← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

السلام، على أن لا يعبدوا إلا الله، ولا يشركوا به شيئًا، وعلى أن يعملوا بجميع ما في التوراة، وفيها شريعتهم التي اختارها لهم ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾؛ أي: اخترنا منهم على لسان موسى ﵇ ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ أي: رئيسًا بعدد أسباطهم، من كل سبط نقيب، وأرسلنا هؤلاء النقباء إلى الجبارين ليتجسسوا عن أحوالهم. روي أنه لما نجا بنو إسرائيل واستقروا بمصر بعد هلاك فرعون .. أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني جعلتها لكم وطنًا ودار هجرة، فأخرجوا إليها وجاهدوا من كان فيها من الجبابرة، وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من كل سبط نقيبًا يكون كفيلًا بالوفاء بتنفيذ ما أمروا به، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل له به النقباء، وسار بهم، فلما دنا من الأرض المقدسة، بعث النقباء يتجسسون الأخبار، فرأوا أجسامًا قوية، وأجرامًا كبيرًا، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا، وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك، فنكثوا الميثاق إلا نقيبين - كالبًا ويوشع - وهما اللذان قال الله فيهما: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اَلَذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية وسيأتي الكلام في ذلك بعد. ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ للنقباء على لسان موسى ﵇ حين ذهبوا للتجسس ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بالنصر والعون والحفظ من الجبابرة. وقيل (١) هو خطاب لعامة بني إسرائيل، والقول الأول أولى؛ لأنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور، فكان عوده إلى النقباء أولى. ومعنى كونه معهم، أنَّه ناصرهم ومعينهم ما داموا محافظين على الميثاق، وهو راءٍ لأفعالهم، سميع لأقوالهم، عليم بضمائرهم، وقادر على مجازاتهم. ثم ابتدأ الكلام فقال مخاطبًا لعامة بني إسرائيل على لسان موسى ﵇ وعزتي وجلالي ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ وأديتم ﴿الصَّلَاةَ﴾ المفروضة عليكم على وجهها ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وأعطيتم ما فرض عليكم من الصدقات التي تتزكى بها نفوسكم. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ الذين أرسلتهم إليكم بعد موسى، كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، ومحمد ﷺ .

стр. 2977

وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - مع كونهما من الفروع المرتبة عليه - لما أنهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام اهـ "كرخي". وقرأ الحسن: ﴿برسلي﴾ بسكون السين في جميع القرآن. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: نصرتموهم بالسيف على الأعداء، معظمين لهم، بأن تدافعوا أعداءهم عنهم. وقرأ عاصم الجحدري: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. خفيفة الزاي. وقرأ في الفتح: ﴿وتعزروه﴾ بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي ومصدره: العَزْر. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: قرضًا مخلصًا لوجه الله تعالى، والمراد بهذا الإقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهًا على شرفها وفضلها؛ أي: وبذلتم من المال زيادة على ما أوجبه الله عليكم بالزكاة، فكنتم بذلك بمثابة من أقرض ماله لغني ملىء وفي، لا يضيع عليه بل يجده أمامه عند شدة الحاجة إليه، وهذه الجمل كلها شرطية، فالشرط مركب من خمسة أمور وهي قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن فعلتم هذه المذكورات كلها .. لأزيلن عنكم بتلك الحسنات تأثير سيئاتكم التي سلفت منكم في نفوسكم، فلا يبقى فيها رجس، ولا خبث يقتضي العقاب، فإنَّ الحسنات يذهبن السيئات كما يغسل الماء الأدران والأوساخ ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: ولأدخلنكم تلك الجنات التي لا يدخلها إلا من كان طاهرًا من الشرك، وما يتبعه من المعاصي والآثام التي تفسد الفطرة ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: فمن جحد منكم شيئًا مما أمرتكم به، فتركه، أو عمل شيئًا مما نهيته عنه بعد أخذ الميثاق بالوفاء لي بطاعتي واجتنابه معصيتي ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: الطريق الواضح المستوي المستقيم، الذي يوصل سالكه إلى إصلاح قلبه، وتزكية نفسه، ويجعله أهلًا لجوار ربه في تلك الجنات. ١٣ - ثم بين أنهم لم يوفوا بهذا العهد فجازاهم على سوء صنيعهم فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؛ أي: فبسبب نقضهم ورميهم وغدرهم الميثاق الذي أخذ عليهم بتكذيب الرسل، وقتل الأنبياء، وكتمان صفة محمَّد ﷺ ، ومن ذلك الميثاق

стр. 2978

الإيمان بمن يرسل إليهم من الرسل ونصرهم وتبجيلهم وتعظيمهم ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ وطردناهم وأبعدناهم من رحمتنا. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾؛ أي: جافية منصرفة عن الانقياد للدلائل، وقيل: يابسة غليظة لا تلين لقبول الحق، وقيل منكرة لا تقبل الوعظ، وكل هذا متقارب، وقسوة القلب غلظه وصلابته. وقرأ الجمهور من السبعة (١): ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل من قسا يقسو، وقرأ عبد الله وحمزة الكسائي: ﴿قَاسِيَةً﴾ بغير ألف وبتشديد الياء، وهي فعلية للمبالغة، كشاهد وشهيد، وقيل معنى قسية على هذه القراءة رديئة يابسة. وقرأ الهيصم بن شراخ ﴿قسية﴾ بضم القاف وتشديد الياء كجي، وقرىء بكسر القاف إتباعًا؛ أي: (٢) استحقوا مقتًا وغضبًا وبعدًا من ألطافنا، فإن نقض الميثاق أفسد قطرتهم، ودنس نفوسهم، وقسى قلوبهم، حتى قتلوا الأنبياء بغير حق، وافتروا على مريم وأهانوا ولدها الذي أرسل إليهم لإصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم، وحاولوا قتله، وافتخروا بذلك، فبكل ذلك بعدوا عن رحمة الله تعالى، إذ جرت سنته أن الأعمال السيئة تؤثر في النفوس آثارًا سيئة، فتجعل القلوب قاسية لا تؤثر فيها الحجة والموعظة، ومن ثم تستحق مقت الله وغضبه والبعد من فضله ورحمته، وما مثل هذا إلا مثل من يهمل العناية بنفسه، ولا يراعي القوانين الصحية، فهو لا شك سيصاد بالأمراض والأسقام، ولا يلومن حينئذ إلا نفسه إذ كان هو السبب في ذلك بإهماله رعاية نفسه حالة كونهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾؛ أي: يغيرون كلام الله الذي أنزل في التوراة وحكمه الذي شرع لهم فيها ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن حاله التي نزلت عليها؛ أي: يغيرون ما شق عليهم من أحكامها، كآية الرجم، بدلوها لرؤسائهم بالتحميم - وهو تسويد الوجه بالفحم - وغيروا أيضًا نعت محمَّد ﷺ التي نزلت في التوراة تلبيسًا على سفلتهم؛ أي: أزالوا صفته المكتوبة في التوراة، وكتبوا مكانها صفة أخرى، فغيروا المعنى والألفاظ، فتحريف الكلم عن مواضعه يكون إما بتحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان، وإمَّا بتحريف المعاني، يحمل الألفاظ على غير ما

стр. 2979

وضعت له، وكل منهما قد وقع في التوراة وغيرها من كتبهم، كما هو معلوم واضح لمن اطلع على التوراة. وقرأ الجمهور: ﴿الْكَلِمَ﴾ بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي: ﴿الكلام﴾ بالألف وقرأ أبو رجاء ﴿الكلم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام. وهذه الجملة (١) وما بعدها جاءت بيانًا لقسوة قلوبهم، ولا قسوة أشد من الافتراء على الله تعالى، وتغيير وحيه ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: تركوا بعضًا مما أمروا به في كتابهم، وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، وهذا (٢) أيضًا من قسوة قلوبهم، وسوء فعلهم بأنفسهم، حيث ذكروا بشيء فنسوه. وتركوه، وهذا الحظ هو من الميثاق المأخوذ عليهم ﴿وَلَا تَزَالُ﴾ يا محمَّد ﴿تَطَّلِعُ﴾ وتقف وتظهر ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: على خيانة من اليهود، فالخائنة مصدر بمعنى الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة، والخاطئة بمعنى الخطيئة، ويدل على ذلك قراءة الأعمش: ﴿على خيانة﴾ أو اسم فاعل، والهاء للمبالغة، كرواية؛ أي: خائن أو صفة لمؤنث؛ أي: قرية خائنة أو فعلة أو نفس خائنة. أي: إنك يا محمَّد لا تزال تطلع من هؤلاء اليهود على خيانة إثر خيانة، فلا تظنن أنك أمنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم، فهم قوم لا وفاء لهم، ولا أمان، فمن نقض عهد الله وميثاقه .. فكيف يرجى منه وفاء؟! وكيف تكون منه أمانة؟! فهذه عادتهم وديدنهم معك، وهم على ما كان أسلافهم من خيانة الرسل، وقتلهم الأنبياء، فهم لا يزالون يخونونك وينكثون عهودك، ويظاهرون عليك أعداءك، ويهمون بالفتك منك وأن يسموك، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ استثناء من الضمير في منهم، وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا وصدقوا الله ورسوله، فلا تظنن بهم سوءًا ولا تخف منهم خيانة ولا خديعة، أو هم الذين بقوا على الكفر لكنهم بقوا على العهد ولم يخونوا فيه. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: سامح عما فرطوا في حقك ولا تعاقبهم ﴿وَاصْفَحْ﴾؛

