٣٢ - ﴿قَالَتْ﴾ امرأة العزيز للنسوة لما رأين يوسفَ ودهشْنَ عند رؤيته ﴿فَذَلِكُنَّ﴾، والخطاب في (كن) للنسوة، والإشارة في ذا ليوسف، ولم تَقُلْ فهذا مع أنه حاضر رفعًا لمنزلته في الحسن، واسم الإشارة مبتدأ، والموصول خبرَه، وهو ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾؛ أي: فذلكن الخارج الذي ظَهَرَ لكم هو الغلام الذي لمتنَّنِي؛ وعيبتُنَّنِي في شأنه ومحبته. وإنما قالت ذلك لإقامة عُذْرِهَا عندهن، حِينَ قلْنَ إنَّ امرأة العزيز قد شَغَفَها فَتَاها الكنعانيُّ حبًّا، وإنما قالت فذلكن الخ، بعدما قام من المجلس، وذهَبَ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ﴾؛ أي: والله لقد راودتْه، وطلَبْت منه أَن يمكنني ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ حسبما قلتن وسمعتن ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾؛ أي: فامتنعَ من ذلك الفعل الذي طلبته منه، وإنَّما صرحت بذلك لأنَّها علمت أنه لا مَلامَةَ عليها منهن، وإنهن قد أصابَهُنَ ما أصابها عند رؤيته؛ أي: طلَب العصمةَ من الله مبالِغًا في الامتناع؛ لأنه يدلُّ على الامتناع البليغ، والتحفظ الشديد، كأنَّه في عصمة، وهو مجتهد في الاستزادة منها. وفيه برهان نيِّرٌ على أنه لم يصدر عنه شيء مخل باستعصامه، بقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ من الهم وغيره. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾؛ أي: والله لئن لم يَفْعَلْ يُوسُفُ ﴿مَا آمُرُهُ﴾ به مستقبلًا من قضاء شهوتي كما لم يفعله ماضيًا والله ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنون الثقيلة آثَرَتْ بِناء الفعل للمفعول (١) جَرْيًا على رَسْمِ الملوك؛ أَي: واللهِ ليعاقبنَّ على إباءه بالسجن والحبس ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالنون الخَفِيفَة، وإنما كتبت الألف إتباعًا لخط المصحف مثل ﴿لَنَسْفَعًا﴾ على حكم الوقف يعني أنَّ النون الخفيفة يبدل منها في الوقف الألف لشبهها بالتنوين، كقول الأعشى:
وَلاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ أي: من الأذلاء المقهورين في السجن، وهو من (٢) صغر بالكسر، والصغيرُ من صَغُرَ بالضم؛ أي: والله لَيَكُونَنْ يُوسُفُ من الصاغرين المهانين في السجن، فإن زوجي لا يخالف لي رغبةً ولا يَعْصِيني في أمر وسيعاقبه بما أريد؛ ويُلْقِيهِ في غَيَابَاتِ السجون، ويجعله كغيره من العبيد بعد إكرام مثواه؛ وجعلِه كولده. وقرأت فرقة: ﴿وليكوننَّ﴾ بالنون المشددة.
стр. 5882
وفي ذلك (١) إيماء إلى أنها ستشدِّد العقوبةَ عليه أكثرَ مما توعَّدت به أولًا، فهناك أنذرته بسجن قد يكون على أخفِّ صورة، وأقلِّها وعذاب بأهون أنواعه، وألطفها كحَبْسٍ في حجرة الدار، أو لَطْمة على خَدَّيْهِ تُزِيلُ منها الاحمرار. وهنا أَنْذرَتْهُ بسجن مؤكَّد، وذل وصغار تأباه الأنفسُ الكريمةُ كنفس يوسف ﵇، فأشق الأعمال أهْوَنُ على كِرامِ الناس من الهوانِ والصَّغَارِ.
وفي هذا التهديد ليُوسُفَ من ثقتها بسلطانها على زوجها مع علمه بأمرها، واستعظامه لكيدها، ما كان مِنْ حقه أن يجعلَ يُوسُفَ يَخَافُ من تنفيذ إرادتها، ويثبتَ لديه عَدَم غيرته عليها، كما هو الحالُ لدى كثير من العظماء المُتْرفينَ العاجزين عن إحصان أزواجهم، والمحرومين من نِعْمَةِ الأولاد منهن، ورُبَّما تكون مُبَالَغَتُها في تهديده بمحضر من هؤلاء النسوة لما في قَلْبها منه من غل، وجَوى بظهور كذبها، وصدقه، وتصميمِه على عِصْيَان أمرها, ولتُظْهِرَ لِيُوسُفَ أنها ليسَت في أمرها على خِيفةٍ من أحد، فتضيِّقَ عليه، ولينصَحْنَه في موافقتها، ويرشِدنَه إلى الخلاص من عذابها.
٣٣ - فلمَّا سمع يوسف مقالَتَها هذه، وعَرَف أنها عُزْمَةٌ منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز، قال مناجيًا لربه : ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾؛ أي: قال: يا ربي أنت العلم بالسر، والنجوى، والقدير، على كشف تلك البلوى؛ إنَّ دُخُولَ السجن الذي هدَّدَتْ به، والمكث في بيئة المجرمين على شَظْفِ العيش، ورقة الحال ﴿أَحَبُّ إِلَيّ﴾؛ أي: أحبُّ عندي ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: مما تدعو إليه أولئك النسوة في مُؤَأتَاتِها التي تؤدِّي إلى الشقاءِ، والعذاب الأليم؛ أي: من الاستمتاع بها في ترف القصور والاشتغال بحبها عن حبِّك، وبقُرْبها عن قربك. وفي قوله: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ إيماءٌ إلى أنهن خوفنه مُخَالفَتَها، وزيَّنَ له مطاوعتَها، فقلنَ لهُ: أطع مولاتَك، وأنِلها ما تهوَى لتكفى شرَّها، وتأمَنَ عقوبتَها. إن قلتَ هو مجاب الدعوة فلِمَ طَلَب النجاة بالسِّجْنِ ولم
стр. 5883
يطلُبِ النجاةَ العامَّة؟ أجيب: بأنه اطَّلَعَ على أنَّ السِّجْنَ محتمٌ عليه، فدعا به، لأن النبيَّ لا ينطِقُ عن الهوى ذكره "الصاوي". وقرأ عثمان (١)، ومولاه طارقٌ، وزيد بن علي، والزهري، وابن أبي إسحاق، وابن هرمز، ويعقوب: ﴿السَّجْنِ﴾ بفتح السين، وهو مصدر سجن؛ أي: حبسُهم إيَّايَ في السجن أحب إليّ، وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه من التفضيل؛ لأنه لم يحب (٢) ما يَدْعُونَهُ إليه قط، وإنما هذان شران فآثر أحدَ الشرين على الآخر، وإن كان في أحدهما مشقَّةٌ، وفي الآخر لَذَّة لكن لما يترتَّبُ على تلك اللذة من معصية الله، وسوء العاقبة لَمْ يُخْطُرْ له ببال. وإسناد (٣) الدعوة إليهن جميعًا؛ لأنهن خَوَّفْنَه من مخالَفَتِها، وزيَّنَّ له مُطاوَعَتها أو دَعَوْنَهُ إلى أنفسهن، وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله: ﴿هذا﴾ وإنما كان الأولى له أن يسأل الله العافِيَة من شرها, ولذلك رَدَّ رسُولُ الله ﷺ على مَنْ كان يسأل الصبرَ.
