في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء مستجابًا إذا جرى به اللسان بتلقين القلب حال استغراقه في الشعور بكمال الرب.
ولما عاد من سفره في عالم الوحدة إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه .. سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية، فأجابه بقوله:
﴿قَالَ﴾ جبريل ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر كما قلت لك من خلق ولد منكما، وأنتما على حالكما من الكبر. ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأفاعيل الخارقة للعادة، فمتى شاء أمرًا .. أوجد له سببه، أو خلقه بغير الأسباب المعروفة، فلا يحول دون مشيئته شيء، ففوض الأمر إليه، ولا تسأل عن الكيفية، فلا سبيل لك إلى الوصول بمعرفتها، وإنما قال في حق زكريا: ﴿يَفعَلُ﴾، وفي حق مريم: ﴿يخلق﴾ مع اشتراكهما في بشارتهما بولد؛ لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق، بل نادر بعيد، فحسن التعبير بـ ﴿يَفعَلُ﴾، واستبعاد مريم لأمر خارق، أي: لأغربيته؛ لأنه اختراع بلا مادة؛ أي: من غير إحالة على سبب ظاهر، فكان ذكر الخلق أنسب.
٤١ - ﴿قَالَ﴾ زكريا ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾؛ أي: علامة في حبل امرأتي ﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿ءَايَتُكَ﴾؛ أي: علامتك في حبل امرأتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾؛ أي: أن لا تقدر على تكليم الناس من غير خرسٍ، لا على غيره من الأذكار وقرأ ابن أبي عبلة؛ ﴿أن﴾ لا تكلمُ برفع الميم على أنَّ: ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة. ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ متوالية بلياليها ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾؛ أي؛ إلا إيماءً وإشارة بالشفتين والحاجبين والعينين واليدين. وقرأ علقمة بن قيس ويحيى بن وثاب شذوذًا: (رُمُزًا) - بضم الراء واليم -، وخُرِّج على أنه جمع: رموز؛ كرسل ورسول وعلى أنه مصدر كرمز جاء على فُعْل، وأتبعت العين الفاء؛ كاليسر والعسر. وقرأ الأعمش شذوذًا أيضًا: (رمزًا) بفتح الراء واليم، وخُرِّج على أنه جمع رامزٍ كخادم وخدم وانتصابه إذا كان جمعًا على الحال من الفاعل، وهو الضمير في ﴿تكلم﴾، أو من المفعول، وهو: ﴿الناس﴾؛ أي: مسترًا مزينًا؛ كما يكلم الأخرس الناس ويكلمونه، ووجه جعل حبس لسانه عن كلام الناس تلك
стр. 1717
المدة آيةً له لتخلصَ تلك الأيام لذكر الله تعالى شكرًا على ما أنعم به عليه؛ قضاء لحق الشكر؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ باللسان والقلب في مدة الحبسة عن كلام الدنيا مع الخلق شكرًا لله تعالى على هذه النعمة ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: ذكرًا كثيرًا على كل حال ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صلِّ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾؛ أي: آخر النهار ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾؛ أي: أوله؛ أي: صلِّ عشيًّا وبكرة كما كنت تصلي. والعشي هو من زوال الشمس إلى الغروب، وقيل: من العصر إلى نصف الليل. والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقريء شاذًا: (والأبكار) - بفتح الهمزة - جمع: بَكَر بفتح الفاء والعين، والعامة على الإبكار بالكسر اسم مفرد، وخص هذين الوقتين لفرضية الصلاة عليه فيهما، وقيل: المراد بالتسبيح التنزيه له تعالى بالصيغة المعروفة، فعَطْفه على ما قبله من عطف الخاص على العام.
الإعراب
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾.
﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها. ﴿اصْطَفَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿آدمَ﴾: مفعول به. ﴿وَنُوحًا﴾: معطوف عليه، وصرِّف مع كونه أعجميًّا؛ لخفته بسكون الوسط. ﴿وَءَالَ﴾: معطوف على ﴿آدَمَ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَءَالَ﴾: معطوف أيضًا ﴿عِمْرَانَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اصْطَفَى﴾.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿ذُرِّيَّةً﴾: منصوب على البدلية من نوحٍ وما عطف عليه، كما قاله أبو البقاء، أو بدل من الآلين، كما قاله الزمخشري، أو منصوب على الحال منهم أيضًا، والعامل فيها ﴿اصْطَفَى﴾ تقديره: حال كونهم متشعبًا. ﴿بَعْضُهَا﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: جار ومجرور خبر، والجملة في محل النصب صفة
стр. 1718
لـ ﴿ذُرِّيَّةً﴾، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمَّد لأمتك قصة إذ. ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾: إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَتِ﴾، وإنْ شئت قلتَ ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب جزء المقول. ﴿إِنِّي﴾ إنَّ: حرف نصب وتوكيد، وياء المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿نَذَرْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿نَذَرْتُ﴾ ﴿فِي بَطْنِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿مُحَرَّرًا﴾: حال من ﴿مَا﴾، والعامل فيه ﴿نَذَرْتُ﴾، أو مفعول ثانٍ لـ (نذر) إن جعلناه بمعنى: جعلت، وجملة ﴿نَذَرْتُ﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول القول، ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾: الفاء عاطفة ﴿تقبل﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الرب ﴿مِنِّي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول القول، ﴿إِنَّكَ﴾: إنَّ حرف نصب، والكاف اسمها ﴿أَنتَ﴾: ضمير فصل أو مؤكد للضمير المنصوب ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول لـ ﴿إنْ﴾، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة في محل النصب مقول القول.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ﴾: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: ووضعتها جارية ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿وضع﴾: فعل ماضٍ، التاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير يعود على المرأة، والهاء مفعول به عائد على ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾؛ لأنه بمعنى الجارية، ﴿قَالَتِ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على
стр. 1719
المرأة، وجملة ﴿قَالَتْ﴾ جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة (لما) من فعل شرطها وجوابها معطوفة على الجملة المحذوفة. وقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾، وإن شئتَ قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب جزء المقول ﴿إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَضَعَتْهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿أُنْثَى﴾: حال من الهاء مؤكدة؛ لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير، فجاءت أنثى مؤكدة، أو بدل منها، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة (إنّ) في محل النصب مقول القول. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾: ﴿وَضَعَتْ﴾ فعل ماضٍ والتاء علامة التأنيث، وفاعله ضمير يعود على أم مريم، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما وضعته. ﴿وَلَيْسَ﴾: الواو عاطفة (ليس): فعل ماضٍ ناقص. ﴿الذَّكَرُ﴾: اسمها. ﴿كَالْأُنْثَى﴾: جار ومجرور خبر (ليس)، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ على كونها معترضة إن قلنا: إنها من كلام الله تعالى، ويحتمل أنها من كلامها، فتكون حينئذٍ من مقول القول. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إنَّ﴾: حر نصب والياء اسمها. ﴿سَمَّيْتُهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿مَرْيَمَ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إني وضعتها﴾ على كونها مقول القول ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾: الواو عاطفة ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أعيذ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على أم مريم، والهاء مفعول به. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعيذ﴾ ﴿وَذُريتَهَا﴾: معطوف على ضمير المفعول، والهاء مضاف إليه ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعيذ﴾ ﴿الرَّجِيمِ﴾: صفة الشيطان، وجملة ﴿أُعَيذُهَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: إني وضعتها على كونها مقول القول.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
стр. 1720
﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ الفاء عاطفة تفريعية. ﴿تَقَبَّلَهَا﴾: فعل ومفعول، ﴿رَبُّهَا﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ ﴿بِقَبُولٍ﴾: الباء زائدة، ﴿قَبولٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿حَسَنٍ﴾: صفة له. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: الواو عاطفة. ﴿أَنْبَتَهَا﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾ ﴿نَبَاتًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة ﴿حَسَنًا﴾ صفة له. ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: الواو عاطفة ﴿كفلها﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿زَكَرِيَّا﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿دَخَلَ﴾: فعل ماضٍ، ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق به. ﴿زَكَرِيَّا﴾: فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿الْمِحْرَابَ﴾ مفعول ﴿دَخَلَ﴾. وحق ﴿دَخَلَ﴾ أن يتعدى بفي أو بإلى لكنه اتسع فيه، فأوصل بنفسه إلى المفعول، فهو كقولهم: دخلت الدار، وسكنت الشام كما ذكره أبو البقاء. ﴿وَجَدَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَجَدَ﴾، ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به لـ ﴿وَجَدَ﴾؛ لأنه متعد إلى واحد، وجملة ﴿وَجَدَ﴾ جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ مستأنفة.
