بزيادات يتحدّثونها، وتقاليد يبتدعونها بضروب من التأويل، والاستنباط من كلام بعض سلفهم وأفعالهم، ويحكّمونها في الدين، ويحتجّون بأن الأقدمين كانوا أعلم بكلام الأنبياء وأشدّ اتباعا لهم، فعلى من بعدهم أنّ يأخذ بكلامهم دون كلام الأنبياء الذي يصعب علينا فهمه بزعمهم، لكن (١) هذه المعذرة لم يتقبّلها الله منهم، ونسب إليهم اللبس والكتمان للحق الذي في التوراة إلى يومنا هذا، كما لم يتقبّل ممن بعدهم من العلماء في أيّ شريعة ودين، أن يتركوا كتابه ويتبعوا كلام العلماء بتلك الحجة عينها، فكل ما يعلم من كتاب الله، يجب علينا أن نعمل به، وما لا يعلم يسأل عنه أهل الذكر، ومتى فهمناه وعلمناه علمنا به. قال في «التيسير» ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين، وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال: أيّها السلاطين! لا تخلطوا العدل بالجور، ويا أيها القضاة! لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق. وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق وإبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه وقد تعيّن عليه أداؤه، حتى يأخذ عليه أجرا، فقد دخل في حكم الآية. اه.
وقال رسول الله ﷺ : «من تعلّم علما لا يبتغي به وجه الله، لا يتعلّمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»؛ أي: ريحها.
فمن (٢) رهب وصاحب التقوى، لا يأخذ على علمه عوضا، ولا على وصيته ونصيحته صفدا، بل يبين الحق ويصدع به، ولا يلحقه في ذلك خوف ولا فزع.
وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»، وفي التنزيل ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم لهذه الآية ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والفتوى في هذا الزمان، على جواز الاستئجار لتعليم القرآن، والفقه، وغيره؛ لئلا يضيع. وفي الحديث «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». والآية في حق من تعيّن عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه
стр. 527
أجرا، فأما إذا لم يتعيّن، فيجوز له أخذ الأجرة، بدليل السنة في ذلك، كما إذا كان الغسّال في موضع لا يوجد فيه من يغسل الميت غيره، كما في القرى، والنّواحي، فلا أجر له لتعيّنه لذلك، وأما إذا كان ثمّة ناس غيره، كما في الأمصار، والمدن، فله الأجر حيث لم يتعيّن عليه، فلا يأثم بالترك، وقد يتعيّن عليه، إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عياله، فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته، وحرفته، ويجب على الإمام أن يعيّن له شيئا، وإلا فعلى المسلمين؛ لأنّ الصدّيق ﵁ لمّا ولي الخلافة وعيّن لها، لم يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثيابا، وخرج إلى السوق، فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي، فردوه وفرضوا له كفايته. وكذا يجوز للإمام، والمؤذن، وأمثالهما أخذ الأجرة، وبيع المصحف ليس بيع القرآن، بل هو بيع الورق وعمل أيدي الكاتب.
وقالوا في زماننا: تغيّر الجواب في بعض المسائل، لتغيّر الزمان، وخوف اندراس العلم والدّين.
منها: ملازمة العلماء أبواب السلاطين.
ومنها: خروجهم إلى القرى لطلب المعيشة.
ومنها: أخذ الأجرة لتعليم القرآن، والأذان، والإمامة.
ومنها: العزل عن الحرّة بغير إذنها.
ومنها: السلام على شربة الخمور، ونحوها، فأفتى بالجواز فيها، خشية الوقوع فيما هو أشدّ منها وأضرّ. كذا في «نصاب الأحساب»، وغيره.
٤٣ - ثم ذكر لزوم الشرائع لهم بعد الإيمان، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ خطاب (١) لبني إسرائيل؛ أي: اقبلوا يا بني إسرائيل! وجوب الصلوات الخمس المفروضة، واعتقدوا فرضيتها، وأدوها بشرائطها، وأركانها، وآدابها في أوقاتها المحدودة لها، كصلاة المسلمين، فإن غيرها ك: لا صلاة ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾؛ أي: اعطوا
стр. 528
الزكاة الواجبة في أموالكم، وأدوها إلى مستحقيها، كزكاة المؤمنين، فإن غيرها ك: لا زكاة. والزكاة: من زكى الزرع إذا نمى، فإنّ إخراجها يستجلب بركة في المال، ويثمر للنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاة بمعنى الطهارة، فإنها تطهّر المال من الخبث، والنّفس من البخل ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلوا الصلوات الخمس مع المصلين محمد وأصحابه في جماعتهم، فإنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة؛ لما فيها من تظاهر النّفوس، فإن الصلاة كالغزو والمحراب كمحل الحرب ولا بد للقتال من صفوف الجماعة، فالجماعة قوّة.
وخصّ الله الركوع بالذكر؛ تحريضا لليهود على الإتيان بصلاة المسلمين، فإن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فكأنّه تعالى قال: صلّوا الصلاة ذات الركوع في جماعة. وقيل: لكونه ثقيلا على أهل الجاهلية. وقيل:
إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة، والركوع الشرعيّ: هو أن ينحني المصلّي، ويمدّ ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه، ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعا ذاكرا بالذكر المشروع فيه.
والخلاصة (١): أنه ، بعد أن دعا بني إسرائيل إلى الإيمان، أمرهم بصالح عمل على الوجه المقبول عند الله، فطلب إليهم إقامة الصلاة؛ لتطهّر نفوسهم، كما طلب إليهم إيتاء الزكاة التي هي: مظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس؛ لما فيها من بذل المال لمواساة عيال الله، وهم الفقراء؛ ولما بين الناس من تكافل عام في هذه الحياة، فالغنيّ في حاجة إلى الفقير، والفقير في حاجة إلى الغني، كما ورد في الحديث «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا».
وبعد (٢) إذ أمرهم بالركوع مع الراكعين؛ أي: أن يكونوا في جماعة المسلمين ويصلّوا صلاتهم، وقد حثّ على صلاة الجماعة؛ لما فيها من تظاهر النفوس عند مناجاة الله، وإيجاد الألفة بين المؤمنين؛ ولأنه عند اجتماعهم
стр. 529
يتشاورون في دفع ما ينزل بهم من البأساء، أو يجلب لهم السرّاء. ومن ثم جاء في الخبر: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وعبر عن الصلاة بالركوع؛ ليبعدهم عن الصلاة التي كانوا يصلونها قبلا، إذ لا ركوع فيها.
٤٤ - والخطاب في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ موجّه إلى حملة الكتاب من الأحبار والرهبان. فقد روي عن ابن عباس: أنّ الآية نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون من نصحوه سرا بالإيمان بمحمد ﷺ ، ولا يؤمنون به. وقال السدّيّ: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى، وينهونهم عن معصيته، وهم يفعلون ما ينهون عنه. والاستفهام (١) فيه للتوبيخ، والتقريع لهم على ما فعلوا من أمر الناس، وترك أنفسهم المضمّن للإنكار والنهي، ونظيره في النهي، قول أبي الأسود الدؤليّ:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الآخر:
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فيقبح في العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله. وفي تفسير البرّ هنا أقوال: الثّبات على دين رسول الله ﷺ ، وهم لا يتبعونه، أو اتباع التوراة وهم يخالفونها في جحدهم صفته ﷺ . وروي عن قتادة، وابن جريج، والسدي: أو على الصدقة ويبخلون، أو على الصدق وهو لا يصدقون، أو على الصلاة، والزكاة وهم لا يأتونهما. وقال القشيري: أتحرضون الناس على البدار، وترضون بالتخلّف. وقال: أتدعون الخلق إلينا، وتقعدون عنا، ونحو ذلك.
والأمر (٢): القول لمن دونك افعل، والمراد بالناس سفلتهم. والبرّ: التوسع في الخير، من البرّ الذي هو الفضاء الواسع ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: (٣) تتركونها
стр. 530
من البر، كالمنسيّات، لأنّ أصل السهو، والنسيان الترك، إلا أن السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لم يعلمه. والنسيان لما عزب بعد حضوره، كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسرّ: آمنوا بمحمد، فإنه حقّ، وكانوا يقولون للأغنياء: نرى فيه بعض علامات نبي آخر الزمان دون بعض، فانتظروا، استيفاء لما ينالون منهم، ويؤخّرون أمور أنفسهم، فلا يتبعونه في الحال، مع عزيمتهم أن يتبعوه يوما، وكذا حال من تمادى في العصيان، وهو يقول: أتوب عند الكبر والشيب، وربّما يفجؤه الموت، فيبقى في حسرة الفوت ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾؛ أي: والحال أنكم تقرؤون التوراة الناطقة بنعوته ﷺ ، الآمرة بالإيمان به ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أتدومون على ذلك، فلا تفهمون أنه قبيح، فترجعون عنه؛ أي:
أليس لكم عقل تعرفون به، أنه قبيح منكم عدم إصلاح أنفسكم، والاشتغال بغيركم؟!.
والعقل في الأصل: المنع والإمساك، ومنه العقال الذي يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعيه لحبسه عن الحراك، سمي به النور الروحانيّ الذي به تدرك النفس العلوم الضروريّة، والنظرية؛ لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح، ويعقل على ما يحسن، ومحله الدماغ؛ لأنّ الدماغ محلّ الحسّ، وعند البعض محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة ومادّة الحواس، وعند البعض هو نور في بدن الآدمي والله أعلم. والأوّل أرجح، ثم هذا التوبيخ ليس على أمر الناس بالبر، بل لترك العمل به، فمدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة، وهي جملة تنسون أنفسكم، دون ما عطفت هي عليه، وهي أتأمرون الناس بالبر. ولا يستقيم قول: من لا يجوّز الأمر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية، بل يجب العمل به، ويجب الأمر به، وقد جاء في الخبر «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه»، وذلك؛ لأنه إذا أمر به مع أنه لا يعمل به، وفقد ترك واجبا، وإذا لم يأمر به، فقد ترك واجبين، فالأمر بالحسن حسن وإن لم يعمل به، ولكن قلّما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه. ومن أمر بخير، فليكن أشد الناس مسارعة إليه، ومن نهى عن شيء، فليكن أشدّ الناس انتهاء عنه.