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ﴾؛ أي: وإنْ لم تصرف وتدفع ﴿عَنِّي﴾ يا إلهي ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ ومكرهن؛ أي: وإن لم تبعد عني شِراكَ كيدهن، وتثبتني على ما أنا عليه من العصمة ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ مجزوم على أنه جواب الشرط؛ أي: أمِلْ إلى موافقتهن على أهوائهن، وأقَعُ في شباكِ صيدهن، وأرتَعُ في حمأة غوايتهن، وقد لجأ يوسف إلى ألطاف ربه، وسلكَ سبيل المرسلينَ من قبله في فزعهم إلى مولاهم، لينيلهم الخيرات، ويُبعُدَ عنهم الشرور، والموبقات، وإظهارَهم أن لا طاقةَ لهم إلا بمعونته سبحانه مبالغةً في استدعاء لطفه، وعظيم كرمه ومنِّه. ﴿وَأَكُنْ﴾؛ أي: وأصر ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ أي: من الذين لا يعملون بعِلْمهم؛ لأنَّ من لا جدوى لعلمه فهو ومَنْ لا يعلم سواء؛ أي: من السفهاءِ الذين تستخِفُّهم الأهواء والشهوات، فيَجْنَحُون إلى ارتكاب الموبقات، واجتراح السيئات، فمَنْ يعِشْ بين هؤلاءِ النسوة الماكرات المترفات، لا مهربَ له من الجهل إلّا أن تَعْصِمَهُ بما هو فوقَ الأسباب، والسنن العادية. وقرىء (٤): ﴿أصب إليهن﴾ من صبب صبابةً فأنا
стр. 5884
صَبَبٌ، والصَّبَابَةُ: إفراطَ الشوق، كأنه ينْصَب فيما يَهْوَى. وقرأه الجمهور: ﴿أَصْبُ﴾ من صبا إلى اللهو ويصبو صبًا، صبوًا، ويقال: صَبَا يَصْبا صِبًّا والصِّبا بالكسر اللهو واللعبُ.
وفي هذه الجملة الشرطية إيماء إلى أنه ما صَبَا إليهن، ولا أحبَّ أن يَعِيشَ معهن، بل سأَلَ ربه أن يُدِيمَ له ما عوَّده من كشف السوء عنه في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾.
٣٤ - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾؛ أي: فأجاب له ربُّه دعاءه، الذي تضمنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ الخ، فإنَّ فيه التجاءً إلى الله تعالى، جَرْيًا على سننِ الأنبياء والصالحينَ في قَصر نيل الخيرات، وطلبِ النجاة من الشرور، على جناب الله تعالى، كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكتُ، فكأنه قال: اللهم اصرف عني كَيْدَهن. ﴿فَصَرَفَ﴾ الله ﴿عَنْهُ﴾؛ أي: عن يوسف ﴿كَيْدَهُنَّ﴾؛ أي: كيدَ تلك النسوةَ، ومكْرَهُن، وعَصَمُه من الجهل والسفه، باتباع أهوائهن حَسْبَ دعائِه، وثبَّتَهُ على العصمة والعفة حتى وطَّنَ نَفْسَه على مشقة السجن ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء مَنْ تَضرَّعَ إليه، وأخلص الدعاءَ له ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق إيمانهم، وبما يُصْلِح أحوالهم. وفي هذا إرشاد إلى أنَّ ربه حَرَسه بعنايته في جميع أطواره، وشُؤُونه وربَّاه أكْمَلَ تربية، ما خَلاهُ ونَفْسَه في أهون أموره. وهذه الجملةُ تعليلٌ (١) لما قبلها من صرف كيد النسوة عنه؛ أي: إنَّه هو السميع لدعوات الداعينَ له، العلم بأحوال الملتجئينَ إليه.
٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: ثم ظهر العزيز وامرأته ومَنْ يُهِمُّه أمْرهُمَا من أصحابه المتصدِّين للحل والعقد رأي، أي: ظَهَرَ لهم من الرأي ما لم يظهر لهم من قبلُ. وثُمَّ تدلُّ على تغيُّرِ رأيهم في حقه. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾؛ أي: منْ بعد أنْ رأوا الآيات، والشواهدَ الدالة على بَراءة يوسفَ وصدقه كشهادة الصبي، وقَدِّ القميص من دُبر، وقطع النساء أيديَهن، وذهاب عقولهن عند رؤيته؛ أي: ظَهَرَ
стр. 5885
لهم سجنُه بعد هذه الآيات، قائلين: والله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾؛ أي: لَيَسْجُنُنَّ يوسُفَ في السجن ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: إلى حين انقطاع مقالة الناس في المدينة، وهذا باديَ الرأي عند العزيز، وخواصِّه، وأمَّا عندها فحتى يُذَلِّلَهُ السجنُ، ويُسَخِّره لها؛ ويَحْسب الناس أنه المجرمَ فلبث في السجن خَمْسَ سنين، أو سبع سنين، ولا دَلالَةَ في الآية على تعيين مدة حبسه؛ لأنَّ الحينَ عند أهل اللغة وقْتٌ من الزمان غير محدود، ويقع على القصير منه والطويل؛ أى (١): إن زليخَا لما أيِسَتْ من يُوسُفَ بجميع حِيَلها كي تحملَه على موافقة مرادها، قالت لزوجها: إنَّ هذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ فَضَحني في الناس، يقول لهم: إنى راودتُه عن نفسه، فإمَّا أنْ تأذَن لي فأخرج وأعتذرَ إليهم، وإما أن تَسْجُنه فسَجَنَه؛ لأنه كان مِطْواعًا لها. وقرأ الحسن: ﴿لتسجننه﴾ بالتاء على خطاب بعضهم، العزيزَ، ومن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم. وقرأ (٢) ابن مسعود: ﴿عَتى﴾ بإبدالِ حاءِ حتى عينًا، وهي لغة هذيل، وأقرأ بذلك فكَتَبَ إليه عُمَرُ يَأْمُرُه أن يُقرِىءَ بلغة قريش ﴿حَتَّى﴾ لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.
والمعنى (٣): أي ثُمَّ ظهر للعزيز وامرأتِه، ومَنْ يهمه أمْرَهُمَا كالشاهد الذي شهِدَ عليها من أهلها من الرأي ما لم يكن ظاهرًا لهم من قبلُ. بعد أنْ رأوا من الآيات ما اختبَرُوه بأنفسهم، وشهدوه بأعينهم، ممَّا يدلُّ على أنَّ يوسف لم يكن إنسانًا كالذين عرفوا في أخلاقه، وعفَّتِه، واحتقاره للشهوات، واللذات التي يَتَمتع بها سكانُ القصور.
وفي إيمانه بأنَّ ربه لن يَتْرُكَهُ بل يكلؤه بعين عنايته، ويَحْرُسَه بوافر رعايته، وقد اسْتبَانَ لهم ذلك من وجوه:
١ - إنَّ افتتانَ سيدته في مراودته وجَذْبها خَلَسات نَظَرِه لم تؤثِّر في ميل قلبه إيها، بل ظلَّ معرِضًا عنها، مُتَجَاهِلًا لها حتى إذا ما صَارَحَتْهُ بما تريد، استعاذَ
стр. 5886
بربه، ورَبِّ آبائه، وعَيَّرَها بالخيانة لزوجها.
