لها، فقال: يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، فقالت قريش: إنما نعبدها حبًّا لله؛ لتقربنا إلى الله زلفى، فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنَّ نصارى نجران قالوا: إنما نقول هذا القول في عيسى حبًّا لله وتعظيمًا له، فأنزل: قل يا محمَّد إن كنتم تحبون الله.
التفسير وأوجه القراءة
﴿قُلْ﴾ يا محمَّد معظمًا لربك وشاكرًا له ومفوضًا إليه ومتوكلًا عليه ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ أي: يا إلهي ويا معبودي ويا ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ويا صاحب السلطنة والغلبة العامة لجميع الكائنات، وقيل: يا مالك الخلق من العرش إلى الفرش، ومدبرهم ومصرفهم، وقيل: يا مالك الدنيا والآخرة أنت ربنا سبحانك لك السلطان الأعلى، والتصرف التام في تدبير الأمور، وإقامة ميزان النظام العام في الكائنات، فأنت ﴿تُؤْتِي﴾ وتعطي ﴿الْمُلْكِ﴾ الخاص والسلطنة والغلبة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وتريد إيتاءه وإعطاءه له من خلقك، فتملكه وتسلطه على من تشاء، أو تعطي النبوة من تشاء، كمحمد ﷺ ؛ لأنها أعظم مراتب الملك؛ وذلك لأن النبي ﷺ له الأمر على الخلائق من جهة مالك الملوك، لا بالسياسة والأسباب الاجتماعية بتكوين القبائل والشعوب ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: تسلب الملك ﴿مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أن تسلبه منه؛ إما بالموت، أو إزالة العقل، أو إزالة القوى والحواس، أو بورود التلف على الأموال، أو بانحراف الناس عن الطريق السوي الحافظ للملك؛ من العدل، وحسن السياسة، وإعداد القوة بقدر المستطاع؛ كما نزعه من بني إسرائيل وغيرهم؛ بظلمهم وفسادهم، أو تنزع النبوة ممن تشاء، وتؤتيها من تشاء. ومعنى: نَزْعِها: نقلها من قومٍ إلى قومٍ؛ كما نقلها من بني إسرائيل إلى العرب، فأعطاها محمدًا ﷺ فإنه لا نبي بعده، ولم يشركه في نبوته ورسالته أحد. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إعزازه بإعطائه الملك والسلطنة، وتنصره على عدوه، أو بالإيمان والحق وبالأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وبإلقاء الهيبة في قلوب الناس، أو بالنبوة والرسالة، كمحمد ﷺ ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إذلاله بسلب ملكه، وتسليط عدوه عليه، أو بالكفر والباطل، أو بنزع النبوة منهم وضرب الجزية عليهم؛ كاليهود، فأنت
стр. 1682
المعطي (١) وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله محمَّد ﷺ ، وعلى هذه الأمة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن مَن كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيًّا من الأنبياء ولا رسولًا من الرسل، في العلم بالله، وشريعته، وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع. فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار.
واعلم: أن للعزة آثارًا وللذل مثلها؛ فالعزيز يكون نافذ الكلمة كثير الأعوان مالكًا للقلوب بجاهه أو علمه، النافع للناس مع بسطة في الرزق، وإحسان إلى الخلق.
والذليل يرضى بالضيم والمهانة، ويضعف عن حماية الحريم، ومقاومة العدو المهاجم، ولا عز أعظم من الاجتماع والاتفاق والتعاون على نشر دعوة الحق، ومقاومة الباطل، إذا سار المجتمعون على السنن التي سنها الله لعباده، فأعدوا لكل أمر عدته، ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلته في تكوين العزة واجتماع القوة، فقد كان المشركون في مكة، واليهود ومنافقوا العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النبي ﷺ والمؤمنين، ولكن لم يغنِ ذلك عنهم شيئًا كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية.
والمشاهدة أكبر دليل على صدق هذا، انظر إلى الشعوب الأرمية في شرق إفريقيا، على كثرة عدد كل شعب منها كيف استأمرها، وتحكم فيها ملوك الحبشة، على قلة عددهم. وما ذلك إلا لفشو الجهل، وتفرق الكلمة، والتخاذل في مقاومة الغاصب، بل ممالأة بعضهم له إذا جاش بصدر بعضهم مقاومته،
стр. 1683
والسعي في إزالة طغيانه وتحكمه في الرقاب والبلاد، هذه مصيبة ما أعظمها. فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنسأل الله أن ينصر المسلمين على أعدائهم، ويردَّ إليهم أراضيهم بتوفيقهم كلمة الحق. آمين.
﴿بِيَدِكَ﴾ يا إلهي لا بيد غيرك ﴿الْخَيْرُ﴾ كله من الإعزاز والنصرة والغنيمة، وكذا بيدك الشر من الإذلال والخذلان والهزيمة، فهو من باب الاكتفاء. إلا أنه خص الخير بالذكر؛ لأنه المنتفع به والمرغوب فيه، ولأنه المناسب للمقام، فإنه ما أغرى أولئك الجاحدين وجعلهم يستهينون بالدعوة إلا فقر الداعي، وضعف أتباعه، وقلة عددهم، فأمره الله أن يلجأ إلى مالك الملك الذي بيده الإعزاز والنصر، وأن يذكره بأن الخير كله بيده فلا يعجزه أن يعطي نبيه والمؤمنين من السيادة وبسطة السلطنة ما وعدهم، وأن يؤتيهم من الخير ما لا يدور بخلد أولئك الذين استضعفوهم، كما قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾.
واليد صفة ثابتة له تعالى نؤمن بها ولا نكيفها ولا نمثلها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ كما هو المذهب الأعلم الأسلم الذي عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ﴿إِنَّكَ﴾ يا إلهي ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ تريده من إيتاء الملك لمن تشاء ونزعه منه، وإعزاز من تشاء وإذلال من تشاء ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر عليه ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك.
٢٧ - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ﴾؛ أي: إنك يا إلهي بقدرتك تدخل بعض ساعات الليل ﴿فِي النَّهَارِ﴾ فيكون النهار أطول بقدر ما نقص من الليل حتى يكون النهار خمسة عشر ساعة، وذلك غاية طول النهار، ويكون الليل تسع ساعات، وذلك غاية قصر الليل؛ كما يكون في زمن الصيف ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ﴾؛ أي: وتدخل بعض ساعات النهار ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيكون الليل أطول بقدر ما نقص من النهار حتى يكون الليل خمسة عشر ساعة، وذلك غاية طوله، ويكون النهار تسع ساعات، وذلك غاية قصره؛ كما يكون في زمن الشتاء.
стр. 1684
وقيل (١): المراد أنه تعالى يأتي بسواد الليل عقيب ضوء النهار، ويأتي بضوء النهار بعد ظلمة الليل. والقول الأول أصح وأقرب إلى معنى الآية؛ لأنه إذا نقص الليل كان ذلك القدر زيادة في النهار، وبالعكس وهو معنى: الولوج.
والخلاصة: أنك بحكمتك في خلق الأرض مكورة، وجعل الشمس بنظام خاص تزيد في أحد الملوين الليل والنهار ما يكون سببًا في نقص الآخر، فليس بالمنكر بعد هذا أن تؤتي النبوة والملك من تشاء؛ كمحمد وأمته من العرب، وتنزعهما ممن تشاء؛ كبني إسرائيل، فما مثل تصرفك في شؤون الناس إلا مثل تصرفك في الليل والنهار.
﴿و﴾ إنك يا إلهي ﴿تخرج الحي﴾ حياة معنوية ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ موتًا معنويًّا؛ كالعالم من الجاهل، والمؤمن من الكافر؛ كعكرمة من أبي جهل؛ لأن المؤمن حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد، أو حياة وموتًا حسيين؛ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة.
﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ موتًا معنويًّا أو حسيًّا ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾ حياة معنوية أو حسية؛ كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن؛ ككنعان من سيدنا نوح ﵇، وكالنطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، وكذلك سائر الحيوان.
﴿و﴾ إنك يا إلهي ﴿ترزق﴾ وتعطي ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وتريد رزقه رزقًا كثيرًا ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ومقدار لا يعرف الخلق عدده، ومقداره لكثرته وإن كان معلومًا عنده تعالى يعني من غير تضييق ولا تقتير، بل تبسط الرزق لمن تشاء وتوسعه عليه.
والخلاصة: أن من قدر على تلك الأفعال العجيبة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب .. فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم، ويذلهم، ويؤتيه العرب، ويعزهم فإن الأمر كله بيده، وفي بعض الكتب السالفة: أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني .. جعلتهم
стр. 1685
عليهم رحمة، وإنْ العباد عصوني .. جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم. وهو معنى قوله ﵇: "كما تكونوا يولى، عليكم" وقيل معنى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: يرزقه بلا تكلف ولا تعب ولا ضيق؛ أي: ومن غير توقف على عمل منا، وإلا فلو توقف رزقه على عمل منا .. لما أعطانا شيئًا أبدًا، فسبحان الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه.
