← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله لمَّا (١) فرغ من محاجة اليهود وإقامة الحجة عليهم، وهم قد غلوا في تحقير عيسى وإهانته وكفروا به .. ذكر هنا محاجة النصارى خاصة، ودحض شبهاتهم، وهم قد غلوا في تعظيم عيسى وتقديسه، كما دحض شبهات اليهود فيما سلف. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله (٢) لمّا حاجّ أهل الزيغ والضلال جميعًا، فحاجّ النصارى في الآية السابقة، وحاج اليهود في الآية التي قبلها، وحاجّ المنافقين

стр. 2872

والمشركين أثناء السورة، وفي سور كثيرة غيرها، وأقام الحجة عليهم جميعًا، وظهرت نبوةُ محمَّد ﷺ ظهورَ الشمس في رابعة النهار .. نادى الناس كافةً، ودعاهم إلى اتّباع برهانه، والاهتداء بنوره. قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ...﴾ الآية, مناسبتها لآخر السورة: أنَّ الله (١) لما تكلم في أول السورة في أحكام الأموال من الإرث وغيره .. ختم آخرها بهذه الآية؛ ليتشاكل المبدأ والمقطع، والوسط مشتملٌ على المناظرة مع فرق المخالفين للدين، وكثيرًا ما يقع ذلك في السور. ورُوي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّه قال في خطبته: ألا إنَّ آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه مسلم عن محمَّد بن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله ﵁ قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب علي من وضوئه، فأفقت وقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا، حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والطيالسي، وابن الجارود، وأبو نعيم. وروى ابن عبد الرزاق وابن جرير عن ابن سيرين قال (٢): نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ والنبي ﷺ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها النبي ﷺ حذيفة، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب، وهو يسير خلفه، فلما

стр. 2873

استخلف عمر .. سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني على أن أحدثك ما لم أحدثك يومئذ! فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله. قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال المسائل عليها؛ ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. التفسير وأوجه القراءة ١٧١ - وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ عام أريد به خاص؛ أي: يا أهل الإنجيل، وهم النصارى، وقيل: المراد بهم الفريقان، فغلو اليهود: بتنقيص عيسى؛ حيث قالوا: إنه ابن زانية، وغلو النصارى: بالمبالغة في تعظيمة؛ حيث قالوا: إنه شريك الله أو ابنه ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تتجاوزوا في دينكم الحدود التي حددها الله لكم، ولا تبالغوا في تعظيم عيسى؛ حيث وصفتموه بأنه ابن الله، أو شريكه، فإنَّ الزيادة في الدين ليس بحق، كالنقص فيه ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ ، ولا تعتقدوا فيه ﴿إِلَّا﴾ القول والاعتقاد ﴿الْحَقَّ﴾ والصواب الثابت بنص دينيّ متواترًا، أو برهان عقلي قاطع، ومن تنزيهه تعالى عن الشريك والولد؛ أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه تعالى به من الاتّحاد والحلول في بدن الإنسان أو روحه، واتخاذ الزوجة والولد، وليس لكم على ما زعمتم من دعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الزوجة والولد شيء من الأدلة المذكورة، فإنّ (١) نصارى أهل نجران أربع فرق: ملكانية: وهم الذين قالوا: عيسى والرب شريكان، ومرقوسية: وهم الذين قالوا: عيسى ثالث ثلاثة، ومار يعقوبية: وهم الذين قالوا: عيسى هو الله، ونسطورية: وهم الذين قالوا: عيسى ابن الله، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.

стр. 2874

﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ مبتدأ، و ﴿عِيسَى﴾ بدل منه، أو عطف بيان له، و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة لعيسى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خبر المبتدأ؛ أي: إنما المسيح عيسى ابن مريم هو رسول الله تعالى إلى بني إسرائيل، لا شريكه ولا ابنه، وقد أمرهم بأنْ يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وزهدهم في الدّنيا، وحثهم على التقوى، وبشرهم بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وأرشدهم إلى الاعتدال في كل شيء، فهداهم إلى الجمع بين حقوق الأبدان وحقوق الأديان. وقرأ جعفر بن محمَّد ﴿إنما المسيح﴾ على وزن السكيت. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾؛ أي: ومكون بكلمة الله وأمره الذي هو "كن"، من غير واسطة أب، ولا نطفة، ﴿أَلْقَاهَا﴾؛ أي: أوصلها ﴿إِلَى مَرْيَمَ﴾؛ أي: أوصل تلك الكلمة إلى مريم بنفخ جبريل في حبيب درعها، فوصل النفخ إلى فرجها، فحملت به. ﴿وَرُوحٌ﴾: صادر ﴿مِنْهُ﴾ ، ومكون بأمره تعالى جبريل بالنفخ في جيبها, ولذلك نسبت إليه تعالى، وإنّما سمِّي روحًا؛ لأنّه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، والريح يخرج من الروح. وهذه الإضافة للتفضيل والتشريف، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، فإن الله لما أرسل إلى مريم الروح الأمين جبريل .. بشرها بأنه مأمور بأن يهب لها غلامًا زكيًّا، فاستنكرت ذلك؛ إذ هي عذراء لم تتزوج، فقال لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكلمة "كن": هي الكلمة الدالة على التكوين بمحض القدرة عند إرادة خلق الشيء وإيجاده، وهو أيضًا مؤيد بروح منه، كما قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وكما قال تعالى في صفات المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. وآية الله في خلق عيسى بكلمته وجعله بشرًا سويًّا بما نفخ فيه من روحه .. كآيته في خلق آدم بكلمته وما نفخ فيه من روحه، فخلقهما كان بغير السنة العامة في خلق الناس من ذكر وأنثى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾. وزعم بعض النصارى: أن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ تدل على أن عيسى جزء من الله، بمعنى أنه ابنه، فقد نقل بعض المفسرين: أن طبيبًا حاذقًا نصرانيًّا جاء للرشيد، فناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم، فقال:

стр. 2875

إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ له الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلئن صح ما تقول .. لزم أن تكون جميع هذه الأشياء جزءًا منه ﵎، فأفحم النصراني وأسلم، ففرح بذلك الرشيد، ووصل الواقدي بصلة عظيمة. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل". متفق عليه. ﴿فَآمِنُوا﴾ يا أهل الكتاب ﴿بِاللَّهِ﴾ إيمانًا يليق به، وهو أنه واحد أحد، تنزه عن صفات الحوادث، وأنَّ كل ما في الكون مخلوق له، وهو الخالق له، وأن الأرض في مجموع ملكه أقل من حبَّة رمل بالنسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿رسله﴾ تعالى كلهم إيمانًا يليق بشأنهم، وهو أنهم عبيد له، خصهم بضروب من التكريم والتعظيم، وألهمهم بضرب من العلم والهداية بالوحي، ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها النصارى: الآلهة ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ الأب والابن وروح القدس، وقيل: المراد بالآلهة الثلاثة: الله ، ومريم، والمسيح، وقيل: يعنون بالثلاثة: الثلاثة الأقانيم؛ أي: الأشخاص، فيجعلونه جوهرًا واحدًا، وله ثلاثة أقانيم، ويعنون بالأقانيم: أقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، فيقولون: الله ثلاثة أقانيم، كل منها عين الآخر، وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، وربّما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فإنّ في هذا تركًا للتوحيد الذي هو ملة إبراهيم وسائر الأنبياء، واتباعًا لعقيدة الوثنيين، والجمع بين التثليث والتوحيد تناقض تحيله العقول، ولا يقبله أولوا الألباب. ﴿انْتَهُوا﴾؛ أي: امتنعوا وانزجروا عن مقالتكم بالتثليث .. يكن الانتهاء عن القول بالتثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ من القول به، أو المعنى: انتهوا عن التثليث،