стр. 2980

أي: أعرض عن زلاتهم ولا تلتفت إليها ما داموا باقين على العهد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ﴾ ويثيب ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى الناس بالعفو والصفح عن زلاتهم وهفواتهم. قيل: (١) هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: خاص بالمعاهدين؛ أي: فاعف (٢) عما فرط من هؤلاء القليل، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان الذي يحبه الله تعالى، فأنت أحق الناس باتباع ما يحبه الله ويرضاه، وهذا رأي أبي مسلم. وقال غيره: فاعف عن هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح، إلى من أساء إليه إيثارًا للإحسان والفضل على ما يقتضيه العدل. وقد ثبت أن النبي ﷺ رغب - عند ما دخل المدينة - في مصالحة اليهود وموادعتهم، فعقد معهم العهد على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا من يحاربه، ولا يمالئوا عليه عدوًّا له، وأن يكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريتهم، وكان إذ ذاك منهم ثلاث طوائف حول المدينة، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فنقضوا العهد، وهموا بقتل النبي ﷺ ، فحل له قتالهم، ولكنه رجح السلم على الحرب، واكتفى بطردهم من جواره، وبعث إليهم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجدته بها بعد ذلك .. ضربت عنقه فأقاموا يتجهزون أيامًا، ثم ثبط عزيمتهم عبد الله بن أبي، وأرسل إليهم أن لا تخافوا، إن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وكان رئيسهم المطاع حيي بن أخطب شديد العدواة للنبي ﷺ ، وهو الذي زين لهم قتله والغدر له، فركن إلى قول ابن أبيّ، وبعث إلى النبي ﷺ : إنا لن نخرج من المدينة فافعل ما بدا لك. فعلم النبي ﷺ أنهم يريدون الحرب، فخرج هو والمسلمون للقائهم، يحمل لواءه علي بن أبي طالب ﵁، فلما وصلوا إليهم أقاموا على حصونهم

стр. 2981

يرمونهم بالنبل والحجارة، ولما اشتد عليهم الحصار، ورأوا أن لا سبيل لهم إلى المقاومة، رضوا بالخروج سالمين، وعلموا أن وعد ابن أبيّ كان هو الغدر والخيانة بعينها، وقد كان النبي ﷺ قادرًا حينئذ على استئصالهم والقضاء عليهم، ولكنه اختار العفو والإحسان، واختار إبعادهم عن المدينة على أن يخرجوا منها، وليس معهم إلا أولادهم وما حملت الإبل إلا السلاح، ورحلوا إلى خيبر، وهذه الآية نزلت بعد هذا كله، لأنها من آخر ما نزل، ولم يعاقب اليهود بعدها على خيانة ولا غدر، ولكنه أوصى بإجلائهم عن جزيرة العرب. ١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ وعهدهم وكتبنا عليهم في الإنجيل اتباع محمَّد ﷺ ، وبيان صفته، وأن لا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئًا، كما أخدنا الميثاق على بني إسرائيل اليهود، وإنما قال (١) تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. ولم يقل من النصارى؛ لأنهم الذين ابتدعوا هذا الاسم وسموا به أنفسهم ادعاء لنصر دين الله؛ حيث قالوا لعيسى: نحن أنصار الله، لا أن الله تعالى سماهم به ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: تركوا نصيبًا عظيمًا مما أمروا به في الإنجيل، وهو الإيمان بمحمد ﷺ ، وخص هذا (٢) الواحد بالذكر مع أنهم تركوا أكثر ما أمرهم الله تعالى به؛ لأن هذا هو المعظم والمهم ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾؛ أي: ألقينا وأوقعنا ﴿بَيْنَهُمُ﴾؛ أي: بين فرق النصارى، النسطورية، واليعقوبية، والملكانية، كل فرقة منهم تعادي الأخرى، وقيل: الضمير يعود إلى اليهود والنصارى؛ أي: أوقعنا بين اليهود والنصارى، قاله مجاهد وقتادة والسدي، فإنهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم بعضًا. ﴿الْعَدَاوَةَ﴾ بالقتل والأسر ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾؛ أي: البغض في القلب ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأن نسيان حظ عظيم من كتابهم كان سببًا في تفرقهم في الدين، واتباع أهوائهم، وتبع هذا أن وقعت بينهم العداوة والبغضاء بمقتضى سننه تعالى في هذه الحياة.

стр. 2982

﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: سوف يخبرهم الله في الآخرة عند الحساب ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: بما كانوا صنعوا في الدنيا، من نقض للميثاق، ونكث للعهد، وتبديل للكتاب، وتحريف للأوامر والنواهي، ويجازيهم على ذلك بقدر ما يستحقون، ليعلموا أنه حكم عدل، لا يظلم مثقال ذرة، وفي هذا وعيد شديد لهم. ١٥ - وبين الله في هذه الآية: أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به، كما نسي اليهود، وسر هذا أن المسيح ﵇ لم يكتب ما ذكرهم به من المواعظ وتوحيد الله وتنزيهه وطرق الإرشاد إلى عبادته، وكان الذين اتبعوه من العامة، وأمثلهم حواريه وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود في مطاردتهم في كل مكان، ومن ثم لم تكن لهم جماعات ذات نفوذ وقوة، وعلم تدون ما حفظوه من الإنجيل. ثم دعاهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﷺ خاتم النبيين حالة كونه ﴿يُبَيِّنُ﴾ ويظهر ويوضح ﴿لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ﴾ ـنه وتكتمونه ﴿مِنَ﴾ الأحكام والبشارات المذكورة في ﴿الْكِتَابِ﴾؛ أي: في التوراة كنعت محمد ﷺ ، وآية الرجم، وبشارة عيسى بأحمد في الإنجيل ﴿وَيَعْفُو﴾ ويسامح ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾ مما كنتم تكتمونه؛ أي: لا يظهره إذا لم تدع حاجة دينية إلى إظهاره، ولا يخبركم بكتمانكم إياه، ولا يفضح بذلك إبقاء عليكم. وقيل: المعنى يعفو عن كثير منكم، فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم. وأكثر (١) نوازل الإخفاء إنما نزلت لليهود؛ لأنهم كانوا مجاوري الرسول في مهاجره، وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوته ﷺ : لأن في إعلامه بما يخفون من كتابهم - وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يصحب القراء - دلالة على أنَّه إنَّما يعلمه الله تعالى. والمعنى (٢): يا أهل الكتاب إنَّا أرسلنا إليكم محمدًا ﷺ رسول الله، وخاتم النبيين، يبين لكم كثيرًا من الأحكام التي كنتم تخفونها، وقد أنزلها عليكم في

стр. 2983

كتابكم كحكم رجم الزاني، وهو ما حفظتموه من أحكام التوراة لكنكم لم تلتزموا العمل به، وأنكره عالمكم ابن صوريا أمام النبي ﷺ ، فأقسم عليه، وناشده الله فاعترف به، وكذلك أخفى اليهود والنصارى صفات النبي ﷺ ، والبشارات به، وحرفوها بالحمل على معانٍ أخرى، إلى (١) ما أضاعوه من كتبهم ونسوه، كنسيان اليهود ما جاء في التوراة من أخبار الحساب والجزاء في الآخرة، وأظهره الرسول لهم، وكانت الحجة عليهم فيه أقوى، إذ هم يعلمون أنه نبيّ أميّ لم يطلع على شيء من كتبهم، ومن ثم آمن به من آمن من علمائهم المنصفين، واعترفوا بعد إيمانهم بما بقي عندهم من البشارات وصفات النبي ﷺ ، وكان هذا البيان من دلائل نبوته ﷺ ، ومعجزات القرآن التي لا ينبغي أن يمتري أحد فيها، ومع هذا فقد كان يعفو عن كثير مما كانوا يخفونه، ولا يظهر الكثير مما يكتمونه، وإنَّما لم يظهره .. لأنَّه لا حاجة إلى إظهاره في الدين، والفائدة في ذكر بعضه إعلامهم بأن الرسول عالم بكل ما يخفونه، فيكون ذلك داعيًا إلى ترك الإخفاء حتى لا يفتضحوا، ومن شأن علماء السوء في كل أمة أن يكتموا من العلم ما يكون حجة عليهم، وكاشفًا عن سوء حالهم، أو يحرفوه بحمله على غير ظاهر معناه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنَ﴾ عند ﴿اللَّهِ﴾ ﴿نُورٌ﴾؛ أي: رسول، وهو محمد ﷺ ، وسمي بذلك لأنه للبصيرة كالنور للبصر، فكما أنه لولا النور ما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، كذلك لولا ما جاء به النبي ﷺ من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة من أهل الكتاب، ولا من غيرهم حقيقة الدين الحق، ولا ما طرأ على التوراة والإنجيل من ضياع بعضهما أو نسيانه، وعبث الرؤساء بالبعض الآخر، بإخفاء شيء منه، أو تحريفه، ولظلوا في ظلمات الجهل والكفر لا يبصرون ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهر للحق من الباطل، وهو القرآن, وهو بين في نفسه مبين لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم ﴿يَهْدِي﴾ ويرشد ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الكتاب، فالضمير راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور، لكونهما كالشيء الواحد ﴿اللَّهُ﴾ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾؛

стр. 2984

١٦ - أي: من كان همه من الدين ابتغاء رضوان الله تعالى، لا تقرير ما ألفه، ونشأ عليه، وأخذه من أسلافه، مع ترك النظر والاستدلال، أو المعنى من سبق في علمه أنه يتبع وإلا فمن اتبع فلا معنى لهدايته ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ أي: إلى طرق السلامة من العذاب والمخاوف الموصلة إلى دار السلام، وهو دين الإِسلام، وهذا منصوب بنزع الخافض، كما قدرناه؛ لأن يهدي إلى الثاني بإلى أو باللام ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾؛ أي: ويخرج الله المتبعين رضوانه، فالضمير عائد إلى من، والجمع باعتبار المعنى، كما أن الإفراد في اتبع باعتبار اللفظ ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: من ظلمات فنون الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي إلى نور الإيمان وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بتوفيقه أو بإرادته، متعلق باتبع، ولا يجوز (١) أن يتعلق بيهدي، ولا بيخرج، إذ لا معنى له حينئذ، فدلت الآية على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله منه ذلك، وقيل ما يتعلق بيخرج؛ أي: يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه؛ أي: بإرادته بالجري على سننه تعالى في تأثير الأعمال الصالحة، والعقائد الصحيحة في النفوس وإصلاحها إياها ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يثبتهم (٢) على ذلك الدين الحق بعد إجابة دعوة الرسول، وهو دين (٣) الله وتوحيده، وقيل طريق الجنة، وقيل طريق الحق، والظاهر أنَّ هذه الجمل كلها متقاربة المعنى، وكررت للتأكيد، والفعل فيها مسند إليه تعالى، وإنَّما سمى الدين الحق صراطًا مستقيمًا؛ لأنه واحد ومتفق من جميع جهاته. أمَّا الباطل فمتعدد الطرق، وكلها معوجة ملتوية، وفي "الفتوحات": ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤد إليه لا محالة، وهذه الهداية غير الهداية إلى سبل السلام، وإنَّما عطفت عليها تنزيلًا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. أبو السعود. انتهت وقد ذكر سبحانه (٤) للكتاب ثلاث فوائد:

стр. 2985

١ - أن المتبع لما يرضي الله بالإيمان بهذا الكتاب يهتدي إلى الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة، من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك، فيقوم في الدنيا بحقوق الله والحقوق الواجبة عليه لنفسه - روحية كانت أو جسدية - وللناس ويكون في الآخرة منعمًا نعيمًا روحيًّا وجسديًّا. وخلاصة ذلك: أنَّه يتبع دينًا يجد فيه ما يوصله إلى السلامة من الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنَّه دين الإخلاص والعدل والمساواة. ٢ - أنه يخرج معتنقيه من ظلمات الوثنية والأوهام والخرافات التي أفسد بها الرؤساء جميع الأديان إلى نور التوحيد الخالص الذي يجعل صاحبه حرًّا كريمًا بين يدي الخلق، خاضعًا للخالق وحده. ٣ - أنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين إذا اعتصم به من اتبعه على الوجه الصحيح الذي أنزل لأجله، كما عمل بذلك أهل الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب (١): ﴿به الله﴾، بضم الهاء حيث وقع. وقرأ الحسن وابن شهاب: ﴿سبل﴾ ساكنة الباء. ١٧ - وعزتي وجلالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا غيره، قال ابن عباس ﵄ (٢): هؤلاء نصارى نجران، فإنهم قالوا هذه المقالة، وهو مذهب اليعقوبية والملكانية من النصارى؛ لأنَّهم يقولون في المسيح: إنَّه هو الله. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وإنَّما قالوا هذه المقالة الخبيثة لأنهم يقولون بالحلول، وأن الله قد حل في بدن عيسى، فلما كان اعتقادهم ذلك لا جرم .. حكم الله عليهم بالكفر، وقيل: لم يصرح به أحد منهم، ولكن مذهبهم يؤدي إليه، حيث اعتقدوا اتصاف عيسى بصفاته الخاصة؛ أي: بأنَّه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم. ثم ذكر الله تعالى ما يدل على

стр. 2986

فساد مذهبهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء النصارى الذين يقولون هذه المقالة الشنيعة ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ ويقدر أن يدفع ﴿مِنَ﴾ أمر ﴿اللَّهِ﴾ تعالى ﴿شَيْئًا إِنْ أَرَادَ﴾ الله تعالى ﴿أَنْ يُهْلِكَ﴾ ويبيد ويعدم ﴿الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ مريم بنت عمران اللذين اتخذتموهما إلهين، وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك فلا إله إلا الله، ولا رب غيره ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلهًا كما تزعم النصارى .. لكان له من الأمر شيء، ولقدر على أن يدفع عن نفسه أقل حال، ولم يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها. وتخصيصها بالذكر مع دخولها في عموم من في الأرض، لكون الدفع عنها أولى وأحق من غيرها، فهو إذا لم يقدّر على الدفع عنها، أعجز عن أن يدفع عن غيرها، وذكر من في الأرض للدلالة على شمول قدرته، وأنَّه إذا أراد شيئًا، كان لا معارض له في أمره، ولا مشارك له في قضائه؛ أي: قل يا محمَّد لهؤلاء النصارى: من يقدر على دفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه، بل عن سائر الخلق جميعًا إن أراد أن يهلكهم ويبديهم ويعدمهم. والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع مضمن معنى الإنكار؛ أي. لا أحد يملك ذلك، ولو كان المسيح إلهًا لقدر على ذلك. وخلاصة هذا: أن المسيح وأمه من المخلوقات القابلة للفناء والهلاك كسائر أهل الأرض، فإذا أراد الله أن يهلكهما ويهلك أهل الأرض جميعًا. لا يستطيع أحد أن يرد إرادته؛ لأنّه هو مالك الملك الذي يصرفه بمقتضى مشيئته وإرادته، وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك كما لا يستطيع أن يدفعه عن غيره .. فكيف يكون هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء، فعيسى مماثل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلا يكون خالقًا. ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وسلطنتهما وتصرفهما ﴿و﴾ ملك ﴿ما بينهما﴾؛ أي: بين السموات والأرض وما فيهما قاطبة، فهو صاحب الملك المطلق، والتصرف في السموات والأرض وما بينهما؛ أي: بين العالمين العلوي والسفلي بالنسبة إليكم، وإنَّما قال: وما بينهما ولم يقل: وما بينهن .. لأنه أراد

стр. 2987

ما بين هذين النوعين أو الصنفين من الأشياء، فإنَّهما ملكه، وأهلهما عبيده، وعيسى وأمه من جملة عبيده. ثم دفع شبهة تحوك في صدورهم من كيفية خلق عيسى فقال: ﴿يَخْلُقُ﴾ ويوجد ﴿مَا يَشَاءُ﴾ خلقه ويريد على أي هيئة شاء، ومن أيّ أصل شاء، وعلى أي شكل شاء؛ أي: إن تلك الشبهة التي عرضت لكم، وجعلتكم تزعمون أن المسيح بشر وإله هو أنَّه خلق على غير السنة العامة، وأنه عمل أعمالًا عجيبة لا تصدر من عامة البشر، فالله له ملك السموات والأرض، يخلق الخلق على مقتضى مشيئته، فقد يخلق بعض الأحياء من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة كأصول أنواع الحيوان، ومن ذلك أبو البشر آدم ﵇، وقد يخلق بعضها من أنثى فقط كعيسى ﵇، وقد يخلق بعضها من ذكر فقط كحواء من آدم، وقد يخلق بعضها من ذكر وأنثى كسائر الناس وعامة الحيوان، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات، وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى ﵇ معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على يده أيضًا، فيجب أن ينسب الكل إليه تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده. وشكل الخلق وسببه لا يدل على امتياز لبعضها عن بعض، ولا على ألوهية لبعضها، ولا على حلول الإله الخالق فيها، فسنة الله في خلق المسيح ومزاياه، لا تدل على كونه إلهًا وربًّا؛ لأن هذه المزايا في الخلق كلها بمشيئة الخالق، ولا يخرج بها المخلوق عن كونه مخلوقًا ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر فبقدرته يخلق ما يشاء، على أي شكل شاء، ومن أي أصل شاء، ومن غير أصل، ولا يستصعب عليه شيء. والخلاصة: أن كل من تعلقت به مشيئته تعالى ينفذ بقدرته، وإنَّما يعد بعضه غريبًا بالنسبة إلى علم البشر الناقص، لا بالنسبة إليه تعالى، وكذلك غرابة بعض أفعالهم قد تكون من علم كسبي يجهله غيرهم، أو عن تأييد رباني لا صنع لهم فيه ولا تأثير. ١٨ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ لعائن الله عليهم: نحن أبناء الله وأحباءه، أثبتت لأنفسها ما أثبتته لعزير، حيث قالوا: عزير ابن الله ﴿و﴾ قالت ﴿النصارى نحن أبناء الله