وقال أبو العباس المقري (١): ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه: بمعنى: التعب، كما في هذه الآية، وبمعنى: العدد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وبمعنى: المطالبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وشدد حفص ونافع وحمزة والكسائي (٢): ﴿الْمَيِّتِ﴾ في هذه الآية. وفي الأنعام والأعراف ويونس والروم وفاطر زاد نافع تشديد الياء في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ في الأنعام، ﴿والأرض الميتة﴾ في يونس، و ﴿لحم أخيه ميتًا﴾ في الحجرات، وقرأ الباقون بتخفيف ذلك، ولا فرق بين التشديد والتخفيف في الاستعمال؛ كما نقول: لَيْن ولَيِّن وهيْن وهيّن، ومن زعم أن المخفف لما قد مات، والمشدد لما لم يمت .. فيحتاج إلى دليل.
٢٨ - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يجعل المؤمنون ﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أصدقاءً وأنصارًا وأعوانًا ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من غير المؤمنين وسواهم؛ أي (٣): لا يوال المؤمنون الكافرين لا استقلالًا ولا اشتراكًا مع المؤمنين، وإنما الجائز لهم قصر الموالاة والمحبة على المؤمنين بأن يوالي بعضهم بعضًا فقط، فقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من الفاعل؛ أي: حال كون المؤمنين متجاوزين بموالاتهم المؤمنين؛ أي: تاركين قصر الولاية عليهم، وذلك الترك يصدق
стр. 1686
بصورتين كونها مشتركة بين الكفار والمؤمنين، وكونها مخصصة بالكفار؛ أي: لا يصطف (١) المؤمنون الكافرين، فيكاشفوهم بالأسرار الخاصة بالشؤون الدينية، ويقدموا مصلحتهم على مصلحة المؤمنين؛ إذ في هذا تفضيل لهم عليهم وإعانة للكفر على الإيمان.
وخلاصة هذا: نهى المؤمنين عن موالاة الكافرين لقرابة أو صداقة جاهلية أو جوار، أو نحو ذلك من أسباب المصادقة والمعاشرة، بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه مما يقتضيه الإِسلام من الحب والبغض لمصلحة الدين فحسب. ومن ثَمَّ تكون موالاة المؤمنين أجدى لهم في دينهم من موالاة الكافرين.
فإن كانت الموالاة والمحالفة لمصلحة المؤمنين .. فلا مانع منها، فقد حالف النبي ﷺ خزاعة وهم على شركهم، كما لا مانع من ثقة المسلم بغيره وحسن معاملته في أمور الدنيا.
واعلم أن كون المؤمن مواليًا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون راضيًا بكفره ويتولاه لأجله، وهذا ممنوع؛ لأن الرضا بالكفر كفر.
وثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، وذلك غير ممنوع.
وثالثها: الركون إلى الكفار والمعونة لهم والنصرة، إما بسبب القرابة، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهيٌّ عنه؛ لأن المُوالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان دينه والرضا بطريقته، وذلك يخرجه عن الإِسلام، فهذا هو الذي هَدَّد الله فيه بقوله الآتي: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾، وقرأ الضبي شذوذًا: لا يتخذُ برفع الذال على النفي، والمراد به: النهي، وقد أجاز الكسائي فيه الرفع كقراءة الضبي وذلك شذوذًا كما سبق بيانه، قال أبو حيان (٢): وظاهر الآية تقتضي النهي عن موالاتهم إلا ما فسح
стр. 1687
لنا فيه من اتخاذهم عبيدًا، والاستعانة بهم استعانة العزيز بالذليل، والأرفع بالأوضع، والنكاح فيهم، فهذا كله ضرب من الموالاة أذن لنا فيه، ولسنا ممنوعين منه، فالنهي ليس على عمومه. انتهى.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: اتخاذ الكافرين أولياء بالاستقلال، أو بالاشتراك مع المؤمنين فيما يضر مصلحة الدين؛ بنقل الأخبار إليهم وإظهار عورة المسلمين لهم، أو يودهم ويحبهم ﴿فَلَيْسَ﴾ ذلك الموالي ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من ولاية الله ودينه ﴿فِي شَيْءٍ﴾ قليل ولا كثير؛ أي: فليس بمطيع لله ولا ناصر لدينه، وصلة الإيمان بينه وبين ربه تكون منقطعة، ويكون من الكافرين كما جاء في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا أمر معقول من أن ولاية المولى معاداة أعدائه، وموالاة الله وموالاة الكفار ضدان لا يجتمعان ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾؛ أي: إلا أن تخافوا أيها المؤمنون من الكفار مخافة وضررًا؛ أي: إلا أن تخافوا من جهتهم أمرًا يجب اتقاؤه والاحتراز منه؛ بأن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك، أو مالك، فحينئذٍ يجوز إظهار الموالاة وإبطان المعاداة؛ أي: لا تتخذوا الكفار أولياء ظاهرًا أو باطنًا في حال من الأحوال إلا في حال اتقائكم وخوفكم من جهتهم اتقاءً ومخافةً.
والمعنى: نهى (١) الله المؤمنين من موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه، من غير أن يستحل دمًا حرامًا ومالًا حرامًا، أو غير ذلك من المحرمات، ومن غير أن يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع صحة النية.
وخلاصة الكلام (٢): أن ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلا في حال الخوف من شي تتقونه منهم، فلكم حينئذٍ أن تتقوهم بقدر ما يُتقى ذلك الشيء؛ إذ القاعدة الشرعية أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح،
стр. 1688
وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر، فأولى أن تجوز لمصلحة المؤمنين، وإذًا فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأولى إما بدفع خطر، أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر بالمسلمين، ولا تخص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية؛ بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق؛ لأجل توقي ضرر من الأعداء يعود إلى النفس أو العرض أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهًا وقايةً لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان .. لا يكون كافرًا، بل يُعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر .. فوافقها مكرهًا وقلبه مليء بالإيمان، وفيه نزلت الآية: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.
وكما عذر الصحابي الذي قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: نعم، حين أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه، ودعا الآخر فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصمُّ ثلاثًا، فقدمه وقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئًا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تَبِعة عليه". وهي من الرخص لأجل الضرورات العارضة، لا من أصول الدين المتبعة دائمًا، ومن ثمَّ وجب على المسلم الهجرة من المكان الذي يخاف فيه من إظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية، ومن كمال الإيمان أن لا يخاف في الله لومة لائم كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.
وكان النبي ﷺ وأصحابه يتحملون الأذى في سبيل دعوة الدين، ويصبرون عليه.
стр. 1689
ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسم في وجوههم، وبذل المال لهم؛ لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله ﷺ : "ما وقى به المؤمن عرضه، فهو صدقة".
وعن عائشة ﵂: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال رسول الله ﷺ : "بئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة، ثم أذن له، فألان له القول"، فلما خرج .. قلت: يا رسول الله قلت ما قلت، ثم ألنتَ له القول، فقال: "يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه" رواه البخاري وروى قوله ﷺ "إنا لنبَشُّ - نبتسم - في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتقليهم - تبغضهم" - وقرأ الجمهور: ﴿تُقَاةً﴾، وأمال الكسائي: ﴿تُقَاةً﴾ و ﴿حق تقاته﴾، ووافقه حمزة هنا. وقرأ ورش بين اللفظين، وفتح الباقون وقرىء: ﴿تقية﴾.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يخوفكم الله ﴿نَفْسَهُ﴾؛ أي: غضبه وسخطه عليكم؛ بأن ترتكبوا المنهي، أو تخالفوا المأمور، أو توالوا الكفار، فتستحقوا غضبه وعقابه على ذلك كله، فالكلام على حذف مضاف، وفائدة ذكر: ﴿نَفْسَهُ﴾ الإيماء إلى أن الوعيد صادر منه تعالى، وهو القادر على إنفاذه، ولا يعجزه شيء عنه.
وفي ذلك وعيد شديد، وتهديد عظيم لمن تعرض لسخطه بموالاة أعدائه؛ لأن شدة العقاب بحسب قوة المعاقِب وقدرته. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿الْمَصِيرُ﴾ والمرجع؛ أي: رجوع جميع الخلائق بالبعث من القبور إلى الله، فيجازي كلًّا على عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، والمعنى: فاحذروه، ولا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه، وموالاة أعدائه، وهو وعيد آخر أيضًا.
٢٩ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ أي: تسروا وتستروا ما في قلوبكم من موالاة الكفار ومودتهم، أو من البغض والعداوة لمحمد ﷺ إن قلنا: إن الآية نزلت في حق المنافقين واليهود، وإنما ذكر الصدر؛ لأنه وعاء القلب. ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾؛ أي: أو تظهروا ما في قلوبكم من مودة الكفار قولًا وفعلًا، أو تظهروا ما في قلوبكم من بغض محمَّد وعداوته بالشتم له والطعن والمحاربة له
стр. 1690
﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ أي: يحفظه الله عليكم، فيجازيكم به ﴿و﴾ هو ﴿يعلم﴾ جميع ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الخير والشر والسر والعلانية، وهذه الجملة مستأنفة وليست بمعطوفة على جواب الشرط، وهي من إتمام التحذير، يعني: أنه تعالى إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض .. فكيف يخفى عليه حالكم، وموالاتُكم الكفار، وميلكم إليهم بقلوبكم؟.
