غير محكيّة عن القرّاء. ﴿عليهُمي﴾ بضمّ الهاء وكسر الميم، وزيادة ياء بعد الميم، حكاها الأخفش البصري عن العرب، وعليهم بضمّ الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء، وعليهم بكسر الهاء وضمّ الميم من غير إلحاق واو، و ﴿عليهم﴾ بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلّها صواب قاله ابن الأنباري. اه.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل كلّ من كلّ. أي: صراط غير اليهود الذين غضبت عليهم وخذلتهم، وانتقمت منهم؛ لقوله تعالى فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. أي: وصراط غير النصارى الذين ضلّوا وأخطأوا عن الهدى لقوله تعالى فيهم: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وقيل: غير المغضوب عليهم بالبدعة، ولا الضالّين عن السنّة، والله أعلم.
والمعنى: وفّقنا طريق الهدى والرشاد التي هي طريق الأنبياء والمؤمنين، وجنّبنا عن طريق أهل الغضب والضلال التي هي طريق الكفار والمنافقين. وورد في الحديث: أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ المغضوب عليهم اليهود، وإنّ الضالّين هم النصارى» رواه ابن حبّان وصحّحه. وإنّما سمّي كلّ من اليهود والنصارى بما ذكر، مع أنّ كلّا منهم مغضوب عليه وضالّ؛ لاختصاص كلّ منهما بما غلب عليه. اه. خطيب. ويتجه أن يقال: المغضوب عليهم العصاة، والضالون الجاهلون بالله؛ لأنّ المنعم عليه من وفّق للجمع بين معرفة الحقّ لذاته، والخير للعمل به، وكان المقابل له من اختلّ إحدى قوّتيه العاقلة والعاملة، والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه؛ لقوله تعالى في القاتل عمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، والمخل بالعلم جاهل ضالّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾.
اه. من «البيضاوي».
والحاصل: ﴿أنّ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بدل (١) من ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ على
стр. 247
معنى: أنّ المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، أو صفة له مبيّنة، أو مقيّدة على معنى: أنّهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وذلك إنّما يصحّ بأحد تأويلين: أجراء الموصول مجرى النكرة في الإبهام، إذ لم يقصد به معهود كالمحلّى ب (أل) الجنسية في قوله:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثم قلت لا يعنيني
وكقولهم: إنّي لأمرّ على الرجل مثلك فيكرمني. أو جعل ﴿غَيْرِ﴾ معرّفا بالإضافة؛ لأنه أضيف إلى ما له ضدّ واحد، وهو المنعم عليه، فيتعيّن تعيّن الحركة من غير السكون، وعن ابن كثير: نصبه على الحال من الضمير المجرور في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والعامل ﴿أَنْعَمْتَ﴾ أو بإضمار أعني أو بالاستثناء، إن فسّر المنعم بما يعمّ القبيلين، وبه قرأ عمر، وابن مسعود، وعليّ، وابن الزبير وليست في المتواتر عن ابن كثير.
والغضب: ثوران النفس لإرادة الانتقام، ومعنى الغضب في صفة الله: إرادة العقوبة، فهو صفة ذاته، أو نفس العقوبة. ومنه الحديث: «إنّ الصدقة تطفىء غضب الربّ»، فهو صفة فعله. قال في «الكشاف»: غضب الله إرادته الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده.
والفرق (١) بين ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الأولى و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الثانية: أنّ الأولى في محل نصب على المفعولية، والثانية في محل رفع على النيابة عن الفاعل. و (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة لتأكيد النفي المفهوم من ﴿غَيْرِ﴾، فكأنّه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضّالّين.
وقرأ عمر وأبيّ (٢): ﴿وغير الضالّين﴾، وروي عنهما في الراء في الحرفين النصب والخفض، ويدلّ على أنّ المغضوب عليهم هم غير الضالين. والتأكيد
стр. 248
فيها أبعد، والتأكيد في لا، أقرب. وقرأ أيوب السختياني ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بإبدال الألف همزة؛ فرارا من التقاء الساكنين. وحكى أبو زيد: دأبّة وشأبّة في دابّة وشابّة في كتاب الهمز، ومع ذلك فلا ينقاس هذا الإبدال؛ لأنّه لم يكثر كثرة توجب القياس، نصّ على أنّه لا ينقاس النحويّون.
قال القرطبي: الضلال في لسان العرب: هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحقّ، ومنه ضلّ اللبن في الماء؛ أي: غاب. ومنه: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: غبنا بالموت وصرنا ترابا. ويقال: ضللت الشيء: جهلت المكان الذي وضعته فيه، وأضللت الشيء: ضيعته، وأضل أعمالهم وضلّ: غفل ونسي، ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما﴾، والضلال: سلوك سبيل غير القصد. ضل عن الطريق: سلك غير جادتها، والضلال: الحيرة والتردّد. ومنه: قيل لحجر أملس يردده الماء في الوادي: ضلضلة.
وفي «الخطيب»: وفي قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ مدّان: مدّ لازم، ومدّ عارض، فاللازم: هو الذي على الألف بعد الضاد وقبل اللام المشدّدة، والعارض: هو الذي على الياء قبل النون. اه. والأصل في الضالّين: الضاللين، ثمّ أدغمت اللام في اللام، فاجتمع ساكنان مدّت الألف واللام المدغمة.
والحاصل من معنى الآيتين، كما قاله المراغي: أنّ الله أمرنا (١) باتباع صراط من تقدّمنا؛ لأنّ دين الله واحد في جميع الأزمان، فهو إيمان بالله ورسله، واليوم الآخر، وتخلّق بفاضل الأخلاق، وعمل الخير، وترك الشرّ، وما عدا ذلك فهو فروع وأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
والْمَغْضُوبِ قيل: هم الذين بلغهم الدين الحقّ الذي شرعه الله تعالى لعباده، فرفضوه ونبذوه وراءهم ظهريّا، وانصرفوا عن النظر في الأدلّة؛ تقليدا لما ورثوه عن الآباء والأجداد، وهؤلاء عاقبتهم النكال والوبال في نار جهنم وبئس القرار.
стр. 249
والضالّون: هم الذين لم يعرفوا الحقّ، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح، وهؤلاء هم الذين لم تبلغهم رسالة، أو بلغتهم على وجه لم يستبن لهم فيه الحقّ، فهم تائهون في عماية، لا يهتدون معها إلى مطلوب تعترضهم الشّبهات التي تلبّس الحق بالباطل والصواب بالخطأ، إن لم يضلّوا في شؤون الدنيا، فقد ضلّوا في شؤون الحياة الآخرة، فمن حرم هدى الدين ظهر له أثر الاضطراب في أحواله المعيشيّة، وحلّت به الرزايا، والذين جاؤوا على فترة من الرسل لا يكلّفون بشريعة، ولا يعذّبون في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وهذا رأي جمهرة العلماء (١)، وترى فئة منهم: أنّ العقل وحده كاف في التكليف، فمتى أوتيه الإنسان وجب عليه النظر في ملكوت السموات والأرض، والتدبّر، والتفكّر في خالق الكون، وما يجب له من عبادة وإجلال بقدر ما يهديه عقله، ويصل إليه اجتهاده، وبذلك ينجو من عذاب النار يوم القيامة، فإن لم يفعل ذلك كان من الهالكين.
تنبيه: آخر (الفاتحة) (٢): ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأما لفظ آمين: فليس منها ولا من القرآن مطلقا، بل هو سنّة يسنّ لقارىء (الفاتحة) في الصلاة، وغيرها أن يختم به، وهو اسم فعل دعاء بمعنى استجب وتقبّل يا الله هذا الدعاء! وهو قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها. وهذا الاسم مبنّي؛ لشبهه بالحرف شبها استعماليّا على الفتح؛ فرارا من التقاء الساكنين وللخفّة، كما في أين وكيف.
وفيه لغتان: المد على وزن فاعيل، كياسين، أو قابيل وهابيل، فيكون اسما أعجميا، والقصر على وزن يمين، ومن المدّ قول الشاعر:
يا رب لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا
стр. 250
وقال الآخر:
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أكمّلها ألفين آمينا
ومن القصر قول الآخر:
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
قال الجوهري: وتشديد الميم خطأ، وروي عن الحسن، وجعفر الصادق، والحسين بن فضل: التشديد من أمّ إذا قصد؛ أي: نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ حكى ذلك القرطبيّ. وقيل: ليست اسم فعل، بل هي من أسماء الله، والتقدير: يا آمين، وضعفه أبو البقاء بوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبنى على الضمّ؛ لأنّه منادى مفرد معرفة.
الثاني: أنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة. ووجّه الفارسيّ قول من جعله اسما لله تعالى على معنى: أنّ فيه ضميرا يعود على الله تعالى، فكأنّه اسم فعل، وهو توجيه حسن، نقله صاحب المغرب، ويكون المعنى: إنّا نتوجه إليك يا إلهنا فإليك المرجع والمصير.
وفي «الخطيب»: والسنّة للقارىء: أن يقول بعد فراغه من (الفاتحة): آمين مفصولا عن ﴿الضَّالِّينَ﴾ بسكتة؛ ليتميّز ما هو قرآن عمّا ليس بقرآن، وهو اسم الفعل الذي معناه: استجب دعاءنا.
فائدة: في مشروعيّة التأمين بعد قراءة (الفاتحة):
اعلم: أنّ السنّة الصحيحة، الصريحة، الثابتة تواترا، قد دلّت على ذلك، فمن ذلك: ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي عن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، مدّ بها صوته. ولأبي داود: رفع بها صوته، وقد حسّنه الترمذي. وأخرجه أيضا النسائي، وابن أبي شيبة، وابن ماجه، والحاكم وصحّحه، وفي لفظ من حديثه:
أنّه ﷺ قال: «رب اغفر لي آمين». وأخرجه الطبراني والبيهقي. وفي لفظ أنه
стр. 251
قال: آمين ثلاث مرّات، وأخرجه الطبراني. وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال: لمّا أقرأ جبريل رسول الله ﷺ فاتحة الكتاب، فبلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: قل: «آمين»، فقال: «آمين». وأخرج ابن ماجه عن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. وأخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ - يعني: الإمام - ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين يحبّكم الله».
