← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شريك له؛ لأنّه خطاب الملوك، والله تعالى مالك الملك، وملك الملوك، والمعهود من كلام الملوك أربعة أوجه: الإخبار على لفظ الواحد، نحو: فعلت كذا، وعلى لفظ الجمع، نحو: فعلنا كذا، وعلى ما لم يسم فاعله، نحو: رسم كذا، وإضافة الفعل إلى اسمه على وجه المغايبة، نحو: أمركم سلطانكم بكذا، والقرآن نزل بلغة العرب، فجمع الله فيه هذه الوجوه كلّها فيما أخبر به عن نفسه، فقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ على صيغة الواحد، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ على صيغة الجمع، وقال فيما لم يسمّ فاعله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وأمثاله، وقال في المغايبة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأمثاله، كذا في «التيسير». والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أنّ في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول، والمراد بهذا الإنفاق: الصرف إلى سبيل الخير فرضا كان أو نفلا. ومن فسّره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها، وهي الصلاة. واعلم: أنّه سبحانه ذكر في الآية الإيمان، وهو بالقلب، ثمّ الصلاة وهي بالبدن، ثمّ الإنفاق وهو بالمال، وهو مجموع كل العبادات. ففي الإيمان النجاة، وفي الصلاة المناجاة، وفي الإنفاق الدرجات، وفي الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفارة، وفي الإنفاق الطهارة، وفي الإيمان العزة، وفي الصلاة القربة، وفي الإنفاق الزيادة. فصل في مسائل تتعلق بالصلاة المسألة الأولى: واعلم أنّ الناس بالنسبة إلى الصلاة على أربع طباق: الأولى: طبقة لم يقبلوها، ورأسهم أبو جهل لعنه الله، وفي حقّه قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. والثانية: طبقة قبلوها ولم يؤدوها، وهم أهل الكتاب، وذكرهم الله تعالى

стр. 282

بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ وهم أهل الكتاب ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾، وذكر مصيرهم ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. والثالثة: طبقة قبلوها وأدّوا بعضا منها، ولم يؤدُّوا بعضا آخر متكاسلين، وهم المنافقون، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾. والرابعة: طبقة قبلوها، وهم يراعونها في أوقاتها بشرائطها، ورأسهم المصطفى ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، وأصحابه كذلك، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾. المسألة الثانية: روي (١) عن ابن عباس ﵄ (بعث الله النبي ﷺ بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّق زاد الصلاة، فلمّا صدّق زاد الزكاة، فلمّا صدّق زاد الصيام، فلمّا صدّق زاد الحج، ثمّ الجهاد، ثمّ أكمل لهم الدين). وقال مقاتل: كان النبي ﷺ يصلّي بمكة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشاء، فلمّا عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس، كما في «روضة الأخيار». وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج؛ لأنّ المعراج أفضل الأوقات، وأشرف الحالات، وأعزّ المناجات، والصلاة بعد الإيمان أفضل الطاعات، وفي التعبّد أحسن الهيئات، ففرض أفضل العبادات في أفضل الأوقات، وهو وصول العبد إلى ربّه، وقربه منه. المسألة الثالثة: في ذكر بعض الحكم. وأمّا الحكمة في فرضيتها؛ فلأنّه ﷺ لمّا أسري به شاهد ملكوت السموات بأسرها وعبادات سكّانها من الملائكة، فاستكثرها ﷺ غبطة، وطلب ذلك لأمّته، فجمع الله له في الصلوات الخمس

стр. 283

عبادات الملائكة كلّها؛ لأنّ منهم من هو قائم، ومنهم من هو راكع، ومنهم من هو ساجد، وحامد، ومسبّح، ومكبّر، إلى غير ذلك. فأعطى الله سبحانه أجور عبادات أهل السموات لأمّته إذا أقاموا بالصلوات الخمس، هكذا قالوا، والله أعلم. والحكمة في كونها خمس صلوات: أنها كانت متفرّقة في الأمم السالفة، فجمعها سبحانه لنبيّه وأمّته؛ لأنّه ﷺ مجمع الفضائل كلّها دنيا وأخرى، وأمته من بين الأمم كذلك، فقد قيل: أوّل من صلّى الفجر آدم، والظهر إبراهيم، والعصر يونس، والمغرب عيسى، والعشاء موسى. فهذا سرّ القرار على خمس صلوات. وقيل: صلّى آدم الصلوات الخمس كلّها، ثمّ تفرقت بعده بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأوّل من صلّى الوتر رسول الله ﷺ ليلة المعراج، ولذلك قال: «زادني ربّي صلاة»؛ أي: الوتر على الخمس، أو صلاة الليل، فافهم. قيل (١): وأول من بادر إلى السجود جبريل ﵇ ولذلك كان رفيق الأنبياء وخادمهم، وأوّل من قال: سبحان الله جبريل، والحمد لله آدم، ولا إله إلّا الله نوح، والله أكبر إبراهيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم رسول الله ﷺ . ذكر ذلك كلّه في «كشف الكنوز وحلّ الرموز»، وهكذا قالوا ولكن لا أصل له. ٤ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على الموصول الأول، وهو نوع آخر للمتقين، فإنها أنزلت فيمن كان آمن بعيسى وأدرك النبي ﷺ : كعبد الله بن سلام، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والنجاشي وغيرهم. وأما النوع الأول: فهم الذين آمنوا برسول الله ﷺ من مشركي العرب؛ لأنّهم لم يرسل إليهم غيره ﷺ . فنزلت الآية الأولى إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيهم. روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنّ المراد بالمؤمنين هنا: من آمنوا بالنبي ﷺ وبالقرآن من أهل الكتاب، وبالمؤمنين فيما قبلها من آمنوا من مشركي العرب.

стр. 284

أي: والذين يصدّقون ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، وهو القرآن الذي يتلى، والوحي الذي لا يتلى. وهو ما بيّنه النبي ﷺ من أعداد الركعات، ونصب الزكوات، وحدود الجنايات. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال أيضا: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾. والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا حينئذ؛ لتغليب المحقّق على المقدّر، أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحقّقه منزلة الواقع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ مع أنّ الجنّ ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا، ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا. وفي «الكواشي»: لأنّ القرآن شيء واحد في الحكم، ولأنّ المؤمن ببعضه مؤمن بكلّه. انتهى. والإنزال هنا (١): بمعنى الوحي، وسمّي إنزالا، وهو نقل الشيء من العلو إلى السفل، ولا يكون إلّا في الأجسام؛ لما في جانب الألوهية من علوّ الخالق على المخلوق، أو لإنزال جبريل له على النبي ﷺ لتبليغه للخلق، كما قال في آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾؛ يعني: أنّ الإنزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل، وهو إنّما يلحق المعاني بواسطة لحوقه الذوات الحاملة لها، فنزول ما عدا الصحف من الكتب الإلهيّة إلى الرسل ﵈ والله أعلم: بأن يتلقّاها الملك من جنابه تعالى تلقّيا روحانيا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ، فينزل بها إلى الرسل، فيلقيها عليهم. ﴿وَ﴾ يؤمنون بـ ﴿ما أُنْزِلَ﴾ من الكتب السالفة من التوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها على الرسل الذين أرسلوا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ إيمانًا إجماليًّا لا تفصيليًّا، والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلا من حيث إنّا متعبّدون بتفاصيله فرض كفاية، فإنّ في وجوبه على الكلّ عينا حرجا بيّنا، وإخلالا بأمر المعاش. قال في «التيسير»: (٢) الإيمان بكلّ الكتب مع تنافي أحكامها على وجهين:

стр. 285

أحدهما: التصديق أنّ كلّها من عند الله تعالى. والثاني: الإيمان بما لم ينسخ من أحكامها. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق، وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، وهي من الصفات الغالبة، وكذا الدنيا، وسمّيت الدنيا دنيا لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، أو لدناءتها وخسّتها، وسمّيت الآخرة آخرة؛ لتأخّرها، وكونها بعد الدنيا. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يعتقدون اعتقادا جازما، وتقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لرعاية الفاصلة، أو لإفادة الحصر، وأتى بالجملة الاسمية للاهتمام به؛ لأنّه أعلى من الإنفاق. والإيقان: إتقان العلم بالشيء بنفي الشكّ، والشبهة عنه نظرا واستدلالا، ولذلك لا يسمّى علمه تعالى يقينا، وكذا العلوم الضرورية. وفيه ردّ على من أنكر الآخرة ممن لا يؤمن بمحمد ﷺ . وقرأ الجمهور ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مبنيا للمفعول. وقرأهما النخعيّ، وأبو حيوة، ويزيد بن قطيب مبنيا للفاعل، وقرىء شاذّا ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بتشديد اللام، ووجه ذلك: أنه أسكن لام ﴿أُنْزِلَ﴾ ثم حذف همزة (إلى)، ونقل كسرتها إلى لام «أنزل»، فالتقى المثلان من كلمتين، فأدغم، والإدغام جائز. وقرأ الجمهور ﴿يُوقِنُونَ﴾ بواو ساكنة بعد الياء، وهي مبدلة من ياء؛ لأنّه من أيقن. وقرأ أبو حية النّمريّ بهمزة ساكنة بدل الواو. ومعنى الآية: أي (١) والذين يصدقون بما أنزل إليك من القرآن والوحي، أنه من عند الله تعالى، ويصدقون بما أنزل على الرسل من قبلك من سائر الكتب السماوية، أنها من عند الله ، لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله. وقال ابن عباس: أي: يصدقون بما جئت به من الله تعالى، وبما جاء به من قبلك من الرسل، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءؤوا به من ربهم، وبمجيء الدار الآخرة التي تتلو الدنيا مع ما فيها من البعث، والحشر والحساب،