стр. 2876

وقولوا قولًا آخر خيرًا لكم منه، وهو قول جميع النبيين والمرسلين الذين جاؤوا بتوحيد الله وتنزيهه. ﴿إِنَّمَا اللَّهُ﴾؛ أي: ما المستحق للعبادة من جميع المخلوقات إلا ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالذات، منفرد في ألوهيته، منزه عن التعدد، فليس له أجزاء، ولا أقانيم، ولا هو مركب، ولا متحد بشيء من المخلوقات ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: أسبحه تسبيحًا من أن يكون له ولد، أو سبحوه تسبيحًا من ذلك، تقدس الله على أن يكون له ولد، كما قلتم في المسيح: إنه ابنه، إنه هو عينه، فإنه ﵎ ليس له مماثل فيكون له منه زوج يتزوجها فتلد له ولدًا؛ لأن الولد جزء من الأب، وتعالى الله عن التجزئة، وعن صفات الحدوث، والتعبير (١) بالولد دون الابن - الذي يعبرون به في كلامهم - لبيان أنهم إذا كانوا يريدون الابن الحقيقي الذي يفهم من هذا اللفظ .. فلا بد أن يكون ولدًا؛ أي: مولودًا من تلقيح أبيه لأمه، وهذا محال على الله تعالى، وإن أرادوا الابن المجازي لا الحقيقي .. فلا خصوصية لعيسى في ذلك؛ لأنه قد أطلق في كتب العهد العتيق والعهد الجديد على إسرائيل وداود وغيرهما من الأخيار. وقرأ الحسن: ﴿إن يكون له ولد﴾ - بكسر الهمزة، وضم النون من يكون - على أن: إنْ نافية؛ أي: ما يكون له ولد، فيفيد الكلام التنزيه عن التثليث والإخبار بانتفاء الولد، فالكلام جملتان، وفي قراءة الجمهور جملة واحدة. ﴿لَهُ﴾ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وعبيدًا، فمن كان مالكهما وما فيهما .. كان مالكًا لعيسى ومريم، وإذا كانا مملوكين له فكيف يتوهم كونهما له ولدًا وزوجة؟ أي: إنه ليس له ولد يصح أن يسمى ابنًا له حقيقة، بل له كل ما في السموات وما في الأرض خلقًا وملكًا، والمسيح من جملتها، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾. ولا فرق في هذا بين الملائكة والنبيين، وبين من خلقه ابتداء من غير أب ولا أم كالملائكة وآدم، ومن خلقه من أصل واحد كحواء وعيسى، ومن خلقه من الزوجين الذكر والأنثى، فكل هؤلاء عبيده يحتاجون إلى فضله وكرمه وجوده،

стр. 2877

وهو يتصرف فيهم كما يشاء. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: كفى به حافظًا ووكيلًا، إذا وكلوا أمورهم إليه، تأكل الخلائق أمورهم إليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فهو تعالى غني عن الولد، فإن الولد إنما يحتاج إليه أبوه ليعينه في حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل ذلك. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وكفى به وكيلًا﴾؛ أي: مستقلًا بتدبير خلقه، فلا حاجة له إلى ولد يعينه انتهى. ١٧٢ - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أي: لن يأنف، ولن يتكبر، ولن يرتفع المسيح بن مريم عن أن يكون عبدًا لله تعالى؛ أي: مقرًّا بالعبودية لله، مستمرًا على عبادته وطاعته؛ لعلمه بعظمة الله تعالى وما يجب له من العبودية والشكر، وروي أن وفد نجران قالوا: يا محمَّد، إنك تعيب صاحبنا، فتقول: إنه عبد لله، فقال النبي ﷺ : "إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبدًا لله" قالوا: بلى، فنزلت: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ ﴿عبيدًا لله﴾ بصيغة التصغير ﴿وَلَا﴾ يستنكف ﴿الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عند الله تعالى، كجبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش؛ أي: لن يترفعوا عن أن يكونوا عبادًا لله تعالى، وذكر الملائكة استطراد؛ لأنه لما ذكر شأن عيسى ﵇ للرد على النصارى .. ذكر الملائكة للرد على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله، ومحله في سورة الزخرف عند قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ إلخ. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ ويترفع ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ وطاعته تعالى أنفة وكبرًا، فيرى أنه لا يليق به ذلك ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ عن الإيمان به والخضوع والتذلل له ﴿فَسـ﴾ ـيجزيه أقبح الجزاء وأشد العذاب في الآخرة، إذ ﴿يحشرهم إليه جميعًا﴾؛ أي: إذ يحشر الناس إليه جميعًا للجزاء، المستنكفين منهم والمستكبرين وغيرهم في صعيد واحد، فيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

стр. 2878

فلا بدَّ من هذا التقدير؛ إذ الحشر عام للمؤمنين والكافرين كما يدل عليه التفصيل الآتي بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾، فقد حذف من الإجمال ما أثبت في التفصيل. وقرأ الحسن بالنون بدل الياء في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾. ١٧٣ - وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ بيان لحال الفريق المطوي ذكره في الإجمال، قدم على بيان حال مقابله؛ إظهارًا لفضله ومسارعة إلى بيان كون حشره أيضًا معتبرًا في الإجمال، كما قدرناه سابقًا؛ أي: فأما الذين أمنوا باللهِ ورسله، وعملوا الصالحات والمأمورات، واجتنبوا المنهيات ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من غير أن ينقص منها شيئًا أصلًا؛ أي: سيعطيهم أجورهم وافيةً كاملة على إيمانهم وعملهم الصالح بحسب سنته تعالى في ترتيب الجزاء على مقدار تأثير الإيمان والعمل الصالح في النفس وتزكيتها وطهارتها من أدران الشرور والآثام ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه على أجور أعمالهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾؛ أي: أنفوا وترفعوا عن عبادته تعالى ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تكبروا عن الإيمان به تعالى ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ "أي: مؤلمًا يستحقونه بحسب سنته أيضًا، بسبب استنكافهم واستكبارهم، لكن لا يزيدهم على ما يستحقون شيئًا؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فهو يجازي المحسن بالعدل والفضل، ويجازي المسىء على إساءته بالعدل ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: ولا يجد المستنكفون لأنفسمهم من غير الله تعالى ﴿وَلِيًّا﴾ يلي أمورهم ويدبر مصالحهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم ويحفظهم من بأسه تعالى، ويرفع عنهم العذاب وينجيهم منه؛ إذ لا عاصم اليوم من أمر الله ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. ١٧٤ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب لكافّة المكلَّفين ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ﴾؛ أي: رسول ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو: محمَّد رسول الله ﷺ ، وإنما سماه برهانًا؛ لأن وظيفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل. أي: قد جاءكم من قبل ربكم برهانٌ جلي يبين لكم حقيقة الإيمان به وبجميع ما أنتم في حاجة إليه من أمر دينكم، مؤيد

стр. 2879

بالدلائل والبينات، ألا وهو النبي الأمي الذي هو برهان على حقية ما جاء به بسيرته العملية ودعوته التشريعية، فإن أميًّا لم يتعلم في مدرسة ولم يعن في طفولته بما كان يسمى عند قومه علمًا، كالشعر والنسب وأيام العرب، بل ترك ولدان المشركين وشأنهم، ولم يحضر سمار قومه ولا معاهد لهوهم، ولم يحظ من التربية المنزلية والتأديب الاجتماعي - في أول نشأته - ما يؤهله للمنصب الذي تصدى له في كهولته، وهو تربية الأمم تربية دينية اجتماعية سياسية حربية، وهو مع هذا قد قام به على أتم وجه وأكمل طريق، لهو برهان على عناية الله به وتأييده إياه بوحيه وهديه. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ بواسطة محمَّد ﷺ ﴿نُورًا مُبِينًا﴾؛ أي: نورًا نيرًا في نفسه منورًا لغيره، وهو القرآن، وسماه نورًا؛ لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب؛ أي: وأنزلنا إليكم بما أوحينا إليه كتابًا، هو كالنور في الهداية للناس مبينًا لكل ما أنزل لبيانه، من توحيد الله وربوبيته، وهو المقصد الأعلى الذي بعث به جميع الرسل، وكان كلٌّ منهم يدعو أمته إليه، ويستجيب له الناس بقدر استعدادهم لفهم حقيقته، ثم لم يلبثوا أن يشوهوه بالشرك وضروب الوثنية التي تدنس النفوس، وتهبط بها من أوج العزة والكرامة إلى المهانة والذلة بالخضوع لبعض مخلوقات من جنسهم، أو من أجناس أخرى. ولما تغلغلت الوثنية في جميع الأديان المعروفة وأفسدتها على أهلها .. أنزل الله تعالى لهداية البشر هذا النور المبين، وهو القرآن، فبين لمن يفهم لغته حقيقة التوحيد بالدلائل والبراهين الكونية والعقلية مع ضرب الأمثال، وذكر شيء من القصص؛ لكشف ما ران على هذه العقيدة من شبهات المضلين، وأوهام الضالين التي مزجتها بالشرك. هذا البيان الذي جاء به القرآن لتقرير التوحيد واجتثاث جذور الوثنية .. لم يكن معهودًا مثله من الحكماء، ولا من الأنبياء، فمن ثم وجب أن يكون من رب العالمين ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾. والخلاصة: أن محمدًا النبي الأمي ﷺ كان برهانًا على حقية دينه، وكتابه