وهذه الآية كما ترى، ناعية على من يعظ غيره، ولا يعظ نفسه سوء
стр. 531
صنيعه، وعدم تأثره، وإن فعله فعل الجاهل بالشّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل. والمراد (١) بها: حثّ الواعظ على تزكية النفس، والإقبال عليها بالتكميل؛ لتقوم بالحق، وتقيم غيرها، لا منع الفاسق من الوعظ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما، لا يوجب الإخلال بالآخر.
ويروى أنه كان عالم من العلماء، مؤثّر الكلام، قويّ التصرف في القلوب، وكان كثيرا ما يموت من أهل مجلسه واحد، أو اثنان من شدة تأثير وعظه. وكان في بلده عجوز لها ولد صالح، رقيق القلب، سريع الانفعال، وكانت تحترز عليه، وتمنعه من حضور مجلس الواعظ، فحضره يوما على حين غفلة منها، فوقع من أمر الله تعالى ما وقع، ثمّ إن العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت:
أتهدي الأنام ولا تهتدي ... ألا إن ذلك لا ينفع
فيا حجر السّنّ حتى متى ... تسنّ الحديد ولا تقطع
وأشدّ (٢) ما قرّع الله سبحانه في هذا الموضع، من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أوّلا أمرهم للناس بالبرّ، مع نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس؛ إيهاما للناس بأنهم مبلغون عن الله ما يتحمّلونه من حججه، ومبيّنون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه،
وهم أترك الناس لذلك، وأبعدهم من نفعه، وأزهدهم فيه.
وهذا الخطاب (٣) وإن كان موجها إلى اليهود، فهو عبرة لغيرهم، فلتنظر كل أمة أفرادا وجماعات في أحوالها، ثم لتحذر أن يكون حالها كحال أولئك القوم، فيكون حكمها عند الله حكمهم، فالجزاء إنما هو على أعمال القلوب والجوارح، لا على صنف خاص من الشعوب والأفراد.
٤٥ - وبعد أن بيّن سبحانه
стр. 532
سوء حالهم، وذكر أن العقل لم ينفعهم، والكتاب لم يذكّرهم، بيّن (١) لهم طريق التّغلّب على الأهواء والشهوات، والتخلّص من حب الرئاسة والوجاهات، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ يا بني إسرائيل! على ترك ما تحبون من الدنيا، وعلى الدخول في دين محمد ﷺ ، الذي كان أثقل ثقيل عليكم؛ أي: اطلبوا المعونة والمساعدة على ذلك ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ أي: بحبس النفس عن الشهوات، ومنعها عنها، وبتحمّل ما يشق عليها من التكاليف الشرعية، كالصوم ﴿وَ﴾ بأداء ﴿الصَّلاةِ﴾ المفروضة التي هي عماد الدين، وجامعة لأنواع العبادات، وناهية عن الفحشاء والمنكر، أو استعينوا (٢) على قضاء حوائجكم، بانتظار الظفر والفرج، توكّلا على الله تعالى، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات، لما فيه من كسر الشهوة، وتصفية النفس ﴿وَالصَّلاةِ﴾؛ أي الناهية عن الفحشاء والمنكر. وقدّم الصبر عليها؛ لأنه مقدّمة الصلاة، فإنّ من لا صبر له، لا يقدر على إمساك النفس عن الملاهي حتى يشتغل بالصلاة، فلا يمكن حصولها كاملة إلا به. اه. «كرخي»: أي: استعينوا بالتوسّل ... الخ؛ أي: بالتوسل بالصلاة، والإلتجاء إليها حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب، وجبر المصائب، كأنهم؛ أي: بني إسرائيل، لمّا أمروا بما شقّ عليهم، لما فيه من ترك الشهوة، وترك الرياسة، والإعراض عن المال، عولجوا بذلك.
وروى أحمد أنه ﷺ : كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وروي أن ابن عباس ﵄ نعي له بنت وهو في سفر، فاسترجع وقال: (عورة سترها، ومؤونة كفاها، وأجر ساقه الله، ثم تنحّى عن الطريق وصلّى، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾.
واعلم: أنّ الصبر (٣) الحقيقيّ إنما يكون، بتذكّر وعد الله بحسن الجزاء، لمن صبر عن الشهوات المحرمة التي تميل إليها النفس، وعمل أنواع الطاعات
стр. 533
التي تشق عليها، والتفكر في أن المصائب بقضاء الله وقدره، فيجب الخضوع له، والتسليم لأمره. والاستعانة به تكون باتباع الأوامر، واجتناب النواهي بقمع النفس عن شهواتها، وحرمانها لذاتها، وتكون بالصلاة؛ لما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر؛ ولما فيها من مراقبة الله تعالى في السر والنجوى، وناهيك بعبادة يناجي فيها العبد ربه في اليوم خمس مرات.
﴿وَإِنَّها﴾؛ أي: وإن الصلاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾؛ أي: لثقيلة شاقّة ﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾؛ أي: إلا على المتواضعين المستكينين إلى طاعة الله تعالى، الخائفين من سطوته، المصدّقين بوعده ووعيده. وقال ابن جرير: معنى الآية (١): واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين؛ أي: المتواضعين المستكينين لطاعة الله، المتذللين من مخافته. هكذا قال والظاهر (٢): أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، فإنها عامة لهم ولغيرهم. والله أعلم.
وفي «البحر»: أنّ الضمير في ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ عائدة على الصلاة، هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية، أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. وقيل: يعود على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ فيكون مثل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: العدل أقرب. وقيل: غير ذلك، وأظهرها ما بدأنا به أولا. انتهى.
والاستثناء في قوله (٣): ﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ مفرغ؛ لأن المعنى: وإنها لكبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين؛ أي: وإن الصلاة لشاقّة صعبة الاحتمال، إلا على المخبتين لله، الخائفين من شديد عقابه، وإنما (٤) لم تثقل على هؤلاء؛ لأنهم
стр. 534
مستغرقون في مناجاة ربهم، فلا يشعرون بشيء من المتاعب والمشاق. ومن ثم قال ﷺ «وجعلت قرة عيني في الصلاة»؛ لأنّ اشتغاله بها كان راحة له، وكان غيرها من أعمال الدنيا تعبا؛ ولأنهم مترقبون ما ادّخروا من الثواب، فتهون عليهم المشاق. ومن ثم قيل للربيع بن خثيم، وقد أطال صلاته: أتعبت نفسك، قال: راحتها أطلب. وقيل: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية.
٤٦ - ثمّ وصف الخاشعين بأوصاف تقربهم إلى ربهم، وتدعوهم للإخبات إليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ ويوقنون، ويعلمون، ويعتقدون اعتقادا جازما في كل لحظة ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾؛ أي: ملاقوا جزائه بالموت. والمفاعلة هنا، ليست على بابها، ولا أرى بأسا في حملها على معناها الأصليّ من دون تقدير مضاف؛ أي: أنهم معاينوه، وراؤوه، وهو كناية عن شهودهم مشهد العرض والسؤال يوم القيامة، وهو الوجه فيما يروى في الأخبار، نحو: لقي الله وهو عليه غضبان، وما يجري مجراه؛ أي: يعتقدون في كل لحظة اعتقادا جازما أنهم يبعثون، ويرون ربهم، ويحاسبون على أعمالهم ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى ربهم ﴿راجِعُونَ﴾ في الآخرة؛ أي: إلى جزائه إياهم، فيجازيهم بأعمالهم؛ أي: يصدّقون بالبعث، والحساب، والمجازاة، وأمّا الذين لا يوقنون بالجزاء، ولا يرجون الثواب، ولا يخافون العقاب، كانت عليهم مشقة خالصة، فتثقل عليهم، كالمنافقين، والمرائين. فالصبر على الأذى والطاعات، من باب جهاد النفس، وقمعها عن شهواتها، ومنعها من تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء، والصالحين. قال يحيى بن اليمان: الصبر: أنّ لا تتمنّى حالة سوى ما رزقك الله، والرضى بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك، وهو بمنزلة الرأس من الجسد. اه.
فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ مع قوله: ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ مع أن الأول يغني عن الثاني؟.
قلت: لا يغني عنه؛ لأنّ المراد بالأول: أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر
стр. 535
والصلاة وبالثاني: أنهم موقنون بالبعث وبحصول الثواب على ما ذكر.
والخلاصة (١): أي لا تثقل الصلاة على الخاشعين الذين يتوقعون لقاء ربهم يوم الحساب والجزاء، وأنهم راجعون إليه بعد البعث، فيجازيهم بما قدموا من صالح العمل. وعبر بالظن؛ للإشارة إلى أن من ظن اللقاء لا تشقّ عليه الصلاة، فما ظنك بمن يتيقنه، ومن ثم كان الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ، فكأنّ هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، لم يصل إيمانهم بكتابهم إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالأحوط في أعماله،
٤٧ - ثم ذكّرهم ، بنعمه، وآلائه العديدة مرة أخرى، فقال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: يا أولاد العبد الصالح! المطيع لربه، المسمى بإسرائيل؛ أي: بعبد الله ﴿اذْكُرُوا﴾؛ أي: اشكروا ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ بها ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أي (٢): على آبائكم بإنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام، وتفجير الماء من الحجر، وغيرها. وذكر النعم على الآباء، إلزام الشكر على الأبناء، فإنهم يشرفون بشرفهم، ولذلك خاطبهم، فقال: ﴿أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضلت آباءكم؛ لأن في فضل آبائهم فضلهم، وهذا تأكيد لما تقدّم، وتمهيد لما عطفه عليه من التذكير بالتفضيل، الذي هو من أجل النعم وَاذكروا ﴿أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾؛ أي: فضّلت آباءكم عَلَى ﴿الْعالَمِينَ﴾ من عطف الخاص على العام للتشريف؛ أي: فضلت آباءكم على عالمي زمانهم؛ بما منحتهم من العلم، والإيمان، والعمل الصالح، وجعلتهم أنبياء، وملوكا مقسطين، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى ﵇ وبعده، قبل أن يغيّروا، وهذا كما قال في مريم: ﴿وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾؛ أي: نساء زمانك، فإن خديجة، وعائشة، وفاطمة، أفضل منها، فلم يكن لهم فضل على أمة محمد ﷺ . قال تعالى في حقهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، كما في «التيسير». فالاستغراق في ﴿الْعالَمِينَ﴾ عرفيّ لا حقيقيّ والمعنى؛ أي (٣): وأعطيتكم الفضل والزيادة على
стр. 536
غيركم، بإرسال الرسل منكم، وإنزال الكتب عليكم؛ أي: على غيركم من الشعوب والأمم، حتى الأمم ذات الحضارة والمدنية، كالمصريين، وسكان الأراضي المقدّسة. وقد ناداهم باسم أبيهم؛ لأنه منشأ فخارهم، وأصل عزهم. وأسند النعمة والفضل إليهم جميعا؛ لشمولهما إياهم، والتفضيل إنما أتاهم؛ لتمسكهم بالفضائل، وتركهم للرذائل، إذ من يرى نفسه مفضلا شريفا يترفع عن الدنيا، وذكّرهم بهذا الفضل؛ لينبّههم إلى أن الذي فضّلهم على غيرهم، له أن يفضل عليهم غيرهم، كمحمد ﷺ ، وأمته، وإلى أنهم أجدر من جميع الشعوب، بالتأمل فيما أوتيه النبي ﷺ من الآيات، فإنّ المفضّل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل عليه، وهذا الفضل إن كان بكثرة الأنبياء، فلا مزاحم له فيه، ولا تقتضي هذه الفضيلة أن يكون كلّ فرد منهم، أفضل من كل فرد من غيرهم، ولا تمنع أن يفضلهم أخسّ الشعوب إذا انحرفوا عن جادّة الطريق، وتركوا سنة أنبيائهم واهتدى بهديها غيرهم، وإن كان بالقرب من الله باتباع شرائعه، فذلك إنما يتحقّق في أولئك الأنبياء والمهتدي من أهل زمانهم، ومن تبعهم بإحسان ما داموا على الاستقامة، وسلكوا الطريق الذي استحقوا به التفضيل.