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كانه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقيل: قال: يا مريم أنى لك هذا؟. وفي "الفتوحات": والذي (١) يظهر أن جملة قوله: ﴿وَجَدَ﴾
стр. 1721
في محل نصب على الحال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾، ويكون جواب ﴿كُلَّمَا﴾ هو نفس ﴿قَالَ﴾، والتقدير: كلما دخل عليها زكريا المحراب واجدًا عندها الرزق .. قال، وهذا واضح جدًّا. انتهى ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿مريم﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّى﴾: اسم استفام بمعنى: أين، في محل النصب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر ﴿لَكِ﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، ومن المبتدإِ على رأي سيبويه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: اسمها، وجملة ﴿يَرْزُقُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَرْزُقُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء رزقه، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَرْزُقُ﴾.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: اسم إشارة للمكان البعيد نظرًا إلى أصله، وأما في هذا المقام فهي مستعملة في الزمان تجوزًا، والظرف متعلق بدعا الآتي ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. قصة مستقلة سيقت في أثناء قصة مريم كما مرّ، ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾، والجملة مفسرة لجملة ﴿دَعَا﴾، ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإنْ شئتَ قلتَ: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿هَبْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب النداء في محل
стр. 1722
النصب مقول القول ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿هَبْ﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿هَبْ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً﴾: مفعول ﴿هَبْ﴾، ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿ذُرِّيَّةً﴾ ﴿إِنَّكَ﴾: إنَّ: حرف نصب، والكاف: اسمها. ﴿سَمِيعُ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ ﴿الدُّعَاءِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة بحسب الأصل، ومقول القول هنا.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿فَنَادَتْهُ﴾: الفاء عاطفة تفريعية، ﴿نادته الملائكة﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾، ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير المفعول. ﴿يُصَلِّي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾، ﴿فِي الْمِحْرَابِ﴾: متعلق بـ ﴿يُصَلِّي﴾، أو بـ ﴿قَائِمٌ﴾، والجملة في محل النصب حال ثانية من مفعول النداء، أو خبر ثانٍ لـ ﴿هُوَ﴾. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ جملة حالية من مفعول النداء، و ﴿يُصَلِّي﴾ يحتمل أوجهًا:
أحدها: أن يكون خبرًا ثانيًا عند من يرى تعدده مطلقًا نحو: زيد شاعر فقيه.
الثاني: أنه حال ثانية من مفعول النداء، وذلك أيضًا عند من يُجوِّز تعدد الحال.
الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في ﴿قَائِمٌ﴾؛ فيكون حالًا من حال.
الرابع: أن يكون صفة لـ ﴿قَائِمٌ﴾. "سمين"، انتهى.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ﴿إنْ﴾: - بكسر الهمزة في قراءة الكسر -: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها. ﴿يُبَشِّرُكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِيَحْيَى﴾: متعلق بـ ﴿يُبَشِرُكَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر
стр. 1723
﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: حال كون الملائكة قائلين له: إن الله يبشرك، ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من ﴿يحيى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدَقَا﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كلمة﴾، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾: معطوفات على مصدقًا على كونها حالًا من ﴿يحيى﴾ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نبيًّا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على زكريا، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَاقِرٌ﴾: مقول محكي، وإنْ شئت قلتَ: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء جزء المقول، ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى: كيف، في محل النصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدم عليه، ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿غُلَامٌ﴾: اسم ﴿يَكُونُ﴾، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل النصب مقول القول. وفي "الفتوحات"، قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ يجوز في كان أن تكون هي الناقصة، وفي خبرها حينئذٍ وجهان:
أحدهما: أنى؛ لأنا بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، ولي على هذا تبيين.
والثاني: أن الخبر الجار، وأنى: في محل النصب على الظرفية، ويجوز أن تكون تامة، فيكون الظرف والجار والمجرور كلاهما متعلقين بمحذوف على أنه حال من غلام؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً له. انتهى.
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: الواو حالية ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: فعل ومفعول، ونون وقاية، وفاعل، والجملة في محل النصب حال من الياء في ﴿لِي﴾ ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: الواو حالية، ﴿وَامْرَأَتِي﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عَاقِرٌ﴾ خبر، والجملة حال؛ إما من الياء في (لي) بناءً على جواز تعدد الحال، وإما من الياء في ﴿بَلَغَنِىَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على جبريل، والجملة مستأنفة ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئتَ قلت:
стр. 1724
﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿يَفْعَلُ﴾ الآتي، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَفْعَلُ﴾ خبره، ﴿مَا يَشَاءُ﴾: مفعول ﴿يَفْعَلُ﴾، والتقدير: الله يفعل ما يشاء فعلًا كائنًا كذلك، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيةً﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾ والجملة مستأنفة ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: مقول محكي، وإنْ شئتَ قلت: ﴿اجْعَلْ﴾: فعل أمر بمعنى صيِّر يتعدى لمفعولين، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿آيَةً﴾: مفعول أول، ﴿لِي﴾: مفعول ثانٍ، كما ذكر أبو البقاء، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿ءَايَتُكَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿تُكَلِّمَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾. ﴿النَّاسَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة (أن) المصدرية، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية تقديره: آيتك عدم تكليم الناس، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُكَلِّمَ﴾ ﴿إلّا﴾: أداة استثناء، ﴿رَمْزًا﴾: منصوب على الاستثناء، وهو منقطع؛ إذ الرمز لا يدخل تحت التكليم، ومن أطلق الكلام في اللغة على الإشارة الدالة على ما في نفس المشير، فلا يبعد أن يكون هذا استثناءً متصلًا على مذهبه.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو عاطفة، ﴿اذكر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على
стр. 1725
﴿زَكَرِيَّا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على الجملة الإسمية على كونها مقول القول، ﴿رَبَّكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿كَثِيرًا﴾: صفة مصدر محذوف تقديره: ذكرًا كثيرًا ﴿وَسَبِّحْ﴾ الواو عاطفة، ﴿سبح﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على زكريا، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ذكر﴾. ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اذكر﴾، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾: معطوف على ﴿الْعَشِيِّ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿اصْطَفَى﴾: من الصفوة أصله: اصتفى من باب افتعل قلبت تاء الافتعال طاءً؛ لوقوعها إثر مُطْبَق.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿اصْطَفَى﴾ ضمنَّه معنى فضل، فعداه بـ ﴿عَلَى﴾، ولو لم يضمنه معنى فضل لعُدِّي بـ ﴿من﴾.
﴿ذُرِّيَّةً﴾: قيل: مشتق من الذرء، وهو الخلق، فعلى هذا يطلق على الأصول حتى على آدم، كما يطلق على الفروع، وقيل: منسوب إلى الذَّرّ؛ لأن الله أخرجهم من ظهر آدم كالذَّرّ؛ أي: صغار النمل، ويكون هذا من النسب السماعي؛ إذ كان القياس فتح الذال.
﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾: يقال نذر الشيء؛ إذا التزمه، والنذر لغةً الالتزام، وشرعًا: التزام قربة ليست لازمة في أصل الشرع. ﴿مُحَرَّرًا﴾: اسم مفعول من حَرَّر الرباعي معناه: عتيقًا من كل شغل من أشغال الدنيا، فهو مأخوذ من الحرية.
﴿أُعِيذُهَا﴾: مضارع عاذ بكذا إذا اعتصم به عوذًا وعياذًا ومعاذًا ومعاذةً، ومعناه: التجأ واعتصم، وقيل: اشتقاقه من العَوذ، وهو عوذ يلجأ إليه الحشيش في مهب الريح.
﴿الرَّجِيمِ﴾: فقيل: من رجم إذا رمى وقذف، ومنه: رجمًا بالغيب؛ أي: رميًا به من غير تيقن، والرجيم: يحتمل أن يكون للمبالغة من فاعل؛ أي: أنه يرمي ويقذف بالشر والعصيان في قلب ابن آدم، ويحتمل أن يكون بمعنى:
стр. 1726
مرجوم؛ أي: يرجم بالشهب أو يبعدْ ويطردْ.
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾؛ أي: قبلها ورضيها مكان الذكر المنذور، فصيغة التفعل ليست هنا للتكلف ولا للمطاوعة، بل بمعنى أصل الفعل؛ كتعجب من كذا بمعنى: عجيب وتبرأ من كذا بمعنى برىء منه.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قال الزجاج: الأصل؛ فتقبلها بتقبُّل حسن؛ لأن قبولًا مصدر لـ ﴿قبل﴾ الثلاثي، يقال: قبل الشيء قبولًا إذا رضيه، والقياس فيه: الضم، كالدخول والخروج، ولكنه جاء بالفتح، فالقبول هنا من المصادر التي حذفت زوائده؛ إذ لو جاء على تقبل لقيل: تقبلًا حسنًا.
﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾: النبات اسم مصدر لأنبت الرباعي، فهو بمعنى إنباتًا حسنًا ﴿وَكَفَّلَهَا﴾: الكفالة الضمان، يقال: كفل يكفل من بابي نصر وعلم، فهو كافل وكفيل، وهذا أصله، ثم يستعار للضم والقيام على الشيء ﴿زَكَرِيَّا﴾: هو اسم أعجمي شبه بما فيه الألف الممدودة والألف المقصورة، فهو ممدود ومقصور، ولذلك يمتنع صرفه نكرة، وهاتان اللغتان فيه عند أهل الحجاز.
