جازمة ﴿تُنْظِرُونِ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنونُ المذكورة نونُ الوقاية لأنَّ أصْلَه، ولا تنظرونني وياء المتكلم المحذوفة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم، معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.
﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق به ﴿رَبِّي﴾ بدل من الجلالة، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾، وجملة ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في محل الرفع خبر، (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقولُ القول على كَوْنِها مَسُوقة لتعليل مَا قَبلها ﴿مَا﴾ نافية ﴿مِن﴾ زائدة ﴿دَابَّةٍ﴾ مبتدأ أول، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان ﴿آخِذٌ﴾ خبرٌ للمبتدأ الثاني ﴿بِنَاصِيَتِهَا﴾ متعلق بـ ﴿آخذ﴾ وجملة الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب مقول القول على كونها مسوقةً لتعليل ما قبلها ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ خبره ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة ﴿صِرَاطٍ﴾ وجملة (إن) مستأنفة في محل النصب مقول القول.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيانَ حُكم ما إذا توليتم .. فأقول لكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (إن) حرف شرط جازم ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل مضارع وفاعل مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، أصله (تتولوا) حذفت إحدى التاءين لتوالي الأمثال، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا أبالي بكم، ولا مؤاخذةَ عليّ، وجملة الشرط في محل النصب مقولٌ لجوَابِ إذا المقدَّرة ﴿فَقَدْ﴾ (الفاء) تعليلية (قد) حرف تحقيق ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها
стр. 5637
(بالفاء) التعليلية؛ لأنها تعليل للجواب المحذوف، تقديره: فلا أُبالي بكم لإبْلاغي إياكم ﴿ما أرسلت به﴾، ﴿أُرْسِلْتُ﴾ فعل ونائب فاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وكذلك ﴿إِلَيْكُمْ﴾ يتعلق به، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ فعل وفاعل ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به ﴿غَيْرَكُمْ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة على كونها مقولَ القول، أو معطوفةٌ على جملة الجواب، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿حَفِيظٌ﴾، ﴿حَفِيظٌ﴾ خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة على كونها مقولَ القول.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية (لما) حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ (لمّا)، ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾ والجملة الفعلية جواب (لما)، وجملة (لمَّا)، مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مَعَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾، ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾ متعلق به ﴿غَلِيظٍ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٍ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا معطوفة على ﴿نَجَّيْنَا﴾ الأول لأنَّ الأول مقيد بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إلخ، والثاني لا يتقيد به، اهـ "فتوحات".
﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿جَحَدُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة سيقت للإخبار عن حالهم، وليسَتْ حالًا ممَّا قبلها كما في "الجمل" ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَحَدُوا﴾، ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَحَدُوا﴾ ﴿أَمْرَ كُلِّ
стр. 5638
جَبَّارٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿عَنِيدٍ﴾ صفة ﴿جَبَّارٍ﴾، ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ فعل ونائب فاعل ﴿فِي هَذِهِ﴾ في هذه متعلق به ﴿الدُّنْيَا﴾ بدلُ من اسم الإشارة أو عطف بيان ﴿لَعْنَةً﴾ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَحَدُوا﴾، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف معلوم مما قبله تقديره: وأتبعوا يوم القيامة لعنة على رؤوس الخلائق، ﴿ألا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّ عَادًا﴾ ناصب واسمه ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة ﴿ألا﴾ حرف تنبيه ﴿بُعْدًا﴾ مصدر نائب عن التلفظ بفعله تقديره بعدوا أي هلكوا ﴿لِعَادٍ﴾ اللام لبيان مَنْ دُعِي عليهم متعلقة بالمصدر كـ (لام) سقيًا لك ورعْيًا لك ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ بدل من ﴿عَادٍ﴾ أو عطف بيان له.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ متعلق بمحذوف معطوف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾ المحذوف ﴿صَالِحًا﴾ عطف بيان له ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول, والجملة في محل النصب مقول القول على كَوْنِهَا جَوابَ النداء ﴿ما﴾ نافية، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ مبتدأ مؤخر و ﴿من﴾ زائدة ﴿غَيْرُهُ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهٍ﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ فعل ومفعول ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (الفاء) عاطفة تفريعية, ﴿استغفروه﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية معطوفةٌ مفرعة على الجملة الاسمية في قوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾؛ ﴿إِلَيْهِ﴾
стр. 5639
متعلق به، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿قَرِيبٌ﴾ خبره ﴿مُجِيبٌ﴾ خبر ثان، أو صفة له، وجملة (إن) مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿يَا صَالِحُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا صَالِحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملةُ النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿قَدْ كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِينَا﴾ متعلق بـ ﴿مَرْجُوًّا﴾، ﴿مَرْجُوًّا﴾ خبر كان ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ (كان)، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جوابَ النداء، ﴿أَتَنْهَانَا﴾ (الهمزة) للاستفهام الإنكاري ﴿تنهانا﴾، فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ ناصب وفعل منصوب، وفاعله ضمير يعود على قوم صالح، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره أتنهانا عن عبادة ما يعبد آباؤنا ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَعْبُدَ﴾، ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يعبده آباؤنا ﴿وَإِنَّنَا﴾ ناصب واسمه ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ جار ومجرور خبر (إن) و (اللام) حرف ابتداء، وجملة (إن) معطوفة على جملة ﴿كان﴾ على كونها جوابَ النداء، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ (شك)، ﴿تَدْعُونَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على صالح ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، ﴿مُرِيبٍ﴾ صفة ﴿شَكٍّ﴾ والجملة الفعلية صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿إِلَيْهِ﴾.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قال﴾، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فعل
стр. 5640
وفاعل ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ (إن) ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ خبر (كان)، ﴿مِنْ رَبِّي﴾ صفة لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾، ﴿وَآتَانِي﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجزم، معطوفة على جملة (كان) ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور حال من ﴿رَحْمَةً﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتى﴾ ﴿فَمَن﴾ (الفاء) رابطة لجواب (إن) الشرطية ﴿من﴾ اسم استفهام إنكاري في محل الرفع مبتدأ ﴿يَنْصُرُنِي﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل الجزم بـ (إن) على كونها جَواب (إن) الشرطية، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب سادةً مسد مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَنْصُرُنِي﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿عَصَيْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجواب (إن) معلوم مما قبلها، تقديره: إن عصيته .. فمَنْ ينصرني، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب، مقولُ ﴿قال﴾. ﴿فَمَا﴾ (الفاء) عاطفة (ما) نافية ﴿تَزِيدُونَنِي﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مفعول ثان، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على ﴿يَا قَوْمِ﴾ الأول ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قال) على كونها جوابَ النداء، ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿آيَةً﴾ لأنه نعت نكرة قدمت عليها ﴿آيَةً﴾ حال من ﴿نَاقَةُ﴾، ﴿فَذَرُوهَا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم هذه ناقةَ الله، وأردتم بيانَ ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم ﴿ذروها﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب، مقول ﴿قال﴾، ﴿تَأْكُلْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الناقة ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأْكُلْ﴾، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾
стр. 5641
فعل وفاعل، ومفعول مجزوم بـ (لا) الناهية ﴿بِسُوءٍ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَذَرُوهَا﴾، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ (الفاء) عاطفة سببية ﴿يأخذكم﴾ فعل، ومفعول منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد الفاء السببية ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل ﴿قَرِيبٌ﴾ صفة له، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر مقيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن مسكم إياها بسوء فأخذُ عذاب قريب إياكم.
﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾.
الفاء: عاطفة ﴿عقروها﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة معطوفة على جملة ﴿قال﴾ ﴿فَقَالَ﴾ الفاء عاطفة، (قال) فعل ماض وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة معطوفة على جملة (عقروها). ﴿تَمَتَّعُوا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل النصب مقول (قال) ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ متعلق به. ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ صفة ﴿وَعْدٌ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قال).
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قال لهم صالح، وأردتَ بيانَ حال المؤمِنينَ بهِ، وحال المكذبين له بعد ما جاء العذابُ فأقول لك: ﴿لما﴾ حرف شرط. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ (لما). ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب (لما) وجملة (لما) في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على ﴿صَالِحًا﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾ أو بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾. ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ (رحمة). ﴿وَمِنْ خِزْيِ﴾ متعلق بمحذوف تقديره ونجيناهم وذلك المحذوف معطوف على ﴿نَجَّيْنَا﴾ وقال بعضهم: إنه متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾ الأول، و (الواو)
стр. 5642
زائدة، وهذا لا يجوز عند البصريين غير الأخفش, لأن زيادة (الواو) غير ثابتة ﴿خِزْيِ﴾ مضاف ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ (يوم) مضاف إليه (يوم) مضاف (إذ) مضاف إليه ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْقَوِيُّ﴾ خبر ﴿إن﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ صفة القوي، وجملة (إن) مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول. ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ فاعل لـ (أخذ)، والجملة معطوفة على ﴿نَجَّيْنَا﴾ على كونها جواب (لما). ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ (الفاء) عاطفة، ﴿أصبحوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جَاثِمِينَ﴾ ﴿جَاثِمِينَ﴾ خبر ﴿أصبحوا﴾ وجملة ﴿أصبح﴾ معطوفة على جملة ﴿أخذ﴾ ﴿كَأَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف تقديره: كأنهم ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿كَأَنْ﴾ وجملة ﴿كَأَنْ﴾ في محل النصب حال من واو ﴿أصبحوا﴾ تقديره: فأصبحوا جاثمينَ، حالَ كونهم مماثلينَ لمن لم يوجد، ولم يقم في مكان قط ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّ ثَمُودَ﴾ ناصب واسمه ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿بُعْدًا﴾ مصدر نائب مناب فعله منصوبٌ بفعله المحذوف تقديره: ألا بعدوا بعدًا ﴿لِثَمُودَ﴾ متعلق بـ ﴿بُعْدًا﴾ وزيدت اللام لبيان المدعو عليهم كـ (لام) سُقيًا لك.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾؛ أي: جعلًا، ورشوة، ومعناه: لست بطامع في أموالكم. ﴿مِدْرَارًا﴾ من (١) أبنية مبالغة الفاعل، يستوي فيه المذكر والمؤنث،
стр. 5643
وأصله من دَرَّ اللبن دُرورًا، وهو كثرةُ وروده على الحالب، يقال: سحاب مِدْرَارٌ ومطر مدرارٌ إذا تتابع منه المطر في وقت الاحتياج إليه، والمعنى: حالَ كونه مُتَتَابِعًا دائمًا، كلما تحتاجون إليه ويقال: درَّ يدرُّ كردَّ يرُدُّ. وفي "المصباح": درَّ اللبن وغيره درًا من بابي ضرب وقتل إذا كثر دَرهُ، اهـ. وفي "القاموس": ودرَّت السماء بالمطر درًّا ودرورًا فهي مدرار، اهـ. ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ يقال: عراه الأمر يعروه واعتَرَاهُ إذا ألمّ به وأصابه. ﴿فَكِيدُونِي﴾ والكيد: إرادة مضرَّة الغير خُفيةً، وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله التدبير بالحق لمجازاةِ أعمالِ الخلق. ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وفي "السمين": الناصية: منبت الشعر من مقدم الرأس، ويسمَّى الشعر النابت أيضًا ناصيةً، تسميةً له باسم محلِّه، ويقال: نصوت الرجل إذا أخَذت بناصيته، فلامها واوٌ، يقال له: ناصاه، فقلبت ياؤُها ألفًا، فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر، وإن لم يكن أخذ بناصية، ولذا كانوا إذا منوا على أسير، جزُّوا نَاصِيَتَه، اهـ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: تَتولُّوا فحذفت إحدى التاءين لتوالي الأمثال, لأنه مضارع تولى من باب تفعل.
﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وجَحَد يتعدى (١) بنفسه، ولكنه ضمِّن معنى كَفَرَ، فتعدى بحرف الجر، كما ضمِّن كفر معنى جحد، فتعدى بنفسه في قوله: ﴿بعد ذلك﴾ ﴿كفروا ربَّهم﴾. وقيل: إن كَفَرَ كشكر في تعديته بنفسه تارةً، وبحرف الجر أخرى، اهـ "سمين". ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ أصله عصيوا؛ لأنه من عَصَى يَعْصِي كرمى يرمي، تحركت الياء وانفتحَ ما قبلها، قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألِفُ لبقاءِ دَالها فصار عَصَوا بوزن رَمَوا.
﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا. والعنيد: الطاغي المتجاوز في الظلم، من قولهم: عَنَدَ يعند، من باب: جَلَسَ إذا حادَ عن الحق من جانب إلى جانب، ومنه عند الذي هو ظرف لأنه في معنى جانب في قولك: عندي كذا؛ أي: في جانبي، وعند أبي عبيد: العنيد، والعنود،
стр. 5644
والعاند، والمعاند كله بمعنى المعارض والمُخَالِف، اهـ "سمين". والعنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحقَّ، ولا يذعن له، ومنه قيل للعِرق الذي ينفجر بالدم عَانِد. قال الراجز:
إِنِّيْ كَبِيْرٌ لاَ أُطِيْقُ الْعَنَدْ
وفي "المختار" عند من باب جلس؛ أي: خَالفَ ورد الحقّ، وهو يعرفه فهو عنيد، وعاند، اهـ. ﴿لَعْنَةً﴾؛ أي: طردًا وبعدًا عن كل خير.
﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ أي: لا زالوا (١) مبعدينَ من رحمة الله تعالى. والبعد: الهلاك، والبعدُ التباعد من الخير، يقال: بَعُدَ يبعد من باب: كرم بعدًا، إذا تأخر، وتَبَاعد، وبَعِدَ يبعد، من باب: طَرِب، بعدًا إذا هلكَ. ومنه قول الشاعر:
لاَ يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِيْنَ هُمُ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وَآفةُ الْجُزُرِ
وقال النابغة:
فَلاَ تَبْعُدَنْ إِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْهَلٌ ... وَكُلُّ امْرِىءٍ يَوْمًا بِهِ الْحَالُ زَائِلُ
ومنه قول الشاعر:
مَا كَانَ يَنْفَعُنِيْ مَقَالُ نِسَائِهِمْ ... وَقتلتُ دُوْنَ رِجَالِهِمْ لاَ تَبْعَدِ
﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾، وهي قبيلة من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر، ثمودَ بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. سمُّوا بذلك لقِلَّة مائهم من الثمد، وهو الماءُ القليلُ. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: كونكم وخَلَقَكم. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾؛ أي: عمركم وأسكنكم (٢) فالسين والتاء زائدتان، أو صيَّركم عامرينَ لها، فهما للصيرورة. وفي "البيضاوي": ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: عمَّركم فيهَا واستبقاكم من العمر، يقال: عمر الرجل يَعْمُرُ عَمْرًا بفتح العين وسكون الميم؛ أي: عاش زمانًا طويلًا، واستعمره الله؛ أي: أطال بقاءه، ونظيره بَقِي الرجلُ، واستبقاه الله من البقاء،
стр. 5645
أي: إبقاء الله، فبِناءِ استفعل للتعدية. والمعنى: عَمَّرَكُم واستبقاكم في الأرض، أو أقدركم على عمارتها، وأمرَكم بها، وقيل: هو من العمرى بمعنى أعمركم فيها دياركم، ويَرِثها منكم بعد انصرام أعماركم، أو جعلكم معمرينَ ديارَكم، تسكنونها مدةَ عمركم، ثم تتركونها لغيركم، اهـ. ويقال: أعمرتُه الأرضَ، واستعمرته إياها، إذَا فوضت إليه عِمَارَتَها. ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: مُوقِعٌ في الريب، اسم فاعل من أَرَابَ المتعدي بمعنى أوقعه في الريب، أو مِن أَرَابَ اللازم بمعنى صارَ ذَا ريب وشك، وذو الريب وصاحبه من قام به، لا نفس الشك، فالإسناد مجازي للمبالغة كجد جده. والرَّيْبُ: الظن والشك، يقال: رابني الشيءُ يَريبني، إذا جَعَلَك شاكًّا. ﴿نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ الآية المعجزة الدالة على صدق نبوته. ﴿ذروها﴾ اتركوها وخلوها وشأنَها. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ يقال: عَقرَ الناقة بالسيف، إذا قطع قَوائِمَها به أو نَحَرَها. ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ التمتع: التلذذ بالمنافع والدار البلد كما يقال: ديار بكر؛ أي: بلادهم. ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾؛ أي: غير مكذوب فيه؛ لأن المكذوبَ وصف الإنسان لا الوعد؛ لأنه يقال: كَذَبَ زيد عمرًا في مقالته، فزيد كاذب، وعمرو مكذوب، والمقالةُ مكذوب فيها. فالكلامُ على الحَذْفِ والإيصال، فلمَّا حذف الجار صار المجرورُ مفعولًا على التوسع، فأقيم مقام الفاعل، اهـ "شهاب". وفي "السمين": قولُه: ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ يجوز أن يكونَ مَصدرًا على وزن مفعول، وقد جاء منه ألفاظ: نَحْوُ: المجلود، والمعقول، والمنشور، والمغبون، والمفتون، ويجوز أن يكونَ اسمَ مفعول على بابه، وفيه تأويلان:
أحدهما: غير مكذوب فيه، ثُمَّ حذف حرف الجر، فاتصل الضمير مرفوعًا مستترًا في الصفة، ومثله يوم مشهود.
والثاني: أنه جَعَلَ هو نفسَه غير مكذوب؛ لأنه قد وَفَى به، وإذا وَفى به .. فقد صَدَقَ، اهـ. والوعد خبر موقوت كأنَّ الواعدَ قال للموعود: إنّني أفِي به في وقته، فإنْ وفى .. فقد صَدَقَ، ولم يكذبه. ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، وأصلُ الأخذ: التناولُ باليد، ثم استعمل في الأشياء المعنوية، كأخذ الميثاق، والعهد، وفي الإهلاك، وحُذفت تاء التأنيث من الفعل إما لكون المؤنث مجازيًّا، أو للفصل بالمفعول، أو لأن الصيحةَ بمعنى الصياح، والصيحةُ فعلة تَدُلُّ على المرة
стр. 5646
من الصياح، وهو الصوت الشديد. يقال: صاح يصيح صياحًا؛ أي: صوَّت بقوة، اهـ "سمين". ﴿جَاثِمِينَ﴾؛ أي: ساقطينَ على وجوههم مصعوقينَ لم يَنْجُ منهم أحدٌ، وجثومهم سُقُوطُهم على وجوههم، أو الجُثُوم: السكونُ: يقال للطير: إذا باتت في أوكارها .. جَثَمَتْ، ثم إن العرَبَ أطلقوا هذا اللفظَ على مَا لا يتحرك من الموت. قال في "بحر العلوم" يقال: الناسُ جثم أي قعود لا حرَاكَ بهم. وفي "المصباح": جثم الطائر، والأرنب يجثمُ من بابي دَخل، وجلس جُثُومًا، وهو كالبروك من البعير، والفاعل جَاثِم وجثام مبالغة، اهـ. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقال: غنيت بالمكان إذا أتيتَه وأقمتَ فيه. وفي "المختار": وغَنِي بالمكان إذا أَقَام به، وبابه صَدِيَ، اهـ. والمَعنى: المنزلُ، والمقام الذي يقيم فيه الحي، يقال: غني الرجلُ بمكان كذا؛ أي: أقام به، وغَنيَ أي عاش.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجازُ المرسل في قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾؛ لأنَّ المرادَ بالسماءِ المطر، فهو من إطلاق المحل، وإرادة الحال؛ لأنَّ المطر ينزل من السماء.
ومنها: المبالغة في ﴿مِدْرَارًا﴾ لأن مفعالَ من صيغ المبالغة؛ ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا﴾.
ومنها: التعجيز في قوله: ﴿فَكِيدُونِي﴾ لأنَّ المرادَ من هذا الأمر التعجيز.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ لأنَّ الأخذَ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر، أو فيه استعارة تمثيليَّة، شبَّهَ الخلقَ، وهم في قبضة الله، وملكه وتحت قهره وسلطانه، بالمالك الذي يقودَ المقدورَ عليه بناصيته، كما يقاد الأسيرُ والفرس بناصيته.
стр. 5647
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ لأنه عبارة عن كمال العدل في ملكه تعالى، فهو مطلع على أمور العباد، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ لأن الأمرَ كناية عن العذاب.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ لبيان أنَّ الأمرَ شديد عظيم، لا سهلٌ يسيرٌ.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾؛ أي: عصَوا رَسولَهم هودًا من باب إطلاق الكل وإرادة البعض، وفيه: تفظيع لحالهم، وبيان أنَّ عصيانَهم له، عصيانٌ لجميع الرسل، السابقين، واللاحقين.
ومنها: المبالغة في التهويل والتفظيع في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا﴾، ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ لأنَّ في تكرير حرف التنبيه، وتكرير لفظ عاد من المبالغة في التهويل من حالهم ما لا يخفى.
ومنها: القصر في قوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: هو سبحانه لا غيره أنشأكم وخلَقَكم؛ لأنه فاعل معنوي، وتقديمه يدل على القصر ذكره في "روح البيان".
ومنها: الإسناد المجازي في قوله ﴿لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، فإسناد الريب إلى الشك مجاز, لأن الموقع في الريب بمعنى القلق والاضطراب، هو الله لا الشك، ولكن أسنده إليه للمبالغة كجد جده.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من يمنعني، ويحفظني من عذاب الله؛ لأن النصرةَ هنا مستعملة في لازم معناها، وهو المنع والحفظ.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ كبيت الله بمعنى أنها لا اختصاصَ لأحد بها.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ أي: ترع نباتَهَا وتشرب
стр. 5648
ماءَها فهو من قَبيل الاكتفاء، نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾.
ومنها: المجاز المرسل، في قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ لأنَّ العاقرَ واحد منهم، وهو قدار بن سالف، فأطْلَقَ ما للبعض على الكل، لرضاهم بفعله، وأمرهم له.
ومنها: حكاية الحال الماضيةِ استحضارًا لها في قوله: ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؛ أي: ما عَبَد آباؤنا.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار، في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ﴾ لزيادة البيان.
ومنها: تكرار حرف التنبيه، ولفظ ثمود مبالغةً في التهويل مِنْ حالهم.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾.
ومنها: الطباقُ بين ﴿نَجَّيْنَا﴾ ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأن معنى أَخَذَ أهلك.