والمعنى: أنه تعالى يعلم ما تنطوي عليه قلوبكم إذ توالون الكفار، أو توادونهم، أو تتقون منهم ما تتقون. فإن كان ذلك يميل بكم إلى الكفر .. جازاكم عليه، وإن كانت قلوبكم مطمئنة بالإيمان .. غفر لكم ولم يؤاخذكم على عمل لا جريمة فيه على الدين، ولا على أهله، وهو إنما يجازيكم بحسب علمه المحيط بما في السموات والأرض؛ لأنه الخالق لها، كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أهل السموات والأرض وثوابهم وعقابهم ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، فهو يقدر على عقوبتهم، فلا تجترئوا على عصيانه وموالاة أعدائه؛ إذ ما من معصية خفيةً كانت أو ظاهرة إلا وهو مطلع عليها، قادر على عقاب فاعلها، وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا (١) تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته؛ لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر مَن أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا:
٣٠ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾؛ أي: اذكروا واحذروا عقوبته ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾، وتصيب كل نفس فيه جزاء ما عملته وكسبته من خير؛ وهو يوم القيامة حال كونه محضرًا؛ أي: مكتوبًا في ديوانها لم ينقص منه شيء، وتسر به. وقرأ الجمهور: ﴿مُحْضَرًا﴾ - بفتح الضاد - اسم مفعول، وقرأ عبيد بن عمير شذوذًا: (محضِرًا) - بكسر الضاد - اسم فاعل؛ أي: محضرًا للجنة، أو محضرًا مسرعًا به إلى الجنة من قولهم: أحضر الفرس إذا جرى وأسرع. ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأ، خبره جملة قوله:
стр. 1691
﴿تَوَدُّ﴾؛ أي: والذي عملته وكسبته نفس من سوء وعصيان حالة كونه محضرًا ومكتوبًا في ديوانها تود وتتمنى وتحب ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾؛ أي: تتمنى كون مسافة بعيدة طويلة بينها وبين ذلك السوء خوفًا من جزائه وعقوبته، قيل: كما بين المشرق والمغرب.
فما رأى (١) من عمله حسنًا .. سرَّه ذلك، وأفرحه، وما رأى من قبيحٍ .. ساءَه وغصه وود لو أنه تبرأ منه، وكان بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان قرينًا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، ثم قال تعالى مؤكدًا ومهددًا ومتوعدًا: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾؛ أي: يخوفكم عقابه، والعني: احذروا من سخط الله؛ بترجيح جانب الخير وعمله على ما يزينه لكم الشيطان من عمل السوء. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وكرر هذه الجملة؛ إما للتأكيد، والأحسن ما قاله سعد الدين التفتازاني: إن ذكره أولًا للمنع من موالاة الكافرين، وثانيًا للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر، ثم قال ﷻ مرجيًا لعباده؛ لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: شديد الرحمة بهم؛ حيث قطع عذرهم ببيان ذلك في زمن يسع التوبة والرجوع إليه فيه، ومن جملة رأفته بهم: كثرة التكرار والتأكيد في الكلام؛ لعله يصل إلى قلوب السامعين، فيعملوا بمقتضاه.
قال الحسن البصري: ومن رأفته أن حذرهم نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته؛ لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة .. دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه. انتهى.
ومن رأفته أيضًا أن جعل الفطرة الإنسانية ميَّالةً بطبعها إلى الخير، مبغضة لما يعرض لها من الشر، وأن جعل أثر الشرِّ في النفس قابلًا للمحو بالتوبة والعمل الصالح.
стр. 1692
٣١ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: مناسبة الآية لما قبلها: لما ذكر الله جلال سلطانه، وعظيم كماله، ثم نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه، وأكد ذلك بالوعيد الشديد .. ذكر هنا أن طريق محبته متابعة رسوله، وامتثال أوامره التي جاء بها، واجتناب ما نهى عنه، وبذلك يكون المرء أهلًا لمحبته، مستحقًا لغفران ذنوبه.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾؛ أي: تريدون محبة الله وطاعته، وترغبون في العمل بما يقرب إليه طلبًا للثواب فيما عنده ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾؛ أي: فاقتدوا بي بامتثال ما نزل به الوحي منه إليَّ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يرضى الله عنكم أعمالكم ويثبكم عليها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ أي؛ ويتجاوز لكم عما فرط منكم من الأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة، فيقربكم من جنات عزِّه، ويبوئكم في جوار قدسه؛ إذ في هذا الاتباع اعتقاد الحق والعمل الصالح، وهما يزيلان من النفس آثار المعاصي والرذائل، ويمحوان منها ظلمة الباطل، وأثر ذلك: المغفرة ورضوان الله.
وهذا حجة على من يدعي محبة الله في كل زمان، وأعماله تكذب ما يقول؛ إذ كيف يجتمع الحب مع الجهل بالمحبوب، وعدم العناية بأوامره ونواهيه؟ فهو كما قال الورَّاق:
تَعْصِي الإِلهَ وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي في الْقِيَاسِ بَدِيعٌ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحبُّ مَطِيعُ
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن تحبب إليه بطاعته ﴿رَحِيمٌ﴾ بمن تقرب إليه باتباع نبيه في الدنيا والآخرة؛ إذ في هذا تزكية للنفس بصالح العمل، فيغفر لها ما فرط من زلاتها، ويتجاوز عن سيئاتها.
فائدة: والمحبة (١) ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها - أي: النفس - إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا
стр. 1693
لله ، وأن كل ما يراه كمالًا من نفسه، أو من غيره، فهو من الله وبالله وإلى الله .. لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ في عبادته والحرص على مطاوعته، قاله القاضي.
وقال بعضهم: إن محبة العبد لله عبارة عن: إعظامه وإجلاله وإيثار طاعته واتباع أمره ومجانبة نهيه، ومحبة الله للعبد عبارة عن: ثنائه عليه ورضاه عنه وثوابه له وعفوه عنه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقيل (١): محبة الله: معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به بذكره ودوام الأنس به. وقيل: علامة المحبة أن يكون دائم التفكر، كثير الخلوة، دائم الصمت، لا يبصر إذا نظر، ولا يسمع إذا نودي، ولا يحزن إذا أُصيب، ولا يصرخ إذا أصاب، ولا يخشى أحدًا، ولا يرجوه. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية قال عبد الله بن أبي رئيس المنافقين لأصحابه: إن محمدًا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه؛ كما أحبت النصارى عيسى بن مريم. فأنزل الله عزّ
٣٢ - وجلّ أمرًا لكل أحد من خاص وعام ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ أي: قل لهم يا محمَّد: أطيعوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوا رسوله باتباع سنّته، والاهتداء بهديه.
وفي هذا إرشاد إلى أن الله إنما أوجب عليكم متابعته؛ لأنه رسوله، لا كما تقول النصارى في عيسى.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن أعرضوا ولم يجيبوا دعوتك غرورًا بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم على ملة إبراهيم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ الذين تصرفهم أهواؤهم عن النظر الصحيح في آياته، وعما أنزله على رسوله، فلا يرضى عنهم، بل يبعدهم عن جوار قدسه وحظيرة عزته، ويسخط عليهم يوم يرضى عن المؤمنين به، المطيعين لنبيه، المتبعين لما جاء به من عند ربه، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
стр. 1694
الْكَافِرِينَ﴾ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، أي: لا يحبهم ولا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني .. دخل الجنة، ومن عصاني .. فقد أبى" أخرجه البخاري في "صحيحه".
وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاعني .. فقد أطاع الله، ومن عصاني .. فقد عصى الله، ومن يطع الأمير .. فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير .. فقد عصاني" متفق عليه.
وروى مسلم في "صحيحه" عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله إذا أحبَّ عبدًا .. دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا، فأحبَّه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا، فأحبُّوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا .. دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانًا، فأبغضْه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء؛ إن الله يبغض فلانًا، فأبغِضُوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تُحبون﴾ و ﴿يحببكم﴾ - بضم التاء والياء - من: أحبَّ الرباعي، وقرأ أبو رجاء العطاردي شذوذًا: ﴿تَحبون ويَحببكم﴾ - بفتح التاء والياء - من: حبَّ الثلاثي، وهما لغتان، وذكر الزمخشري: أنه قرئ: ﴿يحبكم﴾ - بفتح الياء، والإدغام - وهو شاذ أيضًا وقرأ الزهري شذوذًا: ﴿فاتبعوني﴾ - بتشديد النون - أَلحق بفعل الأمر نون التوكيد، وأدغمها في نون الوقاية، ولم يحذف الواو؛ شبهًا بـ ﴿تحاجوني﴾، وهذا توجيه شذوذ، وروي عن أبي عمرو إدغام راء ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ في لام ﴿لَكُمْ﴾. وذكر ابن عطية عن الزجاج: أن ذلك خطأ وغلط، ولكن رؤساء الكوفة كأبي جعفر الرؤاسي والكسائي والفراء رووا ذلك عن العرب، ورأسان من أهل البصرة - وهما أبو
стр. 1695
عمرو ويعقوب - قرآ بذلك وروياه، فلا التفات لمن خالف في ذلك.