٢ - أنها لَمَّا غَضِبَت وهمَّتْ بالبطش به، هَمَّ بمقاومتها، والبطشِ بها, ولم يمنعه إلّا ما رأى في دَخِيلةِ نفسه من برهان ربه، الذي يَدُلُّ على أنَّ ربَّه صارف السوء والفحشاء.
٣ - أنها حين اتهمته بالتعدِّي عليها شَهِدَ شاهدٌ من أهلها، أنَّها كاذبةٌ في اتهامها إياه، وهو صادقٌ فيما ادَّعاه من مراودتها إياه عن نفسه، بدلالة القميص على ذلك. كلُّ هذا أثبتَ لهم أنَّ بَقَاءَه في هذه الدار بَيْنَ رَبَّتِهَا وصَدِيقَاتِهَا مَثارُ فتنة تدرك غَايتها، وأنَّ الحِكْمَة هو تنفيذُ رأيها الأول بسجنه لإخفاء ذكره، وكَفِّ ألسنة الناس عنها في أمره، وأقسموا ليسجننه حتى حين، دُونَ تقييد بزمن معين، ليَرَوا ماذا يكون فيه من تأثير السجن، وحديث الناس عنه.
وفي تنفيذ هذا العزم، دَلالةٌ على ما كان لهذه المرأة الماكرة من سلطان على زوجها، تَقُودُه كيف شاءَتْ، حتى فَقَدَ الغَيْرةَ عليها، فهو يَجري وراءَ هواها، ويستجلب رِضَاها، حتى أنساه ذلك، ما رَأَى من الآيات وعَمِلَ برأيها في سجنه، لإلحاق الهَوَان، والصَّغار به، حتى أيست من طاعته، وطَمِعَتْ في أن يذلِّلَهُ السجنُ لأمرها، ويَقِفَ به عند مشيئتِها، والله أعلم.
الإعراب
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِي﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿اشْتَرَاهُ﴾ فعل ومفعول. ﴿مِنْ مِصْر﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئتَ قلت: ﴿أَكْرِمِي﴾ فعل وفاعل. ﴿مَثْوَاهُ﴾ مفعول به، ومضاف إليه؛ والجملة في محل النصب مقول
стр. 5887
﴿قَالَ﴾. ﴿عَسَى﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على يوسف. ﴿أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يوسف، وجملة ﴿يَنْفَعَنَا﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه خَبَر ﴿عَسَى﴾ ولكنه في تأويل اسم الفاعل تقديرُهُ: عسى نَفْعُه إيانا؛ أي: نَافِعًا لنا، وجملة ﴿عَسَى﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقولَ القول. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فعل ومفعولان معطوف على ﴿يَنْفَعَنَا﴾ وفاعله ضمير يعود على المشترَى، والتقديرُ: عسى نَفْعُهُ إيانا، أو اتخاذُنا إياه ولدًا؛ أي: عسى هو نافعًا لنا، أو مُتخَذًا لنا ولدًا. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿كذلك﴾ جار ومجرور صفةٌ لمصدر محذوف، تقديره: تمكينًا مثل ذلك التمكين السابق من اجتبائه، وإنجائه من القَتْل والجُبِّ. ﴿مَكَّنَّا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِيُوسُفَ﴾ متعلق بـ ﴿مَكَّنَّا﴾. وكذلك قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف متعلق بـ ﴿مَكَّنَّا﴾ تقديره: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، لينشأ منه ما جَرَى بينه وبين امرأة العزيز، وليتصرَّفَ فيها بالعَدْل. ﴿لنعلمه﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿نعلمه﴾ فعل، ومفعول أول منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: وكذلك مكنَّا له في الأرض لتصرُّفه فيها بالعدل، ولتعليمنا إياه تأويلَ الأحاديث. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿غَالِبٌ﴾. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكنَّ﴾، والجملة الاستدراكية معطوفةٌ على الجملة التي قبلها.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿بَلَغَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿أَشُدَّهُ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿بَلَغَ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ فعل وفاعل ومفعولان. ﴿وَعِلْمًا﴾ معطوف على ﴿حُكْمًا﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لمَّا﴾، وجملةُ ﴿لما﴾
стр. 5888
مستأنفة. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿كذلك﴾ جار ومجرور صفةٌ لمصدر محذوف. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: ونجزي المحسنين جزاء مثل جزائنا ليوسف، والجملة معطوفة على جملة ﴿لما﴾.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.
﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿راودته﴾ فعل ومفعول. ﴿الَّتِي﴾ فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. ﴿فِي بَيْتِهَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿راودت﴾. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة معطوفة على جملة ﴿راودت﴾. ﴿وَقَالَتْ﴾ فعل ماض والفاعل ضمير يعود على زليخا ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَيْتَ﴾ بفتح الهاء، والتاء اسم فعل أمر بمعنى أقبِلْ وتعَالَ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًّا، وفاعله ضمير يعود على يوسف، وجملة اسم الفعل في محل النصب مقولُ ﴿قَالَ﴾. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الخطاب كائن لك، أو معكَ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. وفي "السمين": ﴿لَكَ﴾ متعلق بمحذوف على سبيل البيان، كأنها قالت: أقول لك أو الخِطابُ لك كهي، في سَقْيًا لك، ورَعْيًا لك، اهـ.
فائدة في لغات ﴿هيت﴾: وفي "الفتوحات": ﴿هَيتَ﴾ بفتح الهاء، والتاء ككيف ولَيْت و ﴿هِيْتَ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء كقِيلَ وغِيضَ، و ﴿هَيْتُ﴾ بفتح الهاء وضم التاء، كحيثُ و ﴿هئْتُ﴾ بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وفتح التاء أو ضمها. وهذه خمسُ قراءات، وكلها سبعية، وكلُّها لغات في هذه الكلمة، وهي في كلها اسم فعل أمر بمعنى هَلُمَّ؛ أي: أقبل وتعال، اهـ شيخنا. فمن فَتَحَ التاء بناها على الفتح للتخفيف نحو: أيْنَ وكيف، ومن ضمَّها كابن كثير، فقد شَبَّهَها بحيثُ. ومَنْ كَسَرَها فعلى أصل التقاء الساكنين، اهـ "سمين". وذكر فيها قراءات أربعٌ أُخَرُ شاذة كما مرَّتْ في مبحث القراءة.