قال القشيري (١): أشهد الله سبحانه بني إسرائيل فضل أنفسهم، فقال: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ وأشهد محمدا ﷺ فضل ربه، فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وشتان بين من مشهوده فضل نفسه، وبين من مشهوده فضل ربه، وشهوده فضل نفسه، قد يورث الإعجاب، وشهوده فضل ربه، يورث الإيجاب. ثم إن اليهود كانوا يقولون: نحن من أولاد إبراهيم خليل الرحمن، ومن أولاد إسحاق ذبيح الله، والله تعالى يقبل شفاعتهما،
٤٨ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩] فرد الله عليهم، فأنزل هذه الآية وقال: ﴿وَاتَّقُوا﴾؛ أي: واخشوا يا بني إسرائيل! وخافوا ﴿يَوْمًا﴾؛ أي: حساب يوم، أو عذاب يوم، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال، وهو يوم القيامة ﴿لا تَجْزِي﴾ فيه؛ أي: لا تغني ولا تدفع فيه، أو لا تقضي ولا تؤدّي فيه، والجملة صفة يوم، والرابط فيه محذوف، كما قدّرنا ﴿نَفْسٌ﴾ مؤمنة عَنْ ﴿نَفْسٍ﴾ كافرة ﴿شَيْئًا﴾ من
стр. 537
عذاب الله، أو شيئا مّا من الحقوق التي لزمت عليها. وإيراده منكرا مع تنكير النفس؛ للتعميم والإقناط الكليّ. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ﴾ وكيف تنفع وقد قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (٣٤) الآية.
وقرأ ابن السّماك العدويّ (١): ﴿لا تَجْزِي﴾ من أجزأ؛ أي: أغنى. وقيل: جزى، وأجزأ بمعنى واحد ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها﴾؛ أي: من النفس الأولى المؤمنة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿ولا تقبل﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وهو القياس، والأكثر؛ لأنّ الشفاعة مؤنثة. وقرأ الباقون بالياء التحتية، فهو أيضا جائز فصيح، لمجاز التأنيث، وحسنه أيضا الفصل بين الفعل ومرفوعه. وقرأ سفيان (٢): ﴿ولا يقبل﴾ بفتح الياء، ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفي ذلك التفات، وخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب؛ لأن قبله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ وبناؤه للمفعول أبلغ؛ لأنه في اللفظ أعمّ، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى؛ أي: ولا يقبل من النفس المؤمنة ﴿شَفاعَةٌ﴾ للنفس الثانية الكافرة، إن شفعت عند الله تعالى، لتخليصها من عذابه؛ أي: لا توجد منها شفاعة فتقبل، ولا يؤذن لها فيها، والشفاعة: طلب الخير من الغير للغير، فلا (٣) شفاعة في حق الكافر، بخلاف المؤمن. قال النبي ﷺ : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها» والآيات الواردة في نفي الشفاعة خاصّة بالكافر: وسبب الآية كما مرّ: أن اليهود كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء فآيسهم الله تعالى عن ذلك، لأن الأصول لا تنفع الفروع، إلا إذا كان مع الفروع إيمان ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها﴾؛ أي: من النفس الكافرة المشفوع لها، وهي الثانية العاصية ﴿عَدْلٌ﴾؛ أي: فداء من عذاب الله من مال، أو رجل مكانها، أو توبة تنجو بها من النار.
والعدل بالفتح مثل الشيء من خلاف جنسه، وبالكسر مثله من جنسه، وسمّي به
стр. 538
الفدية؛ لأنها تساويه، وتماثله، وتجري مجراه ﴿وَلا هُمْ﴾؛ أي: ولا أصحاب النفوس الكافرة ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: يمنعون من دخول عذاب الله تعالى، ومن أيدي المعذّبين، فلا نافع، ولا شافع، ولا دافع لهم، والضمير، لما دلّت عليه النفس الثانية المنكرة، الواقعة في سياق النّفي من النفوس الكثيرة، والتذكير، لكونها عبارة عن العباد والأناسي. والنصرة ههنا أخصّ من المعونة؛ لاختصاصها بدفع الضرر.
فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الشفاعة على العدل هنا؟ وعكسه فيما يأتي في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾.
قلت: للإشارة هنا إلى من ميله إلى حبّ نفسه، أشدّ منه إلى حب المال، وثم إلى من هو بعكس ذلك والمعنى؛ أي: ليس (١) لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله، ويدفعون عنهم عقابه يعني (٢): أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل، ولا فدية. بطلت هنالك المحابة، واضمحلت الرّشا، والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء، والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أضعافها. والخلاصة (٣): أن ذلك يوم تتقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة الحياة الدنيا، من دفع المكروه عن النفس بالفداء، أو بشفاعة الشافعين عند الأمراء، والسلاطين، أو بأنصار ينصرونها بالحق، والباطل على سواها، وتضمحل فيه جميع الوسائل، إلا ما كان من إخلاص في العمل، قبل حلول الأجل، ولا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله تعالى.
وقد كان اليهود كغيرهم من الأمم الوثنية، يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخليص المجرمين من العذاب، بفداء يدفع، أو
стр. 539
بشفاعة بعض المقربين إلى الحاكم، فيغيّر رأيه، وينقض ما عزم عليه، فجاء الإسلام ومحا هذه العقيدة؛ ليعلم المؤمنون أنه لا ينفع في ذلك اليوم، إلا مرضاة الله تعالى بالعمل الصالح، والإيمان الذي يبلغ قرارة النفس، ويتجلّى في أعمال الجوارح
٤٩ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ (١) وقرىء ﴿أنجيناكم﴾ والهمزة للتعدية إلى المفعول، كالتضعيف في نجيناكم، ونسبت هذه القراءة إلى النخعي، وذكر بعضهم أنه قرأ ﴿أنجيتكم﴾ فيكون الضمير فيه موافقا للضمير في نعمتي، ﴿وَإِذْ﴾ في موضع (٢) نصب عطفا على نعمتي، عطف مفصّل على مجمل، وكذلك الظروف الآتية في الكلام المتعلق ببني إسرائيل، وينقضي عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ والخطاب للموجودين في زمن النبي ﷺ ، تذكيرا لهم بما أنعم الله على آبائهم؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، والمعنى: ويا بني إسرائيل! اذكروا إذ نجينا آباءكم، وسلمناهم، وخلصناهم ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: من بطش فرعون وأتباعه، وأهل دينه؛ أي: (٣) واذكروا قصة وقت تنجيتنا آباءكم فإن تنجيتهم تنجية لكم، ومن عادة العرب يقولون: قتلناكم يوم عكاظ، أي: قتل آباؤنا آباءكم.
والنجو: المكان العالي من الأرض؛ لأنّ من صار إليه يخلص، ثم سمي كلّ فائز ناجيا؛ لخروجه من ضيق إلى سعة؛ أي: جعلنا آباءكم بمكان حريز، ورفعناكم من الأذى. وفرعون: لقب من ملك العمالقة، ككسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وخاقان لمن ملك الترك، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وتبّع لمن ملك اليمن، والعمالقة الجبابرة، وهم أولاد عمليق بن لاود بن إرم، بن سام، بن نوح ﵇ سكان الشام، منهم سمو الجبابرة. وملوك مصر، منهم سموا بالفراعنة، ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل، إذا عتا وتمرّد، فليس المراد الاستغراق، بل الذين كانوا بمصر. وفرعون موسى: هو الوليد بن مصعب بن الريان، وكان من القبط، وعمّر أكثر من أربعمائة سنة. وقيل: إنه كان عطارا
стр. 540
أصفهانيا، ركبته الديون فأفلس، فاضطر إلى الخروج فلحق بالشام، فلم يتيسّر له المقام، فدخل مصر، فرأى في ظاهرها حملا من البطيخ بدرهم، وفي سوقها بطيخة بدرهم، فقال في نفسه: إن تيسّر لي أداء الديون فهذا طريقه، فخرج إلى السواد فاشترى حملا بدرهم، فتوجه به إلى السوق، فكل من لقيه من المكاسين؛ أي: العشارين، أخذ بطيخة، فدخل البلد وما معه إلا بطيخة، فباعها بدرهم ومضى بوجهه، ورأى أهل البلد متروكين سدى، لا يتعاطى أحد سياستهم، وكان قد وقع بها وباء عظيم، فتوجه نحو المقابر، فرأى ميتا يدفن، فتعرض لأوليائه، فقال: أنا أمين المقابر، فلا أدعكم تدفنونه حتى تعطوني خمسة دراهم، فدفعوها إليه، ومضى لآخر وآخر، حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهر مالا عظيما، ولم يتعرّض له أحد قطّ، إلى أن تعرّض يوما لأولياء ميت، فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم، فأبوا ذلك، فقالوا: من نصبك هذا المنصب، فذهبوا به إلى فرعون؛ أي: إلى ملك المدينة، فقال: من أنت؟ ومن أقامك بهذا المقام؟ قال: لم يقمني أحد، وإنما فعلت ما فعلت؛ ليحضرني أحد إلى مجلسك، فأنبّهك على اختلال حال قومك، وقد جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال، فأحضره، ودفعه إلى فرعون، فقال: ولّني أمورك ترني أمينا كافيا، فولاه إياها، فسار بهم سيرة حسنة، فانتظمت مصالح العسكر، واستقامت أحوال الرعيّة، ولبث فيهم دهرا طويلا، وترامى أمره في العدل والصلاح، فلما مات فرعون أقاموه مقامه، فكان من أمره ما كان، وكان فرعون يوسف ﵇ ريّان، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة.