ومنها: الزيادة، والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
إبراهيم ﵇ بين قصة صالح ولوط؛ لأن له مَدْخَلًا في قصة لوط، وكان إبراهيمُ ابنَ خالةِ لوط.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذَكَرَ بَعضَ ما جرى بين إبراهيم والملائكة، وَصَل به بعضًا آخر كالتتمة له.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بيَّن ما يدل على أن لوطًا كان قلقًا على أضيافه مما يوجب الفضيحة لهم، وذلك قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ذَكَرَ هنا أنَّ الرُّسلَ بشروه بأن قومَه لن يصلوا إلى ما هموا به، وأنَّ اللَّهَ تعالى مهلِكُهُم ومنجيه مع أهله من العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ...﴾ الآية، تقدم ذكر قصة شعيب في سورة الأعراف، وذكرت هنا مرة أخرى، وقد جاء في كل منهما من العظات والأحكام والحكم ما ليس في الآخر، مع الإحكام في السبك، وحسن الرصف، والسلامة من التعارض والاختلاف والتفاوت.
التفسير وأوجه القراءة
٦٩ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد جاءت رسلُنَا من الملائكة جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، على ما قاله ابن عباس وعطاء في صورة الغلمان، الذين يكونون في غاية الحُسنِ والبهاءِ والجمالِ، إلى إبراهيم ﵇ حالةَ كونهِم متلبسينَ بالبشارة له بالولد من سارةَ بدليل ذكره في سورة أخرى، ولأنه أطلق البشرَى هنا، وقيَّد في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ والمطلق محمول على المقيد، وهذا شروع (٢) في قصة إبراهيم الخليل ﵇، لكنها مذكورة هنا توطئةً لقصة لوط لا استقلالًا، ولذا لم يذكرهما على أسلوب ما قبلها وما بعدها، فلم يقل وأَرْسَلنا إبراهيمَ إلى كذا كما قال ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾، ﴿وَإِلَى
стр. 5651
ثَمُودَ﴾، ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ مثلًا وعاش إبراهيم من العمر مئة وخمسًا وسبعينَ سنةً، وبينه وبين نوح ألفًا وست مئة وأربعون سنة. وابنه إسحاق عاش مئةً وثمانين سنةً. ويعقوب بن إسحاق عاش مئةَ وخمسًا وأربعين سنةً.
و ﴿رُسُلَنَا﴾ يقرأ بسكون السين وضمها حيثما وقع مضافًا للضمير بخلاف ما إذا أضيف إلى مظهر، فليس فيه إلا ضمها، والرسل: هم الملائكة كما مر، واختلفوا في عددهم. فقال ابن عباس، وعطاء، كانوا: ثلاثةً جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ. وقال الضحاك: كانوا تسعةً. وقال مقاتل: كانُوا اثني عشر مَلَكًا. وقال محمَّد بن كعب القرظي كان جبريلُ، ومعه سبعة أملاك. وقال السدي: كانوا أحَدَ عَشَرَ مَلَكًا على صور الغلمان الحسان الوجوه.
وقول ابن عباس هو الأولى؛ لأن أقلَّ الجمع ثلاثةٌ. وقوله: ﴿رُسُلَنَا﴾ جمع فيحمل على الأقل، وما بعده غير مقطوع به، ومثل هذا لا يعلم إلا بتوقيف من الوحي، ولم يثبت شيء منه في عددهم. والبشرى هي: البشارة بإسحاقَ ويعقوبَ. وقيل: بإهلاك قوم لوط وإنجائه. والأول أظهر. وقوله: ﴿قَالُوا﴾ استئناف بياني؛ أي: قالت الرسلُ لإبراهيم. ﴿سَلَامًا﴾؛ أي: سلمنا عليك سلامًا أو نسلم عليك سلامًا، هذه تحيتهم التي وَقَعَتْ منهم، وهي لفظ سلامًا، وهو مصدر معمول لفعل محذوف وجوبًا؛ أي: سلمنا سلامًا ﴿قَالَ﴾ إبراهيم عليكم ﴿سَلَامٌ﴾ هذه تحيته الواقعةُ منه جوابًا، وهي لفظ سلام، وهو مبتدأ خبره محذوف كما قَدَّرنا، فقد حيَّاهم بالجملة الاسمية في جواب تحيتهم بالفعلية، ومن المعلوم أنَّ الاسمية أبلغُ من الفعلية؛ لأن الجملةَ الاسمية دالة على الثبات والاستمرار، والفعليةَ دالة على التجدد والحدوث، فكانَتْ تحيتُه أحسنَ من تحيتهم كما قال: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾.
وفي "السمين": ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ في نصبه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به، ثمَّ هو محتمل لأمرين:
١ - أن يُرادَ: قالوا هذا اللفظَ بعينه، وجاز ذلك؛ لأنه يتضمن معنى الكلام.
стр. 5652
٢ - أنه أرادَ قالوا معنى هذا، وقد تقدم ذلك في نحو قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
وثاني الوجهين: أن يكونَ منصوبًا على المصدر بفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصبٍ بالقول، تقديره: قالوا: سلمنا سلامًا، وهو من باب: ما نابَ فيه المصدر عن العامل فيه، وهو واجبُ الإضمار، وقوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ في رفعه وجهان:
١ - أنه مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: سلام عليكم.
٢ - أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أمري، أو قولي سلام، وقد تَقَدَّم أول هذا الموضوع، أن الرفعَ أدل على الثبوت من النصب، والجملةُ بأسرها، وإن كان أحدُ جزأيها محذوفًا في محل نصب بالقول. وقرأ الأخوان حَمزةُ والكسائيّ: ﴿قال سلم﴾ هنا، وفي سورة الذاريات: بكسر السين، وسكون اللام، ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف. فقيل: هما لغتان كحِرْم، وحرام، وحِلٍ وحَلاَل. وقيل: السِّلْمُ، بالكسر، ضدُّ الحرب، وناسبَ ذلك, لأنه نكرهم فكأنه قال: أنَّا مُسَالِمكم غيرُ محارب لكم، اهـ.
ولفظةُ (ما) في قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ نافية، و ﴿لبث﴾ فعل ماض بمعنى أَبْطأَ، وجملة: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فاعله؛ أي: فما أبطأ (١) وتأخَّر عنهم مجيء إبراهيم بعجل حنيذ؛ أي: بولد بقر مشويّ بحجارة محماة في حفرة من الأرض من غير أن تمسه النار، فوضَعَه بين أيديهم، وكان مِنْ فعلِ أهل البادية، وكان سَمينًا يسيل منه الوَدَكُ. قال قتادة: وإنما جاءهم بعجل؛ لأنه كان عامَّة مال إبراهيم البقر، وقيل: مُكَثَ إبراهيم ﵇ خَمَسَ عشرة ليلةً لم يأته ضيف، فاغتم لذلك، وكان يحب الضيف، ولا يأكل إلا معه، فلما جاءت الملائكة رأى أَضيافًا لم يرَ مِثْلُهُم قطُّ فَعَجَّلَ قراهم، فجاءهم بعجل سمينٍ مشويٍّ.
وقال أكثر النحويينَ (٢): (أنْ) هنا بمعنى حتى. والمعنى: فما لَبِث إبراهيم
стр. 5653
حَتّى جاءَ بعجل حنيذ، وقيل: إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر، والتقدير: فما لبث إبراهيم عن أن جاء؛ أي: فما أَبْطَأَ إبراهيم عن مجيئه بعجل حنيذ. و (ما) نافية قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه؛ أي: ما أبطأ وتأخر مجيئه بعجل حنيذ. وقيل: إن (ما) موصولة، وهي مبتدأ، والخبر أَنْ جاءَ بعجل حنيذ، والتقدير: فالذي لَبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ؛ أي: قدر زمان مجيئه به. والحنيذ: المشويُّ مُطْلقًا. وقيل: المشوي بحَرِّ الحجارة من غير أن تمَسَّه النار، يقال: حَنِذَ الشاةَ يحنذها جعلها فَوْقَ حجارة محماةٍ لتنضجها فهي حنيذ. وقيل: معنى (حنيذ): سمين. وقيل: الحَنِيذُ: السَّمِيطُ. وقيل: النَّضيجُ، وهو فعيل يمعنى مفعول كما سيأتي في مباحث الصرف.
وقد (١) اهتدى البشر إلى شَيِّ اللحم مِنْ صيدٍ وغيره على الحجارة المُحَمَّاة بِحَرِّ الشمس قديمًا قبل الاهتداء إلى إنضَاجِه بالنار. وجاء في سورة الذاريات: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾. وفي هذا دليل على أنه كان مَشْوِيًّا مُعَدًّا لِمَنْ يجيء من الضُّيوف، وربما كان قد شَوِيَ عند وصولهم بلا إبْطاءٍ.
٧٠ - فلما قرب إليهم، ووضع بين أيديهم كفوا عنه ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ إبراهيم ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾؛ أي: أيدي الرسل ﴿لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: لا تمتد إلى الطعام الذي قَدَّم إليهم ﴿نَكِرَهُمْ﴾؛ أي: أنكر إبراهيم ذلك منهم، ووجده على غير ما يعهد من الضيوف، ولم يعرف سبب عدم تناولهم منه، وامتناعهم عنه، فالعادة قد جرت أنَّ الضيفَ إذا لم يطعم مما قدم إليه .. ظنَّ أنه لم يَجِىء بخير، وأنه يُحْدِّثَ نَفْسُه بشرٍّ، ﴿وَأَوْجَسَ﴾ إبراهيم؛ أي: أحس وأدرك إبراهيم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من جهتهم ﴿خِيفَةً﴾؛ أي: خوفًا في نفسه؛ أي: أحسَّ وعلم في نفسه فزعًا وخوفًا منهم حين شعر أنهم ليسوا بشرًا، ووقع في نفسه أنهم ملائكة، وأنَّ نزولَهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه.
والوجس رعب القلب (٢)، وإنما خاف إبراهيمُ ﵇ منهم؛ لأنه كان
стр. 5654
ينزل ناحيةً من الناس، فخاف أن ينزلوا به مكروهًا لامتناعهم من طعامه، ولم يعرف أنهم ملائكة. وقيل: إن إبراهيمَ عرف أنهم ملائكة، وإنما خَافَ أَنْ يكونوا نزلوا بعذاب قومه، فخاف من ذلك. والأقرب: أَنَّ إبراهيمَ ﵇ لم يعرف أنهم ملائكةً في أول الأمر، ويدل على صحة هذا أنه ﵇ قدمَ إليهم الطعام، ولو عرف أنهم ملائكة لما قدمه إليهم، لعلمه أن الملائكةَ لا يأكلونَ ولا يشربون، ولأنه خافهم، ولو عرف أنهم ملائكة .. لما خافهم، فلما عرف الملائكة خَوفَ إبراهيم منهم بأمارات تدل عليه كظهور أثره على وجهه، أو بكلام من إبراهيم يدل على خوفه كما قال في سورة الحجر: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾. فلا يقال: الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فمن أينَ علمت الملائكة إخفاءه للخيفة. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالتَ الملائكة لإبراهيم ﴿لَا تَخَفْ﴾ منَّا يا إبراهيم فنحن لا نريد بك سوءًا ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب؛ أي: وإنما نحنُ ملائكة الله أرسلنا إلى قوم لوط خاصة لإهلاكهم، وكانت دِيارهم قريبةً من دياره، وما أرسلنا إلى قومك، فكُنْ طيبَ النفس، وكان لوط أخا سارة، أو ابنَ أخي إبراهيم ﵉،
٧١ - ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارة بنت هاران بن ناخور، وهي ابنة عمه ﴿قَائِمَةٌ﴾ وراءَ الستر بحيث تسمع محاوراتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، وكانت نساؤهم لا تحجب كعادة الأعراب، ونازلة البوادي والصحراء، ولم يكن التبرج مكروهًا، وكانت عجوزًا، وخدمة الضيفان مما يعدُّ من مكارم الأخلاق.
