وحكمها في إهلاكهم بحيث لا يمنعها شيء، من قولهم سَوَّمْتُ فلانًا في الأمر، إذا حكمته فيه، وخَلَّيْتَه وما يُريد لا تثني له يد في تصرفه.
ويَرى بَعْضُ المفسرينَ أنَّ التسْوِيم كانَ حِسيًّا بخطوط في ألوانها أو بأمثال الخواتيم عليها، أو بأسماء أهلها، وكل ذلك من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بسلطان، ونص من خاتم الرسل، وأَنَّى هو. ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما هذه القرى التي حَلَّ بها العذابُ ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: منكم أيها المشركون من أهل مكة، الظالمون لأنفسهم بتكذيبك، والمماراة فيما تُنذرهم به ﴿بِبَعِيدٍ﴾؛ أي: بمكان بعيد عنكم، بل هي قريبة منكم على طريقكم في رحلة الصيف إلى الشام، كما قال في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؛ أي: وإنكم لتمرون على آثارهم، ومنازلهم في أسفاركم وَقْتَ النهار، وبالليل أفلا تعتبرون بما حَلَّ بهم.
وفي هذه عبرة للظالمين في كل زمان، وإن اختلفَ العذابُ باختلاف الأحوال وأنواع الظلم كثرةً وقلةً، ومقدار أثره في الأمة من إفسادٍ عامٍّ أو خاصٍّ.
وقيل المعنى: ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما هذه الحجارة الموصوفة من كل ظالم ببعيد، فإنهم بسبب ظلمهم مستحقونَ لها؛ أي: فإن الظالمينَ حقيق بأن تمطر عليهم، ومنهم كفار قريش، ومن عاضَدَهم على الكفر بمحمد ﷺ أو من الظالمينَ من قوم لوط، وتذكيرُ البعيد على تأويل الحجارة بالحجر، أو إجراء له على موصوف مذكر؛ أي: شيء بعيد، أو مكان بعيد، أو لكونه مصدرًا كالزفير، والصهيل، والمصادرُ يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث.
٨٤ - وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ معطوف كسابقه على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وهو اسم ابن إبراهيم الخليل ﵇، ثمَّ صَارَ اسمًا للقبيلة، أو اسْمُ مدينة بناها مَدْيَنَ، فسُمِّيت باسمه؛ أي: وأرسلنا إلى قبيلة مَدْيَنَ أو ساكني بلدةِ مدين ﴿أَخَاهُمْ﴾؛ أي: واحدًا منهم في النسب ﴿شُعَيْبًا﴾ عطف بيان له، وهو ابن مكيلِ بن يشجر بن مدين ﴿قَالَ﴾ استئناف بيانيٌّ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فلمَّا أتاهم قال: يا قوم اعبدوا الله،
стр. 5672
وحده، ولا تشركوا به شيئًا من الأصنام فـ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: لأنه ليس لكم إله سوى اللَّه تعالى، وقد جرَتْ سنة الأنبياءِ أن يَبْدؤوا بالدعوةِ إلى التوحيد؛ لأنه جِذْرُ شجرة الإيمان. ثمَّ يَتْبِعُونَه بالأهمِّ فالأهمِّ فيما يرون لدى أقوامهم، ومن ثم ثنى بالنهي عن نقص الكيل والميزان؛ لأنَّ أهْلَ مَدْينَ اعتادوا ذلك فقال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾؛ أي: آلة (١) الوزن والكيل، وكان لهم مكيالان، وميزانان: أحدُهما أكبَرُ من الآخر، فإذا اكتالوا على الناس يستوفون بالأكبر، وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخْسِرونَ بالأصغر، والمراد لا تنقصوا حَجْمَ المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوق الناس. ويجوز أن يكونَ من ذكر المحل، وإرادة الحال، فإذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائدٍ، وكذلك إذا وصل إليهم الموزونُ، أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا .. باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص، وكل من البَخْسَين شائع في هذا الزمان أيضًا كأنه ميراث من الكفرة الخائنين. وجملة قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ تعليل للنهي؛ أي (٢): لا تنقصوا المكيالَ، والميزان لأني أراكم بخير؛ أي: متلبسين بثروة وسعة في الرزق تغنيكم عن التطفيف، فلا تغيروا نعمةَ الله عليكم بمعصيته، والإضرار بعباده. ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها مما تنقصون لهم من المبيع في مكيل أو موزون، وكانوا تُجَّارًا مطففينَ إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم ينقصونَ المكيالَ والميزان. أَلاَ إنَّ في هذا كفرانًا لنعمة الله عليكم، إذ كان يجب عليكم شكرانها بالزيادة على سبيل الصدقة والإحسان.
ثمَّ ذكَرَ بعد هذه العلة، علَّةً أُخرى، فقال: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ﴾ وأخشى ﴿عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾؛ أي: يومًا يُحيط بكم عذابه، لا يشُذ منه أحدٌ منكم، إذا أنتم أصررتم على شرككم بالله بعبادة غيره، وكفرتم بنعمه بنقص المكيال والميزان. وهذا العذاب إما في الدنيا بعذاب الاستئصال، وإمَّا في يوم
стр. 5673
القيامة، ففي هذه العلة تذكير لهم بعذاب الآخرة، كما أنَّ العلة الأُولى فيها تذكير لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب: لأنَّ العذابَ واقعٌ في اليوم ففيه إسناد مجازيٌّ. ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يُشُذُّ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه مَلجأً ولا مهربًا. واليومُ هو يوم القيامة. وقيل: هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. وأصل (١) العذاب في كلام العرب من العذب، وهو: المَنْعُ، وسمِّي الماء عذبًا؛ لأنه يمنع العطشَ. والعذابُ عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقب عن معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره عن مثل فعله.
٨٥ - ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا﴾ وأتموا ﴿الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل بلا زيادة، ولا نقصان. ومعنى (٢): إيفاء الحق إعطاؤُه تامًّا كاملًا؛ أي اسْعوا في إعطاء الحق على وَجه التمام والكمال، بحيث يحصل لكم اليقينُ بالخروج عن العهدة وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ حال من فاعل ﴿أَوْفُوا﴾ أي متلبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان، فإنَّ الزيادةَ في الكيل والوزن وإن كانت تفضلًا مندوبًا إليه، لكنها في الآلة محظورة كالنقص، فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيال، والناقص للاستعمال وقتَ الكيل، كذا في "الإرشاد". وصرَّح بالإيفاء بعد النهي عن ضده؛ لأن النهيَ عن نقص حَجْم المكيال، وصنجات الميزان, والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال، والميزان للمعهود، فلا تكرار في الآية كما في "حواشي سعدي المفتي".
ثمَّ زاد ذلك تأكيدًا، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾؛ أي: ولا تنقصوا النَّاسَ ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ أي: حُقُوقَهم مطلقًا، ولا تأخذوها منهم ظلمًا؛ أي: سواء كانت من الموزونات أو المكيلات، أو المذروعات، أو المحدودات بحدود حسية، وسواء كانت من حقوق ماديَّة أو معنوية، وسواءٌ كانت للأفراد، أو الجماعات، وسواءٌ كانت جليلةً أو حقيرةً.
وفي هذا النهي عن البخس على العموم والأشياء أعمُّ مما يكال أو يوزن،
стр. 5674
فيَدْخُل فيه البَخْسُ بتطفيف الكيل والوزن دخولًا أوَّليًّا، وكانوا يأخذونَ من كلِّ شيء يباعُ شيئًا كما يفعل السماسرة، ويمكنون الناس وينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياءِ، وقيل: البخس المكس خاصة. ثم قال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العثي: أشدُّ الفساد؛ أي: ولا تفسدوا في الأرض؛ أي: ولا تفعلوا في الأرض ما ظاهِرُهُ الإِفْسَادُ حالةَ كونكم مفسدين؛ أي: قاصدينَ به الإفسادَ لا الإصلاحَ.
الإفساد: تعطيل يشمل مصالحَ الدنيا، وأمور الدين، وأخلاقَ النفس وصفاتها، وكلُّ ذلك فاش في عَصْرِنا، ومن الفساد: نقص الحُقُوق في المكيال والميزان. ومن الإفساد: قَصُّ الدراهم والدنانير، وترويج الزيوف ببعض الأسباب، وغير ذلك؛ أي: لا تفسِدوا في الأرض، وأنتم تتعمدون الإفسادَ، وإنما اشترط في النهي تعمد الإفسادِ؛ ليخرج بعضُ ما هو إفسادٌ في الظاهر، ويرادُ به الإصلاحُ، أو فعلُ أخفِّ الضرَرَين لدفع أثقلهما كما وقع من الخضر في السفينة، التي كانت لمساكين يعملون في البحر، لأجل منع الملك الظالم الذي وراءَهم من أخذها إذا أعجبته، وكما يقع في الحرب من قطع الأشجار، أو فَتحِ سُدَدِ الأنهار، أو إحراق بعض الغابات، أو قتل دواب أهل الحرب.
٨٦ - وهذا نَهْيٌ عام يشمل غير ما سَبَقَ كقطع الطرق، وتهديد الأمن وقطع الشجر، وقَتَل الحيوان، ونحو ذلك ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾؛ أي: ما أبقاه الله تعالى لكم بعد إيفاء الكيل والميزان, وترك الحرام من الربح الحلال فهي فعيلة بمعنى المفعول، وإضافتها للتشريف كما في بيت الله، وناقة الله، فإنَّ ما بقي بعد إيفاء الكيل، والوزن من الرزق الحلال يستحق التشريفَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: أكْثَرُ لكم بركةً، وأحمدُ عاقبةً مما تأخذونه بالتطفيف، وتجمعونه بالبخس من الحرام، فإن ذَلِكَ هبَاءٌ منثور، بل شر محض، وإن زعمتم أنَّ فيه خَيْرًا كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال في "شرح الشرعة": ولا يَخون أحد في مبايعته بالحِيَل والتلبيس، فإنَّ الرزق لا يزيد بذلك، بل تزول بركته فمَنْ جمع المال بالحِيل حَبَّةً حَبَّةً يهلكه الله جملة قبة قبة، ويبقَى عليه وزره ذرة ذرة، كرجل
стр. 5675
كان يخلط اللبنَ بالماء ليُرَى كثيرًا، فجاء السيل، وقَتَلَ بقَرَهُ، فقالَت صِبيته: يا أبت قد اجتمعت المياه الَّتي خلطتها في اللبن، وقتلتْ البقرَ. وقرأ (١) إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة: ﴿بَقِيَّةٍ﴾ بتخفيفِ الياء. قال ابن عطية: هي لغةٌ، انتهى. وذلك أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللازم أن يكون على وزن فعِلٍ نحو: سَجِيَتِ المرأة فهي سَجِيَة، فإذا شدَّدت الياءَ .. كان على وزن فعيل للمبالغة. وقرأ الحسن: ﴿تَقِيَّة﴾ بالتاء، وهي تقواه، ومراقبته الصارفة عن المعاصي فقوله: ﴿بقيت الله﴾ يُرْسَم بالتاء المجرورة، وإذا وقفت عليه اضطرارًا يصح الوقف بالمجرورة، والمربوطة، وليس في القرآن غيرها، اهـ "فتوحات"؛ أي: المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق التطفيف ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين لي في مقالتي لكم، أو إن كنتم مؤمنين به تعالى حقَّ الإيمان, فالإيمان يطهِّر النفسَ من رَذيلةِ الطمع، ويحلِّيها بفضيلة السَّخاءِ والكرم، وإنما شرط (٢) الإيمان في خيريَّة ما بقي بعد الإيفاءِ, لأنَّ فَائِدَتَهُ وهي حصول الثوابِ، والنجاةُ من العقاب إنما تَظْهَرُ مع الإيمان, فإنَّ الكَافِرَ مخلد في عذاب النيران، ومحروم مِن رضوانِ الله تعالى، وثواب الرحمنِ، سواء أوفى الكيلَ والميزانَ أو سلَكَ سبيل الخوان.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: برقيب (٣) أرقبُكم عند كيلكم، ووَزْنِكم؛ أي: لا يُمْكِنُني شهودُ كُلَّ معاملة تصدرُ منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق، وقيل: أي: لا يتهيَّأ لي أن أَحْفَظَكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم، اهـ "قرطبي". وقيل (٤): أي: وما أنا بالذي أستطيع أن أحْفَظَكم من القبائِح، وإنَّما أنا ناصحٌ مبلِّغ، وقد أعْذَرَتُ إذ أنْذَرْتُ، ولم آل جهدًا في ذلك.