стр. 2988

وأحباؤه﴾ أثبتت لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا: المسيح ابن الله. وقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: نحن أتباع أبناء الله، وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعوى الباطلة، والأمانيّ العاطلة. فأمر الله رسوله ﷺ أن يرد عليهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد إلزامًا وتبكيتًا إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ الله ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ في الدنيا كما ترون من تخريب الوثنيين لمسجدكم الأكبر، ولبلدكم المرة بعد المرة، ومن إزالة ملككم من الأرض، والأب لا يعذب ابنه، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلستم إذًا أبناء الله ولا أحباؤه ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ أي: من جملة ما خلق الله ، والله سبحانه لا يحابي أحدًا ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء﴾؛ أي: يغفر له ممن يعلم أنَّه مستحق للمغفرة، وهم الذين آمنوا بالله تعالى وبرسله وتابوا من الكفر واليهودية والنصرانية ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أن يعذبه ممن يعلم أنَّه مستحق للعذاب، وهم الذين كفروا بالله وبرسله، وماتوا على اليهودية والنصرانية، فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم، فكل هذا لا يجزيكم فتيلًا ولا قطميرًا، وإنَّما الذي ينفعكم هو الإيمان الصحيح، وصالح الأعمال، فالجزاء إنَّما يكون عليها لا على الأسماء والألقاب والأنساب ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الموجودات، فله التصرف التام يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾؛ أي: الرجوع بالحشر والمعاد؛ أي: تصيرون إليه عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة؛ أي: إنَّه تعالى الخالق ذو التصرف المطلق في كل شيء بمقتضى علمه، وحكمته وعدله وفضله، وجميع المخلوقات عبيد له، لا أبناء ولا بنات ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. وختمها بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ إشارة إلى أنَّه سيعذبهم في الآخرة على هذا الكفر والدعاوى الباطلة، وأنَّهم عندما يصيرون إليه يعلمون أنَّهم عبيد آبقون يجازون، لا أبناء وأحباء يحابون. وقد كان اليهود يعتقدون أنَّهم شعب الله الخاص، ميزهم عن سائر البشر، فليس لشعب آخر أن يطلب مساواته بهم، وإنْ كان أصح منهم إيمانًا وأصلح أعمالًا، ولا ينبغي أن يتبعوا محمدًا ﷺ لأنه عربي لا إسرائيلي، والفاضل لا يتبع المفضول، والله لا يعاملهم إلا معاملة الوالد

стр. 2989

لأبنائه الأعزاء، والنصارى قد زادوا غرورًا، فهم قد ادعوا أن المسيح فداهم بنفسه، وأنهم أبناء الله بولادة الروح، والمسيح ابنه الحقيقي، ويخاطبون الله تعالى بلقب الأب. وقد جاهد النبي ﷺ غرور اليهود جهادًا عظيمًا، ولم يجد ذلك فيهم شيئًا، فرفضوا دعوته، وردوا ما جاءهم به من أن العمل مرضاة لله، وبه تنال تزكية النفس، وإصلاحها كما جاهد صلف خبث النصارى وكبرهم، وكانوا زمن التنزيل أشد من اليهود فسادًا وظلمًا وعدوانًا بشهادة المؤرخين، ومع كل هذا يدعون أنَّهم أبناء الله وأحباؤه، وأنَّهم ليسوا في حاجة إلى إصلاح دينهم، ولا دنياهم، كما فعل اليهود مثل ذلك. والخلاصة: أن هذه الآيات تبين لنا سنة الله في البشر، وأن الجزاء إنما يكون على الأعمال لا على الأسماء والألقاب، ١٩ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمَّد ﷺ الذي بشرتم به في كتبكم، وأخبركم به أنبياؤكم حالة كونه ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: في زمن انقطاع من الرسل وطول عهد بالوحي، جميع ما تحتاجون إليه من أمور دينكم ودنياكم، من عقائد أفسدتها عليكم نزعات الوثنية، وأخلاق وآداب صحيحة أفسدها عليكم إفراطكم في الأمور المادية والروحية، وعبادات وأحكام تصلح أمور الأفراد والمجتمع. وقد أرسل صلوات الله عليه، وقد فشا التغيير والتحريف في الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها، وطول زمانها، فاختلط فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب، وصار ذلك عذرًا ظاهرًا في إعراض الخلق عن العبادات، إذ لهم أن يقولوا: يا إلهنا عرفنا أنَّه لا بدّ من عبادتك، ولكن كيف نعبدك؛ فبعث الله محمدًا ﷺ في ذلك الحين لإزالة هذا العذر الذي بينه سبحانه بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾؛ أي: إنَّما أرسلنا إليكم رسولنا في زمن فترة الرسل، وانقطاع الوحي، كراهية أن تقولوا ما جاءنا من بشير يبشرنا بحسن العاقبة للمؤمنين، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة للمفسدين والضالين؛ أي: أرسلناه كراهية أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم ﴿فـ﴾ ـلا تعتذروا لأنَّه ﴿قد جاءكم بشير ونذير﴾ يبين لكم أمر النجاة والخلاص والسعادة الأبدية، وأنها منوطة

стр. 2990

بالإيمان والأعمال، وأن الله لا يحابي أحدًا ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْء﴾ أراده ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، ومن دلائل قدرته نصر نبيه ﷺ ، وإعلاء كلمته في الدنيا، وفي ذلك رمز لكم - إن كنتم من ذوي الأحلام - إلى ما يكون له من المنزلة في الدار الآخرة. فائدة: وقد اختلفوا (١) في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ست مئة، ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة خمس مئة وستون سنة. وقال معمر عن بعض أصحابه: خمس مئة وأربعون سنة. وقال الضحاك: أربع مئة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسع مئة وثلاث وثلاثون سنة، والمشهور هو القول الأول وهو أنها ست مئة سنة. ومنهم عن يقول ست مئة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ست مئة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية. وبين كل مئة سنة شمسية، وبين القمرية نحو من ثلاث سنين. وكانت هذه الفترة بين عيسى بن مريم وبين محمَّد ﷺ ، كما ثبت في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي". وفي هذا رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان. كما حكاه القضاعي وغيره. وفي هامش "ابن كثير": التحقيق الموافق للحساب الفلكي أن الهجرة النبوية كانت سنة ست مئة واثنين وعشرين لميلاد عيسى. والبعثة كانت قبل الهجرة بعشر سنين، باعتبار التبليغ، فهذا قريب ما اعتمده المؤلف انتهى. ومدة ما بين موسى وعيسى ألف سنة، لكنها ليست فترة لبعثة كثيرين من الأنبياء بينهما، وكانوا ألف نبي على ما قيل، ويتعبدون بشريعة موسى، كداود وسليمان وزكريا ويحيى، على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه.

стр. 2991

والمقصود من الآية (١): أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس عن السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين. الإعراب ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لقد﴾: اللام موطئة لقسم محذوف. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿وَبَعَثْنَا﴾؛ (الواو): عاطفة. ﴿بعثنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها جواب القسم. ﴿مِنْهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بعثنا﴾ أو حال من ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، كما ذكره أبو البقاء. ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾: عدد مركب معرب الصدر مبني العجز. ﴿أثني﴾: مفعول به لـ ﴿بعثنا﴾: منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بالمثنى، الذي رفعه بالألف ونصبه وجره بالياء، وحذفت النون لشبه الإضافة، أو لشبه التركيب على ما قيل ﴿عَشَر﴾: جزء المفعول في محل النصب مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، لتضمنه معنى حرف العطف، وإنَّما حرك ليعلم أنَّ له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة طلبًا للخفة لشبه التركيب لثقله ﴿نَقِيبًا﴾ تمييز منصوب. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي

стр. 2992

وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. ﴿وَقَالَ﴾: (الواو): عاطفة، ﴿قال الله﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لقد أخذ الله﴾ على كونها جواب قسم لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ﴿إِنِّ﴾: حرف نصب، و (الياء): ضمير المتكلم اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر إن تقديره: إني كائن معكم بالحفظ والمعونة، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿لَئِنْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿إنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَقَمْتُمُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بإن الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به. ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، في محل الجزم، معطوفة على جملة ﴿أَقَمْتُمُ﴾ على كونها فعل شرط لـ ﴿إن﴾. ﴿وَآمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَقَمْتُمُ﴾. ﴿بِرُسُلِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿آمنتم﴾. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَقَمْتُمُ﴾. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. ﴿قَرْضًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿أقرضتم﴾. ﴿حَسَنًا﴾ صفة لـ ﴿قَرْضًا﴾. وقال أبو البقاء (١): ﴿قَرْضًا﴾: يجوز أن يكون مصدرًا محذوفَ الزوائد، والعامل فيه ﴿أقرضتم﴾؛ أي: إقراضًا، ويجوز أن يكون ﴿قَرْضًا﴾ بمعنى مقرضًا، فيكون مفعولًا به انتهى. ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾: اللام: زائدة، زيدت لتأكيد لام القسم المذكورة سابقًا. ﴿أكفرن﴾ فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول قال، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إنْ أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة .. أكفر

стр. 2993

عنكم سيئاتكم، وإنَّما جعلنا المذكور جواب القسم، وقلنا: جواب الشرط محذوف .. جريًا على القاعدة المشهورة عندهم: أنَّه إذا اجتمع شرط وقسم وذكر الجواب بعدهما .. كان الجواب للمتقدم منهما، ويقدر مثله للمتأخر منهما، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أخَّرْتَ فَهُوَ مُلْتَزَمْ ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾. ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾: فعل ومفعول أول معطوف على قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾: وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول ثانٍ لأدخل، أو منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بأدخل ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لجنات. ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم حكم من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وآمن، وأردتم بيان حكم من كفر بعد ذلك .. فأقول لكم. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما. ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرَ﴾. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بقد. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.

