← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم، وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك. ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾؛ أي: وذبائحكم أيها المؤمنون حل لأهل الكتاب، فلا جناح عليكم أن تطعموهم من طعامكم أو تبيعوهم منه. وفائدة (١) ذكر ذلك: بيان أن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، وليس كذلك إباحة المناكحة، فذكره للتمييز بين النوعين، وقال الشوكاني: وهذا من باب المكافأة والمجازاة، وإخبار للمسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: وأحل لكم أيها المؤمنون نكاح الحرائر العفائف من المؤمنات إذا أعطيتموهن مهورهن، وإنما خص المحصنات بالذكر - وهن الحرائر أو العفائف - ليحث المؤمنين على تخيير النساء، ليكون الولد كريم الأصل من الطرفين، لا لنفي نكاح من عداهن، فإن نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتفاق عند توفر الشرائط، وكذا نكاح غير العفيفات إذا تابت وحسنت توبتها. روى (٢) طارق بن شهاب أن رجلًا أراد أن يزوج أخته فقالت: إني أخشى أن أفضحك، إني قد بغيت، فأتى عمر، فذكر ذلك له منها فقال: أليس قد ثابت؟ قال: بلى. قال: فزوجها. وقرأ الشعبي: بكسر الصاد وبه قرأ الكسائي وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في البقرة والنساء، وذكرهن هنا توطئة وتمهيدًا لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: وأحل لكم أيها المؤمنون نكاح الحرائر من الذين أعطوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتهم مهورهن، وتقييد الحل بإيتاء المهور لتأكيد الوجوب لا لاشتراطه في الحل، والتقييد بالحرائر لإخراج الإماء الكتابيات لأنه لا يجوز نكاحها إلا عند أبي حنيفة.

стр. 2942

وعبارة المراح هنا: وتقييد (١) الإحلال بإعطاء المهور يدل على تأكد وجوبها، وعلى أن الأكمل بيانها لا هو شرط لصحة العقد، إذ لا تتوقف على دفع المهر، ولا على التزامه. ومن تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها .. كان في صورة الزاني، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات، انتهت، حالة كونكم ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: مريدين للتزوج والإعفاف لهن ولكم ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غير معلنين ومجاهرين بالزنا بهن ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾؛ أي: ولا مسرين بالزنا بمن لها حليل، أو متخذي صواحب تسرون بالزنا بهن؛ أي: ولا جاعلي صواحب منهن تزنون بهن سرًّا. وعبارة الخازن هنا: يعني ولا منفردين ببغيّ واحدة قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها وحده، فقد حرم الله الجماع على جهة السفاح وهو الزنا، واتخاذ الصديق وهو الخدن، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج بعقد صحيح. والمحصنون الأعفاء عن الزنا، والمسافحون الذين يأتون الفاحشة، مجاهرين بها، والمتخذوا الأخدان: الذين يأتونا سرًّا بالاختصاص بخدن من الأخدان، والخدن يطلق على الصاحب والصاحبة؛ أي: هن حل لكم إذا آتيتموهن أجورهن فعلًا، أو التزمتم بها حال كونكم أعفاء عن الزنا جهرًا وسرًّا، إذ المقصد من الزواج أن يكون الرجل محصنًا والمرأة محصنة يعف كل منهما الآخر، يجعله في حصن يمنعه من الفاحشة على أي وجه كانت، فلا يزني جهرة ولا سرًّا باتخاذ صاحبة خاصة به، ولا تكون المرأة كذلك. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: ومن يجحد وينكر ما أمر الله به من توحيده، ونبوة محمد ﷺ ، وما جاء به من عند الله تعالى ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾؛ أي: فقد بطل ثواب عمله الذي كان عمله في الدنيا، وخاب وخسر في الدنيا والآخرة، قيل في معنى الآية: ومن ينكر بشرائع الإسلام وتكاليفه التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة، ويمتنع عن قبولها .. فقد حبط عمله

стр. 2943

الصالح الذي عمله قبل ذلك، وبطل ثوابه، سواء عاد إلى الإسلام أم لا، وخسر في الآخرة ما أعده الله للمؤمنين من الجزاء العظيم على الإيمان الصحيح، وهو إيمان الإذعان والعمل. روى ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم يعني نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ .. الآية. فأحل الله تزوجهن على علم. انتهى. والمقصود من الآية: تعظيم شأن ما أحله الله تعالى وما حرمه، والتغليظ على من خالف ذلك. وقرأ ابن السميقع ﴿حبَط﴾ بفتح الباء. ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: ذلك الكافر ﴿فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من المغبونين بذهاب الجنة ودخول النار إذا مات على ذلك الكفر، ولم يعد إلى الإيمان بذلك قبل الموت، وهذا الشرط لا بد منه؛ لأنه إذا تاب وآمن قبل الموت .. قبلت توبته وصح إيمانه. ٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾؛ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة تعبيرًا بالمسبب الذي هو القيام عن السبب الذي هو الإرادة على حد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾؛ أي: إذا أردت قراءته، وجمور المسلمين على أن الطهارة لا تجب على من قام إلى الصلاة إلا إذا كان محدثًا؛ أي: إذا أردتم فعل الصلاة والقيام إليها وأنتم محدثون .. فاغسلوا وجوهكم ... إلخ، رفعًا للحديث الأصغر، وهذا التقييد مستفاد من السنة العملية في الصدر الأول. فقد روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله؟ فقال: "عمدًا فعلته يا عمر". وروى البخاري وأصحاب السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث. وروى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". فهذه الأخبار تدل على أن المسلمين لم يكونوا في عهد النبي ﷺ يتوضؤون لكل صلاة، وإنما كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة غالبًا،

стр. 2944

وصلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد أمام الناس لبيان جواز ذلك. ومن ذلك يعلم أن الوضوء لكل صلاة عزيمة، وهو الأفضل، وإنما يجب على من أحدث، وآخر الآية يدل على ذلك فإنَّه ذكر الحديثين ووجوب التيمم على من لم يجد الماء بعدهما، فعلم منه أن من وجده وجب عليه أن يتطهر به عقبهما، ولو كانت الطهارة واجبة لكل صلاة لما كان لهذا معنى. والخلاصة: أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وإنما يستحب تجديده لكل صلاة. وفروض الوضوء المذكورة في هذه الآية أربعة: الأول: غسل الوجه، وذكره بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: أمروا (١) الماء عليها، ولا حاجة إلى الدلك خلافًا لمالك. والغَسل بالفتح: إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من وسخ ونحوه، والوجوه: جمع وجه وحده: من أعلى تسطيح الجبهة إلى أسفل اللَّحْيَيْن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا؛ لأنَّه مأخوذ من المواجهة الحاصلة بما ذكر، فيجب غسل جميع الوجه في الوضوء، ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والعذارين، والشارب والعنفقة، وإنْ كانت كثة، وأما اللحية: فإن كانت كثة لا ترى البشرة من تحتها .. لا يجب غسل ما تحتها، ويجب غسل ما تحت اللحية الخفيفة؛ والخفيفة هي ما ترى بشرتها من خلالها في مجلس التخاطب، والكثة بخلافها. واستدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية (٢)، وحجته أن الوضوء مأمور به، وكل مأمور به يجب أن يكون منويًّا، ولما روي في "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إنّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى". والوضوء من الأعمال، ويجب أن يكون منويًّا، وإنَّما قلنا: إن الوضوء مأمور به، وإنَّه من أعمال الدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. والإخلاص عبارة عن النية

стр. 2945

الخالصة، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية في جميع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى معتبرًا. واستدل أبو حنيفة على عدم وجوب النية في الوضوء بهذه الآية، قال: إن النية ليست شرطًا لصحة الوضوء؛ لأنَّ الله تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية، ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز. وأجيب عنه بأنا إنَّما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. والفرض الثاني من فروض الوضوء المذكورة في القرآن: غسل اليدين، وذكره الله بقوله: ﴿و﴾ اغسلوا ﴿أيديكم إلى المرافق﴾ والأيدي جمع يد، وحدها في الوضوء: من رؤوس الأصابع إلى المرفق. والمرفق بكسر أوله هو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد؛ أي: مجتمع الذراع والعضد. وذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل، وحجتهم أن كلمة ﴿إلى﴾ هنا بمعنى (مع) نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: مع أموالكم. ويعضده من السنة ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه توضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. ونقل عن مالك والشعبي وزفر وأبي بكر بن داود الظاهري: أنَّه لا يجب إدخال المرفقين في الغسل، واختاره ابن جرير الطبري. ونقل عن مالك وقد سئل عن قول الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقال: الذي أمر به أن يبلغ المرفقين في الغسل لا يجاوزهما. وحجة أصحاب هذا القول أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجًا عنه كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ ولأن الحد لا يدخل في المحدود، فوجب أن