فائدة: واعلم (٥) أنَّ العدلَ ميزان الله في الأرض، سواء كان في الأحكام، أو في المعاملات، والعدول عنه يؤدِّي إلى مؤاخذة العباد، فينبغي أن يتجنَّب الظلم، والمرادُ بالظلم أن يتضرَّرَ به الغير، والعدل أن لا يتضرَّرَ منه أحدٌ بشيء ما. قال
стр. 5676
عكرمة: أشهدُ أنَّ كُلَّ كيَّالَ، ووزان في النار. قيل له: فَمَنْ أوفى الكيلَ والميزانَ؟ قال: ليس رجل في المدينة يكيل كما يكتال، وَيزِن كما يَتَّزِنُ، والله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾. وقال سعيد بن المسيب: إذا أتيت أرضًا يوفون المكيالَ والميزانَ .. فأطل المقامَ فيها، وإذا أتيتَ أرضًا ينقصون المكيالَ والميزانَ .. فأقِلَّ المقامَ فيها. وفي الحديث: "ما ظهر الغُلولُ في قوم، إلا أَلْقَى اللَّهُ في قلوبِهِم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم، إلا كثر فيهم الموت، ولا نَقَصَ في قوم المكيالُ والميزان إلا قَطَعَ الله عنهم الرزقَ، ولا حَكَم قومٌ بغير حق إلا فشا فيهم الدَّمُ، ولا خَتَرَ قومٌ بالعهد إلَّا سَلَّطَ الله عليهم العدو". قوله: ولا ختر؛ أي: غَدَر، ونقض العهد، كما في "الترغيب".
الإعراب
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ (الواو) استئنافية. (اللام) موطئة للقسم. (قد) حرف تحقيق. ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جوابُ القسم لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿بِالْبُشْرَى﴾ جار ومجرور حال من ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: حالةَ كونهم متلبسينَ بالبشرى. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿سَلَامًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: نسلم عليك سلامًا، أو: سلمنا عليك سلامًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف تقديره عليكم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمري؛ أو قولي: ﴿سلام﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَمَا﴾ (الفاء) حرف عطف وتعقيب. (ما) نافية. ﴿لَبِثَ﴾ فعل ماض. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿جَاءَ﴾ فعل ماض في محل النصب بـ (أن) وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿بِعِجْلٍ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿جَاءَ﴾. ﴿حَنِيذٍ﴾ صفة لعجل، وجملة ﴿جَاءَ﴾ صلة (أن) المصدرية، (أَن) مع صلتها في تأويل
стр. 5677
مصدر مرفوع على الفاعلية، تقديره: فما تأخَّر مجيؤه بعجل حنيذ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب ضَرَبْنا عنها صَفْحًا خَوفَ الإِطالة.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء) عاطفة. (لما) حرف شرط. ﴿رَأَى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ مفعول به؛ لأن رأى بصرية، والجملة فعل شرط لـ (لما). ﴿لَا﴾ نافية. ﴿تَصِلُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الأيدي. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال من الأيدي. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة الفعلية جواب (لمَّا)، وجملة (لمَّا) معطوفة على محذوف تقديره: فقرَّبه إليهم، فقال: ألا تأكلون، فلمَّا رأى أيديهم إلخ، كما سيأتي التصريح بهذا المقدر في الذاريات. ﴿وَأَوْجَسَ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خِيفَةً﴾. ﴿خِيفَةً﴾ مفعول ﴿أَوجس﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾ ناهية. ﴿تَخَفْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبراهيم﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿أُرْسِلْنَا﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن) وجملة (إن) مسوقة لتعليل النهي قبلها على كونها مقولَ القول.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾؛ أي: ﴿قَالُوا﴾ ذلك في حال قيام امرأته. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿ضحكت﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرأته، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَوْجَسَ﴾. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿ضحكت﴾. ﴿بِإِسْحَاقَ﴾ متعلق به. ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ جار ومجرور،
стр. 5678
ومضاف إليه متعلق بمحذوف تقديره: ووهبناها من وراء إسحاق. ﴿يَعْقُوبَ﴾ مفعول ثان لذلك المحذوف، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿بشرناها﴾ ويجوز أن يكون ﴿من وراء إسحاق﴾ خبرًا مقدمًا، و ﴿يعقوب﴾ بالرفع مبتدأ مؤخرًا، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿إسحاق﴾.
﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
﴿قَالَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿امرأته﴾ والجملة مستأنفة. ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: (يا) حرف نداء. ﴿ويلتا﴾ منادى منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف بعد قلب الكسرة فتحةً لمناسبة الألف، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة؛ لأن ما قبل الياءِ لا يكون إلا مكسورًا، ﴿ويلة﴾ مضاف. وياء المتكلم المنقلبة ألفًا في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول قال. وقد بيَّنَّا إعراب هذه الكلمة في ضمن نظائرها كـ (يا) (حسرتا) مع مسائلَ نفيسةٍ فيها في رسالتنا "هَدِية أولى الإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها، وهي مطبوعة منتشرة. ﴿أَأَلِدُ﴾ (الهمزة) للاستفهام الإنكاري. ﴿ألد﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على سارة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جَوَاب النداء. ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿ألد﴾. ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها حالًا من فاعل ﴿ألد﴾. ﴿شَيْخًا﴾ بالنصب حال من بعلي، والعامل فيه اسم الإشارة، لما فيه من معنى الفعل، وبالرفع بدل من بعلي أو عطفُ بيان له. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَشَيْءٌ﴾ خبره، واللام للابتداء. ﴿عَجِيبٌ﴾ صفة له، وجملة: إنَّ في محل النصب مقول (قال) على كونها مستأنفة.
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَتَعْجَبِينَ﴾ إلى آخر الآية مقول
стр. 5679
محكي، وإن شئت قلت: (الهمزة) للاستفهام الإنكاري. ﴿تعجبين﴾ فعل مضارع مرفوع بالنون، و (الياء) فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ مبتدأ. ﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾ معطوف عليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ منادى مضاف، حذف منه حرف النداءِ، أو منصوب على الاختصاص، وجملة النداء، أو الاختصاص في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿حَمِيدٌ﴾ خبر أول له. ﴿مَجِيدٌ﴾ خبر ثان، وجملة (إنَّ) في محل النصب مقول قال.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء) استئنافية. (لما) حرف شرط. ﴿ذَهَبَ﴾ فعل ماض. ﴿عَنْ إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلق به. ﴿الرَّوْعُ﴾ فاعل، والجملة فعل شرط لـ (لمَّا). ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿ذَهَبَ﴾. ﴿يُجَادِلُنَا﴾ فعل ومفعول. ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة جواب (لما) لأنه بمعنى جَادَلَنا عَبَّرَ عنه بالمضارع حكايةً للحال الماضية. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَحَلِيمٌ﴾ خبر أول له. ﴿أَوَّاه﴾ خبر ثان. ﴿مُنِيبٌ﴾ خبر ثالث، وجملة (إن) مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.
﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لقول محذوف، تقديره: قالوا: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال إلخ. وإن شئت قلت: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب، مقول لذلك القول المحذوف. ﴿أَعْرِضْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿عَنْ هَذَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لذلك القول، على كونها جوابَ النداء. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر (إنَّ) مستأنفة مسوقة لتعليل ما
стр. 5680
قبلها على كونها مقولَ القول. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿آتِيهِمْ﴾ خبر (إنَّ) ومضاف إليه. ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل ﴿آتي﴾. ﴿غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ صفة عذاب، وجملة إن معطوفة على جملة (إن) الأولى على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ (الواو) استئنافية. ﴿لما﴾ حرف شرط. ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة فعل شرط لـ (لما). ﴿سِيءَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على (لوط). ﴿بِهِم﴾ متعلق به، والجملة جواب لمَّا، وجملة (لما) مستأنفة. ﴿وَضَاقَ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿سِيءَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿لوط﴾. ﴿بِهِم﴾ متعلق به. ﴿ذَرْعًا﴾ تمييز محول عن الفاعل. ﴿وَقَالَ﴾ معطوف على ﴿سِيءَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿لوط﴾. ﴿هَذَا يَوْمٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿عَصِيبٌ﴾ صفة ﴿يَوْمٌ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾.
﴿وَجَاءَهُ﴾ فعل ومفعول. ﴿قَوْمُهُ﴾ فاعل والجملة مستأنفة. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿قَوْمُهُ﴾. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب خبر (كان) وجملة (كان) في محل النصب على الحال معطوفة على جملة ﴿يُهْرَعُونَ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿هُنَّ أَطْهَرُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَطْهَرُ﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدرٍ، تقديره: إذا عرفتموهن أطهر وأردتُم بيانَ ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم. ﴿اتقوا اللَّه﴾
стр. 5681
فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا﴾ (الواو) عاطفة. (لا) ناهية جازمة. ﴿تُخْزُونِ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذفُ النون، و (النونُ) للوقاية و (ياء) المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة في محل النصب مفعول به، ﴿فِي ضَيْفِي﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿أَلَيْسَ﴾ (الهمزة) للاستفهام التوبيخي. ﴿ليس﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِنْكُمْ﴾ خبر ﴿ليس﴾ مقدم. ﴿رَجُلٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿رَشِيدٌ﴾ صفة لـ ﴿رجل﴾، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: (اللام) موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿علمت﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جوابُ القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿لَنَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ، أو لـ (ما) الحجازية. ﴿فِي بَنَاتِكَ﴾ متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿مِنْ حَقٍّ﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم (ما) الحجازية و (من) زائدة، والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي ﴿علم﴾. ﴿وَإِنَّكَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَتَعْلَمُ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿تعلم﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿لوط﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة، أو مصدرية، أو استفهامية معلقة ما قبلها في محل النصب مفعول (تعلم) , لأنه بمعنى عرف. ﴿نُرِيدُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على قوم لوط، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما نريده، أو لتعرف إرادتنا، وجملة ﴿تعلم﴾ في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب معطوفة على جملة القسم، على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ أَنَّ لِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف تمن أو شرط.