стр. 2994

﴿فَبِمَا﴾ (الفاء): استئنافية. (الباء): حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: زائدة. ﴿نَقْضِهِمْ﴾: مجرور بالباء ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: وهو مصدر مضاف إلى الفاعل. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: مفعول المصدر، ومضاف إليه. ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾. ﴿قُلُوبَهُمْ﴾: مفعول أول، ومضاف إليه. ﴿قَاسِيَةً﴾: مفعول ثان ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾، والجملة مستأنفة، قال أبو البقاء: ويجوز أن تكون (١) حالًا من المفعول في ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ وأن تكون حالًا من الضمير في ﴿قاسيةً﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من القلوب؛ لأنَّ الضمير في ﴿يحرفون﴾ لا يرجع إلى القلوب، ويضعف أن يجعل حالًا من الهاء والميم في ﴿قُلُوبَهُم﴾ انتهى. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. ﴿وَنَسُوا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿نسوا﴾: فعل وفاعل. ﴿حَظًّا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُحَرِّفُونَ﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَظًّا﴾. ﴿ذُكِّرُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿وَلَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَزَالُ﴾: فعل مضارع مرفوع - هي فعل من الأفعال الناقصة - واسمه ضمير يعود على محمَّد، أو على أي مخاطب. ﴿تَطَّلِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾: جار ومجرور، متعلق به. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿خَائِنَةٍ﴾، وجملة ﴿تَطَّلِعُ﴾ في محل النصب خبر زال تقديره: ولا تزال يا محمَّد مطلعًا على خائنة منهم، وجملة زال مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على الاستثناء، والمستثنى منه ضمير منهم ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلًا﴾.

стр. 2995

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿فَاعْفُ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أخلاقهم الشنيعة، من التحريف والنسيان والخيانة، وأردت بيان ما هو الأصلح لك، وما هو الأنفع لهم .. فأقول لك: اعف. ﴿اعف﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَاصْفَحْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿فَاعْفُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجر مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿من الذين﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ الآتي على كونه مفعولًا أول. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجله صلة الموصول. ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَخَذْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَخَذْنَا﴾ والتقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنَّا نصارى ميثاقهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والتقدير: ولقد أخذ الله الميثاق على اليهود فنقضوه، وأخذه على النصارى فنقضوه. ﴿فَنَسُوا حَظًّا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَظًّا﴾. ﴿ذُكِّرُوا﴾ فعل ونائب فاعل ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، تعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

стр. 2996

﴿فَأَغْرَيْنَا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿أغرينا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَيْنَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق به. ﴿الْعَدَاوَةَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: معطوف عليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَنَسُوا﴾. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أغرينا﴾. ﴿وَسَوْفَ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس. ﴿يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول. وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يَصْنَعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يصنعونه. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول به. ﴿رَسُولُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿يُبَيِّنُ﴾: فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير يعود على ﴿الرسول﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿رَسُولُنَا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تُخْفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق به، أو حال من الضمير المحذوف، أو من ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تخفونه. ﴿وَيَعْفُو﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الرسول. ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿يُبَيِّنُ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿نُورٌ﴾: فاعل. ﴿وَكِتَابٌ﴾:

стр. 2997

معطوف عليه. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة لـ ﴿كتاب﴾ والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة (١) لبيان أنَّ فائدة مجيء الرسول ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع لا تحصى. اهـ. "أبو السعود". ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿اتَّبَعَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾. ﴿رِضْوَانَهُ﴾: مفعول ﴿اتَّبَعَ﴾ وهو مضاف. والهاء مضاف إليه، وجملة ﴿اتَّبَعَ﴾: صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿يَهْدِي﴾ أو بدل من ﴿رِضْوَانَهُ﴾ وجملة ﴿يَهْدِي﴾: من الفعل والفاعل في محل النصب بدل من جملة ﴿يُبَيِّنُ﴾ على كونها حالًا من ﴿رَسُولُنَا﴾ ويجوز (٢) أن تكون حالًا من الضمير في ﴿يُبَيِّنُ﴾، ويجوز أن تكون صفة لـ ﴿نُورٌ﴾ أو لـ ﴿كتاب﴾ والهاء في ﴿بِهِ﴾ تعود على من سواء جعل ﴿يَهْدِي﴾ حالًا منه، أو صفة له، فلذلك أفرد، ذكره أبو البقاء. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ وضمير المفعول في ﴿يخرجهم﴾ عائد إلى ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، وجمعه باعتبار المعنى، كما أفرده في ﴿اتَّبَعَ﴾ نظرًا للفظ. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿يخرج﴾. وكذا قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ متعلق به. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اتَّبَعَ﴾: أو بـ ﴿يخرجهم﴾ كما مرت الإشارة إليه في مبحث التفسير. ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة لصراط، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾.

стр. 2998

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَفَرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه مستأنفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمَسِيحُ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿ابْنُ﴾: صفة لـ ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿جَمِيعًا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَمَنْ﴾ (١): الفاء عاطفة على محذوف تقديره: قل كذبوا فمن يملك من الله شيئًا، أوليس الأمر كذلك. ﴿مَن﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَمْلِكُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾. وقال أبو البقاء: إنَّه حال من شيئًا من حيث إنَّه كان صفة في الأصل للنكرة، تقدم علمها فانتصب حالًا. انتهى. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿مَن﴾ الاستفهامية، وجملة ﴿مَن﴾ الاستفهامية في محل النصب معطوفة على الجملة المحذوفة التي قدرناها سابقًا على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به ﴿إنْ﴾: حرف شرط. ﴿أَرَادَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بأن الشرطية على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿أَنْ يُهْلِكَ﴾: ناصب ومنصوب وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿الْمَسِيحَ﴾: مفعول به. ﴿ابْنَ﴾: صفة لـ ﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه وجملة

стр. 2999

﴿يُهْلِكَ﴾: مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: إنْ أراد إهلاك المسيح ابن مريم، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إنْ أراد أن يهلك المسيح .. فمن يقدر أن يدفعه عنه، وجملة إنْ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَأُمَّهُ﴾: معطوف على ﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿الْمَسِيحَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿المسيح وأمه ومن في الأرض﴾. ويجوز (١) أن يكون حالًا من ﴿من﴾ وحدها ﴿ومن﴾ ههنا عام، سبقه خاص من جنسه هو ﴿المسيح وأمه﴾. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لله﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿يَخْلُقُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة (٢) مستأنفة ﴿مَا يَشَاءُ﴾ ما موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشاؤه. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ وهو خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿يَخْلُقُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.

стр. 3000

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا وقوله: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ معطوف على ﴿أبناؤه﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي لقل، وإنْ شئت قلت: ﴿فَلِمَ﴾: الفاء رابطة الجواب بالشرط المحذوف جوازًا تقديره: إنْ كنتم كما زعمتم .. فلم يعذبكم بذنوبكم. (اللام): حرف جر. ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُعَذِّبُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يعذب﴾ وجملة ﴿يُعَذِّبُكُمْ﴾ في محل الجزم على كونها جوابًا للشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف ابتداء. ﴿أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾. أي: بل أنتم بشر كائنون من جملة من خلقهم. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾: الموصولة، والعائد ضمير المفعول المحذوف تقديره: ممن خلقهم ﴿يَغْفِرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لِمَن﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء المغفرة له. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَغْفِرُ﴾. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ معطوف على السموات أيضًا. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ أو مستأنفة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.

стр. 3001

﴿يَا أَهْلَ الكتاب﴾: منادى مضاف، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿رَسُولُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿يُبَيِّنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولُنَا﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب حال من ﴿رَسُولُنَا﴾. ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ (١): جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾ على الظرفية؛ أي: جاءكم حين فتور من الرسل، وانقطاع من الوحي، أو متعلق بمحذوف حال من ضمير ﴿يُبَيِّنُ﴾ أو من ضمير ﴿لَكُمْ﴾، أي يبين لكم ما ذكر حال كونه على فترة من الرسل، أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم إلى البيان. ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ جار ومجرور صفة لفترة؛ أي: كائنة من الرسل، مبتدأة من جهتهم ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المعلل لقوله ﴿يُبَيِّنُ﴾، والمعنى يبين لكم كراهية قولكم عند تعذيبكم ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ وهو مقول محكي لـ ﴿تَقُولُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾: نافية ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿بَشِيرٍ﴾: فاعل. ﴿وَلَا نَذِير﴾: معطوف على بشير، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿تقولوا﴾. ﴿فَقَدْ﴾: (الفاء): تعليلية لمعلول محذوف تقديره: فلا يكون لكم عذر يوم القيامة فتعتذروا؛ لأنَّه قد جاءكم بشير ونذير، والجملة المحذوفة مستأنفة. وما في "الشوكاني" هنا من أن الفاء فصيحة غير صواب، لأنَّه لا ينطبق عليها ضابط الفصيحة، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿وَنَذِيرٌ﴾: معطوف على ﴿بَشِيرٌ﴾ والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة تقديره: فلا يكون لكم اعتذار يوم القيامة؛ لمجيء بشير ونذير لكم في الدنيا. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.

