اشتهى اشتهاءً، والشهوة: ثوران النفس وميلها إلى الشيء المشتهى، فالمصدر هنا بمعنى: اسم المفعول، عبر به عنه مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبًا فيها كأنها نفس الشهوات. ﴿القناطير﴾: جمع قنطار: وهو في الأصل عقد الشيء وإحكامه، يقال: قنطرتُ الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة؛ أي: المحكمة الطاق، وفي نونه قولان: أحدهما: وهو قول جماعة أصلية، فوزنه فعلال كقرطاس.
следующие страницы →