стр. 2880

القرآن أنزل من العلم الإلهي، ولم يكن لعلمه الكسبي أن يأتي بمثله، وأنزل مبينًا لجميع الناس ما هم في حاجة إليه في معاشهم ومعادهم؛ ليتدبروا آياته ويسعدوا به في حياتهم الدنيا، وينالوا به الخير في العقبى، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر ١٧٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾: في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وأحكامه ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾؛ أي: وتمسكوا بدينه، والتجؤوا إليه تعالى في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزغات الشيطان ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ وهي الجنة ونعيمها ﴿و﴾ في ﴿فضل﴾ وكرم منه وإحسان زائد، كالنظر إلى وجهه الكريم، والتعظيم وغير ذلك من مواهب الجنة. والاعتصام: التمسك بما يعصم ويحفظ؛ أي: فأما الذين يعتصمون بهذا القرآن - فيدخلهم الله في رحمة خاصة منه، لا يدخل فيها سواهم، وفضل خاص لا يتفضل به على غيرهم، ولكنه يخص من يشاء بما شاء من أنواعهما، وقال ابن عباس ﵄: الرحمة: الجنة، والفضل: ما يتفضل به عليهم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو: الإِسلام والطاعة والسعادة الروحانية، والجار والمجرور في محل نصب حال من صراطًا، والضمير المجرور عائد على الله، بتقدير مضاف؛ أي: إلى ثوابه؛ أي: ويهديهم طريقًا قويمًا، وهدايةً خاصة تبلغهم السعادة في الدنيا بالعزة والكرامة، وفي الآخرة بالجنة والرضوان، وهذا الصراط المستقيم لا يهدي إليه إلا الاعتصام بالقرآن الكريم، واتباع سنة سيد المرسلين، والمراد: أنه يوفّقهم ويثبتهم على تلك الهداية إلى الصراط المستقيم. وسكت عن القسم الآخر المقابل لهؤلاء المؤمنين المعتصمين؛ للإيذان بأنه بعد ظهور البرهان لا ينبغي أن يوجد، وإن وجد لا يؤبه له ولا يهتم بشأنه. ١٧٦ - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: يسألك المؤمنون يا محمَّد عن كيفية إرث مال من ليس له ولد ولا والد، تقدم لك في مبحث أسباب النزول: أنها نزلت في جابر بن عبد الله، له تسع أخوات، وليس له ولد ولا والد، وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة، فسألوا عنها النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وختم الله هذه السورة بذكر الأموال، كما أنّه افتتحها بذلك؛ لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام.

стр. 2881

وجملة ما في هذه السورة من آيات المواريث ثلاثة: الأولى: في بيان إرث الأصول والفروع. والثانية: في بيان إرث الزوجين والأخوة والأخوات من الأم. والثالثة: هي هذه، في إرث الأخوة والأخوات الأشقاء، أو لأب. وأما أولو الأرحام فمذكورون في آخر الأنفال، والمستفتي عن الكلالة هو جابر، لما عاده النبي ﷺ في مرضه، فقال: يا رسول الله، إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ كما مر. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمَّد ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ ويجيبكم ﴿فِي﴾ بيان إرث ﴿الْكَلَالَةِ﴾ ويبين لكم كيفية إرث مال من مات وليس له أصل ولا فرع وارثان، والكلالة: اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث .. فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث .. فهو الذي مات ولا يرثه أحد من الوالدين، ولا أحد من الأولاد، والجواب هو ما ذكره بقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ومات، جملة (١) مستأنفة في جواب سؤال أخذ من يستفتونك، كأنه قيل: وما الذي يفتى به وما الحكم؟ فالوقف على الكلالة ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، أي: ولا والد، واقتصر سبحانه في هذه الآية على نفي الولد مع كون الأب يسقط الأخ كما يسقطه الولد الذكر؛ لأنَّ المراد بيان حقوق الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الأب .. فقد تبين بالسنة، كما ثبت في "الصحيح" من قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، والأب أولى من الأخ". ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ شقيقة، أو لأب ﴿فَلَهَا﴾؛ أي: فللأخت ﴿نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ بالفرض، والباقي للعصبة. والمعنى: إن مات امرؤ غير ذي ولد ووالد، وله أخت شقيقة، أو من الأب .. فللأخت نصف ما ترك بالفرض، والباقي للعصبة إن كان، أو لها بالرد إن لم يكن له عصبة، فإن كان له ولد ذكر، أو والد .. فلا شيء لها ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: المرءُ الكلالة ﴿يَرِثُهَا﴾؛ أي: يرث أخته، جميع ما تركت إن فرض موتها

стр. 2882

مع بقائه ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ذكر، ولا أنثى، أو والد يحجبه عن إرثها، فإن كان لها ولد ذكر .. فلا شيء له، أو أنثى .. فله ما فضل عن نصيبها, ولو كانت الأخت أو الأخ من أم .. ففرضه السدس، كما تقدم أول السورة. وإنما أطلق الإرث ولم يبين النصيب؛ لأن الأخ ليس صاحب فرض معين، بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل هو عصبة يحوز كل التركة عند عدم وجود أحد من أصحاب الفروض، وعند وجهود أحد منهم يرث هو معه كلالةً جميع ما بقي ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: فإن كانت الأختان اثنتين فصاعدًا دلَّ (١) على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ وقال "البيضاوي": الضمير (٢) لمن يرث بالأخوة، وتثنيته محمولة على المعنى، وفائدة الإخبار عنه باثنتين: التنبيه على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما، والمعنى: فإن كان من يرث بالأخوة شقيقتين، أو من أب .. فلهما الثلثان مما ترك أخوهما كلالة، وكذا إن كن أكثر من اثنتين كأخوات جابر - فقد كن سبعًا أو تسعًا - والباقي لمن يوجد من العصبة إن لم يكن هناك أحد من أصحاب الفروض، كالزوجة، وإلا أخذ كل ذي فرض فرضه أولًا. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾؛ أي: وإن كان من يرثون بالأخوة كلالة ﴿إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾؛ أي: إخوة مختلطة رجالًا أشقاء، أو من أب، ونساء شقيقات، أو لأب ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: مثل نصيب الانثيين يقتسمون التركة على طريقة التعصيب، كما هي القاعدة في كل صنف اجتمع منه أفراد في درجة واحدة، إلا أولاد الأم، فإنهم شركاء في ثلث أمهم؛ لحلولهم محلها, ولولا ذلك لم يرثوا؛ إذ هم ليسوا من عصبة الميت. وقرأ ابن أبي عبلة (٣): ﴿فإن للذكر مثل حظ الأثنين﴾. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون أحكام دينكم من قسمة المواريث وغيرها كراهية ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ وتخطئوا فيها، وقرأ (٤) الكوفي والفراء والكسائي وتبعهم الزجاج: ﴿لأن لا تضلوا﴾ وهي قراءة تفسيرية. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالح العباد في المبدأ والمعاد، وفيما كلّفهم به من الأحكام

стр. 2883

﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: عالم؛ لأنّ علمه محيط بكل شيء، فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، فهو لم يشرع لكم من من الأحكام إلا ما علم أن فيه الخير لكم لصلاح أنفسكم، وذلك شأنه في جميع أفعاله وأحكامه فكلها موافقة للحكمة، دالة على واسع العلم وعظيم الرحمة. وقال أبو عبد الله الرازي (١): في هذه السورة لطيفة عجيبة، وهي: أن أولها مشتمل على كمال تنزه الله وسعة قدرته، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم، وهذان الوصفان بهما تثبت الربوبية والألوهية، والجلال والعزّة، وبهما يجب أن يكون العبد منقادًا للتكاليف. الإعراب ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَغْلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بتغلوا، والجملة الفعلية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَغْلُوا﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بتقولوا. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به لتقولوا؛ لأنه يمعنى لا تذكروا ولا تعتقدوا، ويجوز أن يكون صفة للمصدر المحذوف، أي: إلا القول الحق. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْمَسِيحُ﴾: مبتدأ. ﴿عِيسَى﴾: بدل منه، أو عطف بيان منه. ﴿ابْنُ﴾ صفة لعيسى، وهو مضاف. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه. ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾: معطوف على ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ ﴿أَلْقَاهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب

стр. 2884

حال من كلمته، وقد مقدرة معه، أو حال من الضمير المجرور في كلمته. ﴿إِلَى مَرْيَمَ﴾: جار ومجرور متعلق بألقى. ﴿وَرُوحٌ﴾: معطوف على ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿رُوحٌ﴾. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ﴿فَآمِنُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وتقديره: إذا عرفتم أن عيسى رسول الله وروح منه وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: آمنوا. ﴿آمنوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَرُسُلِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آمِنُوا﴾. ﴿ثَلَاثَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: الآلهة ثلاثة، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب مقول ﴿تقولوا﴾. ﴿انْتَهُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة بعاطف مقدَّر على جملة ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾: خبر ليكن المحذوفة مع اسمها، تقديره: يكن الانتهاء خيرًا ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بخيرًا، أو صفة له، وجملة يكن المحذوفة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾: خبر. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة له مؤكدة، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحه تسبيحًا، أو سبحوه تسبيحًا، وهو مضاف، وضمير الجلالة مضاف إليه، وجملة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: ناصب وفعل ناقص. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ليكون. ﴿وَلَدٌ﴾: اسم يكون مؤخر، وجملة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: سبحانه عن كون ولد له، الجار والمجرور متعلق بسبحانه. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَا﴾:

стр. 2885

موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لما، أو صفة لها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ما في السموات ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل ﴿وَكِيلًا﴾: تمييز، والجملة مستأنفة، أو معطوفة. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿يَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب، واسمه ضمير يعود على المسيح. ﴿عَبْدًا﴾: خبر يكون. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿عَبْدًا﴾. ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ﴾: معطوف على المسيح. ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾: صفة للملائكة، وجملة يكون صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: عن كونه عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون عن كونهم عبيدًا لله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: إستئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما. ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾، فاعله ضمير يعود على مَن. ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾. ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾: معطوف على يستنكف. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب مَنْ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقرونًا بحرف التنفيس. ﴿سيحشرهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بيحشر. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير يحشرهم، والجملة الفعلية في محل الجزم بمَنْ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة مَنْ الشرطية مستأنفة. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الله سيحشرهم إليه جميعًا، وأردت بيان

стр. 2886

جزائهم .. فأقول لك. ﴿أَمَّا الَّذِينَ﴾: أما: حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على آمنوا. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب أما واقعة في غيرها، لأن موضعها موضع أما. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر جواب أما، لا محل لها من الإعراب، وجملة أما مِنْ فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة يوفيهم على كونها خبر المبتدأ. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَزِيدُهُمْ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ﴿وَأَمَّا﴾: (الواو): عاطفة. (أما): حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿اسْتَنْكَفُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على استنكفوا. ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾: (الفاء): رابطة الجواب أما. ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَذَابًا﴾: مفعول مطلق ﴿أَلِيمًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب أما، لا محل لها من الإعراب، وجملة أما معطوفة على جملة أما الأولى. ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة يعذبهم. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجِدُونَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من وليًّا. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول به. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: معطوف على وليًّا. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أَيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿النَّاسُ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل

стр. 2887

ومفعول. ﴿بُرْهَانٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لبرهان، أو متعلق بجاء، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة جاءكم. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأنزلنا. ﴿نُورًا﴾: مفعول به. ﴿مُبِينًا﴾: صفة لـ ﴿نُورًا﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾. ﴿فَأَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنه قد جاءكم برهان من ربكم، وأنزل إليكم نورًا مبينًا، وأردتم بيان عاقبة من آمن به وعاقبة من لم يؤمن به .. فأقول لكم. ﴿أَمَّا الَّذِينَ﴾: (أما): حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بآمنوا. ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على آمنوا. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق باعتصموا. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾: (الفاء): رابطة لجواب أما. ﴿سَيُدْخِلُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فِي رَحْمَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لرحمة. ﴿وَفَضْلٍ﴾: معطوف على رحمة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر جواب أما، لا محل لها من الإعراب، وجملة أما في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾: فعل ومفعول أول معطوف على سيدخلهم، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بيهديهم. ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان ليهديهم. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: صفة ﴿صِرَاطًا﴾. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ .. إلى آخر الآية: مقول محكي لقل، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُفْتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾. ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾:

стр. 2888

جار ومجرور متعلق بيفتيكم على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريين، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني، فقال: يفتيكم فيها في الكلالة، وله نظائر في القرآن ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. ﴿إِنِ﴾: حرف شرط. ﴿امْرُؤٌ﴾: فاعل بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: إن هلك امرؤ هلك. ﴿هَلَكَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿امْرُؤٌ﴾: فاعل. ﴿هَلَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرؤ، والجملة الفعلية مفسرة لذلك المحذوف لا محل لها من الإعراب. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿وَلَدٌ﴾: اسمها مؤخر. وجملة (١) ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿امْرُؤٌ﴾، تقديره: إن هلك امرؤ غيرُ ذي ولد، وليست الجملة في محل النصب على الحال كما قاله صاحب "الكشاف" وأبو البقاء؛ لأن ذا الحال نكرة غير موصوفة، فإنَّ ﴿هَلَكَ﴾ مفسِّرٌ للفعل المحذوف لا صفة، قاله الطيبي، وهو ظاهر؛ لأن أصل صاحب الحال التعريف؛ لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة؛ لأن الحكم على المجهول لا يفيد غالبًا. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ليس ﴿فَلَهَا﴾ (الفاء): رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نِصْفُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿مَا﴾: إما موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرئ، وجملة ترك صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: نصف ما تركه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾، على كونها جوابًا لها، وجملة إنْ الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ لأنها واقعة في جواب

стр. 2889

سؤال مقدر مأخوذ من يستفتونك، كأنه قيل: وما الذي يفتى به وما الحكم؟ فالوقف على الكلالة كما مر. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: استئنافية. هو: مبتدأ. ﴿يَرِثُهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على امرئ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجمدة مستأنفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل ناقص مجزوم بلم. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم ليكن. ﴿وَلَدٌ﴾: اسمها مؤخر، وجواب إن معلوم مما قبله، تقديره: إن لم يكن لها ولد .. فهو يرثها، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾. ﴿فَإِنْ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حكم ما إذا كانت الأخت واحدة، وأردت بيان حكم ما إذا كانتا اثنتين .. فأقول لك. ﴿إن كانتا اثنتين﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَانَتَا﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾: خبر كان. ﴿فَلَهُمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب إن الشرطية. ﴿لَهُمَا﴾: خبر مقدم. ﴿الثُّلُثَانِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجزم بإن، على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر. ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرئ، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط: الضمير المحذوف، تقديره: مما تركه. ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾: جازم وفعل ناقص واسمه. ﴿إِخْوَةً﴾: خبر كان. ﴿رِجَالًا﴾: بدل من إخوة. ﴿وَنِسَاءً﴾: معطوف على رجالًا. ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾: (الفاء): رابطة لجواب (إن) الشرطية. ﴿للذكر﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِثْلُ﴾؛ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿حَظِّ﴾: مضاف إليه، وهو مضاف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾: مضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بإن الشرطية، على كونها جوابًا