وقد روى المؤرخون: أنّ أول من دخل مصر من بني إسرائيل، يوسف ﵇، وانضم إليه إخوته بعد، وتكاثر نسلهم حتى بلغوا في مدى أربعمائة سنة، نحو: ستمائة ألف، حين خرجوا من مصر باضطهاد فرعون وقومه لهم إذ قد رأى تبسط اليهود في البلاد، ومزاحمتهم للمصريين، فراح يستن لهم، ويكلفهم شاقّ الأعمال في مختلف المهن، والصناعات، وهم مع ذلك يزدادون نسلا، ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم، لا يشركون المصريين. في شيء، ولا يندمجون في غمارهم إلى ما لهم من أنانية، وإباء، وترفع على
стр. 541
سواهم، اعتقادا منهم بأنهم شعب الله، وأفضل خلقه؛ فهال المصريين ما رأوا، وخافوا إذا هم كثروا أن يغلبوهم على بلادهم، ويستأثروا بخيراتها، وينتزعوها من بين أيديهم، وهم ذلك الشعب النشيط، المجدّ، العامل، المفكّر، فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم، واستحياء بناتهم، فأمر فرعون القوابل أن يقتلن كل ذكر إسرائيلي حين ولادته، فكان من أمرهم ما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ ...﴾ إلخ.
والعبرة من هذه القصص: أنه كما أنعم على اليهود، ثمّ اجترحوا الآثام، فعاقبهم بصنوف البلاء، ثم تاب عليهم وأنجاهم أنعم على الأمة الإسلامية بضروب من النعم، فقد كانوا أعداء، فألّف بين قلوبهم، وأصبحوا بنعمته إخوانا، وكانوا مستضعفين في الأرض، فمكّن لهم وأورثهم أرض الشعوب القوية، وجعل لهم فيها السلطان والقوة، وجعلهم أمة وسطا لا تفريط لديها ولا إفراط، ليكونوا شهداء على من فرّطوا، أو قصّروا.
ثم لما كفروا بهذه النعم (١)، أذاقهم الله تعالى ألوانا من العذاب على يد التّتار في بغداد، وفي الحروب الصليبية، إذ جاس الغربيون خلال الديار الإسلامية، ولا يزالون ينتقصون بلادهم من أطرافها، ويصبون عليهم العذاب، وهم لاهون ساهون، وكلما حلت كارثة، أو أصابتهم جائحة، أحالوا الأمر فيها على القضاء والقدر، دون أن يتعرّفوا أسبابها، ويبادروا إلى علاجها، ويكونوا يدا واحدة على رفع ما يحل بهم من النكبات، ويدهمهم من الويلات. وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حال من آل فرعون؛ أي: واذكروا قصة وقت تنجيتنا آباءكم من آل فرعون وقومه، حالة كونهم يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ وأشده، ويكلفونكم أشقّ الأشغال، وأتعبها، وأصعبها. وقيل: حال من ضمير المفعول في نجيناكم، والمعنى: نجيناكم مسومين منهم أقبح العذاب، كقولك: رأيت زيدا يضربه عمرو؛ أي: حال كونه مضروبا لعمرو. وذلك (٢) أنّ فرعون جعل بني إسرائيل
стр. 542
خدما وخولا، وصنفهم في الأعمال، فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل، وضع عليهم الجزية، وقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذو القوة ينحتون السواري من الجبال، ويحملونها حتى قرحت أعناقهم وأيديهم، ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون الحجارة والطين، يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن، ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون، وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة، ويؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته، غلت يمينه إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن. وقيل تفسير قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾؛ أي: يقتلّون أبناءكم الصغار بالذبح، فهو مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: ما حقيقة سوء العذاب الذي يذيقونهم، فأجيب بأنهم يذبحون أبناءهم؛ أي: يقتلونهم، والتشديد للتكثير، كما يقال: فتحت الأبواب، والمراد من الأبناء: هم الذكور خاصّة، بدليل المقابلة بما بعده، وأن الاسم يقع على الذكور والإناث في غير هذا الموضع، كالبنين في قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ فإنهم كانوا يذبحون الغلمان لا غير، وكذا أريد به الصغار دون الكبار؛ لأنهم كانوا يذبحون الصغار.
فإن قلت: ما الحكمة في ترك العاطف هنا في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾؟ وذكره في سورة إبراهيم؟.
قلت: لأن ما هنا من كلام الله تعالى فوقع تفسيرا لما قبله، وما هناك من كلام موسى، وكان مأمورا بتعداد المحن في قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ فعدد المحن عليهم، فناسب ذكر العاطف. انتهى من «فتح الرحمن».
وقرأ الجمهور ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (١) بالتشديد، وهو أولى؛ لظهور تكرار الفعل باعتبار متعلقاته. وقرأ الزهريّ، وابن محيصن ﴿يذبحون﴾ مخففا من ذبح المجرد؛ اكتفاء بمطلق الفعل، وللعلم بتكريره من متعلقاته. وقرأ عبد الله
стр. 543
يقتلون بالتشديد مكان يذبحون، والذبح: القتل، ويذبحون بدل من يسومونكم، بدل الفعل من الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثامًا يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
ويحتمل أن يكون ممّا حذف منه حرف العطف؛ لثبوته في (سورة إبراهيم) وقول من ذهب إلى أنّ الواو هناك زائدة لحذفها هنا ضعيف، ويجوز أن يكون يذبحون في موضع الحال من ضمير الرفع في يسومونكم، ويجوز أن يكون مستأنفا كما مرّ ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾؛ أي: يستبقون بناتكم ويتركونهن حيّات؛ استبقاء للخدمة، وذكر النساء، وإن كانوا يفعلون هذا بالصغائر؛ لأنه سماهن باسم المآل؛ لأنهم إذا استبقوهن صرن نساء بعد البلوغ؛ ولأنهم كانوا يستبقون البنات مع أمهاتهن، والاسم يقع على الكبيرات، والصغيرات عند الاختلاط.
وذلك (١) أنّ فرعون رأى في منامه، كأنّ نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحاطت بمصر، وأخرجت كل قبطيّ بها، ولم تتعرض لبني إسرائيل، فهاله ذلك، وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام، يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل، فقال لهن: لا يسقط على أيديكن غلام يولد في بني إسرائيل إلا قتل، ولا جارية إلا تركت، ووكل القوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى ﵇ اثنا عشر ألف صبيّ، وتسعون ألف وليد، وقد أعطى الله نفس موسى ﵇، من القوة على التصرف، ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء، ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة، ثم أسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون، وقال: إن الموت وقع في بني إسرائيل، فتذبح صغارهم، ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فولد هارون ﵇ في السنة التي لا
стр. 544
يذبح فيها، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها، فلم يردّ اجتهادهم من قضاء الله شيئا، وشمّر فرعون عن ساق الاجتهاد، وحسر عن ذراع العناد، فأراد أن يسبق القضاء ظهوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ إشارة (١) إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء ﴿بَلاءٌ﴾؛ أي: محنة وبليّة، وكون استحياء نسائهم؛ أي: استبقائهن على الحياة محنة، مع أنه عفو، وترك للعذاب، لما أن ذلك كان للاسترقاق والاستعمال في الأعمال الشاقّة، ولأنّ بقاء البنات مما يشق على الآباء، ولا سيما بعد ذبح البنين، لما فيه من انقطاع النسل، وفساد أمر معيشتهن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: من جهته تعالى، بتسليطهم عليكم ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة للبلاء، وتنكيرهما للتفخيم، والمعنى على هذا القول: وفي ذلكم المذكور من ذبح الأبناء واستبقاء البنات للخدمة، اختبار وامتحان شديد واقع عليكم من ربكم، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الإنجاء من فرعون، ومعنى البلاء حينئذ النعمة؛ لأنّ أصل البلاء الاختبار، والله تعالى يختبر عباده تارة بالمنافع ليشكروا فيكون ذلك الاختبار منحة؛ أي: عطاء ونعمة؛ وأخرى بالمضار ليصبروا فيكون محنة، فلفظ الاختبار يستعمل في الخير والشر. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ ومعنى من ربكم؛ أي ببعث موسى وبتوفيقه لتخليصكم منهم، والمعنى على هذا القول: وفي ذلكم المذكور من تنجيتكم من عذابهم، نعمة عظيمة واقعة لكم من ربكم. وحمل البلاء (٢) على النعمة أرجح؛ لأنها هي التي صدرت من الله تعالى؛ ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم. اه. «مراح».
وقال أبو حيان: (٣) هو أضعف من القول الذي قبله؛ لما فيه من إعادة اسم الإشارة إلى أبعد مذكور، وهو المصدر المفهوم من نجيناكم. والمتبادر إلى الذهن، والأقرب في الذكر، هو القول الأول. اه.