стр. 5889
﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على يوسفَ، والجملة مستأنفة. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدرية بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أعوذ بالله معاذًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ ناصب واسمه وخبره، والضمير يعود على الباري جَلَّ وعلا , والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونِها تعليلًا لما قبلَها. ﴿أَحْسَنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبِّي﴾. ﴿مَثْوَايَ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال لازمة من ربي. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، والضمير للشأن. وجملة: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة إنَّ في محل النصب قول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿هَمَّتْ﴾ فعل ماض، وفاعلُه يعود على زليخا. ﴿بِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية جوابُ القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القَسمِ مستأنفة. ﴿وَهَمَّ﴾ فعل ماض. ﴿بِهَا﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة معطوفة على جملة ﴿هَمَّتْ﴾. ﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿رَأَى﴾ فعل ماض وفاعله ضمير على يوسف، ﴿رَأَى﴾ بصرية. ﴿بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، وجملة ﴿رَأَى﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، تقديره: لولا رؤيته برهانَ ربه، والخَبرُ محذوف وجوبًا، تقديره: موجودة، وجوابُ ﴿لولا﴾ محذوف تقديره: لولا رؤيته برهانَ ربه موجودةٌ لقَدْ همَّ بها، وجملةُ ﴿لولا﴾ مستأنفةٌ، والمعنى: انتفَى وامتنع جماعه لها لوجود رؤية برهان ربه. ﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أريناه برهانَ ربه، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾. ﴿لِنَصْرِفَ﴾ ﴿اللام﴾ حرفُ جر وتعليل. ﴿نصرف﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُ﴾ متعلق به. ﴿السُّوءَ﴾ مفعول به. ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ معطوف عليه، والجملة
стр. 5890
في تأويل مصدر مجرور باللام، و ﴿اللام﴾ متعلقة بذلك المحذوف، والتقدير: أرَيناه كذلك لصرفنا عنه السوءَ والفحشاءَ. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ صفة لـ ﴿عِبَادِنَا﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ ﴿استبقا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الباب﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى الباب أو ضمن استبقَ معنى ابتدر. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة معطوفة على جملة ﴿استبقا﴾. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قدت﴾. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ فعل وفاعل، وهو من أخوات ظن. ﴿سَيِّدَهَا﴾ مفعول أول. ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ ظرف، ومضاف إليه، والظرف في محل المفعول الثاني لألْفَى تقديره: وألفيَا سيدها كائنًا لدى الباب، والجملةُ الفعلية معطوفة على جملة ﴿استبقا﴾.
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿قَالَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة مستأنفة. ﴿مَا جَزَاءُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿جَزَاءُ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ نافية. ﴿جَزَاءُ﴾ مبتدأ ﴿جَزَاءُ﴾ مضاف. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الجر، مضاف إليه. ﴿أَرَادَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِأَهْلِكَ﴾ متعلق به. ﴿سُوءًا﴾ مفعول به، والجملة صلةُ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يُسْجَنَ﴾ ناصب وفعل مغير، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء إن قلنا: ﴿ما﴾ استفهامية، أو مرفوع على الخبر إن قلنا: ﴿ما﴾ نافية، تقدير ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءًا إلّا السِّجْن. ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوف على المصدر المؤول من الفعل على كونه خَبَرَ المبتدأ فـ (أو) للتنويع.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ
стр. 5891
قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هِيَ﴾ مبتدأ ﴿رَاوَدَتْنِي﴾ فعل ومفعول، و ﴿نون﴾ وقاية. ﴿عَنْ نَفْسِي﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على زليخَا، والجملة الفعلية في محل الرفع خَبرِ المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿شَاهِدٌ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ قَمِيصُهُ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فِعل شرط لها. ﴿قُدَّ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على قميص. ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ متعلق بـ ﴿قد﴾، وجملة ﴿قد﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿فَصَدَقَتْ﴾ الفاء رابطة الجواب جوازًا، وقيل: إنه على تقدير: قد؛ أي: فقد صدقت لِيَكُونَ من المواضع التي تَجِبَ فيها الفاء. ﴿صدقت﴾ فعل ماض في محل الجزم على كونه جوابَ الشرط، وفاعله ضمير يعود على زليخَا، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب مقول لقول محذوف حال من ﴿شَاهِدٌ﴾، تقديره: وشهد شاهد من أهلها حَالةَ كونه قائِلًا: إن كانَ قميصه قد من قبل .. فصدقت. ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ جار ومجرور خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿صدقت﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ جازم وفعل ناقص واسمه. وجملة ﴿قُدَّ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿مِنْ دُبُر﴾ متعلق بـ ﴿قُدَّ﴾. وجملة ﴿فَكَذَبَتْ﴾ جواب الشرط، والجملة الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة الشرط الأولى. ﴿وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مبتدأ وخبر معطوف على جملة ﴿كذبت﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفْصَحَت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتَ ما شَهِدَ الشاهدُ وأردتَ بيانَ ما قال العزيز. فأقولُ لك.
стр. 5892
﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿رَأَى قَمِيصَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على العزيز. ﴿قُدَّ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على قميصه، والجملة في محل النصب حال من قميصه؛ لأنَّ ﴿رَأَى﴾ بصرية، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ دُبُر﴾ متعلقا بـ ﴿قُدَّ﴾ ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على العزيز، وجملة ﴿قَالَ﴾ جواب لمَّا، وجملةُ ﴿لَمَّا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: إنه ناصب واسمه. ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ خبره، وجملة إنَّ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٌ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.
﴿يُوسُفُ﴾ منادى مفرد العلم حُذِف منه حرف النداء للتخفيف، وجملةُ النداء في محل النصب مقولُ ﴿قَالَ﴾. ﴿أَعْرِضْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿عَنْ هَذَا﴾ متعلق به، وجملة ﴿أَعْرِضْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جوابَ النداء. ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ فعل وفاعل. ﴿لِذَنْبِكِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَعْرِضْ﴾. ﴿إِنَّكِ﴾ ناصب واسمه. ﴿كُنْتِ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ خبره، وجملة (كان) في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها تعليلًا لما قبلَها.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نِسْوَةٌ﴾. ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المرأة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُرَاوِدُ﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف
стр. 5893
تحقيق. ﴿شَغَفَهَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الفتى. ﴿حُبًّا﴾ تمييز محول عن الفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال عن الفتى. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَنَرَاهَا﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء. ﴿نرى﴾ فعل مضارع. (ها) مفعوله، وفاعله ضمير يعود على النسوة. ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ متعلق بـ ﴿نرى﴾ وهو في محل المفعول الثاني، وجملة ﴿لَنَرَاهَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة (إن) مستأنفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿سَمِعَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز. ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ جار ومجرور متعلّق به , والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿أَرْسَلَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز. ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿أرسل﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملةُ لَمَّا معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ فعل ماض. ﴿لَهُنَّ﴾ متعلق به. ﴿مُتَّكَأً﴾ مفعول به، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلَتْ﴾. ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ﴾ فعل، ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على امرأة العزيز، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلَتْ﴾. ﴿مِنْهُنَّ﴾ صفة لـ ﴿واحدة﴾. ﴿سِكِّينًا﴾ مفعول ثان. ﴿وَقَالَتِ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿أَرْسَلَتْ﴾، وفاعله ضمير يعود على المرأة. ﴿اخْرُجْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ تعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿لما﴾ حرف شرط. ﴿رَأَيْنَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جوابُ ﴿لَمَّا﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿لمَّا﴾ الأولى. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنّ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
стр. 5894
﴿وَقُلْنَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾. ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿حَاشَ﴾ فعل ماض بمعنى بعد وتنزَّه، ويتصرَّفُ منه المضارع أحاشِي، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَاشَ﴾ و (اللام) فيه للتعليل، والمعنى: بَعُدَ يوسفُ عن المعصية لأجل طاعة الله تعالى، وخَوْفِه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْنَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية تعمل عمل ﴿ليس﴾. ﴿هَذَا﴾ اسمها. ﴿بَشَرًا﴾ خبَرُها، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلن﴾. ﴿إِنْ﴾ نافية. ﴿هَذَا﴾ مبتدأ. ﴿إلا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿مَلَكٌ﴾ خبر المبتدأ. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة ﴿مَلَكٌ﴾، والجملة الاسمية في حل النصب مقول ﴿قُلْنَ﴾.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾.