وأخرج البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن، وأحمد، وابن أبي شيبة، وغيرهم عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه».
وأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي بسند. قال السيوطي صحيح عن عائشة: أنّ النبي ﷺ قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتكم على السلام والتأمين». وأخرج ابن عديّ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ اليهود قوم حسّد، حسدوكم على ثلاثة: إفشاء السلام، وإقامة الصفّ، وآمين».
وأخرج الديلميّ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثمّ قرأ فاتحة الكتاب، ثمّ قال: آمين. لم يبق ملك في السماء مقرّب إلّا استغفر له».
وأخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله سبحانه، أعطى أمتي ثلاثا، لم تعط أحدا قبلهم: السلام، وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة، وآمين، إلّا ما كان موسى وهارون». قال أبو عبد الله: معناه: أنّ موسى دعا على فرعون، وأمّن هارون، فقال الله ﵎ عند ما ذكر دعاء موسى في تنزيله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾، ولم يذكر مقالة هارون، وقال موسى: ﴿رَبَّنا﴾، فكان من هارون التأمين، فسمّاه داعيا في تنزيله، إذ صير ذلك دعوة منه. وقيل: إنّ آمين خاصّ بهذه الأمّة، كما مرّ قريبا.
فائدة أخرى: في حكم (الفاتحة):
стр. 252
اختلف العلماء في وجوب قراءة (الفاتحة): فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء إلى وجوب (الفاتحة)، فإنّها متعيّنة في الصلاة، ولا تجزىء إلّا بها، واحتجّوا بما روى عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، أخرجاه في الصحيحين. وبحديث أبي هريرة: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج ثلاثا غير تمام» الحديث وقد تقدم في بحث فضل (سورة الفاتحة). وذهب أبو حنيفة: إلى أنّ (الفاتحة) لا تتعيّن على المصلّي، بل الواجب عليه قراءة آية من القرآن طويلة، أو ثلاث آيات قصار، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وبقوله ﷺ في حديث الأعرابيّ المسيء صلاته: «ثمّ اقرأ بما تيّسر معك من القرآن»، أخرجاه في الصحيحين.
دليل الجمهور: ما تقدم من الأحاديث، فإن قيل: المراد من الحديث: لا صلاة كاملة. قلت: هذا خلاف ظاهر لفظ الحديث، ومما يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزىء صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، أخرجه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. وعنه: أنّ رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، فما زاد» أخرجه أحمد، وأبو داود. وأجيب عن حديث الأعرابيّ: بأنه محمول على (الفاتحة)، فإنّها متيسرة، أو على ما زاد على (الفاتحة)، أو على العاجز عن قراءة (الفاتحة)، والله أعلم.
الإعراب
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾.
﴿الْحَمْدُ﴾ مبتدأ مرفوع بالابتداء. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: مستحقّ لله، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافا نحويّا، أو في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: قولوا: الحمد لله ربّ العالمين.
﴿رَبِّ﴾ صفة أولى للجلالة، مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو مضاف. ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم.
стр. 253
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
﴿الرَّحْمنِ﴾ صفة ثانية للجلالة، مجرور بالكسرة الظاهرة. ﴿الرَّحِيمِ﴾ صفة ثالثة لها. ﴿مالِكِ﴾ صفة رابعة لها، وهو مضاف. ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِيَّاكَ﴾ إيّا ضمير نصب منفصل، في محل النصب مفعول به مقدم؛ لغرض الحصر، والكاف حرف دالّ على الخطاب. ﴿نَعْبُدُ﴾ فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا؛ لإسناده إلى المتكلم، تقديره: نحن يعود على القارىء ومن معه، أو على المعظم نفسه، والجملة مستأنفة استئنافا نحويا.
﴿وَإِيَّاكَ﴾ الواو عاطفة. ﴿إِيَّاكَ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب مفعول مقدم. ﴿نَسْتَعِينُ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على القارىء ومن معه، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَعْبُدُ﴾. ﴿اهْدِنَا﴾ (اهد) فعل دعاء سلوكا مسلك الأدب مع البارىء سبحانه، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا؛ لإسناده إلى المخاطب، تقديره: أنت يعود على الله، والجملة مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب، أو في محلّ النصب مقول قولوا كسابقها، أو جملة دعائية لا محل لها من الإعراب. (نا) ضمير نصب متصل، يعود على القارىء ومن معه، في محل النصب مفعول أول، مبني بسكون على الألف المحذوفة؛ للتخلّص من التقاء الساكنين. ﴿الصِّراطَ﴾ مفعول ثان ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ صفة للصراط.
﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
﴿صِراطَ﴾ بدل من الصراط، بدل كلّ من كلّ، وهو مضاف. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محلّ الجر بالإضافة، مبني على الفتح، أو على الياء على الخلاف المذكور في محلّه؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، وإنّما حرك مع كون الأصل في المبني السكون؛ ليعلم أنّ له أصلا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة؛ للخفة مع ثقل الموصول. ﴿أَنْعَمْتَ﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلّق بأنعمت، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير عليهم. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ ﴿غَيْرِ﴾ بدل من الذين، أو من الضمير في عليهم، بدل كلّ من كلّ، أو نعت للموصول، مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو مضاف. ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ مضاف إليه،
стр. 254
مجرور بالكسرة الظاهرة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور في محلّ الرفع نائب فاعل للمغضوب؛ لأنّه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المغيّر. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة. لا: زائدة زيدت؛ لتأكيد النفي المفهوم من غير. ﴿الضَّالِّينَ﴾. معطوف على المغضوب عليهم، مجرور بالياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين والحركة اللذين كانا في الاسم المفرد.
آمين: اسم فعل أمر؛ أي: دعاء سلوكا مسلك الأدب مع البارىء سبحانه؛ بمعنى: استجب، مبنّي على الفتح؛ لشبهه بالحرف شبها استعماليا، والشبه الاستعمالي: هو أن يشبه الاسم الحرف في كونه عاملا لا معمولا، وإنّما حرك؛ ليعلم أنّ له أصلا في الإعراب، أو فرارا من التقاء الساكنين، كما في أين وكيف، وكانت الحركة فتحة؛ للخفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا لإسناده إلى المخاطب، تقديره: أنت يعود على البارىء سبحانه، والجملة من اسم الفعل وفاعله لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّ اسم الفعل عامل غير معمول، أو جملة دعائية، والمعنى: اسمع يا الله قراءتنا واستجب دعاءنا! وتقدم الخلاف في معناه.
التّصريف ومفردات اللغة
﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والرب: هو السيّد، والمالك، والمصلح، وغير ذلك من المعاني المارّة، فهو اسم فاعل من ربّ يربّ ربّا، نظير: نمّ ينم نمّا، إذا نقل الحديث على وجه الإفساد، فهو ربّ وذاك مربوب. أصله: رابّ، حذفوا ألفه؛ اعتباطا، كما في برّ وبارّ. ﴿الْعالَمِينَ﴾: جمع عالم بفتح اللام، وجمع جمع المذكر السالم العاقل؛ تغليبا للعقلاء، والمراد به جميع الكائنات، والعالم لا واحد له من لفظه، ولا من غير لفظه؛ لأنّه اسم جمع لأشياء مختلفة الحقائق.
﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ والمالك: إمّا من الملك بضمّ الميم، وهو عبارة عن السلطان القاهر والاستيلاء الباهر، أو من الملك بكسر الميم، وهو السلطنة الخاصّة، والدين: الجزاء، وهو المراد هنا، ويوم الجزاء: هو يوم القيامة، والطاعة، كقوله تعالى: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، والدين أيضا الملّة، وفي «القرطبي» ما نصّه: إن قال قائل: كيف قال: مالك يوم الدين، ويوم الدين لم يوجد بعد،
стр. 255
فكيف وصف نفسه سبحانه بملك ما لم يوجد؟ قيل له: اعلم أنّ مالكا: اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده، وهو بمعنى الفعل المستقبل، ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا، كقولك: هذا ضارب زيد غدا؛ أي: سيضرب زيدا، وهكذا حاجّ بيت الله في العام المستقبل تأويله: سيحج في العام المستقبل، أفلا ترى أنّ الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعل بعد؛ وإنّما أريد به الاستقبال، فكذلك قوله : ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على تأويل الاستقبال؛ أي: سيملك يوم الدين، أو في يوم الدين إذا حضر.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أصله: نستعون بوزن نستخرج، فهو سداسيّ أجوف واويّ؛ لأنّه من العون، ففيه إعلال بالنقل والقلب، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى الساكن قبلها على حدّ قول ابن مالك في «الخلاصة» في باب التصريف:
لساكن صحّ انقل التحريك من ... ذي لين آت عين فعل كأبن
فسكنت الواو بعد النقل، وانكسر ما قبلها فقلبت ياء، وهذه قاعدة مطردة عند الصرفيّين، نحو: ميزان وميقات، وهما من الوزن والوقت. اه. «سمين» مع زيادة. وفي «المصباح»: استعان به فأعانه، وقد يتعدى بنفسه، فيقال: أعانه، والاسم: المعونة والمعانة بالفتح. اه. والاستعانة: طلب العون، والطلب أحد معاني استفعل، وهي ثلاثة عشر، فمنها: هذا، والاتخاذ، والتحوّل، وإلقاء الشيء بمعنى: ما صيغ منه وعدّه كذلك، ومطاوعة أفعل وموافقته، وموافقة تفعّل، وافتعل، والفعل المجرد، والاغناء عنه وعن فعّل، وموافقة تفاعل. مثل ذلك: استطعم، واستعبده، واستنسر، واستعظمه، واستحسنه، وإن لم يكن كذلك، واستشلى مطاوع أشلّ، واستنبل موافق ومطاوع أبل، واستكبر موافق تكبّر، واستعصم موافق اعتصم، واستغنى موافق غني، واستنكف، واستحيا مغنيان عن المجرّد، واسترجع، واستعان حلق عانته مغنيا عن فعل، فاستعان طلب العون، كاستغفر، واستعظم، واستمسك بالشيء، وتماسك به، ومسك به بمعنى واحد أي: احتبست به. اه. من «البحر المحيط». وقد بسطنا الكلام على
стр. 256
أبنية الفعل المزيد، ووضعنا لها جدولا في كتابنا «مناهل الرجال على لاميّة الأفعال» في الصرف، فراجعه.
﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ووزن اهد إفع، حذفت لامه، وهي الياء حملا للأمر على المضارع المجزوم، والمجزوم تحذف لامه إذا كانت حرف علة.
والصراط، كالطريق والسبيل في التذكير والتأنيث، كما مرّ، يجمع على صرط، ككتاب وكتب. والمستقيم: اسم فاعل من استقام السداسيّ الذي من باب استفعل بمعنى: الفعل المجرد من الزوائد، فهو هنا بمعنى: قام إذا استوى وانتصب، وأصله: مستقوم بوزن مستفعل، استثقلت الكسرة على الواو، ثمّ نقلت إلى الساكن قبلها، فقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار مستقيم.
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهمزة أنعم؛ لجعل الشيء صاحب ما صيغ منه؛ أي:
جعلتهم أصحاب نعمة، وهذا أحد المعاني التي لأفعل، وهي أربعة وعشرون معنى، وهذا أحدها، والتعدية، والكثرة، والصيرورة، والإعانة، والتعريض، والسلب إلى آخر ما في مطوّلات الصرف فراجعها. والتاء المتصلة بأنعمت: ضمير المخاطب المنزه عن الذكورة والأنوثة الباري سبحانه، وهي حرف خطاب في أنت، والضمير هناك أن، فهو مركب من اسم وحرف.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ جمع ضالّ، اسم فاعل من ضلّ الثلاثي، فأصله:
الضّاللين، سكّنت اللام الأولى؛ لثقل توالي كسرتين فالتقى ساكنان، فأدغمت اللام في اللام، فصار ضالّين، ووزن ضالّين فاعلين، وقد تقدم لك أنّ أيّوب السختياني يقرأ وَلَا الضَّالِّينَ؛ فرارا من التقاء الساكنين، قال أبو زيد: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ﴾، فظننته قد لحن، حتى سمعت من العرب دأبّة، وشأبّة.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه السورة الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة، والبيان، والبديع:
стр. 257
فمنها: حسن الافتتاح وبراعة المطلع، فإن كان أوّلها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ على قول من عدّها منها، فناهيك بذلك حسنا، إذ كان مطلعها مفتتحا باسم الله، وإن كان أولها الحمد لله فحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ووصفه بما له من الصفات العليّة، أحسن ما افتتح به الكلام، وقدم بين يدي النثر والنظم، وقد تكرّر الافتتاح بالحمد في كثير من السور. والمطلع ينقسم إلى حسن وقبيح، والحسن إلى ظاهر وخفيّ على ما قسم في علم البديع.
ومنها: المبالغة في الثناء على الله؛ وذلك لعموم أل في ﴿الْحَمْدُ﴾ على التفسير الذي مرّ.
ومنها: تلوين الخطاب على قول بعضهم، فإنّه ذكر أنّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ صيغته صيغة الخبر، ومعناه الأمر، كقوله: لا ريب فيه ومعناه: النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه.
ومنها: الاختصاص باللام التي في لله، إذ دلّت على أنّ جميع المحامد مختصّة به تعالى، فهو مستحق لها، وبالإضافة في مالك يوم الدين؛ لزوال الأملاك والممالك عن سواه تعالى في ذلك اليوم، وتفرّده فيه بالملك والملك، قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؛ ولأنّه لا يجازي في ذلك اليوم على الأعمال سواه.
ومنها: الحذف، وهو على قراءة من نصب الحمد ظاهر، وتقدم هل يقدّر من لفظ الحمد، أو من غير لفظه، قال بعضهم: ومنه حذف العامل الذي هو في الحقيقة خبر عن الحمد، وهو الذي يقدّر بكائن، أو مستقرّ، قال: ومنه حذف صراط من قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، التقدير: صراط غير المغضوب عليهم وصراط غير الضالّين، وحذف سورة إن قدّرنا العامل في الحمد إذا نصبناه باذكروا، أو اقرؤا، تقديره: اقرءوا سورة الحمد.
ومنها: الإتيان بالرحمن الرحيم عقب اتصافه بربّ العالمين؛ لإفادة الترغيب بعد الترهيب، فيكون أرغب للعبد على الطاعة، وأمنع من المعصية.
стр. 258
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لإفادة الحصر والاختصاص.
ومنها: الإضافة لأدنى ملابسة في ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ كإضافة سائر الظروف إلى ما وقع فيها من الحوادث، كيوم الأحزاب، ويوم الفتح.
ومنها: تقديم العبادة على الاستعانة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ ليوافق رؤوس الآي؛ وليعلم أنّ تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة.
ومنها: إعادة إيّاك مع الفعل الثاني؛ ليفيد أنّ كلّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات، فلا يستلزم كلّ منهما الآخر.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ...﴾ إلخ؛ تطريبا للنفس، وزيادة في نشاطها جريا على أساليبهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حيث شبّه دين الإسلام بالطريق الحسّيّ، بجامع أنّ كلّا يوصل إلى المقصود، واستعير اسم المشبّه به للمشبّه.
ومنها: طلب الشيء مرادا به طلب دوامه واستمراره في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: ثبّتنا عليه.
ومنها: التفسير والبيان في قوله: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بعد الإبهام في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأنّه أوقع في النفس، وأرسخ فيه.
ومنها: نسبة الغضب إلى المجهول في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، حيث لم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ تعليما لعباده الأدب، حيث أسند الخير إلى نفسه، وأبهم في الشرّ، نظير قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾، ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾، وقوله: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
стр. 259
ومنها: زيادة لا في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ لتأكيد النفي المستفاد من غير.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 260
سورة البقرة
سورة البقرة مدنية كلّها، نزلت بعد المطفّفين في مدد شتّى، وهي أوّل ما نزل بالمدينة. قيل: إلّا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، فإنّها آخر آية نزلت من السماء، نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن، ذكره القرطبي في «تفسيره».
وهي (١) مئتان وستّ أو سبع أو ثمان وثمانون آية، وستّة آلاف كلمة، ومئة وإحدى وعشرون كلمة، وخمس وعشرون ألف حرف وخمس مئة حرف.
المناسبة: مناسبتها للفاتحة ظاهرة؛ لأنّ سورة الفاتحة ختمت بالأمر بطلب الهداية من الله ، حيث قال فيها: قولوا: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وسورة البقرة بدئت ببيان محلّ الهداية والوسيلة إليها، حيث قال فيها: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال صاحب «الروح»: فإن قلت: (٢) ما الحكمة في ابتداء البقرة بآلم والفاتحة بالحرف الظاهر المحكم وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾؟
فالجواب ما قاله السيوطي ﵀ في «الإتقان»: أقول في مناسبة ابتداء البقرة بآلم: أنّه لما ابتدئت الفاتحة بالحرف المحكم الظاهر لكلّ أحد، بحيث لا يعذر في فهمه أحد، ابتدئت البقرة بمقابله، وهو الحرف المتشابه البعيد التأويل؛ ليعلم مراتبه للعقلاء والحكماء: ليعجزهم بذلك؛ ليعتبروا ويدبّروا آياته.
التسمية: سمّيت السورة الكريمة بسورة البقرة: إحياء لذكرى تلك المعجزة الباهرة التي ظهرت في زمن موسى الكليم ﵇، حيث قتل شخص من بني
стр. 261
إسرائيل، ولم يعرفوا قاتله إلى آخر ما سيأتي. وسيأتي بيان الناسخ والمنسوخ منها في آخرها، إن شاء الله تعالى.
فضلها: وورد في فضلها أحاديث كثيرة:
منها: ما أخرجه مسلم، والترمذي، وأحمد، والبخاري في «تاريخه»، ومحمد بن نصر، عن النوّاس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران». قال: وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو قال: كأنّهما غيايتان، أو كأنهما ظلتان سوداوان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجان عن صاحبهما».
ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، وأحمد، ومحمد بن نصر، والحاكم وصحّحه عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا سورة البقرة وآل عمران فإنّهما الزهراوان تظلّان صاحبهما يوم القيامة، كأنّهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف». قال ابن كثير: وإسناده حسن على شرط مسلم.
ومنها: ما أخرجه مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وعنه أيضا: قال رسول الله ﷺ : «لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيّدة آي القرآن، آية الكرسيّ»، أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب.
ومنها: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» مطولا، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة؛ يعني: السحرة.
ومنها: ما أخرجه أبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لكلّ شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة من قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام، ومن قرأها في
стр. 262
بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال».
وأخرج أحمد، ومحمد بن نصر، والطبراني بسند صحيح، عن معقل بن يسار: أنّ رسول الله ﷺ قال: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كلّ آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش، فوصلت بها».
وأخرج البغوي في «معجم الصحابة»، وابن عساكر في «تاريخه» عن ربيعة الجرسيّ قال: سئل رسول الله ﷺ أيّ القرآن أفضل؟ قال: «السورة التي يذكر فيها البقرة» قيل: فأيّ البقرة أفضل؟ قال: «آية الكرسيّ وخواتيم سورة البقرة نزلت من تحت العرش». إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأحاديث المختلفة صحة، وحسنا، وغرابة، وضعفا.