﴿يحيى﴾ فيه قولان:
أحدهما: وهو المشهور عند المفسرين: أنه منقول من الفعل المضارع، وقد سموا بالأفعال كثيرًا نحو: يعيش ويعمِّر، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل؛ كيزيد ويشكر وتغلب.
والثاني: أنه أعجمي لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهر، فامتناعه من الصرف للعلمية والعجمة الشخصية، ويقال في جمعه على كِلا القولين: يحيون رفعًا، ويحين نصبًا وجرًّا على حد قوله:
وَحْذِفْ مِنَ الْمَقْصُوْرِ فِيْ جَمْعٍ عَلَى ... حَدِّ الْمُثَنَّى مَا بِهِ تَكَمَّلاَ
ويقال في تثنيته: يحييان رفعًا، ويحيين نصبًا وجرًّا على حد قوله:
آخِرَ مَقْصُوْرٍ تُثَنِّ اجْعَلْهُ يَا ... إِنْ كَانَ عَنْ ثَلاَثَةٍ مُرْتَقِيَا
ويقال في النسب إليه: يحيي بحذف الألف، ويحيوي بقلبها واوًا،
стр. 1727
ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية على حد قوله:
وإِنْ تَكُنْ تَرْبَعُ ذَا ثَانٍ سَكَنْ ... فَقَلْبُهَا وَاوًا وَحَذْفُهَا حَسَنْ
ويقال في تصغيره: يحيِّي بوزن فعيعل على حد قوله:
فُعَيْعِلٌ مَعَ فُعَيْعِيْلَ لِمَا ... فَاقَ كَجَعْلِ دِرْهَمٍ دُرَيْهِمَا
﴿وَحَصُورًا﴾: الحصور: فعول محول عن فاعل للمبالغة؛ كضروب محول من ضارب، وهو الذي لا يأتي النساء، إما لطبعه على ذلك، وإما لمبالغة نفسه، وفي "القاموس": الحصور: من لا يأتي النساء، وهو قادر على ذلك، والممنوع منهن، أو: من لا يشتهيهن ولا يقربهن.
﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: والعاقر من لا يولد له، رجلًا كان أو امرأةً، مشتق من العقر، وهو: القطع، لقطعه النسل، وفي "المصباح": عقرت الناقة عقرًا من باب ضرب، وفي لغة من باب قرب، انقطع حملها فهي عاقر.
﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ - بكسر الهمزة - مصدر لـ ﴿أبكر﴾ الرباعي بمعنى: بكر، ثم استعمل اسمًا للوقت الذي هو البكرة، هكذا يؤخذ من "المختار"، وبفتح الهمزة جمع بَكَر بفتحتين بمعنى البكرة.
البلاغة
وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة والبلاغة:
منها: العموم الذي يراد به الخصوص في قوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ لما تعذر عليها الاطلاع على ما في بطنها .. أتت بلفظ ﴿مَا﴾ الذي يصدق على الذكر والأنثى والتأكيد في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
ومنها: الخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها: ﴿وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ في قراءة من سكَّن التاء أو كسرها.
стр. 1728
ومنها: تلوين الخطاب ومعدوله في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ في قراءة من كسر التاء، خرج من خطاب الغيبة في قولها: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ إلى خطاب المواجهة في قوله: ﴿بِمَا وَضَعَت﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَإِنِّي﴾، ﴿وَإِنِّي﴾، وفي قوله: ﴿زَكَرِيَّا﴾ و ﴿زَكَرِيَّا﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ عَندِ اَللهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾.
ومنها: الدلالة على الاستمرار والتجدد في قوله: ﴿وَإِنّي أُعِيذُهَا﴾؛ حيث أتى بخبر ﴿إن﴾ فعلًا مضارعًا دلالة على طلب استمرار الاستعاذة دون انقطاعها.
ومنها: الدلالة على الانقطاع، حيث أتى بالخبرين فعلين ماضيين في قوله: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾.
ومنها: المجاز المرسل أو بالاستعارة في قوله: ﴿وَأنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ لأنه مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها بطريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم، أو بطريق الاستعارة التصريحية التبعية؛ إذ الزارع لم يزل يتعهد زرعه بسقيه، وإزالة الآفات عنه.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا﴾، وفي: ﴿رِزْقًا﴾ و ﴿يَرْزُقُ﴾.
ومنها: التعظيم والتفخيم في قوله: ﴿رِزْقًا﴾؛ حيث أتى به منكرًا مشيرًا إلى أنه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة؛ لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة.
ومنها: الطباق بين كلمتي: ﴿العشي﴾ و ﴿الإبكار﴾.
ومنها: الحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 1729
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾
المناسبة
لما فرغ (١) الله عن قصة ولادة يحيى بن زكريا من عجوز عاقر وشيخ كبير قد بلغ من الكبر عتيًّا، وكان قد استطرد من قصة مريم إليها .. رجع إلى قصة مريم، وذكر فيها ما هو أبلغ وأروع في خرق العادات، فذكر قصة ولادة عيسى المسيح من غير أب، وهي شيء أعجب من الأول، وهكذا عادة أساليب العرب، متى ذكروا شيئًا .. استطردوا منه إلى غيره، ثم عادوا إلى الأول إن كان لهم غرض في العود إليه، والغرض من ذكر هذه القصة تبرئة مريم عن ما رمتها به اليهود، والردُّ على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر ولادته من مريم البتول؛ ليدل على بشريته، وأعقبه بذكر ما أيده به من المعجزات؛ ليشير إلى
стр. 1730
رسالته، وأنه أحد الرسل الكرام الذين أظهر الله على أيديهم خوارق العادات، وليس له شيء من أوصاف الربوبية.
التفسير وأوجه القراءة
٤٢ - ﴿و﴾ اذكر يا محمَّد لأمتك قصة ﴿إذ قالت الملائكة﴾؛ أي: جبريل - ومن معه من الملائكة؛ لأنه نقل أنه لا ينزل لأمر إلا ومعه جماعة من الملائكة - لمريم ابنة عمران مشافهة.
وقرأ ابن مسعود وعبد الله بن عمرو شذوذًا: ﴿وإذ قال الملائكة﴾. ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿اصْطَفَاكِ﴾ واختارك أولًا حيث قبلك من أمك، وقبل تحريرك، ولم يسبق ذلك لغيرك من الإناث، وربَّاك في حجر زكريا، ورزقك من الجنة، وقيل: بتفرغك لعبادته وتخصيصك بأنواع اللطف والهداية والعصمة والكفاية في أمر المعيشة، وسماع كلام جبريل شفاهًا ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من المعصية ومسيس الرجال، ومن الأفعال الذميمة، ومن مقالة اليهود وتهمتهم، وقيل: أنجاك من القتل، وقيل: من الحيض والنفاس، فكانت لا تحيض؛ أي: خلقك مطهرة مما للنساء ﴿اصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختارك آخرًا بولادة عيسى من غير أب ونطفة حال انفصاله من مريم حتى شهد ببراءتها عن التهمة. ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عالمَي زمانها، وقيل: على جميع نساء العالمين، والمعتمد (١) أن مريم أفضل النساء على الإطلاق، كما هو ظاهر الآية، وقد نظم بعضهم ترتيب الأفضلية بينها وبين غيرها فقال:
فُضْلَى النِّسَا بِنْتُ عِمْرَانَ فَفَاطِمَهْ ... خَدِيْجَةٌ ثُمَّ مَنْ قَدْ بَرَّأ اللهْ
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد". متفق عليه.
قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض، قيل: أراد وكيع بهذه
стр. 1731
الإشارة تفسير الضمير في قوله: خير نسائها، ومعناه أنهما خير كل النساء بين السماء والأرض، قال النووي: والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام"، متفق عليه. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية؛ لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية امرأة فرعون" أخرجه الترمذي.
٤٣ - ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾؛ أي: قالت الملائكة لها شفاهًا يا مريم دومي على طاعة ربك بأنواع العبادات شكرًا لذلك الاصطفاء، وقيل: أطيلي القيام في الصلاة شكرًا لربك.
وروى مجاهد (١): أنها لما خوطبت بهذا .. قامت حتى ورمت قدماها، وقال الأوزاعي: قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها، وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها تظنها جمادًا؛ لسكونها في طول قيامها. ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾؛ أي: ائتي بالسجود والركوع ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: مع المصلين، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ أي: صلي مع المصلين جماعة في بيت المقدس، فإنِّ اقتداء النساء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء، وإنما قدم السجود (٢) على الركوع؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب إنما هي للجمع، كأنه قيل لها: افعلي الركوع والسجود، وقيل: إنما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان
стр. 1732
كذلك في شريعتهم، أو لكون السجود أفضل الأركان، أو ليقترن ﴿اركعي﴾ بـ ﴿الرَّاكِعِينَ﴾، وإنما قال: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولم يقل: مع الراكعات؛ لأن لفظ الراكعين أعم، فيدخل فيه الرجال والنساء، والصلاة مع الرجال أفضل وأنتم كما مر آنفًا. وقيل: معناه افعلي كفعل الراكعين.