стр. 286

والميزان، والجزاء، والجنة والنار. هم يوقنون؛ أي: (١) يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان عليه أهل الكتاب من الشكوك والأوهام التي من جملتها: زعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ فقال فرقة منهم: يجري حالهم في التلذذ بالمطاعم، والمشارب، والمناكح على حسب مجراها في الدنيا، وقال آخرون: إنّ ذلك إنّما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام، ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه، فلا يتلذذون إلا بالنسيم، والأرواح العبقة، والسماع اللذيذ، والفرح والسرور. وفي بناء ﴿يُوقِنُونَ﴾ على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، فإنّ اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة، فضلا من الوصول إلى مرتبة اليقين. فدل التقديم على التخصيص، بأن إيقان من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلا ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب. واليقين (٢): هو التصديق الجازم الذي لا شبهة فيه ولا تردد، ويعرف اليقين بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال، فمن يشهد الزور، أو يشرب الخمر، أو يأكل حقوق الناس يكن إيمانه بهما خيالا يلوح في الذهن لا إيمانا يقوم على اليقين، إذ لم يظهر آثاره في الجوارح واللسان، وهو لا يكون إيمانا حقّا إلّا إذا كان مالكا لزمام النفس مصرّفا لها في أعمالها. والإيمان على الوجه الصحيح يحصل من أحد طريقين: ١ - البحث والتأمّل فيما يحتاج إلى ذلك، كالعلم بوجود الله سبحانه ورسالة الرسل.

стр. 287

٢ - خبر الرسول بعد أن تقوم الدلائل على صدقه فيما يبلغ عن ربه، أو خبر من سمع منه بطريق لا تحتمل ريبا ولا شكّا، وهي طريق التواتر، كالعلم بأخبار الآخرة وأحوالها، والعالم العلوي وأوصافه. وعلينا أن نقف عند ذلك، فلا نزيد فيه شيئا، ولا نخلطه بغيره مما جاء عن طريق أهل الكتاب، أو عن بعض السلف بدون تمحيص ولا تثبّت من صحته، وقد دوّنه المفسرون في كتبهم، وجعلوه من صلب الدين، وهو ليس منه في شيء. قال أبو الليث - رحمه الله تعالى - في «تفسيره»: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين عيان، ويقين دلالة، ويقين خبر. فأما يقين العيان: فهو أنّه إذا رأى شيئا زال الشك عنه في ذلك الشيء. وأما يقين الدلالة: فهو أن يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين أن هناك نارا وإن لم يرها. وأما يقين الخبر: فهو أنّ الرجل يعلم باليقين أنّ في الدنيا مدينة يقال لها: بغداد وإن لم ينته إليها. فههنا يقين خبر ويقين دلالة؛ لأنّ الآخرة حقّ، ولأنّ الخبر يصير معاينة عند الرؤية. انتهى. ويقال: علم اليقين ظاهر الشريعة، وعين اليقين الإخلاص فيها، وحقّ اليقين المشاهدة فيها، ثمّ ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها. فقد قيل: عشرة من المغرورين: من أيقن أنّ الله خالقه ولا يعبده، ومن أيقن أنّ الله رازقه ولا يطمئن به، ومن أيقن أن الدنيا زائلة ويعتمد عليها، ومن أيقن أنّ الورثة أعداؤه ويجمع لهم، ومن أيقن أنّ الموت آت فلا يستعدّ له، ومن أيقن أنّ القبر منزله فلا يعمره، ومن أيقن أنّ الديّان يحاسبه فلا يصحح حجته، ومن أيقن أنّ الصراط ممرّه فلا يخفف ثقله، ومن أيقن أنّ النار دار الفجّار فلا يهرب منها، ومن أيقن أنّ الجنّة دار الأبرار فلا يعمل لها، كما في «التيسير». قال ذو النون المصريّ: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب. اه. ٥ - وجملة قوله: ﴿أُولئِكَ﴾ في محل (١) الرفع، إن جعل أحد الموصولين

стр. 288

مفصولا عن المتقين على أنّها خبر له، وكأنّه لما قيل: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قيل: ما بالهم خصّوا بذلك؟ فأجيب بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى آخر الآيات. وإلّا فاستئناف لا محلّ لها، فكأنّه ينتجه الأحكام السابقة، والصفات المتقدمة. وأولاء: جمع، لا واحد له من لفظه، مبني على الكسر، وكافه للخطاب كالكاف في ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: المذكورون قبله، وهم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب وسائر الأوصاف المذكورة بعده. وفيه دلالة على أنّهم متميّزون بذلك أكمل تميّز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد؛ للإشعار بعلوّ درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل. وهو مبتدأ، وقوله : ﴿عَلى هُدىً﴾ خبره، وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير؛ لكمال تفخيمه، كأنّه قيل: على هدى؛ أي: هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وإيراد كلمة الاستعلاء؛ لتمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى، وتمسكهم به، واستقرارهم عليه بحال من يقبل الشيء، ويستولي عليه. يعني: شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد؛ وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر، وإدامة النظر فيما نصب من الحجج، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل. يعني: أكرمهم الله تعالى في الدنيا، حيث هداهم، وبيّن لهم طريق الفلاح قبل الموت. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة له، مبيّنة لفخامته الإضافية إثر بيان فخامته الذاتيّة، مؤكّدة لها؛ أي: على هدى كائن من ربهم سبحانه، وهو شامل لجميع أنواع هدايته تعالى وفنون توفيقه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم؛ لغاية تفخيم الموصوف، والمضاف إليهم وتشريفهما. ثمّ في هذه الآية (١) ذكر الهدى للموصوفين بكل هذه الصفات، وفي قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ

стр. 289

فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ذكر لهم الهداية بالإقرار والاعتقاد بدون سائر الطاعات؛ بيانا لشرف الإيمان، وجلالة قدره، وعلو أمره، فإنّه إذا قوي لم يبطله نفس المخالفات، بل هو الذي يغلب، فيردّ إلى التوبة بعد التمادي في البطالات، وكما هدي اليوم إلى الإيمان يهدى غدا إلى الجنان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾. وذلك، أن المطيعين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهم على مراكب طاعاتهم، والملائكة تتلقاهم. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾، وتتلقّاهم الملائكة، وتبقى العصاة منفردين منقطعين في متاهات القيامة، ليس لهم نور الطاعات، ولا في حقهم استقبال الملائكة، فلا يهتدون السبيل، ولا يهديهم دليل. وقرأ ابن هرمز ﴿من ربهم﴾ بضمّ الهاء، وكذلك سائر هاءات جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء، ذكره في «البحر». فإن قلت: لم ذكر هدى هنا مع قوله أولا: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾؟ قلت: لأنّه ذكر هنا مع هدى فاعله بخلافه ثمّ. ذكره في فتح الرحمن. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تكرير ﴿أُولئِكَ﴾ (١)؛ للدلالة على أنّ كلّ واحد من الحكمين مستبدّ في تميّزهم به عن غيرهم، فكيف بهما، وتوسيط العطف بينهما؛ تنبيه على تغايرهما في الحقيقة لاختلاف مفهوم الجملتين ههنا، بخلاف قوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ فإنّ التسجيل بالغفلة، والتشبيه بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى، فلا تناسب الفصل. وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر بالضمير: الدلالة على أنّ ما بعده خبر لا صفة، وأنّ المسند ثابت للمسند إليه دون غيره، فصفة الفلاح مقصورة عليهم، لا تتجاوز إلى من عداهم من اليهود والنصارى، ولا يلزم من هذا أن لا يكون ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ صفة أخرى غير الفلاح، فالقصر قصر الصفة على الموصوف لا العكس، حتى يلزم ذلك. أو ﴿هُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره والجملة خبر

стр. 290

﴿أُولئِكَ﴾. والمفلح بالحاء والجيم: هو الفائز بالبغية بعد سعي في الحصول عليها، واجتهاد في إدراكها، كأنه انفتحت له وجوه الظفر، ولم تستغلق عليه من الفلح، وهو الشقّ والقطع، ومنه سمّي الزارع فلاحا؛ لأنّه يشقّ الأرض. وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين، نحو: فلق، وفلذ، وفلى يدلّ على الشق والفتح. والمشار إليه بأولئك في الموضعين واحد، وهم المؤمنون من غير أهل الكتاب، والمؤمنون منهم. تنبيه (١): تأمّل كيف نبّه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتّى: بناء الكلام على اسم الإشارة؛ للتعليل مع الإيجاز، وتكريره، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل لإظهار قدرهم، والترغيب في اقتفاء أثرهم. وقد تشبثت الوعيدية بهذه الآية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب، وردّ بأن المراد بالمفلحون: الكاملون في فلاحهم، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح لهم رأسا، كما في «تفسير البيضاوي». وحاصل الفلاح يرجع إلى ثلاثة أشياء (٢): أحدها: الظفر على النفس فلم يتابعوا هواها، والدنيا فلم يطغوا بزخارفها، والشيطان فلم يفتنوا بوساوسه، وقرناء السوء فلم يبتلوا بمكروهاتهم. والمعنى: أولئك الموصوفون بالصفات المذكورة، كائنون على هدى ورشاد كائن من ربّهم، ومعبودهم، ومالكهم، وأولئك المذكورون هم المفلحون؛ أي: الفائزون في الدنيا وفي الآخرة بالجنّة، والناجون من النار، والمقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. وقال ابن كثير: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي (٣): المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم بالله، وكتبه، ورسله من الفوز

