وحاصل معنى الآية: أنّ الله (١) ضرب مثلا لحال قلوب أولئك القوم، وقد تمكّن الكفر فيها حتى امتنع أن يصل إليها شيء من الأمور الدينية النافعة لها في معاشها ومعادها، وحيل بينها وبينه، بحال بيوت معدّة؛ لحلول ما يأتي إليها مما فيه مصالح مهمّة للناس، لكنّه منع ذلك بالختم عليها، وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله. فقد حدث في كلّ منهما امتناع دخول شيء بسبب مانع قويّ، وكذلك حدث مثل هذا في الأسماع، فلا تسمع آيات الله المنزلة سماع تأمّل وتدبّر، وجعل على الأبصار غشاوة، فلا تدرك آيات الله المبصرة في الآفاق والأنفس الدالّة على الإيمان، ومن ثمّ لا يرجى تغيير حالهم، ولا أن يدخل في قلوبهم الإيمان.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب اسمها، مبنيّ على الفتح. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والألف تكتب؛ للفرق بين واو الضمير وبين واو جزء الكلمة في غير الرسم العثماني، وفرقا بين المتطرّفة والمتوّسطة في الرسم العثماني. والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿سَواءٌ﴾ خبر مقدم، أو خبر إنّ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بسواء؛ لأنّه اسم مصدر لاستوى الخماسّي. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الهمزة في أصلها للاستفهام، ولكن سحبت معناها الأصلي، فجعلت للتسوية؛ لوقوعها بعد سواء. ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي: أنذرتهم العذاب، والجملة من الفعل والفاعل في تأويل مصدر من غير سابك؛ لإصلاح المعنى، مرفوع على كونه مبتدأ مؤخّرا لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا إنذارك إياهم وعدم إنذارك إياهم سيّان عندهم. والجملة من المبتدأ المؤخّر وخبره المقدم في محلّ الرفع خبر إنّ، وجملة إنّ مستأنفة، أو في تأويل مصدر مرفوع
стр. 317
على كونه فاعلا لسواء، الذي أجري مجرى المصادر في عمله عمل الفعل، والتقدير: إنّ الذين كفروا مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه. ويجوز أن يكون سَواءٌ مبتدأ، سوّغ الابتداء بالنكرة عمله في الجار والمجرور، والمصدر المنسبك مما بعدها خبرها، وجملة ﴿سَواءٌ﴾ معترضة، لا محلّ لها من الإعراب، لاعتراضها بين اسم إنّ وخبرها، وهو جملة قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآتية، وفي «الصاوي»:
وعلى ما ذكرنا هنا فقولهم: الفعل لا بدّ له من سابك قاعدة أغلبية.
وقيل: السابك هنا الهمزة؛ لأنّ بعض النحاة جعل السابك للفعل ستة، وعدّ منها هذه الهمزة، كما ذكره الفاسيّ في «حاشيته على الألفيّة». ﴿أَمْ﴾ عاطفة متصلة؛ لوقوعها بعد همزة التسوية. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول وفاعل مستتر مجزوم بلم، والثاني محذوف، تقديره: العذاب.
والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، أو على الفاعلية، أو على الخبرية لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا، إنذراك إياهم العذاب، وعدم إنذارك إياهم سواء في عدم الإفادة لهم. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنّ، أو خبر بعد خبر لها، أو في محل النصب حال من ضمير عليهم، أو مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها، لا محلّ لها من الإعراب، والتقدير: على كونها خبرا؛ لأنّ إنّ الذين كفروا عادمون الإيمان بك، لما سبق في علمي من كفرهم فلا تأس عليهم، وإنذراك إياهم وعدمه سواء عليهم، لا ينتفعون به. وجملة إنّ مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة؛ لتعليل عدم إيمانهم.
﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بختم. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله. وَعَلى أَبْصارِهِمْ الواو عاطفة. ﴿عَلى أَبْصارِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ﴾ مبتدأ مؤخّر والجملة معطوفة على جملة ﴿خَتَمَ﴾ عطف اسمية على فعلية، كما مرّ. ﴿وَلَهُمْ﴾
стр. 318
الواو عاطفة ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لعذاب، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ختم أيضا على كونها مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها.
فصل في هاء الضمير
نحو: (عليهم، وعليه، وفيه، وفيهم). وإنّما أفردناه بالفصل؛ لكثرة تكرّره في القرآن، والأصل في هذه الهاء الضمّ؛ لأنّها تضمّ بعد الفتحة والضمة والسكون، نحو: (أنّه، وله، وجاء غلامه، ويسمعه، ومنه). وإنما يجوز كسرها بعد الياء، نحو: (عليهم وأيديهم)، وبعد الكسر، نحو: (به وبداره). وضمّها في الموضعين جائز، لأنّه في الأصل كما قرأ به حفص بعد الياء في قوله تعالى: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾.
وإنّما كسرت في الموضعين؛ لتجانس ما قبلها من الياء والكسرة، وبكلّ من الضمّ والكسر قد قرىء. انتهى من «العكبري».
فوائد:
١ - همزة التسوية هي الواقعة بين سواء وبعد ما أبالي، وما أدري، وليت شعري. وضابطها: أنّها الهمزة التي تدخل على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها، كما رأيت.
٢ - أم: لها حالان:
أ - متصلة وهي منحصرة في نوعين؛ وذلك لأنّها: إما أن تتقدم عليها همزة التسوية، كما في الآية، أو همزة يطلب بها وبأم التعيين، نحو: أزيد في الدار أم عمرو، وسمّيت متصلة؛ لأنّ ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمّى أيضا
معادلة؛ لمعادلتها الهمزة في النوع الأول، إذ كلتاهما تفيد التسوية.
ب - منقطعة: وهي المسبوقة بالخبر المحض، نحو: قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾. وسمّيت منقطعة؛
стр. 319
لانقطاع ما بعدها عمّا قبلها، فكلّ منهما كلام مستقل لا ارتباط له بالآخر.
التصريف ومفردات اللغة
﴿سَواءٌ﴾ فيه إعلال بالإبدال، فأصله: سواي، أبدلت الياء همزة؛ لتطرفها إثر ألف زائدة، وهو اسم مصدر بمعنى الاستواء، أجري مجرى المصادر، فلذلك لا يثنّى ولا يجمع. قالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى قالوا: سيّان، وإن شئت قلت سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وأيضا على غير القياس: هم سواسي وسواسية؛ أي: هما متساويان وهم متساوون. والسّواء: العدل الوسط بين حديثين يقال: ضرب سواءه، أي: وسطه، وجئته في سواء النهار؛ أي: في منتصفه. وإذا كانت سواء بعد همزة التسوية، فلا بدّ من (أم) اسمين كانت الكلمتان أم فعلين. وإذا كان بعدها فعلان بغير همزة التسوية، عطف الثاني بأو، نحو: سواء عليّ قمت أو قعدت، وإذا كان بعدها مصدران عطف الثاني بالواو أو بأو، نحو سواء عليّ قيامك وقعودك، وقيامك أو قعودك.
وقوله: ﴿أأنذرتهم﴾ قراءة ورش بإبدال همزة التعدية حرف مدّ مجانسا لحركة همزة الاستفهام المفتوحة في رواية عنه، وعليه يكون في الكلمة إبدال حرف بحرف، وذلك نوع من التصريف، كما هو معروف، وقس على هذا اللفظ كلّ ما شابهه مما اجتمعت فيه همزتان: إحداهما للاستفهام والثانية للتعدية.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ والختم الكتم، سمّي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ لأنّه ختم له، وبلوغ آخره، ومنه ختم القرآن. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جمع قلب، وهو الفؤاد، سمّي قلبا؛ لتقلّبه في الأمور، ولتصرّفه في الأعضاء، كما قال بعضهم:
وما سمّي الإنسان إلّا لنسيه ... وما القلب إلّا أنّه يتقلّب
وفي «تفسير الشيخ»: القلب: قطعة لحم مشكّل بالشكل الصنوبري معلّق بالوتين مقلوبا، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه، ويقال: الأبهر.
وفي «تفسير الكواشي» القلب: قطعة سوداء في الفؤاد، وزعم بعضهم: أنّه الشكل
стр. 320
الصنوبري المعلّق بالوتين مقلوبا. وفي «تعريفات السيّد»: القلب لطيفة ربّانية، لها بالقلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلّق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، والمراد بالقلب في الآية: محلّ القوة العاقلة من الفؤاد، كما مرّ. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ والسمع: هو إدراك القوة السامعة، وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا، كما مرّ. ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ﴾ جمع بصر، وهو إدراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة. ﴿غِشاوَةٌ﴾ وهو فعالة من غشاه، أو غشيه إذا غطّاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة. ويجوز في الغين الكسر، والضمّ والفتح. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ﴾ والعذاب: العقوبة. يقال: أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، وسمّي العذاب عذابا، لأنّه يمنع من الجناية إذا تأمّل فيها العاقل. ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: قوي شديد، ومنه: العظم. والعذاب: إيصال الألم إلى الحيّ هوانا وذلّا، كما مرّ. والعظيم:
ضدّ الحقير، وفعيل له معان كثيرة، يكون اسما وصفة، والاسم: إما مفرد أو جمع، والمفرد: إما اسم معنى أو اسم عين، نحو: قميص، وظريف، وصهيل، وكليب جمع كلّب، ويكون اسم فاعل من فعل المضموم، نحو: عظيم من عظم، ومبالغة في فاعل، نحو:
عليم في عالم، وبمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، ومفعل، كسميع بمعنى مسمع، ومفاعل، كجليس بمعنى مجالس، ومفتعل، كبديع بمعنى مبتدع، ومنفعل، كسعير بمعنى منسعر، وفعل، كعجيب بمعنى عجب، وفعال، كصحيح بمعنى صحاح، وبمعنى الفاعل والمفعول، كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ، وبمعنى الواحد والجمع، نحو: خليط، وجمع فاعل، كغريب جمع غارب. اه. «سمين».