стр. 5682
﴿أَنَّ﴾ حرف نصب. ﴿لِي﴾ خبر مقدم, لأن ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿قُوَّةً﴾ لأنه صفة نكرة قُدِّمت عليها. ﴿قُوَّةً﴾ اسم (أن) مؤخر، وجملة (أن) في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لفعل محذوف تقديره: لو ثبت كون قوة بكم لي .. لبطشت بكم أو أتمنى ثبوتَ قوة بكم لي، وجملة ﴿لو﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿آوِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على لوط. ﴿إِلَى رُكْنٍ﴾ متعلق به. ﴿شَدِيدٍ﴾ صفة ﴿رُكْنٍ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر, لأن المحذوفة، تقديره: أو أني مؤوٍ إلى ركن شديد، وجملة أن المقدرة في محل الرفع معطوفة على جملة (أن) الأولى على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، والتقديرُ: لو ثبَتَ كون قوة بكم لي، أو إيوائي إلى ركن شديد .. لبطشتُ بكم.
﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا لُوطُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا لُوطُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب، مقول القول. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿رُسُلُ رَبِّكَ﴾ خبره، ومضاف إليه، وجملة (إنَّ) في محل النصب مقولَ القول على كونها جوابَ النداء. ﴿لَنْ يَصِلُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية مفسرة للجملة التي قبلها على كونها مقول القول. وقال أبو حيان: والجملة من قوله: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ موضحة للذي قبلها, لأنهم إذا كانوا رسل الله، لن يصلوا إليه، ولم يقدروا على ضرره، ثم أمروه بأنْ يَسْرِيَ بأهله، انتهى. ﴿فَأَسْرِ﴾ (الفاء) عاطفة. (أسر) فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير يعود على لوط. ﴿بِأَهْلِكَ﴾ جار ومجرور حال من فاعل (أسْر)؛ أي: متلبسًا بأهلك، والجملة في محل النصب بالقول معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿بِقِطْعٍ﴾ (الباء) حرف جر بمعنى (في). (قطع) مجرور به، الجار والمجرور متعلق (بأسر). ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفه لـ (قطع).
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
стр. 5683
أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ﴾ جازم ومجزوم. ﴿مِنْكُمْ﴾ حال من ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَسْرِ﴾. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب على الاستثناء من الأهل، أو من ﴿أَحَدٌ﴾ أو بالرفع على البدلية من ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿إنه﴾ ناصب واسمه. ﴿مُصِيبُهَا﴾ خبره، وجملة (إن) مسوقة لتعليل الاستثناء على كونَها مقولَ القول. ﴿مَا أَصَابَهُمْ﴾ (ما) موصولة، أو موصوفة في حل الرفع فاعل لـ (مصيب). ﴿أَصَابَهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على (ما)، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها. وعبارة أبي حيان هنا: والضمير في ﴿إنه﴾ ضمير الشأن، و ﴿مُصِيبُهَا﴾ مبتدأ و ﴿مَا أَصَابَهُمْ﴾ الخبر. ويجوز على مذهب الكوفيينَ أن يكونَ ﴿مُصِيبُهَا﴾ خبر (إن) و ﴿مَا أَصَابَهُمْ﴾ فاعل به, لأنهم يجيزون إنه قائم أخواك. ومذهب البصريين أن ضميرَ الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحًا بجزئيها، فلا يجوز هذا الإعراب عندهم، انتهت. ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ ناصب واسمه، وخبره، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿أَلَيْسَ﴾ (الهمزة) للاستفهام التقريري. ﴿ليس الصبح﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿بِقَرِيبٍ﴾ خبره و (الباء) زائدة، والجملة في محل النصب مقول القول.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصَحَتْ عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عَرفْتَ ما قالوا له، وأردتَ بيانَ عَاقِبَةِ أمرهم .. فأقول لك. ﴿لما جاء أمرنا﴾ ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ (لما). ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ فعل وفاعل، ومفعولان، والجملة جواب (لما) وجملة (لما) في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق به. ﴿حِجَارَةً﴾ مفعول ﴿أمطرنا﴾. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿حِجَارَةً﴾. ﴿مَنْضُودٍ﴾ صفة لـ ﴿سِجِّيلٍ﴾. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ حال من ﴿حِجَارَةً﴾. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿مُسَوَّمَةً﴾. ﴿وَمَا﴾
стр. 5684
(الواو) عاطفة، أو حالية، أو استئنافية. (ما) حجازية، أو تميمية. ﴿هِيَ﴾ اسمها، أو مبتدأ. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ متعلق ﴿بِبَعِيدٍ﴾. ﴿بِبَعِيدٍ﴾ خبر (ما) أو خبر المبتدأ و (الباء) زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أمطرنا﴾ أو حال من ﴿حِجَارَةً﴾ أو مستأنفة.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ﴾.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره، ولقد أرسلنا إلى مدين، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والعجمة، والجملة المحذوفة، معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾. ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾ المحذوف. ﴿شُعَيْبًا﴾ عطف بيان منه. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على شعيب والجملة مستأنفة. ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ﴾ مقول محكي، وإن شئت .. قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم. ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُهُ﴾ صفة ﴿إِلَهٍ﴾، والجملة الاسمية مسوقة لتعليل ما قَبلَها على كونَها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ معطوف على ﴿الْمِكْيَالَ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ على كونها مَقُولَ ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرَاكُمْ﴾ فعل ومفعول به؛ لأنَّ رأى بصرية. ﴿بِخَيْرٍ﴾ حال من ضمير المخاطبين؛ أي: متلبسين ﴿بِخَيْرٍ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿شعيب﴾، وجملة ﴿أَرى﴾ في محل الرفع خبر (إن)، وجملة إنَّ مسوقة لتعليل ما قبلها على كونِهَا مقولَ القول. ﴿وَإِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَخَافُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على شعيب. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿مُحِيطٍ﴾ صفة مجازية لـ ﴿يَوْمٍ﴾ وجملة ﴿أَخَافُ﴾ في محل
стр. 5685
الرفع خبر (إنَّ) وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها عِلَّةً ثانيةً لما قبلها.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على المنادى الأول. ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ معطوف عليه. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ حال من (واو) ﴿أَوْفُوا﴾؛ أي: متلبسين ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وجملة ﴿أَوْفُوا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعولان مجزوم بـ (لا) الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ (لا) الناهية. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به. ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لفاعل ﴿تَعْثَوْا﴾ والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ (إن) على كونه فِعلَ شرط لها. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبره، وجواب (إن) معلوم ما قبلها تقديره: فهي خير لكم، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة. (ما) نافية أو حجازية. ﴿أَنَا﴾ مبتدأ أو اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ﴿بِحَفِيظٍ﴾. ﴿حفيظ﴾ خبر المبتدأ أو خبر (ما) و (الباء) زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ أي: فما تأخر، وأَبْطَأَ مجيؤه. ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والعجل، ولدُ البقر، والحنيذُ المشوي على الحجارة المحماة في حفرة في الأرض من غير تنور. وفي "المختار": حَنَذَ الشاة شَوَاها، وجعل فَوْقَها حجارة محماة لينضجها، فهو حنيذ، وبابه ضرب, اهـ. وقيل: هو المشويُّ بحر الحجار من غير أن تمسَّه
стр. 5686
النار، وهو فعيل بمعنى مفعول كما مر. ﴿لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ لا تمتد للتناول. ﴿نَكِرَهُمْ﴾، وفي "المختار" نكره بالكسر نكرًا بضم النون، وأنكره واستنكره كله بمعنى، اهـ. ويقال: نكرته، وأنكرته، واستنكرته إذا وجدتَه على غير ما تعهَد، ومنه قول الشاعر:
فَأنْكَرَتْنِي ومَا كَانَ الَّذِيْ نَكرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
فجمع بين اللغتين، ومما جمع فيه بين اللغتين قول الشاعر:
إِذَا أَنْكَرَتْنِيْ بَلْدَةٌ أَوْ نَكَرْتُهَا ... خَرَجْتُ مَعَ الْبَازِيْ عَلَيَّ سَوَادُ
وقيل: يقال: أنكرت لما تراه بعينك، ونَكِرْتَ لما تراه بقلبك. قيل: وإنما استنكر منهم ذلك؛ لأنَّ عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم، ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بِشَر. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وأوجس القلبُ فَزَعًا إذا أحسَّ به. وفي "البيضاوي": الإيجاسُ: الإدراك. وقيل: الإضمار، اهـ. وفي "السمين": الإيجاس: حديث النفس، وأصله: من الدخول، كأنه دَاخله، والوجيس ما يَعْترِي النفسَ أوانَ الفزع، ووَجَسَ في نفسه كذا، أي: خَطَرَ بها يَجِسُ وَجْسًا، ووجُوسًا ووَجِيسًا، اهـ.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ أصل الضحك: انبساط الوجه مِن سرُورَ يحصل للنفس، ولظُهُور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك، ويستعمل في السُّرور المجرد، وفي التعجب المجرد أيضًا. ثُم للعلماء في تفسير هذا الضحك قولان: أحدهما: أنه الضحك المعروف، وعليه أكثر المفسرين. والقول الثاني: أنه بمعنى حاضت في الوقت، كما قاله مجاهد، وعكرمة، وأنكر بعض أهل اللغة ذلك. قال الراغب: وقول مَنْ قال: حاضت، فليس ذلك تفسيرًا لقوله: فضحكت، كما تصوره بعض المفسرين، اهـ "خازن" بتصرف. ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ الوَراءُ فعالٌ، ولامه همزة عند سيبويه، وأبي علي الفارسي، وياء عند العامة، وهو من ظروف المكان بمعنى خلف، وقدام، فهو من الأضداد، وقد يستعار للزمان كما في هذا المكان، اهـ "روح المعاني". ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ أصلها: يا ويلى وهي كلمة تُقَال حين يَفْجَأُ الإنسان أمر مهم من بلية، أو فَجِيعَة، أو فضيحة على جهة التعجب منه، أَو
стр. 5687
الاستنكار له، أو الشكوى، وإيضاحُه أنه أضاف الويلَ إلى ياء النفس، فاستثقلت الياءِ على هذه الصورة، وقبلَها كسرة ففُتِحَ ما قَبلَها، فانقلبت الياءُ ألفًا؛ لأنها أخف من الياء، والكسرة، ورسمت بالياء، اهـ "كرخي".