٥٠ - ﴿وَ﴾ اذكروا يا بني إسرائيل! أيضا ﴿إِذْ فَرَقْنا﴾ وفلقنا، وشققنا، وفصلنا ﴿بِكُمُ﴾؛ أي: بسبب إنجائكم، فالباء
стр. 545
للسببية وهو أولى؛ لأنّ الكلام مسوق لتعداد النعم والامتنان، وفي السببية دلالة على تعظيمهم، وهو أيضا من النعم. وقيل: الباء بمعنى اللام كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: لأن الله. ﴿الْبَحْرَ﴾؛ أي: فصلنا بعضه عن بعض لأجل أن يتيسر لكم سلوكه، وهو (١) بحر القلزم، بحر من بحار فارس، أو بحر من ورائهم يقال له: إساف، فجعلنا فيه اثني عشر ملكا، بعدد أسباط بني إسرائيل. والسبط: ولد الولد. والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب، وهم أولاد يعقوب، فخضتم فيها ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ من الغرق بإخراجكم إلى الساحل ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني: فرعون وقومه للعلم به بدخوله فيهم، وكونه أولى به منهم. والغرق: الرسوب في الشيء المائع، ورسب الشيء في الماء رسوبا؛ أي: سفل فيه. والإغراق: الإهلاك في الماء ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: الحال أنكم تنظرون، وتبصرون، وتشاهدون انفراق البحر حين سلكتم فيه، وانطباقه على آل فرعون بعد سلامتكم منه، وتنظرون إليهم أيضا غرقى موتى، وجثثهم التي رماها البحر إلى الساحل بعد ثلاثة أيام، وفرعون معهم طافين. وفي ذلك آية باهرة من آيات الله سبحانه، حيث أنجى أولياءه، وأهلك أعداءه في زمن يسير، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، كما في الصحيحين، وغيرهما، فصامه موسى شكرا.
قال القرطبي: أن الله تعالى لمّا أنجاهم وأغرق فرعون، قالوا: يا موسى! إنّ قلوبنا لا تطمئن أن فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه.
وروي (٢) أنه: لما دنا هلاك فرعون، أمر الله سبحانه موسى ﵇، أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا، فأمرهم أن يخرجوا، وأن يستعيروا الحلي من القبط، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه، وأن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، ومن خرج لطخ بابه بكف من دم؛ ليعلم أنه قد خرج، فخرجوا ليلا وهم ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل، لا يعدون فيهم ابن العشرين
لصغره، ولا ابن الستين لكبره، والقبط لا يعلمون، ووقع في القبط موت فجعلوا يدفنونهم، وشغلوا عن
стр. 546
طلبهم، فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك، فقالوا: إنّ يوسف لما حضره الموت، أخذ على إخوته عهدا، أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسد عليهم الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلمه أحد غير عجوز قالت: لو دللت على قبره، أتعطيني كلّ ما سألتك؟ فأبى عليها، وقال: حتى أسأل ربي، فأمره الله بإيتاء سؤلها، فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي، فاحملني، وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا، وأمّا في الآخرة، فأسألك أن لا تنزل في غرفة إلا نزلتها معك. قال: نعم. قالت: إنه في جوف الماء في النيل، فادع الله أن يحسر عنه الماء، فدعا الله أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع، واستخرجه في صندوق من صنوبر. قالوا: إنّ موسى استخرج تابوت يوسف من قعر النيل بالوفق، وهو أول علم أوجده الله سبحانه بنفسه، وعلمه آدم ﵇، فتوارثه الأنبياء آخرا عن أوّل. ثم إنه حمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا، فكان هارون أمام بني إسرائيل، وموسى على ساقتهم، فلمّا علم بذلك فرعون، جمع قومه فخرج في طلب بني إسرائيل، وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف جواد ذكر ليس فيها رمكة، على رأس كل واحد منهم بيضة، وفي يده حربة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر، والماء في غاية الزيادة، فأدركهم فرعون حين أشرقت الشمس، فقال فرعون في أصحاب موسى: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، فلما نظر أصحاب موسى إليهم، بقوا متحيّرين، فقالوا لموسى: إنا لمدركون يا موسى! أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا، اليوم نهلك، فإنّ البحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا يا موسى! كيف تصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ قال موسى: كلا إن معي ربي سيهدين، فأوحى الله سبحانه إلى موسى ﵇، أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فلم يطعه، فأوحي إليه أن كنّه، فضربه، وقال: انفلق يا أبا خالد! انفلق، فصار فيه اثنا عشر طريقا، كل طريق كالجبل العظيم، وكان لكل سبط طريق يأخذون فيه وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا، فخاضت بنو إسرائيل البحر، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: ما لنا لا نرى إخواننا؟
стр. 547
وقال كل سبط: قد قتل إخواننا. قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم، فقال موسى: اللهم! أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه، أن قل بعصاك هكذا وهكذا يمنة ويسرة، فصار فيها كوى ينظر بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، فساروا حتى خرجوا من البحر، فلما جاز أخر قوم موسى، هجم فرعون على البحر فرآه منفلقا. قال لقومه: انظروا إلى البحر، انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا، فهاب قومه أن يدخلوه، وقيل له: إن كنت ربّا فادخل البحر، كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم؛ أي: ذكر أسود من الخيل، ولم يكن في قوم فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل على أنثى وديق، وهي التي تشتهي الفحل، وتقدمه إلى البحر، فشمّ أدهم فرعون ريحها، فاقتحم خلفها البحر؛ أي: هجم على البحر بالدخول وهم لا يرونه، ولم يملك فرعون من أمره شيئا، وهو لا يرى فرس جبريل، وتبعته الخيول، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يعجّلهم، ويسوقهم حتى لا يشذّ رجل منهم، حتى خاضوا كلّهم البحر، ودخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، وهمّ أولهم بالخروج، فأمر الله البحر أن يأخذهم، فانطبق على فرعون وقومه، فأغرقوا، فنادى فرعون: لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين القصة، وقالت بنوا إسرائيل: الآن يدركنا فيقتلنا، فلفظ البحر ستمائة وعشرين ألفا عليهم الحديد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾، فلفظ فرعون وهو كأنه ثور أحمر، فلم يقبل البحر بعد ذلك غريقا إلا لفظه على وجه الماء.
واعلم (١) أنّ هذه الواقعة، كما أنها لموسى ﵇، معجزة عظيمة لأوائل بني إسرائيل، موجبة عليهم شكرها، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله ﷺ ، معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية، وتنقاد لها النفوس الغيبة، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالأذهان؛ لأنه ﷺ أخبرهم بذلك مع أنه كان أميّا لم يقرأ كتابا، وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب، فإخباره به دلّ على أنه أوحى إليه ذلك، وذلك علامة لنبوته، فما تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها،
стр. 548
حيث اتخذوا العجل إلها بعد الإنجاء، ثمّ صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم. فهذه معاملتهم مع ربهم، وسيرتهم في دينهم، وسوء أخلاقهم، ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها، حيث بدلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم، واشتروا به عرضا، وكفروا بنبوة محمد ﷺ ، إلى غير ذلك. فيا لها من عصابة ما أعصاها، وطائفة ما أطغاها.
وفي الآية تهديد للكافرين، وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا، وينتهوا عن المعاصي في جميع الأوقات، خصوصا في الزمان الذي أنجى الله فيه موسى مع بني إسرائيل من الغرق، وهو اليوم العاشر من المحرم.
وفي سفر الخروج من التوراة (١): أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر أربعمائة وثلاثين سنة من عهد يوسف ﵇، ثم اتّبعهم فرعون وجنوده، فغشيهم من اليمّ ما غشيهم، وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وقد كان فرق البحر من معجزات موسى ﵇، كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم.
وزعم بعض الناس: أنّ عبور بني إسرائيل البحر، كان وقت الجزر وفي بحر القلزم - البحر الأحمر - رقارق يتيسّر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا، وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض، قد جعلوا الماء الرقارق فرقتين عظيمتين ممتدّين، كالطود العظيم، يرشد إلى ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ ولم يقل فرقنا لكم وقوله: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ تشبيه معروف معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢)﴾ ألا ترى أنّ الأمواج والسفن الجواري لا تكون كشواهق الجبال، لكنه يراد بمثل هذا التعبير زيادة البيان، وإرادة التأثير في نفس السامع (٢)، ولما اتبعهم فرعون وجنوده، ورآهم قد عبروا البحر، مشى إثرهم، وكان المدّ قد بدأ، ولم يتم خروج بني
стр. 549
إسرائيل إلا وقد علا المد وطغى، حتى أغرق المصريّين جميعا، وتحقّقت نعمة الله على بني إسرائيل، وتمّ لهم التوفيق، ولعدوّهم الخذلان. ونعم الله بغير طريق المعجزات، أتمّ وأكثر، فليس بلازم أن نجعل الامتنان في كونه معجزة لموسى ﵇. انتهى.
ومثل هذا التأويل، ليس بضائر إذا كان أربابه يثبتون صدور خوارق العادات على يد الأنبياء تأييدا من الله لهم، أما إذا أنكروها فلا حاجة إلى الكلام معهم، إذ لا بدّ أن نثبت لهم قدرة الله وإرادته، ثم نثبت لهم إمكان الوحي، وإرسال الرسل، وتأييدهم بالمعجزات.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَإِذْ فَرَقْنا﴾ بالتخفيف. وقرأ الزهري ﴿فَرَّقنا﴾ بالتشديد ويفيد التكثير؛ لأنّ المسالك كانت اثنتي عشرة مسلكا على عدد أسباط بني إسرائيل، ومن قرأ ﴿فَرَقْنا﴾ مجردا اكتفى بالمطلق، وفهم التكثير من تعداد الأسباط
٥١ - ﴿وَ﴾ اذكروا يا بني إسرائيل! ﴿إِذْ واعَدْنا﴾؛ أي: قصة وعدنا ﴿مُوسى﴾ ابن عمران ﵇، وقت انقضاء أربعين ليلة لإيتاء التوراة، فصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي المجرد، فيكون صدور الوعد من واحد، وهو الله ، أو على أصلها، فإنّ الوعد وإن كان من الله، فقبوله كان من موسى، وقبول الوعد شبه الوعد، أو أنّ الله تعالى وعده بالوحي، وهو وعده المجيء للميقات إلى الطور (٢). قرأ الجمهور ﴿وعدنا﴾ بالألف، وهي قراءة مجاهد، والأعرج، وابن كثير، ونافع، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وقرأ أبو عمرو ﴿ووعدنا﴾ بغير ألف هنا، وفي (الأعراف) و (طه) وقد رجح أبو عبيد، قراءة من قرأ ﴿وعدنا﴾ بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ ﴿واعَدْنا﴾ بالألف، ووافقه على معنى ما قال: أبو حاتم، ومكيّ، وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر. وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه،
стр. 550
وقد مرّ تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأنّ كلا منهما متواتر، فهما في الصحة على حد سواء.