البلاغة
وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الخطاب العام: اللفظ الخاص المعنى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذا أريد بهم أشخاص معيّنون.
стр. 321
ومنها: الاستفهام الذي يراد به: تقرير المعنى في النفس؛ أي: تقرير أنّ الإنذار وعدمه سواء عندهم في قوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الخ.
ومنها: مجاز بالاستعارة في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾، لأنّ حقيقة الختم: وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم، يكون علامة للخاتم. والختم هنا معنويّ، فإنّ القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره، استعير له اسم المختوم عليه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. وقيل: في إسناد الختم إلى القلوب استعارة تمثيلية، فقد شبّهت قلوبهم في نبوّها عن الحقّ، وعدم الإصغاء إليه بحال قلوب ختم الله عليها، وهي قلوب البهائم، وهو تشبيه معقول بمحسوس، أو هو مجاز عقليّ، وهو باب واسع عند العرب. يقولون: سال بهم الوادي؛ إذا هلكوا، وطارت بفلان العنقاء؛ إذا طالت غيبته.
ومنها: توحيد السمع لوحدة المسموع، وهو الصوت دون القلوب والأبصار؛ لتنوع المدركات والمرئيّات.
ومنها: تنكير ﴿غِشاوَةٌ﴾ في قوله: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ إشارة (١) إلى أنّ على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس، وهي غشاوة التعامي عن الآيات الكونية.
ومنها: تنكير ﴿عَذابٌ﴾ في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى أنّه نوع منه مجهول الكمّ والكيف.
ومنها: وصفه بعظيم؛ لدفع الإيهام بقلّته وندرته، وللإشارة إلى أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما، لا يعلم كنهه إلّا الله .
ومنها: الحذف، وهو في مواضع (٢).
منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إنّ القوم الذين كفروا بالله وبك، وبما
стр. 322
جئت به.
ومنها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالله، وبما أخبرتهم به عن الله.
ومنها: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فلا تعي. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ أي: فلا تصغي.
ومنها: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ على قراءة من نصب، أي: وجعل على أبصارهم غشاوة، فلا يبصرون سبيل الهدى.
ومنها: وَ ﴿لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم يوم القيامة عذاب عظيم دائم، ويجوز أن يكون التقدير: ولهم عذاب عظيم في الدنيا بالقتل والأسر، أو بالإذلال ووضع الجزية، وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم.
والله أعلم
* * *
واستهزأ بهم، وتهكّم بفعلهم، ودعاهم صمّا بكما عميا، وضرب لهم شنيع الأمثال.
فنعى عليهم خبثهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ونعى عليهم مكرهم في قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفضحهم في قوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وفي قوله: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، واستجهلهم في قوله: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾، وتهكّم بفعلهم في قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾، ودعاهم صمّا بكما عميا في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١٨)، وضرب لهم شنيع الأمثال في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ...﴾ إلخ، وفي قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر (١) من الكتاب هدى لهم، وهم المتقون الذين جمعوا أوصاف الإيمان من خلوص الاعتقاد، وأوصاف الإسلام من الأفعال البدنية والمالية، وذكر ما آل أمرهم إليه في الدنيا من الهدى، وفي الآخرة من الفلاح. ثمّ أعقب ذلك بمقابلهم من الكفار الذين ختم عليهم بعدم الإيمان، وختم لهم بما يؤولون إليه من العذاب في النيران، وبقي قسم ثالث: أظهروا الإسلام مقالا، وأبطنوا الكفر اعتقادا، وهم المنافقون. أخذ يذكر شيئا من أحوالهم، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾.
الخ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر في الآيات السابقة مقالتهم الكاذبة، وخداعاتهم العاطلة، وأمراضهم المعضلة، عدّد (٢) في هذه الآيات الثلاث بعض شناعاتهم المترتّبة على كفرهم ونفاقهم. ففصّل بعض خبائثهم وجناياتهم، وذكر
стр. 325
بعض هفواتهم. ثمّ أظهر فسادها، وأبان بطلانها، فحكى ما أسداه المؤمنون إليهم من النصائح حين طلبوا منهم ترك الرذائل التي تؤدّي إلى الفتنة والفساد، والتمسك بأهداب الفضائل، واتباع ذوي الأحلام الراجحة والعقول الناضجة. ثمّ ما أجابوا به، مما دلّ على عظيم جهلهم، وتماديهم في سفههم وغفلتهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها. أنّه لمّا ذكر فيما قبلها بعض خبائثهم وجناياتهم، وبعض هفواتهم، ذكر (١) هنا حال جماعة من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل، قد بلغ من دعارتهم، وتمردهم في النفاق وفساد الأخلاق أن كانوا يظهرون بوجهين، ويتكلّمون بلسانين، فإذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا بما أنتم به مؤمنون، وإذا خلوا إلى شياطينهم دعاة الفتنة والإفساد الذين يصدّون عن سبيل الحقّ. قالوا لهم: إنّما نقول ذلك لهم استهزاء بهم، وقد فضح الله بهتانهم، وأوعدهم شديد العقاب على استهزائهم، وزادهم حيرة في أمورهم. ثمّ ذكر أنّهم قد اختاروا الضلالة على الهدى، إذ هم أهملوا العقل في فهم الكتاب بعد أن تمكنت منهم التقاليد والعادات، وتحكمت فيهم البدع، فخسروا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين فيها؛ لأنّهم باعوا ما وهبهم الله تعالى من النور والهدى، بضلالات البدع والأهواء.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله سبحانه لما ذكر فيما قبلهما بعض أحوال المنافقين الذين يظهرون بوجهين، ويتكلّمون بلسانين، أراد أن يضرب لهم الأمثال؛ لأنّ نهج القرآن الكريم، كنهج لغات العرب في أساليبها، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ...﴾ إلخ. فضرب الأمثال التي تجلي المعاني أتمّ جلاء، وتحدث في النفوس من الأثر، ما لا يقدر قدره ولا يسبر غوره؛ لما فيها من إبراز المعقولات الخفية في معرض المحسوسات الجليّة، وإظهار ما ينكر في لباس ما يعرف ويشهر. وعلى هذا السنن ضرب الله سبحانه مثل المنافقين، فمثّل حالهم حينما
стр. 326
أسلموا أوّلا، ودخل نور الإيمان في قلوبهم، ثمّ داخلهم الشكّ فيه، فكفروا به، إذ لم يدركوا فضائله، ولم يفقهوا محاسنه، وصاروا لا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية، ولا يدركون وسيلة من وسائل النجاة، وقد أضاء ذلك النور قلوب من حولهم من المؤمنين المخلصين. بحال جماعة أوقدوا نارا؛ لينتفعوا بها في جلب خير، أو دفع ضرّ، فلمّا أضاءت ما حولهم من الأشياء والأماكن جاءها عارض خفيّ، أو أمر سماوي، كمطر شديد، أو ريح عاصف، جرفها وبدّدها فأصبحوا في ظلام دامس، لا يتسنّى لهم الإبصار بحال.
ثمّ جعلهم مرّة أخرى كالصمّ البكم العمي الذين فقدوا هذه المشاعر والحواسّ، إذ هم حين لم ينتفعوا بآثارها فكأنّهم فقدوها، فما فائدة السمع إلّا الإصاخة إلى نصح الناصح وهدى الواعظ، وما منفعة اللسان إلّا الاسترشاد بالقول، وطلب الدليل والبرهان؛ لتتجلّى المعقولات وتتضح المشكلات، وما مزية البصر إلّا النظر والاعتبار؛ لزيادة الهدى والاستبصار، فمن لم يستعملها في شيء من ذلك فكأنّه فقدها، وأنّى لمثله أن يخرج من ضلالة أو يرجع إلى هدى.
ثمّ أراد سبحانه أن ينتقل إلى أسلوب آخر من الأمثال، فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فضرب (١) سبحانه في هذه الآيات مثلا آخر، يشرح به حال المنافقين، ويبيّن فظاعة أعمالهم وسوء أفعالهم؛ زيادة في التنكيل بهم وهتكا لأستارهم، إذ كانوا فتنة للبشر، ومرضا في الأمم، فجعل حالهم، وقد أتتهم تلك الإرشادات الإلهية النازلة من السماء، فأصابهم القلق والاضطراب، واعترضتهم ظلمات الشبه والتقاليد، والخوف من ذمّ الجماهير عند العمل بما يخالف آراءهم، ثمّ استبان لهم أثناء ذلك قبس من النور يلمع في أنفسهم حين يدعوهم الداعي، وتلوح لهم الآيات البيّنة والحجج القيّمة، فيعزمون على اتباع الحقّ، وتسير أفكارهم في نوره بعض الخطى، ولكن لا يلبثون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشبهات، فتقيد
стр. 327
الفكر وإن لم توقف سيره، بل تعود به إلى الحيرة، كحال قوم في إحدى الفلوات، نزل بهم بعد ظلام الليل صيّب من السماء فيه رعود قاصفة، وبروق لامعة، وصواعق متساقطة، فتولّاهم الدهش والرعب، فهووا بأصابعهم إلى آذانهم كلّما قصف هزيم الرعد؛ ليسدّوا منافذ السمع لما يحذرونه من الموت الزؤام، ويخافونه من نزول الحمام، ولكن هل ينجي حذر من قدر؟ تعددت الأسباب والموت واحد! بلى إنّ الله قدير أن يذهب الأسماع والأبصار التي كانت وسيلة الدهش والخوف، ولكن لحكمة غاب عنّا سرّها، ومصلحة لا تعرف كنهها، لم يشأ ذلك وهو الحكيم الخبير.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآيات، نزلت (١) هذه الآيات في المنافقين: عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ومعتّب بن قثير، وجدّ بن قيس، وأصحابهم. وذلك أنّهم أظهروا كلمة الإسلام؛ ليسلموا بها من النبي ﷺ وأصحابه، وأسرّوا الكفر
واعتقدوه، وأكثرهم من اليهود.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، سبب نزوله: ما أخرجه الواحدي، والثعلبيّ من طريق محمد بن مروان السدّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄: (نزلت (٢) هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وذلك أنّهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن أبيّ: أنظروا كيف أردّ عنكم هؤلاء السفهاء، فذهب فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبا بالصّدّيق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمّ أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيّد بني عديّ بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: مرحبا بابن عمّ رسول الله وختنه سيد بني
стр. 328
هاشم ما خلا رسول الله. ثمّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيرا. فرجع المسلمون إلى النبي ﷺ وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية). ولكن هذا الإسناد واه جدا، فإنّ السدي الصغير كذّاب، وكذا الكلبي، وأبو صالح ضعيف.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ...﴾ الآية، سبب نزوله: ما أخرجه (١) ابن جرير من طريق السدي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا: (كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله ﷺ إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، كلّما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما؛ من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما.
وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، فأتيا مكانهما يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا، فنضع أيدينا في يده، فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما). فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس رسول الله ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم؛ فرقا من كلام النبي ﷺ أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا، كما كان كذلك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما.
﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾؛ أي: فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيها، وقالوا حينئذ: إنّ دين محمد صدق، واستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، وكانوا إذا هلكت أموالهم وأولادهم، وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل محمد، وارتدّوا كفارا، كما قال ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.
وفي «الصاوي»: والمراد من المنافقين هنا: بعض سكان البوادي؛ وبعض
стр. 329
أهل المدينة في زمنه ﷺ . وخير ما فسّرته بالوارد، قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ...﴾ الآية. وأخّرهم عن المؤمنين والكافرين ظاهرا وباطنا؛ إشارة إلى أنّهم أسوأ حالا من الكفار.
التفسير وأوجه القراءة
٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾؛ أي: وبعض (١) الناس يقولون بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدّقنا بوحدانية الله تعالى. ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: صدّقنا بمجيء اليوم الآخر بما فيه من البعث، والحشر والجزاء، وبجميع ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات. وفي تكرير الباء؛ ادّعاء الإيمان بكلّ واحد على الأصالة والاستحكام، ذكره البيضاوي. وفي «العمدة»: وأعاد الجار؛ لإفادة تأكيد دعواهم الإيمان بكلّ ما جاء به محمد ﷺ . فردّ الله سبحانه عليهم بأبلغ ردّ بقوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ حيث أتى بالجملة الاسمية، وزاد الجار في الخبر. أي: يقولون ذلك والحال أنّهم غير مصدّقين بما ذكر؛ لأنّهم يقولون ذلك قولا لسانيّا دون اعتقاد، وكلاما خداعيا دون تصديق. والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة، سمّي بذلك؛ لأنّه يأتي بعد الدنيا، وهو آخر الأيام المحدودة المعدودة، وما بعده فلا حدّ له ولا آخر.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لمّا افتتح الله (٢) كتابه بشرح حاله، وساق لبيانه ذكر الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنّى بأضدادهم الذين محّضوا الكفر ظاهرا، وباطنا. ثلّث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم، وهم أي المنافقون أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله؛ لأنّهم موّهوا الكفر، وخلطوا به خداعا واستهزاء، ولذلك طوّل في بيان خبثهم.
стр. 330
قال الفاشانيّ: الاقتصار في وصف الكفار المصرّين المطبوع على قلوبهم على آيتين، والإطناب في وصف المنافقين في ثلاث عشرة آية للإضراب عن أولئك صفحا، إذ لا ينجع فيهم الكلام، ولا يجدي عليهم الخطاب. وأمّا المنافقون فقد ينجع فيهم التوبيخ والتعيير، وعسى أن يرتدعوا بالتشنيع عليهم، وتفظيع شأنهم وسيرتهم، وتهجير عادتهم، وخبث نيتهم وسريرتهم، وينتهوا بقبح صورة حالهم، وتفضيحهم بالتمثيل بهم وبطريقتهم فتلين قلوبهم، وتنقاد نفوسهم، وتزّكّى بواطنهم، وتضمحل رذائلهم، فيرجعون عما هم عليه، ويصيرون من المستثنى في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.
والنّاس (١): اسم جمع للناسي، سمّي به؛ لأنّه عهد إليه فنسي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي: نسّاء للنعم، ذكّار للمحن. وقيل: سمي به؛ لظهوره من آنس؛ أي: أبصر؛ لأنّهم ظاهرون مبصرون، ولذلك سمّوا بشرا، كما سمّي الجنّ جنا؛ لاجتنانهم؛ أي: استتارهم عن أعين الناس. وقيل: هو من الأنس الذي هو ضدّ الوحشة؛ لأنّهم يستأنسون بأمثالهم، أو يستأنس أرواحهم بأبدانهم، وأبدانهم بأرواحهم. واللام فيه للجنس. ﴿ومِنَ﴾ في قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ نكرة موصوفة، إذ لا عهد، فكأنّه قال: ومن الناس ناس يقولون؛ أي: يقرّون باللسان. والقول: هو التلفظ بما يفيد، ويأتي بمعنى المقول. وللمعنى المحصور في النفس المعبّر عنه باللفظ وللرأي، وللمذهب مجازا. ووحّد الضمير في ﴿يَقُولُ﴾ باعتبار لفظ ﴿مِنَ﴾، وجمعه في قوله: ﴿آمَنَّا﴾، وقوله: ﴿وَما هُمْ﴾ باعتبار معناها؛ لأنّ كلمة ﴿مِنَ﴾ تصلح للواحد والجمع، أو اللام فيه للعهد، والمعهود: هم الذين كفروا. ﴿ومِنَ﴾ موصولة مراد بها: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ونظراؤه من المنافقين، حيث أظهروا كلمة الإسلام؛ ليسلموا من
стр. 331
النبي ﷺ وأصحابه، واعتقدوا خلافها، وأكثرهم من اليهود، كما مرّ. فإنّهم من حيث إنهم صمّموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم.
واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس، فإنّ الأجناس إنما تتنوّع بزيادات يختلف فيها أبعاضها. فعلى هذا تكون الآية تقسيما للقسم الثاني.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدّقنا بالله. ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى؛ أي: الوقت الدائم الذي هو آخر الأوقات المنقضية، والمراد به: البعث، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ لأنّه آخر الأيام المحدودة، إذ لا حدّ وراءه، وسمّي بالآخر؛ لتأخّره عن الدنيا.
وتخصيصهم للإيمان بهما بالذكر له؛ ادّعاء أنّهم قد حازوا الإيمان من قطريه، وأحاطوا به من جانبيه، وإيذان بأنّهم منافقون فيما يظنّون فيه، فكيف بما يقصدون به النفاق؛ لأنّ القوم كانوا يهودا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا كلا إيمان؛ لاعتقادهم التشبيه، واتخاذ الولد، وأنّ الجنة لا يدخلها غيرهم، وأنّ النار لن تمسهم إلّا أياما معدودة، وغيرها، ويرون المؤمنين أنّهم آمنوا مثل إيمانهم. وحكاية الله سبحانه عبارتهم؛ لبيان كمال خبثهم، فإنّ ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق، وعقيدتهم عقيدتهم الأولى، لم يكن ذلك إيمانا، فكيف وهم يقولونه تمويها على المسلمين واستهزاء بهم، فكان خبثا إلى خبث، وكفرا إلى كفر.
﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وما هم (١) بداخلين في عداد المؤمنين الصادقين، الذين يشعرون بعظيم سلطان الله، ويعلمون أنّه مطلع على سرّهم ونجواهم، إذ كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات ظنا منهم أنّ ذلك يرضي ربّهم، ثمّ هم بعد ذلك منغمسون في الشرور والمآثم من كذب، وغشّ، وخيانة، وطمع إلى نحو ذلك مما حكاه الكتاب الكريم عنهم، ونقله الرواة أجمعون.
стр. 332
و ﴿ما﴾ نافية (١) بمعنى ليس، ولهذا عقّب بالباء؛ أي: ليسوا بمصدّقين؛ لأنّهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون. وفي الحكم عليهم بأنّهم ليسوا بمؤمنين، نفي ما ادّعوه على سبيل البت والقطع؛ لأنّه نفي أصل الإيمان منهم بإدخال الباء في خبر ﴿ما﴾، ولذا لم يقل: وما هم من المؤمنين، فإنّ الأول أبلغ من الثاني.
دلّت الآية: على أنّ الدعوى مردودة، إذا لم يقم عليها دلائل الصحة. قال بعضهم: من تحلّى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدّعيه، فإنّ من مدح نفسه ذمّ، ومن ذمّ نفسه مدح، قال فرعون عليه لعنة الله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقيل فيه: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقيل له: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
٩ - وقوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين؟ فقيل: يخادعون الله الخ. أي: يخدعون الله ، وإنما أخرج على زنة فاعل؛ للمبالغة، فليست المفاعلة على بابها، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره؛ لأنّه لا تخفى عليه خافية؛ ولأنّهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله ﷺ فيكون الكلام على حذف مضاف، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: يخادعون رسول الله ويغرّونه بما أظهروا من الإسلام، أو على أنّ معاملة الرسول معاملة الله، من حيث إنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده. ففيه رفع درجة النبي ﷺ حيث جعل خداعه خداعه.