﴿قَالَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة مستأنفةٌ. ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أَفْصَحَتْ عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا رأيتن ما رأيتن، وأردتُنَ بَيَانَ ما شغلني فأقولُ لَكُنَّ ﴿ذَلِكُنَّ﴾. ﴿ذلكن﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿لُمْتُنَّنِي﴾ فعل وفاعل، وفعول ونون وقاية. ﴿فِيهِ﴾ متعلق به، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والجملة الاسمية في محل النصب، مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذَا المقدرة في محل النصب مقولُ ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿رَاوَدْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ هو متعلق به، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَذَلِكُنَّ﴾. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿استعصم﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف , والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿لَمْ يَفْعَلْ﴾ جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على يوسف والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾
стр. 5895
على كونِها فِعْلَ شرطِ لها. ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿آمُرُهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، وجواب الشرط محذوف دَلَّ عليه جواب القسم تقديره: ولئن لم يفعل ما آمره يسجن، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه. ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ (اللام) موطئة للقسم مؤكدةً للأولى. ﴿يسجنن﴾ فعل مضارع مغير الصيغة في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونائب فاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة جوابُ القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة القسم الأول، على كونه مقولًا لـ ﴿قالت﴾. ﴿وَلَيَكُونًا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿يكونا﴾ فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألِفًا للتخفيف، واسمها ضمير يعود على يوسف. ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ جار ومجرور خبرها، والجملة جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم في قوله ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة في محل النصب مقول القولِ على كونها جَوابَ النداءِ. ﴿إِلَيَّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحَبُّ﴾. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحَبُّ﴾ أيضًا. ﴿يَدْعُونَنِي﴾ فعل وفاعل و (نون) وقاية ومفعول به؛ لأنه فعل مضارع مبني على سكون الواو، والنون الأولى للنسوة فاعل، والثانية: نون وقاية، وهو مثل النسوة يَعْفُون، فالواو ليست ضميرًا بل لام كلمة. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَإِلَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إلا﴾ ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم مبني
стр. 5896
بسكون على النون المدغمة في لام ﴿لا﴾ لا نافية. ﴿تَصْرِفْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿عَنِّي﴾ متعلق بـ ﴿تصرف﴾. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ مفعول به. ﴿أَصْبُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وعلامةُ جزمه حذفُ حرف العلة. ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود يوسف، وجملة الشرط في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿أَصْبُ﴾ واسمها ضمير يعود على يوسف. ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ خبرها.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.
﴿فَاسْتَجَابَ﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريغ. ﴿استجاب﴾ فعل ماض. ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة قال. ﴿فَصَرَفَ﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريع. ﴿صرف﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُ﴾ متعلق به. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿استجاب﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره الأول. ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقةٌ لتعليل ما قبلها.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب. ﴿بَدَا﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على السجن المعلوم من قوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ كما في "البحر". ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور متعلق به أيضًا، وجملة ﴿بَدَا﴾ معطوفة على جملة محذوفة، تقديرها: تَشَاوَرُوا في شأن يوسف، ثمَّ بدا لهم السجن من بعد ما رأوا الآيات. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملةُ في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد رؤيتهم الآيات الدالة على صدق يوسف. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (اللام) موطئة للقسم. ﴿يسجننه﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾ المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة. ﴿حَتَّى
стр. 5897
حِينٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسجنن﴾، والجملة الفعلية جوابُ القسم المحذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ثم بدا لهم السجن حالَةَ كونهم قائلين: ليسجننه حتى حين.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مَثْوَاهُ﴾ المثوى: اسم لمكان الثواء والإقامة، يقال: ثويَ بالمكان من باب: رِضي إذا أقام به؛ أي: أحْسَن تعهدَه. ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾؛ أي: جعلنا له مَكَانةً رفيعةً، ودرجة عاليةً في أرض مصر؛ أي: جَعَلْنَاهُ على خزائنها، ومَكَّنَ يَتَعَدَّى بنفسه على حد قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ و (باللام) كما هنا، والمراد نعطيه مكانةً ورتبةً عاليةً في الأرض. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: بعض تعبير الرؤيا التي عَمَدَتْها رؤيا الملك، وصاحبي السجن. ﴿غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾؛ أي: لا يمنع عما يشاء، ولا يُنازَع فيما يريد. ﴿أَشُدَّهُ﴾ والأشُدُّ: هو وقت رشده، وكمال قوته، باستكمال نموه الجسمانيِّ، والعَقْلِيِّ، ثم يكون بعده النقصانُ، قيل: هو ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: ثماني عشرة، وقيل غير ذلك. وفي "الفتوحات": في الأشد ثلاثةُ أقوال:
أحدُها: وهو قول سيبويه أنه جمعٌ مفرده شدَّةُ نحو: نعمة وأَنْعُم.
والثاني: قول الكسائي أنَّ مفرده شُدّ بزنة قُفل.
الثالث: أنه جمعٌ لا واحِدَ له من لفظه قاله أبو عبيدة، وخَالَفه الناس في ذلك، وهو من الشدِّ، وهو الرَّبْطُ على الشيء والعَقْدُ عليه. قال الراغب: وفيه تنبيه على أنَّ الإنسان إذا بلغ هذا القَدْرَ يتقوَّى خلقه الذي هو عليه، فلا يكادُ يُزايله، اهـ "سمين".