стр. 2946

لا يجب غسل المرفقين في الوضوء. وأجيب عنها بأنَّ الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، كما في هذه الآية؛ لأنَّ المرفق من جنس اليد، وإذا لم يكن من جنس المحدود .. لم يدخل فيه، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ لأنَّ النهار من غير جنس الليل، فلا يدخل فيه. والثالث من فروض الوضوء المذكورة في القرآن: مسح الرأس، وذكره بقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جمع رأس والرأس معروف. وقد اختلف فقهاء الأمصار في أقل ما يحصل به فرض مسح الرأس، فقال الشافعي: يكفي أقل ما يصدق عليه اسم المسح ولو شعرة. وقال مالك: يجب مسح جميعه وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى عنه أنه يجب مسح أكثره. وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربعه؛ لأن المسح إنَّما يكون باليد وهي تستوعب مقدار الربع في الغالب، وفي رواية أخرى عنه: أنه يجب مسح قدر ثلاثة أصابع منه. والمراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح بالرأس، فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة وهو ما يروى عن الصغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ : (توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) متفق عليه. وقدرت الناصية بربع رأس. والفرض الرابع من الفروض المذكورة في القرآن: غسل الرجلين، وذكره الله بقوله: ﴿و﴾ اغسلوا ﴿أرجلكم إلى الكعبين﴾ أي مع الكعبين. والكعبان: ها العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين، أي: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين ويؤيده عمل النبي ﷺ وعمل الصحابة، وقول أكثر الأئمة. قد روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبة فقال: "ويل للأعقاب من النار". وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثًا،

стр. 2947

ويقوم المسح على الخفين عند لبسهما مقام غسل الرجلين، وقد روى ذلك خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين، وقال الحافظ ابن حجر: قد صرّح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وأقوى الأحاديث حجة فيه حديث جرير، فقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. والخلاصة: أن غسل الرجلين المكشوفتين ومسح المستورتين هو الثابت بالسنة، المتواترة المبينة للقرآن، والموافق لحكمة هذه الطهارة. وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه (١): ﴿وأرجلِكم﴾ بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه والكسائي ويعقوب: ﴿وأرجلَكم﴾ بالنصب. أما على قراءة الجر فهو إما معطوف على الرؤوس، فكما يجب المسح في الرؤوس كذلك من الأرجل، وإنَّما عطفت الأرجل على الممسوح للتنبيه على الإسراف في استعمال الماء فيها؛ لأنها موضع صب الماء كثيرًا، والمراد غسلها، أو مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ فعل محذوف، تقديره: وافعلوا بأرجلكم غسلًا، وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز، ولا يجوز هذا الكسر على الجوار على أنَّه منصوب في المعنى، عطفًا على المغسول؛ لأنَّ الجر بالجوار لا يرتكب إلا عند أمن اللبس، وهنا لا يؤمن اللبس، وأيضًا شرطه أن يكون بدون عاطف، والعاطف هنا موجود. وأمَّا على قراءة النصب فهو إمَّا معطوف على الرؤوس؛ لأنه منصوب المحل، والعطف على المحل جائز كالعطف على اللفظ كما هو مشهور عند النحاة، وإمّا معطوف على وجوهكم، فظهر لنا أن العامل في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أحد شيئين، إمَّا قوله: ﴿وَامْسَحُوا﴾. وإمَّا قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ ولكن الأولى إعمال الأقرب منهما، حتى إن

стр. 2948

بعضهم لا يجوز أن يكون العامل ﴿فَاغْسِلُوا﴾ لما يلزم عليه من الفصل بين المتعاطفين بجملة مبينة حكمًا مستقلًا ليس فيها تأكيد للأول، وليست هي اعتراضية، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هو قوله: ﴿وَامْسَحُوا﴾ فتدل هذه الآية على وجوب مسح الأرجل، لكن وردت أحاديث صحيحة كثيرة بإيجاب غسل الرجل، وهو مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب الرجوع إليه، ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء؛ أي: وأرجلكم مغسولة أو كذلك. فصل قد تقدم أن الفروض المذكورة في هذه الآية أربعة، وهي: غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على وجوب النية في الوضوء، فصارت فرضًا خامسًا، وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى وجوب الترتيب في الوضوء، وهو أن يغسل الأعضاء في الوضوء على الولاء كما ذكره الله تعالى في هذه الآية، فيغسل وجهه أولًا، ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضًا سادسًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن الترتيب في الوضوء غير واجب، واحتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية، وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، ثم بمسح الرأس، ثم بغسل الرجلين، فوجب أن يقع الفعل مرتبًا كما أمر الله تعالى، ولقوله ﷺ في حديث حجة الوداع "أبدأ بما بدأ الله به". وهذا الحديث وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي ﷺ في الوضوء ما وردت إلا مرتبة، كما ورد في نص الآية، ولم ينقل عنه ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكسًا أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله تعالى ونص عليه في هذه الآية واجب، واحتج أبو حنيفة لمذهبه بهذه الآية أيضًا وذلك: أن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك زيادة على النص، وذلك غير جائز. وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه توضأ إلا

стр. 2949

مرتبًا كما ذكر، وبيان الكتاب إنَّما يؤخذ من السنة. فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في صفة الوضوء وفضله عن حمران مولى عثمان بن عفان ﵁ أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه .. غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه. زاد في رواية بعد قوله "فأقبل بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه". وعن عبد خير قال: أتانا علي كرم الله وجهه - وقد صلى - فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى! ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، فمضمض ونثر من كف يأخذ منه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمين ثلاثًا، ورجله الشمال ثلاثًا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا. أخرجه أبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ (فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثلاثًا، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو قال: ظلم وأساء). أخرجه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ مسح برأسه وأذنيه

стр. 2950

ظاهرهما وباطنهما). أخرجه الترمذي وصححه. وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: "ويل للأعقاب من النار". متفق عليه. وعن جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارجع وأحسن وضوءك"؟ قال: فرجع فتوضأ ثم صلى. أخرجه مسلم. وعن خالد ﵁ عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة. أخرجه أبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا - وقد أرهقتنا الصلاة - ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادانا بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثًا. متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ توضأ مرة مرة. أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين. أخرجه أبو داود والترمذي وقال: وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: كان علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة فقلت ما أجود هذا، فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر قال: إنِّي قد رأيتك جئت آنفًا؟ قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن

стр. 2951

محمدًا عبده ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء". أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه .. خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء, فإذا غسل يديه .. خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه .. خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب". أخرجه مسلم. وعن نعيم بن عبد الله بن المجمر، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". متفق عليه. وفي رواية قال: رأيت أبا هريرة ﵁ يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد, ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد, ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ, وقال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء, فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله". وفي راوية لمسلم قال: سمعت خليلي رسول الله ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ على طهر .. كتب الله له به عشر حسنات". أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أبو داود وابن ماجه. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾؛ أي: أصحاب جنابة وحدث أكبر؛ أي: وإنْ أصابتكم جنابة إمَّا بخروج المني، على أي صفة كان من احتلام أو غيره، أو بالتقاء