وقوله ﴿مُوسى﴾ مفعول أوّل لواعدنا. (مو) (١) بالعبرانية الماء. و (شى) بمعنى الشجر، فقلبت الشين المعجمة سينا في العربية، وإنّما سمّي به؛ لأنّ أمّه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون، وألقته في البحر، فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت فأخذنه، فسمّي ﵇، باسم المكان الذي أصيب به، وهو الماء والشجر. ونسبه: هو موسى بن عمران، بن يصهر بن قاهث بن لاوى، بن يعقوب إسرائيل، بن إسحاق، بن إبراهيم خليل الرحمن، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: واعدناه تمام أربعين ليلة لإيتاء التوراة، وهو مفعول ثاني لواعدنا، ولكنه على حذف مضاف كما قدرنا أمره الله سبحانه بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة، ثم زاد عليه عشرا من ذي الحجة. قاله أبو العالية، وأكثر المفسرين.
وقيل ذو الحجة، وعشر من المحرم، وعبّر (٢) عنها بالليالي؛ لأنها غرر الشهور، وشهور العرب وضعت على سير القمر، ولذلك وقع بها التاريخ. فالليالي أولى الشّهور، والأيّام تبع لها، أو لأنّ الظّلمة أقدم من الضوء، بدليل ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾، أو دلالة على مواصلته الصوم ليلا ونهارا؛ لأنّه لو كان التفسير باليوم، أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلمّا نصّ على الليالي، اقتضت قوّة الكلام أنّه واصل أربعين ليلة بأيامها. وهذه المواعدة للتكليم، أو لإنزال التوراة. قال المهدويّ: وكان ذلك بعد أن جاوز البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل، وصعد الجبل، وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فقعدوا فيما ذكره المفسرون عشرين يوما وعشرة ليال، فقالوا:
стр. 551
قد أخلفنا، كما سيأتي بسطه في الأعراف.
وقرأ عليّ (١)، وعيسى بن عمر، بكسر باء ﴿أربعين﴾ شاذا؛ اتباعا لكسرة العين؛ أي: جعلنا انقضاء أربعين وتمامها، ميعادا لتكليمه، وإعطاء الكتاب له، لتعملوا به لمّا عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، والمعنى: واذكروا إذ واعدنا موسى إعطاء الكتاب المسمى بالتوراة، بعد ما تم له أربعون ليلة في الرياضة؛ لأنّ بعد تمام الخدمة من العبد، تكون العطايا من الرب : ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ وجعلتم ﴿الْعِجْلَ﴾ الذي صاغه السامريّ من الحلي الذي استعاروه من القبط، بسبب العرس المسمّى بالبهموت إلها ومعبودا لكم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد ذهاب موسى إلى محل المناجاة ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم ظالمون أنفسكم، وضارّون لها بعبادة العجل، أو واضعون العبادة في غير موضعها؛ أي: بوضع عبادة الله تعالى في غير موضعها بعبادة العجل، والجملة حال من ضمير اتخذتم، وهذا تنبيه على أن كفرهم بمحمد ﷺ ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل زمن موسى.
وأتى بثم في قوله (٢): ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ولد البقرة الذكر؛ لأنه تعالى، لمّا وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه، وفضيلة بني إسرائيل، ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علوّ درجتهم، وتعريفا للغائبين، وتكملة للدين، كان ذلك من أعظم النعم، فلما أتوا عقب ذلك بأقبح أنواع الكفر والجهل، كان ذلك في محل التعجب، فهو كمن يقول: إنّني أحسنت إليك، وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والأذى
٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾؛ أي: محونا عنكم جريمتكم التي هي عبادة العجل حين تبتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾؛ أي: من بعد الاتخاذ الذي هو متناه في القبح، فلم نعاجلكم بالإهلاك، بل أمهلناكم إلى مجيء موسى، فنبهكم وأخبركم بكفارة ذنوبكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي
стр. 552
تشكروا نعمة عفوي، وتستمروا بعد ذلك على طاعتي، فإنّ الإنعام يوجب الشكر.
وأصل الشكر: تصوّر النعمة وإظهارها، وحقيقته العجز عن الشكر، والمعنى؛ أي: ثم محونا تلك الجريمة بقبول التوبة، ولم نعاجلكم، بل أمهلناكم حتى جاءكم موسى، وأخبركم بكفارة ذنوبكم؛ ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر على النعم. قاله الجمهور وفي «البحر» ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي (١): تثنون عليه تعالى بإسدائه نعمه إليكم، وتظهرون النعمة بالثناء. وقالوا: الشكر باللسان؛ وهو الحديث بنعمة المنعم والثناء عليه بذلك، وبالقلب؛ وهو اعتقاد حق المنعم على المنعم عليه وبالعمل، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ وبالله؛ أي: شكر الله بالله؛ لأنّه لا يشكره حق شكره إلا هو. وقال بعضهم:
وشكر ذوي الإحسان بالقول تارة ... وبالقلب أخرى ثمّ بالعمل الأسنى
وشكري لربّي لا بقلبي وطاعتي ... ولا بلساني بل به شكره عنّا
٥٣ - ﴿وَ﴾ اذكروا يا بني إسرائيل! ﴿إِذْ آتَيْنا﴾؛ أي: قصة إذ أعطينا ﴿مُوسَى﴾ بن عمران رسولكم ﴿الْكِتابَ﴾؛ أي: التوراة ﴿وَالْفُرْقانَ﴾؛ أي: الحكم الفارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وهو من عطف الصفة على الموصوف، لغرض التفسير والبيان لماهية الموصوف؛ أي: قصة إذ أعطينا له التوراة الجامعة بين كونها كتابا، وحجة تفرق الحق والباطل، كقولك: لقيت الغيث الليث، تريد الشخص الجامع بين الجود والجراءة، فالمراد (٢) بالفرقان والكتاب واحد، فكأنه قيل: إذ آتينا له الكتاب الفارق بين الحق والباطل. وقيل: الكتاب التوراة، والفرقان الآيات والمعجزات التي أعطاه الله تعالى، من العصا، واليد، وغيرهما، وهذا أولى وأرجح، ويكون العطف على بابه، والمعنى: وإذ آتينا موسى التوراة والآيات التي أرسلناه بها معجزة له ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي تهتدوا بذلك الكتاب من الضلال إلى الحق، وبالعمل به إلى دار الثواب.
стр. 553
وهذا بيان الحكمة دون العلة؛ أي: الحكمة في إنزاله: أن يتدبّروا فيه، فيعلموا أن الله تعالى لم يفعل ذلك إلا للدلالة على صحة نبوته، فيجتهدوا بذلك في اتّباع الرشد، وإذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد؛ لأنه قد أتى من المعجزات بما يدلكم إذا تدبّرتم فيه على صحة دعواه النبوّة.
والمعنى (١): واذكروا نعمة إيتاء التوراة والآيات التي أيّدنا بها موسى، لتهتدوا بالتدبر فيها، والعمل بما تحويه من الشرائع، ليعدّكم للاسترشاد بها، حتى لا تقعوا في وثنيّة أخرى، وأن من كمال الاستعداد لفهم الكتاب، أن تعرفوا أنّ ما جاء به محمد ﷺ دليل على صحة نبوته، فتؤمنوا به، وتهتدوا بهديه، وتتبعوا سبيل الرشاد الذي سلكه.
واعلم: أنه روي (٢): أن بني إسرائيل، لمّا أمنوا من عدوهم بإغراق الله آل فرعون، ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله سبحانه موسى أن ينزل عليه التوراة، فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي، آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون، وما تذرون، ووعدهم أربعين ليلة، واستخلف عليهم أخاه هارون، فلما أتى الوعد جاءه جبريل على فرس، يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئا إلا حيي؛ ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامريّ، وكان رجلا صائغا من أهل باجرمي، واسمه ميحا، ورأى مواضع الفرس تخضرّ من ذلك، وكان منافقا، أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبريل على ذلك، قال: إنّ لهذا شأنا، وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل.
وقيل: إنه عرف جبريل، لأنّ أمه حين خافت عليه أن يذبح سنة ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل، خلفته في غابة، وكان جبريل يأتيه فيغذيه بأصابعه، فكان السامريّ يمصّ من إبهام يمينه عسلا، ومن إبهام شماله سمنا، فلمّا رآه حين عبر البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه، فلم تزل القبضة في يده حتى انطلق موسى إلى
стр. 554
الطور، وكأن السامريّ سمعهم حين خرجوا من البحر، وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ووقع في نفسه أن يفتنهم من هذا الوجه وكان بنو إسرائيل، استعاروا حليّا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر، بعلّة عرس لهم، فأهلك الله تعالى فرعون، وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلمّا ذهب موسى إلى المناجاة، عدّ بنو إسرائيل اليوم مع الليلة يومين، فلمّا مضى عشرون يوما، قالوا: قد تم أربعين ولم يرجع موسى إلينا فخالفنا، فقال السامريّ: هاتوا الحلي التي استعرتموها، أو أنّ موسى أمرهم أن يلقوها في حفرة، حتى يرجع ويفعل ما يرى فيها، فلما اجتمعت الحليّ صاغها السامريّ عجلا في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب سنبك فرس جبريل، فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، فصار جسدا له خوار؛ أي: صوت كصوت العجل، وله لحم، ودم، وشعر.
وقيل: دخل الريح في جوفه من خلفه وخرج من فيه، كهيئة الخوار، فقال للقوم:
هذا إلهكم وإله موسى، فنسي؛ أي: أخطأ موسى الطريق وربّه هنا، وهو ذهب يطلبه، فأقبلوا كلهم على عبادة العجل إلا هارون، مع اثني عشر ألفا اتبعوا هارون، ولم يتبعه غيرهم، وهارون قد نصحهم، ونهاهم، وقال: يا قوم! إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة، ثمّ زيدت العشر، وكانت فتنتهم في تلك العشر، فلمّا مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، وظنّوا أنه قد مات، ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، عكفوا على العجل يعبدونه.
