﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿الْعِجْلَ﴾: مفعول أول له، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهًا، كما أشرنا إليه في بحث التفسير، والجملة معطوفة على جملة قالوا، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق باتخذوا، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة ففي تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، والتقدير: من بعد مجيء البينات إياهم. ﴿فَعَفَوْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْ ذَلِكَ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة اتخذوا. ﴿وَآتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾: مفعول أول. ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول ثان. ﴿مُبِينًا﴾: صفة له، والجملة معطوفة على جملة عفونا.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.
﴿وَرَفَعْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على آتينا. ﴿فَوْقَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق برفعنا، ويجوز أن يكون حالًا من الطّور. ﴿الطُّورَ﴾: مفعول به. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق برفعنا. ﴿وَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة رفعنا. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق برفعنا. ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿سُجَّدًا﴾: حال من فاعل ادخلوا، والجملة في محل النصب مقول لقلنا. ﴿وَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على رفعنا أيضًا. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بقلنا. ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ جازم وفعل وفاعل، ﴿فِي السَّبْتِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَأَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على رفعنا. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِيثَاقًا﴾: مفعول به، ﴿غَلِيظًا﴾: صفة له.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾.
﴿فَبِمَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية بمعنى الواو، الباء: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: زائدة، ﴿نَقْضِهِمْ﴾: مجرور بالباء ومضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف،
стр. 2837
تقديره: ولعناهم بسبب نقضهم. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: ميثاق مفعول النقض ومضاف إليه. ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾: معطوف على نقضهم. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكفرهم. ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾: معطوف أيضًا على نقضهم. ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾: مفعول القتل. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: قتلًا كائنًا بغير حق. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على نقضهم. ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مقول محكي لقولهم، وإن شئت قلت: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب إبطالي، ﴿طَبَعَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بطبع، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: ليس الأمر كما قالوا من قولهم: قلوبنا غلف بل طبع الله عليها. ﴿فَلَا﴾: الفاء: عاطفة تفريعية، لا: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة طبع. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلًا.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾: معطوف على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وكرَّر الباء للفصل بينه وبين المعطوف عليه بأجنبي وهو قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ...﴾ إلخ. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على كفرهم. ﴿عَلَى مَرْيَمَ﴾: متعلق بقولهم، أو حال من بهتانا. ﴿بُهْتَانًا﴾: مفعول مطلق لقولهم؛ لأنه ضرب منه فهو كقولهم: قعد القرفصاء. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة بهتانًا. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على كفرهم. ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾: مقول محكي لقولهم، وإن شئت قلت: ﴿إنَّ﴾ حرف نصب، ونا: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها، ﴿قَتَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿الْمَسِيحَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة إنَّ في محل النصب مقول القول، ﴿عِيسَى﴾: بدل من المسيح، أو عطف بيان منه، ﴿ابْنَ﴾: صفة لعيسى وهو مضاف، ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾: بدل ثان من المسيح، أو عطف بيان منه، وهو مضاف، ولفظ الجلالة: مضاف إليه. ﴿وَمَا﴾: الواو: حالية،
стр. 2838
﴿ما﴾: نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من ضمير قولهم، ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾: ناف وفعل وفاعل ومفعول معطوف على ما قتلوه. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لكن﴾: حرف استدراك، ﴿شُبِّهَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب الفاعل، أو متعلق بشبه، ونائب الفاعل ضمير يعود على المقتول والمصلوب، والجملة استدراكية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ ﴿اللام﴾: لام الابتداء، ﴿في شك﴾: جار ومجرور خبر إن، ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لشك، وجملة إنَّ: مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر، والعامل فيه الاستقرارُ المقدر، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿من﴾: زائدة، ﴿علم﴾: مبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجر صفة ثانية لشك، أي غير معلوم.
وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ يجوز في ﴿علم﴾ وجهان:
أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية، والعامل أحد الجارين إما لهم، وإما به، وإذا جُعل أحدهما رافعًا له تعلق الآخر بما تعلق به الرافع من الاستقرار المقدر، ومِن: زائدة لوجود شرطي الزيادة.
والوجه الثاني: أن يكون مبتدأً زِيدت فيه ﴿مِنْ﴾ أيضًا، وفي الخبر احتمالان أحدهما: أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ فيكون به إما حالًا من الضمير المستكن في الخبر والعامل فيها الاستقرار المقدر، وإما حالًا من علم، وإن كان نكرة؛
стр. 2839
لتقدمها ولاعتماده على نفي. والاحتمال الثاني: أن يكون ﴿به﴾ هو الخبر. ﴿ولهم﴾ متعلق بالاستقرار كما تقدم، وهذه الجملة المنفية تحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: الجر على أنها صفة ثانية لشك؛ أي: غير معلوم.
الثاني: النصب على الحال من شك، وجاز ذلك وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بالوصف بقوله منه.
الثالث: الاستئناف، ذكره أبو البقاء، وهو بعيد اهـ "سمين".
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، ﴿اتِّبَاعَ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿الظَّنِّ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿يَقِينًا﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: وما قتلوه قتلًا يقينًا، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ علي كونها صفة لشك.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.
﴿بَلْ﴾: بل: حرف عطف وإضراب. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق برفع، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: ليس الأمر كما قالوا من قولهم: إنا قتلنا المسيح، بل رفعه الله إليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَزِيزًا﴾: خبر أول لكان. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية، (إن): نافية، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور مضاف إليه صفة لمبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: وما أحد كائن من أهل الكتاب ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿لَيُؤْمِنَنَّ﴾: اللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله ليؤمنن، ﴿يؤمنن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤمنن﴾، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يؤمنن﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه
стр. 2840
في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بشهيدًا، أو بيكون. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على عيسى. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بشهيدًا. ﴿شَهِيدًا﴾: خبر يكون، وجملة يكون مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾: يحبُّ بضم أوله، من أحب الرباعي، وهو بمعنى حبه، وهو أكثر استعمالًا من حب الثلاثي، فهو محب وذاك محب ومحبوب، وأما ثلاثيه فمن المضاعف المعدّى الذي انفرد بالكسر الشاذ، ولم يسمع فيه الضم وكان قياسه ضمَّ عين المضارع، ولكنه لم يسمع على ما قاله ابن مالك في لامية الأفعال:
فَذُوْ التَعَدِّيْ بِكَسْرِ حَبَّهُ وَعِ ذَا ... وَجْهَيْنِ هَرَّ وَشَذَّ عَلَّهُ عَلَلاَ
وعبارة "مناهل الرجال" هنا يقال: حبه يحبه، بفتح الياء وكسر الحاء حبًّا وحبًّا، لغة في أحبه يحبه بضم الياء وكسر الحاء، وقد تبع الناظم وابنه في ذلك الجوهري، لكن قال أبو حيان: إنه سمع فيه الضم أيضًا، فيكون فيه وجهان، فعليه ليس في المضاعف المعدَّى كسرٌ فقط أصلًا. انتهت.
ومعنى حب الله للشيء هو: الرضا به والإثابة عليه كما مر، وعدمُ حبه للشيء: السخط عليه والعقاب به.
﴿الْجَهْرَ﴾: ضد السر والإخفاء، يقال: جهر الأمر وبالأمر يجهر - من باب نصر - جهرًا وجهارًا وجهرةً إذا أعلنه، وجهر بالقول يجهر - من باب فتح - جهرًا وجهارًا إذا رفع به صوته، وجهر الصوت إذا رفعه. ﴿بِالسُّوءِ﴾ - بضم أوَّله: اسم مصدر من ساءه الأمر يسوءه سوءًا وسواء وسواءة، من باب قال إذا أحزنه أو فعل به ما يكرهه، يجمع على أسواء. وكل آفة الشر والفساد.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من أبدى الرباعي، يقال: أبدى الشيء إذا
стр. 2841
أظهره، ومن أخفى الرّباعي، يقال: أخفى الشيء إذا أسره وستره من غيره.
﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: أصله أعددنا، قلبت الدال الأولى تاء، فهو من باب أفعل الرباعي، وليست التاء تاء الافتعال كما مر. ﴿سُلْطَانًا﴾: مصدر بمعنى التسلط، وفي "المختار": والسلاطة: القهر، يقال: سلط ككرم وسمع، وسلاطة وسلوطة بالضم، وقد سلطه الله تسليطًا فتسلط عليهم، والسلطان: الوالي، والسلطان أيضًا: الحجة والبرهان، ولا يثنى ولا يجمع؛ لأن مجراه مجرى المصدر. انتهى. ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، كعادل وعدل، وراكع وركع، قال ابن مالك:
وفُعَلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ ... وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا﴾: من عدا (١) يعدو - من باب غزا يغزو - وأصله: تعدووا، الواو الأولى المضمومة لام الكلمة استثقلت الضمة عليها فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فوزنه: تعفوا، وقرأ ورش: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ بفتح العين وتشديد الدال، على أن الأصل: لا تعتدوا، وتصريفه على هذه القراءة: أنه نُقلت فتحة التاء إلى العين الساكنة قبلها ثم قلبت التاء دالًا وأدغمت في الدَّال بعدها كما مر في بحث القراءة والمعنى: أنهم نهوا عن الاعتداء في السبت بصيد السمك، فخالف بعضهم واصطاد، وامتنع بعضهم من غير نهي للآخرين، وامتنع بعضهم مع نهي من اصطاد، فحل بمن اصطاد العذاب ونجا من نهى، وسيأتي بسط ذلك في سورة الأعراف.
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: جمع أغلف، كحمر جمع أحمر، ويصح أن يكون جمع غلاف، ككتاب وكتب، وسكن للتخفيف. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾: يقال: طبع الشيء يطبع - من باب فتح - طبعًا، إذا صوره بصورة ما، وطبع عليه إذا ختم عليه، ويقال: طبع الله على قلبه، أي: ختم وغطى، فلا يعي ولا يوفق، وطبع الدرهم إذا نقشه وسكه، وطبع السيف إذا عمله وصاغه، وطبع الله الخلق خلقهم. ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾: يقال: صلبه يصلبه صلبًا، - من بابي نصر وضرب - إذا جعله
стр. 2842
مصلوبًا، أي: معلقًا بعد القتل على خشبة قائمة مثلًا.
البلاغة
وتضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبديع (١):
فمنها: التكرار في قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ و ﴿وَيُرِيدُونَ﴾، وفي قوله: ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ و ﴿كِتَابًا﴾، وفي قوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ و ﴿مِيثَاقًا﴾.
ومنا: الطباق بين ﴿تُبْدُوا﴾ ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾، وفي قوله: ﴿نُؤْمِنُ﴾ ﴿وَنَكْفُرُ﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾.
ومنها: الإشارة في مواضع.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا﴾ ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾، وهو حقيقة في الأجسام استعير للمعاني، وفي قوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ استعير للحجة، وفي قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ استعار الغلاف بمعنى الغطاء؛ لعدم الفهم والإدراك؛ أي: لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، و ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾.
ومنها: زيادة الحرف لمعنى التأكيد في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾.
ومنها: إسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، و ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وإلى الراضي به في قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، وفي قوله: ﴿قَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾، وفي قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾.
ومنها: حصن النسق في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، والمعاطيف عليه؛ حيث نسقت بالواو التي تدل على الجمع فقط، وبين هذه الأشياء أعصار متباعدة، فشرّك أوائلهم وأواخرهم لعمل أولئك ورضا هؤلاء.
ومنها: إطلاق اسم الكل على البعض في قوله: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن والإنجيل، ولم يكفروا بشيء من الكتب إلا بهما، وفي قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾
стр. 2843
ولم يقلْ ذلك إلا بعضهم.
ومنها: التعريض والتهكم في قوله: ﴿قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذا قلنا: إنه عن كلامهم، قالوه على سبيل التهكم والاستهزاء؛ لأنهم لا يؤمنون برسالته.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردًّا لمزاعمهم الفاسدة.
ومنها: التوجيه في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ من احتمال المصدر جمع غلاف، أو جمع أغلف.
ومنها: عود الضمير علي غير مذكور في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على من جعلهما لغير عيسى.
ومنها: النقل من صيغة فاعل إلى صيغة فعيل في قوله: ﴿شَهِيدًا﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ والأصل: سيؤتيهم، وتنكير الأجر للتفخيم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ حيث أطلق الكل وأريد البعض.
ومنها: الحذف في مواضع.
ومنها (١): الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ لغرض ذمهم وتذكيرًا لوصفهم، أو المراد جمع الكافرين.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾؛ لأن قوله حقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله.
ومنها: التوطئة في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ قد ذكر
стр. 2844
في حيّز الشرط ثلاثة أشياء، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، إنما يظهر كونه جزاءً للثالث، فيكونُ المقصودُ مِنَ الكلام الثالث، والأوَّلان إنما ذكرا توطئة له، كما أشار إليه "البيضاوي"، ونصُّه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾. طاعة وبرًّا ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي: تفعلوه سرًّا ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. لكم المؤاخذة عليه، وهو المقصود. وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة له، ولذلك رتب عليه قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾.
والله أعلم
* * *
الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما فرغ من الكلام على أهل الكتاب .. فإنه ذكر (١) عنهم أولًا أنهم يفرقون بين الله ورسله، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ثم انتقل إلى ذكر شيء من عنادهم وإعناتهم للنبي ﷺ ، وطلبهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وبين أنه لا غرابة في ذلك؛ فقد شاغبوا موسى من قبله وسألوه ما هو أكبر من ذلك، ثم ذكر كفرهم بعيسى ﵇ وبهتهم أمه، ومحاولتهم قتله وصلبه، وفي كل هذا دليل على تأصل العناد فيهم، ولولا ذلك .. لما شاغبوك، فإن الدليل على نبوتك أوضح مما يدعون الإيمان بمثله ممن قبلك، وختم هنا الكلام في محاجتهم ببيان أن الوحي جنس واحد، ولو كان إيمانهم بالرسل السابقين صحيحًا .. لما كفروا بمحمد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٢) أزال في الآيات السالفة ما كان لليهود من شبهة في نبوة محمَّد ﷺ بشهادة الله بما أنزل عليه مما لم يستطع البشر أن يأتوا بمثله .. أنْذَرَ في هذه الآيات من يصر منهم على الكفر ويستمر على الإعراض والظلم، وبين لهم سوء العاقبة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روى (٣) ابن إسحاق عن ابن عباس ﵁ قال: قال عدي بن زيد: ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى، فأنزل هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله ﷺ فقال لهم: "إني أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله " فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ...﴾ الآية.
стр. 2847
التفسير وأوجه القراءة
١٦٠ - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: فالباء للسببية، والتنوين للتنكير والتعظيم؛ أي: فبسبب ظلم عظيم واقع من الذين رجعوا وتابوا عن عبادة العجل. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الذين هادوا ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي؛ مستلذات كانت محللة لهم قبل ظلمهم، لا بسبب شيء آخر، كما زعموا أنها كانت محرمة على مَنْ قبلهم، فإن اليهود كانوا كلّما فعلوا معصية من المعاصي يحرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن قبلهم عقوبة لهم. يعني: ما حرمنا عليهم الطيبات التي كانت حلالًا لهم إلا بظلم عظيم ارتكبوه، وذلك الظلم هو: ما ذكره من نقضهم الميثاق، وما عدد عليهم من أنواع الكفر والكبائر العظيمة، مثل قولهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، وكقولهم: أرنا الله جهرة، وكعبادتهم العجل، فبسبب هذه الأمور حرَّم الله عليهم طيباتٍ كانت حلالًا لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وكانوا كما ارتكبوا معصية يحرم عليهم نوع من الطيبات، وهم مع ذلك كانوا يفترون على الله الكذب، ويقولون: لسنا بأول من حُرِّمت عليه، بل كانت محرَّمة على نوح وإبراهيم، فكذبهم اللهُ تعالى في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
أما الطيبات التي حرَّمها الله تعالى عليهم: فهي ما بُيِّن في قوله جل ذكره في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية، وقد أبهمها الله تعالى هنا؛ لأن الغرض من السياق العبرة بكونها عقوبة، لا بيانها في نفسها، كما أبهم الظلم الذي كان سببًا في العقوبة؛ ليعلم أن أي نوع منه يكون سببًا للعقاب في الدنيا والآخرة، والعقاب:
إما دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم، كالحدود والتعزيرات، وما اقتضته السنن التي سنها الله تعالى في نظم الاجتماع، من كون الظلم سببًا لضعف الأمم، وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها.