والخدع على ما ذكرنا من جانب المنافقين لله وللمؤمنين، والتعبير بصيغة المخادعة؛ للدلالة على المبالغة في حصول الفعل، وهو الخدع، أو للدلالة على حصوله مرّة بعد أخرى، كما يقال: مارست الشيء وزاولته، إذ هم كانوا مداومين على الخدع، إذ أعمالهم الظاهرة لا تصدّقها بواطنهم، وهذا لا يكون إلّا من
стр. 333
مخادع، لا من تائب خاشع والخدع: أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه؛ لتحول بينه وبين ما يريد. وقيل: الخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب، أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به؛ ليغترّ بذلك، فيتجوّز منه بسهولة من قولهم: ضبّ خادع وخدع، وهو الذي إذا أمرّ الحارش يده على باب جحره يوهمه الإقبال عليه، فيخرج من بابه الآخر.
وكلا المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين، فيحملوها إلى أعدائهم، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب بسائر الكفرة من القتل، والأسر، والنهب، وأن ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا، كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإعطاء. وإما لأنّ صورة صنعهم مع الله من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده تعالى أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله تعالى في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين، فتكون المخادعة بين الاثنين، فتكون المفاعلة على بابها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على الجلالة؛ أي: ويريدون بذلك القول: أن يخدعوا الذين آمنوا، ويغروهم بإظهار الإيمان، وإخفاء الكفر للاطلاع على أسرارهم، وإذاعتها إلى أعدائهم من المشركين واليهود، ودفع الأذى عن أنفسهم.
وجملة قوله: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَخْدَعُونَ﴾؛ أي: يخادعون الله والمؤمنين بذلك القول، والحال أنّهم ما يضرّون بخداعهم ومكرهم في الحقيقة إلّا أنفسهم؛ لأنّ وبال خداعهم وعقوبته راجع إليهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، وأمره بإخراجهم من المسجد. ونزل فيهم: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآيات، ويعاقبون في الآخرة بالعذاب الدائم المؤبّد في الدرك الأسفل من النار.
أي: فدائرة فعلهم مقصورة عليهم. ومن راعى صيغة المفاعلة قال: وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين إلّا بأنفسهم؛ لأنّ ضررها لا يحيق إلّا
стр. 334
بهم، ووبال خداعهم راجع إليهم. والمراد بأنفسهم هنا: ذواتهم لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس، كالروح، والدم، والقلب.
وجملة قوله: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿ما يَخْدَعُونَ﴾؛ أي: يقتصرون على خدع أنفسهم والحال أنّهم ما يحسّون وما يعلمون ذلك. أي: أنّ ضرر خدعهم ووباله عليهم؛ لتمادي غفلتهم وتكامل حماقتهم، ولو علموا ذلك ما فعلوا الخداع، بل أخلصوا في إيمانهم.
والخدع، وكذا الخديعة، والحيلة، والمكر: هو ما يتوصّل به إلى المقصود بطريق خفيّ، كما ذكره القسطلاني في كتاب الحيل من «صحيح البخاري».
والشعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى، مشتق من الشعر لدقّته. وقيل: (١) هو الإدراك بالحاسّة، مشتق من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ومنه: مشاعر الإنسان؛ أي: حواسه الخمس التي يشعر بها. اه. «سمين». وسميت مشاعره حواس؛ لكون كلّ حاسة منها محلّا للشعور والعظة.
والمعنى: أنّ لحوق ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له. ثمّ في هذه الآية (٢) نفي العلم عنهم، وفي قوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إثبات العلم لهم، فبينهما معارضة، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الجمع بينهما بأن يقال: إنّهم علموا به حقيقة، ولكن لم يعملوا بما علموا، فكأنّهم لم يعلموا، وهو كقوله : ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة، لكن لم ينتفعوا بذلك، فكانوا كأنّهم صّم بكم عمي، فذو الآلة إذا لم ينتفع بها، فهو وعادم الآلة سواء، والعالم الذي لا يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، والغني الذي لا ينتفع بماله، فهو والفقير سواء. فإثبات العلم للكفار إلزام الحجة، وذكر الجهل إثبات المنقصة، بخلاف المؤمنين فإنّ إثبات العلم لهم إثبات الكرامة، وذكر الجهل تلقين عذر المعصية. فعلى المؤمن أن
стр. 335
يتحلّى بالعلم والعمل، ويجتنب عن الخطاء، والزلل، والبطالة، ويطيع ربّه خالصا لوجهه الكريم، ويعبده بقلب سليم.
وفي الحديث: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم»: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون لهم في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم خيرا). وإنّما يقال لهم ذلك: لأنّ عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع، فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع، كذا في «تنبيه الغافلين».
وأخرج (١) أحمد بن منيع في «مسنده» بسند ضعيف، عن رجل من الصحابة: «أنّ قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غدا؟ قال: «لا تخادع الله»، قال: وكيف نخادع الله؟ قال: «أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنّه الشرك بالله، فإنّ المرائي ينادى يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء»: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر ضلّ عملك، وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآية، ﴿وإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ قال: هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنّهم مؤمنون بما أظهروه.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (٢): ﴿يُخادِعُونَ﴾ بالألف في الموضعين، وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وابن عامر في الثاني ﴿يَخْدَعُونَ﴾ بلا ألف.
والمراد بمخادعتهم أنفسهم: أنّهم يمنّونها الأماني الباطلة، وهي كذلك تمنّيهم.
والحاصل: أنّه قد نفى (٣) الشعور عنهم في مخادعتهم؛ لأنّهم لم يحاسبوا
стр. 336
أنفسهم على أقوالهم، ولم يراقبوه في أفعالهم، ولم يفكّروا فيما يرضيه، بل جروا في ريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فهم يعملون عمل المخادعين، وما يشعرون، فإذا عرض لهم زاجر من الدين يحول بينهم وبين ما يشتهون، وجدوا لهم من المعاذير ما يسهّل أمره، إمّا بأمل في المغفرة، أو تحريف في أوامر الكتاب، لما رسخ في نفوسهم من عقائد الزيغ التي يسمّونها إيمانا، وهم في الحقيقة مخدوعون، وعن الصراط السويّ ناكبون.
والمشاهد: أنّ الإنسان إذا همّ بعمل وناجى، وجد كأنّ في قلبه خصمين مختصمين:
أحدهما: يميل به إلى اللذة، ويسير به في طريق الضلال والغواية.
وثانيهما: يأمره بالسير في الطريق القويم، وينهاه عن اتباع النفس والهوى.
ولقد جاء في كلامهم عن المتردّد: (فلان يشاور نفسه) ولا يترجّح عنده جانب الشرّ إلّا إذا خدع نفسه، وصرفها عن الحقّ، وزيّن لها اتباع الباطل. وإنّما يكون ذلك بعد مشاورة ومذاكرة، تجول في الخاطر، وتهجس في النفس، ربّما لا يلتفت إليها الإنسان، ولا يشعر بما يجول بين جنبيه.
١٠ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: في قلوب هؤلاء المنافقين وعقولهم، فالمراد بالقلوب هنا: العقول، وهو تعبير معروف عند العرب. ﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: مرض معنوي الذي هو الشكّ، والكفر، والنفاق. والمرض: حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق، ويوجب الخلل في أفاعيله، ويؤدّي إلى الموت. ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخلّ بكمالها: كالجهل، وسوء العقيدة، والحسد، والضغينة، وحبّ المعاصي، وغير ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني؛ لأنّها مانعة عن نيل الفضائل، أو مؤدّية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية، والآية الكريمة تحتملها، فإنّ قلوبهم كانت متألّمة تحرّقا على ما فات عنهم من الرياسة، وحسدا على ما يرون من ثبات أمر الرسول ﷺ واستعلاء شأنه يوما فيوما.
﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ﴾ على مرضهم الأول ﴿مَرَضًا﴾ آخر بما أنزله من القرآن؛ لأنّ
стр. 337
نزول القرآن يزيد الكافر والمنافق مرضا بمعنى: كفرا وشكّا، فينشأ عنه المرض الحسّيّ، كما يزيد المؤمن إيمانا فينشأ عنه البهجة والسرور. قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا ...﴾ الآيات، ويحتمل بما أنزله في حقّهم من فضيحتهم خصوصا بسورة التوبة، فإنّها تسمّى الفاضحة.
والمعنى: فزاد الله غمّهم بما زاد في إعلاء أمره ورفع قدره، وأنّ نفوسهم كانت مؤوفة بالكفر، وسوء الاعتقاد، ومعاداة النبي ﷺ ونحوها، فزاد الله ذلك بأن طبع على قلوبهم؛ لعلمه تعالى بأنّه لا يؤثّر فيها التذكير والإنذار، وبازدياد التكاليف الشرعية، وتكرير الوحي، وتضاعف النصر؛ لأنّهم كلما ازداد التكاليف بنزول الوحي يزدادون كفرا، وقد كان يشقّ عليهم التكلم بالشهادة، فكيف وقد لحقتهم الزيادات، وهي وظائف الطاعات، ثمّ العقوبة على الجنايات، فازدادوا بذلك اضطرابا على اضطراب، وارتيابا على ارتياب، ويزدادون بذلك في الآخرة عذابا على عذاب. قال تعالى: ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾، والمؤمنون لهم في الدنيا ما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾، وفي العقبى ما قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال القطب العلّامة: أمراض القلب: إمّا متعلّقة بالدين، وهو سوء الاعتقاد والكفر، أو بالأخلاق، وهي إما رذائل فعليّة، كالغلّ والحسد، وإما رذائل انفعاليّة، كالضعف والجبن. فحمل المرض أوّلا على الكفر، ثمّ على الهيئات الفعلية، ثمّ على الهيئات الانفعالية. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ دعاء عليهم.
فإن قلت: (١) فكيف يحمل على الدعاء، والدعاء للعاجز عرفا، والله تعالى منزّه عن العجز؟
قلت: هذا تعليم من الله لعباده أنّه يجوز الدعاء على المنافقين، والطرد لهم؛ لأنّهم شرّ خلق الله؛ لأنّه أعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾.