قال أبو اللّيث في «تفسيره»: وهذا الطريق أصحّ، فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك، ألقى الألواح، فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون، وأحرق العجل وذرّاه في البحر، فشربوا من مائه حبّا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة، وورمت بطونهم، فتابوا، ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، وهذه حالهم. وأمّا هذه الأمة فلا يحتاجون إلى قتل النفس للتوبة في مثل هذه الصورة.
стр. 555
الإعراب
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾.
﴿يا بَنِي﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿بَنِي﴾ منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وقد تغير بناء مفرده، كما سيأتي في مبحث التصريف ﴿بَنِي﴾ مضاف ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ﴿نعمة﴾ مضاف، و (الياء) ضمير المتكلم في محل الجر مضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لنعمتي ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنعمتها ﴿وَأَوْفُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على اذكروا ﴿بِعَهْدِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأوفوا ﴿أُوفِ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنا يعود على الله، والجملة الفعلية جملة طلبية لا محل لها من الإعراب ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأوف ﴿وَإِيَّايَ﴾ الواو عاطفة ﴿إِيَّايَ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب مفعول به لفعل محذوف وجوبا يفسره المذكور بعده، تقديره:
وارهبوا إياي ﴿فَارْهَبُونِ﴾ ارهبوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة اذكروا ﴿فَارْهَبُونِ﴾ الفاء واقعة في جواب الأمر المحذوف، تقديره: تنبهوا. فارهبون نظير قولهم: زيدا فاضرب؛ أي: تنبه فاضرب زيدا، ثم حذف تنبه، فصار فاضرب زيدا، ثم قدم المفعول إصلاحا للفظ؛ لئلا تقع الفاء صدرا؛ وإنما دخلت الفاء لربط هاتين الجملتين؛ أو زائدة لتحسين اللفظ، وكذا يقال في قوله الآتي: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ارهبون فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة،
стр. 556
اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به مبنية على السكون، والجملة الطلبية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿وَآمِنُوا﴾ الواو عاطفة ﴿آمِنُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة اذكروا ﴿بِما﴾ الباء حرف جر ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الجر بالباء، والجار والمجرور متعلق بآمنوا ﴿أَنْزَلْتُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: بما أنزلته ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ما الموصولة، أو الضمير المحذوف لِما جار ومجرور متعلق بمصدقا ﴿مَعَكُمْ﴾ مع منصوب على الظرفية المكانية، والكاف مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة لما، أو صفة لها ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه، مجزوم بلا الناهية ﴿أَوَّلَ﴾ خبرها منصوب ﴿كافِرٍ﴾ مضاف إليه ﴿بِهِ﴾ متعلق بكافر، وجملة تكونوا معطوفة على جملة آمنوا ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَشْتَرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية معطوف على جملة آمنوا ﴿بِآياتِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتشتروا ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به لتشتروا ﴿قَلِيلًا﴾ صفة له ﴿وَإِيَّايَ﴾ الواو عاطفة ﴿إِيَّايَ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب بفعل محذوف وجوبا، تقديره: واتقوا إياي ﴿فَاتَّقُونِ﴾ والجملة المحذوفة معطوفة على جملة آمنوا ﴿فَاتَّقُونِ﴾ الفاء رابطة لجواب الأمر، أو زائدة، كما مرت الإشارة إليه (اتقوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَلْبِسُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به ﴿بِالْباطِلِ﴾ جار ومجرور متعلق بتلبسوا، والجملة معطوفة على
стр. 557
جملة آمنوا ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية عطفا على تلبسوا، داخلة تحت حكم النهي، ولك أن تجعل، الواو للمعية، و ﴿تَكْتُمُوا﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية، الواقعة في جواب النهي، والتقدير: لا يكن منكم لبس الحق بالباطل، وكتمانكم الحق ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل تكتموا، تقديره: ولا تكتموا الحق حالة كونكم عالمين حقيته. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فعل أمر وفاعل ومفعول به معطوف على آمنوا ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على آمنوا ﴿وَارْكَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على آمنوا ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق باركعوا.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، المضمن للتوبيخ والتعجب من هؤلاء اليهود؛ لأنه ليس هناك أقبح في العقول، من أن يأمر الإنسان غيره بخير، وهو لا يأتيه تأمرون فعل وفاعل مرفوع بثبات النون ﴿النَّاسَ﴾ مفعول به ﴿بِالْبِرِّ﴾ متعلق به، والجملة جملة طلبية لا محل لها من الإعراب ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ الواو عاطفة ﴿تَنْسَوْنَ﴾ فعل وفاعل معطوف على تأمرون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل تنسون، تقديره: وتنسون أنفسكم حالة كونكم تالين الكتاب ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، تقديره: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، والجملة المحذوفة مستأنفة، والفاء عاطفة و ﴿لا﴾ نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على الجملة المحذوفة. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ الواو استئنافية ﴿اسْتَعِينُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِالصَّبْرِ﴾ متعلق باستعينوا ﴿وَالصَّلاةِ﴾ معطوف على الصبر ﴿وَإِنَّها﴾ الواو حالية، على ما قيل، أو استئنافية ﴿إِنَّها﴾ ناصب واسمه ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ اللام حرف ابتداء (كبيرة) خبر إن ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، وشرطه أن يسبق بنفي، فيؤول الكلام هنا بالنفي، تقديره: وإنها لا تخف
стр. 558
ولا تسهل إلا على الخاشعين. والخشوع: حضور القلب، وسكون الجوارح ﴿عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بكبيرة، وجملة إن في محل النصب حال من الصلاة، أو مستأنفة وهو الأصح.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر صفة للخاشعين ﴿يَظُنُّونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿مُلاقُوا﴾ خبره مرفوع بالواو ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، وجملة أن من اسمها وخبرها، في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن، تقديره: الذين يظنون لقاء ربهم بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق براجعون و ﴿راجِعُونَ﴾ خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول من أن الأولى، تقديره: ويظنون رجوعهم إلى ربهم للمجازاة. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول للمفردة المؤنثة في محل النصب صفة لنعمتي ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنعمتها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بأنعمت ﴿وَأَنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، تقديره: وأني مفضلكم على العالمين، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على نعمتي على كونه مفعولا به لاذكروا، تقديره: اذكروا نعمتي عليكم، وتفضيلي إياكم على العالمين.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ الواو عاطفة ﴿اتَّقُوا﴾ فعل، وفاعل مبني على حذف النون، معطوف على اذكروا ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجْزِي﴾ فعل مضارع ﴿نَفْسٌ﴾ فاعل ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بتجزي ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النّصب صفة ليوما، ولكنها صفة سببية، والرابط محذوف،
تقديره: فيه ﴿وَلا﴾
стр. 559
الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿يُقْبَلُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِنْها﴾ متعلق بيقبل ﴿شَفاعَةٌ﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة لا تجزي على كونها صفة سببية ليوما، والرابط محذوف أيضا، تقديره: فيه ﴿وَلا يُؤْخَذُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿مِنْها﴾ متعلق بيؤخذ ﴿عَدْلٌ﴾ نائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة لا تجزي على كونها صفة ليوما، والرابط محذوف أيضا، تقديره: ولا يؤخذ منها فيه عدل ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة لا نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿يُنْصَرُونَ﴾ فعل ونائب فاعل مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة لا تجزى على كونها صفة سببية ليوما، والرابط محذوف أيضا، تقديره: ولا هم ينصرون فيه.
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على كونها مفعولا به لاذكروا مبنية على السكون ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي، وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتي إياكم ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بنجيناكم و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ مفعول ثاني ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من آل فرعون، والرابط واو الفاعل، تقديره: حالة كونهم سائمين إياكم سوء العذاب، ويحتمل أن تكون مستأنفة ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب بدل من جملة يسومونكم، بدل تفصيل من مجمل على كونها حالا من آل فرعون، تقديره: حالة كونهم مذبحين أبنائكم، أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على يذبحون ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الواو اعتراضية، أو استئنافية ﴿فِي ذلِكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿بَلاءٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أولى لبلاء
стр. 560
﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ثانية لبلاء، والتقدير: وبلاء عظيم واقع من ربكم، كائن في ذلكم العذاب، أو في ذلكم الإنجاء، والجملة الإسمية معترضة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على كونها مفعولا به لاذكروا مبني على السكون؛ لشبهها بالحرف شبها افتقاريا ﴿فَرَقْنا﴾ فعل، وفاعل ﴿بِكُمُ﴾ متعلق بفرقنا على كونه مفعولا ثانيا له ﴿الْبَحْرَ﴾ مفعول أول له، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، والتقدير: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي عليكم، وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتي إياكم من آل فرعون، ووقت فرقي بكم البحر ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿أنجيناكم﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة فرقنا بكم البحر، على كونها مضافا إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت فرقي بكم البحر، فإنجائي إياكم من الغرق ﴿وَأَغْرَقْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على أنجيناكم، تقديره: وإغراقنا آل فرعون و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من آل فرعون، تقديره: حالة كونكم ناظرين إليهم وقت إغراقهم. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة إِذْ ظرف لما مضى في محل النصب، معطوف على نعمتي ﴿واعَدْنا مُوسى﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ مفعول ثان منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون حرف زائد؛ لشبه الجمع ﴿لَيْلَةً﴾ تمييز ذات لأربعين منصوب به، والتقدير: واذكروا وقت مواعدتنا موسى أربعين ليلة ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ فعل وفاعل، وهو من أخوات ظن ينصب مفعولين ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إلها ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باتخذتم، والجملة الفعلية في محل الجر، معطوفة على جملة واعدنا على كونها مضاف إليه لإذ ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل
стр. 561
النصب حال من فاعل اتخذ، تقديره: حالة كونكم ظالمين أنفسكم بعبادته.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿عَفَوْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بعفونا ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بعفونا أيضا، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة اتخذتم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل، والكاف في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، تقديره: لعلكم شاكرون نعمتنا عليكم، وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب حال من ضمير عنكم. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا ﴿آتَيْنا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا يتعدى إلى مفعولين مُوسَى مفعول أول ﴿الْكِتابَ﴾ مفعول ثان ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ معطوف على الكتاب عطف صفة على موصوف، كما مر بسط الكلام فيه في مبحث التفسير، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت إيتائنا موسى الكتاب والفرقان ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ في محل الرفع خبره، وجملة لعلّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وبني منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب بعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا بفعله المسند إليه تاء التأنيث، فقالوا: قالت بنو فلان: وهل لامه ياء؟ لأنه مشتق من البناء؛ لأن الابن فرع الأب ومبنيّ عليه، أو واو لقولهم: البنوة كالأبوة. والأخوة قولان: الصحيح الأول، وأما البنوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا الفتوّة، ولا خلاف في أنها من ذوات الياء إلا الأخفش. رجح الثاني، بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه، فقيل: هو فعل بفتح العين. وقيل: هو بسكونها، وهو أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها، وعوّض من لامها همزة الوصل، وجمع ابن جمع
стр. 562
تكسير، فقالوا: أبناء، وجمع سلامة، فقالوا: بنون وهو جمع شاذّ، إذ لم يسلم فيه بناء الواحد، فلم يقولوا: إبنون ﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وهو مركب تركيب الإضافة، مثل: عبد الله، فإن إسر بالعبرانية هو العبد، وإيل هو الله. وقيل: إسرا مشتق من الأسر وهو القوة، فكأن معناه الذي قواه الله.