стр. 2890

لها، وجملة إن الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدَّر إليه، تقديره: كراهية ضلالكم عن طريق العدل والحق، والمصدر المقدَّر منصوب بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾، على كونه مفعولًا لأجله، وهو متوفر الشروط المعتبرة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾: وهو خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: من غلا يغلو، كدعا يدعو، أصله: لا تغلووا، بوزن: لا تفعلوا، بواوين أولاهما مضمومة، ويقال فيه: استثقلت الضمة على الواو، ثمَّ حذفت، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الواو الأولى - وهي لام الكلمة -، فصار: لا تغلوا، بوزن: لا تفعلوا، يقال: غلا الشيء يغلو غلوًّا وغلاء، إذا جاوز الحد، والغلو: مجاوزة الحد، ومنه: غلا السعر .. إذا صار غاليًا، وغلوة السهم. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: استنكف - من باب: استفعل السداسي - وهو من مزيد الثلاثي بثلاثة أحرف، وسئل (١) أبو العباس عن الاستنكاف؟ فقال: هو من النكف، يقال: ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف، والنكف: أن يقال له سوء، واستنكف: دفع ذلك السوء، انتهى. وفي "المصباح": نكفت من الشيء نكفًا - من باب: تعب - ونكفت أنكف - من باب: قتل - لغة فيه. واستنكف: إذا امتنع أنفة واستكبارًا، انتهى. وفي "البيضاوي": والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه فيما بعد، وإنما يستعمل الاستنكاف حيث لا استحقاق، بخلاف الاستكبار؛ فإنه قد يكون باستحقاق، انتهى. وقيل: (٢) الاستنكاف: الامتناع عن الشيء أنفة وكبرًا، والاستكبار: أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة فوق ما هي عليه، غرورًا وإعجابًا بها، وفي "الفتوحات": الاستنكاف: الأنفة والترفع، من نكفت الدمع إذا نحيته على وجهك بالأصبع، والمعنى هنا: لن يأنف عيسى، ولن

стр. 2891

يترفع، ولن يتكبر عن أن يكون عبدًا لله تعالى. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ﴾: البرهان: الحجة، يجمع على براهين، يقال: برهن الشيء وعليه عنه: إذا أقام عليه الحجة وأوضحه ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾: يقال: اعتصم به - من باب: افتعل - إذا أمسكة بيده، واعتصم بالله: إذا امتنع بلطفه من المعصية، واعتصم بالله من الشر والمكروه: التجأ به ولاذ وامتنع. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع: فمنها: (١) الاستعارة في قوله: ﴿لَا تَغْلُوا﴾: والغلو: حقيقة في ارتفاع السعر، وفي قوله: ﴿وَكِيلًا﴾: استعير لإحاطة علم الله بهم. وفي قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ استعير للمجازاة. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ و ﴿يُفْتِيكُمْ﴾. ومنها: التفصيل في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾. ومنها: الحذف في عدة مواضع. ومنها: ذكر (٢) العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، فالكتاب عام أريد به الخاص، وهو الإنجيل، وكذلك أهل الكتاب المراد بهم حينئذ النصارى، فكل منهما عام أريد به خاص، وذلك لأن ما بعده يدل على ذلك، وهو قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾، وهي قولة النصارى، وقيل: المراد بهم الفريقان، فغلو اليهود: بتنقيص عيسى؛ حيث قالوا: إنه ابن زانية، وغلو النصارى: بالمبالغة في تعظيمه؛ حيث قالوا: إنه إله أو ابن إله. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهو من نوع قصر موصوف على صفة.

стр. 2892

ومنها: الإضافة للتشريف والتكريم في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. ومنها: التنكير للتعظيم والتفخيم في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، بمعنى: أنه روح من الأرواح القدسية العالية المطهرة. ومنها: المشاكلة بين المبدأ والختام في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. والله أعلم (١) * * *

стр. 2893

سورة المائدة سورة المائدة مدنية، إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي ﷺ واقف بعرفة، فقرأها النبي ﷺ في خطبته، وقال: "يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها"، وإنما قال فيها ذلك - مع كون كل القرآن كذلك - .. لزيادة الاعتناء بها، وإلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، فإنها نزلت بمكة عام الفتح. والمشهور أن المدني: ما نزل بعد الهجرة، سواء نزل بالمدينة أو بمكة أو في سفر. وتسمَّى سورة المائدة، وسورة العقود، وسورة المنقذة. وسميت سورة المائدة؛ لورود ذكر المائدة فيها، حيث طلب الحواريون من عيسى ﵇ آية تدل على صدق نبوته، وتكونُ لهم عيدًا، وقصتها أعجب ما ذكر فيها؛ لاشتمالها على آيات كثيرة ولطف عظيم من الله العلي العظيم. وآياتها مئة وعشرون في العد الكوفي، ومئة وثنتان وعشرون في العد الحجازي، ومئة وثلاثة وعشرون في العد البصري. فضلها: ومما يدل على فضلها: ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (١) (أُنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها). أخرجه أحمد. وروى البغوي بسنده عن ميسرة قال: إن الله تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكمًا لم ينزلها في غيرها، وهي قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾،

стр. 2894

﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وتمام بيان الطهر في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، و ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ وقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. المناسبة: ومناسبة افتتاحها لما قبلها (١): هو أنه تعالى لما ذكر استفتاءهم في الكلالة وإفتاءهم فيها، وذكر أنه يبين لهم كراهة الضلال .. بين في هذه السورة أحكامًا كثيرة هي تفصيل لذلك المجمل، وقد ذكرناها آنفًا. وقال المراغي: وجه التناسب بينها وبين ما قبلها من وجوه (٢): ١ - أنّ سورة النساء اشتملت على عدة عقود صريحًا وضمنًا، فالصريح: عقود الأنكحة، والصداق، والحلف، والمعاهدة، والأمان. والضمني: عقود الوصية، والوديعة، والوكالة، والإجارة. ٢ - أنّ سورة النساء مهدت لتحريم الخمر، وسورة المائدة حرمتها ألبتة، فكانت متممة لشيء مما قبلها. ٣ - أنَّ معظم سورة المائدة في محاجة اليهود والنصارى، مع ذكر شيء عن المنافقين والمشركين، وقد تكرر ذكر ذلك في سورة النساء، وأطيل به في آخرها. ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة: أن الأولى بدئت بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهذا أشبه بالتنزيل المكي، والثانية بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهذا أشبه بالتنزيل المدني المتأخر عن الأول. الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة المائدة (٣)

стр. 2895

تحتوي على تسع آيات منسوخة: الآية الأولى منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (٢ مدينة)، ثم نسخت بآية السيف. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، نزلت في اليهود، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، (٢٩) التوبة. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣٣ المائدة)، نسخت بالاستثناء منها فيما بعدها، بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، فصارت ناسخة لها. والآية الرابعة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية (٤٢ المائدة) نسخت بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية (٤٩ المائدة). والآية الخامسة قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ الآية (٩٩ المائدة) نسخها آية السيف. والآية السادسة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية (١٠٥ المائدة) نسخ آخرها أولها والناسخ منها قوله تعالى: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في كتاب الله آية جمعت الناسخ والمنسوخ إلا هذه. والآية السابعة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (١٠٦ المائدة) أجاز الله تعالى شهادة الذميين على صفة في السفر ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢/ الطلاق مدنية) وبطلت شهادة أهل الذمة في السفر والحضر. والآية الثامنة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية (١٠٧ المائدة) نسخها الآية التي في الطلاق وهي قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ

стр. 2896

مِنْكُمْ﴾ الآية (٢ مدنية الطلاق). والآية التاسعة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، أي: على حقيقتها إلى قوله ﴿أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وباقي الآية محكمة، نسخ ذلك من الآية بشهادة أهل الإسلام. انتهى. والله أعلم * * *

стр. 2897

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. المناسبة قد مر لك قريبًا بيان وجه التناسب بين هذه السورة وبين السورة التي قبلها بأتم بيان، فراجعه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير عن عكرمة قال: قدم الحطم بن هند - واسمه شريح بن هند بن ضبعة البكري - المدينة في عير له، يحمل طعامًا، فباعه، ثم دخل على النبي ﷺ فبايعه وأسلم، فلمّا ولى خارجًا .. نظر إليه النبي ﷺ ، فقال لمن عنده: "لقد دخل علي بوجه وولى بقفا غادر"، فلمّا قدم اليمامة .. ارتد عن