стр. 338
وعبارة المراغي هنا: وقد وجد (١) هذا المرض عند هؤلاء المنافقين حين كانوا في فترة من الرسل، فلم يكن لهم حظّ من قراءة كتب الدين إلّا تلاوتها، ولا من أعماله إلّا إقامة صورها، من غير أن تنفذ أسرارها إلى قلوبهم، فتهذب النفوس، وتسمو بها إلى فضائل الأخلاق، والتفقّه في الدين.
﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بعد أن جاء النذير البشير، ومعه البرهان القاطع، والنور الساطع وأبوا أن يتبعوه، وزاد تمسكّهم بما كانوا عليه، فكان ذلك النور عمى في أعينهم ومرضا في قلوبهم، وتحرّقت قلوبهم حسرة على ما فاتهم من الرياسة، وحسدا على ما يرونه من ثبات أمر الرسول ﷺ وعلوّ شأنه يوما بيوم.
انتهى.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: ولهؤلاء المنافقين في الآخرة ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ يصل ألمه إلى القلوب، وهو بمعنى: المؤلم بفتح اللام على أنّه اسم مفعول من الإيلام. يقال: ألم يألم فهو أليم بمعنى: مؤلم، كسميع بمعنى: مسمع. وصف به للمبالغة، وهو في الحقيقة صفة المعذّب بفتح الذال المعجمة، كما أنّ الجدّ للجادّ في قولهم: جدّ جدّه. وجه المبالغة: إفادة أنّ الألم بلغ الغاية حتى سرى من المعذّب بفتح الذال إلى العذاب المتعلّق به.
أي: ولهم عذاب موجع ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف (٢)؛ أي: بسبب كذبهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقرىء بالتشديد؛ أي: بسبب تكذيبهم النبيّ ﷺ فيما جاء به في السرّ. والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، كقولك: الجهل نافع والعلم ضارّ، وهو قبيح كلّه.
و (الباء) (٣) فيه للسببية، أو للمقابلة، ﴿وما﴾ مصدرية، داخلة في الحقيقة على ﴿يَكْذِبُونَ﴾ وكلمة ﴿كانُوا﴾ مقحمة؛ لإفادة دوام كذبهم وتجدده؛ أي: بسبب
стр. 339
كذبهم المتجدّد المستمر الذي هو قولهم: ﴿آمَنَّا ...﴾ إلخ. وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أنّ العذاب الأليم لا حق بهم من أجل كذبهم نظرا إلى ظاهر العبارة المتخيّلة، لانفراده بالسببية مع إحاطة علم السامع بأنّ لحوق العذاب بهم من جهات شتّى، وأنّ الاقتصار عليه للإشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه. وأمّا ما روي: أنّ إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات، فالمراد به: التعريض، لكن لمّا شابه الكذب في صورته سمّي به، وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقوله: (هذه أختي) كما هو مذكور في محلّه.
وحاصل معنى الآية: أنّ الله سبحانه جعل (١) العذاب جزاء الكذب دون سائر موجباته الأخرى، كالكفر وغيره من أعمال السوء؛ للتحذير منه، وبيان فظاعته، وعظم جرمه؛ وللأشعار بأنّ الكفر من محتوياته، وإليه ينتهي في حدوده وغاياته، ومن ثم حذر منه القرآن أتمّ التحذير. فما فشا في أمة إلّا كثرت فيها الجرائم، وشاعت فيها الرذائل، فهو مصدر كل رذيلة ومنشأ كلّ كبيرة. وقد روي عن النبي ﷺ : أنّه قال: «إياكم والكذب، فإنّه مجانب للإيمان»؛ يعني: أنّ الإيمان في جانب والكذب في جانب آخر منه، مقابل له، وهذا كناية عن كمال البعد بينهما.
وفي الحديث (٢): «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار». كلّ الكذب مكتوب كذبا لا محالة، إلّا أن يكذب الرجل في الحرب، فإنّ الحرب خدعة، أو يكون بين رجلين شحناء، فيصلح بينهما، أو يحدث امرأته ليرضيها، مثل أن يقول: (لا أحد أحبّ إليّ منك)، وكذا من جانب المرأة. فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها: ما أدّاها إذا ارتبط بمقصود صحيح له، أو لغيره، لكن هذا في حقّ الغير، وأمّا في حقّ نفسه، فالصدق أولى وإن لزم الضرر.
стр. 340
واعلم: أنّ المراد بالكذب في الحقيقة: الكذب في العبوديّة والقيام بحقوق الربوبيّة، كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم، ولا يصح الاقتداء بأرباب الكذب مطلقا، ولا يعتمد عليهم، فإنّهم يجرّون إلى الهلاك، والفراق عن مالك الأملاك.
وأمال حمزة (١) ﴿فَزادَهُمُ﴾، ووافقه ابن ذكوان، وأجمع القراء على فتح الراء في قوله: ﴿مَرَضٌ﴾، إلّا ما رواه الأصمعيّ، عن أبي عمرو: أنّه قرأ بإسكان الراء. وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي ﴿يكذبون﴾ بالتخفيف. وقرأ الحرميان: نافع، وابن كثير، والعربيان: أبو عمرو، وابن عامر بالتشديد.
وقد سئل (٢) القرطبيّ وغيره من المفسرين، عن حكمة كفّه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ فذكروا أجوبة عن ذلك.
منها: ما ثبت في «الصحيحين»: أنّه ﷺ قال لعمر ﵁: «أكره أن يتحدّث العرب أنّ محمدا يقتل أصحابه».
ومنها: ما قال مالك: (إنّما كفّ رسول الله ﷺ عن المنافقين؛ ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه).
ومنها: ما قاله بعضهم: أنّه إنما لم يقتلهم؛ لأنّه كان لا يخاف من شرّهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله بينات. فأمّا بعده: فيقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه المسلمون. انتهى.
١١ - ثمّ (٣) شرع في بيان قبائحهم وأحوالهم الشنيعة، وفي الحقيقة: هو تفصيل للمخادعة الحاصلة منهم، فقال: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بالكفر، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ وإفشاء أسرار المؤمنين إلى
стр. 341
الكفار، وإغرائهم عليهم، وغير ذلك.
وإسناد (١) قِيلَ إلى ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ إسناد له إلى لفظه، كأنّه قيل: وإذا قيل لهم: هذا اللفظ، كقولك: ألّف ضرب من ثلاثة أحرف. والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه منتفعا به، وضدّه: الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة. وكلاهما يعمّان كلّ ضارّ ونافع، والفساد في الأرض: تهييج الحروب والفتن المستتبعة؛ لزوال الاستقامة عن أحوال العباد، واختلال أمر المعاش والمعاد. والمراد بما نهوا عنه: ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائهم عليهم، وغير ذلك من فنون الشرور. فلمّا كان ذلك من صنيعهم مؤدّيا إلى الفساد. قيل: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾، كما يقال للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.
وكانت الأرض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصي، فلمّا بعث النبي ﷺ ارتفع الفساد، وصلحت الأرض، فإذا أعلنوا بالمعاصي، فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما في «تفسير أبي الليث».
﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ جواب لإذا، وردّ للناصح على سبيل المبالغة؛ أي: نحن مقصورون على الإصلاح المحض؛ أي: ليس شأننا الإفساد أبدا، بل نحن محصورون في الإصلاح، لا نخرج عنه إلى غيره، فهو من حصر المبتدأ في الخبر.
والمعنى (٢): أنّه لا يصح مخاطبتنا بذلك، فإنّ شأننا ليس إلّا الإصلاح، وإنّ حالنا متمّحضة عن شوائب الإفساد، وإنّما قالوا ذلك؛ لأنّهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. فأنكروا كون ذلك فسادا، وادّعوا كونه إصلاحا محضا. وهو من قصر الموصوف على الصفة، مثل: إنّما زيد منطلق.
стр. 342
قال ابن التمجيد (١): إنّ المسلمين لمّا قالوا لهم: لا تفسدوا في الأرض، توهّموا أنّ المسلمين أرادوا بذلك أنّهم يخلطون الإفساد بالإصلاح، فأجابوا بأنّهم مقصورون على الإصلاح، لا يتجاوزون منه إلى صفة الإفساد، فيلزم منه عدم الخلط. فهو من باب قصر الإفراد، حيث توهّموا أنّ المؤمنين اعتقدوا الشركة.
فأجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدلّ على القصر القلبيّ، وهو قوله تعالى: ﴿أَلا﴾ أيّها المؤمنون انتبهوا، واعلموا ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ فإنّهم لمّا أثبتوا لأنفسهم إحدى الصفتين، ونفوا الأخرى، واعتقدوا ذلك، قلب الله اعتقادهم هذا بأن أثبت لهم ما نفوه، ونفى عنهم ما أثبتوا.
والمعنى: هم مقصورون على إفساد أنفسهم بالكفر، والناس بالتعويق عن الإيمان، لا يتخطّون منه إلى صفة الإصلاح، من باب قصر الشيء على الحكم، فهم لا يعدون صفة الفساد والإفساد، ولا يلزم منه أن لا يكون غيرهم مفسدين.
ثمّ استدرك بقوله: ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنّهم مفسدون، للإيذان بأنّ كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة، لكن لا حسّ لهم حتى يدركوه. قال الشيخ في «تفسيره»: ذكر الشعور بإزاء الفساد أوفق؛ لأنّه كالمحسوس عادة، ثمّ فيه بيان شرف المؤمنين، حيث تولّى جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين.