стр. 2952

الختانين، وإن لم يكن معه إنزال، فختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وشفرا المرأة محيطان بثلاثة أشياء، ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر، ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر، وهي مخرج البول لا غير، وموضع ختانها وهو ثقبة البول، وهناك جلدة قائمة مثل عرف الديك، وقطع هذه الجلدة هو ختانها، فإذا غابت الحشفة .. حاذى ختانها ختانه، وهذا هو معنى التقاء الختانين. أي: وإن كنتم أيها المؤمنون مصابين بالجنابة المذكورة وأردتم القيام إلى الصلاة ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾؛ أي: تطهروا من الجنابة بغسل البدن كله قبل الدخول في الصلاة التي أردتم القيام إليها، والمرأة كالرجل في ذلك كله. وعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء يخلل بهما أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على سائر جسده). وقرأ الجمهور: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾. تشديد الطاء والهاء المفتوحتين وأصله تطهروا فأدغمت التاء في الطاء، واجتلبت همزة الوصل، وقرىء: ﴿فاطهروا﴾ بسكون الطاء والهاء مكسورة من اطهر رباعيًّا؛ أي: فأطهروا أبدانكم، والهمزة للتعدية. ولما بين الله وجوب الطهارتين: الوضوء والغسل، وكان المسلم لا بد له من طهارة الوضوء مرة أو أكثر من ذلك في اليوم، ولا بد له من الغسل في كل أسبوع مرة أو أكثر غالبًا .. بين الرخصة في تركهما عند المشقة أو العجز؛ لأن الدين يسر لا حرج فيه ولا عنت فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾؛ أي: وإنْ كنتم مرضى مرضًا يضره الماء أو يشق فيه استعمال الماء جلديًّا كان كالجدري والجرب وغيرهما من القروح والجراح أو غير جلدي كالباطني ﴿أَوْ﴾ مستقرين ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ طويلًا أو قصيرًا، طاعة أو غيرها، ومن شأن السفر أن يشق فيه الوضوء والغسل ﴿أوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ أي: المكان المنخفض الذي تقضى فيه حاجة الإنسان، التي لا بد منها، ويراد به شرعًا قضاء الحاجة من بول أو غائط؛ أي أحدثتم الحدث الموجب للوضوء عند إرادة الصلاة ونحوها، كالطواف، ويسمى الحدث الأصغر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بذكر أو غيره، المراد

стр. 2953

بالملامسة المباشرة المشتركة بين الرجال والنساء، والحدث الموجب للغسل يسمى الحدث الأكبر، والموجب للوضوء يسمى الأصغر ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ يا معشر المسافرين والمحدثين حدثًا أصغر أو أكبر ﴿مَاءً﴾ بعد طلبه ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ أي: فاقصدوا ترابًا طاهرًا ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ بالضربة الأولى ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ بالضربة الثانية ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الصعيد. وقد تقدم تفسير هذا في سورة النساء مستوفى، وكذلك تقدم الكلام على ملامسة النساء وعلى التيمم وعلى الصعيد، ووجه التكرير هذا هنا لاستيفاء الكلام في أنواع الطهارة، ومن في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ لابتداء الغاية، وقيل للتبعيض وفي قوله: ﴿مِنْهُ﴾ دليل على أنَّه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون فيما شرعه لكم في هذه الآية، وفي غيرها ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: حرجًا ما وضيقًا؛ أي: أدنى ضيق وأقل مشقة بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء؛ لأنَّه تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والصلاح لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾ الله ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الأقذار والرذائل والمنكرات والعقائد الفاسدة، فتكونوا أنظف الناس أبدانًا، وأزكاهم نفوسًا، وأصحهم أجسادًا، وأرقاهم أرواحًا. وقيل المعنى (١): ليطهر قلوبكم عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى؛ لأنَّ الكفر والمعاصي نجاسات للأرواح، وذلك لأنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة - وكانت طاهرة - لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة، فلمَّا انقاد لهذا التكليف .. كان ذلك الانقياد محض إظهار العبودية، فأزال هذا الانقياد عن قلبه آثار التمرد، فكان ذلك طهارة للقلوب والأبدان، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فيجمع (٢) لكم بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، والإنسان إنما هو روح وجسد. والصلاة تطهر الروح وتزكي النفس، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعود المصلي مراقبة ربه في السر والعلن، وخشيته حين الإساءة، والرجاء فيه لدى الإحسان، والطهارة

стр. 2954

التي جعلها الله شرطًا للدخول في الصلاة، ومقدمة لها، تطهر البدن وتنشطه، فيسهل بذلك العمل من عبادة وغيرها، فما أجل نعم الله على عباده! وما أجدر من هدى بهداه بدوام الشكر عليه! ومن ثم ختم الآية الكريمة بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أو المعنى ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ببيان كيفية الطهارة، وهي نعمة الدين بعد ذكر نعمة الدنيا، وهي إباحة الطيبات من المطاعم والمناكح، أو بالترخيص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض، فتستدلوا بذلك على أنَّه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة، بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: وعدكم ذلك لكي تديموا شكره على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية. فصل في ذكر الحكمة في شرع الوضوء والغسل للوضوء والغسل فوائد أهمها (١): ١ - أن غسل البدن كله وغسل الأطراف يفيد صاحبه نشاطًا وهمة، ويزيل ما يعرص للجسد من الفتور والاسترخاء بسبب الحدث، أو بغيره من الأعمال التي تؤثر تأثيره، وبذا يقيم الصلاة على وجهها، ويعطيها حقها من الخشوع؛ ومراقبة الله تعالى، إذ المشاهد أنَّه إذا بلغ الإنسان من هذه اللذة الجسيمة غايتها، بالوقاع أو الإنزال، حصل تهيج عصبي كبير، يعقبه فتور شديد، بحسب سنة رد الفعل، ولا يعيد نشاطه إلا غسل البدن كله. ٢ - أن النظافة ركن الصحة البدنية، فإن الوسخ والأقذار مجلبة الأمراض والأدواء الكثيرة، ومن ثم ترى الأطباء يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية في المبالغة في النظافة، وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصح الناس أجسادًا؛ وأقلهم أمراضًا؛ لأنَّ دينهم مبني على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة، فإذا هم فعلوا ما أوجبه الدين تنتفي الأسباب التي تولد جراثيم - أصول - الأمراض عند الناس.

стр. 2955

٣ - تكريم المسلم نفسه لدى نفسه وأهله وقومه الذين يعيشون معهم، إذ من كان نظيف البدن والثياب .. كان جديرًا بحضور كل مجتمع، ولقاء أشراف الناس وفضلائهم، ومن كان وسخًا قذرًا فإنَّه يكون محتقرًا عند كرام الناس ولا يعدونه أهلًا لأن يحضر مجالسهم، ويشعر في نفسه الضعة والهوان. ولأجل هذا ورد الأمر بالغسل والطيب ولبس الثياب النظيفة يوم الجمعة، لأنّه يوم يجتمع فيه الناس في المساجد لعبادة الله تعالى. روى مالك والشافعي وأحمد والبخارى ومسلم من طرق عدة أن النبي ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، أي: بالغ ومكلف. ٧ - وبعد أن بين هذه الأحكام، وذكر رفع الحرج الذي تم به الإنعام، ذكرنا بنعمه التي أنعم بها علينا فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ التي هي نعمة الإِسلام؛ أي: وتذكروا أيها المؤمنون إذ كنتم كفارًا متباغضين، فأصبحتم بهداية الدين إخوانًا متحابين. وقيل المعنى؛ أي: تأملوا في جنس نعمة الله تعالى عليكم، وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات، والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه غير الله، فمتى كانت النعمة على هذا الوجه .. كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: وتذكروا العهد الذي عاهدكم به على لسان رسوله حين بايعتم رسوله محمدًا ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، المحبوب والمكروه والعسر واليسر، حين قلتم له: سمعنا ما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأطعناك فيه، فلا نعصيك في معروف، وكل ما جئتنا به فهو معروف. مثل مبايعته ﷺ مع الأنصار في أول الأمر ليلة العقبة، ومبايعته ﷺ عامة المؤمنين بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية وغيرهما. وكل نبي بعث في قوم أخذ عليهم ميثاق الله بالسمع والطاعة، وقبول الدعوة والدخول في الدين، يعد قبولًا لهذا العهد، فعلينا أن نعد هذا التذكير خطابًا لنا، كما عده السلف من الصحابة خطابًا لهم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون في نسيان