стр. 2898

الإسلام، وخرج في عير له يحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي ﷺ .. تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عيره، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ ...﴾ الآية، فانتهى القوم، وأخرج عن السدي نحوه. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصدُّ هؤلاء كما صدوا أصحابنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن مسنده في كتاب "الصحابة" من طريق عبد الله بن جبلة بن حبان بن حجر عن أبيه عن جده حبان قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل الله : تحريم الميتة، فأكفأت القدر. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿أَوْفُوا﴾ وأتموا ﴿بِالْعُقُودِ﴾ والعهود المؤكدة التي بينكم وبين الله تعالى، أو بينكم وبين أنفسكم أو بينكم وبين الناس؛ أي: أوفوا ما عقده الله وجعله عليكم، وألزمه إياكم من التكاليف والأحكام الدينية، كالمأمورات: فوفاؤها فعلها، والمنهيات: فوفاؤها اجتنابها، وكالمعاملات الجارية بينهم، من بيع وشراء ونكاح وطلاق: فوفاؤها العمل بموجبها، وكالنذور التي ألزمها الشخص نفسه: فوفاؤها الإتيان بما نذره على نفسه. وقال الراغب (١): العقود ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين

стр. 2899

العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد منها .. إما أن يوجبه العقل الذي أودعه الله في الإنسان، ويتوصل إليه ببديهة العقل، أو بأدنى نظر، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وإما أن يوجبه الشرع، وهو ما دلَّنا عليه كتابُ الله تعالى وسنةُ رسوله محمد ﷺ . وأساس العقود في الإسلام هو هذه الجملة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ أي: إنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به من قول أو فعل كما أمر الله، ما لم يحرم حلالًا، أو يحلل حرامًا، كالعقد على أكل شيء من أموال الناس بالباطل؛ كالربا، والميسر والقمار، والرشوة، ونحو ذلك. قيل (١): المراد بالعقود: هي التي عقدها الله تعالى على عباده، وألزمهم بها من الأحكام، وقيل: هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول الآية للأمرين جميعًا، ولا وجه لتخصيص بعضهما دون بعض. قال الزجاج المعنى: أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضًا على بعض، انتهى. والعقد الذي يجب الوفاء به هو ما وافق الكتاب والسنة، فإن خالفهما .. فهو ردٌّ لا يجب الوفاء به، ولا يحل. والخلاصة: يا معشر المؤمنين ائتوا بالعقود والتكاليف التي ألزمها اللهُ تعالى إياكم بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وائتوا بموجب العقود الجارية بينكم من المعاملات، من بيع وإجارة مثلًا، وبموجب العقود التي جرت بينكم وبين أنفسكم من النذور، والعتاق، والطلاق. ثم شرع يفصِّل تلك الأحكام التي أمر بالإيفاء بها، وبدأ بما يتعلق بضروريات معايشهم، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ بعد تذكيتها ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الثلاثة، الإبل والبقر والغنم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إلا ما سيتلى عليكم تحريمه في هذه السورة، بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلخ؛ أي: أحل الله سبحانه

стр. 2900

وتعالى لكم أيها المؤمنون أكل البهيمة من الأنعام الثلاثة، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام بعد تذكيتها، وألحق بها بعض الوحوش والطيور بالسنة، كالظباء، وبقر الوحش، وحماره، والضب، والحمام، ونحوها إلا ما حرِّم أكله عليكم فيما سيتلى عليكم في الآية الثالثة من هذه السورة بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: حال من الكاف في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام حال كونكم غير على الصيد الذي حرّمه الله عليكم؛ أي: غير مجوزين للاصطياد في الإحرام باعتقاد حله، أو بفعله. ومعنى عدم إحلالهم له، تقرير حرمته عملًا واعتقادًا؛ أي: لا تجعلوه حلالًا عملًا واعتقادًا باصطياده، أو الأكل منه وأنتم محرمون بالحج، أو العمرة، أو كليهما، أو داخلون في أرض الحرم، فلا يحل الصيد لمن كان في أرض الحرم، ولو لم يكن محرمًا، ولا للمحرم بالحج أو العمرة وإن كان في خارج حدود الحرم، بأن نوى الدخول في هذا النسك وبدأ بأعماله، كالتلبية. والمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا إن كانت الأنعام ميتةً، أو موقوذةً، أو مترديةً، أو نطيحةً، أو افترسها السبع، أو ذُبحت على غير اسم الله، فهي محرمة، وإلا أن تحلوا الصيد في حال إحرامكم، أو في حال كونكم في الحرم؛ فإنه لا يحل لكم ذلك. والخلاصة: أحلت لكم هذه الأشياء غير على الاصطياد، ولا أكل الصيد في الإحرام. وقرأ الجمهور ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ بالنصب على الحال، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿غيرُ﴾ بالرفع، ويخرج على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وأنتم غير على الصيد. وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثَّاب ﴿حرم﴾ بسكون الراء، وهي لغة تميمية، يقولون في رسل: رسل، وفي كتب: كتب ونحو ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَحْكُمُ﴾ ويقضي ﴿مَا يُرِيدُ﴾ ويشاء في عباده؛ أي: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، كما

стр. 2901

شاء بحسب الحكم والمصالح التي يعلمها سبحانه، فأوفوا بعقوده وعهوده، ولا تنكثوها ولا تنقضوها، فهو مالك الكل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه. ٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ أي: معالم دين الله وأحكامه؛ أي: لا تتهاونوا مأمورات الشرع، ولا منهياته، ولا تنتهكوا حرمتها بترك المأمورات وفعل المنهيات، بل احترموا شعائر الله وأحكامه، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، وهذا عام، وذكر ما بعده من المعطوفات من ذكر الخاص بعد العام. وقيل: ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ما أراد جعله أمارات تعلمون بها الهدى من الضلال؛ كمناسك الحج، وسائر فرائض دينه من حلال وحرام، وحدود حدها لكم. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا شعائر دين الله حلالًا لكم، تتصرفون فيها كما تشاؤون، بل اعملوا بما بيَّنه لكم، ولا تتهاونوا بحرمتها وتحولوا بينها وبين المتنسكين بها، وتصدوا الناس عن الحج في أشهر الحج. وقيل: ﴿الشعائر﴾: الهدايا المشعرة؛ أي: المعلمة، وأشعارها: أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة، حتى يسيل دمه، فيكون ذلك علامة على أنه هدي، وهو سنة في الإبل والبقر، دون الغنم. والمعنى: لا تحلوا أخذ الهدايا المشعرة بسرقة أو غصب أو نهب من صاحبها. وقال أبو حيان ﴿الشعائر﴾: هي جميع ما حرمه الله تعالى مطلقًا، سواء كان في الإحرام أو في غيره، والمعطوفات الأربعة بعده مندرجة في عموم قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، فكان ذلك تخصيصًا بعد تعميم. والمعنى: لا تحلوا محرمات الله تعالى فعلًا واعتقادًا، بأن ترتكبوها وتعتقدوا حلها. ﴿وَلَا﴾ تحلوا ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ورجب، ولا تنتهكوا حرمتها؛ بأن تقاتلوا فيها أعداءكم من المشركين، كما رُوي عن ابن عباس وقتادة.

стр. 2902

﴿وَلَا﴾، تحلوا ﴿الْهَدْيَ﴾: الذي يهدى به إلى البيت الحرام من الأنعام أو غيرها، للتوسعة على من هناك من عاكفٍ وبادٍ؛ تقربًا إلى الله تعالى؛ وذلك بأن تمنعوا بلوغه محله من بيت الله بأخذه غصبًا وذبحه، أو سرقته أو حبسه عند من أخذه. ﴿وَلَا﴾ تحلوا ﴿الْقَلَائِدَ﴾؛ أي: ذوات القلائد من الهدي؛ أي: ولا تحلوا الهدايا ذوات القلائد، وكأنه قال: لا تحلوا الهدي مقلدًا ولا غير مقلد، وخص المقلد بالذكر؛ لأنه أكرم الهدي وأشرفه، والقلائد: جمع قلادة، وهي ما يعلق في عنق البعير ونحوه من حبل أو غعل؛ إشعارًا بأنها هدي. ﴿وَلَا﴾ تحلوا ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، أي: ولا تحلوا قتال قوم قاصدين البيت الحرام لزيارته بحج أو عمرة، فتصدوهم عن ذلك بأي وجه كان. وقرأ عبد الله وأصحابه ﴿ولا آمي البيت الحرام﴾ بالإضافة. وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ حال من الضمير المستكن في آمّين؛ أي: حالة كون الآمّين يطلبون ربحًا وزيادة من ربهم بالتجارة المباحة، أو المعنى: طالبين ثوبًا من ربهم ورضوانًا منه بالحج أو العمرة، يحول (١) بينهم وبين عقوبته في الدنيا؛ لئلا يحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم، وهذا على قراءة الجمهور بالياء .. كلام مع المشركين، كما روي عن قتادة أنه قال: هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم، وفي رواية أخرى عنه: والرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجل لهم العقوبة. وقرأ حميد بن قيس والأعرج (٢): ﴿تبتغون﴾ بالتاء، خطابًا للمؤمنين، والمعنى: على الخطاب: إن المؤمنين كانوا يقصدون قتالهم والغارة عليهم، وصدهم عن المسجد الحرام، امتثالًا لأمر الله تعالى وابتغاء مرضاته، إذ أمر تعالى بقتال المشركين وقتلهم، وسبي ذراريّهم، وأخذ أموالهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقرأ الأعمش ﴿ورضوانًا﴾ بضم الراء، وتقدم في آل عمران .. أنها قراءة أبي بكر عن عاصم، حيث وقع إلا في ثاني هذه السورة، فعنه فيه خلاف.