وإما أخروي: هو ما بينه في الكتاب الكريم من العذاب في النار، ثم بين
стр. 2848
هذا الظلم وفصله بعد ذكره أولًا إجمالًا؛ ليكون أوقع في النفس وأبلغ في الموعظة، فقال: ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾؛ أي: وحرَّمنا عليهم طيبات أحلت لهم بسبب صدهم ومنعهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ودينه ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: ناسًا كثيرًا، أو صدًّا كثيرًا، أو زمانًا كثيرًا، والأول أولى، والصد والصدود: المنع، وهو يشمل صدَّهم أنفسهم عن سبيل الله بما كانوا يعصون به موسى، ويعاندونه مرارًا، وصدهم الناس عن سبيل الله بسوء القدوة، أو بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
وإنما أعيدت الباء في قوله (١): ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ ولم تُعَدْ في قوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ﴾ وما بعده؛ لأنه قد فصَل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولًا للمعطوف عليه، بل بالعامل فيه، وهو ﴿حَرَّمْنَا﴾ وما تعلق به، فلما بعد المعطوف من المعطوف عليه بالفصل بما ليس معمولًا للمعطوف عليه .. أعيدت الباء لذلك، وأما ما بعده فلم يفصل فيه إلا بما هو معمول للمعطوف عليه، وهو الربا.
١٦١ - ﴿وَ﴾ حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ﴿أَخْذِهِمُ﴾ وأكلهم ﴿الرِّبَا﴾ والزيادة في المعاملات ﴿وَ﴾ الحال أنهم ﴿قَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: عن معاملة الربا مطلقًا على ألسنة أنبيائهم، والتوراةُ (٢) التي بأيديهم إنما تصرحُ بتحريم أخذهم الربا من شعبهم ومن إخوتهم دون الأجانب، وهي محرَّفة، أما النسخة التي كتبها موسى .. فقد فقدت باتفاق اليهود والنصارى، وبعض أنبيائهم قد نهوا عن الربا إطلاقًا، فلم يقيدوه بشعب إسرائيل، كقول داود في "المزمور الخامس عشر من الزبور": فضته لا يعطيها بالربا, ولا يأخذ الرشوة من البريء ﴿وَ﴾ حرَّمنا عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ﴿أَكْلِهِمْ﴾ وأخذهم ﴿أَمْوَالَ النَّاسِ﴾ ﴿بِـ﴾ الوجه ﴿الْبَاطِلِ﴾؛ أي: بطريق الرشوة والخيانة وسائر الوجوه المحرمة مما أخذ فيه المال بلا مقابل يعتد به.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ والسحت: الكسب الحرام، فقد كانوا يأخذون أثمان الكتب التي يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: هي من عند الله تعالى.
стр. 2849
وفي ذكر هذه الآية امتنان على هذه الأمة حيث لم يعاملهم معاملة اليهود فيحرّم عليهم في الدنيا الطيبات عقوبةً لهم بذنوبهم، فهذه الأربعة هي الذنوب التي اقترفوها، والجرائم التي ارتكبوها، وشدد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد في الدنيا .. فهو ما تقدم من تحريم الطيبات عليهم، وأما التشديد عليهم في الآخرة .. فقد بين جزاءهم عليها في الآخرة، فقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: وأعددنا وهيأنا للذين كفروا برسل الله، وجحدوا ما جاؤوا به، وأصروا على الكفر ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل الكتاب دون من آمن منهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: عذابًا مؤلمًا في نار جهنم خالدين فيها أبدًا.
قال المفسرون (١): إنّما قال: منهم؛ لأنَّ الله علم أنَّ قومًا منهم سيؤمنون، فيأمَنون من العذاب،
١٦٢ - وبعد أن بيَّن الله تعالى في هذا السياق سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم، وأطلق القولَ في ذلك، وكان هذا مما يوهم أنَّه شامل لكل أفرادهم .. جاء الاستدراك عقبه ببيان حال خيارهم الذين لم يذهب عمى التقليد بنور عقولهم، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾؛ أي: لكن المتمكنون في علم التوراة من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: منهم، ومن المهاجرين والأنصار وسائر أمتك ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يا محمَّد، وهو القرآن ﴿وَ﴾ يؤمنون بـ ﴿بما أنزل من قبلك﴾ على سائر الأنبياء من الكتب السماوية؛ أي: لكنْ أهل العلم الصحيح بالدين منهم، المستبصرون فيه، غير التابعين للظنّ، الذين لا يشترون به ثمنًا قليلًا من المال والجاه، والمؤمنون من أمتك إيمان إذعان لا إيمان عصبية وجدل .. يؤمنون بما أنزل إليك من البينات والهدى، وما أنزل على موسى وعيسى وغيرهما من الرسل، ولا يفرِّقون بين الله ورسله بهوىً ولا عصبية، روى ابن إسحاق والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية، حين فارقوا يهود وأسلموا.
стр. 2850
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: وامتدح المقيمين الصلاة الذين يُؤدّونها على وجه الكمال، فهم أجدر المؤمنين بالرسوخ في الإيصان؛ إذ إقامتها بإتمام أركانها علامة كمال إلإيمان، واطمئنان النفس به. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: مبتدأ، خبرُه محذوف، تقديره؛ أي: والمؤتون الزكاة المفروضة في مصارفها، والمؤمنون بوحدانية الله ومجيء اليوم الآخر، مع ما فيه من الحساب والجزاء، مثل المقيمين الصلاة في استحقاق المدح بالتبع؛ إذ إقامتها تستدعي إيتاء الزكاة، فإن الذي يقيمها على الوجه الذي طلبه الشرع .. لا يمنع الزكاة؛ إذ هي مما تزكي النفس، وتعلي الهمة، وتهون على النفس المال - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ الآية.
﴿أُولَئِكَ﴾: الموصوفون بالصفات السابقة ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: سنعطيهم في الآخرة على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره: ثوابًا جزيلًا لا يدرك وصفه إلا علام الغيوب، وهو الجنة. قال أبو حيان (١): وارتفع الراسخون على الابتداء، والخبر ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لا غير؛ لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة، ومن جعل الخبر جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ فقوله ضعيف. وانتصب ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ على المدح، وارتفع ﴿وَالْمُؤْتُونَ﴾ هو أيضًا على إضمار (وهم) على سبيل القطع إلى الرفع، ولا يجوز أن يعطف على المرفوع قبله؛ لأن النعت إذا انقطع في شيء منه .. لم يعد ما بعده إلى إعراب المنعوت، وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة، فأكثر الوصف؛ بأن جعل في جمل. وقرأ ابن جبير (٢)، وعمرو بن عبيد، والجحدري، وعيسى بن عمر، ومالك بن دينار، وعاصم عن الأعمش، ويونس وهارون عن أبي عمرو: ﴿وَالْمُقِيمِون﴾ - بالرفع - نسقًا على الأول، وكذا هو في مصحف ابن مسعود، قاله الفراء، وروى أنها كذلك في مصحف أُبيٍّ، وقيل: بل هي فيه ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾، كمصحف عثمان.
стр. 2851
وقرأ حمزة ﴿سيؤتيهم﴾ - بالياء - عودًا على قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقرأ باقي السبعة على الالتفات، ومناسبة ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾.
١٦٣ - ﴿إِنَّا﴾ قد ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد هذا القرآن ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد نوح، والكاف في قوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ نعت لمصدر محذوف؛ أي: أوحينا إليك إيحاءً مثل إيحائنا إلى نوح والنبيين من بعده، وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر قال قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا" قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاث مئة وثلاثة عشر، جم غفير"، والمعنى: إنا قد أوحينا إليك هذا القرآن كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ممن يؤمن بهم، والله لم يُنَزِّل على أحد منهم كتابًا من السماء كما سألوك للتعجيز والعناد؛ لأن الوحي ضرب من الإعلام السريع الخفي، وليس بالأمر المشاهد الحسي.