٤٤ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من خبر حنة ومريم وزكريا ويحيى ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: من أخبار ما غاب عنك يا محمَّد ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: نلقي ذلك الغيب إليك يا محمَّد بواسطة جبريل الأمين، ونرسله إليك ليعلمكه، والمعنى: هذا الذي قصصناه عليك من أخبار مريم وزكريا من الأخبار التي لم تشهدها أنت ولا أحد من قومك، ولم تقرأها في كتاب، ولا علمكها معلم، بل هي وحي نوحيه إليك على يد الروح الأمين؛ لتكون دلالة على صحة نبوتك، وإلزامًا لمن يحاجك من الجاحدين المعاندين.
والوحي في القرآن لأحد معانٍ أربعة (١):
الأول: لكلام جبريل للأنبياء، كما قال تعالى: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾.
والثاني: للإلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾.
والثالث: لإلقاء المعنى المراد في النفس، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾.
والرابع: للإشارة، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
فالوحي: تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كناية أو غيرهما.
﴿وَمَا كُنتَ﴾ يا محمَّد ﴿لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: حاضرًا عند الذين تنازعوا في تربية مريم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾؛ أي: حين يرمون في نهر الأردن أقلامهم التي يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركًا بها؛ ليعلموا جواب ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: ليعلموا جواب استفهام؛ أي: أحدهم يربي مريم ويقوم بمصالحها.
стр. 1733
﴿وَمَا كُنتَ﴾ يا محمَّد شاهدًا ﴿لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: حاضرًا عند المتنازعين ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: حين يتنازعون تنافسًا في كفالتها؛ أي: وما كنت عندهم إذ يتقارعون على تربية مريم، وإذ يختصمون بسببها، فتخبر قومك عن مشاهدة. ولا كنت قارئًا فتخبرهم عن دراسة، فلزم كون ذلك بطريق الوحي الدال على نبوتك.
وذلك أن حنة لما ولدت مريم .. أتت بها سدنة بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها الأحبار؛ لكونها بنت إمامهم ورئيسهم، أو لكونها حررت لعبادة الله وخدمة المسجد، فاقترعوا عليها، فخرجت القرعة لزكريا؛ أخذها ورباها كما سبق. قال ابن كثير: وإنما قدر الله كون زكريا كافلًا لها؛ لسعادتها، ولتقتبس منه علمًا جمًّا وعملًا صالحًا.
وفي "الفتوحات الإلهية" (١): واعلم أن هذا الكلام ونحوه كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ وإن كان معلومًا انتفاؤه جارٍ مجرى التهكم بمنكر الوحي يعني: أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ولم تدارس أحدًا في العلم .. فلم يبقَ اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي. انتهى.
٤٥ - واذكر يا محمَّد لأمتك قصة ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: جبريل لمريم وقرأ ابن مسعود وابن عمرو: ﴿إذ قال الملائكة﴾. ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بولد مخلوق بكلمة واقعة من الله ، وهي كلمة: كن؛ أي: من غير واسطة الأسباب العادية، فإن غير عيسى من كل مخلوق، وإن وجد بكلمة: كن، لكنه بواسطة أب، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ نعت لـ ﴿كلمة﴾ و ﴿من﴾ للابتداء؛ أي: كلمة كائنة من الله؛ أي: مبتدأة وناشئة منه تعالى.
واعلم (٢): أن أول المبشر به قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾، وآخره قوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وقوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ اعتراض في خلال المبشر به، فالمبشر به نحو خمسة عشر شيئًا: كونه ولدًا، وكون اسمه كذا، وكونه وجيهًا،
стр. 1734
وكونه من المقربين، وكونه يكلم الناس في المهد، وكونه من الصالحين، وكونه يعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وكونه رسولًا إلى بني إسرائيل، فهذا كله قاله لها الملك قبل وجود عيسى. تأمل ﴿اسْمُهُ﴾؛ أي: اسم ذلك الولد ﴿الْمَسِيحُ﴾ قدم اللقب على الاسم لشهرته به، وإنما سُمي بالمسيح؛ لأنه يسيح في البلدان، أو لأنه ما مسح بيده ذا عاهة إلا برىء من مرضه، فهو فعيل بمعنى: فاعل، أو لأنه ممسوح القدمين، فليس فيهما خمص، والأخمص ما تجافى عن الأرض من باطن الرِّجْل، وكان عيسى أمسح القدم لا خمص له، أو لمسحه بالبركة، أو لمسحه بالدهن الذي يمسح به الأنبياء حين خرج من بطن أمه، أو لمسح الجمال إياه، وهو ظهوره عليه، أو لمسحه من الأقذار التي تنال المولودين؛ لأن أمه كانت لا تحيض، ولم تدنس بدم نفاس، فعلى هذه الأقوال، فهو فعيل بمعنى: مفعول، وقال أبو عبيد: أصله بالعبرانية مشيخًا، فغير، فعلى هذا يكون اسمًا مرتجلًا ليس هو مشتقًا من المسح، ولا من السياحة، فمشيخا معناه: المبارك ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وعيسى معرب: أيشوع، مشتق من العيس، وهو بياض يعلوه حمرة. فإن قلت: لِمَ قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء الاسم والكنية واللقب؟.
قلتُ: المراد اسمه الذي يتميز به عن غيره، وهو لا يتميز إلا بمجموع الثلاثة، وبهذا تعلم أن الخبر عن اسمه إنما هو مجموع الثلاثة من حيث المعنى، لا كل واحد منها على حياله، فهذا على حد الرُّمان حلو حامض، وإنما نسبه الله تعالى إلى الأم إعلامًا لها بأنه محدث بغير الأب، فكان ذلك سببًا لزيادة فضله وعلو درجته، وإنما لم بقل: ابنك كما هو الظاهر إشارةً إلى أنه يكنى بهذه الكنية المشتملة على الإضافة للظاهر. ﴿وَجِيهًا﴾ حال مقدرة من ﴿كلمة﴾، وكذا قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾،
٤٦ - وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾، وقوله: ﴿من الصالحين﴾ فهذه أربعة أحوال من ﴿كلمة﴾، والتذكير باعتبار معناها، وهي وإن كانت نكرة، لكنها موصوفة، أي: حالة كونه شريفًا رفيعًا ذا جاء وقدر. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة وبإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بسبب دعائه. ﴿و﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بجعله شفيع أمته، وبقبول شفاعته فيهم، وبعلو درجته عند الله تعالى ﴿و﴾ حالة كونه كائنًا
стр. 1735
﴿من المقربين﴾ إلى الله في جنة عدن، وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء، وتصاحبه الملائكة ﴿و﴾ حالة كونه ﴿يكلم الناس في﴾ زمن ﴿الْمَهْدِ﴾ والطفولة، وهو في حجر أمه إظهارًا لبراءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة على نبوته؛ حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، كما سيأتي في سورة "مريم"، وبعد ما تكلم بهذا الكلام .. سكت ولم يتكلم حتى بلغ أوان النطق عادة ﴿و﴾ يكلمهم حالة كونه ﴿كهلا﴾؛ أي: بالغًا كبيرًا بكلام الأنبياء، والدعوة إلى الله، فهو إشارة إلى نبوته. وزمن الكهولة من الثلاثين سنة إلى الأربعين، وفي وصفه بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنه بمعزل عن الألوهية، ففيه ردٌّ على النصارى، كانه قال: لو كان إلهًا كما زعمتم .. ما اعتراه هذا التغير من كونه صبيًّا وكهلًا وغير ذلك.
﴿و﴾ حالة كونه كائنًا من العباد ﴿الصَّالِحِينَ﴾ ومعدودًا منهم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، الذين تعرف مريم سيرتهم؛ مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، وغيرهم من الأنبياء.
وإنما ختم (١) أوصاف عيسى ﵇ بكونه من الصالحين، بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا .. أردفه بقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات.
٤٧ - ﴿قَالَتْ﴾ مريم لجبريل لما بشرها بالولد، وقيل: تقوله لله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾؛ أي: يا سيدي من أين يكون لي ولد ﴿و﴾ الحال أني ﴿لم يمسسني بشر﴾؛ أي: لم يصبني رجل بالحلال ولا بالحرام؟؛ لأن المحررة لا تتزوج أبدًا كالذكر المحرر.
أي قالت: كيف يكون لي ولد وليس لي زوج؟ وقد يكون مرادها: أيحدث
стр. 1736
ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك؟ وقد يكون قصدها: التعجب من قدرة الله واستعظام شأنه. وفي "الفتوحات": والاستفهام هنا استفهام حقيقي عن كيفية خلقه منها، هل يكون وهي بهذه الحالة عزباء، أو بعد أن تتزوج؟ فأجابها: بأنه يخلقه منها، وهي على هذه الحالة، كما يدل عليه قولنا الآتي من خلق ولدٍ منك بلا أب. انتهى.