وفي "السمين" الظاهر كون الألفِ بدلًا من ياء المتكلم، ولذلك أمالَها أبو عمرو، وعاصم في رواية, وبها قرأ الحسن: (يا ويلتي) بصريح الياء. وقيل: هي ألف الندبة، ويوقف عليها بهاء السكت، اهـ. ﴿بَعْلِي﴾ البعل: الزوج، وجمعه بعولة، ومعناه في الأصل، المستعلي على غيره كما مر في مبحث التفسير. ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: من قدرته وحكمته. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ الحميدُ: هو الذي يُحْمَد على كل أفعاله، وهو المستحق؛ لأن يحمد في السراء والضراء، والشدة والرخاء. والمجيد: الواسع الكريم، وأصل المجد في كلامهم: السعة، اهـ "خازن". وفي "القاموس": ومجد كنصر، وكرم، مجدًا، ومجادةً فهو ماجد، ومجيد، وأمجده، ومجده، وعظَّمه، وأثنى عليه، اهـ. وقال الغزالي، ﵀: المجيد الشريف ذَاتُهُ، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكانَ شريفَ الذات إذا قارنه حُسْن الفعالِ يسمَّى مَجِيدًا.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الروع بالفتح الخوف، والفزع، يقال: ارتاع من كذا إذا خاف منه، وبضم الراء القلبَ لكن القراءة بالفتح. ﴿لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ الحليمُ الذي لا يُحِبُّ المعاجلة بعقاب، والـ ﴿أَوَّاهٌ﴾ الكثير التأوه مما يسوء ويؤلم. والمنيب الذي يرجع إلى الله في كل أمر. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾؛ أي: وقع فيما ساءه وغمه بمجيئهم. ﴿ذَرْعًا﴾ الذرعُ، والذراع: منتهى الطاقَة، يقال: ما لي به ذرع، ولا ذراع؛ أي: ما لي به طاقة، ويقال: ضقت بالأمر ذرعًا، إذا صَعُبَ عليك احتماله. قال الأزهري: الذرعُ يوضع موضعَ الطاقة، والأصل فيه: أنَّ البعير يَذْرَعُ بيديه في سيره ذرعًا على قَدْرِ سعةِ خطوه، فإذا حُمِلَ عليه أكثر من طَوْقِه، ضاق ذرعه عن ذلك، وضَعُف، ومدَّ عُنُقَه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع، والطاقة، فمعنى: وضاق بهم ذرعًا؛ أي: لم يجد من ذلك المكروه مَخْلَصًا. وقال غيره: معناه: وضَاقَ بهم قَلْبًا، وصدرًا، ولا يعرف أصله إلَّا أن يقال: إنّ الذرع كنايةٌ عن الوُسْعِ، والعرب تقول: ليس هذا في يدي يعنون ليس
стр. 5688
هذا في وسعي, لأن الذِّرَاعَ من اليد، ويقال: ضَاق فلان ذرعًا بكذا، إذا وقع في مكروه، ولا يطيق الخروجَ منه، وذلك أن لوطًا ﵇، لمَّا نَظَرَ إلى حُسْنِ وجوههم، وطيب رائحتهم، أشفَقَ عليهم من قومه، وخَافَ أن يَقْصدُوهم بمكروه، أو فاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم، اهـ "خازن". والـ ﴿عَصِيبٌ﴾ الشديد، الأذى، كأنه قد عُصِبَ به الشرُّ، والبلاء؛ أي: شُدَّ به مأخوذ من العصابة التي يشد بها الرأس، اهـ "خازن".
﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يقال: هرع وأُهرع بالبناء للمفعول إذا حمل على الإسراع، وأعجل، فمعنى: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ المبني للمفعول يساقون، ويُدْفَعون. وقال الكسائي: لا يكون الإهراعُ إلا إسراعًا مع رِعْدةٍ مِنْ بَرْدٍ، أو غَضَبٍ، أو حمًّى أو شهوةً. وفي "القاموس" والهَرَعُ محَرَّكٌ، وكغراب، والإهراع مشي في اضطراب وسرعة، وأقْبَلَ يُهْرَعُ بالضم، وأُهرع بالبناء للمجهول، فهو مُهْرَعٌ مَن غَضَب، أو خوف، وقد هَرعَ كفرح، ورجل هَرِعٌ سريع البكاء، اهـ. ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ في الآية سؤال كما مرَّ، وهو أن يقال: إن قولَه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أفعَل تفضيلٍ فيقتضي أن يكونَ الذي يطلبونه من الرجال طاهرًا، ومعلوم أنه محرَّمٌ فاسدٌ نَجِسٌ لا طهارةَ فيه ألبتةَ، فكيف قال هن أطهر لكم؟. والجواب عن هذا السؤال أنَّ هذا جارٍ مجرى قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾، ومعلوم أن شجرةَ الزقوم لا خَيْرَ فيها، اهـ "خازن".
﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾؛ أي: لا تخجلوني في شأن ضيفي، فإنه إذا خُزي ضَيفَ الرجل، أو جَارُه، فقد خزِيَ الرجُلُ، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة، اهـ "كرخي". والضيفُ في الأصل: مصدر، ثم أطلق على الطارق لَيْلًا إلى المضيف، ولذلك يَقَعُ على المفرد، والمذكر، وضِدَّيْهِما بلفظ واحد، وقد يثنَّى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال: أضياف، وضيوف، كأبيات، وبيوت، وضيفان كحوض وحيضان، اهـ "سمين". والـ ﴿رَشِيدٌ﴾ ذو الرُّشد والعقل. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾؛ أي: على الدفع بنفسي. ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ من أرباب العصبيات القوية الذين يَحْمُونَ اللاجئين، ويُجِيرون المستجيرينَ. والـ ﴿رُكْنٍ﴾ بسكون الكاف وضمها: الناحيةُ مِن جبل وغيره، ويُجْمَعُ على أركان وأَرْكُن.
стр. 5689
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ السري، بالضم، والإسراء في الليل كالسير في النهار. ﴿بِأَهْلِكَ﴾ وهم بنتاه فلم يخرج من القرية إلا هو وبنتاه فقط. والقطع من الليل الطائفة منه، والقطع هنا: نصف الليل؛ لأنه قطعة منه مساوية لباقيه.
والسِّجِّيلُ الطين المتحجّر كما جاء في الآية الأخرى.
﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ قال الراغبُ: هو حجر وطين مختلط، أصله فارسي فعرب. ﴿مَنْضُودٍ﴾ صفة لـ ﴿سِجِّيلٍ﴾ أي وضع بعضه على بعض، وأُعِدَّ لعذابهم. والنضد جعل الشيء بعضه فوق بعض، ومنه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ أي متراكب، والمرادُ: وصف الحجارة بالكثرة. ﴿مُسَوَّمَةً﴾؛ أي: لها سومة بالضم، أي علامة خاصَّة من التسويم، وهو العلامة. وفي "البيضاوي": مُسَوَّمة؛ أي: عليها اسم من يُرْمَى بها. وقيل: مُعَلَّمَة للعذاب. وقيل: مُعَلَّمة ببياض، أو حمرة، أو بسيما تتميز بها عن حجارة الأرض. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أَي: في علم ربك. ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ و (نقص) يتعدى لاثنين إلى أولهما بنفسه، وإلى ثانيهما بحرف الجر، وقد يحذف تقول: نقصت زيدًا حقه، ومن حقه، وهو هنا كذلك إذ المراد، ولا تنقصوا الناسَ من المكيال والميزان. ويجوز أن يكونَ متعديًا لواحد على معنَى لا تَقَالُّوا، وتطففوا، ويجوز أن يكونَ مفعولًا أول، والثاني: محذوف، وفي ذلك مبالغة، والتقديرُ: ولا تنقصوا المكيالَ والميزانَ حَقَّهما الذي وجب لهما، وهو أبلغ في الأمر بوفائهما، اهـ "سمين". والمكيال، والميزان: الآلة التي يوزن، أو يكال بهما، ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ مِنْ عَثِيَ كفرح، فمصدره عِثي كعصي، وهو القياسي أو عثو كسمو، وهو سماعيٌّ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وفي قوله: ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ﴾.
ومنها: نداء غير العاقل في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ تنزيلًا لها منزلةَ العاقل.
стр. 5690
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾.
ومنها: الطباق بين الروع والبشرى في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ إلخ، لبيان الحامل له على المجادلة، وهو رِقَّةُ قَلْبِه وفَرْطُ رحمته.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ لأنه كنايةٌ عن العذاب الذي قضاه الله عليهم.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ لأنه كناية عن ضيق الوسع، والطاقة.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شبه اليوم الذي اشتمل على الشر، والأذى بالرأس الذي عُصِب بالعصابة، بجامع الاشتمال في كل.
ومنها: الاستفهام التوبيخي التعجبي في قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال الشريف الرضي: وهذه استعارة، والمراد به قومه، وعشيرته، جعلهم ركنًا له؛ لأنَّ الإنسان يلجأ إلى قبيلته، ويَستند إلى أعوانه كما يستند إلى ركن البناء الرَّصين، وجاء جواب لو محذوفًا تقديره: لَحُلْتُ بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، والحذفُ ههنا أبلغ؛ لأنه يوهم بعظيم الجزاء، وغليظ النكال.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ وحقُّ العبارة أن يقال: جَادَلنا.
стр. 5691
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أُسند الإحاطةَ لليوم مع أنَّ اليَوْمَ ليس بِجِسْمٍ باعتبار أنَّ العذَابَ يكون فيه فهو من إسناد ما للحال إلى المحل: كنهاره صائم.
ومنها: الإضافة (١) للتشريف في قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ كما في بيتِ الله، و ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، فإنَّ ما بقي بعد إيفاء الكيل، والوزن من الرزق الحلال، يستحق التشريفَ، كما ذكره في "روح البيان".
ومنها: ذِكْرُ الخاصِّ ثم العام، ثم الأعَمَّ مبالغةً في النصح، ولطفًا في استدراجهم إلى طاعة الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ إلى آخر الآية الثانية: حَيْثُ نُهوا (٢) أولًا عن القبيح الذي كانوا يتعاطونه، وهو نقص المكيال، والميزان, وفي التصريح بالنهي نعي على المنهي، وتعيير له، وأمروا ثانيًا بإيفائهما مصرَّحًا بلفظهما، ترغيبًا في الإيفاء، وبَعْثًا عليه، وجيء بالقسط، ليكون الإيفاء على جهة العدل والتسوية، وهو الواجب؛ لأنَّ ما جاوزَ العَدْلَ فضل، وأمر مندوب إليه، ونهوا ثَالِثًا عن نقص الناس أشياءهم، وهو عام في الناس، وفيما بأيديهم من الأشياء كانَتْ مما تكال وتوزن، أو غير ذلك، ونهوا رابعًا عن الفساد في الأرض، وهو أعم من أن يكون نقصًا، أو غيره فبَدَأَهم أولًا بالمعصية الشنيعة التي كانوا عليها بعد الأمر بعبادة الله تعالى، ثُمَّ ارتقى إلى عام، ثم إلى أعم منه، وذلك مبالغة في النصح لهم، ولُطْفٌ في استدراجهم إلى طاعة الله تعالى.
ومنها: الزيادة والحَذْفُ في عِدّةِ مواضع.