стр. 291

بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعدّ الله لأعدائه من العقاب. انتهى. فائدة: ويستفاد من هذه الآيات (١): أنّ الهداية الموصلة إلى الفلاح الأبديّ لا تحصل إلا لمن اتصف بالتقوى، وآمن بالغيب الذي أخبر به محمد ﷺ وأقام الصلاة المفروضة، وأنفق في الواجبات مما رزقه الله تعالى، وآمن بالكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ وعلى الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام، وأيقن مجيء الدار الآخرة. الإعراب ﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿الم﴾ كلمة أريد لفظها لا معناها؛ لأنها اسم للسورة، في محلّ الرفع خبر لمبتدأ محذوف جوازا، تقديره: هذه ﴿الم﴾، أي: هذه السورة مسمّاة بلفظ ﴿الم﴾ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا. أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألم هذا محلّه. وقد تقدم بسط الكلام في معناه وإعرابه في مبحث التفسير، فراجعه. والجملة الإسمية مستأنفة استئنافا نحويا، لا محلّ لها من الإعراب. وعبارة «عمدة التفاسير» هنا: قوله: ﴿الم﴾ تقدم لك أنّ الأرجح فيه القول: بأنّه مما انفرد الله بعلم المراد منه، وعلى هذا القول فلا يوصف بإعراب، ولا بناء؛ لأنّ الإعراب فرع عن إدراك المعنى، ومعناه لم يعلم لنا. وعلى القول: بأنّه اسم لهذه السورة مثلا، ففيه ثلاثة أوجه من الإعراب: الأول: الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف. والثاني: النصب على أنّه مفعول به لفعل محذوف وجوبا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: اقرؤوا ﴿الم﴾ اقرؤوا فعل وفاعل، ﴿الم﴾ في محل النصب مفعول به،

стр. 292

مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها استعماليا بواسطة شبهه بأسماء الأصوات، والجملة الفعلية مستأنفة. والثالث: الجرّ على أنّه مقسم به حذف منه حرف القسم. اه. وقال العكبري: هذه الحروف المقطعة كل واحدة منها اسم، فألف: اسم يعبّر به عن مثل الألف الذي في (قال)، ولام: اسم يعبّر به عن مثل اللام الذي في (قال)، وكذلك ما أشبهها. والدليل على أنّها أسماء: أنّ كلّا منها يدلّ على معنى في نفسه، وهي مبنية؛ لأنّك لا تريد أن تخبر عنها بشيء، وإنما يحكي بها ألفاظ الحروف التي جعلت أسماء لها، فهي كالأصوات، نحو: غاق في حكاية صوت الغراب. انتهى. ﴿ذلِكَ﴾ ذا: اسم إشارة يشار به للمفرد المذكر البعيد تنزيلا للبعد المعنوي منزلة البعد الحسي، في محلّ الرفع مبتدأ، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا، واللام: لبعد المشار إليه، أو لمبالغة البعد، والكاف: حرف دالّ على الخطاب. ﴿الْكِتابُ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، مرفوع بالضمة الظاهرة. ﴿لا﴾ نافية لحكم الخبر عن جنس الاسم، تعمل عمل إنّ، ﴿رَيْبَ﴾ في محل النصب، اسمها مبني على الفتح؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا لتضمّنه معنى من الاستغراقية، ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بمحذوف وجوبا؛ لوقوعه خبرا للا، تقديره: لا ريب موجود فيه، وجملة لا من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد ﷺ مخبر عنه بعدم وجود ريب فيه، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب. ﴿هُدىً﴾ خبر ثان للمبتدأ، ففيه الإخبار بالمفرد بعد الإخبار بالجملة، فهو جائز فصيح، والخبر مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذّر؛ لأنّه اسم مقصور، مثل: فتى، وصح الإخبار به مع كونه اسم معنى؛ لأنّه في تأويل هاد، ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿الْكِتابُ﴾ خبر أول له؛ لأنه قصد به الإخبار بأنه الكتاب المقدّس المستحق لهذا الاسم، وجملة ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثان له، أو حال من الكتاب، و ﴿هُدىً﴾ خبر ثالث له، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ جار ومجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنّه من جمع المذكر السالم، وهو جمع متّق

стр. 293

أصله: متقيين بياءين، الأولى لام الكلمة، والثانية علامة الجمع، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة، وهي الياء الأولى، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان، وهما الياءان، فحذفت إحداهما، وهي الأولى، فصار متقين، كما سيأتي بسط الكلام فيه في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. الجار والمجرور متعلّق بهدى؛ لأنّه مصدر، ويجوز أن تجعله صفة لهدى. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول لجمع المذكر في محل الجر صفة للمتقين، مبني على الفتح، أو على الياء على الخلاف المذكور في محلّه؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، ويجوز فيه القطع إلى الرفع، أو النصب. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، مرفوع بثبات النون، والواو ضمير لجماعة الذكور الغائبين، في محلّ الرفع. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بيؤمنون، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد الواو في يؤمنون، وهو أعني الموصول جامد مؤول بمشتق مأخوذ من الصلة، تقديره: هدى للمتقين المؤمنين بالغيب، أو مأخوذ من ضدّ معنى الموصول، تقديره: للمتقين المعلوم إيمانهم بالغيب. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على يؤمنون على كونه صلة الموصول. ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿مِمَّا﴾ من حرف جرّ مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ما. ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الجر بمن، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، الجار والمجرور متعلّق بينفقون المذكور بعده، قدّم عليه اهتماما بشأن المنفق، أو لرعاية الفاصلة. ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ومما رزقناهم إياه، وهو المفعول الثاني لرزقناهم، وفي «الجمل»: أنّ العائد محذوف، فيقدّر متصلا أو منفصلا على حدّ قول ابن مالك: وصل أو افصل هاء سلنيه ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على كونها صلة الموصول والعائد إلى الموصول الواو في ﴿يُنْفِقُونَ﴾.

стр. 294

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو عاطفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر، معطوف على الموصول الأوّل، على كونه صفة للمتقين. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِما﴾ الباء حرف جرّ. ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محلّ الجر بالباء، والجار والمجرور متعلّق بيؤمنون. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، مبني على الفتح، ونائب فاعله ضمير يعود على ما، والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿إِلَيْكَ﴾ جار ومجرور متعلّق بأنزل. ﴿وَما﴾ الواو عاطفة. ما في محلّ الجر معطوفة على ما الأولى. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر فيه، والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور متعلّق بأنزل. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ الواو عاطفة. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلّق بيوقنون الآتي، قدّم عليه اهتماما بشأن الآخرة، أو لرعاية الفاصلة. ﴿هُمْ﴾ الهاء ضمير لجماعة الذكور الغائبين في محل الرفع مبتدأ، مبني على الضمّ؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا، والميم حرف دالّ على الجمع. ﴿يُوقِنُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والتقدير: وهم موقنون بالآخرة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ على كونها صلة الموصول، ففيه عطف الجملة الإسمية على الفعلية، وهو جائز. ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. ﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة يشار به للجمع المطلق، في محلّ الرفع مبتدأ، مبني على الكسر؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا، الكاف حرف دال على الخطاب مبني على الفتح. ﴿عَلى هُدىً﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: كائنون على هدى، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافا بيانيّا، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف صفة لهدى، تقديره: على هدى كائن من ربّهم. ﴿وَأُولئِكَ﴾ الواو عاطفة. ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿هُمُ﴾ ضمير

стр. 295

فصل، حرف لا محلّ له من الإعراب. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ، مرفوع بالواو، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ويصحّ أن يعرب ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ أول. ﴿وهُمُ﴾ ضمير لجماعة الذكور الغائبين، في محلّ الرفع مبتدأ ثان ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول معطوفة على الجملة التي قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿الم﴾ هي وأمثالها من الحروف المقطعة، نحو: ﴿المص﴾ و ﴿المر﴾ وغيرها، أسماء مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، وهي موقوفة الآخر، لا يقال: إنّها معربة؛ لأنّها لم يدخل عليها عامل فتعرب، ولا يقال: إنها مبنية؛ لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف المعجم قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، فتقول: هذه ألف حسنة، ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة أسماء العدد إذا عدوا يقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة. وقد اختلف العلماء في المراد بها، كما مرّ بسطه. ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ الكتاب يطلق على معان كثيرة، منها: العقد المعروف بين العبد وسيّده على مال منجّم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾، وعلى الفرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، وعلى الحكم قاله الجوهري، كما في قوله ﷺ : «لأقضينّ بينكما بكتاب الله، كتاب الله القصاص»، وعلى القدر، كما في قوله: يا ابنة عمّي كتاب الله أخرجني ... عنكم وهل أمنعنّ الله ما فعلا أي: قدر الله سبحانه، وعلى مصدر كتبت، تقول: كتبت كتابا وكتبا، ومنه: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وعلى المكتوب، كالحساب بمعنى المحسوب، ومنه قول الشاعر: بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة ... أتتك من الحجّاج يتلى كتابها