وجاء في شريعتنا مثل هذا في حديث أبي أسيد الساعدي، وكانت امرأته عروسًا فكانت خَادِمَة الرسول ﷺ ، ومن حضر معه من أصحابه. والجملة الاسمية حال من ضمير قالوا: أي: قالوا لإبراهيم لا تخف في حال قيام امرأته. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ امرأة إبراهيم سرورًا بالأمن من الخوف، أو لقرب عذاب قوم لوط لكراهتها لسيرتهم الخبيثة. قال الجمهور: هو الضحك المعروف، فقيل: هو مجاز معبر به عن طلاقة الوجه، وسرورها بنجاة أخيها وهلاك قومه. وقال مجاهد، وعكرمة، فضحكت، حَاضَتْ عند فرحها بالسلامة من الخوف، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد. قال الزمخشري (١): وفي مصحف عبد الله:
стр. 5655
﴿وامرأته قائمة وهو قاعد﴾. وقال ابن عطية: وفي قراءة ابن مسعود: ﴿وهي قائمة وهو جالس﴾ ولم يتقدم ذِكرُ امرأة إبراهيم، فيُضْمَرُ لكنه يفسره سياق الكلام. وقرأ محمَّد بن زياد الأعرابي، رجل من قراء مكة ﴿فضحكت﴾ بفتح الحاء. قال المهدوي، وفتح الحاء غير معروف. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾؛ أي: فعقبنا سرورها بسرور أتم منه على ألسنة رسلنا، وإسحاق بالعبرانية الضحاك، وولد إسحاق بعد البشارة بسنة، وكانت ولادته بعد إسماعيل بأربع عشرةَ سنةً. ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾؛ أي: ووهبنا لها من بعد إسحاق ﴿يَعْقُوبَ﴾ ولدَ إسحاق، فهو من عطف جملة على جملة، ولا يكون يعقوب على هذا مبشَّرًا به، وبشِّرَت من بين أولاد إسحاق بيعقوب؛ لأنها رأَتْهُ، ولم تَرَ غَيْرَه، وهذه البشارة لسارة كانت وهي بنت تسعٍ وتسعينَ سنةً، وإبراهيم ابن مئة سنة.
واعلم: أنه لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر، تمَنَّتْ سَارةُ أن يكون لها ابن، وأيست لكبر سنها، فبُشِّرَت بولد يكون نبيًّا، ويلد نبيًّا، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولدَ ولدها، وإنما بشروها دونَه؛ لأن المرأَة أعجل فرحًا بالولد، ولأن إبراهيمَ بشروه، وأمنوه من خوفه، فأتبعوا بشارَتَه ببشارتها. وقال في "التبيان" (١): أي بشروها بأنها تلد إسحاق، وأنها تعيش إلى أن ترى وَلَد الولد، وهو يعقوب ابن إسحاق. والاسمان (٢) يحتمل وقوعهما في البشارة، كيحيى حيث سمي به في البشارة قال الله تعالى: ﴿إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾. ويحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا فسميا بإسحاق ويعقوب، وتوجيه البشارة إليها لا إليه، مع أنه الأصلُ في ذلك للدلالة على أنَّ الولدَ المبشرَ به يكون منها, ولأنها كانت عَقِيمَةً حريصةً على الولد، وكان لإبراهيم ولدُه إسماعيل من هاجر، ولأنَّ المرأةَ أشدُّ فرحًا بالولد.
وقال ابن عباس ووهب: فضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها، وسن زوجها، وعلى هذا تكون الآية من التقديم والتأخير، تقديره: وامرأته قائمةٌ فبشرناها بإسحاق، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوب، فضحكت كما في "بحر
стр. 5656
العلوم" وتفسير أبي الليث. قال ابن عطية: أضاف فعلَ الملائِكَةِ إلى ضمير اسم الله تعالى في قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا﴾ إذ كَانَ ذلك بأمره ووحيه، وقد وَقَعَ التبشير هنا لها، ووقع لإبراهيم في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ , لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة لكونه منهما. وقرأ (١) الحرميان نافع، وابن كثير، والنحويان أبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر ﴿يعقوبُ﴾ بالرفع على الابتداء ﴿وَمِنْ وَرَاءِ﴾ الخبر كأنه قيل، ومن وراء إسحاق يعقوب كائن. وقدره الزمخشري مولودٌ أو موجودٌ. قال النحاس: والجملة داخلة في البشارة، أي: فبشرناها بإسحاق متصلًا به يعقوب. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص، وزيد بن علي ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب. قال الزمخشري، كأنه قيل: ووهبنا لها إسحاقَ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوب، يعني أنه عطف على التوهم، والعطف على التوهم لا ينقاس، والأظهر أن يَنْتَصِبَ ﴿يَعْقُوبَ﴾ بإضمار فعل، تقديره: ومن وراء إسحاقَ وهبنَا لَهَا يعقوب، ودلَّ عليه قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا﴾ لأن البشارة بمعنى الهبة، ورجح هذا الوجه أبو علي، ومن ذهب إلى أنه مجرور معطوف على لفظ بـ ﴿إِسْحَاقَ﴾ أو على موضعه فقوله: ضعيف؛ لأنه لا يجوز الفصل بالظرف، أو المجرور بين حرف العطف، ومعطوفه المجرور، فلا يجوز مررت بزيد اليومَ وأمس عمرو.
٧٢ - وقوله: ﴿قَالَتْ﴾ استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قالت إذ بشِّرت بذلك، فقيل: قالت سارة لما بشرت بإسحاق ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ وقرأ الحسن: ﴿ياويلتي﴾ بالياء، وهي كلمة تقال عند التعجب؛ أي: يا عجبًا. وأصله (٢): ﴿يا ويلتي﴾ بالياء فأبدل من الياء الألف، ومن كسرة التاء الفتحة، لأنَّ الألفَ مع الفتحة أخفُّ من الياءَ مع الكسرة، وأصل هذه الكلمة في الشر؛ لأنَّ الشَّخْصَ ينادي ويلته، وهي هلكته يقول لها تعالي واحضري فهذا أوان حضورك، ثمَّ أطلق في كل أمر عجيب، كقولك: يا سبحانَ الله، وهو المراد هنا. قال سعدي المفتِي أصل الدعاء بالويل ونحوه في التفجع لشدة مكروه يدهم النفسَ، ثم استعمل في عَجَب يدهم النَّفْسَ، والاستفهام في قوله: ﴿أَأَلِدُ﴾ استفهام تعجب، أي: قالت سارة لما بشرت بإسحاق، يا
стр. 5657
ويلتا، ويا عجبًا احضري إليَّ لأتعجب منك، فهذا أوان التعجب منك كيف ألِدُ وَلدًا ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾؛ أي: والحال أني عجوز قد بلغت السن التي لا يلد مَنْ كان قد بَلغها من الرجال والنساءِ، بلغت تسعينَ سنةً أو تسعًا وتسعينَ سنةً لم ألد قط، ومثلي لا يلد، بل الغالب أن ينقطع حيضُ المرأة. في سن الخمسين، فيبطل استعدادها للحمل، والولادة، على أنها كانت عقيمًا ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾؛ أي: والحال أن هذا الرجلَ الذي تشاهدونه بعلي أو زوجي حالة كونه ﴿شَيْخًا﴾ كبيرًا لا يولد لمثله ابن مئة سنة، أو مئة وعشرين سنةً. وأصل معنى البعل: هو المستعلي على غيره، ولما كان زوج المرأة مستعليًا عليها قائمًا بأمرها سَمِيَّ بعلًا، اهـ "خازنٍ". ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي بشرتمونا به ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ مخالف لسنن الله تعالى التي سلكها في عباده، وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش (١): ﴿شيخ﴾ بالرفع، وجوَّزوا فيه، وفي ﴿بعلي﴾ أن يكونا خبرين كقولهم هذا حلو حامض، وأن يكونَ بعلي الخبر، وشيخ خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من بعلي، وأن يكون بعلي بدلًا، أو عطف بيان وشيخ الخبر.
والإشارة بهذا إلى الولادة، أو البشارة بها تعجبتْ من حدوث ولد بين شيخين هرمين، واستغربت ذلك من حيث العادة، لا إنكارًا لقدرة الله تعالى. ﴿إِنَّ هَذَا﴾؛ أي (٢): حصولَ الولد من هرمين مثلنا، ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بالنسبة إلى سنة الله المسلوكة فيما بين عباده، ومقصدها استعظام نعمة الله عليها في ضمن الاستعجاب العاديّ، لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرة الله تعالى؛ لأن التعجبَ من قدرة الله يوجب الكفرَ، لكونه مستلزمًا للجهل بقدرة الله تعالى.
وقدَّمَتْ بيانَ حالها على بيان حال بعلها؛ لأن مُباينة حَالها لِمَا ذُكر من الولادة أكثر، إذ رُبَّما يُولد للشيوخ من الشَّواب، ولا يولد للعجائز من الشبان.
٧٣ - والاستفهام في قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ للإنكار لعَجَبِهَا؛ أي: قالت الملائكة لسارة منكرينَ عليها لعجبها، أتعجبين يا سارة من أمر الله وشأنه،
стр. 5658
وقدرته على إيجاد الولد من كَبيرَيْن. قال سعدي المفتي: أخذ جبريل عودًا من الأرض يابسًا، فدلكه بين أصبعيه، فإذا هي شجرة تهتزُّ، فعرفت أَنه من الله تعالى؛ أي: قالوا لها: لا ينبغي لك أن تعجبي من شيء يَصْدُر عن أمر الله الذي لا يُعجزه شيءٌ كما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ والله الخالق للسنن, والواضع لنظام الأسبابِ، هو الذي أرادَ أنْ يستثنيَ منها واقعةً بعينها، يجعلُها من آياته لحكمة من حِكَمِه أرادها لبعض عباده.
﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ التي وسعت كلَّ شيء، واستبقت كلَّ خير ﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾؛ أي: خيراته النامية المتكاثرة في كل باب، التي من جملتها هبة الأولاد حالتان ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لازمتان لكم لا تفارقكم. وحكى سيبويه ﴿عليكم﴾ بكسر الكاف، لمجاورة الياء كما في "القرطبي". يا ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: يا أهلَ بيت النبوة، ويراد بالبيت، بيت السكنى كما ذكره أبو حيان. أرادوا أنَّ هذه، وأمثالَها مما يكرمكم به ربّ العزة، ويخصكم بالإنعام يا أهل بيت النبوة، فليست بمكان عَجَبٍ.
والمعنى: رحمة (١) الله الواسعةُ لكل شيء، وخيراته الفائضة منه بواسِطَة تلكَ الرحمة، لازمة لكم لا تفارقكم يا أهلَ بيت إبراهيم، فإذا رأيتم أنَّ الله خَرَق العاداتِ في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية، فكيفَ يليق به التعجبُ، وما تلك بأُولَى آية لإبراهيم، فقد نجَّاه الله من نار قومه الظالمين، وآواه إلى الأرض التي بَارَكَ فيها للعالمين، وهذه الجملة مستأنفة. فقيل: خبر، وهو الأظهر. وقيل: دعاء. وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات: الأسباط من بني إسرائيل؛ لأنَّ الأنبياء منهم، وكُلُّهم من ولد إبراهيم ﵇. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿حَمِيدٌ﴾ الفعال؛ أي: فاعل ما يستوجب به الحمدَ من عباده، لا سيما في حقها، ﴿مَجِيدٌ﴾ الذات أو كثيرُ الخير والإحسان إلى عباده، خصوصًا، في أنْ جَعَلَ بيتَها مهبطَ البركات.