ولم يَقُلْ هنا: واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص؛ لأنَّ موسى كان قد بلغ أربعين سنة، وهي مدة النبوة، فقدِ استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة. وأما يُوسُفُ فلم يكن يوسف إذ ذاك قد بلَغَ هذا السن, اهـ شيخنا، اهـ "فتوحات". ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ والحكم: هو ما كان يقع منه من الأحكام في سلطان
стр. 5898
مصر. والعلم: هو العلم بالحكم الذي يحكمه. وقيل: العقل والفهم والنبوة. وقيل: الحكم هو النبوة، والعلم هو العلم بالدين. وقيل: علم الرؤيا.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ المراودة: الإرادةُ والطلبُ برفق ولين. وقيل: هي مأخوذةٌ من الرَّود؛ أي: الرفق، والتأني، ويقال: أَرْوِدْنِي بمعنى أمهلني. وقيل: المراودة مأخوذة من راد يَرُود إذا جَاءَ، وذهب، كأن المعنى أنها فعلَتْ في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لِمَنْ يطلُب الماءَ والكلأ. وقد يُخَصُّ بمحاولة الوقاع، فيقال: راود فلان جَارِيتَهُ عن نفسها، وراودته هي عن نفسه، إذا حاول كُلُّ واحد منهما الوطء والجماع، وهي مفاعلة، وأصلها أن تَكونَ من الجانِبَيْنِ فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قَائِمًا مقام المسبَّب، فكأنَّ يُوسُفَ ﵇ لما كان ما أعطيه من كمال الخَلْقِ والزيادة في الحسن سببًا لمراودة امرأة العزيز له - مراود. ويجوز أن يُرادَ بصيغة المفاعلة مجردُ المبالغَةِ. وقيل (١): الصِّيغَةُ على بابها بمعنى أنَّها طلبت منه الفعلَ، وهو طَلَب منها الترْك، وقال الراغب: المراودة أن تنازعَ غيرك في الإرادة، فتريد منه غيرَ ما يريد، كما قالَ إخوة يوسف ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾؛ أي: نحتالُ عليه، ونخدعه عن إرادته، ليرسل بنيامين معنا، اهـ.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾، وفي هذه (٢) الصيغة ما يدل على التكثير، فيقال: غلق الأبوابَ، ولا يقال: غلَّق البابَ، بل يقال: أغلق البابَ، وقد يقال: أغلق الأبوابَ، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء:
مَا زِلْتُ أُغْلِقُ أَبْوَابًا وَأَفْتَحُهَا ... حَتَّى أَتَيْتُ أبَا عَمْرِو بْنَ عَمَّارِ
قيل: وكانت الأبواب سبعةً. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وضمها وكسرها، اسمُ فعل بمعنى هَلُمَّ وأقبل وبَادِرْ. قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاث، فالفتحُ للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيهًا يحيثُ، وإذا بين باللام نحو: هَيْتَ لك، فهو صوتٌ قائمٌ مَقامَ المصدر، كأفّ
стр. 5899
له؛ أي: لَكَ أقول هذا، وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مَقَامَ مصدر الفعل، فيكون اسمَ فعل، إما خبر؛ أي: تهيأت، وإما أمرٌ؛ أي: أقْبلْ. وقال في "الصحاح": يُقال: هوت به، وهيت به إذا صَاحَ به، ودَعاهُ، ومنه قول الشاعر:
يَحْدُوْ بِهَا كُلُّ فَتَى هَيَّاتُ
وقد روي عن ابن عباس، والحسن، أنَّها كلمةٌ سريانية معناها، أنها تَدْعُوه إلى نفسها. قال أبو عبيدة: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حورانَ، وقعت إلى أهل الحجاز، معناها: تَعَالَ. قال أبو عبيدة: فسألت شَيْخًا عَالِمًا منْ حورانَ فذكر أنها لُغَتُهم. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر منصوب بفعل محذوفٍ، وجوبًا على أنه نائب عن فعله مضاف إلى اسم الله سبحانه؛ أي: أعوذ بالله مَعاذًا ممَّا تدعونني إليه، كسبحانَ الله بمعنى أسبِّح اللهَ، ويقال: عَاذ يعوذ عِيَاذًا، وعياذةً ومعاذًا، وعوذًا، اهـ "سمين".
والمعنى: أعُوذ وأتحصَّن بالله من أن أكونَ من الجاهلينَ الفاسِقِينَ. وقال في "روح البيان": هو من جملة المصادر التي ينصبُها العربُ بأفعال مضمرة، ولا يستعمل إظهارُها كقولهم: سبحانَ اللهِ، وغفرانَكَ وعونك، اهـ. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ﴾؛ أي: هَمَّتْ (١) وقصدت لتبطش به لعصيانه أمرها، وهم بها ليقهرها في الدفع عما أرادته، ويَرُدَّ عنفها بمثله. وفي "الشهاب" قال الإِمام: المراد بالهمِّ؛ أي: بهم يوسفَ في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع كالصائم، يَرَى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكنه يَمْنَعُه دينُه عنه، اهـ. ﴿المخلِصين﴾ بكسر اللام؛ أي: مُخْلصين أعمالهم لله تعالى، وبفتحها هم الذين أخلصهم الله تعالى، واجتباهم واخْتَارَهم لطاعته. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾؛ أي: تَسَابَقَا إلى الباب، وقصد كل منهما سَبْقَ الآخر إليه، فهو ليخرج، وهي لِتَمْنَعَه من الخروج. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾؛ أي: قطعته، وشقته طولًا من خلف، فهو من المضاعف المعدى من باب شدَّ. ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾؛ أي: وَجداه، والسيد (٢):
стр. 5900
فيعل من سَادَ يسودُ يطلق على المالك، وعلى رئيس القوم، وفَيْعَل: بناء مختص بالمعتل، وشذ بيئس وصيقل اسم امرأة. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ والنسوة (١): اسمُ جمع لا واحد له من لفظه، بل من معناه، وهو امرأةٌ وتأنيثها غير حقيقي، بل باعتبار الجماعةِ، ولذلك لم يَلْحَقْ فعلَها تاء التأنيث، والمشهور كسر نونها. ويجوز ضمها في لغة ونقلها أبو البقاء قراءة ولم أحفظه وإذا ضُمَّت نونه كان اسمَ جمعَ بلا خِلاف. والنساء: جمع كثرة أيضًا، ولا واحدَ له من لفظه، اهـ "سمين". ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ وألف الفتى منقلبة عن ياءٍ، لقولهم: فَتَيانِ، والفتوة شاذ؛ أي: رَقِيقَها وعَبْدَها. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ والشِّغَافُ: الغلاف المحيط بالقلب، ويقال: شَغَفْتُ فلانًا إذا أَصَبْتَ شِغَافَ قلبه كما يقال: كبدته إذا أصبتَ كبده. وفي "المصباح": شَغَفَ الهوى قَلْبَه شغفا من باب نَفَع، والاسم الشَّغَفُ بفتحتين بلَغَ شغافه بالفتح، وهو غشاؤه، وشغفه المال زين له فأحَبَّهُ فهو مشغوف به، اهـ.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والضلال: الحيدة عن طريق الرشد، وسنَنِ العَقل. ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾؛ أي: بِقَوْلِهِنّ وسمِّي ذلك مكرًا لأنهن كن يردن إغْضَابَها كي تعرض عَليهنَّ يُوسُفَ لتبديَ عُذْرَهَا فَيَفُزْنَ بمشاهدته. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾؛ أي: أعدَّتْ وهيَّأتْ. ﴿مُتَّكَأً﴾ والمتكأ: ما يجلس عليه من كراسي، وأرائك. وأصل (٢) الكلمة: موتكأ لأنه من توكأت، فأبدلت الواو تاءً وأدغمت. ويجوز أن يكون من أوكيت السِّقَاءَ: فتكونُ الألفُ بدلًا من الياءِ, ووزنُه مفتعل من ذلك ذكره أبو البقاء. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾؛ أي: أعظمنَه ودَهِشْن من جماله الرائع. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ أي: جَرَحْنَها.
﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾؛ أي: تنزيهًا لله أن يكون هذا المخلوقُ العجيبُ من جنس البشر، قال أبو البقاء: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ يقرأ بألفين، وهو الأصل، والجمهور على أنه هنا فعل ماض، وقد صُرِّفَ منه أحاشي، وأيَّدَ ذلك دخول اللام على اسم الله تعالى، ولو كان حرفَ جر لَمَا دَخَل على حرف جر، وفاعلُه مضمر تقديره: حَاشَى يوسفُ؛ أي: بَعُدَ من المعصية لخوفِ الله تعالى. وأصل الكلمة: حاشَيْتُ
стр. 5901
الشيءَ، فَحَاشَا صَارَ في حاشيةٍ أي ناحيةٍ. وقال بعضهم: هي حرف جر، و (اللام) زائدة، وهو ضعيف, لأنَّ موضعَ مثلِ هذا ضرورةُ الشعر، اهـ. ﴿استعصم﴾؛ أي: اعتصَمَ وامتنعَ، فالسين فيه زائدة، أو المعنى: استمسك بعروة عصمتِه التي ورثها عمَّن (نَشَؤُا) عليها. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ بكسر السين اسمٌ للمكان، والمحبوبُ له، دخوله لا ذاته؛ أي: دخول السجن. ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ﴾؛ أي: عندي. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ الصبوة الميلُ إلى الهوى، ومنه ريح الصَّبَا لأن النَّفْسَ تستطِيبُها، وتميل إليها، اهـ "بيضاوي". وفي "المصباح": صَبَا يَصْبُو صَبْوًا من باب قعد، وصَبْوةً أيضًا مثل شَهْوَةٍ إذا مَالَ. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ﴾؛ أي: أجاب دُعاءَه فالسين والتاء زَائِدتان.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآياتُ أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ لأنه كناية عن إحسان تعهده.