стр. 2956

نعمته، ونقض ميثاقه، فلا تنقضوا عهده، ولا تخالفوا ما أمركم به، وما نهاكم عنه، سواء أكان في هذه الآيات أم في غيرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بخطرات القلوب فلا يخفى عليه ما أضمره كل واحد ممن أخذ عليه الميثاق، من نية الوفاء به، أو عدم الوفاء، وما تنطوي عليه السرائر، من الإخلاص أو الرياء، فلا تعزموا بقلوبكم على نقض تلك العهود؛ فإنَّه إنْ خطر ببالكم فالله يعلم ذلك، وكفى بالله مجازيًا. ٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: كونوا مبالغين في القيام بالحق والعدل في أنفسكم، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخلصين ﴿لِلَّهِ﴾ في كل ما تعملونه من أمر دينكم وأمر دنياكم، بأن تريدوا بعملكم الخير والتزام الحق ابتغاء مرضاة الله تعالى من غير اعتداء على أحد ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: شاهدين بالعدل والحق والصدق بلا محاباة لمشهود له، ولا لمشهود عليه، لأجل قرابة أو مال أو جاء، ولا تركه لفقر أو مسكنة أو عداوة، فالعدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور في أمة لأي سبب .. زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد، وتقطعت روابط المجتمع، فلا يلبث أن يسلط الله عليهم بعض عباده الذين هم أقرب منه إلى العدل، فيذيقوهم الوبال والنكال، وتلك سنة الله في حاضر الأمم وغابرها، ولكن الناس لا يعتبرون، والشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به، أو عن إظهار الحاكم الحق بالحكم به، أو إظهاره بالإقرار به لصاحبه، والتكاليف محصورة في نوعين: تعظيم أمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله. فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾. إشارة إلى النوع الأول وهو حقوق الله وقوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ إشارة إلى الثاني وهو حقوق الخلق ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي: شدة بغضكم لقوم مشركين ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل فعله، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًا مما في قلوبكم، أو المعنى: ولا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم، وتجاوزوا الحد فيهم، بل اعدلوا فيهم، وإن أساؤوا عليكم، ولا تحملنكم العداوة والبغضاء لهم على ترك العدل في أمرهم بالشهادة لهم بحقهم إذا

стр. 2957

هم أصحاب حق، أو الحكم لهم بذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر جميع الخلق بأنْ لا يعاملوا أحدًا إلا على سبيل الإنصاف، وترك الاعتساف، فالمؤمن يؤثر العدل على الجور والمحاباة، ويجعله فوق الأهواء، وحظوظ النفس، وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما ﴿اعْدِلُوا﴾؛ أي: افعلوا العدل، والحق أيها المؤمنون في عدوكم ووليكم ﴿هُوَ﴾؛ أي: العدل المدلول عليه بقوله: اعدلوا ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ أي: إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى، أو إلى الاتقاء من عذاب الله تعالى، أو إلى التقوى التي أمرتم بها غير مرة. وهذه (١) الجملة مؤكدة للجملة السالفة، كرره للعناية بأمر العدل، وأنَّه فريضة لا هوادة فيها؛ لأنّه أقرب لتقوى الله تعالى، والبعد عن سخطه، وتركه من أكبر المعاصي، لما ينشأ عنه من المفاسد التي تقوض نظم المجتمعات وتقطع الروابط بين الأفراد، وتجعل بأسهم شديدًا. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم، فيجازيكم عليها. والمعنى: واتقوا سخطه وعقابه؛ لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، ظاهرها وباطنها، واحذروا أن يجازيكم بالعدل على ترككم للعدل، وقد مضت سنته في خلقه بأن يجعل جزاء ترك العدل في الدنيا الذلة والمهانة للأمم والأفراد، وفي الآخرة الخزي يوم الحساب. ٩ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بالعدل والتقوى وبشرهم بأن يكون ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: ستر لذنوبهم ومحو لسيئاتهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: ثواب جسيم هو الجنة والرضوان منه تعالى، وهذه الجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لسؤال مقدر، فكأنه قيل وأي شيء وعدهم؟ فقال المجيب لهم: مغفرة وأجر عظيم.

стр. 2958

فالإيمان والعمل الصالح يستران ويمحوان من النفس ما يكون فيها من سوء أثر الأعمال السالفة، فيغلب عليها حب الحق والخير، وتكون أهلًا للوصول إلى عالم القدس والطهر، والأجر العظيم هو الجزاء المضاعف على الإيمان والعمل الصالح، فضلًا من الله ورحمة من لدنه. ١٠ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا بوحدانية الله تعالى وبرسالة رسله، ونقضوا عهوده ومواثيقه. والكفر هنا هو الكفر بالله ورسله، لا فرق في ذلك بين الكفر بالجميع وبين الكفر بالبعض ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآنية، وبما جاءت به الرسل من عنده تعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ الكافرون المكذبون ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: ملازموها ومصاحبوها أبدًا لا يفارقونها. وهذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ليس إلا للكفار؛ لأنَّ المصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: فلان صاحبُ فلان، يعني ملازم له، وهذه الجملة مستأنفة، أتى بها جمعًا بين الترغيب والترهيب، إيفاء لحق الدعوة بالتبشير والإنذار. وآيات الله قسمان: آياته المنزلة على رسله وآياته التي أقامها في الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته وإرادته، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه، والجحيم النار العظيمة كما قال تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾؛ أي: أنَّ هؤلاء الكفار المكذبين سيصلون العذاب في نار عظيمة، أعدَّها الله تعالى لمن كفر وكذب بآياته؛ لأن نفوسم قد فسدت، وسوء حالهم قد ران على قلوبهم فأصبحوا صمًّا عميًا لا يبصرون. ١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، يعني محمدًا ﷺ وأصحابه ﴿اذْكُرُوا﴾؛ أي: تذكروا ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: إنعامه تعالى عليكم، بدفع بأس العدو عنكم بالشكر عليها ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾؛ أي: إذ قصد قوم من الكفار ﴿أَنْ يَبْسُطُوا﴾ ويمدوا ﴿إِلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿يْدِيَهُمْ﴾ بالقتل والبطش والإهلاك، يقال: بسط إليه يده، إذا بطش به، وبسط إليه لسانه، إذا شتمه، ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به ﴿فَكَفَّ﴾ الله ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ وصرفهم ﴿عَنْكُمْ﴾ وحال بينكم وبين ما أرادوه بكم من الضرر. روي من طرق متعددة أن الآية نزلت في رجل من قبيلة هم بقتل النبي ﷺ ، أرسله قومه لذلك، وكان

стр. 2959

بيده سيف وليس مع النبي ﷺ سلاح، وكان منفردًا. وفي رواية أخرى: إن السيف الذي كان بيد الأعرابي كان سيف رسول الله ﷺ ، علقه في شجرة وقت الراحة، فأخذه الرجل، وجعل يهزه ويهم بقتل النبي ﷺ ، ثم سقط في يده، فأخذه رسول الله ﷺ وقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد، ثم صاح رسول الله ﷺ بأصحابه، فأخبرهم، وأبى أن يعاقبه، كما مر ذلك كله في أسباب النزول. وعلى هذا فالمراد تذكيرهم بنعمة الله عليهم، بدفع الشر والمكروه عن نبيهم، فإنَّه لو حصل ذلك .. لكان من المحن الكبرى التي تصحب المسلمين. وقيل: إن المراد تذكيرهم بما أنعم الله عليهم من قوة الإِسلام، وعظمة شوكة المسلمين، فبعد أنْ كانوا أذلاء مغلوبين على أمرهم، بدل الحال غير الحال، وأصبحوا أعزة بعد الذلة، وغالبين بعد أن كانوا مقهورين، فهو يذكر المسلمين بوقائع الاعتداء كلها، سواء في ذلك حادثة المحاربي وأمثالها؛ لأن حفظه أولئك السلف هو حفظه لذلك الدين القويم، فالنبي ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأصحابه هم الذين تلقوها عنه وأدوها لمن بعدهم قولًا وعملًا. ومن فوائد هذا التذكير للمتأخر ترغيبه في التأسي بالسلف في القيام بما جاء به الدين، من الحق والعدل والبر، ومعنى قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾؛ أي: شارفوا أن يمدوا أيديهم إليكم بصنوف البلاء، من قتل ونهب، فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيديهم عنكم، فلم يستطيعوا تنفيذ ما هموا به ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه؛ أي: كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى، ولا تخافوا أحدًا في إقامة طاعات الله تعالى ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم: دينهم ودنياهم، فإنَّه تعالى الكافي لإيصال الخير ودفع الشر. والمعنى: واتقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم وقت ضعفكم وقوتهم، وتوكلوا عليه وحده، فقد أراكم عنايته بمن يكون أمورهم إليه بعد مراعاة سننه، والسير عليها في اتقاء كل ما يخشى ضره، وتسوء عاقبته، لا على

