← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

على القدرة الباهرة، وذكر المحاسبة يدل على العلم المحيط بالجليل والحقير، فحصل بذكر هذين الوصفين غاية الوعد للمطيعين، وغاية الوعيد للعاصين. قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .. إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآية، أشفقوا منه، ثم أمروا أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، فكشف عنهم ذلك الكرب، ورفع عنهم المشقة في أمر الخواطر. ولما كان ابتداء هذه السورة بذكر الكتاب المنزل، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بما وصفوا به من الإيمان بالغيب، وبما أنزل إلى الرسول، وإلى من قبله .. كان مختمها بذكر الكتاب، ومن آمن به؛ ليتوافق الابتداء والاختتام، وذلك من أبدع الفصاحة؛ حيث يتلاقى آخر الكلام المفرط في الطول بأوله، وهي عادة للعرب في كثير من نظمهم، فبيَّن تعالى في آخر هذه السورة أن أولئك المؤمنين هم أمة محمَّد ﵌. أسباب النزول قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ...﴾ إلى آخر السورة، سبب نزولها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﵌: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية، قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﵌، فأتوا رسول الله ﵌، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله ﵌ كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﵌: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم .. أنزل الله تعالى في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُ

стр. 1577

وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال - أي تعالى -: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. أخرجه مسلم، وله عن ابن عباس ﵄ نحوه، وفيه: قد فعلت بدل نعم. والحديث أخرجه أحمد في "المسند" وابن جرير والبيهقي في "شعب الإيمان". التفسير وأوجه القراءة ٢٨٤ - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ استدلال على قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فاستدل بسعة ملكه على سعة علمه؛ أي: له لا لغيره جميع ما في السموات وما في الأرض، من الأمور الداخلة في حقيقتهما، والخارجة عنهما: من أولي العلم، وغيرهم، فقل غيرهم، فعبَّر ﴿بِمَا﴾؛ لأنهم أكثر؛ أي: له تعالى الكل خلقًا وملكًا وتصرفًا، فالجميع عبيد له وهو مالكهم ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾؛ أي: وإن تظهروا أيها المكلفون ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: ما في قلوبكم من العزم على السوء بأن تظهروه للناس بالقول، أو بالفعل ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: تسروه بأن تكتموه منهم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: يؤاخذكم به ويجازكم عليه يوم القيامة، ولا تَدْخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان؛ لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. فالخواطر الحاصلة في القلب على قسمين: ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في حيِّز الوجود، وما لا يكون كذلك، بل تكون أمورًا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها، ولا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول: يكون مؤاخذًا عليه، والثاني: لا يكون مؤاخذًا

стр. 1578

وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا به" وفي رواية: "ما وسوست به صدورها" متفق عليه. ﴿فَيَغْفِرُ﴾ بفضله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ بعَدْله ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه، وقد يغفر لمن يشاء الذنب العظيم، وقد يعذب من يشاء على الذنب الحقير لا يُسأل عما يفعل. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءَه من المحاسبة والمغفرة والتعذيب وغيرها ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر. وقرأ ابن (١) عامر وعاصم ويزيد ويعقوب وسهل: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالرفع فيهما على القطع والاستئناف على أن يجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يغفر. وقرأ باقي السبعة: بالجزم عطفًا على الجواب، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة شذوذًا: بالنصب فيهما على إضمار: أن، فينسَبِك منها مع ما بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم من الحساب تقديره: يكن محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه قد جاءت في قول الشاعر: فَإنْ يَهْلِكْ أَبُوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ وَالشَهْرُ الْحَرَامُ وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سِنَامُ يروى بجزم: ونأخذ، ورفعه ونصبه. وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف شذوذًا أيضًا: ﴿يغفر لمن يشاء﴾، ويروى أنها كذلك في مصحف عبد الله، قال ابن جني: هي على البدل من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾؛ فهي تفسير للمحاسبة. انتهى. قيل: وليس بتفسير بل هما مترتبان على المحاسبة. ٢٨٥ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: صدق الرسول محمَّد ﵌ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: بأن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزلٌ عليه

стр. 1579

﴿مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: من عند الله ﴿و﴾ صدق ﴿المؤمنون﴾ بذلك أيضًا، فيكون المؤمنون مرفوعًا على الفاعلية عطفًا على الرسول، فيكون الوقف عليه، ويدل على صحة هذا قراءة علي ﵁: ﴿وآمن المؤمنون﴾، فأظهر الفعل. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد من الرسول والمؤمنين ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدق بوجوده وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾؛ أي: بوجودهم، وبأنهم معصومون مطهرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وأن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ﴿وَكُتُبِهِ﴾. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿وكِتَابه﴾ - بكسر الكاف وفتح التاء مع الألف - بالإفراد على إرادة الجنس وباقي السبعة: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بضم الكاف والتاء بالجمع، أي: كلٌّ صدق بأن هذه الكتب المنزلة وحي من الله تعالى إلى رسله، وأنها ليست من باب الكهانة، ولا من باب السحر، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة، وأن الشياطين لا يتمكنون من إلقاء شيء من ضلالتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر، وأن هذا القرآن الكريم لم يغيَّر ولم يحرَّف. ﴿رُسُلِهِ﴾؛ أي: بأن لله رسلًا من البشر أمناء على وحيه معصومين من الذنوب، أرسلهم إلى عباده المكلفين بشرائع وتكاليف، من أطاعهم دخل الجنة ومن عصاهم دخل النار. وقرأ يحيى (١) بن يعمر شذوذًا: ﴿وكتْبه ورسله﴾ بإسكان التاء والسين وروي ذلك عن نافع، وقرأ الحسن شذوذًا أيضًا: ﴿ورسْله﴾: بإسكان السين، وهي رواية عن أبي عمرو، وقرأ عبد الله شذوذًا أيضًا: ﴿وكتابه ولقائه ورسله﴾، وقرأ الجمهور ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بضم السين. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ قرأ الجمهور: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون؛ أي: حالة كون الرسول والمؤمنين يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله في الإيمان بهم كما فعلت اليهود والنصارى، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، بل نؤمن بجميع رسله تعالى، ونثبت نبوة جميع الأنبياء، ولا نكفر بأحد منهم. والمقصود من هذا الكلام: إثبات النبوة لكلهم، لا ما ادَّعاه بعضهم من أن المقصود هو عدم