стр. 3002

التصريف ومفردات اللغة ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: نقيب القوم: من ينقب عن أحوالهم، ويبحث عن شؤونهم، ونقب عليهم نقابة إذا صار عليهم نقيبًا؛ أي: يفتش عن أحوالهم وأسرارهم. والنقيب: فعيل بمعنى فاعل، مشتق من التنقيب وهو التفتيش، ومنه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾، وسمي بذلك؛ لأنه يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم كما مر آنفًا، وقيل: هو بمعنى مفعول، كأن القوم اختاروه على علم منهم وتفتيش عن أحواله، والظاهر أن النقيب فعيل للمبالغة، كعليم وخبير. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾: عزر (١) الرجل، قال يونس بن حبيب: أثنى عليه بخير، وقال أبو عبيدة: عظمه، وقال الفراء: رده عن الظلم، ومنه التعزير؛ لأنه يمنع من معاودة القبيح. وفي "المختار": التعزير التوقير والتعظيم وفي "القاموس": التعزير: ضربٌ دون الحد، وهو أشد الضرب، والتفخيم والتعظيم، وضد الإهانة كالعزر والتقوية والنصر اهـ. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا محذوف الزوائد وعامله ﴿أَقْرَضْتُمُ﴾؛ أي: إقراضًا، ويجوز أن يكون بمعنى المقرض، فيكون مفعولًا به، والقرض الحسن: ما كان عن طيب نفس ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: وسطه، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: السبيل المستوي ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾؛ أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا. ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾: اسم فاعل من: قسا يقسو قسوة، فياؤه بدل واو، فأصله قاسوة؛ لأنه من القسوة. ويقرأ: قسية على وزن فعيلة، قلبت الواو ياء، وأدغمت فيها ياء، وفعيلة هنا بمعنى؛ فاعلة، ومعنى قاسية يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: والتحريف إمالة الشيء، عن موضعه إلى أي جانب من الجوانب ﴿تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يقال: طلع الشيء إذا برز وظهر، واطلع افتعل منه.

стр. 3003

﴿خَائِنَةٍ﴾ فيها ثلاثة أوجه (١): أحدها: أنها اسم فاعل، والهاء للمبالغة كراوية ونسابة؛ أي: على شخص خائن. والثاني: أن التاء للتأنيث، وأنث على معنى طائفة، أو نفس أو فعلة خائنة. والثالث: أنها مصدر كالعافية والعاقبة، ويؤيد هذا الوجه قراءة الأعمش ﴿على خيانة﴾، وأصل خائنة خاونة فأعلَّ إعلال قائمة اهـ "سمين". ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ وفي "المختار": والنصير الناصر، وجمعه أنصار، كشريف وأشراف، وجمع الناصر نصر كصاحب وصحب. والنصارى: جمع نصران ونصرانة، كالندامى جمع ندمان وندمانة، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب ونصره تنصيرًا جعله نصرانيًّا. وفي الحديث: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه" اهـ. وفي "المصباح": ورجل نصارني بفتح النون، وامرأة نصرانية، ويقال: إنه نسبة إلى قرية اسمها نصرى، ولهذا قيل في الواحد نصرى على القياس والنصارى جمعه، مثل مهرى ومهارى، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين. اهـ. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ من (٢) أغراه بكذا؛ أي: ألزمه إياه، وأصله من الغراء بفتح الغين وكسرها، وهو ما يلصق به الورق أو الجلد ولامه واو. والأصل فأغرونا، وإنَّما قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة، ومنه قولهم بيت مغروٌّ؛ أي: معمول بالغراء ويقال غرى بالشيء، يغرى غراءً وغرى لصق به، وأغرى فلان زيدًا بعمرو ولعه به، وأغريت الكلب بالصيد أشليته، وقال النضر: أغرى بينهم: هيّج. وفي "المصباح": غرى بالشيء غرىً - من باب تعب - أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراء فأغري به بالبناء للمفعول، والاسم الغراء الفتح والمد، والغراء مثل كتاب ما يلصق معمول من الجلود، وقد يعمل من السمك والغرا - مثل العصا - لغة فيه، وغروت الجلد أغروه من باب عدا؛ ألصقته

стр. 3004

بالغراء، وقوس مغروةٌ وأغريت بين القوم مثل أفسدت وزنًا، ومعنى: وغروت غروًا - من باب قتل - عجبت ولا غرو؛ أي: لا عجب. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ والملك (١) والمِلك: الضبط. والحفظ والقدرة من قولهم: ملكت على فلان أمره؛ أي: قدرت عليه؛ أي: فمن يقدر؛ أي: يمنع. ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾: والفترة أصلها السكون، يقال: فتر الشيء إذا سكن، وقيل: هي الانقطاع. قاله أبو علي الفأرسي وغيره، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة، وفتر الرجل عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد فيه، وامرأة فاترة الطرف؛ أي: منقطعة عن حدة النظر، والمعنى: أنه انقطع الرسل قبل بعثه ﷺ مدةً من الزمان، والهاء (٢) فيه ليست للمرة الواحدة، بل فترة مرادف للفتور. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع: فمنها: الالتفات في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. ففيه التفات من الغيبة إلى التكلم، ومقتضى الظاهر أن يقول: وبعث الله، وإنَّما التفت اعتناء بشأنه. ومنها: المجاز المرسل في ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، بإسناد الفعل إلى الآمر مثل قولهم: بنى الأمير المدينة. ومنها: إطلاق المشترك وإرادة أحد معانيه في قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ لأنَّ المراد به هنا: النصر. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.

стр. 3005

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ شبه الإنفاق في سبيل الله لوجه الله بالقرض على سبيل المجاز؛ لأنَّه إذا أعطى المستحق ماله لوجه الله تعالى، فكأنه أقرضه إياه. والاستعارة في قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعار الظلمات للكفر، والنور للإيمان على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى خطاب الفريقين. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَنَسُوا حَظًّا﴾؛ لأن النسيان مجاز عن الترك من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾؛ لأنه كناية عن إيقاع العداوة بينهم، والتعبير بالإغراء أبلغ، كأن العداوة لاصقة بهم كالغراء اللاصق بالجلد. ومنها: القصر في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. وذلك أن الخبر إذا عرف بالألف واللام .. أفاد القصر، سواء كان التعريف فيه عهديًّا أو جنسيًّا، فإذا ضم معه ضمير الفصل .. ضاعف تأكيد معنى القصر، فإذا صدرت الجملة بإنّ .. بلغ الكمال في التحقيق. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾:. ومنها: التكرار في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، وفي قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾. و ﴿يهديهم﴾. ومنها: الحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 3006

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أقام الحجة على بني إسرائيل، وأثبت لهم رسالة نبيه ﷺ بما أوحاه إليه بشأنهم وشأن كتبهم وأنبائهم، من البشارات، وأخبار الغيب، وتحريف الكتب ونسيان حظ منها، وأيد ذلك بدحض شبهاتهم، وإبطال غرورهم، وهم مع كل هذا لم يزدادوا إلا كفرًا وعنادًا .. بين هنا تمرد أسلاف اليهود على موسى ﵇ وعصيانهم إياه، مع تذكيره إياهم نعم الله تعالى وتعداده لما هو العظيم منها، وأن هؤلاء الذين هم بحضرة الرسول هم جارون معكم مجرى أسلافهم مع موسى، ليعلم الرسول ﷺ أن مكابرتهم للحق من أخلاقهم توارثوها من أسلافهم، وتأصلت في طباعهم، فلا بدع إذا هم أعرضوا عن دعوتك، وصدوا عن هديك. وفي هذا من تسلية النبي ﷺ ما لا يخفى إلى ما فيه من زيادة معرفة طبائع الأمم، وسنن الاجتماع البشري. التفسير وأوجه القراءة ٢٠ - قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ جملة مستأنفة لبيان ما فعلوا بعد أخذ

стр. 3007

الميثاق؛ أي: واذكر يا محمَّد لبني إسرائيل المعاصرين لك وسائر من تبلغهم دعوتك قصة حين قال موسى لقومه، بعد أن أنقذهم الله تعالى من ظلم فرعون وقومه، وأخرجهم من ذلك البلد الظالم أهله ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ باللسان والجنان، واشكروه على ذلك بالطاعة له؛ لأن ذلك يوجب مزيدها كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وتركها يوجب المؤاخذة والعذاب الشديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. قال الطبري: هذا تعريف من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغيّ وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم، وتتابع أياديه وآلائه لديهم، سلى بذلك نبيه محمدًا ﷺ عما نزل به من مقاساتهم ومعالجتهم في ذات الله . وقرأ ابن محيصن (١): ﴿يا قوم﴾ بضم الميم، وكذا حيث وقع في القرآن. وروي ذلك عن ابن كثير، وهذا الضم هو على معنى الإضافة، كقراءة من قرأ: ﴿قل رب أحكم بالحق﴾ - بالضم - وهي إحدى اللغات الخمس الجائزة في المنادى المضاف لياء المتكلم، وما ذكره الشوكاني هنا من تقديره بـ: يا أيها القوم اذكروا، غير صواب؛ لأنه يشعر بأنه نكرة مقصودة. وقد بين لهم موسى أصناف هذه النعم التي منحها لهم مولاهم، وحصرها في ثلاثة أشياء: الأول: وهو أرفعها قدرًا وأعلاها ذكرًا ما ذكره بقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾؛ يعني: أن موسى ﵇ ذكر قومه بني إسرائيل بأيام الله عندهم، وبما أنعم به عليهم فقال: يا قومي اذكروا إنعام الله تعالى عليكم حين جعل فيكم أنبياء؛ لأنه لم يبعث في أمة من الأمم ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه، فانطلقوا معه إلى الجبل، ومنهم أولاد يعقوب؛ فإنهم كانوا أنبياء على قول الأكثرين. والمعروف عند أهل الكتاب (٢) أن المراد بالنبوة الإخبار ببعض الأمور