وقيل: هذه الآية متصلة في المعنى بقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فهي (١) جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء جملةً واحدة، والمعنى: أنكم يا معشر اليهود تقرون بنبوة نوح، وبجميع المذكورين في هذه الآية، وهم اثنا عشر نبيًّا، وأن الله تعالى أوحى إلى هؤلاء الأنبياء، وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك، وما أنزل الله على أحد من هؤلاء المذكورين كتابًا جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى، فكما لم يكن عدم إنزال الكتاب جملة واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحًا في ثبوته .. فكذلك لا يكون إنزال الكتاب على محمَّد ﷺ مفرقًا قادحًا في نبوته , بل قد أنزل عليه كما أنزل عليهم.
قال المفسرون (٢): وإنما بدأ الله بذكر نوح ﵇؛ لأنه أول نبي بعث بشريعة وتكليف، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عُذِّبت أمته لردهم دعوته وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم ﵉، وكان أطول الأنبياء عمرًا، عاش ألف سنة،
стр. 2852
لم تنقص قوّته، ولم يُنسب، ولم تنقص له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره.
ثم ذكر الله تعالى الأنبياء من بعده جملة بقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ثم خص جماعة من الأنبياء بالذكر؛ لشرفهم وفضلهم فقال: ﴿وَ﴾ كما ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ بن آزر ﴿وَ﴾ أوحينا بعد إبراهيم إلى ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم، فمات بمكة ﴿وَ﴾ إلى ﴿إِسْحَاقَ﴾ بن إبراهيم فمات بالشام ﴿وَ﴾ إلى ﴿يَعْقُوبَ﴾ وهو إسرائيل بن إسحاق ﴿وَ﴾ إلى ﴿الْأَسْبَاطِ﴾؛ أي: أولاد يعقوب الأثني عشر، فمنهم يوسف نبي رسول باتفاق، وفي البقية خلاف ﴿وَ﴾ أوحينا إلى ﴿عِيسَى﴾ بن مريم، وقدَّم (١) عيسى على أيوب ومن بعده - مع كونهم في زمان قبل زمانه - ردًّا على اليهود الذين كفروا به، وأيضًا قالوا ﴿وَ﴾ ليست إلا لمطلق الجمع. ﴿وَ﴾ إلى ﴿أَيُّوبَ﴾ بن أموص ﴿وَ﴾ إلى ﴿يُونُسَ﴾ بن متَّى. قرأ الجمهور (٢): ﴿يونس﴾ بياء ونون مضمومتين بلا همز، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ نافع في رواية بن جمّاز عنه ﴿يُونِسَ﴾، بكسر النون، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها، وهي لغة لبعض عقيل، وبعض العرب يهمز ويكسر، وبعض أسد يهمز ويضم النون. ﴿وَ﴾ إلى ﴿سُلَيْمَانَ﴾ بن داود ﴿وَ﴾ كما ﴿آتَيْنَا﴾: وأعطينا أيّاه ﴿دَاوُودَ﴾ بن أيشا ﴿زَبُورًا﴾ - بفتح الزاي - بوزن رسول، وقرأ حمزة زُبورًا بالضم، وهو جمع زبر، بمعنى: مزبور؛ أي: مكتوب، كفلس وفلوس، وهو: اسم للكتاب الذي أنزل عليه، وهو مئة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل فيها تسبيح وتقديس وتحميد وثناء على الله ومواعظ، وقد أفرد بالذكر، أعني: داود؛ لأن له شأنًا خاصًّا عند أهل الكتاب من حسن الصوت واجتماع الطيور عليه.
قال بعض العلماء (٣): وإنما لم يذكر موسى في هذه الآية؛ لأنَّ الله أنزل عليه التوراة جملةً واحدة، وكان المقصود بذكر من ذكر من الأنبياء في الآية أنّه
стр. 2853
لم ينزِّل على أحد منهم كتابًا جملة واحدة، فلهذا لم يذكر موسى ﵇
١٦٤ - ﴿وَ﴾ كما أرسلنا ﴿رُسُلًا﴾ آخرين غير هؤلاء ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل تنزيل هذه السورة، وهم الذين ذكرت أسماؤهم في السور المكية، كقوله في سورة الأنعام - في سياق الكلام عن إبراهيم -: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾ ﴿وَ﴾ كما أرسلنا ﴿رُسُلًا﴾ آخرين غير هؤلاء المذكورين ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد، كالذين (١) أرسلوا إلى الأمم المجهول تاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك، كالصين واليابان والهند وأوروبا وأمريكا وأفريقيا وأروميا.
وإنّما لم يقص الله علينا خبرهم؛ لأن القصد من القصم: العبرة والتثبيت والذكرى والاحتجاج على نبوته ﷺ ، - كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ - وكل هذا يَثبت بذكر من قصهم الله علينا من الرسل.
فائدة: في أن إرسال الرسل عام في كل الأمم الأبيض والأحمر والأسود، وعلينا أنْ نعلم أن الله تعالى قد أرسل رسلًا في كل الأمم الأبيض والأحمر والأسود، فكانت رحمته بهم عامة، لا مختصة بشعب وجنس معين، كما يزعم أهل الكتاب، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. وهذه حقيقة دلَّ عليها الدّين السماوي، ولم يكن يعلمها أهل الكتاب الذين يزعمون أن القرآن مقتبس من كتبهم، وكم فيه من حقائق جلاها للناظرين بجميل بيانه،
стр. 2854
واهتدى العلم الصحيح بعد قرون خلت إلى معرفتها، وما كان العقل وحده يكشف عنها، لولا أن هدى إليها الكتاب الكريم.
والخلاصة (١): أنَّا أوحينا إليك إيحاء مثل ما أوحينا إلى نوحٍ، ومثل ما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده، وآتيناك الفرقان إيتاء مثل ما أتينا داود زبورًا، وأرسلنا رسلًا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلًا آخرين لم نقصصهم عليك، من غير تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء وأصل الإرسال، فما للكفرة يسألونك شيئًا لم يعْطه أحد من هؤلاء الرسل عيهم السلام؟!
وقرأ أُبي ﴿رسل﴾ بالرفع في الموضعين على الابتداء، وسوغ الابتداء بالنكرة: وقوعه في معرض التفصيل، كما في قول الشاعر:
فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرّ
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ ﴿مُوسَى﴾ بن عمران ﵇ ﴿تَكْلِيمًا﴾؛ أي: خاطبه مخاطبةً بلا واسطة ملك؛ أي: كلَّمه (٢) تكليمًا خاصًّا له، ميزه عن غيره من ضروب الوحي العام لأولئك النبيين، وليس لنا أنْ نخوض في معرفة حقيقته؛ لأنَّا لم نكن من أهله، على أنَّا لا نعرف حقيقة كلام بعضنا بعضًا، وكيف تنقل ذرات الهواء الأصوات إلى الآذان؟ فضلًا عن أن نعرف حقيقة كلام الباري. والوحي إلى الأنبياء يُسمَّى تكليمًا، والتكليم لهم يسمى وحيًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾. والحكمة في الحجاب: الاستعداد بالتوجه إلى شيء واحد، تتحد فيه هموم النفس وأهواؤها المتفرقة، كما كان شأن موسى إذ رأى النار في الشجرة. والرسول الذي يرسله الله فيوحي بإذنه ما يشاء هو: ملك الوحي المعبر عنه بالروح الأمين.
والمعنى (٣): أنه تعالى بعث هؤلاء الأنبياء والرسل، وخص موسى عليه
стр. 2855
السلام بالتكليم معه، ولا يلزم من تخصيص موسى بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء ﵈، فكذلك لا يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة الطعنُ فيمن أنزلَ اللهُ عليه الكتابَ مفرّقًا، وقد فضل الله نبينا محمدًا ﷺ بإعطائه مثل ما أعطي كلُّ واحد منهم.
وقرأ إبراهيم بن وثاب ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ﴾ بنصب الجلالة، على أنَّ موسى هو المكلِّم.