﴿قَالَ﴾ جبريل الأمر ﴿كَذَلِكِ﴾؛ أي: كما قلت لكِ من خلق ولد منك بلا أب ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ كيف شاء بسبب، وبلا سبب.
أو المعنى (١): مثل هذا الخلق العجيب، والإحداث البديع - وهو خلق الولد بغير أبٍ - يخلق الله ما يشاء، فالكاف صفة لمصدر محذوف على هذا المعنى.
فإن قلت (٢): لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل؟
قلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق.
أي: هكذا يخلق الله منك ولدًا من غير أن يمسك بشر، فيجعله آية للناس وعبرة، فإنه ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: إذا أراد خلق شيء من الكائنات ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾؛ أي: لذلك الأمر ﴿كُن﴾ لا غير، أي: أحدث وأخرج من العدم ﴿فـ﴾ هو ﴿يكون﴾؛ أي: فذلك الأمر يوجد بسرعة من غير تباطؤ، فنفخ جبريل في جيب درعها، فوصل نَفَسه إلى فرجها فدخل رحمها، فحملت منه، وفيه إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد .. يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، وهذا تمثيل لكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وتصوير لسرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع يفعل ما يطلب منه
стр. 1737
على الفور.
وهذا الأمر يسمى أمر تكوين، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف، يعرف بوحي الله لأنبيائه، والجاحدون لآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب وقوفًا عند العادة، وذهولًا عن كيفية بدء العالم، ولكن ليس لهم دليل عقلي ينبيء بالاستحالة، وإنا نشاهد كل يوم حدوث شيء في الكون لم يكن معتادًا من قبل، بعضه له أسباب معروفة، فيسمونه: استكشافًا أو اختراعًا، وبعضه ليس بمعروف له سببٌ، ويسمونه: فلتات الطبيعة.
والمؤمنون يقولون: إن مثل هذا الذي جاء على غير الأسباب المعروفة يجب أن يهدي الحاقل إلى أن الأسباب ليست واجبة وجوبًا عقليًّا مطردًا.
وإن أبناء الجيل الحاضر الذين رأوا من الغرائب ما لو رآه السابقون .. لعدوه سحرًا، أو خرافة، أو أضافوه إلى الجن، ليس لهم عذر في إنكار الأشياء التي لم يعرفوا لها أسبابًا، وقد قرر فلاسفة العصر إمكان توالد الحيوان من غير حيوان، إذًا فتوالد الحيوان من حيوان واحد أقربُ إلى العقول، وأدنى إلى الإمكان.
٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ قرأ نافع وعاصم: ﴿يعلمه﴾ بالياء ويكون معطوفًا على الحال، أعني: قوله: وجيهًا، فكأن جبريل قال: حالة كونه وجيهًا ومعلمًا الكتاب، وما بعده بفتح اللام، أو على: ﴿يُبَشِرُكِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿ونعلمه﴾ - بالنون - فيكون معمولًا لقول محذوف من كلام الملك تقديره: ويقول الله نعلمه إلخ، ويكون في المعنى معطوفًا على الحال أيضًا تقديره: وجيهًا ومقولًا فيه نعلمه، أو على ﴿يُبَشِّرُكَ﴾؛ أي: إن الله يبشرك بعيسى، ويقول: نعلمه الكتاب، ويصح كونه مستأنفًا سيق تطييبًا لقلبها، وإزاحة لما أَهَمَّها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير زوج.
أي: ويعلمه الكتاب؛ أي: الكتابة والخط باليد، وكان أحسن الناس خطًّا في زمانه، وقيل: يعلمه كتب الأنبياء ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: العلم المقترن بالعمل، وتهذيب الأخلاق ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ التي أنزلت على موسى ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ الذي أنزل عليه،
стр. 1738
وإنما أفردهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة؛ لزيادة فضلهما على غيرهما، فكان يحفظهما على ظهر قلبه.
وهذا إخبار من الله تعالى لمريم ما هو فاعل بالولد الذي بشرها به، من الكرامة وعلو المنزلة.
٤٩ - ﴿و﴾ حالة كونه ﴿رسولًا إلى بني إسرائيل﴾ كلهم، وتخصيص (١) بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم.
وقرأ اليزيدي شذوذًا: ﴿ورسولِ﴾ - بالجر - وخرجه الزمخشري على أنه معطوف على قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، وهي قراءة شاذة في القياس؛ لطول البعد بين المعطوف والمعطوف عليه.
والمعتمد عند الجمهور (٢): أن عيسى إنما نبىء على رأس الأربعين، وأنه عاش في الأرض قبل رفعه مئة وعشرين سنة، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل كما أن أولهم يوسف بن يعقوب، وسيأتي بسط ذلك عند قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إن شاء الله تعالى.
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ - بفتح الهمزة - على قراءة الجمهور، فيكون مجرورًا بباء الملابسة المقدرة المتعلقة بمحذوف حال من رسول المقدر؛ لما فيه من معنى النطق، والتقدير: فلما جاءهم .. قال: إني رسول الله إليكم حالة كوني ملتبسًا بمجيئي إياكم بآية وعلامة تدل على صدق رسالتي، وتلك الآية: أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير إلخ، وهذا التقدير أحسن (٣)؛ لأن قصة البشارة قد تمت، وهذا شروع في قصة ما وقع له بعد وجوده في الخارج.
وقريء بكسر همزة ﴿إني﴾ وهي شاذة، فيكون مفعولًا لقول محذوف تقديره: فلما جاءهم .. قال لهم: إني قد جئتكم بآية. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بعلامة دالة على صدقي كائنة من ربكم، وإنما قال: ﴿بِآيَةٍ﴾، وقد جاء بآيات
стр. 1739
كثيرة؛ لأن الكل دال على شيء واحد، وهو صدقه في الرسالة. قرأ الجمهور: ﴿بِآيَةٍ﴾ بالإفراد، وفي مصحف عبد الله شذوذًا: (بآيات) بالجمع في الموضعين، فلما قال ذلك عيسى لبني إسرائيل .. قالوا: ما تلك الآية؟ قال هي ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ وأصور وأقدر ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لأجل هدايتكم وتصديقكم بي ﴿مِنَ الطِّينِ﴾؛ أي: من التراب الرطب ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؛ أي: شيئًا مثل صورة الطير.
قرأ الجمهور: ﴿أَنِّي﴾ - بفتح الهمزة - على كونه خبر مبتدأ محذوف كما قدرنا، أو على كونه بدلًا من آية، فيكون في محل جر. وقرأ نافع ﴿إنيَ﴾ بالكسر على الاستئناف، أو على إضمار القول. وقرأ الجمهور ﴿كَهَيْئَةِ﴾ بفتحتين بينهما ياء ساكنة. وقرأ الزهري شذوذًا: (كهِيَّة) بكسر الهاء وياء مشددة مفتوحة بعدها تاء التأنيث. وقرأ الجمهور: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع في المتواتر: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾؛ أي: في فم ذلك الشيء المماثل للطير، فالضمير للكاف. وقرأ بعض القراء شذوذًا؛ (فأنفخ فيها) بالتأنيث كما هو كذلك في المائدة، فالضمير للهيئة. ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فيصير ذلك المماثل الذي أنفخ فيه ﴿طَيْرًا﴾ حيًّا يطير بين السماء والأرض ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله وتكوينه وتخليقه، وفيه إشارة إلى أن إحياءَه من الله تعالى، لا منه، وهذه هي المعجزة الأولى. وقرأ نافع ويعقوب هنا وفي المائدة: ﴿طائرًا﴾، وقرأ الباقون: ﴿طيرا﴾.
روي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه قال لهم: ماذا تريدون؟ قالوا: الخَفَّاش، وإنما طالبوه بخلق الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقًا، وأبلغ دلالة على القدرة؛ لأن له نابًا وأسنانًا، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويطير بغير ريش، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، إنما يرى في ساعتين: ساعة بعد المغرب، وساعة بعد طلوع الفجر، والأنثى منه لها ثدي وتحيض وتطهر وتلد.
وخلاصة الكلام: أن من علامات نبوتي - إن كنتم فيه تمترون - أني أقتطع من الطين جزءًا مصورًا بصورة طير من الطيور التي تريدون، ثم أنفخ فيه، فيصير
стр. 1740
طيرًا حيًّا يحلق في جو السماء، كما تفعل بقية الطيور.
وقد روي أنه ﵇ لما أعلن النبوة، وأظهر المعجزات .. طالبوه بخلق خَفَّاش، فأخذ طينًا، وصوره، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم .. سقط ميتًا؛ ليتميز عن خلق الله تعالى.