وقوله: سورة البقرة كذا وكذا آية يؤخذ منه: أنّ تسميتها بما ذكر غير مكروه خلافا لمن قال بكراهة ذلك، وقال: لا يقال ذلك؛ لما فيه من نوع تنقيص بإضافتها إلى البقرة، أو إلى العنكبوت مثلا، وإنّما يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، أو السورة التي
يذكر فيها آل عمران، أو العنكبوت مثلا، واستدلّ هذا القائل بما رواه الطبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «الشّعب»، وغيرهما بسند ضعيف، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء، وكذا القرآن كلّه، ولكن قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كلّه». قال ابن كثير: هذا حديث غريب لا يصحّ رفعه، وفي إسناده يحيى بن ميمون الخوّاص، وهو ضعيف الرواية لا يحتجّ به. وبما أخرجه البيهقي في «الشعب» بسند صحيح، عن ابن عمر قال: (لا تقولوا سورة البقرة، ولكن قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة)، ولكنه موقوف على ابن عمر لم يرفعه.
والذي عليه الجماهير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم عدم الكراهة، فقد روي عن جماعة من الصحابة ما يدلّ على عدم الكراهة، فثبت في «الصحيحين» عن ابن مسعود: أنّه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن
стр. 263
يساره، ومنى عن يمينه، ثمّ قال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة).
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وأهل السنن، والحاكم وصحّحه عن حذيفة قال: (صلّيت مع رسول الله ﷺ ليلة من رمضان فافتتح البقرة، فقلت:
يصلّي بها في ركعة، ثمّ افتتح النساء فقرأها، ثمّ افتتح آل عمران فقرأها مترسّلا» الحديث.
وأخرج أحمد، وابن الضريس، والبيهقي عن عائشة قالت: (كنت أقوم مع رسول الله ﷺ في الليل، فيقرأ بالبقرة وآل عمران و (النساء).
وأخرجه أبو داود، والترمذي في «الشمائل»، والنسائي، والبيهقي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام، فقرأ سورة البقرة لا يمرّ بآية رحمة إلّا وقف» الحديث.
والسورة قد يكون لها اسم واحد، وقد يكون لها اسمان أو أكثر، والسورة مأخوذة من سور البلد؛ لارتفاع رتبتها كارتفاعه، وإحاطتها بالمعاني الغزيرة، كإحاطته بالبلد، وهي طائفة من القرآن، لها أوّل وآخر. وتسميتها باسم خاصّ بها توقيفي على الراجح، والراجح: أنّ المكيّ: ما نزل قبل الهجرة، ولو في غير مكة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة. والآية في العرف: هي طائفة من كلمات القرآن، متميّزة بفصل، والفصل: هو آخر الآية، يجمع على فواصل، وقد تكون كلمة، مثل: ﴿الفجر﴾، ﴿والضحى﴾، ﴿والعصر﴾، وكذا ﴿ألم﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾ ونحوها عند الكوفيين، وغيرهم لا يسمّيها آيات، بل يقول: هي فواتح السور. وعن أبي عمرو الداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلّا قوله تعالى. ﴿مُدْهامَّتانِ﴾. اه. من «التحبير». وأصل آية: أيية كشجرة، قلبت عينها ألفا على غير قياس، وقيل: آيية كفاعلة، حذفت الهمزة تخفيفا، وقيل: غير ذلك، وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في المقدمة فراجعها.
واعلم: أنّ كون ترتيب الآيات والسور توقيفيا؛ إنما هو على الراجح.
стр. 264
وقيل: إنّه ثبت باجتهاد الصحابة. وقال السيوطي - رحمه الله تعالى في «التحبير»: اختلف: هل ترتيب الآي والسور على النظم الذي هو الآن عليه، بتوقيف من النبي ﷺ ، أو باجتهاد من الصحابة؟ فذهب قوم إلى الثاني، واختار مكي وغيره: أنّ ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل من النبي ﷺ ، وترتيب السور منه لا باجتهاد الصحابة. والمختار: أنّ الكلّ من النبي ﷺ . اه. وعلى كلّ من القولين: فأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابة في مصاحفهم؛ وإنّما هو شيء ابتدعه الحجاج، كما ابتدع إثبات الأعشار، والأسباع، كما ذكره الخطيب. فإثبات أسماء السور ظاهر، كما فعل المفسرون، وإثبات الأعشار بأن جزّأ الحجاج القرآن عشرة أجزاء، وكتب عند أول عشر بهامش المصحف عشر بضمّ العين، وكذلك كتب الأسباع، فآخر السبع الأول: الدالّ من قوله في النساء: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، وآخر السبع الثاني: التاء من قوله في الأعراف: ﴿أولئك حَبِطَتْ﴾، وآخر الثالث: الألف من أكلها في قوله في الرعد: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾، وآخر الرابع: الألف من جعلنا في قوله في الحج ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾، وآخر الخامس: التاء من قوله في الأحزاب: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾، وآخر السادس: الواو من قوله في الفتح: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، وآخر السابع: ما بقي من القرآن، كما ذكره القرطبي.
وذكر القرطبي أيضا: أنّ الحجاج كان يقرأ كلّ ليلة ربعا، فأوّل ربعه: خاتمة الأنعام، والربع الثاني: في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، والربع الثالث: خاتمة الزمر، والربع الرابع: ما بقي من القرآن، وقيل غير ذلك.
وقال السيوطي في «التحبير» ما نصّه: وكون أسماء السور توقيفية؛ إنّما هو بالنسبة إلى الاسم الذي تذكر به السورة، وتشتهر به، وإلّا فقد سمّى جماعة من الصحابة والتابعين سورا بأسماء من عندهم، كما سمّى حذيفة التوبة بالفاضحة، وسورة العذاب، وسمّى خالد بن معدان البقرة: فسطاط القرآن، وسمّى سفيان بن عيينة سورة الفاتحة: الوافية، وسمّاها يحيى بن كثير الكافية؛ لأنّها تكفي عمّا عداها.
ومن السور ما له اسمان فأكثر، فالفاتحة تسمّى أمّ القرآن، وأمّ الكتاب،
стр. 265
وسورة الحمد، وسورة الصلاة، والشفاء، والسبع المثاني، والرقية، والنور، والدعاء، والمناجاة، والشافية، والكافية، والكنز، والأساس. وبراءة تسمّى التوبة، والفاضحة، وسورة العذاب. ويونس تسمّى السابعة؛ لأنّها سابعة السبع الطوال. والإسراء تسمّى سورة بني إسرائيل، والسجدة تسمّى المضاجع، وفاطر تسمّى سورة الملائكة، وغافر تسمّى المؤمن، وفصّلت تسمّى السجدة، والجاثية تسمّى الشريعة، وسورة محمد ﷺ تسمّى القتال، والطلاق تسمّى النساء القصرى.
وقد يوضع اسم لجملة من السور كالزهراوين للبقرة وآل عمران، والسبع الطوال، وهي البقرة وما بعدها إلى الأعراف، والسابعة يونس، كذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، والمفصّل، والأصحّ: أنّه من الحجرات إلى آخر القرآن؛ لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، والمعوذات للإخلاص، والفلق والناس. اه. بحروفه.
فائدة:
فإن قلت: أيّ سورة أطول في القرآن، وأيّها أقصر؟ وأيّ آية أطول وأيّها أقصر؟، وأيّ كلمة أطول وأيها أقصر؟.
قلت: أطول سورة في القرآن: البقرة، وأقصرها: الكوثر، وأطول آية: آية الدّين، وأقصرها آية: ﴿وَالضُّحى﴾ و ﴿الفجر﴾ و ﴿مُدْهامَّتانِ﴾، وأطول كلمة: ما بلغ عشرة أحرف، نحو قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾، وأما قوله: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ فهو عشرة أحرف في الرسم، وأحد عشر في اللفظ. وأقصرها: ما كان على حرفين نحو: ما، ولا، وله، وبه وما أشبه ذلك، ومن حروف المعاني ما هو على حرف واحد، كهمزة الاستفهام، وواو العطف إلّا أنّه لا ينطق به مفردا.
فإن قلت: (١) ما الحكمة في كون سورة البقرة أعظم السور ما عدا الفاتحة؟.
стр. 266
قلت: كانت أعظمها؛ لأنّها فصّلت فيها الأحكام، وضربت الأمثال، وأقيمت الحجج، إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه؛ ولذلك سميت فسطاط القرآن.
قال ابن العربي في «أحكام القرآن»: سمعت بعض مشايخي يقول: في سورة البقرة ألف أمر، وألف نهي، وألف خبر، ولعظم فقهها أقام ابن عمر ﵄ ثماني سنين على تعلّمها، كذا في «أسئلة الحكم».
فإن قلت: لم سوّرت السور طوالا، وأوساطا، وقصارا؟.
قلت: سوّرت كذلك تنبيها على أنّ الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات، وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، ثمّ ظهرت لذلك التسوير؛ حكمة في التعليم، وتدريج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها تيسيرا من الله تعالى على عباده، وفي ذلك أيضا: ترغيب وتوسيع في الفضيلة في الصلاة، وغيرها، كسورة الإخلاص من القصار تعدل ثلث القرآن، فمن فهم ذلك فاز بسر التسوير.
فإن قلت: ما الحكمة في تعدّد مواطن نزول القرآن، وتكرّر مشاهده مكيّا، مدنيا، ليليّا، نهاريّا سفريّا، حضريّا، صيفيّا، شتائيا، نوميّا، برزخيّا: يعني: بين الليل والنهار أرضيّا سماويّا. غاريّا. يعني: ما نزل في الغار تحت الأرض برزخيا. يعني: ما نزل بين مكة والمدينة، عرشيّا معراجيّا. يعني: ما نزل ليلة المعراج. آخر (سورة البقرة)؟.