والله أعلم
* * *
وحدَه، وعدم النقص في الكيل والوزن .. ذكر هنا رَدَّهم على كلا الأمرين، فردوا على الأول، بأنهم إنما ساروا على منهج آبائهم، وأسلافهم، في التدين، والإيمان, ورَدُّوا على الثاني بأنهم أحرارٌ في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحةَ فيها.
ثم أعاد النصحَ لهم بأنه لا يريد لهم إلا الإصلاح، وأنه يخشى أن يصيبَهم مثل ما أصابَ الأمم قبلَهم، كقوم نوح أو قوم هود، وما الأحداث التي اجتاحَتْ قوم لوط ببعيدَة عنكم، فعليكم أن تتوبوا إلى ربكم، عَلَّه أن يَرْحَمَكم فهو واسع الرحمة، محب لمن تَابَ وأناب إليه.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبتُها لما قَبْلَها: أنه لما أمرهم (١) شعيب بعبادة الله, وترك عبادة أوثانهم، وبإيفاء المكيال والميزان, رَدُّوا عليه على سبيل الاستهزاءِ والهُزْءِ بقولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾، وكانَ كثيرَ الصلاة، وكان إذا صلى تغامزوا، وتضاحكوا، ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ مقابلُ لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ أو أنْ نفعلَ في أموالنا ما نشاء مقابلٌ لقوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنهم (٢) لما جادلوه أولًا بالتي هي أحسن، وعميَت عليهم العلل، وضاقَت بهم الحِيل، ولم يجدوا للمحاورة ثمرةً، تحولوا إلى الإهانة، والتهديد، وجعلوا كَلامَهُ من الهذيان، والتخليط الذي لا يفهم معناه، ولا تُدْرَكُ فحواه، فقابلهم بالإنذار بقرب الوعيد، ونزول العذاب الشديد.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها، أن الله ، لمّا فرغ من ذكر قصة شعيب، صهر موسى، مع قومه .. أرْدفَ بذكر قصص موسى مع فرعون، وملأه، للإعلام بأنَّ عاقبةَ فرعون وأشراف قومه اللعنةُ والهلاك، ككفار أولئك الأمم
стр. 5694
الظالمين، وإن كان عذابُ الخزي وهو الغرق في البحر .. لم يعم جَمِيعَ قومه، بل لَحِقَ من اتبع موسى، وسار أثره للأسباب التي سلف ذكرها في سورة الأعراف.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ...﴾ الآيات، مناسبةُ هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) قصص الأمم الماضية، والقرون السالفة مع الرسل الذين أُرسِلوا إليهم .. نَبَّه إلى ما في ذكرها من عظة واعتبار بقوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ فالسامعُ لها، والقارئ يلين قلبه، وتخضع نفسه، فيحمله ذلك على النظر فيها، والاعتبار بها، إلى ما في إخباره ﷺ بها من غير مطالعة كتب، ولا مُدَارَسَة مع معلم من عظيم الدلالة على نبوته ﷺ ؛ إذ أنَّ هذا لا يكونُ إلا بوحي من العليّ الأعلى، أتاه به روح القدس الأمين.
التفسير وأوجه القراءة
٨٧ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ إلخ، مستأنفة (٢) واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا لشعيب حين قال لهم ما قال؟ والاستفهام فيه للإنكار عليه، والاستهزاء؛ أي: قالوا: يا شعيب أصلاتك التي هي من نتاج الوسوسة، وفعل المجانين تأمرك بـ ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؛ أي: بأن نترك ما سارَ عليه آباؤنا جيلًا إثرَ جيل من عبادة الأوثان والأصنام، وإنما جعلوه مأمورًا مع أن الصَّادِرَ عنه إنما هو الأمر بعبادة الله، وغيرها من الشرائع؛ لأنه ﵇ لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه، بل بوحي من ربه، ويبلِّغهم أنه مأمور بذلك، وإسنادُ الأمر إلى الصلاة دون غيرها من العبادات؛ لأنه كانَ كثيرَ الصلاة معروفًا بذلك، حتى إنهم كانوا إذا رأوه يُصلِّي تغامزوا، وتضاحكوا، فكانت هي من بين الشعائر ضُحْكة لهم. فقوله: ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ فيه أنَّ الترك فعلهم، لا فعل شعيب، وهو المأمور، والإنسان يؤمر بفعل نفسه، أجيب عنه: بأنَّ الكلامَ على حذف مضاف، تقديره: هل هي تأمرك بتكليفك إيانا تَرْك عبادة ما يعبد آباؤنا، إلخ، والتكليف إذًا من فعله، ذكره في "الجمل". أجابوا بذلك أمره عليه
стр. 5695
السلام إيَّاهم بعبادة الله وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأوثان، وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ جواب عن أمره بإيفاء الحقوق، ونهيه عن البخس والنقص والعثي، معطوف على (ما) في قوله: ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ و (أو) بمعنى (الواو) لأنَّ ما كَلَّفهم به شعيب، هو مجموع الأمرين: لا أحَدَهما. والمعنى: أي (١): أو أن نترك فِعلَنا ما نشاء في أموالِنا من التصرفات من التطفيف، وغيره من التنمية، والاستغلال، والتصرف في الكسب بما نستطيع من الحذق، والاحتيال، والخديعة، فما ذاك إلا حَجْزٌ على حريتنا، وتَحَكُّمٌ في إرادتنا، وذكائنا.
والخلاصة: أنهم رَدُّوا عليه الناحِيَتَيْنِ الدينية، والدنيوية بما رأوا مِنْ شُبَهٍ مزيفة، وحجج عفنةٍ، والمعنى: أصلاتك تَأمُرَكَ أن نتركَ ما يعبدُ آباؤنا، وتأمركَ أن نترُكَ فِعْلَنَا في أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والنقص والزيادة. وقال بعضهم: كان (٢) يَنْهَاهم عن تقطيع أطراف الدراهم والدنانير، وقصها فأرادوا به ذلك، والمعنى ما نشاءُ من تقطيعها.
فائدة: واعلم أنَّ أوَّلَ من استخرج الحديد، والفضة، والذهب من الأرض (هَوشنَكُ) في عصر إدريس ﵇، وكان ملكًا صالحًا داعيًا إلى الإِسلام وأول مَنْ وضع السكَّةَ على النقدين. (الضحاك). وإفسادُ السكة بأيِّ وجهٍ كان إفسادًا في الأرض، وسئل الحجاج عما يرجو به النجاةَ فذكر أشياء، منها: ما أفسدت النقود على الناس.
وقرأ الجمهور: أصلواتك بالجمع. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص، وابن وثاب (٣): ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ على التوحيد. وقرأ (٤) الجمهور: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ بالنون فيهما كما فسرناه سابقًا. وقرأ الضحاك بن قيس
стр. 5696
الفهري، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي بالتاء فيهما على الخطاب. ورُويت عن أبي عبد الرحمن والمعنى: أصلاتك تأمرك أن تَفْعَلَ أنت في أموالنا ما تشاء. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة: ﴿نفعل﴾ بالنون، ﴿ما تشاء﴾ بالتاء على الخطاب. ورُويت عن ابن عباسٍ، والمعنى: أصلاتك تأمرك أن نَفْعَلَ نحن في أموالنا ما تشاؤه أنت، وندع ما نشاؤه نحن، وما يجري به التراضي بيننا. والحاصل: أنَّ مَنْ قرأ بالنون فيهما فقَوْله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾ معطوف على قوله: ﴿مَا يَعْبُدُ﴾؛ أي: أن نتركَ ما يعبد آباؤنا وفعْلنا في أموالنا ما نشاء. ومن قرأ بالتاء فيهما أو بالنون فيهما، فمعطوفٌ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾؛ أي: تأمرك بترك ما يعبد آباؤنا، وفعلِك في أموالنا ما تشاء أو فعلِنا في أموالنا ما نشاء، و (أو) للتنويع، أي: تأمرك مرَّةً بهذا، ومرَّةً بهذا. وقيل: بمعنى الواو كما مر، والظاهر أن الذي كانوا يفعلونه في أموالهم هو بخس الكيل والوزن المقدم ذكره، ذكره أبو حيان في "البحر". ثم أتبعوا ذَلِك بما يدلُّ على السخرية، والهَزْءِ به فقالوا: ﴿إِنَّكَ﴾ يا شعيب ﴿لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾؛ أي: الأحمق ﴿الرَّشِيدُ﴾؛ أي: السفيه بلغة مدين كما في "ربيع الأبرار"؛ أي: أنت ذُو الجهالة والسفاهة في الرأي والغواية في الفعل، بهوس الصلاة، لكنهم عكسوا القضية، تهكمًا واستهزاءً، كما يقال للبخيل: لو رآك حاتم، لاقتدى بك حاتم في سخائك، وللمستجهل، والمستخف فيقال: يا عالم، يا حليم، فهو إذًا (١) من قبيل الاستعارة التبعية، نزلوا التضادَ منزلةَ التناسب على سبيل الهزء، فاستعاروا الحِلم والرشد للسفه والغواية، ثُمَّ سَرَتِ الاستعارة منهما إلى الحليم الرشيد. وقيل: إنهم قالوا ذلك، لا على طريقة الاستهزاء، بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم؛ أي: كنتُ عندنا مشهورًا بأنك حليم رشيد، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا.
٨٨ - ﴿قَالَ﴾ شعيب ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ إيرادُ حرف الشك باعتبار حال المخاطبينَ ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: حجة واضحة، وبرهان نير من
стр. 5697
مالك أمري، عَبَّر بها عما أتاه الله تعالى من النبوة والحكمة، ردًّا على مقالتهم الشنعاء في جعلهم أمرَهُ ونهيَه غير مستند إلى سند؛ أي: قال (١): يا قوم أخبروني عن شأني، وشأنكم إن كنت على حجة واضحة من ربي، ومالك أمري فيما دعوتكم إليه، وما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، فكان وحيًا منه لا رأيًا مني. ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ﴾؛ أي: من لدنه، ومن عنده تعالى، وبإعانته بلا كدّ مني، ولا تعب في تحصيله، اهـ "بيضاوي". ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ أي: كثيرًا، واسعًا، حلالًا، طيبًا، وقد كان ذلك بالحلال بلا تطفيف مكيال، ولا ميزان، ولا بخس لِحقِّ أحد من الناس فما أَقُولُه لكم صادِرٌ عن تَجْرِبةٍ في الكسب الطيب، وما فيه من خير وبركة لا عَنْ آراء نظرية ممن ليسَتْ له خبرة، فماذا أقول لكم غير الذي قلت عن وحي من ربي، وعن تجربة في مالي؟ هل يسعني بعد هذا التقصير في التبليغ والكتمان لأوامر الله تعالى، وقيل: أراد (٢) بالرزق النبوةَ والحكمةَ عَبَّر عنهما بذلك تنبيهًا على أنهما مع كونهما بينة، رزق حسن، كيف لا, وذلك مناط الحياة الأبدية له, ولأمته، وجوابُ الشرط محذوف لأنَّ إثباته في قصة نوح ولوط دَلَّ على مكانه, ومعنى الكلام ينادي عليه.
والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة، ويقين من ربي، وكنت نبيًّا على الحقيقة .. فهل يصح لي أن أتبعَكم، وأشوبَ الحلال بالحرام، ولا آمركم بتوحيد الله، وتركِ عِبَادَة الأصنام، والكفِّ عن المعاصي، والقيام بالقسط، والأنبياء لا يبعثونَ إلَّا لذلك؟.
﴿وَمَا أُرِيدُ﴾ بنهيي إياكم عن التطفيف ﴿أَنْ أُخَالِفَكُمْ﴾؛ أي: مخالفتكم حال كوني مائلًا ﴿إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقال (٣): خالَفْتُ زيدًا إلى كذا، إذا قصدته، وهو مول عنك، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس؛ أي: لا أنهى عن شيء وأرتكبه من نقصان الكيل، والوزن؛ أي: أختارُ لكم ما أختارَ لنفسي، فإنه ليس
стр. 5698
بواعظ يعظ الناسَ بلسانه دون عمله. قال في "الإحياء": أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا ابن مريم عِظْ نَفْسَك، فإن اتعظَتْ .. فعظ الناس، وإلا فاستحيي مني.
والمعنى: أي وما أريد بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البَخْس والتطفيف أنْ أقصده بعد ما ولَّيْتم عنه فأستبدَّ به دونكم، مؤثرًا لنفسي عليكم، بل أنا مُسْتَمْسِكٌ به قبلكم.
﴿إِنْ أُرِيدُ﴾؛ أي: ما أريد بما أباشره من الأمر والنهي ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾؛ أي: إلَّا أَنْ أصلحكم بالنصيحة والموعظة ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾؛ أي: مِقْدَارَ ما استطعته من الإصلاح. قال في "بحر العلوم": (ما) مصدرية، واقعة موقع الظرف؛ أي: ما أريد بالأمر والنهي إلا الإصلاح لكم، ودَفْعُ الفساد في دينكم، ومعاملاتكم مدةَ استطاعتي الإصلاحَ، وما دمت متمكنًا منه لا أترك جهدي في بيان ما فيه مصلحة لكم. وفي ذلك (١) إيماءٌ إلى إثبات عقله، ورشده، وحكمته، وإبطال لتهكمهم، واستهزائهم بتلقيبهم إياه بـ ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾؛ أي: وما كوني موفَّقًا هاديًا نبيًّا مُرْشِدًا ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: إلَّا بتأييد الله سبحانه، وإقداري عليه، ومَنحي إياه، وهو مصدر من المبني للمفعول؛ أي: وما كوني موفَّقًا لتحقيق ما أقصده من إِصلاحكم. ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: إلا بتأييده ومعونته، بل الإصلاحُ من حيث الخلق مستندٌ إليه، وإنما أنا من مباديه الظاهرة، والتوفيق (٢) يتعدَّى بنفسه، وباللام وبالباء، وهو تسهيل سبل الخير، وأصله موافقةُ فعل الإنسان القدرَ في الخير، والاتفاق هو: موافقةُ فعل الإنسان خيرًا كان أو شرًّا القَدَر. وقال في "التأويلات النجمية": التوفيقُ: اختصاص العبد بعناية أزلية، ورعاية أبدية، انتهى.
والخلاصة (٣): وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي، وما أَذَرُ
стр. 5699
إلَّا بهداية الله تعالى ومعونته.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿أُنِيبُ﴾؛ أي: أرجع في كل ما نابني من الأمور، وأفوض جميعَ أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره. والمعنى عليه توكلت في أداء ما كلفني به من تبليغكم ما أرسلت به إليكم، لا على حولي ولا قوتي؟ وإليه أرجع في كل ما أهمَّني في الدنيا، وهو الذي يُجازيني على أعمالي في الآخرة.
والخلاصة: أنه لا يرجو منهم أجرًا، ولا يَخْشَى منهم ضيرًا. وقيل: المعنى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت في ذلك معرضًا عما عداه، فإنه القادر على كل مقدور، وما عداه عاجزٌ محض في حد ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار، بمعزل عن رتبة الاستمداد به في الاستظهار ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وأرجع فيما أنا بصدده، في جميع أموري. فقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ إشارةٌ إلى معرفة المعاد.
فعلى (١) العاقل أن يجتهدَ في طريق الحق بالأذكار النافعة، والأعمال الصالحة، إلى أن يصلَ إلى مقام التوحيد الحقيقي، ثم إذا وصل إليه اقتفى بأثر الأنبياء، وكمل الأولياء في طريق النصح، والدعوة، ولم يرد إلا الإصلاح، تكثيرًا للأتباع المحمدية، وتقويمًا لأركان العالَم بالعدل، ونَظْمًا للناس في سلك الرشاد، والله ولي الإرشاد، وهو المبدء، وإليه الرجوع والمعاد.
٨٩ - ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يكسبنكم، ولا يحملنكم. وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿يُجرمنكم﴾ بضم الياء من أجرم الرباعي، اهـ "قرطبي". ﴿شِقَاقِي﴾؛ أي: شقاقكم وعداوتكم وبُغضكم إياي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾؛ أي: على أن ينالكم عذاب ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الصيحة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ يعني: أنهم أُهلكوا بسبب الكفر، والمعاصي في عهد قريب من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم، فإن لم تعتبروا
стр. 5700
بمَنْ قبلهم من الأمم المعدودة، فاعتبروا بهم، ولا تكونوا مِثلَهم كَيْلا يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب.
والمعنى: أي (١) لا تحملنكم عداوتي وبغضي وفراق الدين الذي أنا عليه على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر بالله، وعبادة الأوثان، وبَخْس الناس في المكيال والميزان, فيصِيبَكم مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، أو قوم هود من الصرصر، أو قوم صالح من الرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا، ولا مكانًا؛ أي: إن لم تعتبروا بمن ذكرنَا قبلُ لقدم عهد، أو بُعْدِ مكان، فاعتبروا بهؤلاء فإنهم بمرأىً منكم، ومسمع، وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاكهم، وأنهم كانوا جيرانَ قوم لوط، وبلادهم قريبة من بلادهم، فإنَّ بلادَهم قريبة من مَدْيَن، وإهلاكهم أقربُ الإهلاكات التي عَرَفها الناس في زمان شعيب، وقد يكون المعنى: ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فاحذروا أن يَحلَّ بكم مثل ما حَلَّ بهم من العذاب؛ أي: وما معاملة قوم لوط من معاملتكم، وذنوبهم من ذنوبكم ببعيد؛ لأن الكفرَ كله من جنس واحد، وصفات الكفر قريب بعضها من بعض، قال الجوهري: القومُ يذكَّر ويؤنث، والبعيد من المصادر التي يستوي فيها المذكر، والمؤنث، والجمع، والمفرد، كالزفير، والصهيل، ولذلك أخبرَ عنه ببعيد، ثمَّ بعدَ ترهيبهم بالعذاب، أمَرَهُم بالاستغفار، والتوبة فَقَال:
٩٠ - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من عبادة الأوثان، والأصنام ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من البخس، والنقصان في الكيل، والوزن، أو استغفروا بالإيمان، ثمَّ ارجعوا إليه بالطاعة ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: كثير الرحمة للتائبين، والمستغفرين ﴿وَدُودٌ﴾؛ أي: محب لهم؛ أي: فاعل بهم من اللطف، والإحسان كما يفعل البليغُ المودة بمن يوده. قال في "المفاتيح": الودود مبالغة الوَادّ، ومعناه: الذي يُحِبُّ الخيرَ لجميع الخلائِق، ويحسن إليهم في الأحوال كلها، وقيل: المحبُّ لأوليائه.
стр. 5701
والمعنى (١): واطلبوا من ربكم المغفرة مما أنتم عليه من عبادة الأوثان، وبَخْسِ الناسِ حُقُوقَهم في المكيال والميزان, ثم ارجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار، والتوبة؛ أي: إن ربّي رحيم بمَنْ تَابَ، وأناب إليه لا يعذّبه بعد التوبة، كثيرَ الود والمحبة، فيحب من يتوب ويرجع إليه. وفي الآية إرشاد إلى أنَّ النَدَمَ على فعل الفساد والظلم بالتوبة، واستغفار الرب من أسباب خير الدنيا وخَير الآخرة.
٩١ - وقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم شعيب استئناف بياني ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ الفقه: معرفةُ غرضِ المتكلم من كلامه؛ أي: لا نعرفُ ولا نَفْهَمُ ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾؛ أي: كُلّ ما تقول من التوحيد، ومن إيفاء الكيل والوزن، وغير ذلك؛ قالوا ذلك استهانةً بكلامه، واحتقارًا به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يَعْبَأ بحديثه: ما ندري ما تقول، وإلا فشعيب كان يخاطبهم بلسانهم، وهم يَفْهَمُونه كلامَهُ، لكن لمَّا كان دعاؤه إلى شيءٍ خلاف ما كانوا عليه وآباءهم قالوا ما قالوا.
والمعنى: أي ما نعلم (٢) حقيقة كثير مما تقول لنا وتخبرنا به من بطلان عبادة آلهتنا، وقبح حرية التصرف في أموالنا، ومجيء عذاب يحيط بنا، وإصابتنا بمثل الأحداث التي أصابَتْ مَنْ قَبْلَنَا كان أمرها بيدك يصيب بها ربك من يشاء لأجلك.
وقيل المعنى (٣): أنك تأتينا بما لا عَهْدَ لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية، كالبعث والنشور، ولا نَفقه ذلك؛ أي: لا نَفْهَمُه، كما نفهم الأمور الحَاضِرَةَ المشاهدةَ فيكون نفي الفقه على هذا حقيقةً لا مجازًا، وقيل: قالوا ذلك إعراضًا عن سماعه، واحتقارًا لكلامه مع كونه مفهومًا لديهم معلومًا عندهم، فلا يكون نفي الفقه حقيقةً بل مجازًا كما مر.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا شعيب ﴿فِينَا﴾؛ أي: فيما بيننا ﴿ضَعِيفًا﴾؛ أي: لا قوةَ لكَ ولا قدرةَ على شيء من الضر والنفع، تقدر بها على أن تمنع نَفْسَكَ منا، وتتمكن بها من مخالفتنا, ولا تستطيع أن تمتنع منا، إن أردنا أن نَبْطِشَ بك،
стр. 5702
ومعنى ذلك أنه ليست لك قوَّةُ جسمانية، أو المعنى: كنتَ مَهِينًا ذليلًا فينا لا عِز لك، ولا شرفَ عندَنا، وهذا لا يتعلق بالقوة الجسمانية، فإن ضعيفَ الجسم قد يكون وافرَ الحرمة بين الناس، وهو الظاهر؛ لأنَّ الكفَرةَ كانوا يزدرون بالأنبياء، وبأتباعهم المؤمنين. وقيل: إنه كان مصابًا ببصره. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى: ضعيف؛ أي: قد ضَعف بذهاب بصره، كما يقال له: ضرير، أي: قد ضر بذهاب بصره.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾؛ أي: ولولا حرمة قومك، ومراعاةُ جانبهم، وقالوا: ذلك كرامةً لقومه, لأنهم كانوا على دِينهم لا خوفًا, لأن الرهط من الثلاثة إلى السبعة، أو التسعة، أو العشرة، وهم ألوفٌ فكيف يخافون منْ رهطه؛ أي: ولولا عشيرتك الأقربون ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾؛ أي: لقَتَلْناك برمي الحجارة، حتى تُدْفن فيها، وقد يُوضَع الرجم موضع القتل، وإن لم يكن بالحجارة من حيثُ إنه سببه، ولأنَّ أوَّلَ القتل لبني آدم، وهو قتلُ قابيلَ لهابيل، لمَّا كان بالحجارة سَمَّى كُلَّ قتلٍ رَجَمًا, وإن لم يكن بها.
