← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

النصب حال من فاعل اتخذ، تقديره: حالة كونكم ظالمين أنفسكم بعبادته. ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿عَفَوْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بعفونا ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بعفونا أيضا، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة اتخذتم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل، والكاف في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، تقديره: لعلكم شاكرون نعمتنا عليكم، وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب حال من ضمير عنكم. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا ﴿آتَيْنا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا يتعدى إلى مفعولين مُوسَى مفعول أول ﴿الْكِتابَ﴾ مفعول ثان ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ معطوف على الكتاب عطف صفة على موصوف، كما مر بسط الكلام فيه في مبحث التفسير، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت إيتائنا موسى الكتاب والفرقان ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ في محل الرفع خبره، وجملة لعلّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب. التصريف ومفردات اللغة ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وبني منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب بعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا بفعله المسند إليه تاء التأنيث، فقالوا: قالت بنو فلان: وهل لامه ياء؟ لأنه مشتق من البناء؛ لأن الابن فرع الأب ومبنيّ عليه، أو واو لقولهم: البنوة كالأبوة. والأخوة قولان: الصحيح الأول، وأما البنوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا الفتوّة، ولا خلاف في أنها من ذوات الياء إلا الأخفش. رجح الثاني، بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه، فقيل: هو فعل بفتح العين. وقيل: هو بسكونها، وهو أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها، وعوّض من لامها همزة الوصل، وجمع ابن جمع

стр. 562

تكسير، فقالوا: أبناء، وجمع سلامة، فقالوا: بنون وهو جمع شاذّ، إذ لم يسلم فيه بناء الواحد، فلم يقولوا: إبنون ﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وهو مركب تركيب الإضافة، مثل: عبد الله، فإن إسر بالعبرانية هو العبد، وإيل هو الله. وقيل: إسرا مشتق من الأسر وهو القوة، فكأن معناه الذي قواه الله. وقيل: لأنه أسرى بالليل مهاجرا إلى الله تعالى. وقيل: لأنه أسر جنيّا كان يطفىء سراج بيت المقدس، فعلى هذا بعض اسم يكون عربيا، وبعضه عجميا، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها، لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور ﴿إِسْرائِيلَ﴾ بوزن إسرافيل. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الذّكر والذّكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد، يكونان باللّسان وبالجنان. وقال الكسائي: هو بالكسر للّسان، وبالضم للقلب، فضدّ المكسور الصمت، وضد المضموم النسيان، وبالجملة فالذكر الذي محله القلب ضد النسيان، والذي محلّه اللسان ضد الصمت، سواء قيل: إنها بمعنى واحد، أم لا (والنعمة) اسم لما ينعم به، وهي شبيهة بفعل بمعنى مفعول، نحو: ذبح، ورعي، والمراد بها الجمع؛ لأنها اسم جنس. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يقال: أوفى ووفّى ووفى مشددا، ومخففا، ثلاث لغات بمعنى واحد. وقيل: يقال: وفيت ووفّيت بالعهد، وأوفيت بالكيل لا غير، والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا، والمراد منه الموثق، والوصيّة، وأصل أوفوا أوفيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الفاء؛ لمناسبة الواو، فصار وزنه أفعوا. وقوله: ﴿أُوفِ﴾ وزنه أفع؛ لمناسبة حذف لام الكلمة، بسبب جزم الفعل الواقع جوابا للطلب ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وزن أوّل أفعل، فاء الكلمة وعينها معتلّان، كلاهما واو، ولم يتصرف من هذا اللفظ فعل، فأصل الكلمة على هذا وول، هذا مذهب سيبويه. وقال غيره: أصله أو أل من وأل إذا نجا، أو طلب النجاة، أبدلت الهمزة الثانية واوا للتخفيف، ثم أدغمت فيها الواو الأولى، فقيل: أوّل. وقيل: إنه من آل، فهو أأول، وقع فيه قلب مكانيّ، بجعل العين مكان الفاء، والفاء مكان العين، فصار وزنه أعفل؛ أي: أو أل، ثم خفف بإبدال الهمزة الثانية واوا، وإدغام الواو الأولى فيها. انظر «الأشموني».

стр. 563

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ أصله تشتريوا من اشترى، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء؛ لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وضمت الراء؛ لمناسبة الواو ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ وفي «المصباح» لبس الثوب من باب تعب لبسا بضم اللام، واللّبس بالكسر، واللباس ما يلبس، ولبست عليه الأمر لبسا، من باب ضرب خلطته. وفي التنزيل ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ والتشديد مبالغة. وفي الأمر لبس بالضم، ولبسة أيضا؛ أي: إشكال، والتبس الأمر أشكل، ولا بسته بمعنى خالطته. اه. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أصله: أقوموا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى فاء الكلمة الساكن، فسكنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء حرف مد ﴿الصَّلاةَ﴾ الألف فيه منقلبة عن واو، فأصله: صلوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ والألف فيه أيضا منقلبة عن واو؛ لأنه من زكا يزكو، كنما ينمو وزنا ومعنى، فأصله: زكوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ الأمر طلب إيجاد الفعل، ويطلق على الشأن، والفعل منه أمر يأمر على وزن فعل يفعل، من باب نصر، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، فتقول: مر زيدا، وإتمامه قليل أؤمر زيدا، فإن تقدم الأمر واو، أو فاء، فإثبات الهمزة أجود، وهو مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر. ويجوز حذف ذلك الحرف، وهو من أفعال محصورة يحذف من ثاني مفعوليها حرف الجر جوازا تحفظ، ولا يقاس عليها. ذكره في «البحر» ﴿بِالْبِرِّ﴾ والبر الصلة، وأيضا الطاعة. قال الراجز: لا همّ ربّ إنّ بكرا دونكا ... يبرّك النّاس ويفجرونكا والبرّ: الفؤاد، وولد الثعلب والهرّ. وبرّ والده: أجلّه وأعظمه. يبرّه على وزن فعل يفعل، ورجل بارّ، وبرّ، وبرّت يمينه، وبرّ حجّه، جمع أنواعا من الخير. اه. من «البحر». وفي «البيضاوي» البرّ: بالكسر التوسع في الخير، مأخوذ من البرّ، وهو الفضاء الواسع. والبرّ بالضم: القمح، والواحدة برّة. والبرّ بالكسر ثلاثة أقسام: برّ في عبادة الله، وبرّ في مراعاة الأقارب، وبرّ

стр. 564

في معاملة الأجانب. وفي «السمين» والبرّ سعة الخير من الصلة، والطاعة. والفعل منه برّ يبرّ، كعلم يعلم. والبر بالفتح: الإجلال والتعظيم، ومنه ولد برّ بوالديه؛ أي: يعظّمهما، والله تعالى برّ لسعة خيره على خلقه. اه. ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ والنسيان ضد الذكر. وهو: السهو الحادث بعد حصول العلم. ويطلق أيضا على الترك، وضدّه الفعل. والفعل نسي ينسى على وزن فعل يفعل، وأصله: تنسيون بوزن تفعلون، تحركت الياء بعد فتح، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دالّة عليها ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ﴾ من تلا يتلو واويّ اللام، أسند الفعل إلى واو الجماعة، وحذفت حركة الواو لام الفعل؛ للتخفيف، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى لام الكلمة، وأبقيت واو الجماعة للغرض الذي جيء بها له، فصار وزنه تفعون بعد أن كان تفعلون والتلاوة القراءة، وسميت بها؛ لأن الآيات، أو الكلمات، أو الحروف يتلو بعضها بعضا في الذكر، والتلو التبع، وناقة متل يتبعها ولدها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ العقل: الإدراك المانع من الخطأ، ومنه عقال البعير يمنعه من التحرك، والمعقل: مكان يمتنع فيه، والعقل الدية؛ لأن جنسها إبل تعقل في فناء الولي، أو لأنها تمنع من قتل الجاني، والعقل ثوب موشّى قال الشاعر: عقلا ورقما تظلّ الطّير تتبعه ... كأنّه من دم الأجواف مدموم ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ أصله: استعونوا بوزن استفعلوا، نقلت حركة الواو إلى العين فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد. والصبر: حبس النفس على المكروه، كالاجتهاد في العبادة، وكظم الغيظ، والحلم، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن المعاصي. وبما تقرر علم أن الصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الشدة والمصيبة. وصبر على الطاعة، وهو أشدّ من الأول، وأجره أكثر منه وصبر عن المعصية، وهو أشدّ من الأول والثاني، وأجره أكثر منهما. اه. «كرخي» والفعل منه صبر يصبر، من باب نصر. وأصله: أن يتعدّى لواحد. وقد كثر حذف مفعوله حتى صار كأنه غير متعد. ﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾؛ أي: إلا على المتصفين بالخشوع والخوف من الله

стр. 565

سبحانه، والخشوع بالجوارح، والخضوع بالقلب، أو الخشوع بالبصر، والخضوع بسائر الأعضاء ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾؛ أي: يوقنون؛ لأن الظنّ هنا بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠)﴾ فاستعمل الظن استعمال اليقين مجازا، كما استعمل العلم استعمال الظن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾. اه. «كرخي». وأصل يظنون: يظننون بوزن يفعلون، نقلت حركة النون الأولى إلى الظاء، فضمت، وأدغمت النون في النون ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ أصله ملاقيوا بضم الياء، استثقلت الحركة على الياء فحذفت فسكنت، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة فحذفت، ثم ضمت القاف؛ لمناسبة الواو، وهذا بعد حذف نون الرفع للإضافة، والملاقاة: مفاعلة تكون من الجانبين؛ لأنّ من لاقاك فقد لاقيته. قال المهدويّ، والمارودي، وغيرهما: الملاقاة هنا وإن كانت صيغتها تقتضي التشريك، فهي من الواحد، كقولهم: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله. وقد اختلف المفسرون في معنى ملاقاة ربهم: فحمله بعضهم على ظاهره من غير حذف ولا كناية، بأن اللقاء هو رؤية الله تعالى، وإلى اعتقادها ذهب أكثر المسلمون. وقيل: ذلك على حذف مضاف؛ أي: جزاء ربهم؛ لأن الملاقاة بالذوات مستحيلة في غير الرؤية. وقيل: ذلك كناية عن انقضاء أجلهم، كما يقال لمن مات: لقي الله، ومنه قول الشاعر: غدا نلقى الأحبه ... محمدا وصحبه وكنى بالملاقاة عن الموت؛ لأن ملاقاة الله متسبب عن الموت. اه. من «البحر» بتصرف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ والفضل: الزيادة واستعماله في الخير، وفعله فعل يفعل من باب نصر، وأصله: أن يتعدى بحرف الجر وهو على، ثم يحذف على، على حدّ قول الشاعر، وقد جمع بين الوجهين: وجدنا نهشلا فضلت فقيماه ... كفضل ابن المخاض على الفصيل ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ الجزاء القضاء عن المفضّل والمكافأة. قال الراجز: يجزيه ربّ العرش عنيّ إذ جزى ... جنات عدن في العلاليّ العلا والإجزاء الإغناء ﴿لا يُقْبَلُ﴾ وقبول الشيء التوجه إليه، والفعل قبل يقبل