стр. 2960

أوليائكم وحلفائكم؛ لأن الأولياء قد تنقطع بهم الأسباب، ويجيبون داعي اليأس إذا اشتد اليأس، والحلفاء قد يغدرون كما غدر بنو النضير وغيرهم، ولكن المؤمن المتوكل على الله إذا هم أن ييأس .. تذكر أن الله تعالى وليه، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، فتتجدد قوته ويفر منه اليأس فينصره الله، ويخذل أعداءه، كما حدث لأولئك الكملة المتوكلين مع سيد المرسلين أيام ضعفهم، وقلتهم وفقرهم وتألب (١) الناس كلهم عليهم. الإعراب ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة. ﴿مَاذَا﴾: (ما): اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. (ذا): اسم الموصول في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مفعول ثان لِـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿أحل﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ هـ، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ هـ، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع معطوف على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ ولكنه على حذف مضاف كما مر في بحث التفسير تقديره: وصيد ما علمتم. ﴿عَلَّمْتُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعولاه محذوف تقديره: وما علمتموه الاصطياد. ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: جار ومجرور حال من المفعول الأول الذي هو الضمير المحذوف تقديره: وما علمتموه حالة كونه كائنًا من الجوارح؛ أي: من الحيوان الكاسب لكم، وجملة (علم) صلة الموصول، والعائد الضمير المحذوف.

стр. 2961

وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ في (ما) هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف؛ أي: ما علمتموه، ومحلها الرفع عطفًا على مرفوع ما لم يسم فاعله؛ أي: وأحل لكم صيد أو أخذ ما علمتم، فلا بدّ من تقدير هذا المضاف. والثاني: أنها شرطية، فمحلها رفع بالابتداء والجواب قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ وإنَّما دخلت الفاء لكون الجواب جملة طلبية. والثالث: أنَّها موصولة أيضًا، ومحلها الرفع بالابتداء، والخبر قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ وإنَّما دخلت الفاء تشبيهًا للموصول باسم الشرط وقوله: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: الموصول، وهو ما، والثاني: أنَّه الهاء العائد على ما الموصولة، وهو في المعنى كالأول، قال الشيخ: وفائدة هذه الحال وإنْ كانت مؤكدة لقوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ فكان يستغنى عنها الإشارة إلى أن يكون المعلم ماهرًا في التعليم حاذقًا. اهـ. "سمين". ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: حال من التاء في علمتم، ومفعولاه محذوفان تقديرهما: مكلبين إياهن الاصطياد؛ أي: معلمين ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لتعلمون، ومن فيه تبعيضية ﴿عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علمكم الله إياه، وجملة ﴿عَلَّمَكُمُ﴾: صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف، وجملة ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: في محل النصب حال ثانية من فاعل علمتم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ في هذه الجملة أربعة أوجه (٢): أحدها: أنَّها جملة مستأنفة.

стр. 2962

الثاني: أنها جملة في محل نصب على أنها حال ثانية من فاعل علمتم، ومنع أبو البقاء ذلك لأنَّه لا يجيز للعامل الواحد أن يعمل في حالين. الثالث: أنها حال من الضمير المستتر في مكلبين فتكون حالًا من حال، وتسمى المتداخلة وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكدة؛ لأن معناها مفهوم من علمتم ومن مكلبين. الرابع: أن تكون جملة معترضة، وهذا على جعل ما شرطية أو موصولة خبرها ﴿فَكُلُوا﴾ فيكون قد اعترض بين الشرط وجوابه، أو بين المبتدأ وخبره. اهـ "سمين" انتهت. ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾. ﴿فَكُلُوا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنه أحل لكم صيد ما علمتم وأردتم بيان كيفية الانتفاع به، وكيفية أكله .. فأقول لكم كلوا، ﴿كلوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول به لِـ ﴿كلوا﴾ و (من) فيه تبعيضية. ﴿أَمْسَكْنَ﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: أمسكنه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ هـ، وجملة أمسكن صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف، وجملة (كلوا): في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وكون الفاء فصيحة إنَّما يتمشى على القول بأن ما علمتم معطوف على الطيبات، لا على الوجهين الأخيرين من الأوجه الثلاثة المذكورة فيه. ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ اذكروا، والجملة معطوفة على جملة ﴿كلوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على كلوا. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ خبر إنَّ ومضاف إليه، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ما بعده ﴿أُحِلَّ﴾: فعل

стр. 2963

ماضٍ مغير الصيغة. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أُحِلَّ﴾ ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أُحِلَّ﴾: والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَطَعَامُ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿طعام﴾: مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتُوا﴾ لأنَّه بمعنى أعطوا. ﴿حِلٌّ﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية المذكورة قبلها، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿طعام﴾ معطوفًا على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ و ﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾: خبر مبتدأ محذوف ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ الواو عاطفة. ﴿المحصنات﴾: معطوف على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره: والمحصنات من المؤمنات حل لكم أيضًا، وحل مصدر بمعنى الحلال، فلا يثنى ولا يجمع. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير في المحصنات، أو من نفس المحصنات إذا عطفتها على الطيبات ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ الواو: عاطفة. ﴿المحصنات﴾: إما معطوف على الطيبات، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: حل لكم. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور حال من الضمير في المحصنات، أو حال من نفس المحصنات إذا عطفناه على الطيبات. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُوتُوا﴾. ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿أُحِلَّ﴾ أو بحل المحذوف. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾. ﴿مُحْصِنِينَ﴾: حال من الضمير المرفوع في ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فيكون العامل آتيتم، ويجوز أن يكون العامل ﴿أُحِلَّ﴾: أو (حل) المحذوف، ذكره أبو البقاء. ﴿غَيْرَ﴾: صفة لمحصنين. ﴿مُسَافِحِينَ﴾: مضاف إليه، أو حال من الضمير المستكن في ﴿مُحْصِنِينَ﴾، أو حال من فاعل ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ على أنه حال ثانية منه، وذلك عند من يجوز ذلك ﴿وَلَا﴾: (الواو):

стр. 2964

عاطفة. (لا): زائدة زيدت لتأكيد النفي المفهوم من غير. ﴿مُتَّخِذِي﴾: معطوف على ﴿مُسَافِحِينَ﴾ مجرور بالياء وهو مضاف ﴿أَخْدَانٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَن﴾: (الواو): استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿بِالْإِيمَانِ﴾: متعلق به. ﴿فَقَدْ﴾: (الفاء): رابطة لجواب من وجوبًا لاقترانه بقد. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿حَبِطَ عَمَلُهُ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه في محل الجزم بمن على كونه جواب الشرط لها، وجملة من الشرطية مستأنفة ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الخبر الآتي ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ وقوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبر وقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلق بما تعلق به الخبر لا به، إذ معمول الصلة لا يتقدم عليها اهـ. وفي "الكرخي": الظاهر أن الخبر قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيتعلق قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ بما تعلق به هذا الخبر، وهو الكون المطلق، ولا يجوز أن يكون ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ هو الخبر، و ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ متعلقًا بما تعلق به الخبر؛ لأنه لا فائدة في ذلك. اهـ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ (يا): حرف نداء. (أي): منادى نكرة مقصودة. (ها): حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات، (أي): من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لأي، تابع للفظه، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قُمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قُمْتُمْ﴾. ﴿فَاغْسِلُوا﴾: الفاء رابطة لجواب إذا. ﴿اغسلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾: معطوف على وجوهكم. ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اغسلوا﴾. وقال العكبري: ويجوز أن يتعلق بمحذوف