стр. 296

ومنه ما هنا. ﴿لا رَيْبَ﴾ الريب: الشكّ بتهمة، وللريب في اللغة ثلاثة معان. أحدها: الشكّ، وهو المراد هنا. وثانيها: التهمة، كما في قول جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني ... فقلت كلانا يا بثين مريب وثالثها: الحاجة، كما قال الشاعر: قضينا من تهامة كلّ ريب ... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا ﴿هُدىً﴾؛ أي: رشاد وبيان، فهو مصدر من هداه، كالسّرى والبكى. اه. «أبو السعود». ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ جمع متّق، وأصله: متّقيين بياءين، الأولى لام الكلمة، والثانية علامة الجمع، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة، وهي الياء الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت إحداهما، هي الأولى، فقيل: للمتقين. ومتّق: اسم فاعل من الوقاية؛ أي: المتخذ له وقاية من النار. اه. «جمل». وأصل هذه الكلمة: موتقيين بوزن مفتعلين؛ لأنّ أصل المادّة من الوقاية، وفعلها: وقى لفيف مفروق، واتقى منه وزنه افتعل، وأصل اتقى أو تقي تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثمّ أبدلت الواو - فاء الكلمة - تاء، وأدغمت في تاء الافتعال على حدّ قول ابن مالك في باب التصريف: ذو اللّين فا تا في افتعال أبدلا ... وشذّ في ذي الهمز نحو ائتكلا وعليه فاسم الفاعل موتقي بوزن مفتعل، أبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء الافتعال، كما تقدّم قريبا، ثم أعلّ إعلال قاض بحذف يائه، وأصل التقوى: وقيا، أبدلت الواو تاء، كما أبدلت الياء واوا فقيل: تقوى بعد أن كانت وقيا، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: من لام فعلى اسما أتى الواو بدل ... ياء كتقوى غالبا جا ذا البدل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يؤمنون على وزن يفعلون بضمّ حرف المضارعة

стр. 297

مضارع آمن الرباعي، أصله: أأمن بوزن أفعل، فكرهوا اجتماع الهمزتين في كلمة، فقلبوا الثانية ألفا. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ مضارع أقام الرباعيّ، وفيه حذف همزة أفعل، إذ القياس إثباتها، وفيه إعلال بالتسكين والقلب، فأصله: يقومون، نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، فسكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياء حرف مدّ، فوزنه يفعلون. وفي «الجمل»: أصله: يؤقومون، حذفت همزة أفعل؛ لوقوعها بعد حرف المضارعة، فصار يقومون بوزن يكرمون، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف، ثمّ قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. اه. «سمين». الصلاة أصله: صلوة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ففيه إعلال بالقلب. وقيل: من الوصلة؛ لأنها وصلة بين العبد وبين ربّه، وعليه فأصلها وصلة، قلبت الواو قلبا مكانيا فصار صلوة، ثمّ يقال: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فيه حذف همزة أفعل من المضارع، إذ القياس: يؤنفقون. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ الآخرة مؤنث الآخر، كما أنّ الدنيا مؤنث الأدنى، ثمّ صارا علمين للدارين. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أصله: ييقنون بياءين؛ لأنّ المادة من اليقين، وفيه همزة أفعل؛ لأنّه من مضارع أيقن، وفيه إعلال بالقلب حيث قلبت الياء الثانية الساكنة واوا؛ لسكونها إثر ضمّة، فجعلت حرف مدّ، وهذا على حدّ قول ابن مالك: ووجب إبدال واو بعد ضمّ من ألف ... ويأكموقن بذاله اعترف ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ جمع مفلح، أصله: مؤفلح بوزن مفعل، ففيه حذف همزة أفلح الرباعي من اسم الفاعل، أصله: المؤفلحون. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: حسن الافتتاح في قوله: ﴿الم﴾ حيث افتتح بما فيه غموض ودقة؛

стр. 298

لتنبيه السامع على النظر، والفكر، والاستنباط. ومنها: الإتيان باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى بعد منزلته ورتبته. ومنها: التعريف بالألف واللام في قوله: ﴿الْكِتابُ﴾ تفخيما لشأنه، وتعظيما لقدره. ومنها: معدول الخطاب في قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، حيث عبّر فيه بصيغة الخبر مرادا به الأمر؛ أي: لا ترتابوا فيه. ومنها: تقديم الريب على الجار والمجرور في هذه الجملة؛ لأنّه أولى بالذكر أوّلا استعددا لصورته حتى تتجسّد أمام السامع. ومنها: المجاز العقليّ في قوله: ﴿هُدىً﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب، حيث أسند الهداية إلى الكتاب والهادي في الحقيقة هو الله . ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الصائرين إلى التقوى، علاقته اعتبار ما يؤول إليه. ومنها: الإيجاز في ذكر المتقين؛ لأنّ الوقاية اسم جامع لكلّ ما تجب الوقاية منه. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لكونهم المنتفعين به. ومنها: إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأنّه بمعنى الغائب مبالغة فيه. ومنها: تقديم ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ اهتماما بشأن المنفق به، أو لرعاية الفاصلة. ومنها: التعبير بضمير جماعة المتكلمين في قوله: ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ مع كون الله واحدا لا شريك له؛ جريا على عادة خطاب الملوك في التعبير عن أنفسهم بصيغة الجمع، كما مرّ في مبحث التفسير.

стр. 299

ومنها: التكرار في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ وَالَّذِينَ﴾ إن كان الموصوف واحدا، فهو تكرار اللفظ والمعنى، وإن كان مختلفا كان من تكرار اللفظ دون المعنى. ومنها: تكرار ﴿أُولئِكَ﴾؛ للدلالة على أنّ كلّ واحد من الحكمين مستبدّ في تميّزهم به من غيرهم، فكيف بهما؟. ومنها: توسيط العاطف بينهما؛ تنبيها على تغايرهما في الحقيقة. ومنها: الفصل بين المبتدأ والخبر في قوله: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ للدلالة على أنّ ما بعده خبر لا صفة، وأنّ المسند ثابت للمسند إليه دون غيره. وفي هذه الجملة أيضا: قصر الصفة على الموصوف؛ لأنّ صفة الفلاح مقصورة عليهم لا تتجاوز إلى من عداهم من اليهود والنصارى، وفي هذه الجملة أيضا: تأكيد المظهر بالمضمر. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿عَلى هُدىً﴾؛ تشبيها لحال المتقين بحال من اعتلى صهوة جواده، فحذف المشبه فاستعيرت كلمة على: الدالّة على الاستعلاء؛ لبيان أنّ شيئا تفوّق واستعلى على ما بعدها حقيقة، نحو: زيد على السطح، أو حكما، نحو: عليه دين، فالدّين للزومه وتحمّله، كأنّه ركب عليه وتحمّله. والدّقّة: أنّ الاستعارة بالحرف، ويقال في تقريرها: شبّه مطلق ارتباط بين هدى ومهدى بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعل عليه؛ بجامع التمكن في كلّ منهما، فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات، ثمّ استعيرت على وهي من جزئيات المشبه به لجزئيّ من جزئيات المشبه على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الحذف، وهو في مواضع: فمنها: قوله هذه: ﴿الم﴾ على قول من يقدر ذلك، وقوله: ﴿هُدىً﴾ أي: هو هدى، فحذف المبتدأ، وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: المال. ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: من القرآن. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: من قبل إرسالك، أو قبل الإنزال إليك. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بجزاء الآخرة.

стр. 300

ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ مع كون بعضه مترقبا حينئذ؛ لتغليب المحقّق على المترقّب نزوله، أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحقّقه منزلة الواقع. ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَلى هُدىً﴾؛ للدلالة على كمال تفخيمه، كأنّه قيل: على هدى أي هدى لا يقادر قدره. ومنها: التعرّض لعنوان الربوبية في قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ للدلالة على تفخيم الموصوف، وشرف المضاف إليهم. ومنها: حسن التقسيم، وهو فنّ من فنون البلاغة، وهو استيعاب المتكلم جميع أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه، بحيث لا يغادر منه شيئا، فقد استوعبت هذه الآيات جميع الأوصاف المحمودة، والعبادات التي يعكف عليها المؤمنون؛ لأنّ العبادات كلّها تنحصر في نوعين: بدنيّة ومالية، ولا بدّ من استيفائهما لتكون العبادات كلّها مستوفاة. فائدة مستجادة: وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث (١): منها: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: «كنت عند النبي ﷺ فجاء أعرابيّ، فقال: يا نبي الله! إنّ لي أخا وبه وجع، فقال: «وما وجعه؟» قال: به لمم، قال: فأتني به، فوضعه بين يديه فعوّذه النبي ﷺ بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوّل سورة البقرة وهاتين الآيتين: وإلهكم إله واحد، وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾، وآية من الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ وآخر سورة المؤمنين ﴿فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾، وآية من سورة الجنّ ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، ﴿وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. فقام الرجل كأنّه لم يشتك قطّ،