ومنها: التشبيه المجمل في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾.
ومنها: إطلاق العامّ وإرادةُ الخاصِّ في قوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ لأنَّ المرادَ أرض مصر.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَشُدَّهُ﴾ لأنّه كناية عن استكمالِ زمان قوته ورُجولته.
ومنها: التشبيهُ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومنها: العدول (١) عن ذكر اسمها في قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ للمحافظة على الستر، أو للاستهجان بذكره.
стр. 5902
ومنها: إيراد الموصول لتقرير المراودَةِ، فإنَّ كونَه في بيتها مما يَدْعُو إلى ذلك. قيل لواحدة: ما حَمَلَكِ على ما أنت عليه ممّا لا خَيْرَ فيه؟ قالت: قُرْبُ الوِسَادِ وطُولُ السَّوَادِ، ولإظهار كمال نزاهته ﵇، فإنَّ عَدَمَ ميله إليها مع دوام مشاهدته لِمَحَاسِنِها، واستعصائِه عليها مع كونه تحت مِلكها، ينادي بكونه ﵇ في أعلى معارج العفة والنزاهة، اهـ أبو السعود.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام اهتمامًا بشأنه في قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾.
ومنها: الحَصْرُ في قوله: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿قُبُلٍ﴾ و ﴿دبر﴾، وبين ﴿صدقت﴾ و ﴿كذبت﴾، وبين ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ و ﴿الصَّادِقِينَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿صدقت﴾ و ﴿الصَّادِقِينَ﴾، وبين ﴿كذبت﴾ و ﴿الْكَاذِبِينَ﴾.
ومنها: تغليبُ الذكور على الإناث في قوله: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ومقتضَى السياق أن يقال من الخاطئات.
ومنها: الاستعارة التصريحيةُ الأصلية في قوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ حيث استعار المكر للغِيْبة بجامع الاختِفاءِ في كل منهما.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ شبَّهَ الجُرْحَ بالقطع بجامع الإيلام في كلٍّ، فاستعارَ لفظ القطع للجرحِ، ثمَّ اشتقَّ من القطع بمعنى الجرح، قطَّعْنَ بمعنى جَرَحْنَ على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الحصْرُ في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿يسجنن﴾ و ﴿السِّجْنُ﴾.
стр. 5903
ومنها: التشنيع، والتقبيحُ في قوله: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ لأن في إضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع؛ لأنَّ النفوسَ أميل لسماع أخبار ذوي الجاه.
ومنها: الإتيانُ بالمضارع في قوله: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ للدلالة على أنَّ ذلك سَجيَّةٌ لها؛ لأنَّ المضارعَ يفيد التجدد، والاستمرارَ.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ شبه يوسفَ بالملك، بجامع الحُسن، والجمال في كل ثمَّ استعار له اسم الملك على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية.
ومنها: الإشارة إلى القريب باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تنزيلًا لبُعْدِ مرتبته عن غيره منزلة البعد الحسِّي.
ومنها: الدلالة على فَخَامَةِ شأن المشار إليه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل المؤخر، على أن يكونَ عبارة عن التمكين، في قلب العزيز، أو في منزله، وكون ذلك تَمْكينًا في الأرض بملابسة أنه عزيز فيها, لا عن تمكين آخر يشبه به، فالكاف مقحم للدلالة على فَخَامة شأنِ المشار إليه، إقحامًا، لا يترك في لغة العرب، ولا في غيرها، ومن ذلك قولهم: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ؛ أي: مثل ذلك التمكين البديع، مكنا ليوسف في الأرض، وجعلناه محبًّا في قلب العزيز، ومكْرمًا في منزله، ليترتَّب عليه ما ترتب بما جرى بينه وبين امرأة العزيز، ذكره في "روح البيان".
ومنها: الحَذْفُ والزيادةُ في عدَّة مواضع.
والله أعلم
* * *
لما قبلها: أن الله سبحانه (١) وتعالى لمَّا ذكر مكْر النسوة بامرأة العزيز لتريهن يوسف، ثم مكر امرأةِ العزيز بهن حتى قَطَعْنَ أيدِيَهُنَّ، وقلنَ في يوسف ما قلنَ من وصف جماله، ثم إظهارُ امرأة العزيز المعذرةَ لنفسها، فيما فعلتْ وعزمَها على سجنه إن لم يكن مطواعًا لها، ثمَّ حمايةُ الله له من كيدها بعد دعائه إياه، ثم تدبيرُ مُؤَامرة بين العزيز وامرأته وأهلها على إدخاله السجن، مع كل ما رَأوا من الآياتِ حتى ينسَى الناس هذا الحديث، وتَسكُن تلك الثائرة في المدينة .. ذَكَرَ هنا تَنْفِيذهم لما عزموا عليه من إدخالهم إياه السجن، وما كان من لطف الله به، إذ آتاه من علم تعبير الرؤيا ما يستطيع به أن يُعَبِّرَ لكل حالمٍ عمّا يراه، ويُخْبرَ كلَّ أحد عما يسأله عنه، مما لم يكن حاضرًا لديه، وما سيأتي له من طعام، وشراب، ونحوِ ذلك. ثمَّ ذكَر قولَ يُوسُفَ إنَّ هذا كلَّه نعمة من نعم الإيمان بالله عليه وعلى آبائه إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن (٢) يوسف لمّا ذَكَرَ ما هو عليه من الدين الحنيفي .. تلطَّفَ في حُسْنِ الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفَتَيين من عبادة الأصنام فَنَاداهما باسم الصحبة في المكانِ الشَّاقِّ الذي تَخْلُص فيه المودةُ، وتتمحض فيه النصيحةُ.
وعبارة المراغي هنا (٣): بعد أن أبطلَ يوسف ﵇ ما هما عليه من الشرك فيما سَلَفَ، وذكر أنه قد اتبعَ ملةَ آبائه إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب, وبيَّن أنَّ هذا فضلٌ من الله تعالى، ومنة منه عليهم، وعلى سائر الناس، وكثير من الناس لا يشكرون الخالقَ، لهذه النعم، فيعبدوه وحده دون أن يشركوا به شيئًا .. دَعَاهُما إلى التوحيد الخالص، وأيدَهُ يالبرهان الذي لا يَجدُ العقل محيصًا من التسليم به، والإقرار بصحته قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الآيتين.