стр. 2965

حال من أيديكم تقديره: حالة كونها مضافة إلى المرافق. ﴿وَامْسَحُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اغسلوا﴾. ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿امسحوا﴾. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: بالنصب معطوف على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم. وبالجر لفظًا على الجوار معطوف على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أيضًا، فتقول في إعرابه: أرجلكم معطوف على وجوهكم، وللمعطوف حكم المعطوف عليه تبعه بالنصب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجوار؛ أي: اشتغال المحل بحركة سببها مجاورة المجرور ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء؛ أي: وأرجلكم مغسولة، أو كذلك، ذكره أبو البقاء. ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اغسلوا﴾ أو ﴿مسحوا﴾ أو حال من ﴿أرجلكم﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ جازم وفعل ناقص واسمه. ﴿جُنُبًا﴾ خبر كان ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾: (الفاء): رابطة الجواب. ﴿اطهروا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم جواب إنْ الشرطية، وجملة إنْ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾: جازم وفعل ناقص واسمه ﴿مَرْضَى﴾: خبره ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف معطوف على خبر كان تقديره: أو مستقرين على سفر ﴿أوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ على كونها فعل شرط لإن ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لأحد ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾: جار ومجرور متعلق بجاء ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. ﴿فَلَمْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿تَجِدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلم. ﴿مَاءً﴾: مفعول به؛ لأنَّ وجد لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد؛ لأنَّه من وجدان الضالة، والجملة في محل الجزم، معطوفة على جملة الشرط، لكنه قيد في غير المرض وهو الثلاثة بعده، وأمَّا المرض .. فيتيمم معه ولو مع وجود الماء ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: (الفاء): رابطة لجواب الشرط. ﴿تيمموا﴾: فعل وفاعل. ﴿صَعِيدًا﴾: مفعول به. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة له، والجملة في محل الجزم جواب لإنْ الشرطية، وجملة إنْ الشرطية مستأنفة.

стр. 2966

﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾. ﴿فَامْسَحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة تيمموا على كونها جواب الشرط ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾: جار ومجرور. ومضاف إليه متعلق بـ ﴿امسحوا﴾ ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ معطوف على ﴿وُجُوهِكُمْ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿امسحوا﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِيَجْعَلَ﴾: اللام حرف جر وتعليل. ﴿يجعل﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عليكم﴾: متعلق به. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿حَرَجٍ﴾: مفعول به لجعل؛ لأنه يتعدى إلى مفعول واحد؛ لأنه بمعنى أوجد، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور باللام، ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف تقديره: ما يريد الله الرخصة في التيمم لجعله حرجًا عليكم، واللام متعلقة بـ ﴿يُرِيدُ﴾ وقيل: اللام زائدة، وجملة أن المصدرية مفعول ﴿يُرِيدُ﴾ تقديره: ما يريد الله برخصة التيمم جعل حرج عليكم. ﴿وَلَكِنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف تقديره: ولكن يريد الرخصة في التيمم ليطهركم، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾. ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يطهر﴾: منصوب بـ ﴿أنْ﴾ مضمرة، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. و ﴿الكاف﴾: مفعوله، وجملة (أنْ) المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام وهي متعلقة بـ ﴿يُرِيدُ﴾؛ والتقدير: ولكن يريد الرخصة في التيمم لتطهيره إياكم، وقيل: اللام زائدة كما تقدم والتقدير: ولكن يريد تطهيره إياكم. ﴿وَلِيُتِمَّ﴾: (الواو): عاطفة. (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يتم﴾: منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿نِعْمَتَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يتم﴾: وجملة أنْ المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ والتقدير: على الوجه الأول؛ ولكن يريد الرخصة في التيمم لتطهيره إياكم ولإتمام نعمته عليكم،

стр. 2967

وعلى الوجه الثاني: ولكن يريد تطهيره إياكم وإتمام نعمته عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجّ ونصب. و (الكاف): اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾: في محل الرفع خبر لعل، والتقدير: لعلكم شاكرون، وجملة لعل مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿ذكروا﴾: فعل وفاعل. ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بنعمة الله، والجملة مستأنفة ﴿وَمِيثَاقَهُ﴾: معطوف على نعمة الله ﴿الَّذِي﴾: صفة للميثاق ﴿وَاثَقَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق بواثق، والجملة الفعلية صلة الموصول والعائد ضمير به ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿وَاثَقَكُمْ﴾ ﴿قُلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذْ﴾ ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: مقول محكي وإن شئت قلت ﴿سَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿وَأَطَعْنَا﴾: معطوف على ﴿سَمِعْنَا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذكروا﴾ ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿عَلِيمٌ﴾: خبرها ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بعليم، وجملة إن مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ (يا): حرف نداء. (أي): منادى نكرة مقصودة. (ها): حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة له الموصول. ﴿كُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿قَوَّامِينَ﴾: خبره. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بقوامين. ﴿شُهَدَاءَ﴾: خبر ثان لكونوا، وجملة كونوا جواب النداء. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: جار ومجرور متعلق بشهداء. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿يجرمن﴾: فعل مضارع في محل الجزم بلا الناهية مبني

стр. 2968

على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. والكاف مفعول به. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿كُونُوا﴾: على كونها جواب النداء ﴿عَلَى﴾: حرف جر ﴿أَلَّا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْدِلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المصدرية، وجملة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بعلى تقديره: على عدم العدل، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾. ﴿اعْدِلُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿لِلتَّقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها ﴿خَبِيرٌ﴾: خبرها ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بخيبر ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يعملونه، وجملة إنَّ مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: وعد الله الذين آمنوا المغفرة والأجر العظيم، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على آمنوا ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿وَأَجْرٌ﴾: معطوف عليه ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لأجر، والجملة الإسمية مستأنفة استغنى بها عن ذكر المفعول الثاني لوعد لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَكَذَّبُوا﴾: معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كذبوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان ﴿أَصْحَابُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني ﴿الْجَحِيمِ﴾: مضاف إليه والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

стр. 2969

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أيها﴾ منادى. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾: صلة، والجملة مستأنفة. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: ﴿هَمَّ قَوْمٌ﴾ فعل وفاعل مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول وجار ومجرور في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿هَمَّ﴾ ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿الله﴾: (الفاء): تفريعية عاطفة على ﴿هم﴾ ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بكف ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وهو فعل وفاعل، و (الفاء): زائدة، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾: جمع طيبة وطيب والطيب ضد الخبيث، وهو صفة مشبهة من طاب يطيب من باب باع طيبًا وطابًا وطيبة وتطيابًا إذا لذّ وحلا وحسن وجاد، فالطيبات المستلذات. ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: الجوارح الكواسب من سباع البهائم، والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، وهي جمع جارحة، والهاء فيها للمبالغة، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف ذكره أبو البقاء، وسميت بذلك لأنها تجرح ما تصيد غالبًا، أو لأنها تكتسب، يقال: امرأة لا جارح لها؛ أي: لا كاسب، ومنه ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾؛ أي: ما كسبتم، ويقال: جرح واجترح بمعنى اكتسب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: جمع مكلب بالتشديد من التكليب، وهو تعليم الكلاب وإضراؤها، ثم استعمل في تعليم الجوارح مطلقًا. وقال أبو حيان: المكلب بالتشديد معلم الكلاب ومضربها على الصيد، وبالتخفيف صاحب الكلاب، وقال الزجاج: رجل مكلب ومكلب وكلاب صاحب كلاب ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: جمع محصنة يقال: أحصنت المرأة إذا عفت، فهي

стр. 2970

محصنة، بفتح الصاد؛ أي: عفيفة، وأحصنت المرأة إذا تزوجت؛ لأن زواجها قد أحصنها، فهي محصنة بفتح الصاد؛ أي: متزوجة وأحصن الرجل إذا تزوج، فهو محصن إذا تزوج، وأحصن المرأة إذا زوجها. قيل: المراد بالمحصنات هنا الحرائر، وقيل: العفيفات عن الزنا ﴿أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: مهورهن جمع أجر كفلس وفلوس ﴿مُحْصِنِينَ﴾: المراد بهم الأعفاء عن الزنا ﴿مُسَافِحِينَ﴾: مجاهرين بالزنا، ويقال: سافحا وتسافحا، إذا زنيا وفجرا، فهو مسافح؛ أي: مجاهر بالزنا. ﴿مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾؛ أي: مسرين بالزنا، والأخدان: جمع خدن بكسر أوله، والخدن الصديق، يطلق على الذكر والأنثى، وفي "المصباح" الخدن: الصديق في السر، والجمع: أخدان مثل حمل وأحمال انتهى. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الغسل (١) في اللغة إيصال الماء إلى المغسول مع إمرار شيء عليه كاليد ونحوها، قاله بعضهم وقال آخرون: هو إمرار الماء على الموضع، ومن ذلك قول بعض العرب: فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا والوجوه جمع وجه، وهو ما تحصل به المواجهة عن الرأس ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ جمع يد، أصله يدي؛ بدليل جمعه على الأيدي حذفت لامه اعتباطًا؛ أي: لغير علة تصريفية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: جمع مرفق، والمرفق المفصل بين المعصم والعضد، وفتح الميم وكسر الراء أشهر ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: جمع رجل والرجل معروفة، وجمعت على أفعل في القلة والكثرة ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ تثنية كعب، والكعب (٢) العظم الناتىء في وجه القدم، حيث يجتمع شراك النعل ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لجنب صفة يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، فاطهروا بتشديد الطاء والهاء أصله تطهروا من باب تفعل الخماسي، فأدغمت التاء في الطاء واجتلبت همزة الوصل فصار اطهروا كما مر في مبحث القراءة ﴿مَرْضَى﴾: جمع مريض كجرحى جمع جريح وقتلى جمع قتيل ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾: يقال: غاط الحفرة يغوط غوطًا، من باب قال إذا حفرها، وغاط في