٧٤ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ﴾ وزال ﴿عَنْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇ ﴿الرَّوْعُ﴾؛ أي: الخوف والفزَعُ الذي أصابه لمَّا لم يأكلوا من العجل، واطمأنَّ قلبه بعرفانه
стр. 5659
بحقيقتِهم المَلَكِيّةِ، وعرفانِ سببِ مجيئهم ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بنجاة قومه كما قال: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أو بالولدِ إسحاقَ كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ وإبراهيم أصل في التبشير، كما قال في سورة أخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾. ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾؛ أي: أخذ يجادل، ويخاصم رسلَنا فيما أرسلناهم به من عقاب قوم لوط، وجُعِلَتْ مجادلتهم مجادلةَ الله؛ لأنها مجادلة في تنفيذ أمره. وقد صرَّح في سورة العنكبوت بكون هذه المجادَلَةِ مع الرسل حيث قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾.
وجيءَ بجواب (١) لَمَّا مضارعًا مع أنه ينبغي أن يكون ماضيًا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع أمر في الماضي لوقوع غيره فيه على سبيل حكاية الحال الماضية، أي جَادَلَ، وخَاصَمَ رسلَنَا في شأن قوم لوط وحقِّهم لرفع العذاب عنهم جدالَ الضعيف مع القويِّ لا جِدَالَ القوي مع الضعيف بل جدالَ المحتاج الفقير مع الكريم الغني، وجدالَ الرحمة والمعاطفة وطلب النجاة للضعفاء، والمساكين الهالكين. وكان لوط ابنَ أخيه، وهو لوط بن هاران بن آزر، وإبراهيم بن آزر، ويقال: ابن عمه، وسارة كانت أختَ لوط. فلما سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لأجل لوط، فطفق إبراهيم يجادل الرسلَ حينَ قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، فقال: أرأيتم لو كانَ فيها خمسون رجلًا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعونَ؟ قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، حتى بلغ خمسةً قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجلٌ واحد مسلمٌ، أَتُهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾.
٧٥ - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇ ﴿لَحَلِيمٌ﴾؛ أي: غير (٢) عجول على كل من أساءَ إليه، فلذلك طَلَبَ تأخيرَ العذاب عنهم، رَجَاءَ إقدامهم على الإيمان,
стр. 5660
والتوبة عن المعاصي ﴿أَوَّاهٌ﴾؛ أي: كثيرُ التضرع إلى الله عند وصول الشدائد إلى الغير ﴿مُنِيبٌ﴾؛ أي: رجاع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم.
والمعنى: أنه جَادَلَ الملائكةَ في عذاب قوم لوط؛ لأنه كان حليمًا لا يعجل بالانتقام من المسيء، كثير التأوه مما يَسُوء الناسَ، ويؤلمهم يَرْجِع إلى الله في كل أموره؛ أي: كَانَ جداله بحلم وتأوه عليهم، فإنَّ الذي لا يتعجل في مكافأة من يؤذيه يتأوه أي: يقول أوه وآه، إذَا شاهدَ وصولَ الشدائد إلى الغير، وأنه مع ذلك راجعٌ إلى الله في جميع أحواله؛ أي: ما كان بعض أحواله مشوبًا بعلة راجعةٍ إلى حَظِّ نفسه، بل كان كُله لله، فتبيَّنَ أنَّ رقَّةَ القلب حَمَلَتْهُ على المجادلة فيهم، رَجَاءَ أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلَّهم يحدثون التوبةَ والإنابَةَ، كما حملته على الاستغفار لأَبِيهِ.
٧٦ - وقوله: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ على تقدير القول؛ أي: قالت الملائكة يا إبراهيم ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدال، والمحاورَة في شيء مفروغ منه، والأمر ما قضاه، وحكم به من عذابه الواقع بهم لا مَحالَةَ، ولا مردَّ له بجدال، ولا دعاءٍ، ولا غير ذلك ﴿إنه﴾؛ أي: إنَّ الشَّأنَ ﴿قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وقدره بمقتضَى قضائِه الأزليِّ بعذابهم، وهو أَعْلَمُ بحالهم، والقضاء (١) هو الإرادة الأزلية، والعناية الإلَهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدرُ تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإنَّ قوم لوط ﴿آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾؛ أي: غير مصروف عنهم، ولا مدفوع بجدال، ولا دعاءٍ، ولا غيرهما، وإنك مأجور مثاب فيما جادلتْنَا لنجاتهم، وهذا كما كان النبي ﷺ ، يقول: "اشفعوا تؤجَروا, وليقضينَّ اللَّهُ على لسان رسوله ما شاء".
والمعنى (٢): يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، والاسترحام لهم، إنه قد نَفَذَ فيهم القضاء وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي
стр. 5661
لا يردُّ عن القوم المجرمينَ وإنهم آتيهم عذاب لا سبيل إلى دفعه ورده بِجَدَلٍ ولا شفاعة، ولا بغيرهما. وقرأ عمرو بن هرم (١): (وإنهم أتاهم) بلفظ الماضي، وعذاب فاعل به عبر بالماضي عن المضارع لتحقق وقوعه كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.
والظاهر: أنَّ إتيان العذاب الغير المردود لإصرارهم على الكفر، والتكذيب بعد استبانة الحق، واللواطةُ من جملة أسباب الإتيان كالعَقْرِ لناقةِ الله بالنسبةِ إلى قوم صالح.
رُوي: أنَّ الرسلَ الذين بَشَّروا إبراهيمَ ذهبوا بعد هذه المجادلة من عنده، وانطلقوا إلى قرية لوط سدوم، وما بين القريتَين أربع فراسخ، فانتهوا إليها نصفَ النهار، فإذا هم بِجَوَارٍ يَسْتَقِيْنَ من الماء، فأبصَرَتْهُم ابنةُ لوط، وهي تستقي الماء، فقالت لهم: ما شأنكم؟ وأين تريدون؟ قالوا: أَقْبَلْنَا منْ مكان كذا، ونريد كذا، فأخبرتهم عن حال أهل المدينة، وخبثِهم، فأظهروا الغَمَّ مِنْ أنفسهم، فقالوا: هل أحد يضيفنا في هذه القرية؟ قالت: ليس فيها أحد يضيفكم إلا ذاك الشيخ، فأشارتِ إلى أبيها لوط، وهو قائم على بابه فأتَوا إليه. فلمَّا رآهم، وهيئتهم ساءه ذلك،
٧٧ - وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾؛ أي: ولما جاءت ملائكتُنا لوطًا ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾؛ أي: حَزِنَ بسببهم؛ أي: سَاءَهُ مجيؤهم، وهو فعل مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير لوط من قولك: ساءني كذا؛ أي: حصل لي منه سوء وحزن، وغم وبهم متعلق به؛ أي: بسببهم. والمعنى: ساءَهُ وأَحْزَنَه مجيئهم. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾؛ أي: ضاق صدره بمجيئهم وكونهم عنده، وضيق الصدر كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه.
والمعنى: ساءه مجيؤهم، وضَاقَ بهم صَدْرُه، لا لأنهم جاؤوا مسافرين، وهو لا يُحِبُّ الضيفَ، فحاشا بيت النبوة عن ذلك، بل لأنهم جاؤوا في صورة غلمان حِسان الوجوه، فحَسِبَ أنهم أناس، فَخَافَ عليهم أن يَقْصِدَهُم قومُه، فيعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم.
стр. 5662
وفيه إشارة إلى عروض الهم والحزن له، لهلاك قومه بالعذاب، فَانْظُر إلى التفاوت بين إبراهيم، ولوط، وبين قومهما حيث كان مجيؤهم لإبراهيم للمسرة، وللوط للمساءة، مع تقديم المسرة, لأنَّ رحمةَ الله سابقة على غضبه. وروي أنَّ الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهدَ عليهم لوط أربعَ شهادات، فلما أَتَوْا إليه، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية، قالوا: وما أمرها؟ قال: أشهدُ بالله إنها لشر قرية في الأرض عملًا يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا منزلَه، ولم يعلم بذلك أحَدٌ. ﴿وَقَالَ﴾ لوط ﴿هَذَا﴾ اليوم ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾؛ أي: شديد عليّ، وهو لغة جرهم كما في "ربيع الأبرار"؛ أي: هذا يوم شديد شَرُّه عظيم بلاؤه. ثُم قال لوط لامرأته: ويحك قومِي فاخبِزِي للضيف، ولا تعلِمي أحدًا. وكانت امرأته كَافِرَةً منافِقَةً، فانطلقَتْ لطلب بعض حَاجَتِها، فجَعَلَت لا تدخل على أحد إلا أخبرَتْه، وقالت: إنَّ في بيت لوط رجالًا ما رأيت أحسنَ وُجوهًا منهم، ولا أنظَفَ ثيابًا، ولا أطيبَ رائحةً. فلمَّا علموا بذلك جاؤوا إلى باب لوط، مُسْرِعين،
٧٨ - فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ﴾؛ أي: وجاءَ لوطًا، وهو في بيته مع أضيافه ﴿قَوْمُهُ﴾، والحال أنهم ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: يُساقون إليه، ويسرعون إليه، ويَسُوقُ بعضهم بعضًا، كأنما يُدْفَعون دفعًا طلبًا للفاحشة من أضيافه، غافلينَ عن حالهم جاهلينَ بمآلهم. والإهراع: الإسراع يقال: أَهْرَعَ القَوْمُ، وهَرَعُوا. وقرأ الجمهور: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مبنيًّا للمفعول مِن أُهْرعَ، أي: يُهْرِعُهم الطَّمعُ وقرأت فرقة: (يهرعون) بفتح الياء من هرع الثلاثي. وجملة قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ حال أيضًا من ﴿قومه﴾؛ أي: جاؤوا مسرعين، والحال أنهم كانوا من قبل هذا الوقت، وهو وقت مجيئهم إلى لوط منهمكين في عمل الفواحش واللواطِ، فتمرَّنوا بها؛ أي: تَعَوَّدوا، واستمروا عليها حتى لم تُعَبْ عندهم قباحتها, ولذلك لم يستحيوا مما فعلوا من مجيئهم مهرِعينَ مجاهرينَ. وقيل: ومن قبل لوط كانوا يعملونَ السيئات.
وفي "التأويلات النجمية" كانوا يعملون السيئات الموجبةَ للهلاك والعذابِ فجاؤوا مسرعينَ مستقبلي العذابِ، وطلبوا من بيت النبوة من أهل الطهارة معاملةً ساءتهم بخيانة نفوسهم، ليستحقوا بذلك كمالَ الشقاوة، وسرعةَ العذاب، انتهى.
стр. 5663
ودلَّ ما ذكر على أنَّ جِهارَ الفسق فوقَ إخفائِه، ولذا رد شهادة الفاسق المعلن.
وفي الحديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون"، أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافَون، بل يؤخذون في الدنيا إن كانت مما يتعلَّق بالحدود، وأما في الآخرة فمطلقًا.