قلت: الحكمة في ذلك تشريف مواطن الكون كلّها بنزول الوحي الإلهيّ فيها، وحضور الحضرة المحمّديّة عندها، كما قيل: سرّ المعراج والإسراء به، وسير المصطفى في مواطن الكون كلّها: كأنّ الكون، والعرش، والجنان، يسأل كلّ موطن بلسان الحال، أن يشرّفه الله تعالى بقدوم قدم حبيبه، وتكتحل أعين الأعيان والكبار بغبار نعال قدم سيّد السادات.
والله أعلم
* * *
стр. 267
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
أسباب النزول
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله: ﴿الم﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أقوالا.
أحدهما: أنّها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.
والثاني: نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد. اه. من «البحر».
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم﴾: الله أعلم بمراده بذلك، فأرجح الأقوال في هذه الأحرف التي ابتدىء بها كثير من السور سواء كانت أحاديّة: كـ ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾، أو ثنائية: كـ ﴿طس﴾ و ﴿يس﴾، أو ثلاثية: كـ ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿طسم﴾، أو رباعية: كـ ﴿المص﴾ و ﴿المر﴾ أو خماسيّة: كـ ﴿كهيعص﴾: أنّه من المتشابه الذي اختصّ الله بعلمه، وعلى هذا فلا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّ الإعراب فرع عن إدراك المعنى، فلا يحكم عليها بإعراب، ولا بناء، ولا تركيب مع عامل.
والحاصل: أنّ مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور: أربعة عشر حرفا، وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرّقت في تسع وعشرين سورة، المبدوء بالألف
стр. 268
واللام منها: ثلاثة عشر، وبالحاء والميم سبعة، وبالطاء أربعة، وبالكاف واحدة، وبالياء واحدة، وبالصاد واحدة، وبالنون واحدة. وبعض هذه الحروف المبدوء بها أحاديّ، وبعضها ثنائي، وبعضها ثلاثي، وبعضها رباعيّ، وبعضها خماسيّ، ولا تزيد عليه.
وعبارة «الروح» هنا: واعلموا أنّهم تكلّموا في شأن هذه الفواتح الكريمة، وما أريد بها. فقيل: إنّها من العلوم المستورة، والأسرار المحجوبة؛ أي: من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي سرّ القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى، وفائدة ذكرها: طلب الإيمان بها، والإشارة إلى أنّ القرآن إنّما نزل للإعجاز. وقيل: كلّ حرف منها مفتاح اسم من أسمائه تعالى، فالألف: مفتاح اسم الجلالة، واللام: مفتاح اسم اللطيف، والميم: مفتاح اسم المجيد، كما أنّ قوله تعالى: ﴿الر﴾ أنا الله أرى، و ﴿كهيعص﴾ أنا الله الكريم الهادي الحكيم العليم الصادق، وكذا قوله تعالى: ﴿ق﴾ إشارة إلى أنّه القادر، و ﴿ن﴾ إشارة إلى أنّه النور الناصر، فهي حروف مقطعة كلّ منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى، والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية، كما قال الشاعر:
قلت لها قفي فقالت ق
أراد قالت: وقفت وقال زهير:
بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا
أراد وإن شرّا فشرّ، وأراد إلّا أن تشا. وقيل: إنّ هذه الحروف ذكرت في أوائل بعض السور؛ لتدل على أنّ القرآن مؤلّف من الحروف التي هي: أب ت ث، فجاء بعضها مقطعا، وبعضها مؤلّفا؛ ليكون إيقاظا لمن تحدّى بالقرآن، وتنبيها لهم على أنّه منتظم من عين ما ينظّمون منه كلامهم، فلولا أنّه خارج عن طوق البشر نازل من عند خلّاق القوى والقدر؛ لأتوا بمثله. هذا ما جنح إليه أهل التحقيق.
وقال الشيخ الأكبر - رحمه الله تعالى في «تفسيره»: وأمّا الحروف المجهولة التي أنزلها الله تعالى في أوائل السور، فسبب ذلك؛ من أجل لغو العرب عند
стр. 269
نزول القرآن، فأنزلها سبحانه حكمة منه حتى تتوفّر دواعيهم، لما أنزل الله تعالى إذا سمعوا مثل هذا الذي ما عهدوه، والنفوس من طبعها أن تميل إلى كلّ أمر غريب غير معتاد، فينصتون عن اللغو، ويقبلون عليها، ويصغون إليها، فيحصل المقصود فيما يسمعونه مما يأتي بعد هذه الحروف النازلة من عند الله تعالى، وتتوفّر دواعيهم للنظر في الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاء بها مقطعة، وبين ما يجاورها من الكلم، وأبهم الأمر عليهم من عدم اطلاعهم عليها. فردّ الله سبحانه بذلك شرّا كبيرا من عنادهم، وعتوّهم، ولغوهم كان يظهر منهم؛ فذاك رحمة للمؤمنين، وحكمة منه . انتهى.
وقال المراغي: ﴿الم﴾ هي وأمثالها من الحروف المقطعة، نحو: ﴿المص﴾ و ﴿الر﴾ حروف للتنبيه كألا، ويا، ونحوهما مما وضع؛ لإيقاظ السامع إلى ما يلقى بعدها، فهنا جاءت؛ للفت نظر المخاطب إلى وصف القرآن الكريم، والإشارة إلى إعجازه، وإقامة الحجة على أهل الكتاب، إلى نحو ذلك مما جاء في أثناء السورة.
وتقرأ مقطعة بذكر أسمائها ساكنة الأواخر، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال في أسماء الأعداد: واحد اثنان ثلاثة. انتهى. وعلى هذا القول: فلا محلّ لها من الإعراب، كالقول الأوّل الراجح. وقيل: إنّها أسماء للسور التي ابتدئت بها. وقيل: أسماء للقرآن. وقيل: أسماء لله تعالى. وقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه تعالى، كما مرّ؛ أي: إنّ كلّ حرف منها اسم مدلوله حرف من حروف المباني، وذلك الحرف جزء من اسم من أسماء الله تعالى، فألف: اسم مدلوله اه من الله، واللام، اسم مدلوله له من لطيف، والميم: اسم مدلوله مه من مجيد. وقيل: كلّ حرف منها يشير إلى نعمة من نعم الله تعالى. وقيل: إلى ملك. وقيل: إلى نبيّ. وقيل: الألف تشير إلى آلاء الله، واللام تشير إلى لطف الله، والميم تشير إلى ملك الله. وعلى هذه الأقوال فلها محلّ من الإعراب، فقيل: الرفع، وقيل: النصب، وقيل: الجرّ. فالرفع على أحد وجهين: إما بكونها مبتدأ خبرها ما بعدها، وإما بكونها خبرا لمحذوف، كما سيأتي بيانه. والنصب على
стр. 270
أحد وجهين أيضا: إمّا بإضمار فعل لائق تقديره: اقرؤا ﴿الم﴾، وإما بإسقاط حرف القسم، كقوله:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد
يريد: وأمانة الله، وكذلك هذه الحروف أقسم الله تعالى بها. والجرّ من وجه واحد، وهو أنّها مقسم بها حذف حرف القسم وبقي عمله، كقولهم: الله لأفعلنّ. أجاز ذلك الزمخشري، وأبو البقاء، وهذا ضعيف؛ لأنّ ذلك من خصائص الجلالة المعظّمة لا يشركها فيه غيرها.
فتلخّص مما تقدّم: أنّ في ﴿الم﴾ ونحوها ستة أوجه، وهي: أنّها لا محلّ لها من الإعراب، أو لها محلّ وهو الرفع بالابتداء، أو على الخبر، والنصب بإضمار فعل، أو حذف حرف القسم، والجرّ بإضمار حرف القسم.
٢ - وأما قوله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ فيجوز في ذلك أن يكون مبتدأ ثانيا، والكتاب خبره، والجملة خبر ﴿الم﴾، وأغني عن الرابط باسم الإشارة، ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ مبتدأ، و ﴿ذلِكَ﴾ خبره، و ﴿الْكِتابُ﴾ صفة لذلك، أو بدل منه، أو عطف بيان، و ﴿لا رَيْبَ﴾ فِيهِ خبر للمبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر عن الأول، ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه ألم، فتكون جملة مستقلّة بنفسها، ويكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿الْكِتابُ﴾ خبره، ويجوز أن يكون صفة له، أو بدلا، أو بيانا، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو الخبر عن ذلك، أو يكون ﴿الْكِتابُ﴾ خبرا لذلك، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثان.
تنبيه: ثمّ اعلم أنّ المتشابه كالمحكم من جهة أجر التلاوة؛ لما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، ففي ألم تسع حسنات».
فائدة هذا الربع من هذه السورة ينقسم أربعة أقسام:
قسم يتعلّق بالمؤمنين ظاهرا وباطنا، وهو الآيات الأربع الأول إلى
стр. 271
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقسم يتعلّق بالكافرين كذلك، وهو الآيتان بعد ذلك.
وقسم يتعلّق بالمؤمنين ظاهرا لا باطنا، وهو ثلاث عشر آية من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
وقسم يتعلق بالفرق الثلاثة، وهو من قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إلى آخر الربع. اهـ. شيخنا.
فعلى القول الأول: الراجح الذي جرى عليه السلف: أنّ ﴿الم﴾ مهمل لا يحكم عليه بإعراب، ولا بناء، وقوله: ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿الْكِتابُ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، أو صفة له، وجملة ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر المبتدأ. والمعنى؛ أي: (١) هذا القرآن المنزل عليك يا محمّد لا ريب، ولا شكّ، ولا تهمة، في أنّه منزل من عند الله تعالى لمن تدبّر فيه وتأمّل، وتذكّر لما اشتمل عليه من الإعجاز الباهر. وأشار إليه بإشارة البعيد؛ تنزيلا لبعد المرتبة منزلة البعد الحسّيّ.