стр. 1580

التفضيل بينهم. وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويعقوب: ﴿لا يفرق﴾ بالياء على لفظ كل. قال هارون: وهي في مصحف أُبي وابن مسعود: ﴿لا يفرقون﴾ وهو شاذ، حملًا على معنى كل بعد الحمل على اللفظ. ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال المؤمنون أيضًا: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: أجبنا قولك يا إلهما فيما كلفتنا به ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: امتثلنا أمرك يا مولانا في ذلك، وقدّم ﴿سَمِعْنَا﴾ على ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ لأن التكليف طريقُه السمع، والطاعة بعده، وينبغي للمؤمن أن يكون قائلًا هذا دهره وحياته. ﴿غُفْرَانَكَ﴾؛ أي: نسألك غفرانك لذنوبنا يا ﴿رَبَّنَا﴾ وما قصرنا في حقك يا إلهنا ﴿وَإِلَيْكَ﴾ يا إلهنا لا إلى غيرك ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع بعد الموت؛ يعني قالوا: إليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وفيه إقرار بالبعث والجزاء. ٢٨٦ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ظاهره أنه إخبار من الله مستأنف أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلا ما هو في وسع المكلف، والمعنى: أنكم إذا سمعتم وأطعتم ولم تتعمدوا والتقصير، فلو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة .. فلا تكونوا خائفين منه، فإن الله تعالى لا يكلف نفسًا ولا يلزمها من التكاليف والطاعات إلا وسعها وطاقتها؛ أي: إلا ما تسعه قدرتها فضلًا ورحمة منه تعالى، فلا يتعبدها بما لا تطيق. وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين؛ أي: وقالوا: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمعنى: أنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا .. قالوا: كيف لا نسمع ذلك ولا نطيع وهو تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا!. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿إلا وسعها﴾ جعله فعلًا ماضيًا، وأوَّلوه على إضمار ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: إلا ما وسعها. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ وعملت من الخير، أي: للنفس ثواب ما عملته من الخير وأجره ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ أي: وعليها وزر ما عملته من الشر وعقابه؛ أي: لا ينتفع بطاعتها، ولا يتضرر بمعاصيها غيرها. وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشرِّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال واشتهاء

стр. 1581

وانجذاب، والشر تشتهيه النفس، وتنجذب إليه، فكانت أجد في تحصيله وأعمل، بخلاف الخير فإنه ثقيل عليها. وجاء في الخير بـ ﴿اللام﴾؛ لأنه ما يفرح به ويسر، فأضيف إلى ملكه، وجاء في الشر بـ ﴿على﴾ من حيث هو أوزار وأثقال، فجعلت قد عَلَته، وصار تحتها يحملها، وهذا كما تقول: لي مال وعليَّ دين. وقولوا في دعائكم: يا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾؛ أي: لا تعاقبنا ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ طاعتك؛ أي: إن تركنا أمرًا من أوامرك نسيانًا ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ في أمرك إن تركنا الصواب فيه لا عن تعمد، كتأخير الصلاة عن وقتها في حالة الغيم جهلًا به، وكقتل الخطأ المشهور، وهذا تعليم منه عباده المؤمنين كيف يدعونه، ومعناه: قولوا في دعائكم: ربنا لا تؤاخذنا؛ أي: لا تعاقبنا بإثمِ ما يصدر منا من هذين الأمرين. وقد (١) استشكل هذا الدعاء جماعة من المُفسِّرين وغيرهم قائلين: إن النسيان والخطأ مغفوران غير مؤاخذ بهما، فالدعاء بذلك من تحصيل الحاصل. وأجيب عن ذلك: بأن المراد طلب ترك المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط، وعدم المبالاة، لا من النسيان والخطأ، فإنه لا مؤاخذة بهما، كما يفيد ذلك قوله ﵌: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أخرجه ابن ماجه وابن منذر وابن حبان في "صحيحه" والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في "سننه" وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄. وقيل: إنه للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته. وقيل: سؤاله على سبيل إظهار النعمة والتحدث بها على حد: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، والصحيح أنه يختلف ذلك باختلاف الوقائع، فقسمٌ: لا يسقط باتفاق، كالغرامات والدِّيات والصلوات المفروضات، وقسم: يسقط باتفاق، كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه: كمن أكل ناسيًا في رمضان، أو حنث ساهيًا، وما كان مثله مما يقع

стр. 1582

خطأً أو نسيانًا، ويعرف ذلك في الفروع. انتهى. ومن هنا إلى آخر السورة سبع دعوات مستجابة. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾؛ أي: وقولوا يا ربنا لا تكلفنا بالأمور الشاقة ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من بني إسرائيل؛ أي: لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود. وفي قراءة أُبيّ بالتشديد شذوذًا في: ﴿ولا تحمِّل علينا إصرًا﴾ إفادةٌ للتكثير. قال المفسرون (١): إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة .. أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئًا .. عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة .. حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالًا لهم، ومن أصاب ذنبًا .. أصبح وذنبه مكتوب على بابه، ونحو ذلك من الأثقال والآصار التي كتبت عليهم، فسأل المسلمون ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات والعهود الثقيلة، وقد أجاب الله دعائهم برحمته، وخفف عنهم بفضله وكرمه، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ﴾؛ أي: قوة ﴿لَنَا به﴾ من البلاء والعقوبة النازلة بمن قبلنا أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية، وهذا أعم من الإصر السابق؛ لتخصيصه بالتشبيه وعموم هذا، والتشديد في ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾: للتعدية. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾؛ أي: أمح آثار ذنوبنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾؛ أي: واستر عيوبنا، ولا تفضحنا بالمؤاخذة بين رؤوس الأشهاد ﴿وَارْحَمْنَا﴾؛ أي: تعطف بنا وتفضل علينا ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾؛ أي؛ ناصرنا وحافظنا وولينا ومتولي أمورنا، ونحن عبيدك. ويقال: واعف عنا من المسخ كما مسخت قوم عيسى، واغفر لنا من الخسف كما خسفت بقارون، وارحمنا من القذف كما قذفت قوم لوط، فلما دَعَوا بهذا الدعاء رفع الله عنهم ذنوب حديث النفس والنسيان والخطأ والاستكراه، وعفا عنهم من

стр. 1583

الخسف والمسخ والقذف. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: الجاحدين الذين عبدوا غيرك، وجحدوا وحدانيتك؛ أي: انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإِسلام على دولتهم، فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. روي أنه ﷺ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة: قد فعلت. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما أُسري برسول الله ﵌ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها. قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال: فراشٌ من ذهب. قال: فأُعطي رسول الله ﵌ ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر - لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا - المقحمات. أخرجه مسلم. المقحمات: الذنوب التي تولج مرتكبها النار، وأصل الاقتحام: الولوج. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" متفق عليه. معناه: كفتاه من كل ما يحذر من كل هامة وشيطان، فلا يقربه تلك الليلة. وقيل: كفتاه عن قيام الليل. وعن ابن عباس ﵄ قال: بينا رسول الله ﵌ عنده جبريل ﵇، إذ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشرْ بنورين أوتيتَهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته. أخرجه مسلم. وعن النعمان بن بشير ﵁: عن النبي ﵌ قال: "إن الله كتب لنا كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل فيه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان".

стр. 1584

أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. ولما مدح الله المتقين في أول السورة .. بيّن في آخر السورة أنهم أمة محمَّد ﵌، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ وهذا هو المراد بقوله تعالى هناك: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ثم قال ها هنا؛ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهو المراد بقوله تعالى هناك: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ثم قال ها هنا: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وهو المراد بقوله هناك: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ثم حكى الله تعالى عنهم ها هنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر السورة، وهو المراد بقوله تعالى هناك: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها. الإعراب ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة و ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع معطوفة على ﴿مَا﴾ الأولى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لها، أو صفة لها. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. ﴿وَإن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿تُبْدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿تُخْفُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية؛ لأنه معطوف على فعل الشرط