стр. 566

من باب فتح، والقبل ما واجهك ﴿شَفاعَةٌ﴾ والشفاعة. ضمّ غيره إلى وسيلته. من الشفع ضد الوتر؛ لأن الشفيع ينضمّ إلى الطالب في تحصيل ما يطلب، فيصير معه شفعا بعد أن كان وترا ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ﴾ والأخذ ضد الترك، والأخذ: القبض والإمساك، ومنه قيل للأسير: أخيذ، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، وقلّ الإتمام. والعدل: الفداء. وأصل العدل بالفتح: ما يساوي الشيء قيمة وقدرا، وإن لم يكن من جنسه، وبالكسر المساوي في الجنس، والحجم. والعدل بالفتح: المقبول القول من الناس ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ والنّصر العطاء والانتصار: الانتقام. والنصرة أخصّ من المعونة؛ لأنها مختصة بدفع الضرر ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ والنجاة: التنجية من الهلكة بعد الوقوع فيها. والأصل: الإلقاء بنجوة. والنجو: المكان العالي من الأرض؛ لأنّ من صار إليه يخلص وينجو، ثم سمّي كلّ فائز ناجيا؛ لخروجه من الضيق إلى السعة ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلف في أصل آل، فقيل: أصله أهل بوزن فعل، أبدلت الهاء همزة؛ ليتوصل إلى إبدالها ألفا، ثم أبدلت ألفا، فقيل: آل، لأنها صارت همزة ساكنة بعد أخرى مفتوحة، وعلى هذا الأكثر. وقيل: أصله أول بوزن فعل بالتحريك، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وهو من آل يئول بمعنى رجع؛ لأنه يرجع إليك في قرابة، أو رأي، أو مذهب، وهذا مذهب الكسائي، وإلى ما ذكر أشار الشاطبيّ في «حرز الأماني» بقوله: فإبداله من همزة هاء اصلها ... وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا ومراده ببعض الناس الكسائيّ: وقد خصوا آلا بالإضافة إلى العلم ذي الخطر ممن يعلم غالبا، فلا يقال: آل الإسكاف والحجّام. قال الشاعر: نحن آل الله في بلدتنا ... لم نزل إلّا على عهد إرم قال الأخفش: لا يضاف آل. إلّا إلى الرئيس الأعظم، نحو: آل محمد ﷺ ، وآل فرعون؛ لأنّه رئيسهم في الضلالة. قيل: وفيه نظر، لأنه قد سمع عن أهل اللغة في البلدان، فقالوا: آل المدينة، وآل البصرة. وقال الكسائي: لا يجوز أن يقال: فلان من آل البصرة، ولا من آل الكوفة، بل يقال: من أهل البصرة، ومن

стр. 567

أهل الكوفة. انتهى قوله. وقد سمع إضافته إلى اسم الجنس، وإلى الضمير. قال الشاعر: وانصرّ على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك وقال هدبة: أنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقة آلكا وجمع بالواو والنون رفعا، وبالياء والنون جرا ونصبا، كما جمع أهل، فقالوا: آلون. والآل: السراب يجمع على أفعال. قالوا: أأوال. والآل: عمود الخيمة. والآل: الشخص، والآلة الحالة الشديدة. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ من سامه إذا كلّفه العمل الشاقّ. قال الشاعر: إذا ما الملك سام النّاس خسفا ... أبينا أن نقرّ الخسف فينا وقيل: معناه: يعلّمونكم من السيماء وهي العلامة، ومنه تسويم الخيل. وقيل: يطالبونكم من مساومة البيع. وقيل: يرسلون عليكم من إرسال الإبل للرعي. وقال أبو عبيدة: يولونكم. يقال: سامه خطّة خسف؛ أي: أولاه إياها، وأصله يسومونكم بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى السين، فسكّنت إثر ضمة، فصارت حرف مد ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ السّوء: اسم مصدر من أساء الرباعيّ، ومصدر لساء الثلاثي. يقال: ساء يسوء وهو متعدّ، وأساء الرجل؛ أي: صار ذا سوء. قال الشاعر: لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا ومعنى ساءه: أحزنه وهذا أصله. ثمّ يستعمل في كل ما يستقبح، ويقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما. وسوء العذاب: أشدّه وأفظعه ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ والذبح أصله الشقّ. قال الشاعر: كأنّ بين فكّها والفكّ ... فأرة مسك ذبحت في سكّ والذّبحة: داء في الحلق يقال منه: ذبحه يذبحه ذبحا، والذبح المذبوح

стр. 568

﴿أَبْناءَكُمْ﴾ الهمزة فيه مبدلة من واو؛ لتطرفها فيها إثر ألف زائدة ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ والاستحياء هنا: الإبقاء حيّا. واستفعل فيه بمعنى أفعل. استحياه وأحياه بمعنى واحد. وقد تقدم الكلام على استحيا من الحياء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ وأصل يستحيون يستحييون بوزن يستفعلون، عينه ولامه حرفا علة، استثقلت الضمة على الياء التي هي لام الفعل، فحذفت، فسكنت، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة، فحذفت الياء لام الفعل؛ لالتقاء الساكنين، وضمت الياء؛ لمناسبة الواو، فصار وزنه يستفعون ﴿نِساءَكُمْ﴾ والنساء: اسم يقع على الصغار والكبار، وهو جمع تكسير لنسوة، ونسوة على وزن فعلة، وهو جمع قلة خلافا لابن السراج، إذا زعم أنّ فعلة اسم جمع لا جمع تكسير، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه، والواحدة امرأة ﴿بَلاءٌ﴾ والبلاء الاختبار والامتحان، وهو تارة يكون بما يسر؛ ليشكر العبد ربه، وتارة بما يضر؛ ليصبر، وتارة بهما؛ ليرغب ويرهب. يقال: بلاه يبلوه بلاء، إذا اختبر، ثم صار يطلق على المكروه والشدة. يقال: أصاب فلانا بلاء؛ أي: شدّة، وهو راجع لمعنى البلى، كأنّ المبتلى يؤول حاله إلى البلى وهو الهلاك والفناء، ويقال: أبلاه بالنعمة، وبلاه بالشدة. وقد يدخل أحدهما على الآخر، فيقال: بلاه بالخير، وأبلاه بالشر. قال الشاعر: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو فاستعملهما بمعنى واحد، ويبنى منه افتعل، فيقال: ابتلى، وأصل بلاء بلاو، فالهمزة فيه مبدلة من واو، لأنّ الواو إذا وقعت متطرّفة بعد ألف زائدة، قلبت، وكذلك الياء، كما تقدم في سماء، وبناء ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ افتعل من الأخذ. يقال: تخذ بكسر الخاء، يتخذ بفتحها في المضارع، كعلم يعلم من الأخذ، فهي بمعنى أخذ، أدغمت إحدى التاءين في الأخرى، كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. وعليه تكون اتخذ أصلها إئتخذ، أبدلت الهمزة الساكنة ياء، حرف مد للهمزة المتحركة بالكسر قبلها، ثم أبدلت الياء تاء وأدغمت في التاء الثانية، ولما كثر استعمال هذا اللفظ من أخذ بصيغة الافتعال، توهموا أصالة التاء، فبنوا منه فعل يفعل. هذا ما ذهب إليه صاحب «القاموس»،

стр. 569

والجوهري في «صحاحه»، ولم يذكر الجوهري مادّة تخذ، خلافا لصاحب «القاموس»، فإنه ذكر المادتين أخذ، وتخذ، إلا أنه جعل الثانية من الأولى. وقال ابن الأثير: إنه ليس من الأخذ في شيء، وأشار بذلك إلى أنّ تخذ مادة مستقلة، وقال: إن الافتعال من الأخذ إئتخذ؛ لأنّ فاءه همزة، والهمزة لا تدغم، وغلّط الجوهريّ. وقول الجوهري أظهر. والله أعلم. ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، بني على سكون آخره، فوزنه فعلنا لا فعونا ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ آتينا أصله أأتى بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الثانية حرف مد مجانسا لحركة الأولى، وسكن آخره حين أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أصله تهتديون بوزن تفتعلون، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الدال؛ لمناسبة الواو ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ في «القاموس» البحر: الماء الكثير، أو الملح، والجمع بحور، وبحار، وأبحر. انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإضافة للتعظيم في قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ فإن فيها إشارة إلى عظم قدرها، وسعة برها، وحسن موقعها؛ لأن الإضافة إلى العظيم والشريف تفيد التعظيم والتشريف، كما في قولهم: ﴿بيت الله﴾، وقوله: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾. ومنها: فن التعطّف في قوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ومعناه: إعادة اللفظة بعينها في الجملة من الكلام، ويسميه بعضهم فن المشاركة. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾؛ لأنه على حذف موصوف؛ أي: أوّل فريق كافر به. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾؛ لأن الاشتراء مستعار للاستبدال بجامع الأخذ في كل، كما تقدم في قوله: ﴿أُولئِكَ