стр. 2971

المكان إذا دخل فيه، ويقال: غوط البئر إذا حفرها فأبعد قعرها، وتغوط إذا قضى الحاجة، والغائط المطمئن من الأرض وموضع قضاء الحاجة؛ لأن الرجل إذا أراد التبرز كان يرتاد غائطًا من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، والغائط أيضًا العذرة. ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾: جمع قوام مبالغة قائم، والقوام بالشيء هو القائم به حق القيام ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: شهداء بالعدل جمع شهيد، ككرماء جمع كريم، وشرفاء، جمع شريف. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وفي لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وفي قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾، ﴿وَطَعَامُكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ﴾، ولفظ اليوم في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾؛ أي: صيد ما علمتم، وفائدته: دفع توهم أن مصيد الجارحة ليس من الطيبات. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وفي قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ و ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ لأن مكلبين بمعنى معلمين مؤكد لعلمتم. ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ قد اعترض بها بين الشرط وجوابه، أو بين المبتدأ والخبر على جعل ما في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ شرطية أو موصولة خبرها ﴿فَكُلُوا﴾.

стр. 2972

ومنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ﴾؛ أي: بعض ما أمسكن فمن تبعيضية، وإلا فلا يجوز أكل دمه وفرثه. ومنها: إقامة المسبب مقام السبب في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾؛ أي: أردتم القيام إليها، وذلك أنَّ القيام متسبب عن الإرادة، والإرادة سببه. ومنها: الحذف في عدة مواضع كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ لأنه على تقدير: وإذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم ... إلخ. والله أعلم * * *

стр. 2973

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه لما ذكر الميثاق الذي أخذه على المؤمنين في قوله: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. ثم ذكر وعده إياهم،

стр. 2974

ثم أمرهم بذكر نعمته عليهم إذ كف أيدي الكفار عنهم .. ذكرهم بقصة بني إسرائيل في أخذ الميثاق عليهم، ووعده لهم بتكفير السيئات، وإدخالهم الجنة، فنقضوا الميثاق وهموا بقتل الرسول، وحذرهم بهذه القصة أن يسلكوا سبيل بني إسرائيل. وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكرنا (١) الله بميثاقه الذي واثقنا به على السمع والطاعة لخاتم النبيين ﷺ ، بين لنا في هذه الآيات أخذ الميثاق على اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم له، ومن عقابه لهم على ذلك في الدنيا بضروب الذلة والمسكنة، وفي الآخرة بالخزي والعذاب، لنعتبر بحالهم، ونبتعد أن نكون على مثالهم، وليشرح لنا العلة في كفرهم بالنبي ﷺ ، وسبب تصديهم لإيذائه وعداوة أمته، وليقيم الحجة عليهم بما تراه من ذكر المحاجة، وبيان أنواع كفرهم وضلالهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (٢) بين أنه أخذ الميثاق على اليهود والنصارى، كما أخذه على هذه الأمة، وأنهم نقضوا العهد والميثاق وتركوا ما أمروا به، وأنهم أضاعوا حظًّا عظيمًا مما أوحاه إليهم، ولم يقيموا ما حفظوا منه .. دعاهم عقب ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ وبالكتاب الذي جاء به، وهذا البيان من دلائل نبوته ﷺ ، وهو من معجزات القرآن الكثيرة المنبثة في تضاعيفه. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٣) أقام الحجة على أهل الكتاب عامة .. بين ما كفرت به النصارى خاصة.

стр. 2975

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ ... الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: إنَّ (١) النبي ﷺ أتاه اليهود يسألونه عن الرجم؟ فقال: "أيكم أعلم"؟ فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور والمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل - الرعدة -؟ فقال: إنَّه لما كثر فينا جلدنا مئة، وحلقنا الرؤوس، فحكم عليهم، فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما رواه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ نعمان بن قصي وبحر بن عمر وشاس بن عدي، فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته وعذابه، فقالوا: تخوفنا به يا محمَّد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ...﴾ الآية. وروي عنه قال: دعا رسول الله ﷺ يهود إلى الإِسلام، ورغبهم فيه، فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذ: ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده، فأنزل الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١٢ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد جعل الله العهد المؤكد باليمين على بني إسرائيل، بواسطة موسى عليه

стр. 2976

السلام، على أن لا يعبدوا إلا الله، ولا يشركوا به شيئًا، وعلى أن يعملوا بجميع ما في التوراة، وفيها شريعتهم التي اختارها لهم ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾؛ أي: اخترنا منهم على لسان موسى ﵇ ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ أي: رئيسًا بعدد أسباطهم، من كل سبط نقيب، وأرسلنا هؤلاء النقباء إلى الجبارين ليتجسسوا عن أحوالهم. روي أنه لما نجا بنو إسرائيل واستقروا بمصر بعد هلاك فرعون .. أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني جعلتها لكم وطنًا ودار هجرة، فأخرجوا إليها وجاهدوا من كان فيها من الجبابرة، وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من كل سبط نقيبًا يكون كفيلًا بالوفاء بتنفيذ ما أمروا به، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل له به النقباء، وسار بهم، فلما دنا من الأرض المقدسة، بعث النقباء يتجسسون الأخبار، فرأوا أجسامًا قوية، وأجرامًا كبيرًا، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا، وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك، فنكثوا الميثاق إلا نقيبين - كالبًا ويوشع - وهما اللذان قال الله فيهما: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اَلَذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية وسيأتي الكلام في ذلك بعد. ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ للنقباء على لسان موسى ﵇ حين ذهبوا للتجسس ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بالنصر والعون والحفظ من الجبابرة. وقيل (١) هو خطاب لعامة بني إسرائيل، والقول الأول أولى؛ لأنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور، فكان عوده إلى النقباء أولى. ومعنى كونه معهم، أنَّه ناصرهم ومعينهم ما داموا محافظين على الميثاق، وهو راءٍ لأفعالهم، سميع لأقوالهم، عليم بضمائرهم، وقادر على مجازاتهم. ثم ابتدأ الكلام فقال مخاطبًا لعامة بني إسرائيل على لسان موسى ﵇ وعزتي وجلالي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ وأديتم ﴿الصَّلَاةَ﴾ المفروضة عليكم على وجهها ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وأعطيتم ما فرض عليكم من الصدقات التي تتزكى بها نفوسكم. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ الذين أرسلتهم إليكم بعد موسى، كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، ومحمد ﷺ .