وقال عمر ﵁ (١): تَعلَّموا أنْسَابَكُم، تعرفوا بها أصولَكم، وتصلوا بها أرحامكم؛ قالوا: ولو لم يكن في معرفة الأنساب إلا الاحتراز بها من صولة الأعداء ومنازعة الأكفاء .. لكان تَعَلُّمها من أحزم الرأي، وأفضل الصواب، ألا ترى إلى قول قوم شعيب: ولولا رهطك .. لرجمناك فأبْقَوا عليه لرهطه، يقال: أبقيتُ لفلان إذا أرعيت عليه ورحمته.
ثم أكدوا ما وصفوه به من الضعف بقولهم: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: وما (٢) أنت بذي عزة، ومنعة تحول بيننا وبين رجمك، وإنما نعزُّ رَهطَك على قلتهم؛ لأنهم منَّا، وعلى ديننا الذي نبذتَه وَراء ظهرك، وأهَنْته ودعوتنا إلى تركه لبطلانه في زعمك. والمعنى: أي: وما أنت بمكرم محترم حتى تمنعنا عزتك من رجمك، بل رهطُك هم الأعزة علينا، لكونهم من أهل ديننا، فإنما نكف عنك
стр. 5703
للمحافظة على حُرمتهم، وهذا دَيْدَنُ السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسبِّ والتهديد، وتقديم الفاعل المعنوي لإفادة الحصر والاختصاص، وإن كان الخبر صفةً لا فعلًا، و ﴿علينا﴾ متعلق بـ ﴿عزيز﴾ وجاز لكون المعمول ظرفًا، والباء مزيدة.
وفي الآية إشارة (١) إلى أنَّ مَنْ كَانَ على الله ﴿بِعَزِيزٍ﴾ فإنه ليس على الجاهل بعزيز، وذلك؛ لأنَّ العزةَ والشرفَ عند الجهلاء خُصوصًا في هذا الزمان الفاسدِ بالجاه والمال، لا بالدين والكمال، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، بل ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، يعني: إذا كانت لكم قلوب وأعمال صالحةٌ تكونون مقبولينَ مُطْلَقًا سواء كانت لكم صور حسنة، وأموال فاخرةً أم لا؟ وإلا فلا.
٩٢ - فوبَّخهم شعيب على سفاهتهم، كما حكى سبحانه عنه ﴿قَالَ﴾ شعيب في جوابهم، والهمزة في قوله: ﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي ﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ﴾ وأهيب وأكرم عندكم ﴿مِنَ اللَّه﴾ حتى كَانَ امتناعكم عن رجمي بسبب انتسابي إليهم، وأنهم رهطي لا بسبب انتسابي إلى الله تعالى الذي أدعوكم إليه بأمره، وكان (٢) الظاهرُ أن يقالَ مني إلا أنه قيل: من الله للإيذان بأنَّ تَهَاوُنَهُم به وهو نبي الله تهاوُنٌ بالله تعالى، وإنما أَنْكَر (٣) عليهم أعَزَّيَّةَ رهطه منه تعالى مع أنَّ ما أثبتوه، إنما هو مطلق عزة رهطه، لا أعزيتهم منه تعالى مع الاشتراك في أصل العزة، لتكرير التوبيخ، حيث أنْكَرَ عليهم أوَّلًا بترجيح جانب الله تعالى، وثانيًا بنفي العزة بالمرة، والمعنى: أرهطي أعز عليكم من اللَّهِ ، فإنه مما لا يكاد يصح، والحال أنكم لم تجعلوا له حظًّا من العزة أصلًا.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ ﴿وَرَاءَكُمْ﴾؛ أي: وراءَ ظهركم ﴿ظِهْرِيًّا﴾؛ أي:
стр. 5704
منبوذًا، أي: واستخفَفْتُم بربكم، فجعلتموه تعالى شيئًا منبوذًا وراءَ الظهر، منسيًّا لا يبالى به؛ أي: جعلتموه مِثْلَ الشيء المطروح وراء الظهر بإشراككم به، والإهانة برسوله، لا تأتمرون لأمره، ولا تخافون عِقَابَهُ، ولا تعظِّمُونه حقَّ التعظيم، فلا تُبْقُون على الله، وتبقون على رهطي؛ أي: فلا تحفظونني، ولا ترحمونني لله تعالى، وتُراعُون نسبة قرابتي إلى الرهط، وتضيّعون نسبتي إلى الله بالنبوة، فكأنكم زَعَمْتُم أنَّ القومَ أعزُّ من الله، حيث تزعمون أنكم تركتم قتلي إكرامًا لرهطي، والله أولى بأن يُتَّبَعَ أمره، كأنه يقول: حِفْظكُم إيَّاي في الله أولى منه في رهطي، وقيل: المعنى: واتخذتم أمْرَ الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم، وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم. والعربُ تقول لكل ما لا يُعْبَأُ بأمره: قد جَعَل فلانُ هَذَا الأمرَ بظهره، فالظهري منسوبٌ إلى الظهر، والكسر لتغيير النَّسب كقولهم في النسبة إلى أمس: إمسيُّ بكسر الهمزة، وإلى الدهر دُهْرِيُّ بضم الدال. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال السيئة التي من جملتها عدم مراعاتكم لجانبه. ﴿مُحِيطٌ﴾ لا يخْفى عليه منها خافية، وإن جعلتموه منسيًّا، فيجازيَكم عليها، والإحاطة: إدراك الشيء بكماله، وإحاطةُ الله تعالى بالأعمال مَجَازٌ عن علمه.
والمعنى (١): أي إن ربي محيط علمه بعملكم، فلا يَخْفَى عليه شيء منه، وهو مجازيكم عليه، وأما رهطي فلا يستطيعون لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يَخْفى ما في ذلك من التهديد والوعيد.
٩٣ - ثم هدَّدهم مرة أخرى فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ كل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلى حالة كونكم ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾؛ أي: موصوفين بغاية المكنة، والقدرة، والقوة؛ أي: على نهاية التمكن، وغايته في إيصال الضرر إليَّ، مِنْ مكن مكانةً فهو مكين، إذا تمكَّن من الشيء أبلغ التمكنِ، أو بمعنى المكان، كمقام، ومقامة، والمعنى: إعملوا ما شئتم على ناحيتكم، وجهتكم التي أنتم عليها من الشرك والعداوة لي؛ أي: ويا قوم (٢) اعملوا ما استطعتم على منتهى تمكنكم في قوتكم وعَصَبِيتكم.
стр. 5705
وخلاصة ذلك: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والمشاقة، وسائر ما لا خَيرَ فيه. وهذا كلامٌ مِن واثقٍ بقوته بربه، وضَعْفِ قومه على كثرتهم، وإدلالهم عليه، وتهديدهم له بقوتهم. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على مكانتي حذف للاختصار، والاكتفاء أي عامل بقدر ما آتاني الله من القدرة، وعلى حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد. فكأنهم قالوا: ماذا يكون إذا عملنا على قوتنا. فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ﴾ إما استفهامية؛ أي: أيُّنا، أو موصولة أيَّ تَعْرِفون الذي ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ أي: يذله ويُهينه أنا أم أنتم ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في قوله، ومن هو صادق مني ومنكم. وفي "الفتوحات" فـ (من) موصولة في محل نصب؛ أي: سوفَ تعلمون الشقيَ الذي يأتيه عذاب يخزيه، والذي هو كاذب، وهذا أحسن من قول الفراء (من) استفهامية في موضع رفع بالابتداءِ على معنى: أيّنا لا يأتيه العذاب، وأيُّنا هو كاذب، وإنما كان أحسن لأنَّ (من) الثانية موصولة أيضًا، ولا توصل بالاستفهام، وعلم عرفانية، انتهى. وهذا تصريح منه بالوعيد بعد التلميح بالأمر بالعمل المستطاع تعجيزًا لهم. ولما أوعدوه (١)، وكذبوه .. أراد أن يَدفَع ذلك عن نفسه، ويَلْحَقه بهم، فسَلَك سبيل إرخاء العنان لهم وقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من المعذب والكاذب مني ومنكم، وأينا الجاني على نفسه، والمخطىءُ في فعله، يريد أنَّ المعذَّب والكاذبَ أنتم لا أنا. قال الفراء: إنما جاء بهو في ﴿من هو كاذب﴾ لأنهم لا يقولون من قائم إنما يقولون: من قام، ومن يقوم، ومن القائم فزَادوا (هو) ليكونَ جملة تقوم مقام فَعَل ويفعلُ، ذكره الشوكاني.
فائدة: قال الزمخشري (٢): فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء في سورة الأنعام في قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وحذفها هنا، حيث قال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
قلت: إدخال الفاء وَصلٌ ظاهر بحرف موضوع للوصل، وحذفها وصل خفي تقديريٌّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذَا
стр. 5706
عَمِلنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت على مَكَانَتِكَ. فقال: سوف تعلمون، يوصَل تارةً بالفاء، وتارةً بالاستئناف كما هو عادةُ البلغاء من العرب، وأقوى الوصلَين وأبلغهما الاستئنافُ؛ لأنه أبلغ في باب الفصاحة، والتهويل، وهو بابٌ من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾؛ أي: انتظروا مآلَ ما أقولُ لكم من حلول ما أَعِدُكم به، سيظهر صِدْقُه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾؛ أي: منتظر لما يقضِي الله به بيننا، وهو فعيل بمعنى الراقب. وعبارة القرطبي: ﴿وَارْتَقِبُوا﴾؛ أي (١): انتظروا العذابَ والسخطةَ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾؛ أي: فإني منتظر النصر والرحمةَ. وكان شعيب ﵇ يسمَّى خطيب الأنبياء، لحسن محاورته مع قومه، وكمال اقتداره في مراجعته جوابَهم، وكان كثيرَ البكاء حتى عَمِيَ ثم رَدَّ الله عليه بصرَهُ، فأوحى إليه يا شعيب: ما هذا البكاءُ أشوقًا إلى الجنة أم خوفًا من النار؟ فقال: إلهي وسيدي إنك تعلم أني ما أبكي شوقًا إلى الجنة، ولا خوفًا من النار، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك، فما أبالي ما الذي تصنع بي. فأوحى الله تعالى إليه: يا شعيب إن يكن ذلك حقًّا .. فهنيئًا لك لقائي، يا شعيب، لذلك أخْدَمْتُك موسَى ابنَ عِمرانَ كليمي.