стр. 570

الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾. ومنها: تكرار الحق في قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾؛ لزيادة تقبيح المنهي عنه، إذ في الإظهار ما ليس في الإضمار من التأكيد، ويسمى هذا أيضا بالإطناب. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فهو من باب تسمية الكل باسم الجزء لعلاقة الجزئية؛ أي: صلّوا مع المصلين. ومنها: التقديم في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾؛ لإفادة الحصر. ومنها: حذف ياء المفعول فيهما؛ لرعاية رؤوس الفواصل. ومنها: الاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾. ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ مع أنّ الأمر واقع منهم؛ لإفادة التجدد والاستمرار. ومنها: التعبير عن تركهم البر بالنسيان في قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لإفادة المبالغة في تركهم، فكأنّ البر لا يخطر ببالهم، ولا يخالج نفوسهم، ولا يدور في خلدهم. ومنها: إفراد الإيمان بالقرآن في قوله: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ بالأمر به مع اندراجه في العهد المذكور قبله، لما أنه العمدة القصوى في شأن الوفاء بالعهد. ومنها: تقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم في قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإنّ إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدّقه قطعا، ومنه التكرار في قوله: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾؛ توطئة لما بعده. ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾؛ لبيان الكمال والتشريف؛ لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، فعطف التفضيل عليها من عطف الخاص على العام؛ لبيان فضلهم وشرفهم على غيرهم من أهل

стр. 571

زمانهم. ومنها: ذكر المحل وإرادة الحال في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: عذاب يوم. ومنها: تنكير شيئا مع تنكير نفس في قوله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ لإفادة التعميم والإقناط الكليّ. ومنها: الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ مع أنّ الجمل التي قبلها فعلية، للمبالغة، والدلالة على الثبات والديمومية؛ أي: إنهم غير منصورين دائما، ولا عبرة بما يصادفونه من نجاح مؤقت. ومنها: الاستعارة التصريحيّة التبعيّة في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ أي: يذيقونكم، فإنه استعارة من السوم في البيع. ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف في قوله: ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي: العذاب السيىء الفظيع. ومنها: تفسير العذاب السيىء بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾؛ لأنّ التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَسْتَحْيُونَ﴾؛ لأنه مجاز عن الاستبقاء للخدمة. ومنها: التنكير في كلّ من ﴿بَلاءٌ﴾، و ﴿عَظِيمٌ﴾ للتفخيم والتهويل. ومنها: التشديد في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾؛ لإفادة التكثير. يقال: فتّحت الأبواب. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. فائدة: قال عليّ كرم الله وجهه: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتّك، وجاهل متنسّك، ومن دعا غيره إلى الهدى ولم يعمل به، كان كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه). قال الشاعر:

стр. 572

ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ... بالرّأي منك وينفع التّعليم وقال أبو العتاهية: وصفت التّقى حتّى كأنّك ذو تقى ... وريح الخطايا من ثيابك تسطع وقال آخر: وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى ... طبيب يداوي النّاس وهو عليل والله أعلم * * *

стр. 573

قال الله سبحانه جل وعلا: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في الآيات السالفة أنواعا من النعم التي آتاها بني إسرائيل، كلّها مصدر فخار لهم، ولها تهتزّ أعطافهم خيلاء وكبرا؛ لما فيها من الشهادة بعناية الله بهم ... بيّن هنا كبرى سيئاتهم التي بها كفروا أنعم ربهم، وهي: اتخاذهم العجل إلها، ثم ختمها بذكر العفو عنهم، ثم قفّى ذلك بذكر سيئة أخرى لهم ابتدعوها تعنتا، وتجبّرا، وطغيانا، وهي طلبهم من موسى أن يريهم الله سبحانه عيانا حتى يؤمنوا به، فأخذتهم الصّاعقة وهم يرون ذلك رأى العين. ثم أردف ذلك ذكر نعمتين أخريين كفروا بهما. أولاهما: تظليل الغمام لهم في التيه إلى أن دخلوا الأرض المقدسة. وثانيتهما: إنزال المن والسلوى عليهم مدة أربعين سنة. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ...﴾ الآيتين، ذكر سبحانه في هاتين الآيتين بعض ما اجترحوه من السيئات، فقد أمرهم أن يدخلوا قرية من القرى

стр. 574

خاشعين لله، فعصى بعضهم، وخالف أمر ربه، فأنزل عليهم عذابا من السماء جزاء ما ارتكبوه من المعاصي، واقترفوه من الآثام. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله ؛ ذكر فيها نعمة أخرى آتاها بني إسرائيل فكفروا بها. ذلك أنهم حين خرجوا من مصر إلى التيه، أصابهم ظمأ من لفح الشمس، فاستغاثوا بموسى، فدعا ربه أن يسقيهم، فأجاب دعوته. وقد كان من دأب بني إسرائيل، أن يعودوا باللّوم على موسى إذا أصابهم الضيق، ويمنّون عليه بالخروج معه من مصر، ويصارحونه بالندم على ما فعلوا. فقد روي أنهم قالوا: من لنا بحر الشمس، فظلل عليهم الغمام. وقالوا: من لنا بالطعام، فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى. فقالوا: من لنا بالماء، فأمر موسى بضرب الحجر. التفسير وأوجه القراءة ٥٤ - ثمّ بين سبحانه كيفية وقوع العفو المذكور بقوله: ﴿وَ﴾ اذكروا أيضا يا بني إسرائيل! وهذا هو الإنعام الخامس ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى﴾؛ أي: قصة وقت قوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ الذين عبدوا العجل، بعد ما رجع من الميعاد الذي وعده ربّه، فرآهم عبدوا العجل ﴿يا قَوْمِ﴾؛ أي: يا قومي! والإضافة فيه للشفقة ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾ وأضررتم ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بتفويتها الثواب الواجب لها، بالإقامة على عهد موسى ﴿بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: بسبب اتخاذكم العجل معبودا لكم، فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا ﴿فـ﴾ قال ﴿توبوا﴾ قلبا وقالبا؛ أي: فاعزموا على التوبة، والفاء للسببية، لأنّ الظلم سبب للتوبة ﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾؛ أي: إلى خالقكم الذي خلقكم بريئا من العيوب، والنقصان، والتفاوت، وميّز بعضكم من بعض بصور، وهيئات مختلفة، ولو (١) أظهرتم التوبة بالبدن دون القلب فأنتم ما تبتم إلى الله، وإنما تبتم إلى الناس. والتعرّض (٢) لعنوان البارئية؛ للإرشاد إلى أنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغباوة منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم

стр. 575

بلطيف حكمته، بريئا من التفاوت، والتنافر، إلى عبادة العجل الذي هو مثل في الغباوة، وأنّ من لم يعرف حقوق منعمه، حقيق بأن تستردّ هي منه، ولذلك أمروا بالقتل، وفكّ التركيب، فقالوا له: كيف نتوب إلى الله سبحانه ﴿فـ﴾ قال لهم ﴿اقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: سلّموا أنفسكم للقتل، وارضوا به، واصبروا عليه، وليقتل البريء منكم المجرم، وإنما قال أنفسكم؛ لأن المؤمنين إخوة، وأخو الرجل كأنّه نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين. كذا في «التيسير»، و «تفسير أبي الليث»، والفاء في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ للتعقيب، وتوبتهم هي قتلهم؛ أي: فاعزموا على التوبة، فاقتلوا أنفسكم. كذا في «الكشاف». وقال في «التفسير الكبير»: وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس، بل بيان أنّ توبتهم لا تتمّ، ولا تحصل إلا بقتل النفس، وإنما كان كذلك؛ لأنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇، أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل ﴿ذلِكُمْ﴾؛ أي: القتل في التوبة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي أنفع لكم ﴿عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ سبحانه من الامتناع الذي هو إصرار، وفيه عذاب، لما أن القتل طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية، والبهجة السرمدية؛ أي: إنّ التوبة أجر لكم عند خالقكم، من إقامتكم على عبادة العجل؛ لما فيها من الطهارة من الشرك. وقوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب منه تعالى، معطوف على محذوف؛ أي: ثم فعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم؛ أي: قبل توبتكم، وتجاوز عنكم، وإنما لم يقل: فتاب عليهم، على أنّ الضمير للقوم؛ لما أن ذلك نعمة أريد التذكير بها للمخاطبين لا لأسلافهم. فإن قلت (١): أنه تعالى أمر بالقتل، والقتل لا يكون نعمة. قلت: إن الله سبحانه نبّههم على عظيم ذنبهم، ثم نبّههم على ما به يتخلّصون من ذلك العظيم، وذلك من النعم في الدّين؛ أي: قبل توبة من قتل منكم، وغفر لمن لم يقتل من بقية المجرمين، وعفا عنهم من غير قتل.

стр. 576

﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾؛ أي: الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة، ويبالغ في قبولها منهم: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير الرحمة للمطيعين أمره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم. روي أنهم لمّا أمرهم موسى بالقتل. قالوا: نصبر لأمر الله، فجلسوا في الأفنية محتبين مذعنين. وقيل لهم: من حلّ حبوته، أو مدّ طرفه إلى قاتله، أو اتقاه بيد أو رجل، فهو ملعون مردود توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر؛ أي: حملوا عليهم الخناجر، ورفعوا بها وضربوهم بها، وكان الرجل يرى ابنه، وأباه، وأخاه، وقريبه، وصديقه، وجاره، فلم يمكنهم المضيّ لأمر الله. قالوا: يا موسى! كيف نفعل؟ فأرسل الله سبحانه ضبابة، وسحابة سرداء، لا يبصر بعضهم بعضا، فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل، دعا موسى وهارون، وبكيا، وتضرّعا، وقالا: يا رب! هلكت بنو إسرائيل، البقية، البقية، فكشف الله السحابة، ونزلت التوبة، وأمرهم أن يكفّوا عن القتل، فقتل منهم سبعون ألفا، فكان من قتل شهيدا، ومن بقي مغفورة ذنوبه. وأوحى الله سبحانه إلى موسى ﵇، إني أدخل القاتل والمقتول الجنة. هذا على رواية أن القاتل من المجرمين، على أن معنى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بعض المجرمين بعضا، فالقاتل هو الذي بقي من المجرمين بعد نزول أمر الكف عن القتل، وإلا فالقاتل على الرواية الأخرى هو البرىء، كما سبق في تفسير الآية. وروي: أنّ الأمر بالقتل من الأغلال التي كانت عليهم، وهي المواثيق اللازمة لهم لزوم الغلّ، ومن الإصر وهو الأعمال الشاقة، كقطع الأعضاء الخاطئة، وعدم جواز صلاتهم في غير المسجد، وعدم التطهير بغير الماء، وحرمة أكل الصائم بعد النوم، ومنع الطيبات عنهم بالذنوب، وكون الزكاة ربع مالهم، وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح، وكما روي: أن بني إسرائيل إذا قاموا يصلّون، لبسوا المسوح، وغلّوا أيديهم إلى أعناقهم، وربّما ثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية، وحبس نفسه على العبادة. فهذه الأمور رفعت عن هذه الأمة؛ تكريما للنبي ﷺ . وحاصل معنى الآية (١): أي