وقيل: لأنه أسرى بالليل مهاجرا إلى الله تعالى. وقيل: لأنه أسر جنيّا كان يطفىء سراج بيت المقدس، فعلى هذا بعض اسم يكون عربيا، وبعضه عجميا، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها، لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور ﴿إِسْرائِيلَ﴾ بوزن إسرافيل.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الذّكر والذّكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد، يكونان باللّسان وبالجنان. وقال الكسائي: هو بالكسر للّسان، وبالضم للقلب، فضدّ المكسور الصمت، وضد المضموم النسيان، وبالجملة فالذكر الذي محله القلب ضد النسيان، والذي محلّه اللسان ضد الصمت، سواء قيل: إنها بمعنى واحد، أم لا (والنعمة) اسم لما ينعم به، وهي شبيهة بفعل بمعنى مفعول، نحو: ذبح، ورعي، والمراد بها الجمع؛ لأنها اسم جنس. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يقال: أوفى ووفّى ووفى مشددا، ومخففا، ثلاث لغات بمعنى واحد. وقيل: يقال: وفيت ووفّيت بالعهد، وأوفيت بالكيل لا غير، والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا، والمراد منه الموثق، والوصيّة، وأصل أوفوا أوفيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الفاء؛ لمناسبة الواو، فصار وزنه أفعوا. وقوله: ﴿أُوفِ﴾ وزنه أفع؛ لمناسبة حذف لام الكلمة، بسبب جزم الفعل الواقع جوابا للطلب ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وزن أوّل أفعل، فاء الكلمة وعينها معتلّان، كلاهما واو، ولم يتصرف من هذا اللفظ فعل، فأصل الكلمة على هذا وول، هذا مذهب سيبويه. وقال غيره: أصله أو أل من وأل إذا نجا، أو طلب النجاة، أبدلت الهمزة الثانية واوا للتخفيف، ثم أدغمت فيها الواو الأولى، فقيل: أوّل. وقيل: إنه من آل، فهو أأول، وقع فيه قلب مكانيّ، بجعل العين مكان الفاء، والفاء مكان العين، فصار وزنه أعفل؛ أي: أو أل، ثم خفف بإبدال الهمزة الثانية واوا، وإدغام الواو الأولى فيها. انظر «الأشموني».
стр. 563
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ أصله تشتريوا من اشترى، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء؛ لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وضمت الراء؛ لمناسبة الواو ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ وفي «المصباح» لبس الثوب من باب تعب لبسا بضم اللام، واللّبس بالكسر، واللباس ما يلبس، ولبست عليه الأمر لبسا، من باب ضرب خلطته. وفي التنزيل ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ والتشديد مبالغة. وفي الأمر لبس بالضم، ولبسة أيضا؛ أي: إشكال، والتبس الأمر أشكل، ولا بسته بمعنى خالطته. اه.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أصله: أقوموا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى فاء الكلمة الساكن، فسكنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء حرف مد ﴿الصَّلاةَ﴾ الألف فيه منقلبة عن واو، فأصله: صلوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ والألف فيه أيضا منقلبة عن واو؛ لأنه من زكا يزكو، كنما ينمو وزنا ومعنى، فأصله: زكوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ الأمر طلب إيجاد الفعل، ويطلق على الشأن، والفعل منه أمر يأمر على وزن فعل يفعل، من باب نصر، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، فتقول: مر زيدا، وإتمامه قليل أؤمر زيدا، فإن تقدم الأمر واو، أو فاء، فإثبات الهمزة أجود، وهو مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر. ويجوز حذف ذلك الحرف، وهو من أفعال محصورة يحذف من ثاني مفعوليها حرف الجر جوازا تحفظ، ولا يقاس عليها. ذكره في «البحر» ﴿بِالْبِرِّ﴾ والبر الصلة، وأيضا الطاعة. قال الراجز:
لا همّ ربّ إنّ بكرا دونكا ... يبرّك النّاس ويفجرونكا
والبرّ: الفؤاد، وولد الثعلب والهرّ. وبرّ والده: أجلّه وأعظمه. يبرّه على وزن فعل يفعل، ورجل بارّ، وبرّ، وبرّت يمينه، وبرّ حجّه، جمع أنواعا من الخير. اه. من «البحر». وفي «البيضاوي» البرّ: بالكسر التوسع في الخير، مأخوذ من البرّ، وهو الفضاء الواسع. والبرّ بالضم: القمح، والواحدة برّة.
والبرّ بالكسر ثلاثة أقسام: برّ في عبادة الله، وبرّ في مراعاة الأقارب، وبرّ
стр. 564
في معاملة الأجانب. وفي «السمين» والبرّ سعة الخير من الصلة، والطاعة. والفعل منه برّ يبرّ، كعلم يعلم. والبر بالفتح: الإجلال والتعظيم، ومنه ولد برّ بوالديه؛ أي: يعظّمهما، والله تعالى برّ لسعة خيره على خلقه. اه.
﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ والنسيان ضد الذكر. وهو: السهو الحادث بعد حصول العلم. ويطلق أيضا على الترك، وضدّه الفعل. والفعل نسي ينسى على وزن فعل يفعل، وأصله: تنسيون بوزن تفعلون، تحركت الياء بعد فتح، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دالّة عليها ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ﴾ من تلا يتلو واويّ اللام، أسند الفعل إلى واو الجماعة، وحذفت حركة الواو لام الفعل؛ للتخفيف، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى لام الكلمة، وأبقيت واو الجماعة للغرض الذي جيء بها له، فصار وزنه تفعون بعد أن كان تفعلون والتلاوة القراءة، وسميت بها؛ لأن الآيات، أو الكلمات، أو الحروف يتلو بعضها بعضا في الذكر، والتلو التبع، وناقة متل يتبعها ولدها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ العقل: الإدراك المانع من الخطأ، ومنه عقال البعير يمنعه من التحرك، والمعقل:
مكان يمتنع فيه، والعقل الدية؛ لأن جنسها إبل تعقل في فناء الولي، أو لأنها تمنع من قتل الجاني، والعقل ثوب موشّى قال الشاعر:
عقلا ورقما تظلّ الطّير تتبعه ... كأنّه من دم الأجواف مدموم
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ أصله: استعونوا بوزن استفعلوا، نقلت حركة الواو إلى العين فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد. والصبر: حبس النفس على المكروه، كالاجتهاد في العبادة، وكظم الغيظ، والحلم، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن المعاصي. وبما تقرر علم أن الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الشدة والمصيبة. وصبر على الطاعة، وهو أشدّ من الأول، وأجره أكثر منه وصبر عن المعصية، وهو أشدّ من الأول والثاني، وأجره أكثر منهما. اه. «كرخي» والفعل منه صبر يصبر، من باب نصر. وأصله: أن يتعدّى لواحد. وقد كثر حذف مفعوله حتى صار كأنه غير متعد.
﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾؛ أي: إلا على المتصفين بالخشوع والخوف من الله
стр. 565
سبحانه، والخشوع بالجوارح، والخضوع بالقلب، أو الخشوع بالبصر، والخضوع بسائر الأعضاء ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾؛ أي: يوقنون؛ لأن الظنّ هنا بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠)﴾ فاستعمل الظن استعمال اليقين مجازا، كما استعمل العلم استعمال الظن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾. اه. «كرخي». وأصل يظنون: يظننون بوزن يفعلون، نقلت حركة النون الأولى إلى الظاء، فضمت، وأدغمت النون في النون ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ أصله ملاقيوا بضم الياء، استثقلت الحركة على الياء فحذفت فسكنت، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة فحذفت، ثم ضمت القاف؛ لمناسبة الواو، وهذا بعد حذف نون الرفع للإضافة، والملاقاة: مفاعلة تكون من الجانبين؛ لأنّ من لاقاك فقد لاقيته.
قال المهدويّ، والمارودي، وغيرهما: الملاقاة هنا وإن كانت صيغتها تقتضي التشريك، فهي من الواحد، كقولهم: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله. وقد اختلف المفسرون في معنى ملاقاة ربهم: فحمله بعضهم على ظاهره من غير حذف ولا كناية، بأن اللقاء هو رؤية الله تعالى، وإلى اعتقادها ذهب أكثر المسلمون. وقيل: ذلك على حذف مضاف؛ أي: جزاء ربهم؛ لأن الملاقاة بالذوات مستحيلة في غير الرؤية. وقيل: ذلك كناية عن انقضاء أجلهم، كما يقال لمن مات: لقي الله، ومنه قول الشاعر:
غدا نلقى الأحبه ... محمدا وصحبه
وكنى بالملاقاة عن الموت؛ لأن ملاقاة الله متسبب عن الموت. اه. من «البحر» بتصرف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ والفضل: الزيادة واستعماله في الخير، وفعله فعل يفعل من باب نصر، وأصله: أن يتعدى بحرف الجر وهو على، ثم يحذف على، على حدّ قول الشاعر، وقد جمع بين الوجهين:
وجدنا نهشلا فضلت فقيماه ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
﴿يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ الجزاء القضاء عن المفضّل والمكافأة. قال الراجز:
يجزيه ربّ العرش عنيّ إذ جزى ... جنات عدن في العلاليّ العلا
والإجزاء الإغناء ﴿لا يُقْبَلُ﴾ وقبول الشيء التوجه إليه، والفعل قبل يقبل