١٦٥ - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: أرسلنا رسلًا قد قصصنا بعضهم عليك، ولم نقصص بعضًا آخر، ليكونوا مبشرين مَنْ آمن وعمل صالحًا بالثواب العظيم، وينذروا من كفر وأجرم بالعذاب الأليم، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾؛ أي: معذرة يعتذرون بها في ترك التوحيد والعمل الصالح ﴿بَعْدَ﴾ إرسال ﴿الرُّسُلِ﴾ إليهم، وإنزال الكتب عليهم؛ إذ لو لم يرسلهم لكان للناس أن يحتجوا ويعتذروا - إذا هم أجرموا أو كفروا - بأنهم ما فعلوا ذلك إلا لجهلهم ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وسمِّيت (١) المعذرة حجةً - مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة - تنبيهًا على أنَّ هذه المعذرة مقبولةٌ لديه تفضلًا منه ورحمة، والمعنى: لئلا يحتج الناس يوم القيامة على الله في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل فيقولوا: لم لم ترسل إلينا رسولًا، ولم لم تنزل إلينا كتابًا فنتبع الرسل ونجب دعوتَك؟.
والخلاصة (٢): أنَّ من حكمة إرسال الرسل قطع حجة الناس واعتذارهم بالجهل، عندما يُحاسبهم الله ويقضي بعقابهم، فلولا إرسالهم لكان لهم أن يحتجوا في الآخرة على عذابهم فيها، وعلى عذاب الدنيا الذي كان قد أصابهم بظلمهم، والدين وضعٌ إلهي لا يستقل العقل بالوصول إليه، ولا يعرف إلا
стр. 2856
بالوحي، وهو موافق لسنن الفطرة في تزكية النفوس وإعدادها للحياة الأبدية في عالم القدس، ويترتب على العمل به أو تركه جزاء حدده الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولا يكون هذا الجزاء إلا لمن بلغته الدعوة على الوجه الصحيح.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزًا﴾ لا يغالب في أمر يريده، ومن عزته: أن لا يجيب المتعنت إلى مطلوبه ﴿حَكِيمًا﴾ في جميع أفعاله. وحكمته تقضي هذا الامتناع عن الإجابة؛ لأنه يعلم أنه لو فعل ذلك لأصروا على لجاجهم، كما فعلوا مع موسى بعد أن جاءهم بما طلبوا، ومن حكمته أيضًا: اختلاف الكتب والشرائع، فإن اختلافها في كيفية النزول وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال التي يدور عليها ذلك التكليف، فكلَّفهم الله تعالى بما يليق بشأنهم وحالهم.
١٦٦ - وقوله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ استدراك على ما عدم من السياق من إنكارهم نبوته ﷺ ، وعدم شهادتهم بها، وهي واضحة عندهم في مرتبة المشهود به، لكنَّهم استبدلوا المباهتة والمكابرة بالشهادة والإيمان, فسألوه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء يثبت دعواه، ويكون شاهدًا له، فكأنَّه تعالى يقول لرسوله ﷺ : إنهم مع وضوح نبوتك لا يشهدون بها, لكن الله يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك، البالغ في فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، فكان القرآن معجزًا. وإظهار المعجزة على يد من يدِّعي الرسالة .. شهادة له بكونه صادقًا في دعواه، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: يشهد لك بالنبوة ويبينها بهذا القرآن الذي أنزله إليك. وقرأ السلمي والجرَّاح الحكمي: ﴿لَكِنِ اللَّهُ﴾ بالتشديد، ونصب الجلالة، وقرأ الحسن: ﴿بِمَا أُنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ مبنيًّا للمفعول. ثم أكد هذه الشهادة، فقال: ﴿أَنْزَلَهُ﴾؛ أي: أنزل الله تعالى هذا القرآن حالة كونه متلبسًا ﴿بِعِلْمِهِ﴾ ، بأنه في غاية الحسن ونهاية الكمال؛ أي: فإنَّه أنزله بعلمه الخاص الذي لم تكن تعلمه أنت ولا قومك، بتأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وبما فيه من العلوم الإلهية والأدبية والسياسية
стр. 2857
والاجتماعية، ومن علوم الأنبياء والرسل والأمم، وبما له من السلطان على الأرواح بهدايته، وبما فيه من أنباء الغيب عن الماضي والحاضر والمستقبل، وهو بهذه المزايا مثبت لشهادة الله به، وأنَّه وحي من عنده، وقيل: معناه: أنزله وهو عالم بأنك أهلٌ لإنزاله عليك، وأنك مبلغُه إلى عبادِه، وقيل: معناه: أنزله بما علم من مصالح عباده في إنزاله عليك. وقرأ السلميّ: ﴿نزَّله﴾ مشدّدًا، وقال الزجاج: أنزله وفيه علمه. وقال أبو سليمان الدمشقي: أنزله من علمه. وقال ابن جريج: أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه.
والخلاصة (١): كان الله يقول لنبيِّه: إنَّ جحود هؤلاء اليهود وعدم شهادتهم لك لا يضرّك بشيء, فالله يشهد بما أنزل إليك من الوحي، وأنت على يقين منه، وقد أيد الله شهادته لك بما أودعه فيه مما عجز عنه البشر، فكان بذلك مثبتًا لكونه أنزل عليك من لدنه، كما أيده بتصديق ما أنزله فيه من الوعد بالفلاح، والنصر لمن اتبعك، والوعيد لمن عاداك بالخذلان والخسران.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بذلك أيضًا؛ لأن الذي نزل به إليك هو الروح الأمين، وهو منهم، كما يؤيدك بجند منهم يثبتونك ويثبتون المؤمنين في القتال، كما في غزوة بدر. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. وإنّما تعرَف (٢) شهادةُ الملائكة له ﷺ بصدقه فيما يدعيه من النبوة والرسالة؛ لأن ظهور المعجز على يده ﷺ يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة، وإذا شهد الله بذلك فقد شهدت الملائكة بذلك بلا شك؛ لأنَّه ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه تعالى بالقول.
والمعنى: يا محمَّد، إنْ كذبك هؤلاء اليهود .. فلا تبال بهم، فإنَّ الله تعالى - وهو إله العالمين - يصدقك في ذلك، وملائكة السموات السبع والعرش والكرسي يصدقونك في ذلك، ومن صدقه الله والملائكة أجمعون .. لم يلتفت
стр. 2858
إلى تكذيب أخس الناس ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما شهد به لك من صدق نبوتك، وإن لم يشهد به غيرُه؛ حيث نصب الدليل، وأوضح السبيل، فشهادته أصدق، وقوله الحق، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وفيه تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب له، فإن الله يشهدُ وملائكته كذلك.
١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد ﷺ ، وبما أنزله الله تعالى عليه وشهد به، وهو القرآن ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ومنعوا ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دين الإِسلام من أراد سلوكه، بإلقاء الشبهات في قلوبهم، وهم اليهود؛ حيث قالوا: ما نعرف صفة محمَّد في كتابنا، وقالوا: لو كان رسولًا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء، وقالوا: إنَّ الله ذكر في التوراة أنَّ شريعة موسى لا تنسخ إلى يوم القيامة، وقالوا: إنّ الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: عن الحق والصواب؛ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأن المضلّ يكون أغرق في الضلال وأبعد في الانقطاع عنه؛ ولأنَّ أشد الناس ضلالًا من كان ضالًا، ويعتقد في نفسه أنه محق، ثم يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم يبذل غاية ما في وسعه في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، فهو قد سار في سبيل الشيطان وبعد عن سبيل الله، فلم يعد يفقه أنَّها هي الموصلة إلى خير العاقبة. وقرأ عكرمة وابن هرمز: ﴿وَصُدُّوا﴾ بضم الصاد، قيل: وهي في اليهود.