الإعراب
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾.
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُمَّ﴾: منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك لا يجتمعان، وهذا التعويض خاص بالاسم الجليل؛ كما اختص بجواز الجمع فيه بين (يا) و (أل) وبقطع همزته ودخول تاء القسم عليه. ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء تقديره: يا مالك الملك، وجملة النداء في النصب جزء المقول، وفي "الفتوحات": قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ فيه (١) أربعة أوجه: أحدهما: أنه بدل من ﴿اللَّهُمَّ﴾. الثاني: أنه عطف بيان. الثالث: أنه منادى ثانٍ حذف منه حرف النداء، أي؛ يا مالك الملك، وهذا هو البدل في الحقيقة؛ إذ البدل على نية تكرار العامل إلا أن الفرق أن هذا ليس بتابع. الرابع: أنه نعت لقوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾ على الموضع؛ فلذلك نُصب. انتهى باختصار. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾: فعل ومفعول ثانٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ولكنها الآن في محل النصب جزء المقول. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول، ﴿تَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تشاؤه. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾: الواو عاطفة (تنزع الملك): فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ﴿مِمَّنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تنزع﴾، وجملة ﴿تَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَن﴾ الموصولة.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 1696
﴿وَتُعِزُّ﴾ الواو عاطفة. ﴿تعز﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَشَاءُ﴾ صلة لها، والعائد محذوف تقديره: من تشاء إعزازه. ﴿وَتُذِلُّ﴾: الواو عاطفة. (تذل): فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُؤْتِي﴾، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَشَاءُ﴾ صلته. ﴿بِيَدِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿الْخَيْرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿تُؤْتِي﴾، ﴿إِنَّكَ﴾: إنَّ حرف نصب، الكاف اسمها. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بقوله: ﴿قَدِيرٌ﴾، وهو خبر ﴿إن﴾، والجملة مستأنفة.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾.
﴿تُولِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُؤْتِي﴾ ﴿فِي النَّهَارِ﴾: متعلق بـ ﴿تُولِجُ﴾. ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: إعرابها مثل ما قبلها. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: الواو عاطفة. ﴿تخرج﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ﴿الْحَيَّ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾: متعلق بـ ﴿تخرج﴾. ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ هذه الجملة مثل ما قبلها إعرابًا. ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾: الواو عاطفة. ﴿ترزق﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَشَاءُ﴾ صلته. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، يجوز (١) أن يكون حالًا من المفعول المحذوف تقديره: ترزق من تشاؤه غير محاسب، وأن يكون حالًا من ضمير الفاعل تقديره: غير محاسب له، أو غير مُضيِّق له، ويجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أو مفعول محذوف تقديره: رزقًا غير قليل.
стр. 1697
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿لَا﴾: ناهية جازمة، أو نافية، ﴿يَتَّخِذِ﴾: مرفوع والمعنى: لا ينبغي أن يتخذوهم أولياء ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: فاعل ﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول أول، والجملة مستأنفة، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال (١) من الفاعل؛ أي: حال كون المؤمنين متجاوزين للمؤمنين؛ أي: متجاوزين الاستقلال بموالاة المؤمنين؛ أي؛ تاركين قصر الموالاة على المؤمنين، وقال (٢) أبو البقاء: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع نصب صفة لأولياء.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ﴾ الواو استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر؛ إما جملة الشرط، وهو الراجح، أو جملة الجواب، أو هما كما مرَّ مِرارًا. ﴿يَفْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ (من)، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: مفعول به. ﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مِنَ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿ليس﴾؛ فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مِنَ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿شَيْءٍ﴾ الآن؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فيعرب حالًا. ﴿في شَيءٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿ليس﴾، وجملة ﴿ليس﴾ في محل الجزم بـ ﴿مِنَ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مِنَ﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿إلّا﴾: أداة استثناء مفرغ من المفعول لأجله، والعامل فيه ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَتَّقُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَتَّقُوا﴾ ﴿تُقَاةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة المتعلقة بقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، والتقدير: لا
стр. 1698
يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لشيء من الأشياء، ولا لغرض من الأغراض إلا لأجل اتقائكم منهم تقاة. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾: الواو استئنافية. ﴿يحذركم الله﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، ﴿نَفْسَهُ﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه. وفي "السمين": قوله: ﴿نَفْسَهُ﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿يحذر﴾؛ لأنه في الأصل متعدٍ بنفسه إلى مفعول واحد، فازداد بالتضعيف آخر. انتهى، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية، أو مستأنفة.
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿تُخْفُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿تُبْدُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿تُخْفُوا﴾ مجزوم على كونه فعل الشرط. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ على كونه جواب الشرط لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَيَعْلَمُ﴾ الواو استئنافية، ﴿يعلم﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾: أو صفة لها. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوفة على ﴿مَا﴾ الأولى. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو استئنافية أو عاطفة. ﴿الله﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة أو معطوفة على الجملة الفعلية المذكورة قبلها.
стр. 1699
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره: اذكروا يوم، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿تَجِدُ﴾؛ لأن وجد هنا بمعنى: أصاب فيتعدَّى إلى مفعول واحد. ﴿عَمِلَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على النفس، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عملته. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَمِلَتْ﴾، أو حال من ضمير المفعول المحذوف. ﴿مُحْضَرًا﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾ الواو استئنافية ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ. ﴿عَمِلَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على النفس، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿مِنْ سُوءٍ﴾: جار ومجرور حال من ضمير المفعول المحذوف ﴿تَوَدُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على النفس، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَوْ﴾: زائدة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿بَيْنَهَا﴾: ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدَّم على اسمها. ﴿وَبَيْنَهُ﴾: معطوف عليه ﴿أَمَدًا﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر ﴿بَعِيدًا﴾ صفة لـ ﴿أمدًا﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا لـ ﴿تَوَدُّ﴾ تقديره: وما عملته من سوء تود كون أمد بعيد بينها وبينه. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تقدم إعرابها قريبًا، فلا عود ولا إعادة فراجعه. ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿بِالْعِبَادِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَءُوفٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾.
стр. 1700
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِن﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كان﴾ تقديره: محبين الله ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إِن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية. ﴿اتبعوني﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به ونون وقاية، مبني على حذف النون، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل، مجزوم بالطلب السابق، والجملة في محل النصب مقول القول لـ ﴿قُل﴾. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: الواو عاطفة ﴿يغفر﴾: معطوف على ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾ مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يغفر﴾ ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، لكنها في محل النصب مقول القول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثانٍ.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إلى آخر الآية أو إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلتَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول. ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا أمرتهم بطاعة الله والرسول، وأردت بيان حكم ما إذا تولوا عن طاعة الله .. فأقول لك، ﴿إن تولوا﴾: (إن): حرف شرط جازم. (تولوا): يحتمل أن يكون من تمام مقول القول، فيكون مضارعًا حذفت منه إحدى التاءين؛ أي: تتولوا، فيكون مجزومًا بحذف النون، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، فيكون ماضيًا في محل الجزم على كونه فعل الشرط لـ (إنْ)، والواو فاعل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة
стр. 1701
لجواب (إن) الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية (إنَّ): حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة: ﴿إن﴾) الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب جزء المقول، أو مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿تنزع﴾: يقال: نزع الله عنه الشر، أو الملك ينزع - من باب ضرب - إذا أزاله عنه، وسلبه منه. ونزع الشيء من مكانه: إذا قلعه منه.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: من مزيد عَزَّ يعز عزًّا بكسر العين فيهما إذا قوي بعد ذله أو غلب، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾.
﴿وَتُذِلُّ﴾: من مزيد ذلَّ يذل - بالكسر - ذلًّا وذلةً إذا غلب وقهر. ﴿تُولِجُ﴾: يقال: ولج يلج - من باب: وعد - ولوجًا ولِجَة كعِدَة، والولوج: الدخول، والإيلاج الإدخال.
﴿تُقَاةً﴾: مصدر على وزن فعلة؛ لأنه مصدر تقَيته - بفتح القاف - كرميته رمية، وأصله: وقية؛ لأنه من الوقاية، فأبدلت الواو تاء، والياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفي "المختار": تقى يتقي كقضى يقضي، والتقوى والتقى واحد، والتقاة: التقية يقال: اتقى تقية وتقاة، وفي "القاموس": وتقيت الشيء أتقيه من باب ضرب اهـ.
﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ جمع: صَدْر، كفَلْس وفُلُوس، والصَّدْر معروف. ﴿أَمَدًا﴾: الأمد: غاية الشيء ومنتهاه، يجمع على آماد، والفرق بين الأمد والأبد: أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول، والفرق بين الأمد والزمان: أن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية.
стр. 1702
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة، وضروبًا من البلاغة (١):
منها: التكرار للتفخيم والتعظيم في قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ وتكرار: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿تُؤْتِي﴾، ﴿وَتَنْزِعُ﴾، ﴿وَتُعِزُّ﴾ ﴿وَتُذِلُّ﴾، وفي قوله: ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهَارِ﴾، وفي قوله: ﴿الْحَيَّ﴾ و ﴿الْمَيِّتِ﴾، وفي قوله: ﴿تُبْدُوهُ﴾ و ﴿تُخْفُوا﴾، وفي: ﴿خَيْرٍ﴾ و ﴿سُوءٍ﴾ و ﴿مُحْضَرًا﴾ و ﴿بَعِيدًا﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿تُحِبُّونَ﴾ و ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله ﴿تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ وفي قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، و ﴿غَفُورٌ﴾.
ومنها: التعبير بالمحل عن الشيء في قوله: ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ عبر بها عن القلوب قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ الآية.
ومنها: الإشارة في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ الآية، أشار إلى انسلاخهم من ولاية الله.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
ومنها: التأنيس بعد الإيحاش في قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: من تشاء إيتاءَه، ومثله و ﴿تنزع﴾. و ﴿تعز﴾ و ﴿تذل﴾.
ومنها: الخطاب العام الذي سببه خاص في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 1703
الْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ﴾ وفي قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلَى﴾، وفي قوله: ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ﴾، وفي قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ﴾، وفي قوله: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ و ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ و ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، وهو عبارة عن إدخال هذا على هذا، وهذا على هذا، فما ينقصه من الليل .. يزيده في النهار، والعكس، ولفظ الإيلاج أبلغ؛ لأنه يفيد إدخال كل منهما في الآخر بلطيف الممازجة، وشديد الملابسة.
ومنها: ذكر العام بعد الخاص تأكيدًا له وتقريرًا في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد قوله: ﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، ولو جرى على سنن الكلام الأول .. لجاء بالكلام غيبة.
فائدة: وروي في الحديث (١): "أن من أراد قضاء دينه، قرأ كل يوم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ويقول: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت تعطي منهما من تشاء، فاقضِ عني دَيْني، فلو كان ملء الأرض ذهبًا .. لأدَّاه الله عنه".
والله أعلم
* * *
стр. 1704
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر الله أن الدين الحق هو دين الإِسلام والتوحيد، وأن اختلاف أهل الكتاب فيه إنما هو للبغي والحسد، وأن الفوز والفلاح منوط باتباع الرسول ﷺ وطاعته .. ذكر هنا من أحبهم واصطفاهم، ورفع درجاتهم، وجعل منهم الرسل الذين يبينون للناس طريق محبته وهي: الإيمان به مع طاعته، والعمل بما يرضيه، فبدأ بآدم أولهم، وهو أبو البشر، اصطفاه واجتباه؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾، وثنَّى بنوحٍ وهو الأب الثاني للبشر، فقد حدث على عهده ذلك الطوفان العظيم، فانقرض من السلاسل البشرية من انقرض، ونجا هو وأهله في الفلك العظيم، وجاء من ذريته كثير من النبيين والمرسلين، ثم تفرقت ذريته، وانتشرت في البلاد، وفشت فيهم الوثنية، ثم ثلَّث بآل إبراهيم، فاندرج فيهم رسول الله ﷺ ؛ لأنه من ولد إسماعيل، ثم ربَّع بآل عمران، فاندرج فيهم عيسى ﵇، وأعقب ذلك
стр. 1705
بذكر ثلاث قصص: قصة ولادة مريم، وقصة ولادة يحيى، وقصة ولادة عيسى.
وكلها خوارق للعادة تدل على قدرة العلي القدير.
وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما قدم قبل ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وأردفه بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وختمها بأنه لا يحب الكافرين .. ذكر المصطفين الذين يجب اتباعهم، فبدأ أولًا بأولهم وجودًا وأصلهم، وثنى بنوح ﵇؛ إذ هو آدم الأصغر، ليس أحد على وجه الأرض إلا من نسله، ثم أتى ثالثًا بآل إبراهيم، فاندرج فيهم رسول الله ﷺ المأمور باتباعه وطاعته، وموسى ﵇، ثم أتى رابعًا بآل عمران، فاندرج في آله مريم وعيسى ﵉، ونص على إبراهيم لخصوصية اليهود بهم، وعلى آل عمران لخصوصية النصارى بهم، فذكر تعالى جعل هؤلاء صفوة؛ أي: مختارين نَقاوة (٢)، والمعنى: أنه نَقَّاهم من الكَدَر، وهذا من تمثيل المعقول بالمحسوس.
أسباب النزول
قال ابن عباس ﵄ (٣): قالت اليهود: نحن من أبناء إبراهيم إسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إن الله اصطفى هؤلاء بالإِسلام، وأنتم يا معشر اليهود على غير دين الإِسلام.
وقيل (٤): نزلت في نصارى نجران لما غلوا في عيسى، وجعلوه ابن الله تعالى واتخذوه إلهًا .. نزلت ردًّا عليهم وإعلامًا أن عيسى من ذرية البشر المتنقلين في الأطوار المستحيلة على الإله، واستطرد من ذلك إلى ولادة أمه، ثم إلى ولادته هو.
стр. 1706
التفسير وأوجه القراءة
٣٣ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿اصْطَفَى﴾ واختار ﴿آدَمَ﴾ أبا البشر ﵇ بالإِسلام والنبوة، وعاش آدم في الأرض تسع مئة وستين سنة، وأما مدة إقامته في الجنة، فلا تحسب ﴿و﴾ اختار ﴿نوحًا﴾ الأصل الثاني للبشر، بالتوحيد والنبوة والرسالة، وجعله من أولي العزم، ولقب بنوح؛ لكثرة نوحه بالدعوة إلى الله تعالى. قيل: اسمه عبد الغفار، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس ﵇، وعُمِّر ألف سنة إلا خمسين عامًا.
وقيل: اصطفاء آدم ﵇ بوجوه منها: خلقه أول هذا الجنس الشريف، وجعله خليفة في الأرض، وإسجاد الملائكة له، وإسكانه جنته، إلى غير ذلك مما شرفه الله به.
واصطفاء نوح ﵇ بأشياء منها: أنه أول رسول بُعث إلى أهل الأرض بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر المحارم، وأنه أبو الناس بعد آدم، إلى غير ذلك.
واصطفاء آل إبراهيم ﵇: بأن جعل فيهم النبوة والكتاب.
﴿و﴾ اصطفى ﴿آل إبراهيم﴾؛ أي: عشيرته وأقاربه، والمراد بهم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط والأنبياء من أولادهم، ومن جملتهم خاتم المرسلين سيدنا محمَّد ﷺ ، وقيل: المراد بـ ﴿آل إبراهيم﴾: نفسه، فلفظ (آل) مُقحم؛ يعني: اختاره بالنبوة والرسالة والخلة، وعُمِّر إبراهيم مئة وسبعين سنة. ﴿و﴾ اصطفى ﴿آل عمران﴾؛ أي: أهله، قيل: المراد بعمران هذا: هو عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وهو أبو مريم البتول أمِّ عيسى ﵇، والمراد بآله: عيسى، وأمه مريم، وقيل: عمران بن يصهر أبو موسى وهارون، والمراد بآله: موسى وهارون، ولكن الأرجح القولُ الأول بقرينة السياق، وبين العمرانين ألف وثمان مئة سنة، وقرأ عبد الله شذوذًا: ﴿وآل محمَّد﴾. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: على عالمي زمانهم. قال القرطبي: وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء؛ لأن الأنبياء والرسل جميعًا من نسلهم، والمعنى: اختارهم واصطفاهم
стр. 1707
على العالمين؛ بما خصهم من النبوة والرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقوَ عليه غيرهم.
٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: اصطفى الآلين حالة كونهم ذرية بعضها، متناسلون من بعض في النسب، وقيل: بعضها من بعض من التناصر والتعاضد، وقيل: متجانسين في الدين والتقى والصلاح، فكما أن الأصول أنبياء ورسل، وكذلك الذريةَ بل في بعضها ما يفوق الأصول جميعًا كمحمد ﷺ . ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوال العباد ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وضمائرهم وأفعالهم، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولًا وفعلًا، وقيل: معناه: والله سميع لمقالة اليهود: نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران، فنحن أبناء الله وأحباؤه، وعلى دينه، ولمقالة النصارى: المسيح ابن الله، عليم بعقوبتهم.