стр. 1585

﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿فَيَغْفِرُ﴾ الفاء بمعنى الواو الاستئنافية ﴿يغفر﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهو يغفر لمن يشاء، والجملة الإسمية مستأنفة. هذا على قراءة الرفع، وأما على قراءة الجزم فمعطوفٌ على يحاسبكم. وقرىء شذوذًا بالنصب كما مر على إضمار ﴿أن﴾؛ فينسبك منها مع ما بعدها مصدرٌ مرفوع معطوف على مصدر متصيَّد من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ تقديره: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يكن محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه الثلاثة قد جاءت في قول الشاعر: فَإنْ يَهْلِكَ أَبُوْ قَابُوْسَ يَهْلِكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ وَالشَهْرُ الْحَرَامُ وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سِنَامُ يروى بجزم ونأخذ ورفعه ونصبه ما سبق. ﴿لِمَن﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يغفر﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء مغفرته. ﴿وَيُعَذِّبُ﴾: معطوف على ﴿يغفر﴾ بالأوجه الثلاثة السابقة ﴿مَن﴾: اسم موصول مفعول ﴿يعذب﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، والعائد محذوف تقديره: يشاء تعذيبه. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود

стр. 1586

على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير النائب ﴿إِلَيْهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ أيضًا، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية عطفًا على الرسول، فيكون الوقف عليه، ويكون قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ جملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر مستأنفة استئنافًا بيانيًّا تدل على أن جميع من تقدم ذكره آمن بما سيذكر بعدها. والثاني: أن يكون المؤمنون مبتدأ أول، و ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ ثانٍ، و ﴿آمَنَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره: خبر عن المبتدأ الأول، وعلى هذا فلا بد من رابط يربط بين الجملة الصغرى والكبرى، وهو محذوف تقديره: كلٌّ منهم، كقولهم: السَّمْنُ منوان بدرهمٍ، تقديره: منوانٍ منه ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾ ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾: معطوف على الجلالة ومضاف إليه، وكذا قوله: ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. ﴿لَا﴾: نافية ﴿نُفَرِّقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُفَرِّقُ﴾، والجملة الفعلية مقول لقول محذوف تقديره: يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، والقول المحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿آمَنَ﴾ تقديره: كل آمن باللهِ وملائكته وكتبه ورسله حالة كونهم قائلين لا نفرق بين أحد. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾. ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، وكذلك جملة ﴿أطعنا﴾: معطوفة على جملة ﴿سَمِعْنَا﴾. ﴿غُفْرَانَكَ﴾: مفعول لفعل محذوف ومضاف إليه تقديره: نسألك غفرانك،

стр. 1587

والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿وَإِلَيْكَ﴾: الواو عاطفة ﴿إليك﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَمِعْنَا﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالوا﴾ وفي "الجمل": أنها معطوفة على مقدَّر؛ أي: فمنك مبدأنا، وإليك المصير. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿نَفْسًا﴾: مفعول أول ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿وُسْعَهَا﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَا﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسًا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كسبته ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: الواو عاطفة ﴿عليها﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. ﴿اكْتَسَبَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسًا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما اكتسبته. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة: مقول محكي لقول محذوف تقديره: قولوا في دعائكم: ربنا لا تؤاخذنا، وجملة القول المحذوف مستأنفة، وإن شئت قلتَ: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾: ﴿لَا﴾: دعائية جازمة ﴿تُؤَاخِذْنَا﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الدعائية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿نَسِينَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿أَخْطَأْنَا﴾: فعل وفاعل في محل

стр. 1588

الجزم معطوف على ﴿نَسِينَا﴾ وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن نسينا أو أخطأنا لا تؤاخذنا بذلك النسيان أو الخطأ، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَحْمِلْ﴾: مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: لا تؤاخذنا. ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَحْمِلْ﴾. ﴿إِصْرًا﴾: مفعول به ﴿كَمَا﴾: الكاف حرف جر ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿حَمَلْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَمَلْتَهُ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ولا تحمل علينا إصرًا حملًا كائنًا كحملك على الذين من قبلنا. ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾: ﴿مِن﴾: حرف جر. ﴿قَبْلِنَا﴾: مجرور ومضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الوصول. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾: الواو عاطفة ﴿لا﴾: دعائية. ﴿تُحَمِّلْنَا﴾: فعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الدعائية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾. ﴿مَا لَا طَاقَةَ﴾؛ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثانٍ ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿طَاقَةَ﴾: اسمها ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لَا﴾ ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿طَاقَةَ﴾؛ لأنه اسم مصدر من: أطاق الرباعي، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِه﴾. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَاعْفُ﴾ الواو عاطفة، والجمل الثلاث معطوفات على جملة قوله: ﴿لَا

стр. 1589

تُؤَاخِذْنَا﴾، وكذا جملة قوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ معطوفة عليها. ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الفاء: عاطفة سببية ﴿انصرنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: جار ومجرور وصفة، متعلق بـ ﴿انصرنا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من أبدى الرباعي، يقال: أبدى ما في ضميره إذا أظهره بفعله أو قوله. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من أخفى الرباعي، يقال: أخفى الشيء إذا أسره في نفسه، وقدِّم الإبداء هنا على الإخفاء؛ لأن الأصل في الأمور التي يحاسب عليها هو الأعمال البادية، وأما تقديم الإخفاء في قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فلكون العلم يتعلق بالأعمال الخافية والبادية على السوية، وقدم المغفرة على التعذيب؛ لكون رحمته سبقت غضبه. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ والمصير (١): مصدرٌ ميميٌّ من صار يصير صيرورة ومصيرًا، وهو مبني على مفعِل بكسر العين، وقد اختلف النحويون في بناء المفعل مما عينه ياء نحو: يبيت ويعيش، فذهب بعضهم إلى أنه كالصحيح نحو: يضرب يكون للمصدر بالفتح، وللمكان والزمان بالكسر نحو ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾؛ أي: عيشًا. والمصير بمعنى الصيرورة على هذا شاذ، وذهب بعضهم إلى التخيير في المصدر بين أن تبنيه على مفعِل بكسر العين أو مفعَل بفتحها، وأما الزمان والمكان فبالكسر ذهب إلى ذلك الزجاج، ورده عليه أبو علي، وذهب بعضهم إلى الاقتصار على السماع، فحيث بنت العرب المصدر على مفعِل أو مفعل اتبعناه، وهذا المذهب أحوط. ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والوسع بتثليث الواو كما في "القاموس": دون المجهود في

стр. 1590

المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان، يقال: وسعه الشيء بالكسر يسعه سعة بالفتح، والسعة بالفتح الجدة والطاقة. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ يقرأ (١) بالهمزة وهو من الأخذ بالذنب، ويقرأ بالواو ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الأخذ أيضًا، وإنما أبدلت الهمزة واو لانفتاحها وانضمام ما قبلها، وهو تخفيف قياسي. ويحتمل أن يكون من: وَاخَذَهُ بالواو. قاله: أبو البقاء. وجاء هنا بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد وهو الله؛ لأن المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله، فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه، ويأخذ به على نفسه فحسنت المفاعلة، ويجوز أن يكون من باب سافرت وعاقبت وطارقت. ﴿إِصْرًا﴾ الإصر: العناء الثقيل الذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه مكانه والمراد به التكاليف الشاقة، ذكره أبو السعود. وفي "المختار": أصره يأصره - من باب ضرب - إصرارًا إذا حبسه، ويطلق على كل ما يثقل على النفس كشماتة الأعداء. ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: والطاقة القدرة على الشيء، وهي في الأصل مصدر جاء على حذف الزوائد، وكان من حقها إطاقة؛ لأنها من أطاق، ويصح أن تكون اسم مصدر لأطاق الرباعي. ﴿مَوْلَانَا﴾ المولى: مفعل من: ولى يلي، وهو هنا مصدر ميمي يراد به اسم الفاعل ويجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: صاحب تولينا؛ أي: نصرتنا. البلاغة وقد تضمنت الآية من ضروب البلاغة أنواعًا:

стр. 1591

منها: الطباق بين قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، وكذا بين ﴿فَيَغْفِرُ﴾، و ﴿وَيُعَذِّبُ﴾. ومنها: الطباق المعنوي بين: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ لأن ﴿لَهَا﴾ إشارة إلى ما يحصل به نفع ﴿وَعَلَيْهَا﴾ إشارة إلى ما يحصل به ضرر، وقدم ﴿لَهَا﴾ ﴿وَعَلَيْهَا﴾ على الفعلين؛ ليفيد أن ذلك لها لا لغيرها، وعليها لا على غيرها، وإنما كرر الفعل وخالف بين التصريفين تحسينًا للنظم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كرر ﴿ما﴾ تنبيهًا وتوكيدًا للكلام. ومنها: الجناس المغاير، ويسمى جناس الاشتقاق في قوله: ﴿آمَنَ﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. ومنها: تكرير النداء بين المتعاطفات لإظهار مزيد الضراعة والالتجاء إلى الرب الكريم. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. ومنها: الاستعارة المصرحة في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾؛ لأن الإصر في الأصل: الحمل الثقيل الذي يحبس صاحبه في مكانه، والمراد به هنا: التكاليف الشاقة. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي؛ آمنوا بالله ورسله. وفي مواضع أخرى عديدة. والله أعلم * * *

стр. 1592

تتمة وخلاصة ما في هذه السورة من أمهات الشريعة خمسة عشر: الأول: دعوة الناس جميعًا إلى عبادة ربهم. والثاني: عدم اتخاذ أنداد له. والثالث: ذكر الوحي والرسالة، والحجاج على ذلك بهذا الكتاب المنزل على عبده، وتحدي الناس كافة بالإتيان بمثله. والرابع: ذكر أُسِّ الدين، وهو توحيد الله. والخامس: إباحة الأكل من جميع الطيبات. والسادس: ذكر الأحكام العملية من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأحكام الصيام، والحج والعمرة، وأحكام القتال والقصاص. والسابع: الأمر بإنفاق المال في سبيل الله. والثامن: تحريم الخمر والميسر. والتاسع: معاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة. والعاشر: أحكام الزوجية من طلاق ورضاعة وعدة. والحادي عشر: تحريم الربا والأمر بأخذ ما بقي منه. والثاني عشر: أحكام الدَّين من كتابة وإشهاد، وشهادة وحكم النساء والرجال في ذلك. والثالث عشر: وجوب أداء الأمانة. والرابع عشر: تحريم كتمان الشهادة. والخامس عشر: خاتمة ذلك كله الدعاء الذي طلب إلينا أن ندعوه به، وعلى الجملة فقد فُصلت فيها الأحكام وضُربت الأمثال وأقيمت الحجج، ولم تشتمل سورة على مثل ما اشتملت عليه، ومن ثمَّ سمُيت فسطاط القرآن.

стр. 1593

خاتمة قال محمَّد بن حزم في كتابه "الناسخ والمنسوخ": واعلم أن نزول المنسوخ بمكة كثير، والناسخ بالمدينة كثير، وليس في أم الكتاب شيء منهما، فأما سورة البقرة وهي مدنية، ففيها ستة وعشرون آية من المنسوخ. الأولى منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية وهي منسوخة بقوله تعالى في آل عمران؛ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ مدنية ٨٥. والثانية منها: قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فإنها منسوخة بقوله تعالى في براءة آية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ مدنية ٥. والثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فإنها منسوخة بقوله تعالى في براءة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ مدنية: ٢٩. والرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هذا محكم، والمنسوخ منها قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ البقرة مدنية ١٤٤. والخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية منسوخة بالاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ البقرة ١٥٩. والسادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الآية، فنسخ منها بالسنَّة بعض الميتة وبعض الدم بقوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال". وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، ثم رخص للمضطر إذا كان غير باغٍ ولا عاد بقوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. والسابعة: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وهذا الأخير موضع النسخ منها - أعني - والأنثى بالأنثى، وباقيها محكم وناسخها قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية المائدة ٤٥ وقيل: ناسخها قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَل

стр. 1594

لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ مدنية ٣٣، وقتل الحر بالعبد إسراف، وكذلك قتل المسلم بالكافر. والثامنة: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فإنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ "النساء مدنية:١١". والتاسعة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإنها منسوخة، وذلك أنهم كانوا إذا أفطروا أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يصلوا العشاء الأخيرة أو يناموا قبل ذلك، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ البقرة: ١٨٧ في شأن عمر ﵁ والأنصاري؛ لأنهما جامعا معًا ونزل في صرفه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. والعاشرة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هذه الآية نصفها منسوخ، وناسخها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعني: فمن شهد منكم الشهر حيًّا بالغًا حاضرًا صحيحًا عاقلًا فليصمه. والحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ فإنّ خصوصها منسوخ بعموم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ التوبة مدنية: ٣٦. والثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ فإنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ البقرة مدنية: ١٩١. والثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من الأخبار التي معناها الأمر تأويله: فاغفروا لهم، واعفوا عنهم، ثم أخبار العفو منسوخة بآية السيف بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ التوبة مدنية:٥. والرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ نسخ عمومها بخصوص قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ

стр. 1595

صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. والخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية التوبة مدنية: ٦٠. والسادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية التوبة مدنية:٥. والسابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، فلما نزلت هذه الآية امتنع قوم عن شربها، وبقي قوم على شربها، ثم أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ النساء: ٤٣، وكانوا يشربون بعد العشاء الآخرة، ثم يرقدون، ثم يقومون من غد وقد صحوا، ثم يشربونها بعد الفجر إن شاؤوا فإذا جاء وقت الظهر لا يشربونها البتة، ثم أنزل الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ المائدة مدنية: ٩٠؛ أي: فاتركوه. والثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾؛ يعني: الفضل من أموالكم منسوخة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ الآية التوبة مدنية: ١٠٣. والتاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ نسخ عمومها الكتابيات والوثنيات بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المائدة مدنية: ٥. والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذه الآية جميعها محكم إلا كلامًا في وسطها، وهو قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ نسخ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ نسخ عمومها بالاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. والثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

стр. 1596

نسخت بالاستثناء بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فصارت هذه الإرادة بالاتفاق ناسخة لحولين كاملين. والثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية، نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وليس في كتاب الله آية تقدم ناسخها على منسوخها إلا هذه الآية وآية أخرى في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية، نُسخت بقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. والرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية، منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية التوبة مدنية: ٥. والخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. والسادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا محكم ثم قال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فشق نزولها عليهم فقال النبي ﷺ : "ولا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا، ولكن قولوا سمعنا وأطعنا"، فلما علم الله تسليمهم لأمره .. أنزل ناسخ هذه بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وخفف الله مع الوسع بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة مدنية: ١٨٥. انتهى (١). والله أعلم * * *