١٦٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بما أنزل إليك ﴿وَظَلَمُوا﴾ أنفسهم بإعراضهم عن الطريق الموصل إلى الخير والسعادة، وظلموا غيرهم بإغوائهم إياهم بزخرف قولهم وسوء سيرتهم وكتمان نعت محمَّد ﷺ وصدهم عن الصراط المستقيم وماتوا على الشرك ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن من سنته تعالى أن يغفر لهم ذلك الكفر والظلم يوم الحساب والجزاء؛ لأن الكفر والظلم قد أفسدا فطرتهم، وأثرا في نفوسهم، وأعميا قلوبهم وجعلاها تستمرىء قبيح الأفعال، وتهوى شر الخلال والأعمال، ولا يزول هذا إلا إذا اتجهت نفوسهم إلى ما يضاد ذلك من إيمان صحيح وعمل صالح يزكي النفوس مما ران عليها، ويطهرها وينشئها نشأة أخرى، ولا سبيل إلى ذلك يوم الجزاء والحساب، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ
стр. 2859
طَرِيقًا﴾؛ أي: وليس من شأنه أن يهدي أمثالهم طريقًا يوصلهم إلى الجزاء على أعمالهم
١٦٩ - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾: فهي الطريق التي ينتهي إليها من دنس نفسه بالكفر والظلم، وأوغل في السير فيها طول عمره، واستمرأ الشرور والمفاسد، حتى هوت به إلى وادٍ سحيقٍ، يعني: يهديهم إلى طريق تؤدي إلى جهنم، وهي اليهودية، لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك، فانتظار المغفرة ودخول الجنات لأمثال هؤلاء انتظارٌ لإبطال نظام العالم، ونقض لسنن الله وحكمته في خلق الإنسان، وما أجود قولَ الشاعر:
ترْجُوْ النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِيْنَةَ لاَ تَجْرِيْ عَلَى الْيَبَسِ
حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرين الخلود والدوام في جهنم ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدةً لا نهاية لها ولا انقضاء، أي: يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدًا، لا يخرجون منها ولا يموتون فيها أبدَ الآبدين، وإنما قال: ﴿أَبَدًا﴾ بعد ﴿خَالِدِينَ﴾؛ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل.
فائدة: والفرق بين الخلود والأبد: أن الخلود: بقاء الشيء مدةً طويلة على حال واحدة، لا يطرأ عليه فيها تغيير ولا فناء، والأبد: الزمن الممتد الذي لا نهاية له ولا انقضاء، يقال: تأبد الشيء إذا بقي أبدًا، وأبد بالمكان - من باب تعب - أبودًا إذا أقام به ولم يبرحه.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾؛ أي: تخليدهم في جهنم، أو ترك المغفرة لهم والهداية مع الخلود في جهنم ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿يَسِيرًا﴾؛ أي: هينًا سهلًا على الله دون غيره؛ لأنه مقتضى حكمته وسننه، وليس بالعزيز على قدرته؛ لأنه لا يصعب عليه شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وفي هذا تحقير لأمرهم، وبيان بأن الله تعالى لا يعبأ بهم ولا يبالي بشأنهم.
١٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان وغيرهم، وقيل: هو خطاب لمشركي مكة ﴿قَدْ
стр. 2860
جَاءَكُمُ﴾ هذا ﴿الرَّسُولُ﴾ الكريم محمَّد ﷺ حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالقرآن المنزل عليه، أو حالة كونه متكلمًا بالدعوة إلى توحيد الله وعبادته والإعراض عن غيره ﴿مِنْ﴾ عند ﴿رَبِّكُمْ﴾ وخالقكم الذي يستحق منكم العبادة ﴿فَآمِنُوا﴾ وصدقوا بجميع ما جاء به من عند ربكم .. يكن الإيمان به ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ وأحمد عاقبة مما أنتم عليه من الكفر والإشراك؛ لأن الإيمان يزكيكم ويطهركم من الدنس والرجس ويؤهلكم للسعادة الأبدية. وأفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأن الكفر ليس خيرٌ أصلًا ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: وإن تستمروا على كفركم بالله وبالرسول .. فإن الله غني عن إيمانكم، ولا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم، وقادر على جزائكم بما يقتضيه كفركم وسوء عملكم، فإن له ما في السموات وما في الأرض ملكًا وخلقًا، وكلهم عبيده ينقادون لحكمه طوعًا أو كرهًا، فعبادة الكره وعدم الاختيار تكون بالخضوع لقدرته وسننه في الأكوان، وهي عامة في جميع الخلق، سواء منهم العاقل وغيره، وعبادة الاختيار: خاصة بالمؤمنين الأخيار، والملائكة الأبرار، ومن كان كذلك فهو قادر على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم، أو فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه، أو فمن كان كذلك لم يكن محتاجًا إلى شيء، ففي هذه الجملة وعيدٌ لهم مع إيضاح وجه البرهان، وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول والإذعان؛ لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء ﴿حَكِيمًا﴾ لا يضيع عمل عامل منهم، ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمحسن والمسيء، أي: وكان شأنهُ تعالى العلم المحيط، والحكمة البالغة الكاملة في جميع أفعاله وأحكامه، فهو لا يخفى عليه أمركم في إيمانكم وكفركم وسائر أحوالكم، ومن حكمته: أن يجازيكم على ما تجترحون من الآثام والموبقات؛ فإنه لم يخلقكم عبثًا، ولم يترككم سدى، فطوبى لمن نهى النفس عن الهوى وآثر الآخرة على الدنيا، وويل لمن أعرض عن ذكر ربِّه، وأعرض عن أمره ونهيه، وحالف الشيطان وحزبه.
стр. 2861
الإعراب
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ﴾: (الفاء): زائدة، كما قاله أبو البقاء. و (الباء): سببية. ﴿ظُلْمٍ﴾: مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بحرمنا الآتي. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لظلم. ﴿هَادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿حَرَّمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بحرمنا. ﴿طَيِّبَاتٍ﴾: مفعول به. ﴿أُحِلَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على طيبات. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأحلت، والجملة الفعلية صفة لطيبات. ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه معطوف على قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بصدهم. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به لصدهم؛ لأنه من إضافة المصدر إلى فاعله، أو صفة لمصدر محذوف، تقديره: صدًّا كثيرًا، أو لزمان محذوف، تقديره: زمانًا كثيرًا.
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾.
﴿وَأَخْذِهِمُ﴾: معطوف على صدهم، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿الرِّبَا﴾: مفعوله منصوب بفتحة مقدرة. ﴿وَقَدْ﴾: (الواو): حالية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿نُهُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من ضمير أخذهم. ﴿وَأَكْلِهِمْ﴾: معطوف على ﴿صدهم﴾ وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿أَمْوَالَ النَّاسِ﴾: مفعول به لأكلهم، وهو مضاف. ﴿النَّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: جار ومجرور متعلق بأكلهم على أنَّ الباء سببية، أو حال من ضمير أكلهم على أنَّ الباء للملابسة، أي: حالة كونهم متلبسين بالباطل. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على حرَّمنا. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق به. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من الكافرين، أو صفة له. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿أَلِيمًا﴾: صفة له.
стр. 2862
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك. ﴿الرَّاسِخُونَ﴾: مبتدأ. ﴿فِي الْعِلْمِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوف على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبرُ المبتدأ، والجملة الإسمية جملة استدراكية، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بيؤمنون. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ما. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بأنزل، والجملة الفعلية صلة لما، أو صفة لها. ﴿وَمَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر معطوفة على (ما) الأولى. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه، والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجوور، ومضاف إليه متعلق بأنزل.
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿الْمُقِيمِينَ﴾: منصوب على المدح بفعل محذوف، تقديره: أمدح المقيمين. ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول المقيمين، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿وَالْمُؤْتُونَ﴾: مبتدأ. ﴿الزَّكَاةَ﴾: مفعوله. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوف على المؤتون. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لليوم، وخبر المبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر مثل المقيمين الصلاة في استحقاق الفضل والمدح، والجملة مستأنفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية خبر المبدأ، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهذا الإعراب الذي ذكرناه أرجح الأعاريب كما أشرنا إليه في بحث التفسير نقلًا عن أبي حيان.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
﴿إِنَّا﴾: حرف نصب. و (نا): اسمها. ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بأوحينا.
стр. 2863
﴿كَمَا﴾: (الكاف): حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى نُوحٍ﴾: جار ومجرور متعلق بأوحينا. ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾: معطوف على نوح. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة للنبيين، أو حال منه، أو متعلق بالنبيين. وقال أبو البقاء (١): ولا يجوز أن يكون حالًا من النبيين؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أحوالًا للجثث، ويجوز أن يتعلق ﴿مِنْ﴾ بالنبيين، وجملة ﴿أَوْحَيْنَا﴾ صلة (ما) المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، تقديره: إنّا أوحينا إليك إيحاء كائنًا كإيحائنا إلى نوح والنبيين من بعده.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الأولى، على كونها صلة لما المصدرية. ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: جار ومجرور متعلق بأوحينا. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾: معطوف على إبراهيم. ﴿وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: معطوفان أيضًا على إبراهيم. ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾: معطوف على إبراهيم، وكذا قوله: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾: معطوفات على إبراهيم جريًا على القاعدة: أن المعطوفات إذا كثرت - وكان العطف بالواو - يكون على الأول. ﴿وَآتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿دَاوُودَ﴾: مفعول أول. ﴿زَبُورًا﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾.