стр. 577

واذكر أيها الرسول الكريم! فيما تلقيه على بني إسرائيل، وغيرهم من العظات، قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل، حيث كان يناجي ربه: يا قوم! إنكم باتخاذكم العجل إلها قد أضررتم بأنفسكم، وأنقصتم مالها من الأجر والثواب عند ربكم، لو أنكم أقمتم على عهدي، واتّبعتم شريعتي وقد فصّلت هذه القصة في سورتي الأعراف وطه ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ...﴾ إلخ؛ أي: فاعزموا على التوبة إلى من خلقكم، وميّز بعضكم من بعض بصور، وهيئات مختلفة. وفي قوله: ﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾ إيماء إلى أنهم بلغوا غاية الجهل، إذ تركوا عبادة البارىء، وعبدوا أغبى الحيوان، وهو البقر، وليقتل البرىء منكم المجرم. وقصة القتل مذكورة في التوراة التي يتدارسونها إلى اليوم، ففيها دعاء موسى: من للربّ فإليّ، فأجابه بنو لاوى، فأمرهم أن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا، ففعلوا، فقتل في ذلك اليوم، نحو: ثلاثة آلاف رجل. والعبرة من القصة، لا تتوقّف على عدد معين، فلنمسك عنه ما دام القرآن لم يتعرّض له. ذلكم المذكور من التوبة، والقتل، أنفع لكم عند الله من العصيان، والإصرار على الذنوب؛ لما فيه من العذاب، إذ أن القتل يطهّركم من الرجس الذي دنّستم به أنفسكم، ويجعلكم أهلا للثواب ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ففعلتم ما أمركم به موسى، فقبل توبتكم، وتجاوز عن سيئاتكم، إنه سبحانه هو التواب؛ أي: كثير قبول التوبة ممن تاب إليه. الرحيم: أي كثير الرحمة بمن ينيب إليه، ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام، وكرّر البارىء باللفظ الظاهر؛ توكيدا؛ ولأنها جملة مستقلة، فناسب الإظهار. وللتنبيه على أنّ هذا الفعل هو راجح عند الذي أنشأكم، فكما رأى أن إنشاءكم راجح؛ رأي: أنّ إعدامكم بهذا الطريق من القتل راجح، فينبغي التسليم له في كل حال، وتلقّي ما يرد من قبله بالقبول، والامتثال. ذكره في «البحر». وقرأ الجمهور (١): بظهور حركة الإعراب في ﴿بارِئِكُمْ﴾ وروي عن أبي

стр. 578

عمرو الاختلاس. روى ذلك عنه سيبويه، وروي عنه الإسكان؛ وذلك إجراء للمنفصل من كلمتين مجرى المتصل من كلمة، فإنه يجوز تسكين مثل إبل، فأجري المكسوران في بارئكم مجرى إبل. ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن، وما ذهب إليه ليس بشيء؛ لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله ﷺ ، ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر. وقرأ الزهري ﴿باريكم﴾ بكسر الياء من غير همز. وروي ذلك عن نافع، وليست في المتواترات ولهذه القراءة تخريجان: أحدهما: أنّ الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف، جعلها بين بين. والثاني: أن يكون الأصل باريكم بالياء من غير همز، فيكون مأخوذا من قولهم بريت القلم إذا أصلحته، أو من البري وهو التراب، ثم حرّك حرف العلة، وإن كان قياسه تقدير الحركة في مثل هذا رفعا وجرا. وقد ذكر الزمخشري (١) في اختصاص ذكر البارىء هنا كلاما حسنا هذا نصه: فإن قلت: من أين اختصّ هذا الموضع بذكر البارىء؟ قلت: البارىء: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ ومميّزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة، والصّور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم، من ترك عبادة العالم الحكيم، الذي برأهم بلطيف حكمته، على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت، والتنافر، إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة، والبلادة. في أمثال العرب: أبلد من ثور. حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله، ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم، وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها. انتهى.

стр. 579

٥٥ - ولمّا فرغ سبحانه من محاورة موسى لقومه .. شرع في محاورتهم له ﵇، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ هذا هو الإنعام السادس؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! وقت قول السبعين من أسلافكم، الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه إلى الطور للاعتذار عن عبادة العجل، وهم غير السبعين الذين اختارهم موسى أوّل مرة، حين أراد الانطلاق إلى الطور بعد غرق فرعون لأخذ التوراة ﴿يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾؛ أي: لن نصدّقك لأجل قولك ودعوتك على أنّ هذا كتاب الله، وأنك سمعت كلامه، وأنّ الله تعالى أمرنا بقبوله، والعمل به، ولم يريدوا (١) نفي الإيمان به بدليل: قولهم لك، ولم يقولوا بك، نحو: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾؛ أي بمصدّق. وقيل معناه: لن نقرّ لك بأن التوراة من عند الله ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ ﴿جَهْرَةً﴾؛ أي: (٢) عيانا لا ساتر بيننا وبينه، كالجهر في الوضوح والانكشاف؛ لأن الجهر في المسموعات، والمعاينة في المبصرات، ونصبها على المصدرية؛ لأنها نوع من الرؤية، فكأنها مصدر الفعل الناصب، أو حال من الفاعل؛ أي: حتى نرى الله مجاهرين، أو من المفعول؛ أي: حتى نرى الله مجاهرا بفتح الهاء، وذلك أنّه لمّا تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل، أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالا يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ وقال لهم: صوموا، وتطهّروا، وطهّروا ثيابكم، ففعلوا، وخرج بهم إلى طور سيناء، فقالوا لموسى: أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا، فقال موسى: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام. وقعوا سجودا، فسمعوا الله سبحانه يكلّم موسى، يأمره، وينهاه، فلمّا انكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾ وقد عرفت أنّ هذا الظرف معطوف على الظروف المتقدمة، وأنّ التقدير فيه: واذكروا

стр. 580

إذ قلتم يا موسى! إلخ. والقائلون لهذا القول: هم سبعون رجلا من خيارهم، كما عرفت. وقرأ الجمهور. ﴿جَهْرَةً﴾ بسكون الهاء. وقرأ ابن عباس، وسهل بن شعيب، وحميد بن قيس ﴿جهرة﴾ بفتحها، وتحتمل هذه القراءة وجهين: أحدهما: يكون جهرة مصدرا، كالغلبة، فيكون معناها ومعنى جهرة المسكّنة الهاء سواء. والثاني: أن يكون جمعا لجاهر، كما تقول فاسق وفسقة، فيكون انتصابه على الحال؛ أي جاهرين بالرؤية. ذكره في «البحر». والمعنى (١): واذكروا يا بني إسرائيل! حين خرجتم مع موسى إلى جبل الطور لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل، فسمعتم كلام الله مع موسى، فقلتم لموسى لمّا أقبل إليكم من المناجاة ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾؛ أي: لن نصدقك في أن المخاطب لنا هو ربنا، وأن ما سمعناه كلامه ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: حتى نبصره ونراه رؤية جهرة؛ أي: ظاهرة واضحة عيانا، لا يستره عنا شيء ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: فأحرقتكم النار النازلة من السماء؛ أي: فأخذت الصاعقة من قال ذلك، والباقون ينظرون بأعينهم. وقد فصّل ذلك في الأعراف. وقرأ عمر، وعليّ ﴿الصّعقة﴾ بلا ألف. ذكره في «البحر». والصاعقة (٢): هي نار محرقة فيها صوت، نازلة من السماء. وقيل: هي كلّ أمر مهول مميت، أو مزيل للعقل والفهم، وتكون صوتا، وتكون نارا، وتكون غير ذلك. وقيل: هي صوت ملك صاح عليهم، وإنما أحرقتم الصاعقة، لسؤالهم ما هو مستحيل على الله في الدنيا؛ ولفرط العناد والتعنّت، وإنما الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك للمؤمنين في الآخرة، وللأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا، كما قيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى الصاعقة النازلة حين نزولها، فإن كانت نارا فقد عاينوها، وإن كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم

стр. 581

أولا، ورأى الباقون أنهم ماتوا، ويسمّى هذا رؤية الموت مجازا. وسيأتي (١) في الأعراف أنهم ماتوا بالرجفة؛ أي: الزلزلة، ويمكن الجمع بينهما، بأنه حصل لهم الجميع. انتهى. من «الفتوحات». وقال الواحديّ: وإنما (٢) أخذتهم الصاعقة؛ لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا عاقبهم الله تعالى. وهذه الآية موبخة للمعاصرين في زمن الرسول ﷺ ، على مخالفة محمد ﷺ مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم موسى، مع ما أتى به من المعجزات الباهرة. وفي التوراة: إن طائفة (٣) منهم قالوا: لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله من دوننا، وشاع ذلك في بني إسرائيل، وقالوا لموسى بعد موت هارون: إنّ نعمة الله على شعب إسرائيل لأجل إبراهيم، وإسحاق، فتعمم الشعب جميعه، وأنت لست أفضل منه، فلا يحقّ لك أن تسودنا بلا مزيّة، وإنا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذهم إلى خيمة العهد، فانشقت الأرض، وابتلعت طائفة منهم، وجاءت نار من الجانب الآخر، فأخذت الباقين. اه. وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون، ويعاندون، وسوط العذاب يصبّ عليهم صبا، فأصيبوا بالأوبئة وأنواع الأمراض، وسلّطت عليهم هوام الأرض وحشراتها، حتى فتكت بالعدد العديد، والخلق الكثير، فليس ببدع منهم أن يجحدوا دعوة النبي ﷺ ، ويعاندوها ٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ وأحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ وحرقكم بتلك النار الصاعقة، وموتكم يوما وليلة، وقاموا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيا! وعاشوا بعد ذلك؛ لأنهم (٤) لما ماتوا، جعل موسى يبكي ويتضرع إلى الله، ويقول: يا رب! إنهم خرجوا معي وهم أحياء، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد

стр. 582

رجل، بعد ما مكثوا ميّتين يوما وليلة؛ وذلك لإظهار آثار القدرة؛ وليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، ولو ماتوا بآجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة. وقيّد البعث بقوله (١): ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ مع أنه إنما يكون بعد الموت، لما أنه قد يكون من الإغماء، أو من النوم. قال قتادة: أحياهم، ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، وكان ذلك الموت بلا أجل، وكانت تلك الموتة لهم، كالسّكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة. اه. فإن قلت: كيف يجوز أن يكلّفهم، وقد أماتهم؟ فإن جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثوا بعد الموت؟. قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة، هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما منع ذلك من التكليف، لأنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته ومعرفة ما في الجنة من اللذات، وما في النار من الآلام، وبعد العلم الضروري لا تكليف، فإذا كان المانع هو هذا، لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصعقة، أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صحّ أن يكلفوا من بعد، ويكون موتهم، ثم الإحياء بمنزلة النوم، أو بمنزلة الإغماء ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا الله ، نعمة إحيائه لكم بعد موتكم بالصاعقة بالتوحيد والطاعة، أو لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس الله بالصاعقة، نعمة الإيمان التي كفرتموها بقولكم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فإن ترك النعمة لأجل طلب الزيادة كفران لها؛ أي: لعلكم تشكرون نعمة الإيمان، فلا تعودون إلى اقتراح شيء بعد ظهور المعجزة. وفي «المراغي» (٢): يرى بعض المفسرين: أن الله أحياهم بعد أن وقع فيهم الموت بالصاعقة، أو غيرها؛ ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة القلبيّة لغيرهم. ويرى آخرون، أن المراد بالبعث: كثرة النسل؛ أي: إنه بعد أن وقع فيهم الموت بشتّى الأسباب، وظنّ أنهم ينقرضون، بارك الله في

стр. 583

نسلهم؛ ليعدّ الشعب بالبلاء السابق، للقيام بحقّ الشكر على النعم التي تمتّع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها. وإنما قصّ الله سبحانه علينا هذا القصص، ووجهه إلى من كان من اليهود في عصر التنزيل؛ لبيان وحدة الأمة، وأن ما يبلوها به من الحسنات والسيئات، وما يجازيها به من النعم والنقم، إنما هو لمعنى فيها يسوّغ أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق، كأنّه وقع منه، ليعلم الناس أنّ الأمم متكافلة، سعادة الفرد منها، مرتبطة بسعادة سائر الأفراد، وشقاؤه بشقائهم، ويتوقّع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة، وإن لم يفعلها هو، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وفي هذا التكافل رقيّ الأمة، وتقدمها في المدنية والحضارة، إذ يحملها على التعاون في البأساء والضراء، فتحوز قصب السبق بين الأمم. وأصل (١) هذه القصة: أنّ موسى ﵇، لمّا رجع من الطور إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه والسامري ما قال، وأحرق العجل وألقاه في البحر، وندم القوم على ما فعلوا، وقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أمر الله سبحانه موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين من قومه من خيارهم، فلما خرجوا إلى الطور، قالوا لموسى: سل ربنا حتى يسمعنا كلامه؟ فسأل موسى ﵇ ذلك، فأجابه الله، ولما دنا من الجبل، وقع عليه عمود من الغمام، وتغشّى الجبل كله، ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه، وقال للقوم: ادخلوا، فكلم الله موسى يأمره وينهاه، وكلما كلمه تعالى أوقع على جبهته نورا ساطعا، لا يستطيع أحد من السبعين النظر إليه، وسمعوا كلامه تعالى مع موسى، افعل لا تفعل، فعند ذلك طمعوا في الرؤية، وقالوا ما قالوا، فأخذتهم الصاعقة، فخرّوا صعقين ميتين يوما وليلة، فلمّا ماتوا جميعا، جعل موسى يبكي ويتضرّع رافعا يديه إلى السماء يدعو، ويقول: يا إلهي! اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، وماذا أقول لهم إذا أتيتهم، وقد

стр. 584

أهلكت خيارهم، لو شئت أهلكتهم قبل هذا اليوم مع أصحاب العجل، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله سبحانه، وردّ إليهم أرواحهم، وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. قالوا: إن موسى (١) ﵇، سأل الرؤية في المرة الأولى في الطور، ولم يمت، لأن صعقته لم تكن موتا، ولكن غشية، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفاقَ﴾ وسأل قومه في المرة الثانية، حين خرجوا للاعتذار وماتوا، وذلك؛ لأنّ سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا، وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء، ولم يسألوا سؤال استرشاد، بل سؤال تعنّت، فإنهم ظنّوا أنه تعالى يشبه الأجسام، وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات، والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال. وليس في الآية دليل على نفي الرؤية، بل فيها إثباتها، وذلك أنّ موسى ﵇، لمّا سأله السبعون لم ينههم عن ذلك، وكذلك سأل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عن ذلك، بل قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وهذا تعليق بما يتصوّر، قال بعض العلماء الحكماء: الحكمة في أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وجوه: الأول: أن الدنيا دار أعدائه؛ لأن الدنيا جنة الكافر. الثاني: لو رآه المؤمن لقال الكافر: لو رأيته لعبدته، ولو رأوه جميعا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر. الثالث: أنّ المحبة على غيب، ليست كالمحبة على عين. الرابع: أن الدنيا محلّ المعيشة، ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معاشهم، فتعطلت. الخامس: أنه جعلها بالبصيرة دون البصر؛ ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين.

стр. 585

السادس: ليقدّر قدرها، إذ كل ممنوع عزيز. السابع: إنما منعها رحمة بالعباد؛ لما جبلوا عليه في هذه الدار من الغيرة، إذ لو رآه أحد تصدّع قلبه من رؤية غيره إياه، كما تصدّع الجبل غيرة من أن يراه موسى. والله أعلم. ٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ هذا هو الإنعام السابع؛ أي: جعلنا السحاب الرقيق ظلا عليكم، يحفظكم من حر الشمس، وكان يسير بسيرهم، وكانوا يسيرون ليلا ونهارا، وذلك في التيه، وهو: واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ، وقيل: اثنا عشر فرسخا، مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين، لا يهتدون إلى الخروج منه، وسبب ذلك؛ مخالفتهم أمر الله تعالى إياهم بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام؛ أي: جعلنا (١) الغمام ظلّة عليكم يا بني إسرائيل. وهذا كما ذكرنا جرى في التيه، واد بين مصر والشام، فإنهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر، وقعوا في صحراء لا أبنية فيها، وأمرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبّارين، الذين كانوا في الشام وقتالهم، فقبلوا أمره، فلما قربوا منها سمعوا بأنّ أهلها جبارون أشدّاء، قامة أحدهم سبعمائة ذراع، ونحوها، فامتنعوا، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فعاقبهم الله تعالى، بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، وكانت المفازة يعني: التيه، اثني عشر فرسخا، فأصابهم حرّ شديد، وجوع مفرط، فشكوا إلى موسى، فرحمهم الله تعالى، فأنزل عليهم عمودا من نور يدلى له من السماء، فيسير معهم بالليل يضيىء لهم مكان القمر إذا لم يكن قمر، وأرسل غماما أبيض رقيقا. أطيب من غمام المطر، يظللهم من حر الشمس في النهار. وسمّي السحاب غماما؛ لأنه يغمّ السماء؛ أي: يسترها. والغمّ: حزن يستر القلب. ولم يكن لهم في التيه شيء يسترهم، ويستظلّون به، وكانت ثيابهم لا تتسخ، ولا تبلى، ثم سألوا موسى الطعام، فدعا ربه فاستجاب له، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾؛ أي: الترنجبين بفتح

стр. 586

الراء وتسكين النون: وهو شيء أبيض مثل الثلج، كالشّهد المعجون بالسمن. وقيل: هو يشبه العسل الأبيض. وقيل: هو كان يقع على أشجارهم من الفجر إلى طلوع الشمس، لكلّ إنسان صاع، أو المنّ جميع ما منّ الله به على عباده من غير تعب، ولا زرع، ومنه قوله ﷺ : «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين»؛ أي: ممّا منّ الله به على عباده من غير تعب، ثمّ لما ملّوا من أكله، قالوا: يا موسى! قتلنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فأنزل الله عليهم السلوى، وذلك قوله: ﴿وَالسَّلْوى﴾؛ أي: وأرسلنا عليكم السلوى، وهو السماني، وهو: طائر لذيذ اللحم، ليس له ذنب، ولا يطير إلا قليلا، ويموت إذا سمع صوت الرعد، فيلهمه الله أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد، إلى انقضاء أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، وينتشر في الأرض. وخاصّيّته: أنّ أكل لحمه يليّن القلوب القاسية، وكانت تحشره عليهم ريح الجنوب، وكانت الريح تقطع حلقومها، وتشق بطونها، وتمعط شعورها، وكانت الشمس تنضجها، فكانوا يأكلونها مع المنّ. وأكثر المفسرين على أنهم يأخذونها، فيذبحونها، فكان ينزل عليهم المنّ نزول الثلج، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتأتيهم السلوى، فيأخذ كل إنسان منهم كفايته إلى الغد، إلا يوم الجمعة يأخذ ليومين؛ لأنه لم يكن ينزل يوم السبت؛ لأنه كان يوم عبادة، فإن أخذ أكثر من ذلك دوّد وفسد. وقوله: ﴿كُلُوا﴾ مقول (١) لقول محذوف، معطوف على فعل محذوف، تقديره: أنعمنا عليكم بأنواع النعم من الطعام والشراب، من غير كدّ ولا تعب، وقلنا لكم كلوا ﴿مِنْ طَيِّباتِ﴾ وحلالات ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ وأعطيناكم؛ أي: كلوا من لذائذ ما رزقناكموه من المنّ والسلوى، ولا ترفعوا منه شيئا ادخارا لغد، ولا تعصوا أمري، فرفعوا، وادّخروا، وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد، فقطع الله عنهم، ودوّد ما ادّخروه، ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك. والطيبات: جمع