١٢ - والحاصل: أنّهم أكّدوا ذلك بإنّما المفيدة للحصر، وبالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار. فردّ الله سبحانه عليهم بجملة مؤكّدة بأربع مؤكّدات: ﴿أَلا﴾ التي للتنبيه و ﴿إن﴾ وضمير الفصل، وتعريف الخبر، حيث قال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾؛ أي: إنّهم وحدهم هم المفسدون، لا من أوماؤا إليهم من المؤمنين، ولكن لا يعلمون أنّ ما فعلوه فساد؛ لأنّه أصبح غريزة في طباعهم؛ بما تمكّن فيها من الشّبه بتقليدهم أحبارهم الذين أشربت قلوبهم تعظيمهم، والثقة بآرائهم. أو لا يعلمون أنّ الله تعالى يطلع نبيّه ﷺ على فسادهم.
١٣ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ من طرف المسلمين بطريق الأمر بالمعروف، إثر نهيهم عن
стр. 343
المنكر إتماما للنصح وإكمالا للإرشاد، فإنّ كمال الإيمان بمجموع الأمرين: الإعراض عمّا لا ينبغي، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، والإتيان بما ينبغي، وهو المطلوب بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا﴾ حذف المؤمن به؛ لظهوره؛ أي: آمنوا بالله وباليوم الآخر، أو أريد: فعلوا الإيمان.
والمعنى: أي (١) وإذا قال لهؤلاء المنافقين النبيّ ﷺ أو بعض أصحابه بطريق الأمر بالمعروف نصيحة لهم: آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر إيمانا صادقا، لا يشوبه نفاق ولا رياء. ﴿كَما آمَنَ النَّاسُ﴾؛ أي: كما آمن أصحاب النبي ﷺ ، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله. والكاف في محل النصب على أنّه نعت لمصدر مؤكّد محذوف؛ أي: آمنوا إيمانا مماثلا لإيمانهم، فما مصدرية أو كافّة؛ أي: حقّقوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم. واللام (٢) في النَّاسُ للجنس، والمراد به:
الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، أو للعهد، والمراد به: الرسول ﷺ ومن معه، أو من آمن من أهل بلدتهم؛ أي: من أهل ضيعتهم: كابن سلام وأصحابه.
والمعنى: آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص، متمحّضا من شوائب النفاق، مماثلا لإيمانهم.
﴿قالُوا﴾ مقابلين للأمر بالمعروف بالإنكار المنكر، واصفين للمراجيح الرزان بضد أوصافهم الحسان ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ الهمزة فيه للإنكار مع الاستهزاء والسخرية، واللام فيه مشار بها إلى الناس الكاملين، أو المعهودين، أو إلى الجنس بأسره، وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد. والسفه: خفّة عقل وسخافة رأي، يورثهما قصور العقل، ويقابله الحلم والأناة. وإنّما نسبوهم إليه مع أنّهم في الغاية القاضية من الرشد، والرزانة، والوقار؛ لكمال انهماك أنفسهم في السفاهة، وتماديهم في الغواية، وكونهم ممن زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا،
стр. 344
فمن حسب الضلال هدى يسمّي الهدى لا محالة ضلالا؛ أو لتحقير شأنهم، فإنّ كثيرا من المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم الموالي، كصهيب، وبلال، أو للتجلّد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كون المراد بالناس: عبد الله بن سلام وأمثاله. وقيل: إنّما سفّهوهم؛ لأنّ الصحابة أنفقوا أموالهم في سبيل الله حتى افتقروا، وتحملّوا المشاقّ، فسموهم سفهاء لذلك.
فإن قيل: كيف يصحّ النفاق مع المجاهرة بقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾.
قلنا: فيه أقوال:
الأول: إنّ المنافقين لعنهم الله، كانوا يتكلمون بهذا الكلام في أنفسهم دون أن ينطقوا به بألسنتهم، لكن هتك الله أستارهم، وأظهر أسرارهم عقوبة على عداوتهم، وهذا كما أظهر ما أضمره أهل الإخلاص من الكلام الحسن، وإن لم يتكلموا به بالألسن؛ تحقيقا لولايتهم، قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، وكان هذا في قلوبهم، فأظهره الله تعالى تشريفا لهم وتشهيرا لحالهم. وهذا قول صاحب «التيسير».
والثاني: أنّ المنافقين كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، فأخبر الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين بذلك، هذا قول البغويّ.
والثالث: قول أبي السعود في «الإرشاد» حيث قال: هذا القول وإن صدر عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم، لكن لا يقتضي كونهم مجاهرين لا منافقين، فإنّه ضرب من الكفر أنيق، وفنّ في النفاق عريق؛ لأنّه محتمل للشرّ، كما ذكر في تفسيره، وللخير بأن يحمل على ادّعاء الإيمان، كإيمان الناس، وإنكار ما اهتمّوا به من النفاق على معنى: أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا، ولا نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرون بذلك، قد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير
وعلى الأول: ردّ الله - سبحانه - ذلك عليهم بجملة مؤكّدة بأربع تأكيدات كالسابقة، حيث قال: ﴿أَلا﴾ فانتبهوا أيّها المؤمنون ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إنّ المنافقين
стр. 345
القائلين ما ذكر ﴿هُمُ السُّفَهاءُ﴾ لا غيرهم؛ لأنّ من ركب متن الباطل كان حقيقا بالسفه بلا امتراء. ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّهم هم السفهاء، ولا يحيطون بما عليهم من داء السفه، والمؤمنون بإيمانهم وإخلاصهم هربوا من السفه، وغبّوا في العلم والحقّ، وهم العلماء في الحقيقة، والمستقيمون على الطريقة.
فائدة: قال أبو حيان: وإذا التقت الهمزتان، أولاهما مضمومة، والثانية مفتوحة، نحو: ﴿السُّفَهاءُ أَلا﴾ ففي ذلك أوجه:
أحدها: تحقيق الهمزتين، وبذلك قرأ الكوفيون، وابن عامر.
والثاني: تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واوا، وبذلك قرأ الحرميان، وأبو عمرو.
والثالث: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو، وتحقيق الثانية.
والرابع: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو وإبدال الثانية واوا.
وأجاز قوم وجها.
خامسا: وهو جعل الأولى بين الهمزة والواو وجعل الثانية بين الهمزة والواو، ومنع ذلك بعضهم.
وهذا ردّ (١) ومبالغة في تجهيلهم، فإنّ الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع، أعظم ضلالة، وأتمّ جهالة من المتوقّف المعترف بجهله، فإنّه ربّما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. وقال النسفيّ: وإنّما ذكر هنا ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾. وفيما تقدم ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لأنه قد ذكر السفه هنا، وهو جهل، وكان ذكر العلم أحسن طبقا له. انتهى.
وفي «الروح»: واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى: نفي
стр. 346
الإحساس عنهم، وفي الثانية: نفي الفطنة؛ لأنّ معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة، وفي الآية الثالثة: نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق، وذلك: أنّه بيّن في الأولى: أنّ في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحسّ، وفي الثانية: أنّهم لا يفطنون تنبيها على أنّ ذلك لازم لهم؛ لأنّ من لا حسّ له لا فطنة له، وفي الثالثة: أنّهم لا يعلمون تنبيها على أنّ ذلك أيضا لازم لهم؛ لأنّ من لا فطنة له لا علم له، فإنّ العلم تابع للعقل، كما حكي: أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم ﵇ أتى إليه جبريل ﵇ بثلاث تحف: العلم، والحياء، والعقل. فقال: يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد، فاختار العقل. فأشار جبريل إلى العلم والحياء بالرجوع إلى مقرّهما، فقالا: إنّا كنا في عالم الأرواح مجتمعين، فلا نرضى أن يفترق بعضنا عن بعض في الأشباح أيضا، فنتبع العقل، حيث كان، فقال جبريل ﵇: استقرا، فاستقر العقل في الدماغ، والعلم في القلب، والحياء في العين.
فليسارع (١) العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة، حتى يصل إلى توحيد الفعل والصفة. قال الإمام القشيري - رحمه الله تعالى -: للعقل نجوم، وهي للشيطان رجوم، وللعلوم أقمار هي للقلوب أنوار واستبصار، وللمعارف شموس، ولها على أسرار العارفين طلوع، والعلم اللدنّي هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج، وللقلب بابان: باب إلى الخارج يأخذ العلم من الحواس، وباب إلى الداخل يأخذ العلم بالإلهام. فمثل القلب، كمثل الحوض الذي يجري فيه أنهار خمسة، فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة، بخلاف ما إذا خرج ماؤه من قعره حيث يكون ماؤه أصفى وأجلى، فكذا القلب إذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمس الظاهرة لا يخلو من كدرة، وشكّ، وشبهة، بخلاف ما إذا ظهر من صميم القلب بطريق الفيض الإلهيّ، فإنّه أصفى وأولى. انتهى.
стр. 347
قال الشيخ زين الدين الحافيّ - رحمه الله تعالى -: والعجب ممن دخل في هذه الطريقة المحمدية، وأراد أن يصل إلى الحقيقة اليقينية، وقد حصّل من الاصطلاحات ما يستخرج بها المعاني من كتاب الله، وأحاديث رسوله ﷺ ، ثمّ لا يشتغل بذكر الله وبمراقبته، والإعراض عما سواه، لتنصبّ إلى قلبه العلوم اللدنية التي لو عاش ألف سنة في تدريس الاصطلاحات وتصنيفها، لا يشمّ منها رائحة، ولا يشاهد من آثارها وأنوارها لمعة. فالعلم بلا عمل عقيم، والعمل بلا علم سقيم، والعمل بالعلم صراط مستقيم. انتهى.