فلما جاؤوا إلى لوط، وقصدوا أضيافَهُ لذلك العمل، قام إليهم لوط مدافعًا و ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ خبره ﴿بَنَاتِي﴾ الصلبية، فتزوجوهن (١)، وكانوا يطلبونهن من قبلُ، ولا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لعدم مشروعيته، فإنَّ تزويجَ المسلمات من الكفار كان جائزًا في شريعته، وهكذا كان في أول الإِسلام بدليل أنه ﷺ زوج ابنتيه من أبي العاص بن وائل، وعتبة بن أبي لهب، قبل الوحي، وهما كافران، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. وقيل: كان لهم سيدان مُطَاعَان، فأراد أن يُزَوّجَهما ابنتيه، وأيّا ما كَانَ فقد أراد به وقاية ضيفه، وذلك غايةٌ في الكرم. ﴿هُنَّ﴾ مبتدأ خبره قوله: ﴿أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحسن لكم فتزوجوهن، ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي. وقد كان له ثلاث بَنَاتٍ. وقيل: اثنتان. وقيل: أراد بقوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ النساءُ جملةً, لأنَّ نَبِيَّ القوم أبٌ لهم، كما قال ابن عباس: "ويدخل فيهن نساؤهم المدخول بهن وغيرهن من المعدات للزواج" ومراده أن الاستماع بهن بالزواج أطهر من التلوث برجس اللواط فإنه يَكْبَحُ جماح الشهوة مع الأمن من الفساد. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: أراد نساءَ قومه، وأضافهن إلى نفسه, لأن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة، والتربيةُ، وهذا القول أولى, لأن إقدامَ الإنسان على عَرْضِ بناته على الأوباش، والفجار مستبعد لا يليق بأهل المروءة، فكيف بالأنبياء وأيضًا فبناته لا تكفي الجمع العظيم، أمَّا بنات أمته، ففيهن كفاية للكل، اهـ "كرخي". والتطهر التنزه عما لا يحل، وليس في صيغة ﴿أَطْهَرُ﴾ دلالةَ على التفضيل بل هي مثل: "الله أكبر" فلا يدل على أن إتيان الذكور كان طاهرًا كما لا يدل قولك النكاح أطهر من الزنى على كون الزنا طاهرًا؛ لأنه خبث ليس فيه شيء
стр. 5664
من الطهارة. لكن هؤلاء القوم اعتقدوا ذلك طهارة، فبنى ذلك على زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل. وهو مثل ما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: "الله أجلّ وأعلى" جوابًا لأبي سفيان حيث قال: "أعلُ هُبَل" اعْتَقَد علوَّ صنمه، وذلك اعتقاد فاسد لا شبهةَ فيه.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، أو بإيثارهن عليهم ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾؛ أي: ولا تذلوني، وتجلبوا عليَّ العارَ ﴿فِي ضَيْفِي﴾، والضيف يطلق على الواحد، والاثنين، والجماعة, لأنه في الأصل مصدر، ومعنى: ﴿فِي ضَيْفِي﴾؛ أي: في حقهم وشأنهم، فإن إخزاءَ ضيف الرجل إخزاؤه، كما أن إكرامَ من يتصل به إكرامُهُ. والمعنى (١): أي: فاخشوا الله، واحذروا عقابَهُ في إتيانكم الفاحشةَ التي تطلبونها, ولا تذِلوني وتمتهنوني بفضيحتي في ضيفي، فإن إهانة الضيوف إهانة للمضيف، وفضيحة له، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ﴾ للتوبيخ والتقريع أي أليس منكم ﴿رَجُلٌ﴾ واحد ﴿رَشِيدٌ﴾؛ أي: ذو رشد، وحكمة يَهْتَدِي إلى الحق، وَيرْعَوِي عن القبيح، وينهى من أراد ركوب الفاحشة مِن ضيوفي، ويرد هؤلاء الأوباشَ عنهم ما يريدون، وفي ذلك توبيخٌ عظيم لهم حيث لم يكن منهم رشيد ألبتةَ يرشدهم إلى ترك هذا العمل القبيح، ويمنعهم منه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَطْهَرُ﴾ بالرفع والأحسن في الإعراب أن يكون جملتين كل منهما مبتدأ وخبر، وجوِّز في بناتي أن يكونَ بدلًا، أو عطفَ بيان، وهُنَّ فصل وأطهر الخبر. وقرأ الحسنُ وزيد بن علي، وعيسى بن عمر، وسعيد بن جبير، ومحمد بن مروان السدي: (أطهرَ) بالنصب. وقال سيبويه: هو لَحْنٌ. وقال أبو عمرو بن العلاء: احْتَبَى فيه ابن مروان في لَحْنه، يعني تَرَبَّعَ. ورويت هذه القراءة عن مروان بن الحكم، وخُرّجت هذه القراءة على أن نصبَ (أطهر) على الحال. فقيل: (هؤلاء) مبتدأ، و (بناتي هن) مبتدأ وخبر في موضع خبر (هؤلاء) وروي هذا عن المبرد.
стр. 5665
٧٩ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم لوط مجيبينَ عليه معرضينَ عمَّا نَصَحَهم به، وأرشدهم إليه، والله ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا لوط من قبل ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ أي: علمت (١) من قبل أنه ليس لنا في بناتك من حق؛ أي: من رغبة في تزوجهن، فَتَصْرَفنا بعرضهن علينا عما نريده، وقد يكون المعنى: لقد علمت الذي لنا في نسائنا اللواتي تسميهن بناتكَ من حق الاستمتاع، وما نحن عليه معهن، فلا ينبغي عَرْضُك إياهن علينا لتصرفنا عَمَّا نريده؛ أي: ما لنا فيهن من شهوة ولا حاجة، لأنَّ من احتاج إلى شيء، فكأنه حصل له فيه نوعٌ حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم، أنه قد عَلِمَ منهم المكالَبَة على إتيان الذكور، وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حَاجةَ لهم إلى النساء، ويُمكِن أن يريدوا أنه لا حَقَّ لنا في نكاحهن؛ لأنه لا ينكحهن، ولا يتزوج بهن إلا مؤمن، ونحن لا نؤمن أبدًا. ومقصودُهم أنَّ نكاح الإناث ليس من عادتنا ومذهبِنا, ولذا قالوا: (علمْتَ) فإنَّ لوطًا كان يعلم ذلك، ولا يعلم عدمَ رغبتهم في بناته بخصوصهن، ويؤيده قوله: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا لوط ﴿لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾؛ أي: لتعرف حقَّ المعرفة ما نريد من الاستمتاع بالذُّكران، وإننا لا نؤثر عليه شيئًا.
والخلاصة: أنهم أجمعوا أمرهم على فعل ما يريدون، وهو في الحقيقة طلب ما أعد الله لهم في الأزل من قهره، يعني الهلاكَ بالعذاب.
٨٠ - ولما يئس من ارعوائهم عَمَّا هم عليه من الغيِّ ﴿قَالَ﴾ لوط لقومه: حينَ أَبَوا إلا المُضِيَّ لما قد جاؤوا له من طلب الفاحشة، وأيس من أن يستجيبوا له إلى شيء مما عرض عليهم. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾؛ أي: لو ثَبَتَ كون قوة لي بكم، وقدرة عليكم، ومنعة منكم بأنصار ينصروني، وأعوان يعينوني عليكم ﴿أو﴾ أنني ﴿آوِي﴾، وأنضمُّ ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: عشيرة قويَّة؛ أي: أوَ ثبَتَ لي كون عشيرة قوية تجيرني منكم لحلت بينكم وبين ما جئتم له، تريدونه مني في أضيافي، ولدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم. وجواب لو محذوف كما قدرنا، والأنسب بمثل هذا المقام أن تكون (لو) للتمني. فكأنه قال: لو قَوِيَتْ على دَفْعكم، ومقاومتكم بنفسي، أو
стр. 5666
التجأت إلى ناصرٍ عزيز قويٍّ أَسْتَنِد إليه، وأتَمَنَّعُ به، فيحميني منكم. شبَّه بِرُكْن الجبل في الشدة والمَنعة. والرُّكْنُ بسكون الكاف، وضمِّها في الأصل: الناحية من الجبل، وغيره، ومرادُه بالركن الشديد العشيرةُ، والأقاربُ، وما يمتنعُ به عنهم هو ومَنْ معه. وقيل: أراد بالقوة الولد، وبالركن الشديد من ينصره من غير ولده. وقيل: أراد بالقوة قوته في نفسه. وكان لوط رجلًا غريبًا فيهم ليس له عشيرة وقبيلة يلتجيء إليهم في الأمور الملمة والغريب لا يعينه أحد غالبًا في أكثر البلدان، خُصُوصًا في هذا الزمان, لأنه كَانَ أوّلًا بالعراق مع إبراهيم، فلمَّا هاجر إلى الشام، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، وهي قرية عند حِمْصَ. وفي "الخطيب" في سورة الشعراء: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾؛ أي: في البلد لا في الدين، ولا في النسب, لأنه ابن أخي إبراهيم ﵉، وهما من بلاد المشرق من أرض بابل، وقومُ لوط - أهلَ سدوم - من أرض الشام، وكأنه عبر بالأخوّة لاختياره لمجاورتهم، ومناسبتهم بمصاهرتهم، وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدةً، وسنينَ عديدةً، وإتيانه بالأولاد من نسائهم. قال أبو هريرة: ما بعث الله نبيًّا بعده إلا في مَنَعةٍ من عشيرته. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لَبِثَ يوسف ثم أتاني الداعي لأجبتُه". متفق عليه. قال النواوي ﵀: المرادُ بالركن الشديد، هو الله ، فإنه أشد الأركان، وأقواها وأمنعها. ومعنى الحديث: أنَّ لوطًا ﵇ لما خَاف على أضيافه، ولم تكن له عشيرة تمنعهم من الظالمينَ ضاق ذَرْعُه، واشتدَّ حزنه عليهم، فغَلَب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أنَّ لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقَصَدَ لوط إظهارَ العذرِ عند أضيافه، وأنه لو استطاع .. لَدَفع المكروهَ عنهم. وقرأ شيبة، وأبو جعفر (١): (أو آوِيَ) بنصب الياءِ بإضمار أنْ بعد أو، فتقدر بالمصدر عطفًا على قوله: ﴿قوة﴾ والتقدير: لو أنَّ لي بكم قوة أو إيواء إلى ركن شديد.