стр. 2903

وفي، "الخازن": فصل: اختلف (١) علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال قوم: هذه الآية منسوخة إلى هنا؛ أي: إلى قوله: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؛ وذلك لأنّ قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام وفي الحرم، وذلك منسوخ بقوله تعالى: (٤) ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يقتضي حرمة منع المشركين عن البيت الحرام، وذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن بالهدي والقلائد كافر، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأكثر المفسرين. وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم. والظاهر: ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية؛ لإجماع العلماء على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها، وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه وذراعيه جميع لحاء شجر الحرم لم يكن ذلك أمانًا له من القتل، إذا لم يكن قد تقدم له عقد ذمة أو أمان، وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والله تعالى أعلم، انتهى. ثم صرح بما فهم من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فقال. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾؛ أي: وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة، أو من أرض الحرم ﴿فَاصْطَادُوا﴾ الصيد الذي حُرِّمَ عليكم بالإحرام؛ أي: في غير الحرم إن شئتم؛ لأنّه إنما حُرِّم عليكم الصيد في أرض الحرم، وفي حال الإحرام فقط، وقد زال شبب حرمته، والأمر (٢) فيه أمر إباحة؛ لأنّه ليس واجبًا على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد، نظير قوله تعالى؛ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معناه: أنه قد أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة.

стр. 2904

وقرىء (١): ﴿وإذا أحللتم﴾ وهي لغة في حل، يقال: أحل من إحرامه، كما يقال: حلَّ من إحرامه. وقرأ (٢) أبو واقد، والجراح، ونبيح، والحسن بن عمران: ﴿فاصطادوا﴾ - بكسر الفاء -، قال الزمخشري: قيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداءِ بها. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم وعدواتهم لكم؛ أي: شدة بغضكم لقوم من أهل مكة بسبب ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ ومنعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: عن العمرة عامَ الحديبية على ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وتبغوا عليهم؛ أي: لا يحملنكم بغضكم قومًا لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام على ظلمكم واعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي من البغض. والمعنى: ولا (٣) يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على أن تعتدوا عليهم؛ لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام، وقد كان المشركون صدوا المؤمنين عن العمرة عام الحديبية، فنهى المؤمنين أن يعتدوا عليهم عام حجة الوداع، وهو العام الذي نزلت فيه هذه السورة؛ لأجل اعتدائهم السابق. وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ - بتشديد النون -. قرأ الحسن (٤)، وإبراهيم، وابن وثاب، والوليد عن يعقوب: ﴿يجرمنْكم﴾ بسكون النون، جعلوا نون التوكيد خفيفة. وقرأ النحويان (٥)، وابن كثير، وحمزة، وحفص، ونافع: ﴿شنآن﴾: بفتح النون. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر: (شنْآن) بسكونها، والأظهر في الفتح: أن يكون مصدرًا، وقد كثر مجيء المصدر على فعلان - بفتح العين -، وجوّزوا أن يكون وصفًا، وأما مجيء المصدر على فعْلان - بفتح الفاء، وسكون العين - .. فقليل. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير ﴿إن صدوكم﴾ بكسرة الهمزة، على أنها شرطية، ويؤيدها قراءة ابن مسعود ﴿إن صدوكم﴾ وأنكر ابن جرير والنحاس

стр. 2905

وغيرُهما قراءة كسر إن، وقالوا: إنما صد المشركون الرسول والمؤمنين عام الحديبية، والآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، والحديبية سنة ست، فالصد قبل نزول الآية. والكسر يقتضي أن يكون بعد؛ ولأن مكة كانت عام الفتح في أيدي المسلمين، فكيف يصدون عنها وهي في أيديهم؛ وهذا الإنكار منهم لهذه القراءة صعب جدًّا؛ فإنها قراءة متواترة؛ إذ هي في السبعة، والمعنى معها صحيح، والتقدير: إن وقع صد في المستقبل مثل ذلك الصد الذي كان زمن الحديبية، وهذا النهي تشريع في المستقبل، وليس نزول هذه الآية عام الفتح مجمعًا عليه، بل ذكر اليزيدي: أنها نزلت قبل أن يصدوهم، فعلى هذا القول يكون الشرط واضحًا. وقرأ باقي السبعة: بفتح الهمزة، جعلوه تعليلًا للشنآن، وهي قراءة واضحة؛ أي: شنئان قوم من أجل أن صدوكم عام الحديبية عن المسجد الحرام. والاعتداء: الانتقام منهم، بإلحاق المكروه بهم. ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾؛ أي: على فعل المأمورات ﴿و﴾ على ﴿التقوى﴾؛ أي: وعلى اجتناب المنهيات. وقيل: تعاونوا على البر والتقوى؛ أي: على العفو والإغضاء (١)، ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى؛ أي: ليعن بعضكم بعضًا على ما يكسب البر والتقوى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾؛ أي: على ترك المأمورات ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾؛ أي: على فعل المحظورات؛ أي: ولا يعن بعضكم بعضًا على الإثم والعدوان، وقيل: ولا تعاونوا على الانتقام والتشفي، والبر (٢): فعل المأمور، والتقوى: ترك المحظور، والإثم: ترك المأمور، والعدوان: فعل المحظور. وقال المراغي: البر: التوسع في فعل الخير، والتقوى: اتقاء ما يضر صاحبه في دينه أو دنياه، والإثم: كل ذنب ومعصية، والعدوان: تجاوز حدود الشرع والعرف في المعاملة، والخروج عن العدل فيها، وفي الحديث: "البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس". رواه مسلم وأصحاب السنن. وروى أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد الجهني: أنه قال: أتيت

стр. 2906

رسول الله ﷺ فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم" قلت: نعم - وكان قد جاء لأجل ذلك - فأخبره النبي ﷺ بما في نفسه وأجابه، فقال: "استفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". والأمر بالتعاون (١) على البر والتقوى .. من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن؛ إذ يوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضًا على كل ما ينفع الناس، أفرادًا وجماعات، في دينهم ودنياهم، وعلى كل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم. وقد كان المسلمون في الصدر الأول يتعاونون على البر والتقوى بدون حاجة إلى ارتباط بعهد، كما تفعله الجماعات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيًا لهم عن غيره، ولكن لما نكثوا ذلك العد .. صاروا في حاجة إلى تأليف هذه الجماعات؛ لجمع طوائف المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب التعاون على البر والتقوى. وقلما ترى أحدًا الآن يعينك على عمل من أعمال البر إلا إذًا كان مرتبطًا بعهد معك لغرض معين، ومن ثم كان تأليف الجماعات مما يتوقف عليه أداء هذا الواجب غالبًا. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب مناهيه، ولا تستحلوا شيئًا من محارمه ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والانتقام لمن خالف أمره، ففيه وعيد شديد وتهديد عظيم. والمعنى: واتقوا الله بالسير على سننه التي بيّنها لكم في كتابه وفي نظم خلقه، حتى لا يصيبكم عقابه بالإعراض عن هدايته، فهو شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه ومراعاة سننه في خلقه؛ إذ لا محاباة ولا هوادة في عقابه، فهو لم يأمر بشيء إلا إذا كان نافعًا، ولم ينه عن شيء إلا إذا كان ضارًّا وكذلك بعدم مراعاة السنن؛ لأن لذلك تأثيرًا في خلق الإنسان وعقائده وأعماله، وكل ذلك مما يوقعه في الغواية، وينتهي به إلى سوء العاقبة، وهذا العقاب يشمل عقاب الدنيا والآخرة، كما جاء في بعض