٣٥ - واذكر لهم يا محمَّد قصة ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ حنة بنت فاقوذ، أم مريم حين شاخت، وكانت يومًا في ظل شجرة، فرأت طائرًا يطعم فرخًا له ويسقيه، فعطفت، واشتاقت للولد من أجل رؤية ذلك الطائر، فدعت ربها أن يرزقها ولدًا، ونذرت أن تهبه لبيت المقدس يخدمه، وكان ما من رجل من أشراف بيت المقدس إلا وله ولد منذور لخدمته، فاستجاب الله دعاءَها، فحملت بمريم، فلما أحسَّت بالحمل .. جددت النذر ثانيًا، فقالت: يا ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؛ أي: أوجبت على نفسي أن أجعل ما في بطني من الحمل محررًا لك، عتيقًا من أمر الدنيا لطاعتك، ومخلصًا لعبادتك وخادمًا لمن يدرس الكتاب ويعلم في بيت المقدس ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾؛ أي: خذ منى ما نذرته لك على وجه الرضا ﴿إِنَّكَ﴾ يا إلهي ﴿أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لتضرعي ودعائي وندائي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضميري وقلبي ونيتي، وكان على أولادهم فرضًا أن يطيعوهم في نذرهم، فتصدقت بولدها على بيت المقدس، فلامها زوجها على ذلك؛ حيث أطلقت في نذرها، ولم تقيد بالذكر، فبقيت في حيرة وكرب إلى أن وضعت ومات زوجها
٣٦ - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾؛ أي: ولدت المنذورة التي في بطنها ﴿قَالَتْ﴾ على وجه التحسر والاعتذار ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾؛ أي: ولدت المنذورة التي في بطني حالة كونها ﴿أُنْثَى﴾ قال ابن عباس ﵄: إنما قالت هذا؛ لأنه لم يكن يُقبل في النذر إلا الذكور، قال
стр. 1708
الله تعالى تعظيمًا لولدها وتجهيلًا لها بقدر ذلك الولد: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ بقدر ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾؛ أي عالم بأن الذي ولدته وإن كان أنثى أحسنُ وأفضل من الذكر، وهي غافلة عن ذلك، فلذلك تحسرت، وكانت مريم أجمل نساء زمانها وأكملهن، وهذا المعنى على قراءة من قرأ بسكون التاء، وهي قراءة الجمهور، فيكون من كلام الله تعالى على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه والتجليل لها؛ حيث وقع منها التحسر والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويخصها بما لم يخص به أحدًا.
وقرأ أبو بكر شعبة وابن عامر ويعقوب: ﴿وضعتُ﴾ - بضم التاء - فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلًا بما قبله، وفيه معنى التسليم لله، والخضوع والتنزيه له من أن يخفى عليه شيء، فإنها خافت من قولها: إني وضعتها أنثى أن يظن بذلك القول أنها تخبر الله تعالى.
وقرأ ابن عباس ﵄ في رواية شاذة: ﴿بما وضعتِ﴾ بكسر التاء على أنه خطاب من الله تعالى لها؛ أي: إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم الله فيه من الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام، وتتضافر عندها العقول من العجائب والآيات. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾؛ أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإنَّ غاية ما أرادتْ من كونه ذكرًا أن يكون نذرًا خادمًا للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم، وهذه الجملة معترضة بين المعطوف الذي هو قوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ وبين المعطوف عليه الذي هو قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ مبيِّنة لما في الجملة الأولى - أعني قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ - من تعظيم الموضوع ورفع شأنه وعلو منزلته، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: وليس الأنثى كالذكر، والمراد منه تفضيل هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت: كان الذكر مطلوبي لخدمة البيت، وهذه الأنثى هي موهبة لله تعالى، وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها كما مر آنفًا، واللام في الذكر والأنثى للعهد.
هذا على قراءة الجمهور وعلى قراءة ابن عباس، وأما على قراءة أبي بكر
стр. 1709
وابن عامر فيكون قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها وتحزنها؛ أي: ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادمًا صالحًا للنذر، كالأنثى التي لا تصلح للنذر، والمراد منه: تفضيل الذكر على الأنثى؛ لأن الذكر يصلح لخدمة الكنيسة، ولا تصلح الأنثى لذلك؛ لضعفها وما يعرض لها من الحيض والنفاس؛ ولأنها عورة ولا يجوز لها الحضور مع الرجال، وكأنها أعذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت، وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ومقصودها من هذا: الإخبار بالتسمية للتقرب إلى الله ، وأن يكون فعلها مطابقًا لمعنى اسمها، فإن معنى مريم: خادم الرب بلغتهم، فهي وإن كانت غير صالحة لخدمة الكنيسة، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات، وكأنها أرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا؛ لأن المعنى: وإني سميت هذه البنت المولودة لي عابدة الرب.
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أي: وإني يا إلهي أجيرها وأحفظها وأولادها بحفظك وعصمتك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾؛ أي: من ضرر إبليس اللعين المطرود عن رحمتك، ووسوسته، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾.
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مولود يولد من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إياه، إلا مريم وابنها"، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وروى البخاري عنه ﵁ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب ليطعن، فطعن في الحجاب".
والمراد: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم
стр. 1710
وابنها، فإن الله عصمها ببركة هذه الاستعاذة.
وفي المقام إشكال قوي لم أرَ من نبَّه عليه من المفسرين، وحاصله: أن قوله: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ معطوف على ما قبه، الواقع حيزًا لما وضعتها، فيقتضي أن طلب هذه الاستعاذة إنما وقع بعد الوضع، فلا يترتب عليه حفظ مريم من طعن الشيطان وقت نزولها وخروجها من بطن أمها، فلا يتلاقى الحديث مع الآية، بل مقتضى ظاهر الآية: أن إعاذتها من الشيطان الرجيم إنما كان بعد وضعها، وهذا لا ينافي تسلُّط الشيطان عليها بطعنها ونخسها وقت ولادتها الذي هو عادته، فإن عادته طعن المولود وقت خروجه من بطن أمه، تأمل.
قلتُ: الجواب أنه استعمل المضارع بمعنى الماضي بقرينة السياق، فكأنه قال: وإني أعذتها بك وذريتها، والله أعلم.
وفي "القرطبي": قال علماؤنا في هذا الحديث: إن الله استجاب دعاءَ أم مريم، وإن الشيطان ينخس جميع بني آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها، قال قتادة: كل مولود يطعنه الشيطان في جنبه حين يولد، غير عيسى وأمه، فإنه جعل بينهما حجاب هو المشيمة التي يكون فيها الولد، فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ لهما منه شيء. وطعن الشيطان للأنبياء غير عيسى ليس فيه نقص لهم، ولا ينافي عصمتهم منه؛ لأنهم معصومون من وسوسته وإغوائه. والطعن من قبيل الأمراض والآلام المتعلقة بظاهر البدن، والأنبياء غير معصومين من مثل هذا، تأمل. انتهى.
٣٧ - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾؛ أي: تقبل الله مريم من أمها قبولًا حسنًا، ورضي أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته على صغرها وأنوثتها، وكان التحرير لا يجوز إلا لغلام عاقل قادر على خدمة البيت ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: رباها الله ، ونماها بما يصلح أحوالها؛ كما يربي النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزراع إياه بالسقي، وقلع ما يضعفه من النبات الطفيلي، وهذه التربية تشمل التربية الروحية والجسدية، فقد نمَّى جسدَها، فكانت خير لذاتها جسمًا وقوة، كما نَمَّاها صلاحًا وعفةً وسداد رأيٍ. قيل: معنى
стр. 1711
أنبتها نباتًا حسنًا؛ أي: جعل ثمرتها مثل عيسى، وقيل: القبول الحسن: تربيتها على نعت العِصْمة حتى قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، والنبات الحسن: الاستقامة على الطاعة وإيثار رضا الله في جميع الأوقات.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾؛ أي: جعل الله زكريا مربيًا لها، وضامنًا لمصالحها، وقائمًا بشؤونها؛ أي: كَفَّلها، لا بالوحي، بل بمقتضى القرعة، كما ذكره أبو السعود. قال أهل الأخبار: أن حنة حين وضعت مريم لفتها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم يلون يومئذٍ من بيت المقدس ما تلى الحجبة من الكعبة، وقالت: خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم الأعظم في العلم والصلاح، فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، فقالت الأحبار: لا تقل ذلك، فإنها لو تركت لأحق الناس بها .. لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنا نقترع عليها، فانطلقوا، وكانوا تسعة وعشرين إلى نهر جار في حلب يقال له: قرمق، فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون التوراة بها على أن كل من ارتفع قلمه فوق الماء، وثبت، فهو أولى بها من غيره، وعلى كل قلم اسم صاحبه، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء، وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا، ولما أخذها .. بنى لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطا لا يرقى إليه إلا بالسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها.
وقرأ الكوفيون (١): ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ - بتشديد الفاء - على إسناد الفعل إلى الله تعالى. وباقي السبعة ﴿وكفَلها﴾ بتخفيفها على إسناد الفعل إلى زكريا بمعنى: ضمها إليه، وقرأ أُبي: ﴿وأكفلها﴾ وهو بمعنى التشديد، وقرأ عبد الله المزني شذوذًا: ﴿وكفِلها﴾ بالتخفيف وكسر الفاء، وهي لغة، يقال: كفل يكفل كنصر ينصر، وكفل يكفل كعلم يعلم، والفعل مسند إلى زكريا، ففيه أربع قراءات ثنتان
стр. 1712
منها سبعية.