стр. 5667
قال ابن عباس وأهل التفسير (١): أغلَق لوط بابَه، والملائكة معه في الدار، وجَعَلَ يناظر قَوْمَه ويناشدهم من وراء الباب، وقومه يعالجون سُوَر الدار،
٨١ - فلما رأت الملائكة ما لقي لوط بسببهم من الكرب ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة للوط بعد أَنْ رأوا شديدَ الكرب الذي لحقه بسببهم، وتمنِّيهِ أن يَجِدَ قُوَّةً تدفعهم عن أضيافه ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ أرسلنا لإهلاكهم، وتنجيتك من شَرِّهم ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وإلى من معك بضرر، ولا مكروه، ولن يخزوك فينا، وإنَّ ركنَك شديد، فهَوِّن عليك الأمر، وافتح الباب، ودَعْنا وإياهم. ففتح البابَ فدخلوا، فاستأذن جبريل ربَّه تعالى في عقوبتهم، فأَذِنَ له فتحول إلى صورته التي يكون فيها، ونشر جَنَاحَيْه وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثَّنَايا أجلى الجبين، ورَأْسُه حبك مثل المرجان، كأنه الثلج بياضًا، وقدَماه إلى الحضرة، فضَرَبَ بجناحيه وجوههم، فطَمَسَ أعيُنَهم، وأعماهم فَصاروا لا يعرفون الطريقَ، ولا يهتدون إلى بيوتهم، وانصرفوا، وهم يقولون: النجاءَ، النَّجاءَ في بيتِ لوط أسْحَرُ قوم في الأرض، قد سَحَرونا، وجَعَلُوا يقولون يا لوط كما أنت حتى تصبحَ، وسترى ما تلقى مِنَّا غدًا، يوعدونه بذلك، ولكنه من الإسرائيليات لا أصلَ لها.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾؛ أي: فاخْرُج من هذه القرى أنت مع أهلك، يعني: بنتيه ريْثا وزَعُورا ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في طائفةٍ وبقيةٍ من الليلِ تكفي لتجاوز حدودها؛ أي: أُخرُجوا ليلًا لتستبقوا نُزولَ العذاب الذي موعده الصبح. وجاء في سورة الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾. وفي "القرطبي": فخرج لوط، وطَوَى الله له الأرض في وَقْتِهِ حتى نجا ووَصلَ إلى إبراهيمَ، اهـ. وقرأ (٢) الحرميان نافع، وابن كثير: ﴿فاسر بأهلك﴾ هنا، وفي الحجر، وفي الدخان: ﴿فاسر بعبادي﴾. وقوله: (أن اسر﴾ في طه والشعراء قرأ جميع ذلك بهمزة الوصل تَسْقُط درجًا، وتثبت مكسورة ابتداءً. وقرأ الباقون: ﴿فأَسْر﴾ بهمزة القطع، تثبت مفتوحةً دَرَجًا وابتداءً.
стр. 5668
والقراءتان مأخوذتان من معنى هذا الفعل، فإنه يقال: سَرَى. ومنه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ وأسرى. ومنه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وهل هما بمعنى واحد؛ أو بينهما فرق؟ خلاف مشهور. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد. وقيل: بل (أسرى) لأول الليل، وسَرَى لآخره، وهو قول الليث. وأمَّا سار فمختص بالنهار، وليس مقلوبًا مِنْ سرى، اهـ "سمين".
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾؛ أي: لا تلتفت أنت، ولا تترك إحدى بِنْتَيْكَ، تلتفت؛ لئلا يَرَى عظيمَ ما يَنْزِلُ بهم فيحصل له كرب ربما لا يطيقه. وفي "المراح": وإنما نُهوا عن الالتفات (١) ليسرعوا في السير، فإنَّ مَنْ يَلْتَفِتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وَقْفَةٍ. وقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قرأه ابن كثير، وأبو عمرو بالرفع؛ أي: لا يتأخر منكم أحدُ إلا امرأتك واعلة المنافقةُ. وعلى هذه القراءة يقتضي كونَ لوطٍ مأمورًا بالإسراء بها، وقرأ الباقون بالنصب، والمعنى: ولا ينظر أحد إلى وراءه منك، ومن أهلك إلا امرأتك. وهذه القراءة تقتضي كونَ لوط غير مأمور بالإسراء بها.
أي (٢): ولا ينظر أحدٌ إلى ما وراءه ليجدوا في السَّيْرِ، أو لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب، فيرقوا لهم. وجاء في سورة الحجر: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فقد كان ضَلَعُها مع القوم، وكانت كافرةً خائِنةً. ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ الشأن ﴿مُصِيبُهَا﴾؛ أي: امرأتك ﴿مَا أَصَابَهُمْ﴾ من العذاب؛ أي: إنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم، ومقضي عليها بذلك فهو واقع لا بُدَّ منه.
يعني (٣): وَقَعَتْ أهل بيتِ نُبُوَّتِه في الضلالة فهَلَكَتْ، فإنها مع تشرفها بالإضافة إلى بيت النبوة لِمَّا اتَّصَلَتْ بأهل الضلالة صارت ضالَّةً، وأدَّى ضلالها،
стр. 5669
وكفرها إلى الهلاك معهم. ففيه تنبيه إلى أنَّ لصحبة الأغيار ضررًا عظيمًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إلا امرأتُك﴾ بالرفع، وباقي السبعة بالنصب. فوجه النصب على أنه استثناء من قوله: ﴿بِأَهْلِكَ﴾ إذ قبله أمر، والأمر عندهم كالواجب، ويتعيَّن النصبُ على الاستثناء من أهلكَ في قراءة عبد الله إذ سقط في قراءته وفي مصحفه: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ ووجه الرفع على أنه بدل من أحد، وهو استثناء متصل.
ثم علَّل الإسراءَ ببقية من الليل، فقال ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾؛ أي: موعدَ عذابهم ﴿الصُّبْحُ﴾ ابتداءً من طلوع الفجر إلى الشروق، كما جاء في سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾. وقرأ عيسى بن عمر: ﴿الصبُحُ﴾ بضم الباء. قيل: وهي لغةٌ فلا يكون ذلك اتباعًا، وإنما جعل الصبح ميقاتًا لهلاكهم؛ لأن النفوسَ فيه أودع، والراحةُ فيه أَجْمَعُ فيكون حُلولُ العذاب حينئذ أفْظَعَ؛ ولأنه أنسبُ بكونِ ذلك عبرةً للناظرين. رُوي أنَّ لوطًا قال للملائكة متى موعدهم؟ قالوا: الصبحُ، فقال: أُريد أسرعَ من ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؛ أي: أليس موعد الصبح بموعد قريبٍ؟ لم يَبْقَ له إلا ليلة واحدةُ فَانْجُ فيها بأهلك. والاستفهامُ فيه تقريري. وفيه إشارة إلى أنَّ صبحَ يومِ الوفاة، قريبٌ لكل أحد، فإذا أدركَه فكأنَّه لم يَلْبَثْ في الدنيا إلا ساعةً من نهار. وفي "المراغي": وحكمة تخصيص هذا الوقت أنهم يكونونَ مجتمعينَ في مساكِنهم، فلا يفلت منهم أحدٌ، اهـ.
٨٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: وقت أمرنا بالعذاب، وقضائنا فيهم بالهلاك، وهو الصبح ﴿جَعَلْنَا﴾ بقدرتنا الكاملة ﴿عَالِيَهَا﴾؛ أي: عاليَ قرى قوم لوط، وهي التي عبر عنها بالمؤتفكات، وهي أربعُ مدائنَ فيها أربع مئة ألف، وأربعة آلاف، وهي سدوم، وعامورا، وكَادُوما، ومذاويم. كانت على مسيرة ثلاثةِ أيام من بيت المقدس ﴿سَافِلَهَا﴾؛ أي: قلبناها على تلك الهيئات؛ أي: قَلَبْنَا قُراهم كُلَّها، وخَسَفْنا بها الأرض. روي أنَّ جبريلَ جعل جَنَاحَه في أسْفَلِها فاقتلعها من الماء الأسود، ثمَّ رَفَعَها إلى السماء حتى سمِعَ أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الدِّيكة لم يكفأ إناء، ولم يَنتَبِه نائم، ثم قلبها عليهم، فأقبلت تَهْوي من السماء
стр. 5670
إلى الأرض، ولكنَّه من الإسرائيليات التي لا مستندَ لها.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على أهل المدائن من فوقهم، قبل القلب، أو في أثنائه ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: من طين متحجِّرٍ كما جاء في سورة الذاريات: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾. ومثل هذا المطر يَحْدث بإرسال الله تعالى ريحًا شديدةً تحمل بعضَ الأحجار من المستنقعات أو الأنهار فتلقيها حيث يشاء الله تعالى، وكان حقَّ العبارة، وجعلوا عاليِا، وأمطروا؛ أي: الملائكة المأمورونَ بذلك، فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبِّبُ تعظيمًا للأمر، وتهويلًا للخطب؛ أي: وأمطرنا على أهل تلك القرى الخارجين عنها في الأسفار وغيرها، حجارةً من سجيل. ﴿مَنْضُودٍ﴾؛ أي: متتابع بعضه بعضًا في الإرسال، والنزول كقطار الأمطار، والنَّضَد: وضع الشيء بعضِه على بعضٍ، وهو نعتٌ لسجيل.
٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً﴾ نعت حجارة؛ أي: معلمة تلك الحجارة لا تُشْبِهُ حجارة الدنيا، أو باسم صاحبها الذي تصيبه وَيُرْمى بها ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يا محمَّد؛ أي: كائنة في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا الله. والمعنى: جاءت من عند ربك. وفي ذلك دليل على أنها ليسَتْ من حجارة الأرض، قاله الحسن، اهـ "قرطبي". وفي إمطار الحجارة قولانَ.
أحدهما: أنها أمطرَتْ على المدن حينَ رفعها جبريل، أو بعد القلب.
والثاني: أنها أمطرت على مَنْ لَمْ يكن في المُدُن من أهلها، وكان خارجًا عنها. رَوي أنَّ الحجر اتبع شذاذهم أينما كانوا في البلاد، ودخل رجل منهم الحرمَ، وكان الحجر معلقًا في السماء أربعين يومًا حتى خَرَج فأصابه فأهلكه. ولعل الإمطارَ على تلك القرى بعد القلب إنما هو لتكميل العقوبة، كالرجفة الواقعة بعد الصيحة لقوم صالح، ولتحصيل الهلاك لمسافريهم الخارجين من بلادهم لمصالحهم، وهو الظاهر، والله أعلم. والسجيل: الطين المتحجر بطبخ أو غيره. وقيل: هو الشديدُ الصلب من الحجارة. وقيل: السجيل: الكثير. وقيل غير ذلك. وهذا السجيل قد نضدَ، وتراكب بعضه في إثر بعضٍ بحيث يقع طائفة بعد طائفة، وقد وضع على تلك الأحجار سومة، أي: علامة خاصة في علم ربك، بحيث لا تصيب غير أهلها. وقد يكون المعنى: أنه سخَّرها عليهم،
стр. 5671
وحكمها في إهلاكهم بحيث لا يمنعها شيء، من قولهم سَوَّمْتُ فلانًا في الأمر، إذا حكمته فيه، وخَلَّيْتَه وما يُريد لا تثني له يد في تصرفه.
ويَرى بَعْضُ المفسرينَ أنَّ التسْوِيم كانَ حِسيًّا بخطوط في ألوانها أو بأمثال الخواتيم عليها، أو بأسماء أهلها، وكل ذلك من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بسلطان، ونص من خاتم الرسل، وأَنَّى هو. ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما هذه القرى التي حَلَّ بها العذابُ ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: منكم أيها المشركون من أهل مكة، الظالمون لأنفسهم بتكذيبك، والمماراة فيما تُنذرهم به ﴿بِبَعِيدٍ﴾؛ أي: بمكان بعيد عنكم، بل هي قريبة منكم على طريقكم في رحلة الصيف إلى الشام، كما قال في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؛ أي: وإنكم لتمرون على آثارهم، ومنازلهم في أسفاركم وَقْتَ النهار، وبالليل أفلا تعتبرون بما حَلَّ بهم.
وفي هذه عبرة للظالمين في كل زمان، وإن اختلفَ العذابُ باختلاف الأحوال وأنواع الظلم كثرةً وقلةً، ومقدار أثره في الأمة من إفسادٍ عامٍّ أو خاصٍّ.