стр. 301

وأخرج نحوه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» من طريق عبد الرحمن بن أبي يعلى، عن رجل، عن أبيّ مثله. وأخرج الدارميّ، وابن الضريس عن ابن مسعود قال: (من قرأ أربع آيات من أوّل سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثا من آخر (سورة البقرة) لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا تقرأ على مجنون إلّا أفاق. وأخرج الدارميّ، وابن المنذر، والطبراني عنه قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة، لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح؛ أربع من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتمها: أوّلها ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾. وأخرج سعيد بن منصور، والدارمي والبيهقي عن المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود بنحوه. وأخرج الطبراني، والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة. وقد ورد في ذلك غير هذا. والله أعلم * * *

стр. 302

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾. المناسبة مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أنّ الله لمّا (١) بيّن حال المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وبما أنزل إلى الرسول ﷺ وما أنزل من قبله، وبيّن ما آل إليه أمرهم من الهداية والفلاح، أعقب هذا بشرح طائفة ثانية، وهم الكفرة الفجرة، وأبان أنّه قد بلغ من أمرهم في الغواية والضلال أن لا يجدي فيهم الإنذار والتبشير، وأن لا تؤثّر فيهم العظة والتذكير، فهم عن الصراط السوي ناكبون، وعن الحق معرضون. فالإنذار وعدمه سيّان، فماذا ينفع النور مهما سطع، والضوء مهما ارتفع؟ مع من أغمض عينيه حتى لا يراه بغضا له وعداوة لمن دعا إليه، لأنّ الجهل أفسد وجدانه، وأصبح لا يميّز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضارّ. وقد جرت عادة الله في مثل هؤلاء الذين مرنوا على الكفر أن يختم على قلوبهم، فلا يبقي فيها استعدادا لغير الكفر، ويختم على سمعهم، فلا يسمعون إلّا أصواتا لا ينفذ منها إلى القلب شيء ينتفع به، ويجعل على أبصارهم غشاوة، إذ هم لم ينظروا إلى ما في الكون من آيات وعبر، ولم يبصروا ما به يتقون الخطر، فكأنّهم لا يبصرون شيئا، وكأنّه قد ضرب على أبصارهم بغشاوة. وقد حكم الله سبحانه عليهم بالعذاب الأليم في العقبى، وفقد العزّ والسلطان في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 303

أسباب النزول روي: أنّ هاتين الآيتين نزلتا في من علم الله عدم إيمانه من الكفار، إما مطلقا، وإما في طائفة مخصوصة، كأبي جهل، وأبي لهب، وغيرهما من كفار مكة. والحكمة في إخبار الله سبحانه نبيّه ﷺ بذلك؛ إراحة قلبه من تعلّقه بإيمانهم، فلا يشغل بهدايتهم ولا تأليفهم. قال أبو حيان: وذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين أقوالا: أحدها: أنّها نزلت في يهود كانوا حول المدينة، قاله ابن عباس، وكان يسميهم. الثاني: نزلت في قادة الأحزاب من مشركي قريش، قاله أبو العالية. الثالث: في أبي جهل، وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. الرابع: في أصحاب القليب، وهم: أبو جهل، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. الخامس: في مشركي العرب قريش، وغيرها. السادس: في المنافقين. والحكمة في عدم الدعاء منه عليهم مع علمه بأنّه يستحيل إيمانهم، أنّه يرجو الإيمان من ذرّيتهم. التفسير وأوجه القراءة ٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا، وأنكروا بآيات الله، وكذبوا برسوله محمد ﷺ وأصرّوا، وداموا على ذلك. ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: مستو عندهم في عدم الإفادة، إنذارك وتخويفك يا محمد إياهم من عذاب الله على كفرهم، وعدم إنذارك إيّاهم. فهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدّقون بما جئتهم به من التوحيد، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ لأنّه قد سبق في علمنا عدم إيمانهم بك. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ على تكذيب قومه له.

стр. 304

لمّا ذكر سبحانه خاصّة عباده، وخالصة أوليائه بصفاتهم التي أهّلتهم للهدى والفلاح، أعقبهم بأضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يغني عنهم الآيات والنذر. وتعريف الموصول: إمّا للعهد، والمراد به: ناس بأعيانهم، كأبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحبار اليهود، أو للجنس متناولا كلّ من صمّم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم، فخصّ منهم غير المصرّين بما أسند إليه. والكفر لغة: الستر والتغطية، ومنه سمي الليل كافرا، لأنّه يستر الأشياء بظلمته. قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها أي: سترها. وشرعا: إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ به. واعلم: أنّ الكفر على أربعة أضرب (١): كفر إنكار: وهو أن لا يعرف الله سبحانه أصلا، ككفر فرعون، حيث قال: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾. وكفر جحود: وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقرّ بلسانه، ككفر إبليس اللعين. وكفر عناد: وهو أن يعرف الله بقلبه، ويقرّ بلسانه، ولا يدين به، ككفر أمية ابن أبي الصلت، وأبي طالب، حيث قال في شعر له: ولقد علمت بأنّ دين محمد ... من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتّني سمحا بذاك مبينا وكفر نفاق: وهو أن يقرّ بلسانه، ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه، فجميع هذه الأنواع كفر.

стр. 305

وحاصله (١): أنّ من جحد الله سبحانه، أو أنكر وحدانيته، أو أنكر شيئا مما أنزله على رسوله، أو أنكر نبوة محمد ﷺ ، أو نبوة أحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو كافر، فإن مات على ذلك فهو في النار خالدا فيها، ولا يغفر الله سبحانه له. والمراد بالذين كفروا هنا: من علم الله سبحانه أنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم حتى أصبحوا غير مستعدّين للإيمان بجحودهم بالنبي ﷺ ، وبما جاء به بعد أن بلغتهم رسالته بلاغا صحيحا، وعرضت عليهم الدلائل على صحتها للنظر والبحث، فأعرضوا عنها عنادا واستهزاء. وسبب كفرهم: إما عناد للحق بعد معرفته، وقد كان من هذا الصنف جماعة من المشركين واليهود في زمن النبي ﷺ ، كأبي جهل وأضرابه، وأحبار اليهود، ككعب بن الأشرف وإما إعراض عن معرفته، واستكبار عن النظر فيه. والمعرضون عن الحقّ يوجدون في كلّ زمان ومكان، وهؤلاء إذا طاف بهم طائف الحقّ لوّوا رؤوسهم، واستكبروا، وهم معرضون، وفيهم يقول ﵎: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي (٢): مستو عند هؤلاء الكفرة، وهو اسم مصدر بمعنى الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر مبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾. وارتفاعه على أنّه خبر إنّ، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مرتفع على الفاعلية بسواء؛ لأنّ الهمزة وأم مجرّدتان عن معنى الاستفهام؛ لتحقيق معنى الاستواء بين مدخوليهما، كما جرّد الأمر والنهي عن معنييهما؛ لتحقيق معنى الاستواء في قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كأنّه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، كقولك: إن

стр. 306

زيدا مختصم أخوه وابن عمّه. وقيل: ﴿سَواءٌ﴾ خبر مقدم للمصدر المنسبك من الجملة التي بعده من غير سابك لإصلاح المعنى، وخبر إنّ جملة قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآتية، وجملة ﴿سَواءٌ﴾ معترضة بين اسم إنّ وخبرها. وصحّ على هذا القول الابتداء بالفعل والإخبار عنه بسواء؛ هجرا لجانب اللفظ إلى جانب المعنى، كأنّه قيل: إنذارك إياهم وعدمه سواء، كقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: سماعك به خير من رؤيته. وأصل الإنذار: الإعلام بأمر مخوف، وكلّ منذر معلم، وليس كلّ معلم منذرا، كما في «تفسير أبي الليث»، والمراد ههنا: التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي، وإنّما اقتصر على الإنذار دون التبشير؛ لمّا أنّهم ليسوا بأهل للبشارة أصلا؛ ولأنّ الإنذار أوقع في القلوب، وأشدّ تأثيرا في النفوس، فإنّ دفع المضار أهمّ من جلب المنافع، فحيث لم يتأثّروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا أولى. فإن قلت: لم حذف الواو هنا، وأثبت في (يس) حيث قال فيها: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؟ قلت: لأنّ (ما) هنا جملة هي خبر عن اسم إنّ، و (ما) هناك جملة عطفت على أخرى، فبينهما فرق. وإنما لم يقل: (سواء عليك)، كما قال لعبدة الأوثان: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾، لأنّ إنذارك، وترك إنذارك ليسا سواء في حقّك؛ لأنّك تثاب على الإنذار وإن لم يؤمنوا، وأمّا في حقّهم فهما سواء في عدم الإفادة؛ لأنّهم لا يؤمنون في الحالين، وهو نظير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنّه يثاب به الآمر وإن لم يمتثل المأمور. وكان هؤلاء القوم، كقوم هود ﵇ حيث قالوا له: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾. وقوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ جملة مستقلّة على الوجه الأول، مؤكدة لما قبلها، مبيّنة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء، فلا محلّ لها من الإعراب، أي: موضحة لتساوي الإنذار وعدمه في حقّهم لا في حقّه ﷺ ، ولا في حقّ الدّعاة إلى دينه، إذ هم يدعون كلّ كافر إلى الدين الحقّ، لا فرق بين المستعدّ للإيمان وغير