وقد جرت سنّة الله أن تجرى الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها، وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك .. فقد فعل، ولا حاجة بنا إلى تعيين نوع الطير؛ إذ لم يرد عندنا نص من كتاب أو سنّة يعينه، فنقف حينئذٍ عند لفظ الآية.
فلما صور لهم خفاشًا .. قالوا: هذا سحر، فهل عندك غيره؟ قال: نعم. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾؛ أي: وأشفي الذي ولد أعمى، أو الممسوح العينين، وأصححه من عماه ﴿و﴾ أشفي ﴿الأبرص﴾ وأصححه من مرضه؛ وهو الذي في جلده بياض شديد، وهذه هي المعجزة الثانية، ولم يقل في هذه المعجزة، وفي المعجزة الرابعة: بإذن الله؛ لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة إلى الآخرين، فتوهم الألوهية فيهما بعيد، فلا يحتاج للتنبيه على نفيه خصوصًا وكان فيهم أطباء كثيرون، وإنما خُصَّا بالذكر؛ لأن مداواتهما أعيت الأطباء، وقد كان الطب متقدمًا جدًّا في زمن عيسى، فأراهم الله المعجزة من ذلك الجنس، وقد جرت السنّة الإلهية أن تكون معجزة كل نبي من جنس ما اشتهر في زمنه؛ فأعطى موسى العصا، وابتلعت ما كانوا يأفكون؛ لأن المصريين في ذلك العصر كانوا مشهورين بالسحر؛ وأعطى عيسى من المعجزات ما هو من جنس الطب الذي حذقه أطباء عصره؛ وأعطى محمدًا ﷺ معجزة القرآن؛ لأن التفاخر في ذلك العصر كان بالفصاحة والبيان.
فلما فعل ذلك قالوا: هذا سحر، فهل عندك غيره؟ قال: نعم. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: وأحيي بعض الأموات بإرادة الله ودعائه، وكان يدعو لإحيائهم باسم الله الأعظم، وهو يا حي يا قيوم، وهذه هي المعجزة الثالثة.
стр. 1741
وإنما كرر (١): بإذن الله هنا وفيما مرَّ؛ لنفي توهم الألوهية في عيسى، فهو رد على النصارى؛ لأن الإحياء والخلق ليس من جنس الأفعال البشرية، وأما إبراء الأكمه والأبرص، فهو من جنس أفعالهم، فلذا لم يذكر بإذن الله بعده، وذكر في المائدة أربعًا بلفظ: إذني؛ لأنه هنا من كلام عيسى، وثم من كلام الله تعالى، وأتى بهذه الأربع بلفظ المضارع دلالة على تجدد ذلك كل وقت طلب منه.
روي أنه أحيا أربعة أنفس: أحيا عازَر بوزن هاجر بعد موته بثلاثة أيام حتى عاش، وولد له، وأحيا ابن العجوز وهو ميت محمول على السرير، فنزل عن سريره حيًّا، ورجع إلى أهله، وعاش وولد له، وأحيا بنت العاشر؛ أي: الذي يأخذ العشور من الناس بعد يوم من موتها، فعاشت، وولد لها، فقالوا لعيسى: إنك تحيي من كان قريب العهد من الموت، فلعلهم لم يموتوا حقيقة، بل أصابهم سكتة، فأحي لنا سام بن نوح، وهو قد مضى من موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقام على قبره، فدعا الله باسمه الأعظم، فقام من قبره، وقال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، ومات في الحال، فآمن به بعضهم، وكذبه آخرون، فقالوا: هذا سحر فهل عندك غيره؟ قال: نعم. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي؛ وأخبركم بما تطعمون وتشربون غدوة وعشية ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾؛ أي: وأخبركم ما ترفعون وتخبئون في بيوتكم من غداء لعشاء، ومن عشاء لغداء لتأكلوه فيما بعد ذلك. قيل: كان عيسى ﵇ يخبر الرجل بما أكل البارحة، وبما يأكله اليوم، وبما يدخره للعشاء، وقال قتادة: إنما كان هذا في نزول المائدة، وكان خوانًا ينزل عليهم أينما كانوا، فيه من طعام الجنة، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغدٍ، فخانوا وادخروا، فكان عيسى ﵇ يخبرهم بما أكلوا من المائدة، وما ادخروا منها، فمسخهم الله خنازير، وهذه هي المعجزة الرابعة، وفي هذا دليل قاطع على صحة نبوة عيسى ﵇، ومعجزة عظيمة له، وهي: إخباره عن المغيبات مع ما تقدم له من الآيات الباهرات من: إبراء الأكمه
стр. 1742
والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى، وإخباره عن الغيوب بإعلام الله إياه ذلك، وهذا مما لا سبيل لأحد من البشر إليه إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور الذي قلته لكم من خلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار عن المغيبات ﴿لَأَيَة﴾؛ أي: لمعجزة قوية دالة على صحة رسالتي دلالة واضحة ﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ومصدقين للحق غير معاندين انتفعتم بهذه الآيات. وقرأ الجمهور: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ بذال مشددة. وقرأ مجاهد والزهري وأيوب السختياني: ﴿تذخرون﴾ بذال ساكنة وخاء مفتوحة. وقرأ أبو شعيب السوسي: ﴿وما تذدخرون﴾ بذال ساكنة ودال مفتوحة من غير إدغام، وهذا الفك جائز، وقراءة الجمهور بالإدغام أجود، وما عداه شاذ.
وتقدم أن في مصحف عبد الله بن مسعود: ﴿لآيات﴾ بالجمع، فمن أفرد أراد الجنس، وهو صالح للقليل والكثير.
٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطف ومصدقًا على قوله: بآية؛ إذ الباء فيه للحال، ولا تكون للتعدية؛ لفساد المعنى، فالمعنى: وجئتكم مصحوبًا بآية من ربكم، ومصدقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾؛ أي: لما قبلي ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ومؤيدًا لها، ومعنى تصديقه للتوراة: الإيمان بها وإن كانت شريعته تخالفها في أشياء، وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسع مئة سنة وخمس وسبعون سنة.
والخلاصة: أي وجئتكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة، لا ناسخًا لها، ولا مخالفًا شيئًا من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددًا عليهم فيها، وهو الذي ذكره بقوله ﴿و﴾ جئتكم ﴿لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾؛ أي: ولأحل لكم بعض الطيبات التي حرمت عليكم في شريعة موسى بسبب ظلمكم، وكثرة سؤالكم؛ كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ من الشحوم والشروب، وهي شحم الكرش والأمعاء رقيق للبقر والغنم ولحوم الإبل، ومما لا صيصية له؛ أي: شوكة يؤذي بها من السمك والطير، ومن العمل في يوم السبت، وهذا لا يقدح في كونه مصدقًا للتوراة؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان.
стр. 1743
قرأ الجمهور: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بالبناء للمفعول مع التشديد، وقرأ عكرمة شذوذًا: (حَرّم عليكم) بالتشديد مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير يعود على ﴿ما﴾ في قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾، أو يعود على الله منزل التوراة، أو على موسى صاحب التوراة، والظاهر الأول؛ لأنه مذكور، وقرأ إبراهيم النخعي شذوذًا أيضًا: (حَرُم) بوزن: كَرُم. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وقد جئتكم بآية بعد آية من ربكم دالة على صدق مقالتي، وشاهدة على صحة رسالتي مما ذكرت لم: من خلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، والإحياء والإنباء بالمغيبات إلى نحو ذلك (١)، وقرىء شذوذًا: ﴿بآيات﴾ بلفظ الجمع، وكرر هذا ليرتب عليه الأمر الذي ذكره بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله يا بني إسرائيل في عدم قبولها ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: امتثلوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه عن الله تعالى، ثم ختم مقاله بالإقرار بالتوحيد، والاعتراف بالعبودية، فقال:
٥١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾؛ أي: خالقي وخالقكم، ومالكي ومالككم، وتكرار: ﴿رَبِّي﴾ ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ أبلغ في التزام العبودية من قوله: ربنا، وأدل على التبري من الربوبية، وأقر بالعبودية لئلا يتقولوا عليه الباطل، فيقولوا: إنه إله وابن إله؛ لأن إقراره بالعبودية لله يمنعُ مما تدعيه جهال النصارى عليه ﴿فَاعْبُدُوه﴾؛ أي: وحدوه ولازموا طاعته التي هي الإتيان بالأوامر، والانتهاء عن المناهي ﴿هَذَا﴾؛ أي: الجمع بين التوحيد والعبادة ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: دين قويم يرضاه الله تعالى، وهو الإِسلام الموصل إلى خيري الدنيا والآخرة.
الإعراب
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: الواو استئنافية ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾،
стр. 1744
والظرف متعلق بمحذوف تقديره: واذكر وقت قول الملائكة لمريم، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَتِ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿مريم﴾ منادى مفرد علم، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿قال﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿اصْطَفَاكِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنِّ﴾ في محل النصب مقول (قال)، وجملة قوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ الثاني. ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾.
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.