وقرأ مجاهد (١): ﴿فتقبلْها﴾ بإسكان اللام على صيغة الأمر والدعاء، ونصب ﴿ربَّها﴾ على أنَّه منادى مضاف، وقرأ أيضًا: ﴿وأنبتْها﴾ بإسكان التاء، ﴿وكفِّلْها﴾ بتشديد الفاء المكسورة، وإسكان اللام، ونصب ﴿زكرياء﴾ مع المد وذلك كله شذوذًا. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: ﴿زَكَرِيَّا﴾ بغير مدِّ، ومده الباقون مع الهمز هكذا ﴿زكرياء﴾.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو من ذرية سليمان بن داود؛ أي: في أي وقت دخل عليها زكريا المحراب والغرفة التي بنى لها في المسجد ﴿وَجَدَ عَندَهَا﴾؛ أي: رأى عند مريم ﴿رِزْقًا﴾؛ أي: نوعًا من أنواع الطعام غير الذي رآه في المرة الأولى، أو فاكهة في غير وقتها المعتاد. روي أنه كان لا يدخل عليها غيره، وإذا خرج .. أغلق عليها سبعة أبواب، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف؛ مثل القصب، وفاكهة الصيف في الشتاء؛ مثل العنب، ولم ترضع ثديًا قط، بل يأتيها رزقها من الجنة.
وليس لدينا مستند صحيح من كتاب أو سنة يؤيد هذه الروايات الإسرائيلية.
﴿قَالَ﴾ زكريا ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ الرزق؛ أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير حينه، الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة عليك؟ ﴿قَالَتْ﴾ مريم ﴿هُوَ﴾؛ أي: هذا الرزق ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الذي يرزق الناس جميعًا، أتاني به جبريل من الجنة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقدير لكثرته، أو من غير استحقاف تفضلًا منه، أو من غير مسألة في حينه وفي غير حينه، وهذا يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، أو ابتداء كلام من الله : فلما رأى زكريا ما أوتيت مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف .. قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها وحينها من غير سبب لقادرٌ على أن يصلح زوجي، ويهب
стр. 1713
لي ولدًا في غير حينه مع الكبر، وطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا، وكان زكريا قد كبر وشاخ، وأيس من الولد، فذلك قوله :
٣٨ - ﴿هُنَالِكَ﴾؛ أي: في ذلك المكان الذي كان قاعدًا فيه عند مريم، وشاهد تلك الكرامات، أو في ذلك الوقت الذي رأى فيه خوارق العادات عندها ﴿دَعَا﴾ وسأل ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، جوف الليل و ﴿قَالَ﴾ في مناجاته يا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾؛ أي: أعطني من عندك وبمحض قدرتك من غير سبب معتاد ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: ولدًا مباركًا تقيًّا صالحًا رضيًّا، كما وهبت لحنة العجوز العاقر مريم، وكان شيخًا كبيرًا، وامرأته عجوزًا عاقرًا، فإنه لما رأى حسن حال مريم ومعرفتها باللهِ .. تمنى أن يكون له ولد صالح مثلها هبة وفضلًا من عنده، فرؤية الأولاد النجباء مما تشوق نفوس الناظرين إليهم، وتجعلهم يتمنون أن يكون لهم مثلهم، والذرية تطلق على الواحد والجمع، والذكر والأنثى، والمراد بها هنا: الواحد، وإنما قال: ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيث لفظ الذرية ﴿إِنَّكَ﴾ يا إلهي ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، سماع قبول؛ أي: سامع دعاء من دعاه ومجيبه، وهذا الكلام قصة مستأنفة سيقت في غضون قصة مريم لما بينهما من الارتباط؛ لأن فضل بعض الأقارب يدل على فضل الآخر، وهو حكمة قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، فأجاب الله دعاءَه، وبعث إليه الملائكة مبشرين له
٣٩ - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩] ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: نادى زكريا جبريل، كما قال به جمهور من المفسرين؛ كابن جرير عن السدي، وإنما أخبر عنه بلفظ الجمع تعظيمًا لشأنه، ولأنه رئيس الملائكة، وقلَّ أن يبعث إلا ومعه جمع من الملائكة، أو نادته جماعة من الملائكة؛ كما يروى عن ابن جرير مع جماعة آخرين، إذ لا ضرورة تدعو إلى التأويل، وبهذا القول قال قتادة وعكرمة ومجاهد، قيل: نادته بعد مضي أربعين سنة من دعوته.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فناداه﴾ بالإمالة والتذكير، وبذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود، وقرأ الباقون: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن زكريا ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾؛ أي: قائم في الموضع العالي الشريف من المسجد مصليًّا، والمحراب موقف الإِمام من المسجد، والظاهر أن المحراب هو
стр. 1714
المحراب المذكور في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وهذا يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم، وقيل: المراد بالصلاة هنا: الدعاء، وفيه أيضًا دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات، وفيه إجابة الدعوات وقضاء الحاجات، وقال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر، وإخلاص الطاعات، ولزوم المحاريب. ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ بولادة ولد يسمى ﴿بِيَحْيَى﴾ منك ومن امرأتك، قال ابن عباس ﵄: تَسمَّى يحيى؛ لأن الله أحيا به عقر أمه، وقيل: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان، وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يهتم بمعصية قط. روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خُلقت.
وقرأ ابن عامر وحمزة: ﴿إنَّ﴾ بكسر الهمزة على تأويل النداء بالقول، وقرأ الباقون: ﴿أن﴾ بفتح الهمزة على تقدير: بأن، وقرأ الجمهور: ﴿يُبَشِركَ﴾ بالتشديد وقرأ حمزة والكسائي ﴿يَبْشُرك﴾، وفي "المختار": بَشَره بالتخفيف من البشرى، وبابه نصر ودخل. وقرأ حميد بن قيس المكي شذوذًا: ﴿يُبشِرك﴾ بكسر الشين مع ضم حرف المضارعة، قال الأخفش: هي ثلاثة لغات بمعنى واحد، وقرأ عبد الله بن مسعود في رواية شاذة: ﴿يا زكريا إن الله﴾.
حالة كون يحيى ﴿مُصَدِّقًا﴾ ومؤمنا بعيسى ابن مريم المخلوق بلا واسطة أب، بل ﴿بِكَلِمَةٍ﴾ كن الواقعة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ، لا بالسنة العامة في توالد البشر، وهي أن يكون الولد من أب وأم، قال ابن عباس ﵄: إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر، وقيل: بثلاث سنين، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة لله، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى بمدة يسيرة. ﴿و﴾ حالة كون يحيى ﴿سيدًا﴾؛ أي: رئيسًا يسود ويفوق قومه، والناس جميعًا في الشرف والصلاح وعمل الخير، وفي العلم والحلم والورع، وقال ابن عباس: أي: حليمًا عن الجهل. وقال مجاهد: كريمًا على الله ﴿و﴾ حالة كونه ﴿حصورًا﴾؛ أي: مانعًا نفسه من النساء للعفة والزهد، لا للعجز عنها ﴿و﴾ حالة كونه ﴿نبيًّا﴾ مرسلًا يوحى إليه إذا هو بلغ سن النبوة، وحالة كونه ناشئًا ﴿مِّنَ﴾
стр. 1715
أصلاب القوم ﴿الصَّالِحِينَ﴾ والمرسلين؛ لكونه من نسل الأنبياء أو كائنًا من جملة الصالحين، ولا غرو أنه من جملة الصالحين، وأنه من أصلاب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
٤٠ - ﴿قَالَ﴾ زكريا لجبريل حين بشره بالولد ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾؛ أي: يا سيدي: على أي حال يكون لي ذلك الغلام أتردني وامرأتي إلى حال الشباب أم مع حال الكبر؟ ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾؛ أي: أدركني كبر السن ﴿امْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾؛ أي: عقيم لا تلد. قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن مئة وعشرين سنة، وكانت امرأته أيشاع بنت فاقوذ بنت ثمان وتسعين سنة.
والظاهر (١): أن هذا الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملد، وذلك لمزيد التضرع والجد في طلب الجواب عن سؤاله، وقيل: إنه أراد بالرب جبريل؛ أي: يا سيدي كما فسرنا، كذلك قيل: وفي معنى هذا الاستفهام وجهان:
أحدهما: أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر أو من غيرها؟
والثاني: قيل: معناه بأي سبب استوجب هذا، وأنا وامرأتي على هذه الحال؟ وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طيبة ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم استعظامًا لقدرة الله ، لا لمحض الاستبعاد، وقيل: إنه قد مرَّ بعد دعائه إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل: عشرون سنة، فكان الاستبعاد من هذه الحيثية. والله أعلم
وفي "المراغي" (٢): أن زكريا لما رأى ما رأى من نعم الله على مريم، من كمال إيمانها، وحسن حالها، واعتقادها أن المسخر لها والرازق لما عندها هو من يرزق من يشاء بغير حساب .. أخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستفرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء
стр. 1716
في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء مستجابًا إذا جرى به اللسان بتلقين القلب حال استغراقه في الشعور بكمال الرب.