стр. 307

المستعد. أو حال مؤكدة، أو بدل منه، أو خبر إن، والجملة قبلها اعتراض بما هو علّة الحكم. ثّم هذا تيئيس للنبي ﷺ ، وتفريغ لقلبه، حيث أخبره عن هؤلاء بما أخبر به نوحا ﵇ في الانتهاء، فإنّه قال تعالى لنوح ﵇ بعد طول الزمان، ومقاساة الشدائد والأحزان: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، فدعا بهلاكهم بعد ذلك، وكذلك سائر الأنبياء. وفي الآية الكريمة: إخبار بالغيب على ما هو به، إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة. وفي الآية: إثبات فعل العبادة، فإنّه قال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، وفيه إثبات الاختيار، ونفي الإكراه، والإخبار، فإنّه لم يقل: لا يستطيعون، بل قال: لا يؤمنون. فإن قلت (١): حين علم الله أنهم لا يؤمنون، فلم أمر النبي ﷺ بدعائهم؟ قلت: فائدة الإنذار بعد العلم: بأنّه لا ينجع إلزام الحجة، كما أنّ الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان، وعلم أنّه لا يؤمن، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾. فإن قلت: قد أخبر الله رسوله أنّهم لا يؤمنون، فهلّا أهلكهم كما أهلك قوم نوح ﵇، بعدما أخبره أنّهم لا يؤمنون؟ قلت: لأنّ النبي ﷺ كان رحمة للعالمين، كما ورد به الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. والآية (٢) مما احتّج به من جوّز تكليف ما لا يطاق، فإنّه

стр. 308

أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون، وأمرهم بالإيمان، فلو آمنوا انقلب خبره كذبا، وشمل إيمانهم الإيمان بأنّهم لا يؤمنون، فيجتمع الضدّان، والحقّ أنّ التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلا من حيث إنّ الأحكام لا تستدعي غرضا سيّما الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء والإخبار بوقوع الشيء، أو عدمه لا ينفي القدرة عليه، كإخباره سبحانه عمّا يفعله هو أو العبد باختياره، فلا يلزم جواز تكليف ما لا يطاق. وقال صاحب اللوامح (١): قرأ الجحدريّ ﴿سَواءٌ﴾ بتخفيف الهمزة على لغة الحجاز، فيجوز أنّه أخلص الواو، ويجوز أنّه جعل الهمزة بين بين، وهو أن يكون بين الهمزة والواو، وفي كلا الوجهين لا بدّ من دخول النقص فيما قبل الهمزة المليّنة من المدّ. انتهى. فعلى هذا: يكون ﴿سَواءٌ﴾ ليس لامه ياء، بل واوا، فيكون من باب قواء. وعن الخليل: ﴿سوء عليهم﴾ بضمّ السين مع واو بعدها مكان الألف، مثل ﴿دائرة السوء﴾ على قراءة من ضمّ السين، وفي ذلك عدول عن معنى المساواة إلى معنى القبح والسّبّ، ولا يكون على هذه القراءة له تعلّق إعراب بالجملة بعدها، بل يبقى قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ إخبارا بانتفاء إيمانهم على تقدير إنذارك، وعدم إنذارك، وأمّا سواء الواقع في الاستثناء في قولهم: (قاموا سواك) بمعنى: قاموا غيرك، فهو موافق لهذا في اللفظ مخالف في المعنى، فهو من باب المشترك، وله أحكام ذكرت في باب الاستثناء. وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فيه خمس قراءات سبعيّة (٢): الأولى: تحقيق الهمزتين مع إدخال ألف؛ أي: مدّ طبيعيّ بينهما. والثانية: تحقيق بلا إدخال ألف بينهما.

стр. 309

والثالثة: تسهيل الثانية، وهو أن تكون بين الهمزة والهاء مع إدخال ألف بين المسّهلة والأخرى. والرابعة: تسهيل الثانية بلا إدخال ألف بين المسّهلة والأخرى. والخامسة: إبدال الثانية ألفا؛ أي: مدّا لازما، وقدره سّت حركات خلافا للبيضاوي، حيث قال: إنّ قراءة الإبدال لحن؛ لوجهين: الأوّل: أنّ الهمزة المتحركة لا تبدل ألفا. والثاني: أن فيه التقاء الساكنين على غير حدّه. وردّ عليه ملّا علي القاري: بأنّ القراءة متواترة عن رسول الله ﷺ ومن أنكرها كفر، فيستدلّ بها لا لها. وأما قوله: إنّ الهمزة المتحركة لا تبدل ألفا في القلب القياسيّ، وأمّا السماعّي كما في سأل، ومنسأته، فلا لحن فيه؛ لأنّه يقتصر فيه على السماع. وقوله: فيه التقاء الساكنين على غير حدّه نقول: سهّله طول المدّ والسماع اه. صاوي بتصرف، وسيأتي بسطه في مبحث القراءة. وفي «الجمل»: قال الجعبريّ (١): وجه الإبدال المبالغة في التخفيف، إذ في التسهيل قسط همز. قال قطرب: هي قرشيّة وليست قياسيّة، لكنها كثرت حتى اطّردت، وأما تعليلهم بأنّه يؤدّي إلى جمع الساكنين على غيره، فمدفوع بأنّ من يقلبها ألفا يشبع الألف إشباعا زائدا على مقدار الألف بحيث يصير المدّ لازما، فيكون فاصلا بين الساكنين، ويقوم قيام الحركة، كما في ﴿مَحْيايَ﴾ بإسكان الياء لنافع وصلا، ويسمّي هذا حاجزا. وقد أجمع القراء وأهل العربية على إبدال الهمزة المتحركة الثانية في نحو: الآن، ثم اعلم أنّ موافقة العربية؛ إنما هي شرط لصحة القراءة، إذا كانت بطريق الآحاد، وأما إذا ثبتت متواترة فيستشهد بها لا لها، وإنّما ذكرنا ما ذكر؛ تفهيما للقاعدة، وتتميما للفائدة اه. ٧ - ثمّ بيّن سبب تركهم الإيمان، فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ ، وقفّل

стр. 310

﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وطبع عليها، وطمس (١) نور بصيرتهم بحيث لا تعي خبرا ولا تفهمه، فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها إيمان. وذلك أنّ القلوب إذا كثرت عليها الذنوب طمست نور البصيرة فيها، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص. والمراد بالختم هنا: عدم وصول الحقّ إلى قلوبهم، وعدم نفوذه واستقراره فيها. وهذه الجملة مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما سبق من الحكم، وهو عدم إيمانهم. وأصل الختم (٢): التغطية، وحقيقته: الاستيثاق من الشيء؛ لكي لا يخرج منه ما حصل فيه، ولا يدخله ما خرج منه. ومنه: ختم الكتاب ولا ختم في الحقيقة، وإنما المراد به: أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات، بسبب غيّهم، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ إليها الحقّ أصلا. وسمّى هذه الهيئة: ختما على سبيل الاستعارة، فالمراد بالقلب هنا: محلّ القوة العاقلة من الفؤاد. وقد يطلق ويراد به: المعرفة والعقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. والمراد (٣) بالقلب هنا: جسم لطيف قائم بالقلب اللحمانيّ، الصنوبري الشكل، قيام العرض بمحله، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب: هو الذي يحصل به الإدراك، وترتسم فيه العلوم والمعارف، وهو العقل، بخلاف القلب الذي بمعنى اللحمة الصنوبرية الشكل، فإنّها للبهائم والأموات. ﴿وَ﴾ ختم الله ﴿عَلى سَمْعِهِمْ﴾ وآذانهم؛ أي: أصمّ مواضع سمعهم، فجعلها بحيث تعاف استماع الحقّ، ولا تصغي إلى خير، ولا تعيه، ولا تقبله. والختم عقوبة لهم على سوء اختيارهم، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم إياه. والسمع هو: إدراك القوة السامعة، وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها،

стр. 311

وهو المراد هنا؛ لأنّه أشدّ مناسبة للختم، وهو المختوم عليه أصالة. والمعنى: أصمّ مواضع سمعهم، فلا يسمعون الحقّ، ولا ينتفعون به: لأنّها تمّجه، وتنبو عن الإصغاء إليه. وقرىء شاذا ﴿وعلى أسماءهم﴾، كما سيأتي في مبحث القراءة. وإنّما أفرده وجمع صاحبيه؛ لأنّه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقيل: أفرده لوحدة المسموع، وهو الصوت، كذا في «الجمل». وفي «الروح»: وفي توحيد السمع وجوه (١): أحدها: أنّه في الأصل مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع؛ لصلاحيتها للواحد والاثنين والجماعة. فإن قلت: فلم جمع الأبصار والواحد بصر، وهو كالسمع؟ قلنا: إنّه اسم للعين، فكان اسما لا مصدرا فجمع لذلك. وثانيها: أنّ فيه إضمارا، أي: على مواضع سمعهم وحواسّه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها. وثبت هذا الإضمار بدلالة أنّ السمع فعل، ولا يختم على الفعل، وإنّما يختم على محله. وثالثها: أنّه أراد سمع كلّ واحد منهم، والإضافة إلى الجمع تغنى عن الجمع، وفي التوحيد أمن اللبس، كما في قول الشاعر: كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص أي: في أنصاف بطونكم، إذا البطن لا يشترك فيه. ورابعها: قول سيبويه: أنّه توسّط بين جمعين، فدلّ على أنّه جمع معنى وإن توّحد لفظا، كما في قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾، دلّ على الأنوار ذكر الظلمات.