﴿يَا مَرْيَمُ﴾: منادى مفرد العلم، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿اقْنُتِي﴾: فعل وفاعل ﴿لِرَبِّكِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اقْنُتِي﴾، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَاسْجُدِي﴾: فعل وفاعل، وكذا قوله: ﴿وَارْكَعِي﴾، والجملتان في محل النصب معطوفتان على جملة ﴿اقْنُتِي﴾. ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿اركعي﴾.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.
﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿نُوحِيهِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة (١) الفعلية مستأنفة، والضمير في ﴿نُوحِيهِ﴾ عائد على ﴿الْغَيْبِ﴾؛ أي: الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب، ونعلمك به، ونظهرك على قصص من تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾: الواو استئنافية ﴿ما﴾:
стр. 1745
نافية ﴿كُنتَ﴾: فعل ناقص، واسمه. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بخبر ﴿كان﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى. ﴿يُلْقُونَ﴾ فعل وفاعل، ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ مفعول ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿كان﴾، أو بالاستقرار الذي وقع خبرًا لـ ﴿كان﴾، والتقدير: وما كنت لديهم وقت إلقائهم أقلامهم. ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسم استفهام مبتدأ مرفوع. ﴿يَكْفُلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿أي﴾. ﴿مَريَمَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: أيهم كافل مريم، والجملة الإسمية في محل النصب معمول لمحذوف، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: إذ يلقون أقلامهم ليعلموا جواب أيهم يكفل مريم. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ إعرابه مثل إعراب قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَة﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمَّد قصة وقت قول الملائكة ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَتِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ منادى مفرد العلم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: حرف نصب، واسمها ﴿يُبَشِّرُكِ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول ﴿بِكَلِمَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كلمة﴾. ﴿اسْمُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿الْمَسِيحُ﴾ خبره ﴿عِيسَى﴾ بدل منه، أو عطف بيان. ﴿ابنُ مَرْيَمَ﴾ بدل ثانٍ، أو عطف، والجملة الإسمية في محل الجر صفة لـ ﴿كلمة﴾، والرابط ضمير اسمه، وقال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون ﴿عِيسَى﴾ خبرًا آخر؛ لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ، والمبتدأ هنا مفرد، وهو قوله: ﴿اسْمُهُ﴾، ولو كان ﴿عِيسَى﴾ خبرًا آخر لكان التقدير: أسماؤه، وأجاز أيضًا أن يكون ﴿ابْنُ مَريَمَ﴾ خبر
стр. 1746
مبتدأ محذوف؛ أي: هو ابن مريم ﴿وَجِيهًا﴾: حال من ﴿كلمة﴾، والتذكير باعتبار معناها؛ لأنها بمعنى: مولود، وجاز مجيء الحال منها مع كونها نكرة لوصفها بالجار والمجرور بعدها ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَجِيهًا﴾ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: جار ومجرور معطوف على ﴿وَجِيهًا﴾ على كونه حالًا من ﴿كلمة﴾.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾.
﴿وَيُكَلِّمُ﴾ الواو عاطفة ﴿يكلم الناس﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿كلمة﴾؛ لأنها بمعنى: مولود ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: متعلق بـ ﴿يكلم﴾، أو حال من الضمير في ﴿يكلم﴾؛ أي: يكلمهم صغيرًا. ﴿وَكَهْلًا﴾: يجوز أن يكون حالًا معطونة على ﴿وَجِيهًا﴾، وأن يكون معطوفًا على موضع ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ إذا جعلناه حالًا، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على ﴿وَجِيهًا﴾ على كونها حالًا من ﴿كلمة﴾. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: جار ومجرور، ومعطوف على ﴿وَجِيهًا﴾ على كونه حالًا من ﴿كلمة﴾.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿قَالَتْ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مريم﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَشَرٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: مناد مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى: من أين في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَكُونُ﴾. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص ﴿لِي﴾: جار ومجرور خبرها، ﴿وَلَدٌ﴾ اسمها، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾، وتقدم مثل هذا الكلام في قصة زكريا، فراجعه ﴿وَلَمْ﴾: الواو حالية ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ونون وقاية، والجملة في محل النصب حال من ياء المتكلم في قوله: ﴿لِي﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على جبريل، والجملة مستأنفة ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكيٌّ، وإن شئت قلتَ: ﴿كَذلِكِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك،
стр. 1747
والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يَخلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾ ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يشاؤه.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مضمنة معنى الشرط ﴿قَضَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة في محل الخفض فعل شرط لإذا، والعامل (١) في ﴿إِذَا﴾ محذوف يدل عليه الجواب من قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾، والتقدير: إذا قضى أمرًا .. يكون ويحصل، فلفظ: يكون المقدر، هو العامل في ﴿إِذَا﴾ ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إذَا﴾ جوازًا، ﴿إنما﴾: أداة حصر. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية دالة على جواب ﴿إذَا﴾ ﴿كُن﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿كُن﴾: فعل أمر بمعنى: أُحدث من كان التامة، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَمْرًا﴾، ﴿فَيَكوُنُ﴾: الفاء عاطفة ﴿يكون﴾: فعل مضارع بمعنى يحصل من كان التامة، وفاعله ضمير يعود على أمرًا، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَقُولُ﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول ﴿قال﴾. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾ الجمهور (٢) على رفعه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مستأنفًا؛ أي: خبرأ لمبتدأ محذوف؛ أي: فهو يكون، ويعزى لسيبويه.
стр. 1748
الثاني: أن يكون معطوفًا على ﴿كُن﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسي، وقرأ ابن عامر بالنصب هنا، وفي البقرة. انتهى.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾.
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ الواو عاطفة ﴿يعلمه﴾: فعل مضارع ومفعول أول ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثانٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على ﴿وَجِيهًا﴾ على كونها حالًا من ﴿كلمة﴾ على قراءة الياء، وأما على قراءة النون، فالجملة مستأنفة. وقال أبو البقاء (١): ﴿ونعلمه﴾ يقرأ بالنون حملًا على قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ويقرأ بالياء حملًا على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، وموضعه حال معطوفة على ﴿وَجِيهًا﴾ انتهى. ﴿وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوفات على ﴿الْكِتَابَ﴾.
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿وَرَسُولًا﴾: حال معطوف على ﴿وَجِيهًا﴾. ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿رسولًا﴾؛ لأنه بمعنى مرسلًا. ﴿أَنِّي﴾: أن: حرف نصب ومصدر، والياء اسمها ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿جِئْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق به، أو في موضع الحال؛ أي: محتجًّا بآية، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلق بمحذوف صفة لآية، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (أن)، وجملة ﴿أَن﴾ في تأويل مصدر مجرور بباء الملابسة المقدرة، المتعلقة بمحذوف حال من رسول المقدر تقديره: فلما جاءهم .. قال: إني رسول الله إليكم حالة كوني ملتبسًا بمجيئي إياكم بآية من ربكم، وعلى قراءة الكسر: تكون مقولًا لقول محذوف تقديره: فلما جاءهم .. قال لهم: إني قد جئتكم بآية من ربكم، كما مرت الإشارة إلى ذلك كله في مقام التفسير وأوجه القراءة.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
стр. 1749
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، والياء اسمها، ﴿أَخْلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على عيسى ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، وكذا ﴿مِنَ الطِّينِ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: وهي؛ أي: تلك الآية خلقي لكم من الطين، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. وقال أبو البقاء (١): ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ يقرأ بفتح الهمزة، وفي موضعه حينئذٍ ثلاثة أوجه:
أحدها: الجر بدلًا من ﴿آية﴾.
والثاني: الرفع؛ أي: هي أني.