стр. 3008

الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من الله ، وقد كان جميع أنبيائهم من بعد موسى يحكمون بما في التوراة ويعملون بها، حتى المسيح ﵇. وأيضًا فإن الله تعالى أعلم موسى أنَّه يبعث من بعده في بني إسرائيل أنبياء، فكان هذا شرفًا عظيمًا لهم، ونعمة ظاهرة عليهم. والثاني: ما ذكره بقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾؛ أي: واذكروا إنعام الله تعالى عليكم حين جعلكم ملوكًا وأحرارًا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم عبيدًا في أيدي القبط. والمراد من الملك هنا: الحرية في تدبير أمورهم وأمور أسرهم بأنفسهم. وفي هذا من تعظيم هذه النعمة ما لا يخفى، ويؤيد هذا: ما رواه أبو سعيد الخدري، مرفوعًا "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملِكًا". وما رواه أبو داود عن زيد بن أسلم: "من كان له بيت وخادم .. فهو ملك ولا شك أن من كان متمتعًا بمثل هذا .. كان متمتعًا بنحو ما يتمتع به الملوك من الراحة والحرية في التصرف في سياسة بيته، والناس يقولون إلى الآن لمن كان مخدومًا مع عشيرته، هانئًا في معيشته، مالكًا لمسكنه: هذا ملك أو ملك زمانه، يريدون أنه يعيش عيشة الملوك. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، ومن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جارٍ .. فهو ملك. والثالث: ما ذكره بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ويا قوم اذكروا إنعام الله تعالى عليكم حين أعطاكم ما لم يعطِ أحدًا من العالمين، من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وإيراث أموالهم، وإنزال المن والسلوى، وإخراج المياه العذبة من الحجر، وتظليل الغمام؛ فإن ذلك لم يوجد في غير بني إسرائيل، أو عالمي زمانهم، وشعوبه التي كانت مستعبدة للطغاة من الملوك، فقد خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام، فقد فلق البحر لهم، وأهلك عدوهم، وأورثهم أموالهم، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأظل فوقهم الغمام، إلى غير ذلك من النعم التي أنعم الله بها عليهم، ٢١ - وبعد أن ذكرهم موسى بهذه النعم وشرحها لهم، أمرهم بمجاهدة العدوّ، وأبان لهم أن الله ناصرهم ما نصروه فقال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا

стр. 3009

الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾؛ أي: المطهرة (١) من الوثنية والشرك لما بعث الله فيها من الأنبياء الدعاة إلى التوحيد، وجعلها مسكنًا لهم وللمؤمنين، وإنَّما سميت مطهرة؛ لسكنى الأنبياء المطهرين فيها، فشرفت وطهرت بهم، فالظرف طاب بالمظروف، إنْ قلت: إنَّ الجبارين كانوا فيها، وهم غير مطهرين؛ أجيب بأنَّ الخير يغلب الشر، والنور يغلب الظلمة. وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل: إنَّ الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات، وبعضهم يسمي القسم الشمالي من هذا القطر باسم سورية، والباقي باسم فلسطين أو بلاد المقدس، أو الأرض المقدسة، أو أرض الميعاد؛ لأنَّ الله تعالى وعد بها ذرية إبراهيم، ويدخل فيما وعد الله به إبراهيم الحجاز وما جاوره من بلاد العرب. وقيل: معنى المقدسة المباركة؛ لكثرة خيراتها ونباتها وأشجارها ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: التي قسمها وقدرها لكم في سابق علمه، وجعلها مسكنًا لكم. فإنْ (٢) قلت كيف الجمع بين الكتابة التي تفيد تحتم الدخول وبين قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؟. قلت: إنَّ المراد بالكتب الأمر بالدخول، أو بأن معنى قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: قدرها لكم في اللوح المحفوظ إنْ لم تقع منكم مخالفة، وقد وقعت فحرمت عليهم أربعين سنة، فهو قضاء معلق. وقيل معنى: (٣) ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: وهبها الله لكم ميراثًا من أبيكم إبراهيم ﵇. روي أن إبراهيم ﵇ لما صعد جبل لبنان قال الله له: "انظر فما أدركه بصرك .. فهو مقدس وهو ميراث لذريتك" وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض الموعد. قال ابن عباس: الأرض هي الطور وما حوله. وقرأ ابن محيصن هنا وفي جميع القرآن: ﴿يا قومُ﴾ مضموم الميم ويروى قراءة عن ابن كثير، ووجهها أنها لغة في المضاف لياء المتكلم كقراءة: ﴿قال رب احكم بالحق﴾. وقرأ ابن السميقع: ﴿يا قومي ادخلوا﴾ بفتح الياء؛ لأنَّه منادى مضاف لياء المتكلم، قال ابن مالك:

стр. 3010

وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ أَنْ يُضَفْ لِيَا ... كَعَبْدِ عَبْدِيْ عبد عَبْدَا عَبْدِيَا فقول موسى ﵇ (١): كتب الله لكم، يريد به ما وعد الله به إبراهيم من حق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أنَّ المراد أنَّها تكون لها ملكًا لهم، لا يزاحمهم فيها أحد؛ لأن هذا مخالف للواقع، ولن يخلف الله وعده، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنَّه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح. ونص هذا الوعد في سفر التكوين من التوراة: أنَّه لما مرّ إبراهيم بأرض الكنعانيين .. ظهر له الربّ وقال: لنسلك أعطيت هذه الأرض. وجاء فيه أيضًا: في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقًا قائلًا: لنسلك أعطيت هذه من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر فرات. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾؛ أي: لا تنكصوا ولا ترجعوا إلى خلفكم وعلى أعقابكم؛ أي: إلى مصر خوف العدوّ، وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبنًا وفشلًا ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ وتصيروا بسبب ذلك ﴿خَاسِرِينَ﴾ لخيري الدنيا والآخرة؛ لأن الفرار من الزحف من الكبائر، فإنهم لما سمعوا أخبار الجبارين قالوا: نجعل لنا رئيسًا ينصرف بنا إلى مصر، وصاروا يبكون ويقولون: يا ليتنا متنا بمصر. والمعنى: أي لا ترجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل والهدى والرشاد إلى الوثنية، والفساد في الأرض، بالظلم والبغي واتباع الأهواء؛ فإنَّ في هذا الرجوع خسرانًا لكم، إذ تخسرون فيه هذه النعم، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء شكركم، فتحرمون من خيراتها وبركاتها، وقد جاء في بعض أوصافها: "أنها تفيض لبنًا وعسلًا" وتعاقبون بالتيه أربعين سنة، ينقرض فيها المرتدون على أدبارهم. ثم بعث موسي ﵇ اثني عشر نقيبًا ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأرض، فلما دخلوا تلك البلاد .. رأوا أجسامًا عظيمة هائلة، ثم انصرفوا إلى

стр. 3011

موسى فأخبروه بالواقعة، فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه، فلم يقبلوا قوله إلا رجلان منهم، وهما يوشع وكالب؛ فإنها سهلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم، وقلوب القوم الذين فيها ضعيفة، وإن كانت أجسامهم عظيمة. وأما العشرة من النقباء .. فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس، حتى أظهروا الامتناع من غزوهم، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر ولا يدخلنا الله بأرضهم، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم ٢٢ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا﴾؛ أي: قال قوم موسى له: إن في الأرض المقدسة ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عاتين متغلبين لا طاقة لنا بهم، ولا قوة لنا بقتالهم، وسمي أولئك القوم جبارين لشدة بطشهم، عظم خلقهم، وكانوا ذوي أجسام عظيمة، وأشكالٍ هائلة، وهم العمالقة بقية قوم عاد. وقيل: من الروم من ولد عيص بن إسحاق. وقرأ ابن السميقع: ﴿قالوا يا موسى فيها قوم جبارون﴾. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: لن ندخل أرض الجبارين التي أمرهم الله بدخولها؛ وهي الأرض المقدسة ﴿حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾؛ أي: حتى يخرج الجبارون من الأرض المقدسة، من غير صنع منا، فإنَّه لا طاقة لنا بإخراجهم منا، وإنَّما قالوا ذلك .. استبعادًا لخروج الجبارين منها، كقوله: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ﴿فَإِنْ يخرُجُوا مِنها﴾ بسبب ليس منا ﴿فَإنَّا داخلون﴾ فيها. والخلاصة (١): أنَّ موسى لما قرب بقومه حدود الأرض المقدسة العامرة الآهلة .. أمرهم بدخلوها مع الاستعداد لقتال من يقاتلهم من أهلها، وأنهم لما غلب عليهم الضعف والذل، واضطهاد المصريين لهم، وظلمهم إياهم .. أبوا وتمردوا واعتذروا بضعفهم، وقوة أهل تلك البلاد، وحاولوا الرجوع إلى مصر، وقالوا لموسى: إنَّا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبارون فيها، وقولهم ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ تأكيد لما فهم مما قبله، مشعر بأنه لا علة لامتناعهم إلا ما ذكروه، وفي إجابتهم هذه دليل على منتهى الضعف، وخور