стр. 312

وتقديم ختم قلوبهم؛ للإيذان بأنّها الأصل في عدم الإيمان، وتقديم حال السمع على حال أبصارهم؛ للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك الحال. قالوا: السمع أفضل من البصر؛ لأنّه تعالى حيث ذكرهما، قدّم السمع على البصر، ولأنّ السمع شرط النبوة، ولذلك ما بعث الله تعالى رسولا أصمّ، ولأنّ السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف إلى تتلقّف من أصحابها. وقوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، فالوقف عليه تامّ، وما بعده جملة اسمية. وقوله: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ﴾ خبر مقدم، جمع بصر، وهو إدراك العين، وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضوين، وهو المراد ههنا؛ لأنّه أشدّ مناسبة للتغطية. ﴿غِشاوَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، أي: غطاء عظيم، وساتر جسيم، فلا يبصرون الحقّ، وفي الحقيقة لا تغشية، وإنّما المراد بها: إحداث حالة تجعل أبصارهم بسبب كفرهم لا تجتلي الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق، كما تجتليها أعين المستبصرين، وتصير كأنّها غطّي عليها، وحيل بينها وبين الإبصار. ومعنى التنكير: أنّ على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس، وهي غشاوة التعامي عن الآيات. ولما اشترك السمع والقلب في الإدراك من جميع الجوانب، جعل ما يمنعهما من خاصّ فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما كان مما اختصّ بجهة المقابلة، جعل المانع لها من فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة. وإنّما خصّ هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر؛ لأنّها طرق للعلم، فالقلب محلّ العلم، وطريقه: إما السماع، وإما الرؤية. اه. كرخي. وقال في «التيسير»: إنّما ذكر في الآية القلوب، والسمع، والأبصار؛ لأنّ الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحقّ، كما قال تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ اهـ. ﴿وَلَهُمْ﴾ أي: ولهؤلاء الكفار المذكورين في الآخرة ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: عذاب شديد دائم لا ينقطع بسبب كفرهم وتكذيبهم بآيات الله تعالى. والعذاب

стр. 313

كالنكال وزنا ومعنى، وهو إيصال الآلام إلى الحيوان على وجه الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب. يقال: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه، وسمّي العذاب عذابا، لأنّه يمنع عن الجناية إذا تأمّل العاقل فيها، ومنه الماء العذب، لما أنّه يقمع العطش، أي: يكسره ويردعه بخلاف الملح فإنّه يزيده. وقيل: إنمّا سمّي به؛ لأنّه جزاء ما استعذبه المرء بطبعه؛ أي: استطابه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾، وإنما يذاق الطيب على معنى: أنّه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا. والعظيم (١): نقيض الحقير، والكبير: نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أنّ الحقير دون الصغير. قال في «التيسير»: ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: كبير، أو كثير، أو دائم، وهو التعذيب بالنار أبدا، ثمّ عظمه بأهواله، وبشدة أحواله، وكثرة سلاسله وأغلاله. فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقّونه في الآخرة. وقيل: هو القتل والأسر في الدنيا، والتحريق بالنار في العقبى. ومعنى التوصيف بالعظيم: أنّه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه، ومعنى التنكير: أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه إلّا الله ، فعلى العاقل أنّ يجتنب عمّا يؤدّي إلى العذاب الأليم، والعقاب العظيم، وهو الإصرار على الذنوب، والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب. وأمّهات الخطايا ثلاث: الحرص، والحسد، والكبر. فحصل من هؤلاء سّت خصال، فصارت جملتها تسعا: الشبع، والنوم، والراحة، وحّب المال، وحبّ الجاه، وحبّ الرياسة. فحّب المال والرياسة من أعظم ما يجرّ صاحبه إلى الكفر والهلاك. وظاهر قوله تعالى (٢): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أنّه إخبار من الله تعالى بختمه، وحمله بعضهم على أنّه دعاء عليهم، وكنى بالختم على القلوب عن كونها لا تقبل شيئا من الحقّ ولا تعيه؛ لإعراضها عنه، فاستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول،

стр. 314

أو مثّل القلب بالوعاء الذي ختم عليه؛ صونا لما فيه، ومنعا لغيره من الدخول إليه. والأول مجاز بالاستعارة، والثاني مجاز بالتمثيل. وتكرير حرف الجرّ في قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ يدلّ على أنّ الختم ختمان، أو على التوكيد إن كان الختم واحدا، فيكون أدلّ على شدّة الختم. وقرأ ابن أبي عبلة (١): ﴿وعلى أسماعهم﴾، فطابق في الجمع بين القلوب، والأسماع، والأبصار. وقرأ الجمهور ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ على التوحيد، إمّا لكونه مصدرا في الأصل، فلمح فيه الأصل، وإمّا اكتفاء بالمفرد عن الجمع؛ لأنّ ما قبله وما بعده يدلّ على أنّه أريد به الجمع. وقرأ الكوفيون، وابن ذكوان وروح، عن يعقوب وخلف العاشر قوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين، وهو الأصل. وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلبا للتخفيف؛ فقرأ قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية بينها وبين الألف مع إدخال ألف بينهما، وقرأ ابن كثير ورويس عن يعقوب بتسهيل الهمزة الثانية من غير إدخال ألف بينهما، ولهشام وجهان: الأول: تحقيق الهمزتين مع إدخال ألف بينهما وهي قراءة ابن عباس، وابن أبي إسحاق، والثاني: التسهيل مع إدخال الألف. ولورش عن نافع أيضا وجهان: الأول: كابن كثير ورويس، والثاني: إبدال الثانية ألفا مع المد المشبع فيلتقي ساكنان على غير حدهما وقد أنكر هذه القراءة الزمخشري، وزعم أنّ ذلك لحن وخروج عن كلام العرب من وجهين، وقد مرّ لنا ذكر الوجهين مع الرد عليهما، فراجعه. وما قاله الزمخشري هو مذهب البصريين. وقد أجاز الكوفيون الجمع بين الساكنين على غير الحد الذي أجازه البصريون. وقراءة ورش صحيحة النقل، لا تدفع باختيار المذاهب، ولكن عادة هذا الرجل إساءة الأدب على أهل الأداء ونقلة القرآن. وقرأ الزهري، وابن محيصن ﴿أنذرتهم﴾ بهمزة واحدة حذفا الهمزة الأولى؛ لدلالة المعنى عليها، ولأجل ثبوت ما عادلها، وهو ﴿أَمْ﴾ وقرأ أبيّ أيضا (٢): بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم

стр. 315

الساكنة قبلها، والمفعول الثاني لأنذر محذوف؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: أأنذرتهم العذاب على كفرهم أم لم تنذرهموه. وقد قرىء ﴿أَبْصارِهِمْ﴾ بالإمالة، وهي جائزة، لأنّه قد غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء، إذ لولاها لما جازت الإمالة، وهذا بتمامه مذكور في كتب النحو. وقرأ الجمهور ﴿غشاوة﴾ بكسر الغين ورفع التاء، وكانت هذه الجملة ابتدائية؛ ليشمل الكلام الإسنادين: إسناد الجملة الفعلية، وإسناد الجملة الابتدائية. فيكون ذلك آكد؛ لأنّ الفعلية تدلّ على التجدّد والحدوث، والاسمية تدلّ على الثبوت والدوام، وكان تقديم الفعلية أولى، لدلالتها على أنّ ذلك قد وقع وفرغ منه. قال الفرّاء (١): أما قريش وعامّة العرب، فيكسرون الغين من ﴿غشاوة﴾، وعكل يضمّون الغين، وبعض العرب يفتحها، وأظنّها لربيعة. وروى الفضل عن عاصم ﴿غشاوة﴾ بالنصب على تقدير: جعل على أبصارهم غشاوة، أو على (٢) عطف ﴿أَبْصارِهِمْ﴾ على ما قبله، ونصب ﴿غِشاوَةٌ﴾ على حذف حرف الجر؛ أي: بغشاوة، وهو ضعيف. قال أبو علي: وقراءة الرفع أولى؛ لأنّ النصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، يكون الكلام عليه من باب: علفتها تبنا وماء باردا. ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. وقرأ الحسن باختلاف عنه، وزيد بن عليّ ﴿غشاوة﴾ بضمّ الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلّا أنّه رفع التاء. وقرأ ﴿بعضهم﴾ غشاوة بالكسر والرفع. وقرأ بعضهم ﴿غشاوة﴾ بالفتح والرفع والنصب، وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش. قال الثوري: وكان أصحاب عبد الله يقرؤونها ﴿غشية﴾ بفتح الغين والياء والرفع، وقال يعقوب ﴿غشاوة﴾ بالضمّ لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراء. وقرأ بعضهم ﴿عشاوة﴾ بالعين المهملة المكسورة والرفع، من العشي، وهو شبه العمى في العين. وقال بعض المفسرين: وأصوب هذه القراءات المقروء بها: ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة.