стр. 2907

الآيات التصريح بذلك، وفي بعضها التصريح بأحدهما، كقوله في عذاب الأمم في الدنيا ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾. ٣ - ثم شرع الله في بيان المحرمات التي أشير إليها في أول السورة بقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وهي عشرة أنواع: الأول: ما ذكره بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ أي: حرم عليكم أيها المؤمنون أكل الميتة .. إلا ميتة السمك والجراد؛ فإنهما مستثنيان بالحديث، والميتة: هي التي زالت حياتها بغير ذكاة شرعية، سواء مات حتف أنفه، أو ذبحه مجوسي أو وثني مثلًا، وكان أهل الجاهلية يقولون: إنكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله! واعلم أن تحريم الميتة .. موافقٌ لما في العقول؛ لأن الدم جوهر لطيف جدًّا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه .. احتبس الدم في عروقه، وتعفن وفسد، وحصل من أكله مضار عظيمة. والحكمة في تحريم الميتة: ١ - استقذار الطباع السليمة لها. ٢ - أنّ في أكلها مهانة تنافي عزة النفس وكرامتها. ٣ - والضرر الذي ينشأ من أكلها، سواء كانت قد ماتت بمرض، أو شدة ضعف، أو بغير ذلك. ٤ - وتعويد المسلم أن لا يأكل إلا مما كان له قصد في إزهاق روحه. والثاني: ما ذكره بقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾؛ أي: وحرم عليكم أكل الدم، المراد به: الدم المسفوح؛ أي: السائل المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان وإن جمد بعد ذلك، خلاف المتجمد طبيعة؛ كالطحال، والكبد، فإنهما خصِّصَا بالحديث، وكالدم الذي يتخلل اللحم عادة؛ فإنه لا يسمَّى مسفوحًا، وكان أهل الجاهلية يملؤون الأمعاء من الدم بصبه فيها ويشوونه ويطعمونه الضيف. وحكمه تحريم الدم: الضرر والاستقذار أيضًا، أما الضرر؛ فلأنه عسر

стр. 2908

الهضم جد العسر، ويحمل كثيرًا من المواد العفنة التي تنحل من الجسم، وهي فضلات لفظتها الطبيعة كما تلفظ البراز ونحوه، واستعاضت عنها بمواد جديدة من الدم، وقد يكون جراثيم بعض الأمراض المعدية، وهي تكون فيه أكثر مما تكون في اللحم، ومن أجل هذا اتفق الأطباء على وجوب غلي اللبن قبل شربه؛ لقتل ما عسى أن يكون قد علق به من جراثيم الأمراض المعدية. والثالث: ما ذكره بقوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ أي: وحرم عليكم أكل لحم الخنزير، والمراد به: جميع أجزائه وأعضائه، وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه المقصود بالأكل. والحكمة في تحريم لحم الخنزير (١): الضرر والاستقذار؛ لملازمته للقاذورات ورغبته فيها، أما ضرره .. فقد أثبته الطب الحديث؛ إذ أثبت أنه له ضررًا يأتي من أكله القاذورات، فإن أكله يولد الديدان الشريطية، كالدودة الوحيدة، ودودة أخرى تسمى الشعرة الحلزونية، وهي تنشأ من أكله الفيران الميتة، كما أثبت أن لحمه أعسر اللحوم هضمًا؛ لكثرة الشحم في أليافه العضلية، وأن المواد الدهنية التي فيه تمنع وصول عصير المعدة إلى الطعام، فيعسر هضم المواد الزلالية، وتتعب معدة آكله، ويشعر بثقل في بطنه واضطراب في قلبه، فإن ذرعه القيء، فقذف هذه المواد الخبيثة .. خف ضرره، وإلا تهيجت المعدة وأصيب بالإسهال، ولولا أن العادة قد جرت بتناول السموم أكلًا وشربًا وتدخينًا، ولولا ما يعالجون به لحم الخنزير لتخفيف ضرره .. لما أمكن الناس أن يأكلوه، ولا سيما أهل البلاد الحارة. قال أهل العلم: الغذاء يصير جزءًا من جوهر المغتذي، فلا بدَّ أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلًا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم، ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان؛ لئلا يتكيف بتلك الكيفية، ولذلك إن الفرنج لما واظبوا على أكل لحم الخنزير .. أورثهم الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المشتهيات

стр. 2909

وأورثهم عدم المغيرة، فإنَّ الخنزير يرى الذكر من الخنازير ينزو على الأنثى التي هي له ولا يتعرض له؛ لعدم المغيرة. وأما الشاة .. فإنها حيوان في غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان - بسبب أكل لحمها - كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان. والرابع: ما ذكره بقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أي: وحرم (١) عليكم ما ذكر على ذبحه غير اسم الله تعالى، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح، فحرم الله ذلك بهذه الآية، بقوله: ﴿وَلَا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، والمعنى: ﴿وَمَا أُهِلَّ﴾؛ أي: رفع الصوت ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بغير اسم الله ﴿بِهِ﴾؛ أي: عند ذبحه، فاللّام بمعنى الباء، والباء بمعنى عند، والإهلال: رفع الصوت، يقال: أهل فلان بالحج .. إذا رفع صوته بالتلبية له: "لبيك اللهم لبيك"، واستهل الصبي إذا صرخ عند الولادة، والمراد به: ما ذبح على ذكر غير الله تعالى من المخلوقات التي يعظمها الناس تعظيمًا دينيًّا، ويتقربون إليها بالذبائح، وكانوا يذبحون لأصنامهم فيرفعون أصواتهم بقولهم: باسم اللات، أو باسم العزى، وحكمة التحريم في هذا: أنه من عبادة غير الله، فالأكل منه مشاركة لأهله ومشايعة لهم عليه، وهو مما يجب إنكاره لا إقراره. ويدخل في ذلك: ما ذكر عند ذبحه اسم نبي، أو ولي كما يفعل بعض أهل الكتاب وجهلة المسلمين الذين اتبعوا من قبلهم، وساروا على نهجهم باعًا فباعًا، وذراعًا فذراعًا. والخامس: ما ذكره بقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أي: التي (٢) ماتت بانعصار الحلق وانحباس النفس فيها، فالمنخنقة على وجوه: منها: أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها، ومنها: ما يخنق بحبل الصائد، ومنها: ما يدخل رأسها بين عودين من شجرة فتختنق، فتموت.

стр. 2910

وقد روى ابن جرير في تفسيرها أقوالًا (١): فعن السدي: أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، فتختنق فتموت، وعن ابن عباس والضحاك في التي تختنق فتموت، وفي رواية عن الضحاك: هي الشاة توثق فيقتلها خناقها، ثم قال: وأول هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق، إما في وثاقها، أو بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت. وهي بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه، من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في الميتة، وإنما خصها بالذكر؛ لأن بعض العرب في الجاهلية يأكلونها، ولئلا يشتبه الأمر فيها على بعض الناس، بأن لموتها سببًا معروفًا، والعبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان، لأجل الأكل حتى يكون واثقًا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها. والسادس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾؛ أي: وحرم عليكم أكل الموقوذة - من الوقذ - وهي شدة الضرب، ويقال: شاة وقيذ وموقوذة، والموقوذة هنا: هي المضروبة بخشبة، أو عصا، أو حجر، أو بكل ما لا حد له، حتى تموت بلا ذكاة، وكانوا يأكلونها في الجاهلية. والوقذ يحرم في الإسلام (٢)؛ لأنه تعذيب للحيوان، قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" رواه مسلم وأصحاب السنن. ولما كان الوقذ محرمًا حرم ما قتل به، وهي تدخل في عموم الميتة أيضًا على الوجه الذي ذكرنا؛ فإنها لم تذك تذكية شرعية، ويدخل في الموقوذة: ما رمي بالبندق - وهو نحو كرة من الطين تجفف ويرمى بها بعد يبسها - لما رُوي (أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف - الرمي بالحصى - والخذف لكل يابس غير محدد، سواء رمى باليد، أو بالمخذفة، أو بالمقلاع. وقال: "إنه يفقأ العين ولا ينكأ العدو، ولا يحرز صيدًا" ففي هذا الحديث نص على العلة، وهو أنه تعذيب
следующие страницы →