стр. 2977

وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - مع كونهما من الفروع المرتبة عليه - لما أنهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام اهـ "كرخي". وقرأ الحسن: ﴿برسلي﴾ بسكون السين في جميع القرآن. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: نصرتموهم بالسيف على الأعداء، معظمين لهم، بأن تدافعوا أعداءهم عنهم. وقرأ عاصم الجحدري: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. خفيفة الزاي. وقرأ في الفتح: ﴿وتعزروه﴾ بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي ومصدره: العَزْر. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: قرضًا مخلصًا لوجه الله تعالى، والمراد بهذا الإقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهًا على شرفها وفضلها؛ أي: وبذلتم من المال زيادة على ما أوجبه الله عليكم بالزكاة، فكنتم بذلك بمثابة من أقرض ماله لغني ملىء وفي، لا يضيع عليه بل يجده أمامه عند شدة الحاجة إليه، وهذه الجمل كلها شرطية، فالشرط مركب من خمسة أمور وهي قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن فعلتم هذه المذكورات كلها .. لأزيلن عنكم بتلك الحسنات تأثير سيئاتكم التي سلفت منكم في نفوسكم، فلا يبقى فيها رجس، ولا خبث يقتضي العقاب، فإنَّ الحسنات يذهبن السيئات كما يغسل الماء الأدران والأوساخ ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: ولأدخلنكم تلك الجنات التي لا يدخلها إلا من كان طاهرًا من الشرك، وما يتبعه من المعاصي والآثام التي تفسد الفطرة ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: فمن جحد منكم شيئًا مما أمرتكم به، فتركه، أو عمل شيئًا مما نهيته عنه بعد أخذ الميثاق بالوفاء لي بطاعتي واجتنابه معصيتي ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: الطريق الواضح المستوي المستقيم، الذي يوصل سالكه إلى إصلاح قلبه، وتزكية نفسه، ويجعله أهلًا لجوار ربه في تلك الجنات. ١٣ - ثم بين أنهم لم يوفوا بهذا العهد فجازاهم على سوء صنيعهم فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؛ أي: فبسبب نقضهم ورميهم وغدرهم الميثاق الذي أخذ عليهم بتكذيب الرسل، وقتل الأنبياء، وكتمان صفة محمَّد ﷺ ، ومن ذلك الميثاق

стр. 2978

الإيمان بمن يرسل إليهم من الرسل ونصرهم وتبجيلهم وتعظيمهم ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ وطردناهم وأبعدناهم من رحمتنا. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾؛ أي: جافية منصرفة عن الانقياد للدلائل، وقيل: يابسة غليظة لا تلين لقبول الحق، وقيل منكرة لا تقبل الوعظ، وكل هذا متقارب، وقسوة القلب غلظه وصلابته. وقرأ الجمهور من السبعة (١): ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل من قسا يقسو، وقرأ عبد الله وحمزة الكسائي: ﴿قَاسِيَةً﴾ بغير ألف وبتشديد الياء، وهي فعلية للمبالغة، كشاهد وشهيد، وقيل معنى قسية على هذه القراءة رديئة يابسة. وقرأ الهيصم بن شراخ ﴿قسية﴾ بضم القاف وتشديد الياء كجي، وقرىء بكسر القاف إتباعًا؛ أي: (٢) استحقوا مقتًا وغضبًا وبعدًا من ألطافنا، فإن نقض الميثاق أفسد قطرتهم، ودنس نفوسهم، وقسى قلوبهم، حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، وافتروا على مريم وأهانوا ولدها الذي أرسل إليهم لإصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم، وحاولوا قتله، وافتخروا بذلك، فبكل ذلك بعدوا عن رحمة الله تعالى، إذ جرت سنته أن الأعمال السيئة تؤثر في النفوس آثارًا سيئة، فتجعل القلوب قاسية لا تؤثر فيها الحجة والموعظة، ومن ثم تستحق مقت الله وغضبه والبعد من فضله ورحمته، وما مثل هذا إلا مثل من يهمل العناية بنفسه، ولا يراعي القوانين الصحية، فهو لا شك سيصاد بالأمراض والأسقام، ولا يلومن حينئذ إلا نفسه إذ كان هو السبب في ذلك بإهماله رعاية نفسه حالة كونهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾؛ أي: يغيرون كلام الله الذي أنزل في التوراة وحكمه الذي شرع لهم فيها ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن حاله التي نزلت عليها؛ أي: يغيرون ما شق عليهم من أحكامها، كآية الرجم، بدلوها لرؤسائهم بالتحميم - وهو تسويد الوجه بالفحم - وغيروا أيضًا نعت محمَّد ﷺ التي نزلت في التوراة تلبيسًا على سفلتهم؛ أي: أزالوا صفته المكتوبة في التوراة، وكتبوا مكانها صفة أخرى، فغيروا المعنى والألفاظ، فتحريف الكلم عن مواضعه يكون إما بتحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان، وإمَّا بتحريف المعاني، يحمل الألفاظ على غير ما

стр. 2979

وضعت له، وكل منهما قد وقع في التوراة وغيرها من كتبهم، كما هو معلوم واضح لمن اطلع على التوراة. وقرأ الجمهور: ﴿الْكَلِمَ﴾ بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي: ﴿الكلام﴾ بالألف وقرأ أبو رجاء ﴿الكلم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام. وهذه الجملة (١) وما بعدها جاءت بيانًا لقسوة قلوبهم، ولا قسوة أشد من الافتراء على الله تعالى، وتغيير وحيه ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: تركوا بعضًا مما أمروا به في كتابهم، وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، وهذا (٢) أيضًا من قسوة قلوبهم، وسوء فعلهم بأنفسهم، حيث ذكروا بشيء فنسوه. وتركوه، وهذا الحظ هو من الميثاق المأخوذ عليهم ﴿وَلَا تَزَالُ﴾ يا محمَّد ﴿تَطَّلِعُ﴾ وتقف وتظهر ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: على خيانة من اليهود، فالخائنة مصدر بمعنى الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة، والخاطئة بمعنى الخطيئة، ويدل على ذلك قراءة الأعمش: ﴿على خيانة﴾ أو اسم فاعل، والهاء للمبالغة، كرواية؛ أي: خائن أو صفة لمؤنث؛ أي: قرية خائنة أو فعلة أو نفس خائنة. أي: إنك يا محمَّد لا تزال تطلع من هؤلاء اليهود على خيانة إثر خيانة، فلا تظنن أنك أمنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم، فهم قوم لا وفاء لهم، ولا أمان، فمن نقض عهد الله وميثاقه .. فكيف يرجى منه وفاء؟! وكيف تكون منه أمانة؟! فهذه عادتهم وديدنهم معك، وهم على ما كان أسلافهم من خيانة الرسل، وقتلهم الأنبياء، فهم لا يزالون يخونونك وينكثون عهودك، ويظاهرون عليك أعداءك، ويهمون بالفتك منك وأن يسموك، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ استثناء من الضمير في منهم، وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا وصدقوا الله ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا ولا تخف منهم خيانة ولا خديعة، أو هم الذين بقوا على الكفر لكنهم بقوا على العهد ولم يخونوا فيه. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: سامح عما فرطوا في حقك ولا تعاقبهم ﴿وَاصْفَحْ﴾؛

стр. 2980

أي: أعرض عن زلاتهم ولا تلتفت إليها ما داموا باقين على العهد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ﴾ ويثيب ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى الناس بالعفو والصفح عن زلاتهم وهفواتهم. قيل: (١) هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: خاص بالمعاهدين؛ أي: فاعف (٢) عما فرط من هؤلاء القليل، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان الذي يحبه الله تعالى، فأنت أحق الناس باتباع ما يحبه الله ويرضاه، وهذا رأي أبي مسلم. وقال غيره: فاعف عن هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح، إلى من أساء إليه إيثارًا للإحسان والفضل على ما يقتضيه العدل. وقد ثبت أن النبي ﷺ رغب - عند ما دخل المدينة - في مصالحة اليهود وموادعتهم، فعقد معهم العهد على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا من يحاربه، ولا يمالئوا عليه عدوًّا له، وأن يكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريتهم، وكان إذ ذاك منهم ثلاث طوائف حول المدينة، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فنقضوا العهد، وهموا بقتل النبي ﷺ ، فحل له قتالهم، ولكنه رجح السلم على الحرب، واكتفى بطردهم من جواره، وبعث إليهم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجدته بها بعد ذلك .. ضربت عنقه فأقاموا يتجهزون أيامًا، ثم ثبط عزيمتهم عبد الله بن أبي، وأرسل إليهم أن لا تخافوا، إن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وكان رئيسهم المطاع حيي بن أخطب شديد العدواة للنبي ﷺ ، وهو الذي زين لهم قتله والغدر له، فركن إلى قول ابن أبيّ، وبعث إلى النبي ﷺ : إنا لن نخرج من المدينة فافعل ما بدا لك. فعلم النبي ﷺ أنهم يريدون الحرب، فخرج هو والمسلمون للقائهم، يحمل لواءه علي بن أبي طالب ﵁، فلما وصلوا إليهم أقاموا على حصونهم
следующие страницы →