стр. 316

وحاصل معنى الآية: أنّ الله (١) ضرب مثلا لحال قلوب أولئك القوم، وقد تمكّن الكفر فيها حتى امتنع أن يصل إليها شيء من الأمور الدينية النافعة لها في معاشها ومعادها، وحيل بينها وبينه، بحال بيوت معدّة؛ لحلول ما يأتي إليها مما فيه مصالح مهمّة للناس، لكنّه منع ذلك بالختم عليها، وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله. فقد حدث في كلّ منهما امتناع دخول شيء بسبب مانع قويّ، وكذلك حدث مثل هذا في الأسماع، فلا تسمع آيات الله المنزلة سماع تأمّل وتدبّر، وجعل على الأبصار غشاوة، فلا تدرك آيات الله المبصرة في الآفاق والأنفس الدالّة على الإيمان، ومن ثمّ لا يرجى تغيير حالهم، ولا أن يدخل في قلوبهم الإيمان. الإعراب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب اسمها، مبنيّ على الفتح. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والألف تكتب؛ للفرق بين واو الضمير وبين واو جزء الكلمة في غير الرسم العثماني، وفرقا بين المتطرّفة والمتوّسطة في الرسم العثماني. والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿سَواءٌ﴾ خبر مقدم، أو خبر إنّ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بسواء؛ لأنّه اسم مصدر لاستوى الخماسّي. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الهمزة في أصلها للاستفهام، ولكن سحبت معناها الأصلي، فجعلت للتسوية؛ لوقوعها بعد سواء. ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي: أنذرتهم العذاب، والجملة من الفعل والفاعل في تأويل مصدر من غير سابك؛ لإصلاح المعنى، مرفوع على كونه مبتدأ مؤخّرا لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا إنذارك إياهم وعدم إنذارك إياهم سيّان عندهم. والجملة من المبتدأ المؤخّر وخبره المقدم في محلّ الرفع خبر إنّ، وجملة إنّ مستأنفة، أو في تأويل مصدر مرفوع

стр. 317

على كونه فاعلا لسواء، الذي أجري مجرى المصادر في عمله عمل الفعل، والتقدير: إنّ الذين كفروا مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه. ويجوز أن يكون سَواءٌ مبتدأ، سوّغ الابتداء بالنكرة عمله في الجار والمجرور، والمصدر المنسبك مما بعدها خبرها، وجملة ﴿سَواءٌ﴾ معترضة، لا محلّ لها من الإعراب، لاعتراضها بين اسم إنّ وخبرها، وهو جملة قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآتية، وفي «الصاوي»: وعلى ما ذكرنا هنا فقولهم: الفعل لا بدّ له من سابك قاعدة أغلبية. وقيل: السابك هنا الهمزة؛ لأنّ بعض النحاة جعل السابك للفعل ستة، وعدّ منها هذه الهمزة، كما ذكره الفاسيّ في «حاشيته على الألفيّة». ﴿أَمْ﴾ عاطفة متصلة؛ لوقوعها بعد همزة التسوية. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول وفاعل مستتر مجزوم بلم، والثاني محذوف، تقديره: العذاب. والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، أو على الفاعلية، أو على الخبرية لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا، إنذراك إياهم العذاب، وعدم إنذارك إياهم سواء في عدم الإفادة لهم. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنّ، أو خبر بعد خبر لها، أو في محل النصب حال من ضمير عليهم، أو مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها، لا محلّ لها من الإعراب، والتقدير: على كونها خبرا؛ لأنّ إنّ الذين كفروا عادمون الإيمان بك، لما سبق في علمي من كفرهم فلا تأس عليهم، وإنذراك إياهم وعدمه سواء عليهم، لا ينتفعون به. وجملة إنّ مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾. ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة؛ لتعليل عدم إيمانهم. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بختم. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله. وَعَلى أَبْصارِهِمْ الواو عاطفة. ﴿عَلى أَبْصارِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ﴾ مبتدأ مؤخّر والجملة معطوفة على جملة ﴿خَتَمَ﴾ عطف اسمية على فعلية، كما مرّ. ﴿وَلَهُمْ﴾

стр. 318

الواو عاطفة ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لعذاب، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ختم أيضا على كونها مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها. فصل في هاء الضمير نحو: (عليهم، وعليه، وفيه، وفيهم). وإنّما أفردناه بالفصل؛ لكثرة تكرّره في القرآن، والأصل في هذه الهاء الضمّ؛ لأنّها تضمّ بعد الفتحة والضمة والسكون، نحو: (أنّه، وله، وجاء غلامه، ويسمعه، ومنه). وإنما يجوز كسرها بعد الياء، نحو: (عليهم وأيديهم)، وبعد الكسر، نحو: (به وبداره). وضمّها في الموضعين جائز، لأنّه في الأصل كما قرأ به حفص بعد الياء في قوله تعالى: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾. وإنّما كسرت في الموضعين؛ لتجانس ما قبلها من الياء والكسرة، وبكلّ من الضمّ والكسر قد قرىء. انتهى من «العكبري». فوائد: ١ - همزة التسوية هي الواقعة بين سواء وبعد ما أبالي، وما أدري، وليت شعري. وضابطها: أنّها الهمزة التي تدخل على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها، كما رأيت. ٢ - أم: لها حالان: أ - متصلة وهي منحصرة في نوعين؛ وذلك لأنّها: إما أن تتقدم عليها همزة التسوية، كما في الآية، أو همزة يطلب بها وبأم التعيين، نحو: أزيد في الدار أم عمرو، وسمّيت متصلة؛ لأنّ ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمّى أيضا معادلة؛ لمعادلتها الهمزة في النوع الأول، إذ كلتاهما تفيد التسوية. ب - منقطعة: وهي المسبوقة بالخبر المحض، نحو: قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾. وسمّيت منقطعة؛

стр. 319

لانقطاع ما بعدها عمّا قبلها، فكلّ منهما كلام مستقل لا ارتباط له بالآخر. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَواءٌ﴾ فيه إعلال بالإبدال، فأصله: سواي، أبدلت الياء همزة؛ لتطرفها إثر ألف زائدة، وهو اسم مصدر بمعنى الاستواء، أجري مجرى المصادر، فلذلك لا يثنّى ولا يجمع. قالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى قالوا: سيّان، وإن شئت قلت سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وأيضا على غير القياس: هم سواسي وسواسية؛ أي: هما متساويان وهم متساوون. والسّواء: العدل الوسط بين حديثين يقال: ضرب سواءه، أي: وسطه، وجئته في سواء النهار؛ أي: في منتصفه. وإذا كانت سواء بعد همزة التسوية، فلا بدّ من (أم) اسمين كانت الكلمتان أم فعلين. وإذا كان بعدها فعلان بغير همزة التسوية، عطف الثاني بأو، نحو: سواء عليّ قمت أو قعدت، وإذا كان بعدها مصدران عطف الثاني بالواو أو بأو، نحو سواء عليّ قيامك وقعودك، وقيامك أو قعودك. وقوله: ﴿أأنذرتهم﴾ قراءة ورش بإبدال همزة التعدية حرف مدّ مجانسا لحركة همزة الاستفهام المفتوحة في رواية عنه، وعليه يكون في الكلمة إبدال حرف بحرف، وذلك نوع من التصريف، كما هو معروف، وقس على هذا اللفظ كلّ ما شابهه مما اجتمعت فيه همزتان: إحداهما للاستفهام والثانية للتعدية. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ والختم الكتم، سمّي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ لأنّه ختم له، وبلوغ آخره، ومنه ختم القرآن. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جمع قلب، وهو الفؤاد، سمّي قلبا؛ لتقلّبه في الأمور، ولتصرّفه في الأعضاء، كما قال بعضهم: وما سمّي الإنسان إلّا لنسيه ... وما القلب إلّا أنّه يتقلّب وفي «تفسير الشيخ»: القلب: قطعة لحم مشكّل بالشكل الصنوبري معلّق بالوتين مقلوبا، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه، ويقال: الأبهر. وفي «تفسير الكواشي» القلب: قطعة سوداء في الفؤاد، وزعم بعضهم: أنّه الشكل

стр. 320

الصنوبري المعلّق بالوتين مقلوبا. وفي «تعريفات السيّد»: القلب لطيفة ربّانية، لها بالقلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلّق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، والمراد بالقلب في الآية: محلّ القوة العاقلة من الفؤاد، كما مرّ. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ والسمع: هو إدراك القوة السامعة، وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا، كما مرّ. ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ﴾ جمع بصر، وهو إدراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة. ﴿غِشاوَةٌ﴾ وهو فعالة من غشاه، أو غشيه إذا غطّاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة. ويجوز في الغين الكسر، والضمّ والفتح. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ﴾ والعذاب: العقوبة. يقال: أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، وسمّي العذاب عذابا، لأنّه يمنع من الجناية إذا تأمّل فيها العاقل. ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: قوي شديد، ومنه: العظم. والعذاب: إيصال الألم إلى الحيّ هوانا وذلّا، كما مرّ. والعظيم: ضدّ الحقير، وفعيل له معان كثيرة، يكون اسما وصفة، والاسم: إما مفرد أو جمع، والمفرد: إما اسم معنى أو اسم عين، نحو: قميص، وظريف، وصهيل، وكليب جمع كلّب، ويكون اسم فاعل من فعل المضموم، نحو: عظيم من عظم، ومبالغة في فاعل، نحو: عليم في عالم، وبمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، ومفعل، كسميع بمعنى مسمع، ومفاعل، كجليس بمعنى مجالس، ومفتعل، كبديع بمعنى مبتدع، ومنفعل، كسعير بمعنى منسعر، وفعل، كعجيب بمعنى عجب، وفعال، كصحيح بمعنى صحاح، وبمعنى الفاعل والمفعول، كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ، وبمعنى الواحد والجمع، نحو: خليط، وجمع فاعل، كغريب جمع غارب. اه. «سمين». البلاغة وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الخطاب العام: اللفظ الخاص المعنى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذا أريد بهم أشخاص معيّنون.
следующие страницы →