فإن قلت: إنّ الريب فيه موجود عند بعض الناس كالكفار، فكيف نفي الريب عنه؟
قلت: المعنى لا ريب به عند المؤمنين، كما أشرنا إليه في الحلّ.
وعلى القول: بأنّ ﴿الم﴾ اسم للقرآن، فهو؛ أي لفظ ﴿الم﴾: مبتدأ و ﴿ذلِكَ﴾ خبره إشارة إلى الكتاب، و ﴿الْكِتابُ﴾: صفة لاسم الإشارة، والمعنى: ﴿الم﴾ هو ذلك الكتاب الكامل الموعود إنزاله في الكتب المتقدمة حال كونه لا ريب ولا شكّ في إنزاله من عند الله تعالى، وإنّما أشار بذلك إلى ما ليس ببعيد؛
стр. 272
لأنّ الكتاب من حيث كونه موعودا في حكم البعيد.
قالوا: لمّا أنزل الله تعالى على موسى التوراة، وهي: ألف سورة كل سورة ألف آية. قال موسى ﵇: يا ربّ ومن يطيق قراءة هذا الكتاب وحفظه؟ فقال تعالى: إنّي أنزل كتابا أعظم من هذا، قال: على من يا ربّ؟ قال: على خاتم النبيين، قال: وكيف تقرؤه أمته، ولهم أعمار قصيرة؟ قال: إنّي أيسره عليهم حتى يقرأه صبيانهم، قال: يا ربّ وكيف تفعل؟ قال: إنّي أنزلت من السماء إلى الأرض مئة وثلاثة كتب: خمسين على شيث، وثلاثين على إدريس، وعشرين على إبراهيم، والتوراة عليك، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، وذكرت الكائنات في هذه الكتب، فأذكر جميع معاني هذه الكتب في كتاب محمد ﷺ ، وأجمع ذلك كلّه في مائة وأربع عشرة سورة، وأجعل هذه السور في ثلاثين جزءا، والأجزاء في سبعة أسباع؛ يعني: في سبع آيات (الفاتحة)، ثمّ أجعل معانيها في سبعة أحرف، وهي ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ثمّ ذلك كلّه في الألف من ﴿الم﴾ ثمّ افتتح سورة (البقرة) فأقول ﴿الم﴾. ولمّا وعد الله ذلك في التوراة، وأنزله على محمد ﷺ جحدت اليهود لعنهم الله تعالى أن يكون هذا ذلك، فقال تعالى: ذلك الكتاب، كما في تفسير «التيسير». وقد مرّ لك: أنّ في هذه الآية أوجه أخر من الإعراب، وسيأتي تطبيق بعضها في مبحث الإعراب.
والكتاب: (١) اسم بمعنى المكتوب، وهو النقوش والرقوم الدالّة على المعاني، والمراد به هنا: الكتاب المعروف المعهود للنبي ﷺ الذي وعده الله تعالى به؛ لتأييد رسالته، وكفل به هداية طلّاب الحقّ، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم.
وفي التعبير به: إيماء إلى أنّ النبي ﷺ لم يؤمر بكتابة شيء سواه، وعدم كتابة القرآن كلّه بالفعل حين الإشارة إليه لا يمنع الإشارة، ألا ترى أنّ من
стр. 273
المستفيض الشائع في التخاطب: أن يقول إنسان لآخر: هلّم أمل عليك كتابا، والكتاب لم يوجد بعد.
﴿لا رَيْبَ﴾: كائن ﴿فِيهِ﴾، فقوله: (١) ﴿رَيْبَ﴾: اسم لا، و ﴿فِيهِ﴾: خبرها، وهو في الأصل: من رابني الشيء، إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها، سمّي به الشكّ؛ لأنّه يقلق النفس، ويزيل الطمأنينة، قال الشاعر:
ليس في الحقّ يا أميّة ريب ... إنّما الرّيب ما يقول الكذوب
وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». فإنّ الشكّ ريبة، والصدق طمأنينة. ومنه: ريب الزمان لنوائبه. وفي «التيسير»: الريب: شكّ فيه خوف، وهو أخصّ من الشكّ، فكلّ ريب شكّ، وليس كلّ شكّ ريبا. والشكّ: هو التردّد بين النقيضين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاكّ. ولم يقدم الظرف على الريب؛ لئلّا يذهب الفهم إلى أنّ هناك كتابا آخر فيه الريب لا فيه.
فإن قلت: الكفّار شكّوا فيه فلم يقرّوا بكتاب الله تعالى، والمبتدعون من أهل القبلة شكّوا في معاني متشابهه، فأوّلوها وضلّوا بها، والعلماء شكّوا في وجوهه، فلم يقطعوا القول على وجه منها، والعوامّ شكّوا فيه فلم يفهموا معانيه، فما معنى نفي الريب عنه؟.
فالجواب: إنّ هذا إنما هو نفي الريب عن الكتاب لا عن الناس، والكتاب موصوف بأنّه لا يتمكّن فيه ريب، فهو حقّ صدق معلوم ومفهوم شكّ فيه الناس، أو لم يشكّوا، كالصدق صدق في نفسه وإن وصفه الناس بالكذب، والكذب كذب وإن وصفه الناس بالصدق، فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب، أو يتمكن فيه عيب، ويجوز أن يكون خبرا في معنى الأمر، ومعناه: لا ترتابوا، كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ المعنى: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا، كما في «الوسيط» و «العيون».
стр. 274
والمعنى (١): أنّ هذا الكتاب لا يعتريه ريب في كونه من عند الله، ولا في هدايته وإرشاده، ولا في أسلوبه وبلاغته، فلا يستطيع أحد أن يأتي بكلام يقرب منه بلاغة وفصاحة. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. وارتياب كثير من الناس فيه؛ إنّما نشأ عن جهل بحقيقته، أو عن عمى بصيرتهم، أو عن التعنّت عنادا، واستكبارا، واتباعا للهوى، أو تقليدا لسواهم.
والهاء (٢) المتصلة بفي من ﴿فِيهِ﴾: ضمير غائب مذكر مفرد، وقد يوصل بياء، وهي قراءة ابن كثير، وحكم هذه الهاء بالنسبة إلى الحركة، والإسكان، والاختلاس، والإشباع في كتب النحو. والوقف (٣) على ﴿فِيهِ﴾ هو المشهور، وقد روي عن نافع، وعاصم، الوقف على ﴿لا رَيْبَ﴾. قال في «الكشاف»: ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا، ونظيره قوله تعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾، وقول العرب: لا بأس. وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه. فيه هدى.
﴿هُدىً﴾؛ أي: هو رشد وبيان ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: (٤) للضالّين المشارفين التقوى الصائرين إليها. ومثله حديث «من قتل قتيلا فله سلبه»، وقال أبو السعود في «الإرشاد» ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: للمتصفين بالتقوى حالا، أو مآلا. وتخصيص الهدى بهم؛ لما أنّهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره، وإن كان ذلك شاملا لكلّ ناظر من مؤمن وكافر. والهداية: عبارة عن الدلالة. وقيل: دلالة بلطف.
وقيل: هو هاد لا ريب في هدايته للمتقين. قال في «التيسير»: وكذلك يقال في كلّ من انتفع بشيء دون غيره: إنه لك على الخصوص؛ أي: المنتفع به وحدك.
وليس في كون بعض الناس لم يهتدوا به ما يخرجه من أن يكون هدى، فالشمس
стр. 275
شمس وإن لم يرها الضرير، والعسل عسل وإن لم يجد طعمه الممرور، والمسك مسك وإن لم يدرك طيبه المأنوف. فالخيبة كلّ الخيبة؛ لمن عطش، والبحر زاخر، وبقي في الظلمة والبدر زاهر، وخبث والطيب حاضر، والحسرة كل الحسرة؛ لمن عصى وفسق، والقرآن ناه آمر، وفارق الرغبة والرهبة، والوعد متواتر والوعيد متظاهر، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾.
والمتقين: جمع متّق، والمتقي: اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية، وهي فرط الصيانة، قال البغوي: هو مأخوذ من الاتقاء، وأصله: الحاجز بين الشيئين، ومنه يقال: اتقى بترسه؛ أي: جعله حاجزا بين نفسه وبين من يقصده. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس، اتقينا برسول الله ﷺ ؛ أي: إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدوّ، فكأنّ المتقي يجعل امتثال أمر الله، والاجتناب عمّا نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. والتقوى في عرف الشرع (١): عبارة عن كمال التوقّي عمّا ضرّه في الآخرة، وله ثلاث مراتب:
الأولى: التوقّي عن العذاب المخلّد؛ بالتبرّي من الكفر، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾.
والثانية: التجنّب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾.
والثالثة: أن يتنزّه عما يشغل سرّه عن الحقّ ، ويتبتل إليه بكليته، وهو التقوى الحقيقية المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾. وأقصى مراتب هذا النوع من التقوى: ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث جمعوا رياستي النبوة والولاية، وما عاقهم التعلّق بعالم الأشباح، عن العروج إلى عالم الأرواح، ولم تصدّهم الملابسة بمصالح الخلق، عن الاستغراق في شؤون الحقّ؛ لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيّدة
стр. 276
بالقوة القدسية، وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين، فهداية العامّ بالإسلام، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخصّ بكشف الحجب ومشاهدة العيان.