стр. 587

طيب، والطّيب: ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا. وفي الحديث المتفق عليه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا بنوا إسرائيل، لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم»؛ أي: لم ينتن ولم يتغيّر «ولولا حواء، لم تخن أنثى زوجها الدّهر». وقوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾؛ أي: وما نقصونا بما ادخروا، معطوف على محذوف، تقديره: فظلموا بأن كفروا تلك النعمة الجليلة، وادّخروا بعد ما نهوا عنه، وما ظلمونا؛ أي: ما بخسوا بحقّنا ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يضرّون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم، بلا مؤونة في الدنيا، ولا حساب في العقبى، فرفعنا ذلك عنهم؛ لعدم توكلهم علينا. فإن قلت: ما الحكمة في ذكر كانوا هنا وفي الأعراف، وحذفها في آل عمران؟ فالجواب: أن ما في السورتين إخبار عن قوم انقرضوا، وما في (آل عمران) مثل منبّه عليه بقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ إلخ. اه «كرخي». وقوله في الحديث: لم يخنز اللحم ولم تخن أنثى زوجها؛ أي: واستمرّ نتن اللحم من ذلك الوقت، لأنّ البادي للشيء كالحامل للغير على الإتيان به، وكذلك استمرت الخيانة من النساء؛ لأنّ أمّ النساء خانت بأن أغواها إبليس قبل آدم حتى أكلت من الشجرة، ثم أتت آدم، فزيّنت له ذلك حتى حملته على أن أكل منها، فاستمرّت تلك الخيانة من بناتها لأزواجها. قال في «الأشباه والنظائر»: الطعام إذا تغيّر واشتدّ تغيره تنجّس، وحرم أكله واللّبن، والزّيت، والسمن، إذا أنتن لا يحرم أكله. انتهى. وفي سفر الخروج من التوراة (١): أنهم أكلوا المن أربعين سنة، وأنّ طعمه كالرّقاق بالعسل، وكان لهم بدل الخبز إذ كانوا محرومين من البقول، والخضر. وفي هذا إيماء إلى أنّ كلّ ما يطلبه الله من عباده، فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم

стр. 588

عنه، فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع عليهم. وقد جاء في الحديث القدسي: (فكلّ عمل ابن آدم له أو عليه) وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٥٨ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ هذا هو الإنعام الثامن؛ لأنه تعالى أباح لهم دخول البلدة، وأزال عنهم التيه. وَإِذْ (١) معطوف على نعمتي على كونها مفعولا لا ذكروا، كما مرّ مرارا؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي التي أنعمت بها عليكم، ووقت قولنا لآبائكم إثر ما أنقذتم من التيه ﴿ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ منصوب على الظرفية؛ أي: مدينة بيت المقدس، كما قاله مجاهد، أو قرية أريحاء، كما قاله ابن عباس، وهي قرية قريبة من بيت المقدس. وجزم القاضي، وغيره بالأول، ورجّح الثاني بأنّ الفاء في قوله ﴿فَبَدَّلَ﴾ تقتضي التعقيب، فيكون واقعا عقب هذا الأمر في حياة موسى ﵇، وموسى توفّي في التيه، ولم يدخل بيت المقدس. قاله الرازيّ. اه. «كرخي». وعبارة الخازن: قال ابن عباس: القرية هي أريحا قرية الجبارين، بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة، قرية بالغور قريبة من بيت المقدس. قيل: كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: العمالقة، ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون؛ لأنه الذي فتح أريحا بعد موسى؛ لأن موسى مات في التيه. وقيل: هي بيت المقدس، وعلى هذا فيكون القائل موسى، والمعنى: إذا خرجتم بعد مضيّ الأربعين سنة، فادخلوا بيت المقدس. اه. والقرية (٢): اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد تطلق عليهم مجازا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهلها، والمعنى؛ أي: واذكروا قصة، إذ قلنا لكم بعد خروجكم من التيه على لسان موسى، أو على لسان يوشع، ادخلوا هذه القرية ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾؛ أي: من ثمارها، وطعامها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وأنى شئتم أكلا ﴿رَغَدًا﴾؛ أي: واسعا لا حجر فيه، على أنّ النصب على

стр. 589

المصدرية، أو هو حال من الواو في كلوا؛ أي: راغدين متوسعين، وفيه دلالة على أن المأمور به الدخول على وجه الإقامة والسّكنى. قال في «التيسير»؛ أي: أبحنا لكم، ووسعنا عليكم، فتعيشوا فيها أنّى شئتم بلا تضييق ولا منع، وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة. وذكر الأكل؛ لأنه معظم المقصود ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ﴾؛ أي: بابا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، والمراد الباب الثاني من بيت المقدس، ويعرف اليوم بباب حطة، أو باب القبّة التي كان يتعبّد فيها موسى وهارون، ويصلّيان مع بني إسرائيل إليها ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ركعا منحنين، ناكسي رؤوسكم بالتواضع، على أن يكون المراد معناه الحقيقيّ، أو ساجدين شكرا لله تعالى على خلاصكم وإخراجكم من التيه، على أن يكون المراد به معناه الشرعيّ ﴿وَقُولُوا﴾ بألسنتكم مسألتنا منك يا ربنا! ﴿حِطَّةٌ﴾؛ أي: حطّ ذنوبنا عنّا، وغفرانها لنا بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: مسألتنا من الله أن يحط عنا ذنوبنا، أو بالنصب على المصدرية لفعل محذوف؛ أي: حطّ عنا ذنوبنا حطة وذلك أنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول القرية. وقيل: أريد بها كلمة الشهادة؛ أي: قولوا كلمة الشهادة الحاطّة للذنوب. والحاصل: أنهم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بألسنتهم التماس حطّ الذنوب، حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللسان. وقرأ الجمهور (١): (حطة) بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة بالنصب، على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة. وقيل معناه: الاستغفار، ومنه قول الشاعر: فاز بالحطّة الّتي جعل اللّ ... هـ بها ذنب عبده مغفورا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مجزوم على أنه جواب الأمر من الغفر، وهو: الستر؛ أي: نستر عليكم ﴿خَطاياكُمْ﴾؛ أي: ذنوبكم، فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء، وهم الذين عبدوا العجل ثمّ تابوا، وهي جمع خطيئة ضدّ الصواب.

стр. 590

وقرأ نافع بالياء المضمومة مبنيا للمجهول (١)، وذكّر الفعل؛ لأنّ الخطايا مؤنث مجازي، أو لوقوع الفصل. وقرأ ابن عامر بالتاء المضمومة مبنيا للمجهول أيضا. وقرأ الباقون نغفر بنون العظمة، وهي أولى؛ لجريانها على نظام ما قبله من قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وما بعده من قوله: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقرأ أبو بكر من طريق الجعفيّ يغفر بالياء المفتوحة، على أنّ الفاعل ضمير الغائب العائد على الله سبحانه. وقرأت طائفة تغفر بالتاء الفوقية المفتوحة، فيكون ضمير الفاعل عائدا على الحطة، كأنه تكون سبب الغفران، وليس بجيّد؛ لأنّ نفس اللّفظة بمجردها لا تكون سببا للغفران، وراوي هذه القراءة هو ابن عطية، وأمال الكسائي ﴿خَطاياكُمْ﴾ وقرأ الجحدريّ وقتادة ﴿تغفر خطيئتكم﴾ بضم التاء، وإفراد الخطيئة. وقرأ الحسن ﴿يغفر خطيئاتكم﴾ بالياء مفتوحة، وبالجمع المسّلم. وقرأ أبو حيوة ﴿تغفر خطيئاتكم﴾ بالتاء مضمومة، وبالجمع المسلم. وحكى الأهوازي أنه قرأ ﴿خَطاياكُمْ﴾ بهمزة الألف، وسكون الألف الأخيرة. وحكى عنه أيضا العكس. وتوجيه هذا الهمزة؛ أنه استثقل النطق بألفين مع أنّ الحاجز حرف مفتوح، والفتحة تنشأ عنها الألف، فكأنّه اجتمع ثلاث ألفات، فهمّزت إحدى الألفين، ليزول هذا الاستثقال. والحاصل (٢): أنّ من قرأ بضم الياء، أو التاء، كان خطاياكم، أو خطيئاتكم، أو خطيئتكم مفعولا، لم يسمّ فاعله. ومن قرأ بفتح التاء، أو الياء، أو بالنون، كان ذلك مفعولا به، وجزم هذا الفعل؛ لأنه جواب الأمر. والمعنى: أي إذا فعلتم ما ذكر استجبنا دعاءكم، وكفرنا عنكم خطاياكم. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة والامتثال لأمرنا ثوابا من فضلنا، وهم الذين لم يعبدوا العجل، جمع محسن، والمحسن (٣): من أحسن في فعله، وإلى نفسه، وغيره. وقيل: المحسن من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء

стр. 591

فرائضه، وكفّ شرّه. وقيل: هو الفاعل ما يجمل طبعا، ويحمد شرعا. وأخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد؛ إيذانا بأن المحسن بصدد زيادة الثواب، وإن لم يقل حطة، فكيف إذا قالها، واستغفر، وبأنه يقول ويستغفر، لا محالة أمرهم بشيئين: بعمل يسير، وقول صغير، فالعمل الانحناء عند الدخول، والقول التكلّم بالقول، ثم وعد عليهما غفران السيئات، والزيادة في الحسنات. ٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: غيرّ الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية، ما قيل لهم من التوبة، والاستغفار ﴿قَوْلًا﴾ آخر مما لا خير فيه، فأحد مفعولي بدّل محذوف ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ غير نعت لقولا، وإنما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة؛ تحقيقا لمخالفتهم، وتنصيصا على المغايرة من كلّ وجه، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا قولا غير الذي قيل لهم، فقالوا: حنطة بدل حطّة، وكذلك بدلوا الفعل الذي أمروا به من دخولهم سجدا، فدخلوا زحفا. فالحاصل: أنهم دخلوا الباب زاحفين على أدبارهم، قائلين حنطة على شعيرة؛ استخفافا بأمر الله تعالى. وقيل: قالوا (١): بالنبطية، وهي لغتهم (حطّا سمقانا) يعنون حنطة حمراء. وقال مجاهد: طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فأبوا أن يدخلوه سجدا، فدخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل، كما بدّلوا القول، وأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به، ولذا لم يقل: فبدّلوا بصيغة العموم، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وظاهر نظم القرآن أنّهم بدّلوا القول فقط دون العمل، وبه قال جماعة. وقيل: بل بدلوا العمل والقول جميعا، فمعنى قوله: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: أمرا غير الذي أمروا به، فإن أمر الله قول، وهو تغيير جميع ما أمروا به ﴿فَأَنْزَلْنا﴾؛ أي: فعقيب ذلك التبديل أنزلنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بتغيير ما أمروا به قولا وفعلا، ولم (٢) يقل: عليهم على الاختصار. وقد سبق ذكر الذين ظلموا في الآية؛ لأنه سبق ذكر المحسنين أيضا، فلو أطلق وأضمر، لوقع احتمال دخول

стр. 592

الكل فيه، ثم هذا ليس بتكرار؛ لأنّ الظلم أعمّ من الصغائر، والكبائر، والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر، فالمراد بالظلم ههنا: الكبائر بقرينة الفسق، والمراد بالظلم المتقدم: هو ما كان من الصغائر، وقد أضمر ذلك في الأعراف فقال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾؛ لأن المضمر هو المظهر. وقال بعضهم: وضع الظاهر موضع المضمر، مبالغة في تقبيح شأنهم ﴿رِجْزًا﴾؛ أي: طاعونا، وبلاء، وعذابا مقدّرا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ والتنوين فيه للتهويل، والتفخيم، وما في قوله: ﴿بِما﴾ مصدرية ﴿كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعتنا. والرجز في الأصل: ما يخاف ويستكره، وكذلك الرجس، والمراد به هنا الطاعون. روي: أنه مات منهم بالطاعون في ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفا، ودام فيهم حتى بلغ سبعين ألفا. وقال أبو حيان (١): واختلفوا في الرجز هنا، فقال أبو العالية: هو غضب الله تعالى. وقال ابن زيد: طاعون أهلك منهم في ساعة سبعين ألفا. وقال وهب: طاعون عذبوا به أربعين ليلة، ثمّ ماتوا بعد ذلك. وقال ابن جبير: ثلج هلك به منهم سبعون ألفا. وقال ابن عباس: ظلمة وموت، مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا. وهلك سبعون ألفا عقوبة. والذي يدل عليه القرآن: أنه أنزل عليهم عذاب، ولم يبين نوعه، إذ لا كبير فائدة في تعيين النوع، فنتركه مبهما، وإن كان كثير من المفسرين على أنه الطاعون. وقوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ إن فسر الرجز بالثلج، كان كونه من السماء ظاهرا، وإن فسر بغيره، فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء عليهم، أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء. وقال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وفائدة التكرار التأكيد؛ لأنّ الوصف دالّ على العلية، فالظاهر أن التبديل سببه الظلم، وأنّ إنزال الرجز سببه الظلم أيضا. وقال غير أبي مسلم: ليس مكرّرا لوجهين: أحدهما: أنّ الظلم قد يكون من الصغائر، كما في قوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ ومن الكبائر كما في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والفسق لا يكون

стр. 593

إلا من الكبائر، فلما وصفهم بالظلم أولا، وصفهم هنا بالفسق الذي هو لا بدّ أن يكون من الكبائر. والثاني: أنه يحتمل أنهم استحقّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، ونزول الرجز عليهم من السماء، لا بسبب ذلك التبديل، بل بالفسق الذي فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا يزول التكرار. انتهى. وقرأ ابن محيصن (١): ﴿رجزا﴾ بضم الراء، وقد تقدم أنها لغة في الرجز بكسر الراء. وقرأ النخعي، وابن وثاب، وغيرهما ﴿يفسقون﴾ بكسر السين وهي لغة فيه، واستدل بعضهم بقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وترتيب العذاب على هذا التبديل، على أن ما ورد فيه التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره، ولا تبديله بلفظ آخر. وقال قوم: يجوز ذلك إذا كانت الكلمة تسدّ مسدها، وعلى هذا جرى الخلاف في قراءة القرآن بالمعنى، وفي تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة، والبيع، والتمليك، وفي نقل الحديث بالمعنى. فائدة: وذكروا أنّ في الآية سؤالات (٢): الأول: قوله هنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وفي الأعراف ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ وأجيب: بأنه صرح بالفاعل في البقرة، لإزالة الإبهام، وحذف في الأعراف؛ للعلم به في (سورة البقرة). الثاني: قال هنا: ﴿ادْخُلُوا﴾ وهناك ﴿اسْكُنُوا﴾. وأجيب: بأنّ الدخول مقدم على السكنى، فذكر الدخول في السورة المتقدمة، والسكنى في المتأخرة. الثالث: قال هنا: ﴿خَطاياكُمْ﴾ وهناك ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾. وأجيب: بأنّ الخطايا جمع كثرة، فناسب حيث قرن به ما يليق بجوده، وهو غفران الكثير. والخطيئات جمع قلة، لمّا لم يضف ذلك إلى نفسه.

стр. 594

الرابع: ذكر هنا ﴿رَغَدًا﴾ وهناك حذف. وأجيب: بالجواب قبل. الخامس: قدم هنا دخول الباب على القول، وهناك عكس. وأجيب: بأن الواو للجمع، والمخاطبون بهذا مذنبون، فاشتغاله بحط الذنب، مقدّم على اشتغاله بالعبادة، فكلّفوا بقول حطة أولا، ثم بالدخول غير مذنبين، فاشتغاله أوّلا بالعبادة، ثم بذكر التوبة ثانيا، على سبيل هضم النفس، وإزالة العجب، فلما احتمل الانقسام، ذكر حكم كل واحد منهما في سورة بأيهما بدأ. السادس: إثبات الواو في ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ هنا، وحذفها هناك. وأجيب: بأنه لما تقدّم أمران كان المجيء بالواو، مؤذنا بأن مجموع الغفران، والزيادة جزاء واحد لمجموع الأمرين، وحيث تركت أفاد توزع كل واحد على كل واحد من الأمرين، فالغفران في مقابلة القول، والزيادة في مقابلة ادخلوا. السابع: لم يذكر ههنا ﴿منهم﴾ وذكر هناك. وأجيب: بأنّ أول القصة في الأعراف مبنيّ على التخصيص بلفظ من قال: ومن قوم موسى أمة، فذكر لفظ من آخرا؛ ليطابق آخره أوله. وهنا لم تبن القصة على التخصيص. الثامن: قال هنا ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ وهناك ﴿فَأَرْسَلْنا﴾. وأجيب: بأنّ الإنزال مفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم، واستئصالهم بالكلية، وهذا إنما يحدث بالآخر. التاسع: هنا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ وهناك ﴿يَظْلِمُونَ﴾. وأجيب: بأنه لمّا بين هنا، كون ذلك الظلم فسقا، اكتفى بذكر الظلم في سورة الأعراف؛ لأجل ما تقدم من البيان هنا. ذكره في «البحر». ٦٠ - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ هذا هو (١) الإنعام التاسع، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا؛ فلأنه أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء، ولولا هو لهلكوا في التيه، وهذا أبلغ من الماء المعتاد في الإنعام؛ لأنهم في مفازة

стр. 595

منقطعة، وأما في الدين؛ فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع، وقدرته، وعلمه، وعلى صدق موسى ﵇. والاستسقاء: طلب الماء عند عدمه، أو قلّته. وتقدّم (١) غير مرة، أنّ الظروف كلّها معطوفة على نعمتي، في قوله: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا حين طلب موسى السقيا لقومه، وقد عطشوا في التيه، فاستغاثوا به، فدعا ربّه أن يسقيهم ﴿فَقُلْنَا﴾ له بالوحي أن ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ﴾ وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع، على قدر طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى ﴿الْحَجَرَ﴾؛ أي: اضرب أيّ حجر كان تتفجّر منه العيون بقدرتنا، إن قلنا: إن أل فيه جنسية. أو اضرب الحجر المحمول معك، إن قلنا: إن أل فيه عهدية، وهو الحجر الذي فرّ بثوبه. عبارة «الروح» هنا: اللام (٢) فيه، إما للعهد، والإشارة بها إلى معلوم. فقد روي أنه كان حجرا طوريا حمله معه، وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل، له أربعة أوجه، في كل وجه ثلاث أعين، أو هو الحجر الذي فرّ بثوبه، حين وضعه عليه ليغتسل، وبرأه الله تعالى مما رموه به من الأدرة، فأشار إليه جبريل أن ارفعه، فإن لله فيه قدرة، ولك فيه معجزة. قال رسول الله ﷺ : «كان بنوا إسرائيل ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي يا حجر! حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوءة موسى، فقالوا: والله ما بموسى أدرة» وهي بالمد: نفخة بالخصية، وإما للجنس؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهو الأظهر في الحجة؛ أي: أبين في القدرة، وأدلّ عليها. فإنّ إخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر، أيّ حجر كان، أدلّ على ثبوت نبوة موسى ﵇، من إخراجه من حجر معهود معين، لاحتمال أن يذهب الوهم إلى تلك الخاصية في ذلك الحجر