стр. 1597

سورة آل عمران مدنية، ومما يدل (١) على ذلك أن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية نزلت في وفد نصارى نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها. وآياتها: مئتان باتفاق العادِّين. وكلماتها: ثلاث آلاف وأربع مئة وستون كلمة. وحروفها: أربعة عشر ألفًا وخمس مئة وخمس وعشرون حرفًا. المناسبة: ومناسبة (٢) هذه السورة لما قبلها واضحة؛ لأنه لما ذكر آخر البقرة: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .. ناسب أن يذكر نصره تعالى على الكافرين؛ حيث ناظرهم رسول الله ﷺ ، وردَّ عليهم بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردَّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءةَ خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردَّ عليهم. ولما كان مفتتح آية آخر البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فكان في ذلك الإيمان بالله وبالكتب .. ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم. وذكر المراغي (٣) في وجه مناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها خمسة أوجه: الأول منها: أن كلًّا منهما بدىء بذكر الكتاب وحال الناس في الاهتداء، فقد ذكر في الأولى من آمن به ومن لم يؤمن به والمذبذبين بين ذلك، وفي الثانية

стр. 1598

طائفة الزائغين الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وطائفة الراسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه ويقولون: كلّ من عند ربنا. والثاني منها: أن في الأولى تذكيرًا بخلق آدم، وفي الثانية تذكيرًا بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في أنه جرى على غير سنة سابقة في الخلق. والثالث منها: أن في كل منهما محاجَّة لأهل الكتاب، لكن في الأولى إسهاب في محاجة اليهود واختصار في محاجة النصارى، وفي الثانية عكس هذا؛ لأن النصارى متأخرون في الوجود عن اليهود، فليكن الحديث معهم تاليًا في المرتبة للحديث الأول. والرابع منها: أن في آخر كلٍّ منهما دعاء إلا أن الدعاء في الأولى ينحو نحو طلب النصر على جاحدي الدعوة ومحاربي أهلها ورفع التكليف بما لا يطاق، وهذا مما يناسب بداءة الدين، والدعاء في الثانية يرمي إلى قبول دعوة الدين، وطلب الجزاء على ذلك في الآخرة. والخامس منها: أن الثانية ختمت بما يناسب بدء الأولى؛ كأنها مُتَمِّمة لها؛ فبُدئت الأولى بإثبات الفلاح للمتقين، وختمت هذه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فائدة: قال محمَّد بن حزم في كتابه "الناسخ والمنسوخ" (١): سورة آل عمران كلها محكمة إلا خمس آيات: الأولى منها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ فإنها منسوخة وناسخها آية السيف في سورة التوبة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. والثانية والثالثة والرابعة: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ فهذه ثلاثة آيات نزلت في ستة رهط ارتدوا عن الإِسلام بعد أن أظهروا الإيمان، ثم استثنى واحدًا من الستة وهو سويد بن الصامت، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ فهذه - أعني آية الاستثناء -

стр. 1599

ناسخة لتلك الثلاث. والخامسة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لما نزلت .. لم يعلم ما تأويلها، فقالوا يا رسول الله، ما حق تقاته؟ فقال ﷺ : "حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يكفر" فقالوا: يا رسول الله، ومَنْ يطيق ذلك؟ فانزعجوا لنزولها انزعاجًا عظيمًا، ثم أنزل الله بعد مدة يسيرة آية تؤكد حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ في سورة الحج، فكانت هذه أعظم عليهم من الأولى، ومعناها: اعملوا لله حق عمله، فكادت عقولهم تذهل، فلما علم الله ما قد نزل بهم في هذا الأمر العسير .. خفف فنسخها بالآية التي في التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهي مدنية، فكان هذا تيسيرًا من التعسير الأول وتخفيفًا من التشديد الأول انتهى. ومما ورد في فضلها وفضل البقرة: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة". قال معاوية بن سلام: من رواته بلغني أن البطلة: السحرة. وروى مسلم أيضًا: عن النواس بن السمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران". وضرب لهم رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعدُ. قال "لأنهما غمامتان أو ظلَّتان سودوان بينهما شرق - أي: ضوء - أو كأنهما حزقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما". والله أعلم * * *

стр. 1600

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. المناسبة المناسبة بين هذه الآيات وبين السورة السابقة: فقد مرَّ بيانها آنفًا، فلا عود. أسباب النزول فقد روى ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر أن هذه الآيات وما بعدها إلى نحو ثمانين آية نزلت في نصارى نجران، إذ وفدوا على رسول الله ﷺ ، وكانوا نحو ستين راكبًا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم أكابرهم: عبد المسيح أميرهم، والأيهم مشيرهم، وأبو حارثة بن علقمة حبرهم. فقدموا على النبي ﷺ ، وخاصموه، فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه ﷺ ، فقالوا تارة: عيسى هو الله؛ لأنه كان يحي الموتى، وتارة هو ابن الله؛ إذ ليس له أب، وتارة إنه ثالث ثلاثة؛ لقوله تعالى: فعلنا وقلنا، ولو كان واحدًا لقال: فعلتُ وقلتُ، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت، وأن عيسى يموت"؟ قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه"؟ قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه، فهل يملك عيسى شيئًا"

стр. 1601

من ذلك؟ قالوا: لا، قال: "ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئًا من ذلك إلا ما عُلِّم"؛ قالوا: لا، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وأن عيسى كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث"؟ قالوا: بلى، فقال رسول الله: "فكيف يكون هذا كما زعمتم" فعرفوا الحق وسكتوا، ثم أبوا إلا الجحود، فأنزل الله تعالى من أول السورة ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...﴾ إلى نيف وثمانين آية. ووجه الرد عليهم فيها: أنه تعالى بدأ بذكر التوحيد لينفي عقيدة التثليث من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد ذلك من كونه حيًّا قيومًا؛ أي: قامت به السموات والأرض، وهي وجدت قبل عيسى، فكيف تقوم به قبل وجوده؟ ثم ذكر أنه تعالى نزَّل الكتاب وأنزل التوراة ليبين أنه قد أنزل الوحي وشرع الشرائع قبل وجوده، كما أنزل عليه الإنجيل وأنزل على من بعده، فليس هو المنزل للكتاب على الأنبياء، وإنما هو نبي مثلهم، ثم أعقب ذلك ببيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر؛ ليفرقوا بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول، ثم قال: أنه لا يخفى عليه شيء مطلقًا سواء أكان في هذا العالم أم في غيره من العوالم السماوية، وعيسى لم يكن كذلك، ثم بيَّن أن الإله هو الذي يصوِّر في الأرحام ليرد على ولادة عيسى من غير أب؛ إذ الولادة من غير أب ليست دليلًا على الألوهية، فالمخلوق عبدٌ كيفما خلق، وإنما الإله هو الخالق الذي يصور الأرحام كيف يشاء، وعيسى لم يصور أحدًا في رحم أمه، ثم صرَّح بعد هذا بكلمة التوحيد وبوصفه تعالى بالعزة والحكمة. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الم (١)﴾ الله أعلم بمراده به، قال القرطبي في "تفسيره": اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سرٌّ، فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا نحب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها وتُمرُّ

стр. 1602

كما جاءت. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄. قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر، وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله به . وذكر سيبويه في "الكتاب" (١): أن فواتح السور التي لم تكن موازنة لمفرد، طريق التلفظ بها: الحكاية فقط، ساكنة الإعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما علم أن مغتفر في باب الوقف فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها، ثم يبدأ بما بعدها كما فعله الحسن والأعمش وغيرهما. وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة على نمط التعديد .. فلا محل لها من الإعراب، وإن جعلت أسماء للسور .. فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة قبلها، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر أو اقرأ أو نحوهما، وما بعدها كلام مستأنف. والله أعلم. ٢ - ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود المستحق منكم العبادة أيها العباد هو: الإله الذي ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ولا ربَّ سواه. ﴿الْحَيُّ﴾؛ أي: المتصف بالحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء ﴿الْقَيُّومُ﴾؛ أي: القائم بنفسه، المستغني عن غيره، أو القائم بتدبير خلقه ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم. وقرأ جماعة (٢) من الصحابة كعمر وأُبي بن كعب وابن مسعود ﵃ شذوذًا: ﴿القيام﴾، وقال خارجة (٣) رحمه الله تعالى في مصحف عبد الله ﵁: ﴿القيم﴾ وروي هذا أيضًا عن علقمة وهو شاذ.