ولما عاد من سفره في عالم الوحدة إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه .. سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية، فأجابه بقوله:
﴿قَالَ﴾ جبريل ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر كما قلت لك من خلق ولد منكما، وأنتما على حالكما من الكبر. ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأفاعيل الخارقة للعادة، فمتى شاء أمرًا .. أوجد له سببه، أو خلقه بغير الأسباب المعروفة، فلا يحول دون مشيئته شيء، ففوض الأمر إليه، ولا تسأل عن الكيفية، فلا سبيل لك إلى الوصول بمعرفتها، وإنما قال في حق زكريا: ﴿يَفعَلُ﴾، وفي حق مريم: ﴿يخلق﴾ مع اشتراكهما في بشارتهما بولد؛ لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق، بل نادر بعيد، فحسن التعبير بـ ﴿يَفعَلُ﴾، واستبعاد مريم لأمر خارق، أي: لأغربيته؛ لأنه اختراع بلا مادة؛ أي: من غير إحالة على سبب ظاهر، فكان ذكر الخلق أنسب.
٤١ - ﴿قَالَ﴾ زكريا ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾؛ أي: علامة في حبل امرأتي ﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿ءَايَتُكَ﴾؛ أي: علامتك في حبل امرأتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾؛ أي: أن لا تقدر على تكليم الناس من غير خرسٍ، لا على غيره من الأذكار وقرأ ابن أبي عبلة؛ ﴿أن﴾ لا تكلمُ برفع الميم على أنَّ: ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة. ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ متوالية بلياليها ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾؛ أي؛ إلا إيماءً وإشارة بالشفتين والحاجبين والعينين واليدين. وقرأ علقمة بن قيس ويحيى بن وثاب شذوذًا: (رُمُزًا) - بضم الراء واليم -، وخُرِّج على أنه جمع: رموز؛ كرسل ورسول وعلى أنه مصدر كرمز جاء على فُعْل، وأتبعت العين الفاء؛ كاليسر والعسر. وقرأ الأعمش شذوذًا أيضًا: (رمزًا) بفتح الراء واليم، وخُرِّج على أنه جمع رامزٍ كخادم وخدم وانتصابه إذا كان جمعًا على الحال من الفاعل، وهو الضمير في ﴿تكلم﴾، أو من المفعول، وهو: ﴿الناس﴾؛ أي: مسترًا مزينًا؛ كما يكلم الأخرس الناس ويكلمونه، ووجه جعل حبس لسانه عن كلام الناس تلك
стр. 1717
المدة آيةً له لتخلصَ تلك الأيام لذكر الله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليه؛ قضاء لحق الشكر؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ باللسان والقلب في مدة الحبسة عن كلام الدنيا مع الخلق شكرًا لله تعالى على هذه النعمة ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: ذكرًا كثيرًا على كل حال ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صلِّ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾؛ أي: آخر النهار ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾؛ أي: أوله؛ أي: صلِّ عشيًّا وبكرة كما كنت تصلي. والعشي هو من زوال الشمس إلى الغروب، وقيل: من العصر إلى نصف الليل. والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقريء شاذًا: (والأبكار) - بفتح الهمزة - جمع: بَكَر بفتح الفاء والعين، والعامة على الإبكار بالكسر اسم مفرد، وخص هذين الوقتين لفرضية الصلاة عليه فيهما، وقيل: المراد بالتسبيح التنزيه له تعالى بالصيغة المعروفة، فعَطْفه على ما قبله من عطف الخاص على العام.
الإعراب
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾.
﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها. ﴿اصْطَفَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿آدمَ﴾: مفعول به. ﴿وَنُوحًا﴾: معطوف عليه، وصرِّف مع كونه أعجميًّا؛ لخفته بسكون الوسط. ﴿وَءَالَ﴾: معطوف على ﴿آدَمَ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَءَالَ﴾: معطوف أيضًا ﴿عِمْرَانَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اصْطَفَى﴾.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿ذُرِّيَّةً﴾: منصوب على البدلية من نوحٍ وما عطف عليه، كما قاله أبو البقاء، أو بدل من الآلين، كما قاله الزمخشري، أو منصوب على الحال منهم أيضًا، والعامل فيها ﴿اصْطَفَى﴾ تقديره: حال كونهم متشعبًا. ﴿بَعْضُهَا﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: جار ومجرور خبر، والجملة في محل النصب صفة
стр. 1718
لـ ﴿ذُرِّيَّةً﴾، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمَّد لأمتك قصة إذ. ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾: إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَتِ﴾، وإنْ شئت قلتَ ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب جزء المقول. ﴿إِنِّي﴾ إنَّ: حرف نصب وتوكيد، وياء المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿نَذَرْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿نَذَرْتُ﴾ ﴿فِي بَطْنِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿مُحَرَّرًا﴾: حال من ﴿مَا﴾، والعامل فيه ﴿نَذَرْتُ﴾، أو مفعول ثانٍ لـ (نذر) إن جعلناه بمعنى: جعلت، وجملة ﴿نَذَرْتُ﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول القول، ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾: الفاء عاطفة ﴿تقبل﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الرب ﴿مِنِّي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول القول، ﴿إِنَّكَ﴾: إنَّ حرف نصب، والكاف اسمها ﴿أَنتَ﴾: ضمير فصل أو مؤكد للضمير المنصوب ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول لـ ﴿إنْ﴾، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة في محل النصب مقول القول.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ﴾: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: ووضعتها جارية ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿وضع﴾: فعل ماضٍ، التاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير يعود على المرأة، والهاء مفعول به عائد على ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾؛ لأنه بمعنى الجارية، ﴿قَالَتِ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على
стр. 1719
المرأة، وجملة ﴿قَالَتْ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة (لما) من فعل شرطها وجوابها معطوفة على الجملة المحذوفة. وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾، وإن شئتَ قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب جزء المقول ﴿إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَضَعَتْهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿أُنْثَى﴾: حال من الهاء مؤكدة؛ لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير، فجاءت أنثى مؤكدة، أو بدل منها، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة (إنّ) في محل النصب مقول القول. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾: ﴿وَضَعَتْ﴾ فعل ماضٍ والتاء علامة التأنيث، وفاعله ضمير يعود على أم مريم، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما وضعته. ﴿وَلَيْسَ﴾: الواو عاطفة (ليس): فعل ماضٍ ناقص. ﴿الذَّكَرُ﴾: اسمها. ﴿كَالْأُنْثَى﴾: جار ومجرور خبر (ليس)، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ على كونها معترضة إن قلنا: إنها من كلام الله تعالى، ويحتمل أنها من كلامها، فتكون حينئذٍ من مقول القول. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إنَّ﴾: حر نصب والياء اسمها. ﴿سَمَّيْتُهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿مَرْيَمَ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إني وضعتها﴾ على كونها مقول القول ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾: الواو عاطفة ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أعيذ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على أم مريم، والهاء مفعول به. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعيذ﴾ ﴿وَذُريتَهَا﴾: معطوف على ضمير المفعول، والهاء مضاف إليه ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعيذ﴾ ﴿الرَّجِيمِ﴾: صفة الشيطان، وجملة ﴿أُعَيذُهَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: إني وضعتها على كونها مقول القول.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
стр. 1720
﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ الفاء عاطفة تفريعية. ﴿تَقَبَّلَهَا﴾: فعل ومفعول، ﴿رَبُّهَا﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ ﴿بِقَبُولٍ﴾: الباء زائدة، ﴿قَبولٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿حَسَنٍ﴾: صفة له. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: الواو عاطفة. ﴿أَنْبَتَهَا﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾ ﴿نَبَاتًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة ﴿حَسَنًا﴾ صفة له. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: الواو عاطفة ﴿كفلها﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿زَكَرِيَّا﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿دَخَلَ﴾: فعل ماضٍ، ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق به. ﴿زَكَرِيَّا﴾: فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿الْمِحْرَابَ﴾ مفعول ﴿دَخَلَ﴾. وحق ﴿دَخَلَ﴾ أن يتعدى بفي أو بإلى لكنه اتسع فيه، فأوصل بنفسه إلى المفعول، فهو كقولهم: دخلت الدار، وسكنت الشام كما ذكره أبو البقاء. ﴿وَجَدَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَجَدَ﴾، ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به لـ ﴿وَجَدَ﴾؛ لأنه متعد إلى واحد، وجملة ﴿وَجَدَ﴾ جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ مستأنفة.
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كانه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقيل: قال: يا مريم أنى لك هذا؟. وفي "الفتوحات": والذي (١) يظهر أن جملة قوله: ﴿وَجَدَ﴾