وهذه حال المقربين، فإنهم جعلوا الله تعالى بين أعينهم، وجعلوا الخَلْقَ وراءَ ظهورهم، خِلافَ ما عليه أهل الغفلة، فلم يلتفتوا إلى شيء من الكَونين حُبًّا لله تعالى، وقصرًا للنظر عليه، وهم العبيد الأحرار، والناس في حَقِّهم على طبقات. فأما أهل الشقاءِ فلم يعرفوهم مَنْ هم، ولم يَرَوْهم أصلًا لانطماس بصيرتهم، وعدم استعدادهم لهذا الانكشاف، ألا ترى إلى قوم شعيب، كيف حَجَبهم كونه أَعمى في الصورة عن رؤية جمال نبوته، وظنُّوا أن لهم أبصارًا ولا بصرَ له، ولذا عدوه ضعيفًا، ولم يعرفوا أنهم عميٌ في الحقيقة، وأن أبصارهم الظاهرةَ لا تستجلب لهم شرفًا، وأنَّ الحقَّ مع أهل الحق, سواء ساعدته الأسباب
стр. 5707
الصورية، والآلات الظاهرة أَوْ لا، فإن النَّاسَ مشتركون فيما يجري على ظواهرهم من أنواع الابتلاء، مفترقون فيما يَرِدُ على بواطنهم من أصناف النعماء، والله تعالى أرسلَ الأنبياء ﵈ إلى الناس الغافلين، ليفتحوا عيونَ بَوَاطِنَهم من نوم الغفلة، وَيدْعُوهم إلى الله تعالى ووصاله، ولقاءِ جماله، فمَنْ كان له منهم استعداد لهذا الانفتاح .. رضي بالتربيةِ والإرشاد، وقام في طريق الحق بالسعي والاجتهاد، ومَنْ لم يكن له منهم ذلك .. أبي واستكبر عن أخذ التلقين، وامتنع عن الوصول إلى حد اليقين، فبقي في الظلمات كالأعمى لا يَدْري أيْنَ يذهب، فيا أيها الأخوانُ ارجِعوا إلى رَبّكم مع القوافل الروحانية، فمِن قريب ينقطع الطريقُ، ولا يُوجد الرفيق.
٩٤ - ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ كانَ صادقًا في وعيده لهم فَحَلَّ بهم سوء العذاب فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ الذي قَدّرناه في الأزل من العذاب، والهلاك لقوم شعيب، فالأمرُ: واحد الأمور ﴿نَجَّيْنَا﴾ رسولنا ﴿شُعَيْبًا﴾ قدم تنجيتَه إيذانًا بسبق الرحمة التي هي مقتضى الربوبية على الغضب الذي يظهر أثره بموجب الجرائم، ﴿و﴾ نجينا ﴿الذين آمنوا معه﴾، واتبعوا شعيبًا في الإيمان, وآمنوا كما آمنَ هو، فصدقوه على ما جاءهم به من عند ربهم، ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ أزلية صَدَرَتْ ﴿مِنَّا﴾ في حقهم، ومجرد فضل خاصٍّ بهم لا بسبب أعمالهم كما هو مَذْهَبُ أهل السنة. وقال بعضهم: هي الإيمان الذي وفقناهم له، يقول الفقيرُ (١): وجه هذا القول أنَّ العذابَ والهلاكَ الذي هو من باب العدل قد أضيف إلى الكفر والظلم، فاقتضى أن يضافَ الخلاصُ والنجاة الذي هو من باب الفضل إلى الإيمان, ولمَّا كانَ الإيمانُ والعمل الصالح أمرًا موقوفًا على التوفيق .. كان مجردَ فضل ورحمة فافهم.
فائدة: قال الزمخشري (٢): فإن قلت: ما الحكمة في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بالواو في قصتي عاد ومدين، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بالفاء في قصتي لوط وثمود؟
стр. 5708
قلتُ: قد وقعت جملةُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في قصة قوم لوط، وقصة قوم ثمود بعد ذكر الوعد، وذلك قوله في الأولى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾، وقوله في الثانية ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، فجِيءَ بالفاء التي للتسبب كما تقول: وعدته، فلما جاء الميعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ. وأما قصتا عاد ومدين، فلم تَقَعا بتلك المنزلة؛ وإنما وقَعَتا مبتدأتين، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما، كما تعطف قصة على قصة، انتهى.
﴿وَأَخَذَتِ﴾؛ أي: أهلكت ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالإباء والاستكبار، عن قبول دعوة شعيب وغيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه حلال ﴿الصَّيْحَةُ﴾ فاعل، أخذَت، وأنَّث (١) الفعل هنا على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ فذكّر على معنى الصياح؛ أي: أهلكَتْهم صيحةُ جبريل ﵇ بقوله: (موتوا جميعًا)، وفي سورة الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضي إليها، وهذا في أهل قرية شعيب، وأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة، وهو نارٌ نزلت من السماء أحرقَتْهُم. وعن ابن عباس ﵄ قال: ما أهلك الله أُمَّتَيْن بعذاب واحد، إلا قومَ صالح، وقومَ شعيب أهلكهم الله بالصيحة، غَيْرَ أنَّ قومَ صالح أخَذَتْهُم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحةُ من فوقهم.
وذلك أنهم أصابهم حر شديد، فخَرَجُوا إلى غيضة لهم فدخلوا فيها، فَظَهَرَتْ لهم سحابة كهيئة الظلة فأحدقَتْ بالأشجار، وأَخذَتْ فيها النار، وصاح بهم جبريل، ورجفَتْ بهم الأرض، فماتوا كلهم، واحترقُوا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾؛ أي في بلادهم أو مساكنهم ﴿جَاثِمِينَ﴾؛ أي: ساقطينَ ميتينَ، لازمينَ لأماكنهم لا براحَ لهم منها؛ أي: لا زوالَ حالةَ كونهم
٩٥ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنهم لم يقيموا في ديارهم أحياء
стр. 5709
متصرفين، في أطرافها مترددينَ متقلبينَ في أكنافها. ثم دعا عليهم فقال: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾؛ أي: هلاكًا لأهل مدين، وبعدًا من رحمة الله تعالى ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾؛ أي: كما هلكت من قبلهم ثمود، وبعدت من رحمة الله تعالى بإنزال سَخَطِه بهِم، شَبَّه هلاكهم بهلاكهم, لأنهما أُهلِكَتَا بنوع من العذاب وهو الصيحة كما مرَّ آنفًا.
والخلاصة (١): أنَّ اللَّهَ أرسلَ على كل من ثمود ومدين صاعقةً ذاتَ صوت شديد، فرجَفَتْ أرضها، وزلزلت من شدتها، وخروا ميتين، وكانت صاعقتهما أشد من الصاعقة التي أخذَتْ بني إسرائيل حين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وقد أحياهم الله تعالى عَقِبَها؛ لأنَّ هذه تربية لقوم بني إسرائيل في حضرته، وتلك صاعقة كانت عذابَ خزي لمشركينَ ظالمينَ معاندِينَ أنجى الله نبِيَّ كل منهما، ومؤمنيهما قبلها. وقرأ أبو (٢) عبد الرحمن السلمي، وأبو حيوة: ﴿كما بَعُدت﴾ بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب. والجمهور بكسرها. أرادت العرب: التفرقةَ بين البعد من جهة الهلاك، وبين غَيره فغيَّروا البناءَ. وقرأه السلمي جاءت على الأصل اعتبارًا لمعنى البُعْدِ من غير تخصيص، كما يقال: ذَهَبَ فلان ومَضَى، في معنى القرب.
وفي الآية (٣) إشارة إلى أن الكفرةَ وأهلَ الهوى، أفسدوا الاستعدادَ الروحانيَّ الفطريَّ، في طلب الدنيا، واستيفاء شهواتها، والاستكبار عن قبول الحق والهدى، وأدَّى تمردهم عن الحق، وتماديهم في الباطل إلى الهلاك صورةً ومعنًى. وأما صورة فظاهرٌ. وأما معنى: فلأنهم أبعدوا عن جوار الله وطيب العيش معه إلى أسفلِ سافلي القطيعة فبَقَوا في نار الفرقة، لا يحيون، ولا يموتونَ، وما انتفعوا بحياتهم فَصاروا كالأموات، وكما أنَّ الصيحةَ من جِبْرِيلَ أهلكتهم فكذا النفخة من شعيب أحيَتْ المؤمنينِ لأنَّ أَنْفَاس الأنبياء، والأولياء كنفخ إسرافيل في الأحياء إذا كان المحلُّ صالحًا لطرح الروح فيه كجسد
стр. 5710
الإكسير. وقد سبق أنَّ قومَ شعيب عدوه ضعيفًا فيما بينهم، وما عرفوا أنَّ اللَّهَ القويَّ معه، فعلى الصالحين أن يَعْتَبِرُوا بأحوال الصالحين، فإنهم قد أخَذُوا الدنيا، وآثَرُوها على الآخرة ثمَّ سلبهم الله أموالَهم، وديارَهم، كأن لم ينتفعوا بشيء، ولم يقيموا في دار.
٩٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا ﴿مُوسَى﴾ بن عمرانَ حالةَ كونه متلبسًا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسع التي هي العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص الأموال والأنفس الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. وقيل: المراد بالآيات التوراةُ، وبالسلطان، العصا، واليد؛ أي: ولقد أرسلنا موسى بالتوراة مع ما فيها من الأحكام، وأيدْناه بمعجزات قاهرة دالةٍ على صدق نبوته، ورسالته، وهذا القول ليس بسديد؛ لأنه قال:
٩٧ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، والتوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملأه، ذكره أبو حيان في "البحر". ﴿و﴾ متلبسًا بـ ﴿سلطان﴾؛ أي: برهان ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: واضح هو نفس تلك الآيات فهو من قبيل عطف الصفة مع اتحاد الموصوف؛ أي: ولقد أرسلنا موسى بالأمر الجامع بين كونه آياتنا، وبين كونه سلطانًا له على صِدْقِ نبوته واضحًا في نفسه، أو مُوضِّحًا إياها، فإنَّ أبان جاء لازمًا ومتعديًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾؛ أي: التوراة الجامعةَ بين كونِهَا كِتَابًا وحجةً تفرق بين الحق والباطل، ويجوز أن يرادَ بسلطان مبين الغلبة والاستيلاء كقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. قال بعض المحققين: سميت الحجة سلطانًا؛ لأنَّ صاحب الحجة يَقْهَرُ مَنْ لا حجة معه كالسلطان يَقْهر غيره، اهـ "خازن".
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: أشراف قومه، ورؤسائهم، وتخصيص ملأه بالذكر مع عموم رسالته لقومه كافَّة لأصالتهم في الرأي، وتدابير الأمور، واتباع غيرهم لهم في الورود والصدور. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ في كل ما قَرَّره من الكفر بموسى، ورَدِّ ما جاءهم به من عند الله، وتشديد الظلم على بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم، واستحياء نسائهم إلى نحو ذلك مما جاء في السور الأخرى مفصَّلًا؛ أي: فاتبع الملأ أَمْرَ فرعونَ وأطاعوا قولَه, حين قاله لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وخالفوا أَمْر موسى بالتوحيد, وقبول الحق, وإنما لم يصرِّح بكفر