والثالث: أن يكون بدلًا من ﴿أَنِّي﴾ الأولى. ويقرأ بكسر الهمزة على الاستئناف، أو على إضمار القول. انتهى. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمحذوف تقديره: أني أخلق لكم من الطين هيئةً كائنة كهيئة الطير؛ أي: صورة كصورة الطير.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
﴿فَأَنْفُخُ﴾: الفاء عاطفة ﴿أنفخ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على عيسى. ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَخْلُقُ﴾. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾: الفاء عاطفة ﴿يكون﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على الشيء المصوَّر ﴿طَيْرًا﴾ خبرها، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أنفخ﴾. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يكون﴾. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾: معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على عيسى، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَخْلُقُ﴾ ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾: فعل ومفعول. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق به، وفاعله
стр. 1750
ضمير يعود على عيسى، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَخْلُقُ﴾.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على عيسى. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور في موضع المفعول الثاني. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تأكلونه، وجملة ﴿أنبئكم﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَخْلُقُ﴾ ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: معطوف على قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَدَّخِرُونَ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿في ذلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لإنَّ ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، واللام فيه لام الابتداء، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور صفة ﴿لَآيَةً﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ محذوف تقديره: انتفعتم بهذه الآيات، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ الواو عاطفة ﴿مصدقًا﴾: حال معطوفة على قوله: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وجئتكم حال كوني محتجًا بآية من ربكم، وحالة كوني مصدقًا لما بين يدي ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مصدقًا﴾ ﴿بَيْنَ يَدَيَّ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف؛ إما صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: جار ومجرور في موضع نصب (١) على الحال من الضمير المستتر في الظرف، وهو ﴿بَيْنَ﴾، والعامل فيها الاستقرار، أو نفس الظرف، ويجوز أن يكون حالًا
стр. 1751
من ﴿ما﴾، فيكون العامل فيه ﴿مصدقًا﴾. ﴿وَلِأُحِلَّ﴾: الواو عاطفة. ﴿لأحل﴾: اللام حرف جر وتعليل، (أحل): فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على عيسى. ﴿لَكُم﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿بَعْضَ﴾: مفعول به وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه، ﴿حُرِّمَ﴾ ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائبه ضمير يعود على الموصول ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿حُرِّمَ﴾، وجملة ﴿حُرِّمَ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿أحل﴾ صلة إن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وجئتكم لإحلالي لكم بعض الذي حرم عليكم، وهذا المحذوف معطوف في المعنى على قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ﴿جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الواو عاطفة ﴿جئتكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله السابق؛ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فهذه مؤكدة للسابقة لاتحادهما لفظًا ومعنى. ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من تاء الفاعل تقديره: وجئتكم حالة كوني ملتبسًا بآية، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾. ﴿فَاتقُواْ اَللهَ وَأَطِيعُونِ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مجيئي لكم بآية من ربكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿اتقوا﴾: فعل وفاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: الواو عاطفة ﴿أطيعون﴾: فعل وفاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة، أو استغناء عنها بكسر نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿رَبِّي﴾: خبرها ومضاف إليه، وكذلك قوله: ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾. مستأنفة ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا غرفتم كون معبودي ومعبودكم واحدًا، وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول
стр. 1752
لكم فاعبدوه. (عبدوه): فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿صِرَاطٌ﴾: خبره ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالعبادة. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الهام، وهو اسم مصدر لأنبأ ينبىء إنباءً إذا أخبر بالخبر الذي يعتنى به. ﴿نوُحِيهِ﴾: الوحي: إلقاء المعنى في النفس في خفاء، فقد يكون بالمَلَك للرسل، وبالإلهام كما في النحل، والإشارة كما في زكريا وهو في المحراب، وهو اسم مصدر لأوحى يوحي إيحاءً ووحيًا إذا ألهم وأعلم.
﴿أَقلَامَهُمْ﴾: جمع قلم، والقلم معروف، وهو الذي يكتب به، ويُطلق على السهم يقترع به، وهو فعل بمعنى مفعول؛ لأنه يقلم، أي: يبرى ويسوى، وقيل: هو مشتق من القلامة، وهي نبت ضعيف لترقيقه.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾: المهد: ما يمهد للصبي ويوطأ له لينام فيه، والكلام على حذف المضاف؛ أي: في زمان المهد.
﴿وَكَهْلًا﴾: الكهل: اسم من اكتهل النبات إذا قوي وعلا، ومنه: الكاهل، وقال ابن فارس: اكتهل الرجل إذا خطه الشيب، من قولهم: اكتهلت الروضة إذا عمها النور، ويقال للرجل: كهل، وللمرأة: كهلة، والكهل: هو الذي بلغ سن الكهولة، وآخرها ستون، وقيل: خمسون، وقيل: اثنان وخمسون، ثم يدخل سن الشيخوخة، واختلف في أول سن الكهولة، فقيل: ثلاثون، وقيل: اثنان وثلاثون، وقيل: ثلاثة وثلاثون، وقيل: خمسة وثلاثون، وقيل: أربعون عامًا.
فائدة: ونقل عن (١) الأئمة في ترتيب سن المولود وتنقل أحواله، أنه في
стр. 1753
الرحم جنين، فإذا ولد فوليد، فإذا لم يستتم الأسبوع فصديع، وإذا دام يرضع فرضيع، وإذا فطم ففطيم، وإذا لم يرضع فجحوش، فإذا دبَّ ونما فدارج، فإذا سقطت رواضعه فمثغور، فإذا نبتت بعد السقوط فمتغر بالتاء والثاء، فإذا كان يجاوز العشر فمترعرع وناشىء، فإذا كان يبلغ الحلم فيافع ومراهق، فإذا احتلم فمحزور، وهو في جميع هذه الأحوال غلام، فإذا اخضر شاربه وسال عذاره فباقل، فإذا صار ذاقنًا ففتى وشارخ، فإذا أكملت لحيته فمجتمع، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم هو كهل إلى أن يستوفي الستين. هذا هو المشهور عند أهل اللغة.
﴿اَلطِّينِ﴾: معروف، يقال: طانه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميمًا، إذا جبله وخلقه على كذا، ومطينٌ لقبٌ لمحدِّث معروف.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾: الهيئة: الشَّكْل والصورة، وأصله مصدر، يقال: هاء الشيء يهاء - من باب هاب - هيئًا وهيئةً إذا ترتب واستقر على حال ما، وتعدِّيه بالتضعيف، فتقول: هيَّأته. قال تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾.
﴿الطَّيْرِ﴾: اسم جمع والطائر مفرده.
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾: الإبراء: إزالة العلَّة والمرض، وفي "المصباح" برأ من المرض يبرأ من بابي نفع وتعب، وبروء برءًا من باب: قرب لغة فيه، وفيه أيضًا: كمه كمهًا من باب تعب فهو أكمه، والمرأة كمهاء مثل أحمر وحمراء، وهو العمى يولد عليه الإنسان، وربما كان عارضًا.
وفيه أيضًا: برص الجسم من باب تعب فالذكر أبرص، والأنثى برصاء، والجمع برص مثل: أحمر وحمراء وحمر، وفي "السمين": والبرص: داء معروف، وهو بياض يظهر على الجلد، ولم تكن العرب تنفر من شيء نُفْرتَها منه.
﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: يقال: ذخر الشيء يذخره إذا خبأه، والذُّخر: المذخور،
стр. 1754
ويقال؛ إذ تخر من الذخر، أبدلت التاء دالًا، فصار: إذ دخر، ثم أدغمت الذال في الدال فقيل: ادّخر كما قيل: ادّكر في: اذدكر، فأصل تدخرون: تذدخرون؛ لأنه من باب افتعل كما مر في مقام التفسير.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البلاغة:
منها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ إذا أريد بالملائكة جبريل، فهو من باب تسمية الخاص باسم العام تعظيمًا له، فهو مجاز مرسل علاقته العموم.
ومنها: التكرار المسمى بالإطناب في قوله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾، وفي ﴿يَا مَرْيَمُ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾.
ومنها: التقديم والتأخير في ﴿وَاسْجُدِي﴾ ﴿وَارْكَعِي﴾ على بعض الأقوال.
وقال "أبو السعود" (١): وتكرير النداء في قوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ للإيذان بأن المقصود بهذا الخطاب ما يرد بعده، وأن الخطاب الأول من تذكير النعمة تمهيدًا لهذا التكليف وترغيبًا في العمل به. انتهى. وقال أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ﴾ لا يخفى ما فيه من التهكم؛ إذ هو تقرير لكون ما ذكر وحيًا على طريقة التهكم بمنكريه، فإن طريق هذه الأمور الغريبة؛ إما المشاهدة، وإما السماع، وعدمه محقق عندهم، فبقي احتمال المعاينة المستحيلة باعترافهم، فنفيت تهكمًا بهم. انتهى.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ﴾: التكرير فيه مع تحقيق المقصود بعطف ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على؛ ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره إلقاء الأقلام، وعدم حضوره عند الاختصام، مستقل بالشهادة على بنوته.
стр. 1755
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ لأنه سمى الولد كلمة؛ لوجوده بكلمة: كن، فهو من باب إطلاق السبب على المسبَّب.
ومنها: العموم (١) الذي أريد به الخصوص في قوله: ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: الاستعارة عند من قال: القنوت والسجود والركوع ليس كناية عن الهيئات التي في الصلاة.
ومنها: الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ إذا قلنا: إنه أراد القداح؛ أي: السهام.
ومنها: إسناد الفعل للآمر به لا لفاعله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾؛ إذ هم المشافهون بالبشارة، والله الآمر بها، ومثله: نادى السلطان في البلد بكذا.
ومنها: الاحتراس في قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ من ما جرت به العادة أن من تكلم في حال الطفولة .. لا يعيش.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كنَّت بالمس عن الوطء، ما كني عنه بالحدث واللباس والمباشر.
ومنها: السؤال والجواب في قوله: ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ وفي قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ وفي قوله: ﴿الطَّيْرِ﴾، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿رَبِي وَرَبُّكُم﴾، ﴿ما﴾ وفي قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾.
ومنها: التعبير عن الجمع بالمفرد في الآية: ﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾، وفي قوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وفي قوله: ﴿لأحل﴾ و ﴿حُرِّمَ﴾.