стр. 1603

وقال الرازي رحمه الله تعالى (١): مطلع هذه السورة عجيب؛ لأنهم لما نازعوا كأنه قيل: إما أن تنازعوا في معرفة الله، أو في النبوة، فإن كان في الأول: فهو باطل؛ لأن الأدلة العقلية دلت على أنه حيٌّ قيوم، والحي القيوم يستحيل أن يكون له ولد، وإن كان في الثاني: فهو باطل؛ لأن الطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل هو بعينه قائم هنا، وذلك هو المعجزة. انتهى. ٣ - هو ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن بالتدريج بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة، وإنما فسرنا كذلك؛ لأن فعَّل المضعف يدل على التكرير، وأتى (٢) هنا بذكر المنزل عليه وهو قوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ ولم يأتِ بذكر المنزل عليه في التوراة، ولا في الإنجيل تخصيصًا له وتشريفًا بالذكر، وجاء بذكر الخطاب؛ لما في الخطاب من المؤانسة، وأتى بلفظة ﴿على﴾ لما فيها من الاستعلاء كأن الكتاب تجلله وتغشاه ﷺ . فإن قلت (٣): إن القرآن وقت نزول هذه الآية لم يتكامل نزوله؟ قلت: إما أن يراد بالكتاب ما نزل منه إذ ذلك، أو يقال: الفعل مستعمل في الماضي والمستقبل. وقرأ الجمهور: ﴿نَزَّلَ﴾ مشددًا ﴿الْكِتَابَ﴾ بالنصب. وقرأ النخعي والأعمش وابن أبي عبلة رحمهم الله تعالى شذوذًا: ﴿نزلَ﴾ مخففًا و ﴿الكتابُ﴾ بالرفع، وفي هذه القراءة تحتمل الآية وجهين: أحدهما: أن تكون منقطعة. والثاني: أن تكون متصلة بما قبلها؛ أي: نزل الكتاب عليك من عنده.

стр. 1604

حالة كون ذلك الكتاب ملتبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالعدل فيما خصك به من شرف النبوة، وقيل: بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره عن القرون الماضية، وفي وعده ووعيده، وقيل. معنى بالحق: بالبراهين القاطعة والحجج المحققة أنها من عند الله تعالى، أو بالقول الفصل وليس بالهزل ولا بالمعاني الفاسدة المتناقضة. وحالة كون ذلك الكتاب ﴿مُصَدِّقًا﴾ وموافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي؛ لما تقدمه من الكتب السالفة في الدعوة إلى التوحيد والإيمان وتنزيه الله تعالى عما لا يليق بشأنه، وفي الأمر بالعدل والإحسان، وفي أنباء الأنبياء والأمم الخالية، وفي الشرائع التي لا تختلف فيها الأمم، وأما (١) في الشرائع المختلفة فيها فمن حيث أن أحكام كل واردة على حسب ما تقتضيه الحكمة التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفة بها مشتملة على المصالح اللائقة بشأنهم. وفائدة (٢) تقييد التنزيل بهذه الحال - أعني: ﴿مُصَدِّقًا﴾ - حث أهل الكتاب على الإيمان بالمنزل، وتنبيههم على وجوبه، فإن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه حتمًا. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ جملة على موسى بن عمران ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ جملة على عيسى بن ٤ - مريم ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل تنزيل القرآن ﴿هُدًى﴾؛ أي: حال كونهما هاديين من الضلالة ﴿لِلنَّاسِ﴾ في زمانهما يعني بني إسرائيل فهو حال من التوراة والإنجيل، ولم يثنَّ؛ لأنه مصدر، ويصح كونه مفعولًا له، والعامل فيه ﴿أنزل﴾؛ أي: أنزل هذين الكتابين لأجل هداية الناس بهما. وعبر فيهما بـ ﴿أنزل﴾، وفي القرآن بـ ﴿نَزَّلَ﴾ المقتضي للتكرير؛ لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلاف القرآن، قاله السيوطي رحمه الله تعالى. وقيل هذا التعليل منتقض بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وبقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ

стр. 1605

عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ وبقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، وحينئذٍ فالأَولى أن يقال: اختلاف التعبير في الموضعين للتفنن. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ أي: وأنزل جميع الكتب الفارقة بين الحق والباطل، وذكره بعد ذكر الكتب الثلاثة أولًا ليعم ما عداها من بقية الكتب المنزلة، فكأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق بين الحق والباطل، فيكون من عطف العام على الخاص؛ حيث ذكر أولًا الكتب الثلاثة، ثم عمم الكتب كلها؛ ليختص المذكور أولًا بمزيد شرف، قاله الكرخي رحمه الله تعالى. وقال ابن عطية رحمه الله تعالى (١): المراد بالفرقان القرآن، وكرر ذكره بما هو نعت له ومدح من كونه فارقًا بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيمًا لشأنه، وإظهارًا لفضله. وقيل الفرقان: كل أمر فرق بين الحق والباطل فيما قدم وحدث، فدخل في هذا التأويل طوفان نوح ﵊، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر وسائر أفعال الله المفرقة بين الحق والباطل، وقيل الفرقان: النصر. وقال الفخر الرازي رحمه الله تعالى (٢): المختار أن المراد بالفرقان: هو المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب الثلاثة؛ لأنه لما أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق دعوى الرسل حصلت المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب، فالفرقان هي المعجزة، وقال ابن جرير: أنزل بإنزال القرآن الفصل بين الحق والباطل فيما اختلفت فيه الأحزاب وأهل الملل، وقيل غير ذلك. وقال المراغي رحمه الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ أي: وأنزل العقل الذي يفرق به بين الحق والباطل في العقائد، وغيرها، وقال السدي (٣) ﵀

стр. 1606

تعالى: في الآية تقديم وتأخير تقديره: وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا وأنكروا وكذبوا ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الناطقة بتوحيده وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل المبشرة بنزول القرآن ومبعث رسول الله ﷺ ، فكذبوا بالقرآن أولًا، ثم بسائر الكتب تبعًا لذلك وردوها بالباطل كوفد نصارى نجران وغيرهم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: عظيم أليم بسبب كفرهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالخلود في النار. ومناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لما قرر أمر الألوهية وأمر النبوة بذكر الكتب المنزلة .. توعَّد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة وغيرها بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا؛ كالقتل والأسر والغلبة وعذاب الآخرة؛ كالنار. والذين كفروا عامٌّ داخل فيه من نزلت الآية بسببهم، وهم وفد نصارى نجران، وغيرهم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: منيع الجناب عظيم السلطان غالب لا يغلب ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾؛ أي: ذو عقوبة شديدة لمن كفر بآياته، والانتقام: المبالغة في العقوبة فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلًا للعقاب. والمعنى (٢): أن الله بقدرته ينفذ سنته، وينتقم ممن خالفها بسلطانه الذي لا يعارض. ٥ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَخْفَى﴾ ولا يستتر ﴿عَلَيْهِ﴾ ولا يغيب ولا يعزب عن علمه ﴿شَيْءٌ﴾ من الموجودات ولا أمر من أمور العالم كليًّا كان أو جزئيًّا إيمانًا كان أو كفرًا ﴿في﴾ جميع نواحي ﴿الْأَرْضِ وَلَا﴾ كائن ﴿في﴾ جميع أرجاء ﴿السَّمَاءِ﴾ فهو مطلع على كل ما في الكون لا تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ

стр. 1607

خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، ففيه إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات، فينزل لعباده من الكتب ما فيه صلاحهم إذا أقاموه، ويعلم سرهم وجهرهم، فلا يخفى عليه حال الصادق في إيمانه ولا حال الكافر ولا حال من استبطن النفاق وأظهر الإيمان، ولا حال من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وفي التعبير بعدم خفاء شيء عليه إشارة إلى أن علمه لا يوازن علم المخلوقين، بل هو الغاية في الوضوح وعدم الخفاء. وعبر (١) عن الكون بالأرض والسماء؛ إذ الحس لا يتجاوزهما وإنما قدم الأرض ترقيًّا من الأدنى إلى الأعلى؛ ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها، فهو كالدليل على كونه حيًّا. ٦ - و ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ أي: يخلقكم في أرحام أمهاتكم ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ويجعلكم على صور مختلفة متغايرة، وأنتم في الأرحام من النطف إلى العلق إلى المضغ، ومن ذكورة وأنوثة، ومن حسن وقبح، ومن طول وقصر، ومن سعادة وشقاوة، ومن بياض وسواد، وكمال ونقصان. والمعنى: هو الذي يصوركم في ظلمات الأرحام صورًا مختلفة في الشكل والطبع، وذلك من نطفة، وكل هذا على أتم ما يكون دِقَّة ونظامًا. ومستحيل أن يكون هذا من قبيل الاتفاق والمصادفة، بل هو من صنع عليم خبير بالدقائق، وهذه الجملة كالدليل على القيومية. وقرىء شذوذًا (٢): "تصوَّركم"، أي: صوَّركم لنفسِه وعبادته، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون

стр. 1608

بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها". متفق عليه. وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "وكل الله بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فكتب له ذلك في بطن أمه". متفق عليه. وقيل (١): إن هذه الآية واردة في الرد على النصارى، وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى بأمرين: بالعلم، والقدرة. فإن عيسى كان يخبر عن الغيوب، فيقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، ووضعت في دارك كذا، وكان يحيي الموتى، ويبرِىء الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، ثم إنه تعالى استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى، وفي التثليث بقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فالإله يجب أن يكون حيًّا قيومًا، وعيسى لم يكن كذلك، فيلزم القطع بأنه لم يكن إلهًا، ولما قالوا إن عيسى أخبر عن الغيوب .. فوجب أن يكون إلهًا ردَّ عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ والمعنى: لا يلزم من كونه عالمًا ببعض المغيبات أن يكون إلهًا؛ لاحتمال أنه علم ذلك بتعليم الله تعالى ذلك، ولما قالوا: إن عيسى كان يحيي الموتى فوجب أن يكون إلهًا ردَّ الله عليهم بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ والمعنى: إن حصول الإحياء على وفق قول عيسى في بعض الصور لا يدل على كونه إلهًا لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارًا لمعجزته وإكرامًا له. ولما قالوا: أنتم أيها المسلمون توافقونا على أن عيسى لم يكن له أب من البشر، فوجب أن يكون ابنًا لله .. أجاب الله تعالى عن ذلك أيضًا بقوله: ﴿هُوَ

стр. 1609

الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فإن هذا التصوير إذا كان من الله تعالى إن شاء صوَّره من نطفة الأب، وإن شاء صوَّره ابتداء من غير أب، ولما قالوا للرسول ﷺ : ألست تقول إن عيسى روح الله وكلمته فهذا يدل على أنه ابن الله؟ أجاب الله عن ذلك: بأن هذا اللفظ من باب المتشابهات، فوجب رده إلى التأويل وذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فظهر بذلك المذكور أن قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إشارة إلى أن عيسى ليس بالإله، ولا بابن الإله، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ .. فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ جواب عن تمسكهم بقدرة عيسى على الإحياء ونحوه؛ لأنه لو قدر على الإحياء لقدر على الإماتة، ولو قدر على الإماتة لأمات اليهود الذين قتلوه على زعم النصارى، فثبت أن حصول الإحياء في بعض الصور لا يدل على كونه إلهًا، وهو جواب أيضًا عن تمسكهم بأن من لم يكن له أب من البشر .. وجب أن يكون ابنًا لله، فكأنه تعالى يقول: كيف يكون عيسى ولدًا لله وقد صوَّرهُ في الرحم والمصور لا يكون أبًا للمصور؟. وأما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ...﴾ إلى آخر الآيات .. فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن: أن عيسى روح الله وكلمته، ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبهتهم .. أعاد كلمة التوحيد زجرًا لسائر النصارى عن قولهم بالتثليث فقال: ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود موجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ولا رب سواه منفرد بالألوهية والربوبية ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، فهو المنفرد بالإيجاد والتصوير، العزيز الذي لا يغلب على ما قضى به علمه، وتعلقت به إرادته، الحكيم المنزه عن العبث، فهو يوجد الأشياء على مقتضى الحكمة ومن ثَمَّ خلقكم على هذا النمط البديع الذي لا يتصور ما هو أدق منه وأحكم كما قيل: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهذا

стр. 1610

إثبات لما تقدم من أن علم عيسى ببعض الغيوب وقدرته على الإحياء في بعض الصور لا يكفي في كونه إلهًا فإن الإله لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز وكامل العلم وهو الحكيم. ٧ - ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن العظيم منقسمًا إلى قسمين: قسم ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾؛ أي: واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، أو محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال قطعية الدلالة على المعنى المراد ﴿هُنَّ﴾؛ أي: تلك المحكمات ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي: أصل القرآن الذي يرجع إليه عند الاشتباه، وعمدته التي ترد إليها الآيات المتشابهات، كقوله تعالى في شأن عيسى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ وكقوله فيه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْق من مخلوقات الله وعبد من عباده ورسول من رسل الله ﴿و﴾ قسم منه آيات ﴿أخر﴾ جمع أخرى ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾؛ أي: محتملات لمعانٍ متشابهة لا يتضح مقصودها؛ لإجمال أو مخالفة ظاهرة إلا بنظر دقيق وتأمل أنيق. أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد؛ كقوله تعالى في شأن عيسى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؛ أي: ميل عن الحق إلى الأهواء الباطلة وخروج عنه إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾؛ أي: فيتعلقون ويأخذون بالمتشابه من الكتاب الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فقال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم" ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ أي: طلب الإضلال لأتباعهم إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو

стр. 1611

حجة عليهم لا لهم، أو طلب الفتنة في الدين وهي الضلال عنه فإنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين صار بعضهم مخالفًا لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والتقاتل ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: وطلب تأويل المتشابه على ما ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان وطلب تحريفه على ما يريدون. وذلك كاحتجاج النصارى على عقيدتهم الفاسدة بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه عبد من عباد الله ورسول من رسله. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾؛ أي: والحال أنه ما يعلم تأويل المتشابه وتفسيره حقيقة ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحده، ونقل عن ابن عباس ﵄: تفسير القرآن على أربعة أنحاء: تفسير لا يسع لأحد جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. وقال المراغي قوله (١): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معناه: فأما الذين يميلون عن الحق ويتبعون أهواءَهم الباطلة، فينكرون المتشابه وينفِّرون الناس منه، ويستعينون على ذلك بما في غرائز الناس وطبائعهم من إنكار ما لم يصل إليه علمهم، ولا يناله حسهم؛ كالإحياء بعد الموت، وجميع شؤون العالم الأخروي، ويأخذونه على ظاهره بدون نظرٍ إلى الأصل المحكم؛ ليفتنوا الناس بدعوته إلى أهوائهم .. فيقولون: إن الله روح، والمسيح روح مثله، فهو من جنسه، وجنسه لا يتجزأ فهو هو، ومعنى ابتغاء تأويله: أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم، لا إلى الأصل المحكم الذي بُني عليه الاعتقاد، فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها، ويصرفونها إلى معانٍ من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس

стр. 1612

عن دينهم، والقرآن مليء بالرد عليهم من نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. انتهى. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: والذين رسخوا وثبتوا في العلم وتمكنوا فيه وعضوا فيه بضرس قاطع، وهذا كلام مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم، والخبر قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بالمتشابه أنه من عند الله، ولا نعلم معناه، وعدم التعرض لإيمانهم بالمحكم لظهوره ﴿كُلٌّ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾؛ أي: من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه. والراسخ في العلم (١): هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل القطعية اليقينية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، وعرف أنه تعالى لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا رأى شيئًا متشابهًا، ودل الدليل القطعي على أن الظاهر ليس مرادًا لله تعالى .. علم حينئذٍ قطعًا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره، ثم فوض تعيين ذلك المراد إلى علمه تعالى، وقطع بأن ذلك المعنى على أيِّ شيءٍ كان فهو الحق والصواب؛ لأنه علم أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى. وقيل الراسخ في العلم (٢): من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: وما يتعظ بما في القرآن وما يتيقظ له ويتدبر له إلا أصحاب العقول الكاملة المستنيرة الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة، وهذا مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر. ٨ - ولما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات

стр. 1613

والمتشابهات .. تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿لَا تُزِغْ﴾ ولا تمل ﴿قُلُوبَنَا﴾ عن الحق والهدى، كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ؛ أي: لا تمل قلوبنا عن دينك. قراءة الجمهور: بضم التاء ونصب القلوب، وقرىء شذوذًا بفتح التاء ورفع القلوب على نسبة الفعل إليها ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾؛ أي: وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك، أو يقال: يا ربنا لا تجعل قلوبنا مائلة إلى الباطل بعد أن تجعلها مائلة إلى الحق ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ أي: أعطنا من فضلك وكرمك رحمة تثبتنا بها على دينك الحق والإيمان بكتابك، أو المعنى: أعطنا من عندك نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب ونور الطاعة والعبودية والخدمة في الأعضاء، وسهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفافة في الدنيا، وسهولة سكرات الموت عند الموت، وسهولة السؤال والظلمة في القبر، وغفران السيئات وترجيح الحسنات في القيامة. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ يا ربنا ﴿الْوَهَّابُ﴾ الهبة العظيم الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن هذا الذي طلبنا منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلينا، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك وغاية جودك ورحمتك. والوهاب في أسماء الله: هو الذي يعطي كل أحد على قدر استحقاقه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرِّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" أخرجه مسلم. وهذا الحديث من أحاديث الصفات، يجب الإيمان به وإمراره كما جاء من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه، بل نؤمن به كما جاء وأنه حق، ونكل علمه إلى مراد الله ورسوله ﷺ ، وهذا القول هو مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم وهو الأعلم الأسلم الذي نعض ٩ - عليه بالنواجذ ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾؛ أي؛ يا ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك في وقوعه فجازنا فيه أحسن الجزاء. ﴿إِنَّ اللَّه

стр. 1614

سبحانه وتعالى ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: لا يترك وفاء ما وعده لعباده، وهذا من بقية كلام الراسخين في العلم؛ وذلك لأنهم لما طلبوا من ربهم أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية وأنواع الرحمة .. فكأنهم قالوا: ليس غرضنا من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقرضة، وإنما غرضنا الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة، فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ونعلم أن وعدك بالجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والنار لا يكون خلفًا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته الهداية والرحمة بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد. تنبيهات الأول منها: اختلفت عبارة العلماء في تفسير (١) المحكم والمتشابه على أقوال فقيل: إن المحكم ما عرف تأويله، وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، ومن القائلين بهذا القول: جابر بن عبد الله والشعبي وسفيان الثوري قالوا: وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما يحتمل وجوهًا. فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي .. صار المتشابه محكمًا، وقيل: إن المحكم: ناسخة وحرامه وحلاله وفرائضه وما نؤمن به ونعمل عليه، والمتشابه: منسوخه وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل به. ورُوي هذا القول عن ابن عباس، وقيل: المحكم: الناسخ. والمتشابه: المنسوخ وبه قال: ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك. وقيل: المحكم: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له. والمتشابه: ما فيه تصريف وتحريف وتأويل، وبه قال: مجاهد وابن إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال. وقيل: إن المحكم ما أطلع الله عباده على معناه. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة؛ مثل الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول

стр. 1615

عيسى وطلوع الشمس من مغربها وفناء الدنيا وقيام الساعة، فجميع هذا ما استأثر الله بعلمه. وبهذا القول اختار القرطبي والطبري، وقيل: إن المحكم: سائر القرآن. والمتشابه: هي الحروف المقطعة في أوائل السور إلى غير ذلك. والثاني منها: ما قيل (١): إن الله قد جعل القرآن هنا محكمًا ومتشابهًا، وجعله في موضع آخر كله محكمًا، كقوله في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وجعله في موضع آخر كله متشابهًا، كقوله في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ قلت: حيث جعله كله محكمًا أراد به أنه كله حق وصدق، ليس فيه عبث ولا هزل. وحيث جعله متشابهًا أراد أن بعضه يشبه بعضًا في الحسن والحق والصدق. وحيث جعله هنا بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا فقد اختلفت عبارات العلماء في تفسيرهما آنفًا. والثالث منها (٢): سؤال يخطر بالبال، وهو: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله، والراسخون في العلم، ولم يكن كله محكمًا يتساوى في فهمه جميع الناس، لأنه نزل لإرشاد العباد هاديًا لهم، والمتشابه يحول دون الهداية؛ لوقوع اللبس في فهمه وفتح باب الفتنة في تأويله لأهل التأويل؟ أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة: منها: أن في إنزال المتشابه امتحانًا لقلوبنا، في التصديق به؛ إذ لو كان ما جاء في الكتاب معقولًا لا شبهة فيه لأحد .. لما كان في الإيمان به شيء من الخضوع لأمر الله والتسليم لرسله. ومنها: أن في وجود المتشابه في القرآن حافزًا لعقول المؤمنين إلى النظر
следующие страницы →