وفي «التأويلات النجمية»: المتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من بعد ميثاقه، ووصلوا به ما أمر الله أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرا وباطنا، يدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
والعقاب الذي يتّقى منه ضربان (١): دنيوي وأخروي، وكلّ منهما يتّقى باتقاء أسبابه، فعقاب الدنيا يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله في الخليقة، وعدم مخالفة النظم التي وضعها في الكون، فاتقاء الفشل والخذلان في القتال مثلا، يتوقّف على معرفة نظم الحرب، وفنونها، وآلاتها، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾، كما يتوقّف على القوة المعنوية: من اجتماع الكلمة، واتحاد الأمة، والصبر والثبات، والتوكل على الله، واحتساب الأجر عنده، وعقاب الآخرة يتقى: بالإيمان الخالص، والتوحيد، والعمل الصالح، واجتناب ما يضادّ ذلك من الشرك، واجتناب المعاصي والآثام التي تضرّ المرء، أو تضرّ المجتمع.
والمتقون في هذه الآية: هم الذين سمت نفوسهم، فأصابت ضربا من الهداية، واستعدادا لتلقي نور الحقّ، والسعي في مرضاة الله بقدر ما يصل إليه إدراكهم، ويبلغ إليه اجتهادهم. وقد كان من هؤلاء ناس في الجاهلية كرهوا عبادة الأصنام، وأدركوا أنّ خالق الكون لا يرضى بعبادتها، كذلك كان من أهل الكتاب ناس يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.
ومن المعلوم: أنّ في قوله: ﴿هُدىً﴾ مجازا عقليًّا؛ لما فيه من إسناد الشيء إلى سببه؛ أي: هو هاد، أو مجازا بالحذف؛ أي: ذو هدى، أو مبالغة
стр. 277
فيه حتى جعل نفس الهدى على حدّ: زيد عدل.
والمعنى؛ أي: هذا الكتاب هاد ومرشد للمؤمنين المتصفين بالتقوى من سخط الله تعالى، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٣ - ثم وصف المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي يصدّقون ويوقنون ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالشيء الغائب عنهم مما لم تدركه عقولهم، ولم تعرفه حواسّهم مما أخبرهم الرسول ﷺ ، أو القرآن من اليوم الآخر وأحواله من البعث، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك من أهواله.
والإيمان: تصديق جازم يقترن بإذعان النفس واستسلامها، وأمارته: العمل بما يقتضيه الإيمان، وهو يختلف باختلاف مراتب المؤمنين في اليقين. والغيب: ما غاب عنهم علمه، كذات الله سبحانه، وملائكته،، والدار الآخرة وما فيها من البعث، والنشور، والحساب، والمجازاة. والإيمان بالغيب: هو اعتقاد وجود موجود وراء المحسّسات، متى أرشد إليه الدليل، أو الوجدان السليم. ومن يعتقد بهذا يسهل عليه التصديق بوجود خالق للسموات والأرض، منزه عن المادّة وتوابعها، وإذا وصف له الرسول العوالم التي استأثر الله وانفرد بعلمها، كعالم الملائكة، أو وصف له اليوم الآخر، لم يصعب عليه التصديق به بعد أن يستيقن صدق النبي الذي جاء به، أمّا من لا يعرف إلّا ما يدركه الحسّ، فإنه يصعب إقناعه، وقلّما تجد الدعوة إلى الحق من نفسه سبيلا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إمّا (١) موصول بالمتقين، ومحلّه الجرّ على أنّه صفة مقيّدة له، إن فسّرت التقوى بترك المعاصي فقط، مرتّبة عليه ترتيب التحلية على التخلية، أو موضحة إن فسرت التقوى بما هو المتعارف شرعا، والمتبادر عرفا من فعل الطاعات، وترك المعصيات معا؛ لأنّها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصول إجمالا، وصفة مادحة للموصوفين بالتقوى المفسّرة بما مرّ من فعل الطاعات، وترك السيئات. وتخصيص ما ذكر من
стр. 278
الخصال الثلاث بالذكر؛ لإظهار شرفها، وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسم التقوى من الحسنات. أو محلّه النصب على المدح بتقدير: أمدح، أو الرفع عليه بتقدير: هم. وإمّا مفصول عنه مرفوع بالابتداء، خبره الجملة المصدّرة باسم الإشارة، كما سيأتي بيانه، فالوقف على المتقين حينئذ وقف تامّ؛ لأنّه وقف على مستقلّ، وما بعده أيضا مستقل، وأما على الوجوه الأول، فالوقف حسن غير تامّ؛ لتعلّق ما بعده به وتبعيته له. اه. «أبو السعود».
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالهمزة ساكنة بعد الياء، وهي فاء الكلمة، وحذف همزة أفعل حيث وقع ذلك ورش والسوسي وأبو جعفر وقفا ووصلا، وحمزة وقفا فقط وهذه القراءات كلها في المتواتر، وقرأ رزين - شاذا - بتحريك الهمزة، مثل: ﴿يُؤَخِّرَكُمْ﴾، ووجه قراءته أنه حذف الهمزة التي هي فاء الكلمة؛ لسكونها، وأقرّ همزة أفعل؛ لتحركها، وتقدمها، واعتلالها في الماضي والأمر. اهـ. من «البحر».
وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: الغيب هنا مصدر بمعنى اسم الفاعل، كما مرّت الإشارة إليه، قال أبو السعود: والغيب: إما مصدر وصف به الغائب مبالغة، كالشهادة في قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾؛ أي: ما غاب عن الحسّ والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وهو قسمان:
قسم: لا دليل عليه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾.
وقسم: قامت عليه البراهين كالصانع وصفاته، والنبوات وما يتعلق بها من الأحكام، والشرائع، واليوم الآخر، وأحواله من البعث والنشر، والحساب والجزاء، وهو المراد ههنا. فالباء: صلة للإيمان إما بتضمينه معنى الاعتراف، أو بجعله مجازا عن الوثوق، وهو واقع موقع المفعول به. وإمّا مصدر على حاله كالغيبة، فالباء: متعلّقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل، كما في قوله تعالى:
стр. 279
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يؤمنون ملتبسين بالغيبة إما عن المؤمن به؛ أي: غائبين عن النبي ﷺ ، غير مشاهدين لما معه من شواهد النبوة، وإما عن الناس؛ أي: غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم. وقيل: المراد بالغيب القلب؛ لأنّه مستور، والمعنى: يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فالباء حينئذ للآلة. وترك ذكر المؤمن به على التقادير الثلاثة؛ إيماء للقصد إلى إحداث نفس الفعل، كما في قولهم: فلان يعطي ويمنع؛ أي: يفعلون الإيمان، وإما للاكتفاء بما سيجيء، فإنّ الكتب الإلهية ناطقة بتفاصيل ما يجب الإيمان به.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ أي: يؤدّونها بحقوقها الظاهرية من الشروط، والأركان، والسنن، وترك المفسدات، والمكروهات، والباطنية، كالخشوع، وحضور القلب، والإخلاص. والصلاة في هذه الآية: اسم جنس، أريد بها الصلوات الخمس، كما في «الروح». وإقامتها: عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها، وسننها، وآدابها خلل، من أقام العود إذا قوّمه وعدّله. وقيل: عبارة عن المواظبة عليها من قولهم: قامت السوق إذا نفقت. وقيل: عبارة عن التشمير لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جدّ فيه وتجاد، وضدّه قعد عن الأمر وتقاعد.
واعلم: أنّ الصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ودعاء المعبود بالقول، أو بالفعل، أو بكليهما، يشعر العابد بالحاجة إليه؛ استدرارا للنعمة، أو دفعا للنقمة، والصلاة على النحو الذي شرعه الإسلام، من أفضل ما يعبّر عن الشعور بعظمة المعبود وشديد الحاجة إليه، لو أقيمت على وجهها، أمّا إذا خلت عن الخشوع، فإنّها تكون صلاة لا روح لها، وإن كانت قد وجدت صورتها، وهي الكيفيات المخصوصة، ولا يقال للمصّلي حينئذ: أنّه امتثل أمر ربه، فأقام الصلاة؛ لأنّ الإقامة مأخوذة من أقام العود، إذا سواه وأزال اعوجاجه، فلا بد فيها من حضور القلب في جميع أجزائها، واستشعار الخشية
стр. 280
ومراقبة الخالق، كأنّك تنظر إليه، كما ورد في الحديث: «أعبد الله كأنّك تراه، فإنّ لم تكن تراه فإنه يراك».
ولما للصلاة من خطر في تهذيب النفوس والسمو بها إلى الملكوت الأعلى، أبان الله سبحانه عظيم آثارها بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وجعلها النبي ﷺ عماد الدين، فقال: «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام». وقد أمر الله سبحانه بإقامتها بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، والمحافظة عليها، وإدامتها بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾، وبأدائها في أوقاتها بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾، وبأدائها جماعة بقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وبالخشوع فيها بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾.
﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي: ومن بعض ما أعطيناهم، وملّكناهم من الأموال؛ لأنّ المراد بالرزق هنا: الملك، وليس المراد به الرزق الحقيقي، إذ لا يمكن تعديه لغيره. وفي قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ حذف نون من التبعيضية لفظا وخطّا؛ لإدغامها في ما الموصولة. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: ويصرفون إنفاقا واجبا، كالزكاة، والنفقة على الوالدين والعيال، أو مندوبا، كالتوسعة على العيال، ومواساة الأقارب والفقراء، فالإنفاق هنا شامل للواجب والمندوب، كما اختاره ابن جرير. وروي عن ابن عباس: أنّ المراد بها: زكاة الأموال. والرزق في اللغة: العطاء، وفي العرف: ما ينتفع به الحيوان، وهو يتناول الحلال والحرام عند أهل السنة، كما قال أحمد بن رسلان:
يرزق من شاء ومن شا أحرما ... والرزق ما ينفع ولو محرّما
ولكنّ (١) القرينة ههنا تخصصه بالحلال؛ لأنّ المقام مقام المدح. وتقديم المفعول للاهتمام به، وللمحافظة على رؤوس الآي. وإدخال من التبعيضية عليه؛ للكفّ عن الإسراف المنهيّ عنه. وصيغة الجمع في رزقنا مع أنّه تعالى واحد لا
стр. 281
شريك له؛ لأنّه خطاب الملوك، والله تعالى مالك الملك، وملك الملوك، والمعهود من كلام الملوك أربعة أوجه: الإخبار على لفظ الواحد، نحو: فعلت كذا، وعلى لفظ الجمع، نحو: فعلنا كذا، وعلى ما لم يسم فاعله، نحو: رسم كذا، وإضافة الفعل إلى اسمه على وجه المغايبة، نحو: أمركم سلطانكم بكذا، والقرآن نزل بلغة العرب، فجمع الله فيه هذه الوجوه كلّها فيما أخبر به عن نفسه، فقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ على صيغة الواحد، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ على صيغة الجمع، وقال فيما لم يسمّ فاعله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وأمثاله، وقال في المغايبة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأمثاله، كذا في «التيسير».
والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أنّ في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول، والمراد بهذا الإنفاق: الصرف إلى سبيل الخير فرضا كان أو نفلا. ومن فسّره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها، وهي الصلاة.
واعلم: أنّه سبحانه ذكر في الآية الإيمان، وهو بالقلب، ثمّ الصلاة وهي بالبدن، ثمّ الإنفاق وهو بالمال، وهو مجموع كل العبادات. ففي الإيمان النجاة، وفي الصلاة المناجاة، وفي الإنفاق الدرجات، وفي الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفارة، وفي الإنفاق الطهارة، وفي الإيمان العزة، وفي الصلاة القربة، وفي الإنفاق الزيادة.
فصل في مسائل تتعلق بالصلاة
المسألة الأولى: واعلم أنّ الناس بالنسبة إلى الصلاة على أربع طباق:
الأولى: طبقة لم يقبلوها، ورأسهم أبو جهل لعنه الله، وفي حقّه قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
والثانية: طبقة قبلوها ولم يؤدوها، وهم أهل الكتاب، وذكرهم الله تعالى
стр. 282
بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ وهم أهل الكتاب ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾، وذكر مصيرهم ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
والثالثة: طبقة قبلوها وأدّوا بعضا منها، ولم يؤدُّوا بعضا آخر متكاسلين، وهم المنافقون، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾.
والرابعة: طبقة قبلوها، وهم يراعونها في أوقاتها بشرائطها، ورأسهم المصطفى ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، وأصحابه كذلك، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾.
المسألة الثانية: روي (١) عن ابن عباس ﵄ (بعث الله النبي ﷺ بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّق زاد الصلاة، فلمّا صدّق زاد الزكاة، فلمّا صدّق زاد الصيام، فلمّا صدّق زاد الحج، ثمّ الجهاد، ثمّ أكمل لهم الدين).
وقال مقاتل: كان النبي ﷺ يصلّي بمكة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشاء، فلمّا عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس، كما في «روضة الأخيار».
وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج؛ لأنّ المعراج أفضل الأوقات، وأشرف الحالات، وأعزّ المناجات، والصلاة بعد الإيمان أفضل الطاعات، وفي التعبّد أحسن الهيئات، ففرض أفضل العبادات في أفضل الأوقات، وهو وصول العبد إلى ربّه، وقربه منه.
المسألة الثالثة: في ذكر بعض الحكم. وأمّا الحكمة في فرضيتها؛ فلأنّه ﷺ لمّا أسري به شاهد ملكوت السموات بأسرها وعبادات سكّانها من الملائكة، فاستكثرها ﷺ غبطة، وطلب ذلك لأمّته، فجمع الله له في الصلوات الخمس
стр. 283
عبادات الملائكة كلّها؛ لأنّ منهم من هو قائم، ومنهم من هو راكع، ومنهم من هو ساجد، وحامد، ومسبّح، ومكبّر، إلى غير ذلك. فأعطى الله سبحانه أجور عبادات أهل السموات لأمّته إذا أقاموا بالصلوات الخمس، هكذا قالوا، والله أعلم.
والحكمة في كونها خمس صلوات: أنها كانت متفرّقة في الأمم السالفة، فجمعها سبحانه لنبيّه وأمّته؛ لأنّه ﷺ مجمع الفضائل كلّها دنيا وأخرى، وأمته من بين الأمم كذلك، فقد قيل: أوّل من صلّى الفجر آدم، والظهر إبراهيم، والعصر يونس، والمغرب عيسى، والعشاء موسى. فهذا سرّ القرار على خمس صلوات.
وقيل: صلّى آدم الصلوات الخمس كلّها، ثمّ تفرقت بعده بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأوّل من صلّى الوتر رسول الله ﷺ ليلة المعراج، ولذلك قال:
«زادني ربّي صلاة»؛ أي: الوتر على الخمس، أو صلاة الليل، فافهم.
قيل (١): وأول من بادر إلى السجود جبريل ﵇ ولذلك كان رفيق الأنبياء وخادمهم، وأوّل من قال: سبحان الله جبريل، والحمد لله آدم، ولا إله إلّا الله نوح، والله أكبر إبراهيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم رسول الله ﷺ . ذكر ذلك كلّه في «كشف الكنوز وحلّ الرموز»، وهكذا قالوا ولكن لا أصل له.
٤ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على الموصول الأول، وهو نوع آخر للمتقين، فإنها أنزلت فيمن كان آمن بعيسى وأدرك النبي ﷺ : كعبد الله بن سلام، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والنجاشي وغيرهم. وأما النوع الأول: فهم الذين آمنوا برسول الله ﷺ من مشركي العرب؛ لأنّهم لم يرسل إليهم غيره ﷺ .
فنزلت الآية الأولى إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيهم. روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنّ المراد بالمؤمنين هنا: من آمنوا بالنبي ﷺ وبالقرآن من أهل الكتاب، وبالمؤمنين فيما قبلها من آمنوا من مشركي العرب.
стр. 284
أي: والذين يصدّقون ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، وهو القرآن الذي يتلى، والوحي الذي لا يتلى. وهو ما بيّنه النبي ﷺ من أعداد الركعات، ونصب الزكوات، وحدود الجنايات. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال أيضا: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾. والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ؛ لتغليب المحقّق على المقدّر، أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحقّقه منزلة الواقع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ مع أنّ الجنّ ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا، ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا. وفي «الكواشي»: لأنّ القرآن شيء واحد في الحكم، ولأنّ المؤمن ببعضه مؤمن بكلّه. انتهى. والإنزال هنا (١): بمعنى الوحي، وسمّي إنزالا، وهو نقل الشيء من العلو إلى السفل، ولا يكون إلّا في الأجسام؛ لما في جانب الألوهية من علوّ الخالق على المخلوق، أو لإنزال جبريل له على النبي ﷺ لتبليغه للخلق، كما قال في آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾؛ يعني: أنّ الإنزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل، وهو إنّما يلحق المعاني بواسطة لحوقه الذوات الحاملة لها، فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهيّة إلى الرسل ﵈ والله أعلم: بأن يتلقّاها الملك من جنابه تعالى تلقّيا روحانيا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ، فينزل بها إلى الرسل، فيلقيها عليهم.
﴿وَ﴾ يؤمنون بـ ﴿ما أُنْزِلَ﴾ من الكتب السالفة من التوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها على الرسل الذين أرسلوا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ إيمانًا إجماليًّا لا تفصيليًّا، والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلا من حيث إنّا متعبّدون بتفاصيله فرض كفاية، فإنّ في وجوبه على الكلّ عينا حرجا بيّنا، وإخلالا بأمر المعاش.
قال في «التيسير»: (٢) الإيمان بكلّ الكتب مع تنافي أحكامها على وجهين:
стр. 285
أحدهما: التصديق أنّ كلّها من عند الله تعالى.
والثاني: الإيمان بما لم ينسخ من أحكامها.
﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق، وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، وهي من الصفات الغالبة، وكذا الدنيا، وسمّيت الدنيا دنيا لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، أو لدناءتها وخسّتها، وسمّيت الآخرة آخرة؛ لتأخّرها، وكونها بعد الدنيا. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يعتقدون اعتقادا جازما، وتقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لرعاية الفاصلة، أو لإفادة الحصر، وأتى بالجملة الاسمية للاهتمام به؛ لأنّه أعلى من الإنفاق. والإيقان: إتقان العلم بالشيء بنفي الشكّ، والشبهة عنه نظرا واستدلالا، ولذلك لا يسمّى علمه تعالى يقينا، وكذا العلوم الضرورية. وفيه ردّ على من أنكر الآخرة ممن لا يؤمن بمحمد ﷺ .
وقرأ الجمهور ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مبنيا للمفعول. وقرأهما النخعيّ، وأبو حيوة، ويزيد بن قطيب مبنيا للفاعل، وقرىء شاذّا ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بتشديد اللام، ووجه ذلك: أنه أسكن لام ﴿أُنْزِلَ﴾ ثم حذف همزة (إلى)، ونقل كسرتها إلى لام «أنزل»، فالتقى المثلان من كلمتين، فأدغم، والإدغام جائز. وقرأ الجمهور ﴿يُوقِنُونَ﴾ بواو ساكنة بعد الياء، وهي مبدلة من ياء؛ لأنّه من أيقن. وقرأ أبو حية النّمريّ بهمزة ساكنة بدل الواو.
ومعنى الآية: أي (١) والذين يصدقون بما أنزل إليك من القرآن والوحي، أنه من عند الله تعالى، ويصدقون بما أنزل على الرسل من قبلك من سائر الكتب السماوية، أنها من عند الله ، لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله. وقال ابن عباس: أي: يصدقون بما جئت به من الله تعالى، وبما جاء به من قبلك من الرسل، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءؤوا به من ربهم،
وبمجيء الدار الآخرة التي تتلو الدنيا مع ما فيها من البعث، والحشر والحساب،