стр. 596

المعين، كخاصية جذب الحديد في حجر المغناطيس ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ الفاء عاطفة على محذوف، والانفجار (١): الانكباب. والانبجاس: الترشّح والرشّ، فالرشّ أوّل، ثم الانكباب. عبّر بدل ما هنا في الأعراف بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ والأول أبلغ؛ لأنه انصباب الماء بكثرة، والانبجاس ظهور الماء، فناسب ذكر الانفجار هنا، الجمع قبله بين الأكل، والشرب الذي هو أبلغ من الاقتصار على أحدهما؛ أي: فضربه فانفجرت؛ أي: جرت وسالت ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الحجر ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ماء عذبا؛ أي اثنا عشر نهرا بعدد قبائل بني إسرائيل، لكلّ سبط عين، وكان يضربه بعصاه إذا نزل، فيتفجّر، ويضربه إذا ارتحل، فييبس. وفي هذا الانفجار من الإعجاز، ظهور نفس الماء من حجر لا اتصال له بالأرض، فتكون مادته منها، وخروجه كثيرا من حجر صغير، وخروجه بقدر حاجتهم، وخروجه عند الضرب بالعصا، وانقطاعه عند الاستغناء عنه. والتاء في اثنتا للتأنيث، وفي ثنتا للالحاق، وهذه نظير ابنة وبنت. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾؛ أي: كل سبط من الأسباط الاثني عشر مَشْرَبَهُمْ؛ أي: موضع شربهم، ونهرهم من تلك الأنهار التي جرت من الحجر، فكان كل سبط يأتي عينهم الخاصة بهم، لا يدخل سبط على غيره في شربه. والمشرب: إما مصر، أو اسم مكان. والحكمة في ذلك: أن الأسباط كانت بينهم عصبية، ومباهاة، وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر، وكل سبط يريد تكثير نفسه، فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة، ليستقوا منها، ويسقوا دوابهم؛ لكيلا يقع بينهم جدال، ومخاصمة. وكان ينبع من كل وجه من الحجر، ثلاث أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. ثم إن الله تعالى، قد كان قادرا على تفجير الماء، وفلق البحر من غير ضرب، لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب، حكمة منه للعباد، في وصولهم إلى المراد، ويترتب على ذلك ثوابهم، وعقابهم في المعاد. ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله، وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه

стр. 597

لمّا أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر، ويمقّر الخلّ، ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخّره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب، ويصيّره ماء بقوة التبريد، ونحو ذلك. قال القرطبي في تفسيره: ما ورد من انفجار الماء، ونبعه من يد نبينا محمد ﷺ ، وبين أصابعه، أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء الليل، وأطراف النهار، ومعجزة نبينا ﷺ لم تكن لنبيّ قبل، إذ لم يخرج الماء من لحم ودم. واعلم (١): أنّ المعجزات كلها من صنع الله تعالى، وهي سنّة جديدة غير ما نشاهد كل يوم، فحركة الشمس، وطلوعها من المشرق مع عظمها، لا تحدث دهشة؛ لتعودنا إياها، ولكن إذا طلعت من المغرب دون المشرق كان معجزة، وأحدث غرابة، ودهشة، مع أن الحركتين من صنع الله تعالى، لا فارق بينهما. ولئلا تحدث الصدمة حين حصول المعجزة، يهيّىء الله الظروف لتحمّلها، ويهيّىء النبيّ لقبولها، ويهيّىء الحاضرين لمشاهدتها، وقبولها. فأمر الله موسى بإدخال يده جيبه، وإخراجها بيضاء، تهيئة لمعجزاته الأخرى. وليس للعقل أن يحكم أيّ المعجزات أعظم من الأخرى؛ لأنه يتكلم عن مجهول هو من صنع الله لا يعرفه، فلا يمكن الإنسان مهما ارتقى عقله، أن يصل إلى صنعها، بل هي فوق قدرته. أمّا (٢) المخترعات العلمية، فهي مبنيّة على السّنن العلمية مهما ظهرت مدهشة، كالكهرباء، والمسرّة - التليفون - وغاية ما هناك: أن العلماء سخروها لأغراضهم، فالذي يتكلم في أوروبا، ويسمع صوته في مكة المكرمة، أو في مصر مثلا بوساطة الراديو، إنما استطاع ذلك؛ لأنه استخدم الهواء الذي يحمل أمواج الصوت إلى العالم كلّه، وهكذا حال سائر المخترعات، إنما هي كشف لناموس إلهي، يتكرّر دائما على يد كل إنسان، لكن المعجزات تجري على طراز آخر، فهي خلق سنة جديدة في الكون، ولا تتكرر إلا بإذن الله، ولا يعرف الإنسان لها قاعدة، ولا يدرك طريقا لصنعها. وقوله: ﴿كُلُوا﴾ على تقدير القول؛ أي:

стр. 598

قلنا (١) لهم، أو قيل لهم: كلوا ﴿وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ الذي يأتيكم من غير كدّ منكم، ولا تعب، بل هو من محض فضل الله تعالى، وإنعامه؛ أي: وقلنا لهم: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الأنهار الاثني عشر كلّها، فالأكل يتعلّق بالأولين، والشرب بالثالث. وإنما لم يقل من رزقنا، كما يقتضيه قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا﴾ إيذانا بأن الأمر بالأكل، والشرب لم يكن بطريق الخطاب، بل بواسطة موسى ﵇. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا تعتدوا في الأرض حال كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: متمادين ومبالغين في الإفساد، والطغيان بمخالفة موسى ﵇. وقال البيضاوي: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢)؛ أي: لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيّده به؛ لأن العثيّ وإن غلب في الفساد؛ فإنه قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا، كقتل الخضر ﵇ الغلام، وخرقه السفينة. انتهى. والأصل في العثيّ: مطلق التعدّي، وإن غلب في الفساد، فيكون التقييد بالحال تقييدا للعامل بالخاص. وقوله: ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾ قرأ الجمهور ﴿عَشْرَةَ﴾ بسكون الشين. وقرأ مجاهد، وطلحة، وعيسى، ويحيى بن وثاب، وابن أبي ليلى، ويزيد بكسر الشين. وروى ذلك، نعيم السعيديّ، عن أبي عمرو، والمشهور عنه: الإسكان. وتقدم أنها لغة تميم، وكسرهم لها نادر في قياسهم؛ لأنهم يخفّفون فعلا، يقولون في نمر: نمر. وقرأ ابن الفضل الأنصاري (٣)، والأعمش بفتح الشين. وروي عن الأعمش الإسكان، والكسر أيضا. قال الزمخشري: الفتح لغة. وقال ابن عطية: هي لغة ضعيفة. وقال المهدويّ: فتح الشين غير معروف، وإضافة المشرب إليهم في قوله: ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ لأنه لمّا تخصص كلّ مشرب بمن تخصّص به، صار كأنه ملك لهم، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل، لا على لفظها، ولا يجوز أن يعود على لفظها، فيقال: مشربه؛ لأن مراعاة المعنى هنا لازمة؛ لأن كل قد

стр. 599

أضيفت إلى نكرة، ومتى أضيفت إلى نكرة وجب مراعاة المعنى، فتطابق ما أضيفت إليه في عود ضمير، وغيره. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقال الشاعر: وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن حللنا قيده فهو سارب وقال: وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وتقول: كل رجلين يقولان ذلك، ولا يجوز في شيء من هذا مراعاة لفظ كل، وثمّ محذوف، تقديره: مشربهم منها؛ أي: من الاثنتي عشرة عينا، ونصّ على المشروب؛ تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة. والحكمة في قوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أنهم (١) لما أمروا بالأكل، والشرب من رزق الله، ولم يقيّد ذلك عليهم بزمان، ولا مكان، ولا مقدار من مأكول، أو مشروب، كان ذلك إنعاما، وإحسانا جزيلا إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المآكل، والمشارب، وأنه ينشأ عن ذلك القوة الغضبية، والقوة الاستعلائية تنهاهم عمّا يمكن أن ينشأ عن ذلك، وهو الفساد، حتى لا يقابلوا تلك النعم بما يكفرها، وهو الفساد في الأرض. وقال ابن عباس، وأبو العالية معناه: ولا تسعوا. وقال قتادة: ولا تسيروا. وقيل: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم؛ لأن كل سبط منكم قد جعل له شرب معلوم. وقيل معناه: لا تتمادوا في فسادكم. وقال ابن زيد: لا تطغوا. وهذه الأقوال كلها متقاربة. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها، وغيرها، ممّا قدّر أن يصلوا إليها، فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلّها. وأل لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها، من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات، والبطر يؤذن بانقطاع الغيث، وقحط البلاد،

стр. 600

ونزع البركات، وذلك انتقام يعمّ الأرض بالفساد. وحاصل المعنى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾. أي وقلنا لهم (١): كلوا مما رزقناكم من المن والسلوى، واشربوا ممّا فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد. وقد عبّر عن الحال الماضية بالأمر؛ ليستحضر السامع صورة أولئك القوم في ذهنه مرة أخرى، حتى كأنّهم حاضرون الآن، والخطاب موجّه إليهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: ولا تنشروا فسادكم في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، وقد جاء هذا النهي عقب الإنعام عليهم بطيب المأكل، والمشرب؛ خيفة أن ينشأ الفساد بزيادة التبسط فيهما؛ ولئلا يقابل النعم بالكفران، وقد أراد موسى ﵇ أن يجتث أصول الشرك التي تغلغلت جذورها في نفوس قومه، ويربأ بهم عن الذّلّ الذي ألفته نفوسهم، بتقادم العهد، واستعباد المصريين إياهم، ويعودهم العزة، والشّمم، والإباء بعبادة الله وحده. وكانوا لا يخطون خطوة إلا اجترحوا خطيئة، وكلّما عرض لهم شيء من مشاق السفر، برموا بموسى، وتحسّروا على فراق مصر، وتمنّوا الرجوع إليها، واستبطئوا وعد الله، فطلبوا منه أن يجعل لهم إلها غير الله، وصنعوا عجلا وعبدوه، وحينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدوا بها، اعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين، كما قصه الله : ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ فضرب الله سبحانه عليهم التيه أربعين سنة، حتى ينقرض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية، ويخرج جيل جديد يتربّى على العقائد الحقّة، وفضائل الأخلاق، فتاهوا هذه المدة، وقضى الله أمرا كان مفعولا. الإعراب ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
следующие страницы →