وقيل المعنى: ﴿وَمَا هِيَ﴾؛ أي: وما هذه الحجارة الموصوفة من كل ظالم ببعيد، فإنهم بسبب ظلمهم مستحقونَ لها؛ أي: فإن الظالمينَ حقيق بأن تمطر عليهم، ومنهم كفار قريش، ومن عاضَدَهم على الكفر بمحمد ﷺ أو من الظالمينَ من قوم لوط، وتذكيرُ البعيد على تأويل الحجارة بالحجر، أو إجراء له على موصوف مذكر؛ أي: شيء بعيد، أو مكان بعيد، أو لكونه مصدرًا كالزفير، والصهيل، والمصادرُ يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث.
٨٤ - وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ معطوف كسابقه على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وهو اسم ابن إبراهيم الخليل ﵇، ثمَّ صَارَ اسمًا للقبيلة، أو اسْمُ مدينة بناها مَدْيَنَ، فسُمِّيت باسمه؛ أي: وأرسلنا إلى قبيلة مَدْيَنَ أو ساكني بلدةِ مدين ﴿أَخَاهُمْ﴾؛ أي: واحدًا منهم في النسب ﴿شُعَيْبًا﴾ عطف بيان له، وهو ابن مكيلِ بن يشجر بن مدين ﴿قَالَ﴾ استئناف بيانيٌّ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فلمَّا أتاهم قال: يا قوم اعبدوا الله،
стр. 5672
وحده، ولا تشركوا به شيئًا من الأصنام فـ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: لأنه ليس لكم إله سوى اللَّه تعالى، وقد جرَتْ سنة الأنبياءِ أن يَبْدؤوا بالدعوةِ إلى التوحيد؛ لأنه جِذْرُ شجرة الإيمان. ثمَّ يَتْبِعُونَه بالأهمِّ فالأهمِّ فيما يرون لدى أقوامهم، ومن ثم ثنى بالنهي عن نقص الكيل والميزان؛ لأنَّ أهْلَ مَدْينَ اعتادوا ذلك فقال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾؛ أي: آلة (١) الوزن والكيل، وكان لهم مكيالان، وميزانان: أحدُهما أكبَرُ من الآخر، فإذا اكتالوا على الناس يستوفون بالأكبر، وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخْسِرونَ بالأصغر، والمراد لا تنقصوا حَجْمَ المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوق الناس. ويجوز أن يكونَ من ذكر المحل، وإرادة الحال، فإذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائدٍ، وكذلك إذا وصل إليهم الموزونُ، أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا .. باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص، وكل من البَخْسَين شائع في هذا الزمان أيضًا كأنه ميراث من الكفرة الخائنين. وجملة قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ تعليل للنهي؛ أي (٢): لا تنقصوا المكيالَ، والميزان لأني أراكم بخير؛ أي: متلبسين بثروة وسعة في الرزق تغنيكم عن التطفيف، فلا تغيروا نعمةَ الله عليكم بمعصيته، والإضرار بعباده. ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها مما تنقصون لهم من المبيع في مكيل أو موزون، وكانوا تُجَّارًا مطففينَ إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم ينقصونَ المكيالَ والميزان. أَلاَ إنَّ في هذا كفرانًا لنعمة الله عليكم، إذ كان يجب عليكم شكرانها بالزيادة على سبيل الصدقة والإحسان.
ثمَّ ذكَرَ بعد هذه العلة، علَّةً أُخرى، فقال: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ﴾ وأخشى ﴿عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾؛ أي: يومًا يُحيط بكم عذابه، لا يشُذ منه أحدٌ منكم، إذا أنتم أصررتم على شرككم بالله بعبادة غيره، وكفرتم بنعمه بنقص المكيال والميزان. وهذا العذاب إما في الدنيا بعذاب الاستئصال، وإمَّا في يوم
стр. 5673
القيامة، ففي هذه العلة تذكير لهم بعذاب الآخرة، كما أنَّ العلة الأُولى فيها تذكير لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب: لأنَّ العذابَ واقعٌ في اليوم ففيه إسناد مجازيٌّ. ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يُشُذُّ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه مَلجأً ولا مهربًا. واليومُ هو يوم القيامة. وقيل: هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. وأصل (١) العذاب في كلام العرب من العذب، وهو: المَنْعُ، وسمِّي الماء عذبًا؛ لأنه يمنع العطشَ. والعذابُ عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقب عن معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره عن مثل فعله.
٨٥ - ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا﴾ وأتموا ﴿الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل بلا زيادة، ولا نقصان. ومعنى (٢): إيفاء الحق إعطاؤُه تامًّا كاملًا؛ أي اسْعوا في إعطاء الحق على وَجه التمام والكمال، بحيث يحصل لكم اليقينُ بالخروج عن العهدة وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ حال من فاعل ﴿أَوْفُوا﴾ أي متلبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان، فإنَّ الزيادةَ في الكيل والوزن وإن كانت تفضلًا مندوبًا إليه، لكنها في الآلة محظورة كالنقص، فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيال، والناقص للاستعمال وقتَ الكيل، كذا في "الإرشاد". وصرَّح بالإيفاء بعد النهي عن ضده؛ لأن النهيَ عن نقص حَجْم المكيال، وصنجات الميزان, والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال، والميزان للمعهود، فلا تكرار في الآية كما في "حواشي سعدي المفتي".
ثمَّ زاد ذلك تأكيدًا، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾؛ أي: ولا تنقصوا النَّاسَ ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ أي: حُقُوقَهم مطلقًا، ولا تأخذوها منهم ظلمًا؛ أي: سواء كانت من الموزونات أو المكيلات، أو المذروعات، أو المحدودات بحدود حسية، وسواء كانت من حقوق ماديَّة أو معنوية، وسواءٌ كانت للأفراد، أو الجماعات، وسواءٌ كانت جليلةً أو حقيرةً.
وفي هذا النهي عن البخس على العموم والأشياء أعمُّ مما يكال أو يوزن،
стр. 5674
فيَدْخُل فيه البَخْسُ بتطفيف الكيل والوزن دخولًا أوَّليًّا، وكانوا يأخذونَ من كلِّ شيء يباعُ شيئًا كما يفعل السماسرة، ويمكنون الناس وينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياءِ، وقيل: البخس المكس خاصة. ثم قال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العثي: أشدُّ الفساد؛ أي: ولا تفسدوا في الأرض؛ أي: ولا تفعلوا في الأرض ما ظاهِرُهُ الإِفْسَادُ حالةَ كونكم مفسدين؛ أي: قاصدينَ به الإفسادَ لا الإصلاحَ.
الإفساد: تعطيل يشمل مصالحَ الدنيا، وأمور الدين، وأخلاقَ النفس وصفاتها، وكلُّ ذلك فاش في عَصْرِنا، ومن الفساد: نقص الحُقُوق في المكيال والميزان. ومن الإفساد: قَصُّ الدراهم والدنانير، وترويج الزيوف ببعض الأسباب، وغير ذلك؛ أي: لا تفسِدوا في الأرض، وأنتم تتعمدون الإفسادَ، وإنما اشترط في النهي تعمد الإفسادِ؛ ليخرج بعضُ ما هو إفسادٌ في الظاهر، ويرادُ به الإصلاحُ، أو فعلُ أخفِّ الضرَرَين لدفع أثقلهما كما وقع من الخضر في السفينة، التي كانت لمساكين يعملون في البحر، لأجل منع الملك الظالم الذي وراءَهم من أخذها إذا أعجبته، وكما يقع في الحرب من قطع الأشجار، أو فَتحِ سُدَدِ الأنهار، أو إحراق بعض الغابات، أو قتل دواب أهل الحرب.
٨٦ - وهذا نَهْيٌ عام يشمل غير ما سَبَقَ كقطع الطرق، وتهديد الأمن وقطع الشجر، وقَتَل الحيوان، ونحو ذلك ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾؛ أي: ما أبقاه الله تعالى لكم بعد إيفاء الكيل والميزان, وترك الحرام من الربح الحلال فهي فعيلة بمعنى المفعول، وإضافتها للتشريف كما في بيت الله، وناقة الله، فإنَّ ما بقي بعد إيفاء الكيل، والوزن من الرزق الحلال يستحق التشريفَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: أكْثَرُ لكم بركةً، وأحمدُ عاقبةً مما تأخذونه بالتطفيف، وتجمعونه بالبخس من الحرام، فإن ذَلِكَ هبَاءٌ منثور، بل شر محض، وإن زعمتم أنَّ فيه خَيْرًا كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال في "شرح الشرعة": ولا يَخون أحد في مبايعته بالحِيَل والتلبيس، فإنَّ الرزق لا يزيد بذلك، بل تزول بركته فمَنْ جمع المال بالحِيل حَبَّةً حَبَّةً يهلكه الله جملة قبة قبة، ويبقَى عليه وزره ذرة ذرة، كرجل
стр. 5675
كان يخلط اللبنَ بالماء ليُرَى كثيرًا، فجاء السيل، وقَتَلَ بقَرَهُ، فقالَت صِبيته: يا أبت قد اجتمعت المياه الَّتي خلطتها في اللبن، وقتلتْ البقرَ. وقرأ (١) إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة: ﴿بَقِيَّةٍ﴾ بتخفيفِ الياء. قال ابن عطية: هي لغةٌ، انتهى. وذلك أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللازم أن يكون على وزن فعِلٍ نحو: سَجِيَتِ المرأة فهي سَجِيَة، فإذا شدَّدت الياءَ .. كان على وزن فعيل للمبالغة. وقرأ الحسن: ﴿تَقِيَّة﴾ بالتاء، وهي تقواه، ومراقبته الصارفة عن المعاصي فقوله: ﴿بقيت الله﴾ يُرْسَم بالتاء المجرورة، وإذا وقفت عليه اضطرارًا يصح الوقف بالمجرورة، والمربوطة، وليس في القرآن غيرها، اهـ "فتوحات"؛ أي: المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق التطفيف ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين لي في مقالتي لكم، أو إن كنتم مؤمنين به تعالى حقَّ الإيمان, فالإيمان يطهِّر النفسَ من رَذيلةِ الطمع، ويحلِّيها بفضيلة السَّخاءِ والكرم، وإنما شرط (٢) الإيمان في خيريَّة ما بقي بعد الإيفاءِ, لأنَّ فَائِدَتَهُ وهي حصول الثوابِ، والنجاةُ من العقاب إنما تَظْهَرُ مع الإيمان, فإنَّ الكَافِرَ مخلد في عذاب النيران، ومحروم مِن رضوانِ الله تعالى، وثواب الرحمنِ، سواء أوفى الكيلَ والميزانَ أو سلَكَ سبيل الخوان.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: برقيب (٣) أرقبُكم عند كيلكم، ووَزْنِكم؛ أي: لا يُمْكِنُني شهودُ كُلَّ معاملة تصدرُ منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق، وقيل: أي: لا يتهيَّأ لي أن أَحْفَظَكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم، اهـ "قرطبي". وقيل (٤): أي: وما أنا بالذي أستطيع أن أحْفَظَكم من القبائِح، وإنَّما أنا ناصحٌ مبلِّغ، وقد أعْذَرَتُ إذ أنْذَرْتُ، ولم آل جهدًا في ذلك.
فائدة: واعلم (٥) أنَّ العدلَ ميزان الله في الأرض، سواء كان في الأحكام، أو في المعاملات، والعدول عنه يؤدِّي إلى مؤاخذة العباد، فينبغي أن يتجنَّب الظلم، والمرادُ بالظلم أن يتضرَّرَ به الغير، والعدل أن لا يتضرَّرَ منه أحدٌ بشيء ما. قال