وعبارة المراغي هنا: (١) ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ﴾ الذين اتبعوا قضيّة العقل، وسلكوا سبيل الرشاد، وكان للإيمان سلطان على نفوسهم، وعليه بنوا تصاريف أعمالهم، كعبد الله بن سلام وأشباهه من أحبارهم. ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ أرادوا بالسفهاء: أتباع النبي ﷺ . أمّا المهاجرون منهم: فلأنّهم عادوا قومهم وأقاربهم، وهجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم؛ ليتبعوا النبي ﷺ ، ويسيروا على هديه. وأمّا الأنصار: فلأنّهم شاركوا المهاجرين في ديارهم وأموالهم، ولا يستبعد ممن انهمك في السفاهة، وتمادى في الغواية، ومن زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا، وظنّ الضلال هدى أن يسمّي الهدى سفها وضلالا، كما مرّ. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ وحدهم دون من عرّضوا بهم، ونسبوهم إلى السفه، إذ هم لهم سلف صالح تركوا الاقتداء بهم، واكتفوا بانتظار شفاعتهم، ولم يجروا على هديهم وسنتهم، بخلاف أولئك المؤمنين الذين لا سلف لهم إلّا عابدي أصنام، وقد هداهم الله تعالى، وصارت قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما الإيمان وما حقيقته؟ حتى يعلموا أنّ المؤمنين سفهاء.
وقد ختمت هذه الآية بـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾، وسابقتها بـ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلّا بالعلم اليقينيّ، والفائدة المرجوة منه، وهي السعادة في المعاش والمعاد، لا يدركها إلّا من يعلم حقيقته ويدرك كنهه، فهم قد أخطأوا في
стр. 348
إدراك مصلحتهم ومصلحة غيرهم.
أمّا نفاقهم وإفسادهم في الأرض فقد بلغ من الوضوح مبلغ الأمور المحسوسة التي تصل إلى الحواس والمشاعر، ولكن لا حسّ لهم حتى يدركوه.
انتهى.
١٤ - ثمّ بيّن ، مصانعتهم ومعاملتهم مع المؤمنين بعد ما بيّن أولا مذهبهم ونفاقهم في الواقع، ونفس الأمر بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلا تكرار بين ما هنا وهناك، فقال: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال صاحب «الروح»: وهذا بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار، وما صدّرت به القصة، فمساقه؛ لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم، فليس بتكرير مع ما سبق؛ أي:
وإذا لقي هؤلاء المنافقون، وعاينوا، وصادقوا، واستقبلوا الذين آمنوا بالحقّ، وهم المهاجرون والأنصار ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون كذبا: ﴿آمَنَّا﴾ كإيمانكم وتصديقكم، كما سبق في سبب النزول: أنّ عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من الصحابة ﵃ الخ.
أي: وإذا رأى هؤلاء المنافقون المؤمنين، واجتمعوا معهم، أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقا ومصانعة. ﴿وَإِذا خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا، أو اجتمعوا على الخلوة. و ﴿إِلى﴾ بمعنى: مع أو انفردوا و ﴿إِلى﴾ بمعنى: الباء، أو بمعنى: مع، تقول: خلوت بفلان، وإليه، إذا انفردت معه. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ﴾؛ أي: إلى أصحابهم المماثلين للشيطان في التمردّ والعناد المظهرين لكفرهم. وإضافة الشياطين إلى ضميرهم للمشاركة في الكفر، أو إلى كبار المنافقين، والقائلون صغارهم، وكلّ عات متمرّد فهو شيطان.
وقال الضحاك: عن ابن عباس ﵄ المراد بشياطينهم: كهنتهم، وهم في بني قريظة: كعب بن الأشرف، وفي بني أسلم: أبو بردة، وفي جهينة: عبد الدار، وفي بني أسد: عوف بن عامر، وفي الشام: عبد الله بن سوداء. وكانت العرب تعتقد فيهم أنّهم مطّلعون على الغيب، ويعرفون الأسرار، ويداوون المرضى، وليس من كاهن إلّا وعند العرب أنّ معه شيطانا يلقي إليه
стр. 349
كهانته، وسمّوا شياطين؛ لبعدهم عن الحقّ، فإنّ الشّطون هو البعد، كذا في «التيسير».
والمعنى: أي وإذا انفردوا عن المؤمنين، ورجعوا إلى شياطينهم؛ أي: إلى كبرائهم، ورؤسائهم في الضلال والنفاق الذين شابهوا الشياطين في تمردهم وعتوهم، أو إلى كهنتهم. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون لرؤسائهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: أي: مصاحبوكم، وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم في حال من الأحوال. وكأنه قيل لهم عند قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الشهادة، وتشهدون مشاهدهم، وتدخلون مساجدهم، وتحجون، وتغزون معهم؟ فقالوا: ﴿إِنَّما نَحْنُ﴾ في إظهار الإيمان عند المؤمنين ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة، فنريهم أنا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا، وإنما نكون معهم ظاهرا؛ لنشاركهم في غنائمهم، وننكح بناتهم، ونطّلع على أسرارهم، ونحفظ أموالنا، وأولادنا، ونساءنا من أيديهم.
والاستهزاء: التجهيل للغير، والسخرية به، والاستخفاف به.
والمعنى: إنّا نجهّل محمدا وأصحابه، ونسخر بهم بإظهارنا الإسلام.
وقرىء ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ بتحقيق الهمزة، وهو الأصل، وبقلبها ياء مضمومة؛ لانكسار ما قبلها، ومنهم من يحذف الياء؛ تشبيها بالياء الأصلية في نحو: يرمون، ذكره في «البحر».
١٥ - فردّ الله عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: يجازيهم على استهزائهم، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم، أو ينزل الحقارة بهم والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزىء بهم، أمّا في الدنيا: فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال، والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة: فبما يروى: أنّه يفتح لهم بابا إلى الجنة، وهم في جهنّم، فيسرعون نحوه، فإذا وصلوا إليه سدّ عليهم الباب، وردّوا إلى جهنم. والمؤمنون على الأرائك في الجنة، ينظرون إليهم، فيضحكون لهم كما ضحكوا من المؤمنين في الدنيا، فذلك بمقابلة هذا،
стр. 350
ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرّة.
قال ابن كثير: وهذا إخبار من الله تعالى أنّه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء، مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقّوا العقاب عليه. فاللفظ متفق والمعنى مختلف، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾؛ لأنّ الأول ظلم والثاني عدل.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾؛ أي: يزيدهم، ويقويهم من مدّ الجيش وأمده؛ إذا زاده وقوّاه، لا من المدّ في العمر، فإنّه يعدى باللام كأملي لهم. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير وَيَمُدُّهُمْ. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلّق بيمدّهم. والطغيان: مجاوزة الحد في كلّ أمر، والمراد هنا: إفراطهم في العتوّ، وغلّوهم في الكفر. وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم، وتأييد لما أشير إليه من ترتب المدّ على سوء اختيارهم.
والمشهور فتح الياء من ﴿يَمُدُّهُمْ﴾. وقرىء شاذا بضمّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بمعنى واحد، ونسبت هذه القراءة إلى ابن محيص، وشبل، وابن كثير، كما مرّ.
حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فيه؛ أي: يتردّدون في الضلالة، متحيّرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم. وهو حال من الضمير المنصوب، أو المجرور، لكون المضاف مصدرا، وهو مرفوع حكما. والعمه في البصيرة، كالعمى في البصر، وهو التحيّر والتردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه.
والمعنى: أي يزيدهم بطريق الإمهال والترك في طغيانهم، وضلالتهم، وكفرهم حالة كونهم يعمهون؛ أي: يتردّدون ويتحيّرون في طغيانهم، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأنّ الله طبع قلوبهم، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشدا، ولا يهتدون سبيلا، أو المعنى: يتردّدون في البقاء على الكفر وتركه، والدخول في الإيمان.
والمراد بالعمه: عدم معرفة الحقّ من الباطل، فمنهم: من يظهر له وجه الحقّ، ويكفر عنادا ومنهم: من يشكّ في الحقّ ويقال له: عمي أيضا. فبين العمه والعمى عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في طمس القلب، وينفرد العمى بفقد البصر.
стр. 351
١٦ - ﴿أُولئِكَ﴾ المنافقون المتصفون بما ذكر من الصفات الشنيعة، المميّزة لهم عمن عداهم أكمل تميز، بحيث صاروا كأنّهم حضار مشاهدون على ما هم عليه من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى هنا. والإشارة إليهم باسم إشارة البعيد؛ للإيذان ببعد منزلتهم في الشرّ، وسوء الحال. ومحلّه الرفع على الابتداء، وخبره قوله: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وأصل الاشتراء: بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأشياء، ثمّ استعير للإعراض عمّا في يده محصّلا به غيره، ثمّ اتسع فيه، فاستعمل في الرغبة عن الشيء طمعا في غيره، وهو ههنا عبارة عن معاملتهم السابقة المحكيّة.
وقرأ يحيى بن يعمر ﴿اشتروا الضلالة﴾ بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك قعنب العدوي بفتحها؛ لخفة الفتحة، وأجاز الكسائي همز الواو. وقرأ الجمهور بضمّ الواو، وأمال حمزة والكسائي وخلف العاشر ﴿الهدى﴾، وهي لغة تميم، وقلله ورش والباقون بالفتح، وهي لغة قريش.
أي: أولئك المنافقون هم الذين اشتروا الضلالة، وأخذوها، واختاروها، وهي الكفر والعدول عن الحقّ، والصواب بدل الهدى، وهو الإيمان والسلوك في الطريق المستقيم، والاستقامة عليه أخذا متّصفا بالرغبة فيها والإعراض عنه؛ أي: اختاروها عليه، واستبدلوها به، وأخذوها مكانه، وجعل الهدى كأنّه في أيديهم لتمكنهم منه، وهو الاستعداد به، فبميلهم إلى الضلالة عطلوه، وتركوه. والباء تدخل على المتروك في باب المعاوضة. وهذا دليل: على أنّ الحكم في البيع ونحوه، يثبت بالتعاطي من غير تكلم بالإيجاب والقبول على ما ذهب إليه الأحناف، فإنّ هؤلاء سمّوا مشترين، بترك الهدى وأخذ الضلال من غير تكلّم بصيغة المبادلة، كما في «التيسير». فيكون دليلا لهم على أنّ من أخذ شيئا من غيره، وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم.
﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ أي: (١) ما ربحت صفقتهم في هذه المعاوضة؛ أي:
стр. 352
ما ربحوا في تجارتهم ومعاوضتهم، وهذا ترشيح للمجاز؛ أي: ما ربحوا فيها، فإنّ الربح مسند إلى أرباب التجارة في الحقيقة، فإسناده إلى التجارة نفسها على الاتساع؛ لتلبّسها بالفاعل؛ أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران، ودخلت الفاء؛ لتضمّن الكلام معنى الشرط، تقديره: وإذا اشتروا فما ربحوا، كما في «الكواشي». والتجارة: صناعة التجار، وهو التصدّي بالبيع والشراء لتحصيل الربح، والربح: هو الفضل على رأس المال.
﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى طريق التجارة، فإنّ المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح، ولئن فات الربح في صفقة، فربّما يتدارك في صفقة أخرى؛ لبقاء الأصل، وأمّا اتلاف الكلّ بالمرة، فليس من باب التجارة قطعا، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين؛ لأنّ رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختلّ عقلهم، ولم يبق لهم رأس مال يتوسّلون به إلى درك الحق، ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين من الربح، فاقدين الأصل نائين عن طريق التجارة بألف منزل.
واعلم: أنّ المهتدي: هو الذي ترك الدنيا والعادة، ثمّ اشتغل بوظائف الطاعة والعبادة، لا من اتبع كلّ ما يهواه، وخلّط هواه بهداه.
فإن قلت (١): مقتضى هذه الآية: أنّ الهدى كان موجودا ثمّ دفعوه، وأخذوا الضلالة.
قلت: الأمر كذلك؛ لقوله ﷺ : «كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه» الحديث؛ ولأنّهم في العهد يوم ألست بربكم أجابوا بالإيمان جميعا؛ أو لأنّهم لمّا تمكنوا من الإيمان جعلوا كأنّ الهدى بأيديهم، فتركوه، وأخذوا الضلالة. فمثلهم، كمثل من عنده كنز عظيم ينفع في الدنيا والآخرة، فاستبدله بالنار؛ لأنّ الضلالة سبب النار.
وحاصل معنى الآيات: أي (٢) وإذا رأى المنافقون المؤمنين، واجتمعوا بهم
стр. 353
قالوا كذبا وبهتانا: آمنا كإيمانكم، وصدّقنا كتصديقكم، وإذا انفردوا بأمثالهم من دعاة الفتنة والإفساد قالوا لهم: إنّا على عقيدتكم، وموافقوكم على دينكم، وإنما نظهر لهم الإيمان استهزاء بهم؛ لنشاركهم في الغنائم، ونحفظ أموالنا، وأولادنا، ونساءنا من أيديهم، ونطّلع على أسرارهم ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ أي: الله يجازيهم بالعقاب على استهزائهم، وسمّي هذا الجزاء استهزاء؛ للمشاكلة في اللفظ، كما سمّي جزاء السيئة سيئة، ويزيدهم في عتوهم وكفرهم، ويجعلهم حائرين متردّدين في الضلال؛ عقوبة لهم. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ أي: هؤلاء هم الذين رغبوا عن الهدى وسلوك الطريق المستقيم، ومالوا إلى الضلال، واشتروه، ولكن لم تكن تجارتهم رابحة إذ أضاعوا رأس المال، وهو ما كان لهم من الفطرة السليمة، والاستعداد لإدراك الحقائق ونيل الكمال،
فأصبحوا خاسرين آيسين من الربح، وإنّ من كانت هذه حالتهم فلا علم لهم بطرق التجارة، فإنّ التاجر إن فاته الربح في صفقة، فربّما تداركه في أخرى ما دام رأس المال موجودا، أما وقد فقد رأس المال فلا سبيل إلى الربح بحال.
١٧ - ولمّا بيّن الله قبائحهم وعاقبة أمرهم، شرع يضرب أمثالهم، ويبيّن فيها وصفهم وما هم عليه، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ ...﴾ إلخ، والمثل في الأصل: بمعنى النظير، ثمّ قيل: للقول السائر الممثل بمورده، كما ورد من غير تغيير، ولا يضرب إلّا بما فيه غرابة، ولذلك حوفظ عليه من التغيير، ثمّ استعير لكل حال، أو قصة، أو صفة لها شأن عجيب، وفيها غرابة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، وقوله أيضا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾؛ أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال.
وعبارة «الروح»: ولمّا جاء الله بحقيقة حال المنافقين، عقّبها بضرب المثل؛ زيادة في التوضيح والتقرير، فإنّ التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع ثورة الجامح الأبيّ، كيف لا يلطف وهو إبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف، وإراءة للمخيّل محقّقا، وللمعقول محسوسا، وتصوير للمعاني بصورة الأشخاص، ومن
стр. 354
ثمّ كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجليّ والغائب بالشاهد، ولأمر مّا أكثر الله سبحانه في كتبه الأمثال والعبر، وفي الإنجيل سورة تسمّى سورة الأمثال، وفي القرآن ألف آية من الأمثال والعبر، وهي في كلام الأنبياء ﵈ والعلماء والحكماء كثيرة، لا تحصى، ذكر السيوطي في «الإتقان» من أعظم علم القرآن أمثاله، والناس في غفلة عنه.
والمعنى (١): مثلهم؛ أي: حالهم وصفتهم العجيبة الشأن ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾؛ أي: كحال الذين من باب وضع مفرد الموصول موضع الجمع منه؛ تخفيفا للكلام؛ لكونه مستطالا بصلته، كقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾، والقرينة ما قبله وما بعده، لكن إنّه وحّد الضمير في قوله: اسْتَوْقَدَ نارًا نظرا إلى صورة اللفظ، وجمع في الأفعال الآتية نظرا إلى المعنى. والاستيقاد: طلب الوقود، والسعي في تحصيله، وهو سطوع النور، وارتفاع لهبها. والنار: جوهر لطيف مضيء محرق حارّ، والنور ضوؤها وضوء كلّ نيّر، وهو نقيض الظلمة؛ أي: كمثل الذي أوقد في مفازة في ليلة مظلمة نارا عظيمة؛ خوفا من السباع وغيرها.
﴿فَلَمَّا أَضاءَتْ﴾ الإضاءة: فرط الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾. وقرأ ابن السميقع، وابن أبي عبلة ﴿فلما ضاءت﴾ ثلاثيا فيتخرّج على زيادة ما، أو على أن تكون هي الفاعلة، إما موصولة، أو موصوفة؛ أي: أنارت النار ﴿ما حَوْلَهُ﴾؛ أي: ما حول المستوقد من الأماكن والأشياء على أنّ ﴿ما﴾ مفعول ﴿أَضاءَتْ﴾ إن جعلته متعدّيا و (حول) نصب على الظرفية، وإن جعلته لازما، فهو مسند إلى ﴿ما﴾، والتأنيث؛ لأنّ ما حوله أشياء وأماكن، وأصل الحول: الدّوران، ومنه الحول للعام؛ لأنّه يدور. وجواب ﴿لما﴾ قوله سبحانه ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: أذهبه بالكلية، وأطفأ نارهم التي هي مدار نورهم. وإنّما علّق الإذهاب بالنور دون نفس النار؛ لأنّه المقصود بالاستيقاد. وقرأ اليمانيّ ﴿أذهب الله نورهم﴾، وهذا يدلّ على مرادفة الباء للهمزة في التعدية.
стр. 355
وإسناد الإذهاب إلى الله تعالى (١): إمّا لأنّ الكلّ بخلقه تعالى؛ وإما لأنّ الإنطفاء حصل بسبب خفي، أو أمر سماوي، كريح أو مطر؛ وإما للمبالغة، كما يؤذن به تعدية الفعل بالباء دون الهمزة؛ لما فيها من معنى الاستصحاب والإمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله تعالى وأمسكه، فلا مرسل له من بعده، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور؛ لأنّ ذهاب الضوء قد يجامع بقاء النور في الجملة، لعدم استلزام عدم القوي، لعدم الضعيف، والمراد إزالته بالكلّية، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ فإنّ الظلمة هي عدم النور، وانطماسه بالمرة، لا سيّما إذا كانت متضاعفة متراكمة متراكبا بعضها فوق بعض، كما يفيده الجمع، والتنكير التفخيميّ، وما بعده من قوله: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ لا يتحقّق إلّا بعد أن لا يبقى من النور عين ولا أثر. و (ترك) في الأصل بمعنى: طرح وخلّى، وله مفعول واحد، فضمّن معنى التصيير، فجرى مجرى أفعال القلوب؛ أي: صيّرهم ﴿فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ما حولهم. فعلى هذا يكون قوله: ﴿فِي ظُلُماتٍ﴾ وقوله: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مفعولين لصيّر بعد المفعول الأول على سنن الأخبار المتتابعة للمخبر عنه الواحد، وإن حمل معناه على الأصل يكونان حالين من المفعول، مترادفين، أو متداخلين.
والمعنى (٢): أنّ حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالة التي هي: عبارة عن ظلمتي الكفر والنفاق، المستتبعين لظلمة سخط الله تعالى، وظلمة يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾، وظلمة العقاب السرمدي بالهدى الذي هو الفطري النوري، المؤيّد بما شاهدوه من دلائل الحقّ، كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها، فأطفأها الله تعالى، وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار.
وقرأ الأعمش، والحسن، وأبو السماك ﴿ظلمات﴾ بإسكان اللام على الأصل. وقرأ أشهب العقيليّ بفتح اللام. وقرأ الجمهور بضمّ اللام. وهذه اللّغي