﴿وَرُسُلًا﴾: مفعول لفعل محذوف، تقديره: وأرسلنا رسلًا، والجملة المحذوفة معطوفة على ﴿أوحينا﴾، وهو (٢) الدَّال على هذا المحذوف بالالتزام، فإنَّ الإيحاء يلزمه الإرسال أو يدل عليه رسلًا ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿قَصَصْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة رسلًا. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق
стр. 2864
بقصصنا. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بقصصنا أيضًا. ﴿وَرُسُلًا﴾: معطوف على رسلًا. ﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾: جازم، وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صفة رسلًا. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بنقصصهم. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿تَكْلِيمًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة مستأنفة.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.
﴿رُسُلًا﴾: مفعول لفعل محذوف، تقديره: أرسلنا رسلًا، والجملة مستأنفة. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾: صفة. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: معطوف على مبشرين. ﴿لِئَلَّا﴾: (اللام): حرف جر وتعليل، (أنْ): حرف نصب ومصدر، (لا): نافية. ﴿يَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب بأن. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ليكون. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: حال من حجة. ﴿حُجَّةٌ﴾: اسم يكون مؤخر عن خبرها. ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بحجة، أو صفة لها، وجملة يكون صلة أن المصدرية، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بأرسلنا المحذوف، والتقدير: وأرسلنا رسلًا مبشرين ومنذرين؛ لإعدام كون حجة للناس على الله بعد الرسل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿عَزِيزًا﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾.
﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَشْهَدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية: جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بيشهد. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما أنزله إليك. ﴿أَنْزَلَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِعِلْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ضمير ﴿أَنْزَلَهُ﴾، والتقدير: أنزله حالة كونه معلومًا له تعالى، أو
стр. 2865
حال من فاعل ﴿أَنْزَلَهُ﴾، تقديره: أنزله حالة كونه متلبسًا بعلمه، وجملة أنزله جملة مفسرة لما قبلها, لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَشْهَدُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الاستدراكية على كونها لا محل لها من الإعراب. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، والباء زائدة. ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز، والجملة مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَصَدُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على كفروا. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بصدوا. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿ضَلُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿ضَلَالًا﴾: مفعول مطلق. ﴿بَعِيدًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على كفروا. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَكُنِ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، مجزوم بلم. ﴿لِيَغْفِرَ﴾: اللام: حرف جر وجحود. ﴿يَغْفِرَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بيغفر، وجملة يغفر في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، تقديره: لم يكن الله لغفرانهم، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرًا ليكن، تقديره: لم يكن الله مريدًا لغفرانهم، وجملة يكن من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر إن، وجملة إنَّ من اسمها وخبرها مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا﴾: (الواو): عاطفة. (لا): زائدة، زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ﴾: (اللام): حرف جر وجحود. (يهدي): منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على الله. و (الهاء): ضمير الغائبين في محل النصب مفعول
стр. 2866
أول ليهدي. ﴿طَرِيقًا﴾: مفعول ثان له، وجملة يهدي صلة أن المضمرة، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور باللام المتعلقة بخبر يكن المحذوف، وتقديره: لم يكن الله مريدًا لغفرانهم، ولا مريدًا لهدايتهم طريقًا. وقد أطلنا البحث عن لام الجحود في كتابنا "الخريدة البهية في إعراب أمثلة الآجرومية" فراجعه إنّ شئت.
﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿طَرِيقَ﴾: منصوب على الاستثناء، استثناء متصلًّا؛ لأنه من جنس الأول؛ لأن الأول في معنى العموم؛ لوقوعه في سياق النفي، ﴿طَرِيقَ﴾: مضاف. ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال مقدرة من مفعول يهديهم. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بخالدين ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بخالدين. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بيسيرًا. ﴿يَسِيرًا﴾: خبر كان، وجملة كان من أسمها وخبرها مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: حرف نداء (أي): منادى نكرة مقصودة، (ها): حرف تنبيه زائد. ﴿النَّاسُ﴾: صفة لأيّ، تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من الوصول، أو متعلق بجاء. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجروو ومضاف إليه، حال من الحال - أعني بالحق -، أي: حالة كون ذلك الحق كائنًا من ربكم، أو متعلق بجاء، كما قاله أبو البقاء. ﴿فَآمِنُوا﴾: (الفاء): عاطفة سببية، كما في "الجمل". ﴿فَآمِنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَدْ جَاءَكُمُ﴾ على كونها جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿خَيْرًا﴾: خبر ليكن المحذوفة مع اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بخيرًا، أو صفة له، وجملة يكن المحذوفة جواب لشرط مقدر,
стр. 2867
تقديره: إن آمنتم يكن الإيمان خيرٌ لكم مما أنتم عليه، وجملة؛ الشرط المحذوف مع جوابه مستأنفة، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا يضرّه كفركم، وجملة إن الشرطية مع جوابها المحذوف مستأنفة. ﴿فَإِنَّ﴾: (الفاء): تعليلية كما في "الجمل"، (إن): حرف نصب. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لها. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب اسمها مؤخر. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة (ما)، أو صفة لها، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السموات، وجملة إن من اسمها وخبرها: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بجواب الشرط المحذوف. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول له ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان له، والجمله مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ ﴿الرَّاسِخُونَ﴾: جمع راسخ، والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب، الثابت فيه، من الرسوخ، وأصل الرسوخ في لغة العرب: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن ترسخ الخيل، أو الشجر في الأرض، ومنه قول الشاعر:
لَقَدْ رَسَخَتْ فِي الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدَّةٌ ... لِلَيْلَى أبَتْ آياتُهَا أَنْ تَغَيَّرَا
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: من أوحى الرباعي، يقال: أوحى يوحي إيحاء ووحيًا، والوحي: اسم مصدر لأوحى، والوحي لغةً (١): الإيماء والإشارة، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. والإلهامُ الذي يقع في النفس، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وما يكون غريزة دائمة، كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ والإعلام في خفاء، بأن تعلم إنسانًا بأمر تخفيه على غيره، كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
стр. 2868
ووحي الله إلى أنبيائه: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة، أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه، أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام: بأن الإلهام وجدانٌ تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: والزبور (١): - بفتح الزاي - وهي قراءة الجمهور، بمعنى: المزبور، أي: المكتوب، كالرسول والحلوب والركوب، بمعنى: المرسل والمحلوب والمركوب، من الزبر، أي: الكتابة - وبضمها - وهي قراءة حمزة، جمع زبر، كفلس وفلوس، والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة: التوثيق، يقال: بئر مزبورة، أي: مطوية بالحجارة، وسمِّيَ كتاب داود زبورًا - بضم الزاي -؛ لقوة الوثيقة به، وفي "الفتوحات": والزبور: جمع زبر، والزبير (٢) - بالفتح - مصدر لزبر - من بابي ضرب ونصر، بمعنى: كتب أو جمع زبر بالكسر - مثل: حمل وحمول، وقدر وقدور كما في "الشهاب". وفي "المختار". والزبير - بالكسر -: الكتاب، والجمع زبور، كقدر وقدور، ومنه قراءة بعضهم ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زُبورًا﴾ اهـ.
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: تكليمًا: مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز، قال الفراء: العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإن أوكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع (٣):
стр. 2869
فمن ذلك: الطباق في قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ و ﴿أُحِلَّتْ﴾، وفي قوله: ﴿فَآمِنُوا﴾ ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، وفي قوله: ﴿رُسُلًا﴾، وفي قوله: ﴿يَشْهَدُ﴾ و ﴿يَشْهَدُونَ﴾، وفي قوله: ﴿كَفَرُوا﴾، وفي اسم الله.
ومنها: تخصيص بعض الأنبياء بالذكر في قوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الخ؛ للتشريف وإظهار فضل المذكورين، وفيه تشبيه يسمى مرسلًا.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، وهي في الأجرام، استعيرت للثبوت في العلم والتمكن فيه، وفي قوله: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و ﴿يَشْهَدُ﴾ و ﴿طَرِيقًا﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، والأصل: سيؤتيهم، وتنكير الأجر؛ للتفخيم.