стр. 3012

العزيمة، وعلى أنَّهم لا يريدون أن يأخذوا شيئًا باستعمال قواهم البدنية ولا العقلية، ولا أن يدفعوا الشر عن أنفسهم، ولا أن يجلبوا لها الخير، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ما داموا في هذه الحياة. ولا شك أن أمة كهذه لا تستحق أن تتمتع بنعيم الاستقلال وتحيا حياة العز والكرامة وتكون ذات تصرف مطلق في شؤونها ومن ثم لم تقم لها دولة بعد ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ٢٣ - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الله تعالى في مخالفة أمره ونهيه ويراقبونه ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالهداية والثقة بعون الله، والاعتماد على نصرة الله، والأشهر عند المفسرين أن الرجلين يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف ﵇، وهو ابن أخت موسى، ونبىء بعد موسى، وكالب بن يوقنا ختن موسى على أخته مريم بنت عمران، وهما اللذان وفيا من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة، فكتما ما اطلعا عليه من حال الجبابرة إلا عن موسى، وأفشى ذلك بقية النقباء في أسباطهم، فآل بهم ذلك إلى الخور والجبن، بحيث امتنعوا عن القتال، فإذا فسرنا الرجلين بيوشع وكالب .. يستفاد من الكلام: أن مع موسى أقوامًا يخافون الله فلا يبالون بالعدو لصحة إيمانهم وقوته، وهذان منهم، أو المعنى: من الذين يخافون العدوّ، لكن أنعم الله عليهما بالإيمان والثبات. وقيل (١): هما رجلان من الجبابرة أنعم الله عليهما بالإيمان فآمنا، واجتمعا مع موسى، فحينئذ فالموصول واقع على الجبابرة، والواو في يخافون على بني إسرائيل، والعائد محذوف، والتقدير: قال رجلان من الجبارين الذين يخافهم بنو إسرائيل، أنعم الله عليهما بالإيمان مع موسى، ويدل على هذا التأويل قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد: ﴿يخافون﴾ بضم الياء على صيغة المبني للمجهول؛ أي: الذين يخافهم بنو إسرائيل، وتحتمل هذه القراءة أن يكون الرجلان يوشع وكالب. ومعنى يخافون؛ أي: يهابون ويوقرون، ويسمع كلامهم لتقواهم وفضلهم، ويحتمل أن يكون من أخاف؛ أي: يخيفون بأوامر الله ونواهيه، وزجره ووعيده، فيكون ذلك مدحًا لهم كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. ذكره أبو حيان في

стр. 3013

"البحر". ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على الجبارين ﴿الْبَابَ﴾؛ أي: باب بلدهم؛ أي: باغتوهم وضاغطوهم في المضيق، وامنعوهم من البروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالًا. وفي قراءة عبد الله: ﴿أنعم الله عليهما ويلكم ادخلوا عليهم الباب﴾. وهذا يدل على أن موسى كان قد أنزل محلته قريبًا من المدينة ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ أي: باب بلدهم ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ من غير حاجة إلى القتال، فإنا شاهدنا أن قلوبهم ضعيفة، وإنْ كانت أجسامهم عظيمة؛ وإنَّما جزم هذان الرجلان بالغلبة؛ لأنَّهما كانا جازمين بنبوة موسى، فلما أخبرهم موسى بأن الله تعالى أمرهم بالدخول في تلك الأرض، وكتبها لهم قطعا بأن النصرة لهم، والغلبة حاصلة في جهتهم ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ في حصول هذا النصر لكم بعد ترتيب الأسباب، ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بصحة نبوة موسى، ومقرين بوجود الإله القادر، مصدقين لوعده. والمعنى: أي (١) ادخلوا عليهم باب المدينة، فإذا فعلتم ذلك .. نصركم الله، وأيدكم بروح من عنده، بعد أن تعلموا ما في طاقتكم من طاعة ربكم، الذي تثقون به فيما لا يصل إليه كسبكم، إن كنتم مؤمنين بأن وعد الله حق، وأنَّه قادر على الوفاء به؛ وإنَّما جزم الرجلان بأنهم سيغلبون إذا دخلوا .. ثقة بنبوة موسى، وهو قد أخبرهم بأنَّ الله أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتبها لهم، لا جرم قطعا بالنصر والغلبة على العدوّ. ٢٤ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: أرض الجبارين ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدة حياتنا ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾؛ أي: ما دام الجبارون مقيمين في أرضهم، وكان هذا القول منهم فشلًا وجبنًا، أو عنادًا وجرأة على الله وعلى رسوله ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ﴾ يا موسى ﴿وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ هم قالوا هذه المقالة جهلًا باللهِ وبصفاته، وكفرًا بما يجب له، أو استهانة بالله ورسوله، وقلة

стр. 3014

مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وجفائهم، وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل، وسألوا بها رؤية الله جهرة، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم. وقيل (١): أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد. وقيل: أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر من موسى بسنة، وكان موسى يطيعه ﴿إنَّا هاهنَا قَعِدُون﴾؛ أي: لا نبرح قاعدين في هذا المكان، لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل: أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر. والخلاصة (٢): أنَّهم أصروا على العناد والتمرد، ولم تغن عنهم عظات الرجلين شيئًا، فأكدوا لموسى أنَّهم لا يدخلون هذه الأرض مدى حياتهم ما دام فيها الجبارون؛ لأنهم لا طاقة لهم بالحرب والقتال، إذ ليسوا من أهله، فإنْ صحت عزيمتك على ذلك .. فاذهب أنت ربك الذي أمرك بذلك، فقاتلا الجبارين، وأخرجاهم من هذه الأرض، وإنَّا ها هنا قاعدون منتظرون. وهذا القول الذي صدر منهم يدل علي منتهى الجفاء والبعد عن الأدب، وليس هذا بالغريب من أمثال هؤلاء الذين عبدوا العجل، وكان دأبهم الشغب مع أنبيائهم، وقتلوا كثيرًا منهم، كأشعيا وزكريا، وقص القرآن كثيرًا من فساد طباعهم، وقسوتهم وغلظهم. ٢٥ - ﴿قالَ﴾ موسى ﵇ لما رأى منهم عنادًا وتمردًا على طريق الحزن والشكوى إلى الله تعالى، معتذرًا من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عنه ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ﴾ أمر أحد أحمله على طاعتك ﴿إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ وقرأ الحسن بفتح الياء فيهما؛ أي: إلا أمر نفسي وأمر أخي، ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره والمحبوب والمكروه. وفي هذا إيماء إلى أنَّه لم يكن موقنًا بثبات يوشع وكالب، ورغبتهما في الطاعة، إذ أمر الله بدخول أرض الجبارين، والتصدي لقتالهم، فإن من يجرؤ على القتال مع الجيش الكبير .. ربما لا يجرؤ عليه مع العدد القليل ﴿فَاَفْرق

стр. 3015

بَيْنَنا﴾ يعني نفسه وأخاه هارون؛ أي فافصل بيننا ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: الخارجين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا وبينهم، فتحكم لنا بما نستحق، وعليهم بما يستحقون، فقد صرنا خصمًا لهم، وصاروا خصمًا لنا، والغرض منه الدعاء عليهم. وقيل: إنَّ المعنى: أنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم .. فلا تعاقبنا معهم في الدنيا، وإنَّما قال ذلك تقليلًا لمن يوافقه، ويجوز أن يكون المعنى: إلا نفسي ومن يؤاخيني في الدين، فعلى هذا الاحتمال يدخل الرجلان في قوله: ﴿وأخي﴾. وقرأ عبيد بن عمير ويوسف بن داود: ﴿فافرِق﴾ بكسر الراء، وقال الراجز: يَا رَبُّ فَافْرِقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وقرأ ابن السميقع: ﴿ففرق﴾. ٢٦ - ﴿قَالَ﴾ الله لموسى مجيبًا دعوته: يا موسى ﴿فَإِنَّهَا﴾؛ أي: فإن الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ممنوع عليهم الدخول فيها أبدًا حتى يموتوا ويدخلها أبناؤهم. والمراد بالتحريم: تحريم منع وفعل، لا تحريم تعبد وتكليف، فلا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم، نظير قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾، وكون التحريم مؤبدًا إنْ قلنا إن الكلام تم عند قوله. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف لقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يسيرون في البرية مدة أربعين سنة، تائهين متحيرين لا يدرون أين مصيرهم. وقيل: معناه أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة، ثم يدخلونها وتفتح لهم، وعلى هذا القول فأربعين سنة ظرف لقوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ فلما (١) انقضت مدة أربعين سنة .. خرج بهم يوشع بن نون ﵇ أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدسة فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر. فلمَّا تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم قال: إنَّك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ، فحبسها الله تعالى
следующие страницы →