ومنها: تقديم السبب على المسبّب في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ تنبيهًا على فحش الظلم، وتقبيحًا له، وتحذيرًا منه.
ومنها: الإشارة إلى أوصاف متعددة في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾.
ومنها: للتأكيد بالمصدر في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، دلالة على وقوع الفعل على حقيقته، لا على مجازه، وهذا هو الغالب في كلامهم، وقد جاء التأكيد بالمصدر في المجاز إلا أنه قليل، فمن ذلك قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري:
بَكَى الْخَزُّ مِنْ عَوْفٍ وَأنْكَرَ جِلْدَهُ ... وَعَجَّتْ عَجِيْجًا مِنْ جُذَامِ اَلْمَطَارِفِ
стр. 2870
وقال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن تقول: قد كلمت لك فلانًا، بمعنى كتبت إليه رقعة وبعثت إليه رسولًا، فلمّا قال: تكليمًا .. لم يكنْ إلا كلامًا مسموعًا من الله تعالى.
والله أعلم
* * *
والمشركين أثناء السورة، وفي سور كثيرة غيرها، وأقام الحجة عليهم جميعًا، وظهرت نبوةُ محمَّد ﷺ ظهورَ الشمس في رابعة النهار .. نادى الناس كافةً، ودعاهم إلى اتّباع برهانه، والاهتداء بنوره.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ...﴾ الآية, مناسبتها لآخر السورة: أنَّ الله (١) لما تكلم في أول السورة في أحكام الأموال من الإرث وغيره .. ختم آخرها بهذه الآية؛ ليتشاكل المبدأ والمقطع، والوسط مشتملٌ على المناظرة مع فرق المخالفين للدين، وكثيرًا ما يقع ذلك في السور.
ورُوي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّه قال في خطبته: ألا إنَّ آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه مسلم عن محمَّد بن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله ﵁ قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب علي من وضوئه، فأفقت وقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا، حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والطيالسي، وابن الجارود، وأبو نعيم.
وروى ابن عبد الرزاق وابن جرير عن ابن سيرين قال (٢): نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ والنبي ﷺ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها النبي ﷺ حذيفة، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب، وهو يسير خلفه، فلما
стр. 2873
استخلف عمر .. سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني على أن أحدثك ما لم أحدثك يومئذ! فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله.
قال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال المسائل عليها؛ ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها.
التفسير وأوجه القراءة
١٧١ - وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ عام أريد به خاص؛ أي: يا أهل الإنجيل، وهم النصارى، وقيل: المراد بهم الفريقان، فغلو اليهود: بتنقيص عيسى؛ حيث قالوا: إنه ابن زانية، وغلو النصارى: بالمبالغة في تعظيمة؛ حيث قالوا: إنه شريك الله أو ابنه ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تتجاوزوا في دينكم الحدود التي حددها الله لكم، ولا تبالغوا في تعظيم عيسى؛ حيث وصفتموه بأنه ابن الله، أو شريكه، فإنَّ الزيادة في الدين ليس بحق، كالنقص فيه ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ ، ولا تعتقدوا فيه ﴿إِلَّا﴾ القول والاعتقاد ﴿الْحَقَّ﴾ والصواب الثابت بنص دينيّ متواترًا، أو برهان عقلي قاطع، ومن تنزيهه تعالى عن الشريك والولد؛ أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه تعالى به من الاتّحاد والحلول في بدن الإنسان أو روحه، واتخاذ الزوجة والولد، وليس لكم على ما زعمتم من دعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الزوجة والولد شيء من الأدلة المذكورة، فإنّ (١) نصارى أهل نجران أربع فرق:
ملكانية: وهم الذين قالوا: عيسى والرب شريكان، ومرقوسية: وهم الذين قالوا: عيسى ثالث ثلاثة، ومار يعقوبية: وهم الذين قالوا: عيسى هو الله، ونسطورية: وهم الذين قالوا: عيسى ابن الله، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.
стр. 2874
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ مبتدأ، و ﴿عِيسَى﴾ بدل منه، أو عطف بيان له، و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة لعيسى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خبر المبتدأ؛ أي: إنما المسيح عيسى ابن مريم هو رسول الله تعالى إلى بني إسرائيل، لا شريكه ولا ابنه، وقد أمرهم بأنْ يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وزهدهم في الدّنيا، وحثهم على التقوى، وبشرهم بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وأرشدهم إلى الاعتدال في كل شيء، فهداهم إلى الجمع بين حقوق الأبدان وحقوق الأديان. وقرأ جعفر بن محمَّد ﴿إنما المسيح﴾ على وزن السكيت. ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾؛ أي: ومكون بكلمة الله وأمره الذي هو "كن"، من غير واسطة أب، ولا نطفة، ﴿أَلْقَاهَا﴾؛ أي: أوصلها ﴿إِلَى مَرْيَمَ﴾؛ أي: أوصل تلك الكلمة إلى مريم بنفخ جبريل في حبيب درعها، فوصل النفخ إلى فرجها، فحملت به. ﴿وَرُوحٌ﴾: صادر ﴿مِنْهُ﴾ ، ومكون بأمره تعالى جبريل بالنفخ في جيبها, ولذلك نسبت إليه تعالى، وإنّما سمِّي روحًا؛ لأنّه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، والريح يخرج من الروح. وهذه الإضافة للتفضيل والتشريف، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، فإن الله لما أرسل إلى مريم الروح الأمين جبريل .. بشرها بأنه مأمور بأن يهب لها غلامًا زكيًّا، فاستنكرت ذلك؛ إذ هي عذراء لم تتزوج، فقال لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكلمة "كن": هي الكلمة الدالة على التكوين بمحض القدرة عند إرادة خلق الشيء وإيجاده، وهو أيضًا مؤيد بروح منه، كما قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وكما قال تعالى في صفات المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.
وآية الله في خلق عيسى بكلمته وجعله بشرًا سويًّا بما نفخ فيه من روحه .. كآيته في خلق آدم بكلمته وما نفخ فيه من روحه، فخلقهما كان بغير السنة العامة في خلق الناس من ذكر وأنثى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾. وزعم بعض النصارى: أن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ تدل على أن عيسى جزء من الله، بمعنى أنه ابنه، فقد نقل بعض المفسرين: أن طبيبًا حاذقًا نصرانيًّا جاء للرشيد، فناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم، فقال:
стр. 2875
إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ له الواقدي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلئن صح ما تقول .. لزم أن تكون جميع هذه الأشياء جزءًا منه ﵎، فأفحم النصراني وأسلم، ففرح بذلك الرشيد، ووصل الواقدي بصلة عظيمة.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل". متفق عليه.
﴿فَآمِنُوا﴾ يا أهل الكتاب ﴿بِاللَّهِ﴾ إيمانًا يليق به، وهو أنه واحد أحد، تنزه عن صفات الحوادث، وأنَّ كل ما في الكون مخلوق له، وهو الخالق له، وأن الأرض في مجموع ملكه أقل من حبَّة رمل بالنسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿رسله﴾ تعالى كلهم إيمانًا يليق بشأنهم، وهو أنهم عبيد له، خصهم بضروب من التكريم والتعظيم، وألهمهم بضرب من العلم والهداية بالوحي، ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها النصارى: الآلهة ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ الأب والابن وروح القدس، وقيل: المراد بالآلهة الثلاثة: الله ، ومريم، والمسيح، وقيل: يعنون بالثلاثة: الثلاثة الأقانيم؛ أي: الأشخاص، فيجعلونه جوهرًا واحدًا، وله ثلاثة أقانيم، ويعنون بالأقانيم: أقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، فيقولون: الله ثلاثة أقانيم، كل منها عين الآخر، وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، وربّما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فإنّ في هذا تركًا للتوحيد الذي هو ملة إبراهيم وسائر الأنبياء، واتباعًا لعقيدة الوثنيين، والجمع بين التثليث والتوحيد تناقض تحيله العقول، ولا يقبله أولوا الألباب.
﴿انْتَهُوا﴾؛ أي: امتنعوا وانزجروا عن مقالتكم بالتثليث .. يكن الانتهاء عن القول بالتثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ من القول به، أو المعنى: انتهوا عن التثليث،