стр. 5906
قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا ...﴾ الآيتين، مناسبتُهما لما قبلهما: أنَّ يُوسُفَ (١) لمَّا أَلْقَى إليهما ما كان أهم وهو أمر الدين رجاء في إيمانهما .. ناداهما ثانيًا لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ...﴾ الآيات، مناسبتُها لما قبلها: أنه لما دنا فَرَج يُوسُفَ ﵇ .. رأى ملك مصر الريان بن الوليد رُؤيا عجيبةً هالته فرأى سبع بقراتٍ سمانٍ, الخ.
التفسير وأوجه القراءة
٣٦ - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: مع يوسف ﴿السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾، وفي الكلام (٢) حذفٌ تقديره: فسجنوه فدخلَ معه السجنَ غلامان. و (مع) تدلُّ على الصحبة واستحداثِها، فدلَّ على أنهم سَجَنُوا الثَّلاثَةَ في ساعةٍ واحدةٍ. ولمَّا دخل يُوسُفُ السِّجنَ، استمالَ النَّاس بحسن حديثه وفضله ونَبْلِهِ.
وكان يسلِّي حَزِينَهم، ويعود مريضَهم، ويسأل لفقيرهم، ويندبهم إلى الخير، فأَحبَّه الفتيان، ولزماه، وأحبَّه صاحب السجن، والقيِّمُ عليه، وقال له: كُنْ في أيِّ البيوت شئت، فقال له يوسف: لا تحبَّني يرحمك الله، فلقد أدخلت عليَّ المحبة مضرات أحبتني عمتي فامتحنت بمحبتها، وأحبَّني أَبي، فامتحِنت بمحبته، وأحبَّتنِي امرأة العزيز، فامتحنت بمحبتها بما ترَى.
وكان يوسف ﵇ قد قال لأهل السجن: إنَّي أُعبِّر الرؤيا، وأُجيدُ - أي: ودخل (٣) معه السجنَ غلامان مملوكان مِنْ غلمان ملك مصر الأعظم، وهو الريَّانُ بن الوليد بن نَزْوَانَ العِملِيقِ، أحدهما خَبَّازه، وصاحب طعامه، والآخرُ سَاقِيه، وصاحب شرابه، وكان قد غَضِبَ عليهما المَلِكُ فحبسهما. وكان السَّببُ في ذلك أنَّ جماعةً من أشراف مصر أرادوا المَكْرَ بالمَلِكِ واغتياله، وقتله،
стр. 5907
فضمنوا لهذين الغلامين مالًا على أن يَسُمَّا المَلِكَ في طعامِه وشرابِه، فأجابا إلى ذلك، ثمَّ إنَّ الساقيَ ندم، فرجَعَ عن ذلك، وقَبِلَ الخبَّازُ الرَّشْوةَ، وسَمَّ الطعامَ. فلما حضر الطعامُ بين يدي الملك قال السَّاقي: لا تأكل أيها الملك، فإنَّ الطَّعامَ مسموم. وقال الخبَّاز: لا تَشْرَبْ فإنَّ الشَّرَاب مسموم. فقال للساقي: إِشْرَبْ، فَشَرِبَه به فلم يضره. وقال للخباز: كل من طعامك، فأَبَى. فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت. فأمر الملك بحبسهما فحبسَا مع يُوسُفَ. وكان يُوسُفُ لما دخَلَ السِّجْنَ جَعَل ينشر علمه، ويقول: إني أعبِّر الأحلامَ فقال أحد الغُلامين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني، فتَرَائيَا له رؤيا فسألاه من غير أن يكونا قد رَأيَا رؤيا حقيقةً.
قال ابن مسعود: ما رأيا شيئًا إنما تحالما لِيُجَرِّبا يُوسُفَ، وقال قوم: بل كانَا قد رأيا رؤية حقيقةً فرآهما يوسف وهما مهمومان، فسألَهما عن شأنهما، فذَكَرا أنهما غُلامانِ للملك، وقد حبَسهما، وقد رَأَيا رؤيا قد غمتهما، فقال يوسف قصَّا عليَّ ما رأيتما فقصا عليه ما رأياهُ. فذلك قولُه تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾؛ أي: أحد الفتيين، وهو صاحب شراب الملك، اسمه سَرْهَم، أو مَرْطَش؛ أي: قال أحَدُهما ليوسف: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: رأيت نفسي ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: أعصِرُ عِنَبًا، فيصيرُ خَمرًا، وأسقِي المَلِكَ. وسمَّى العِنَبَ خَمَرًا باعتبار ما يؤول إليه. إذ الخَمْرُ لا يُعْصَرُ. وقيل: إنَّ عَربَ غسان وعُمَان يسمون العِنَبَ خَمْرًا. رُوي أنه قال: رأيت حَبْلَةً من كرم حسنةً، لها ثلاثة أغصان، فيها عناقيدُ، فكنت أعصرها، وأسقي. وقرأ أبي وعبد الله: ﴿أعصر عنبًا﴾ وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته سَوادَ المصحف، والثابتُ عنهما بالتواتر قرائتهما: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. وفي مصحف عبد الله: ﴿فوق رأسي ثَرِيدًا تأكل الطير منه﴾ وهو أيضًا تفسير لا قراءة ذكره في "البحر".
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز، واسمه بُرْهَمُ، أو رَأْسَانُ ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: رأيت نفسي كأني ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الخبز. وفوق بمعنى على؛ أي: على رأسي. ومثله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ كما في
стр. 5908
"التبيان". وقد روي أنه قال: رأيتُ أني أَخْرجُ من مطبخ الملك، وعلى رأسي ثلاثُ سلال فيها خبز، والطير تأكل من أعلاه. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: أخبرنا بتفسير ما رأينا، وما يؤول إليه أمرُ هذه الرؤيا ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: من العالمين بتعبير الرؤيا. والإحسان هنا بمعنى العلم، أو من المحسنين إلى أهل السجن، فيسليهم، ويقول: اصبروا وأبشروا تؤجَروا، فقالوا: بارك الله فيك، يا فتى، ما أحسن وجهك، وما أحسن خلقك، لقد بورك لنا في جوارك، فمَنْ أنت يا فتى؟ فقال: أنا يوسف بن صفيِّ الله يعقوبُ بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. فقال له عامل السجنِ: لو استطعت خلَّيْتُ سبيلك، ولكني أُحْسِن جِوارَكَ فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.
فلمَّا (١) قصَّا عليه رؤياهما كره يوسف أن يعبِّرها لهما حينَ سألاه، لما علم ما في ذلك من المكروه لأحدهما: وأعرض (٢) عن سؤالهما، وأخذ في غيره من إظهار المعجزة، والنبوة والدعاء إلى التوحيد. وقيل: إنه ﵇ أراد أن يبين لهما أنَّ دَرَجَتهُ في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدَا فيه، وذلك أنهما طَلَبَا منه علم التعبير، ولا شكَّ أنَّ هذا العلم مبني على الظن، والتخمين، فأراد أن يعلمهما أنه يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين، وذلك مما يعجز الخلق عنه، وإذا قدَرَ على الإخبار عن المغيبات، كان أقْدَرَ على تعبير الرؤيا بطريق الأولى. وقيل: إنما عدل عن تعبير رؤياهما إلى إظهار المعجزة؛ لأنه علم أنَّ أحدهما سيصلب، فأراد أن يُدخِلَهُ في الإِسلام، ويخلِّصه من الكفر، ودخول النار، فأظْهَرَ له المعجزة لهذا السبب.
٣٧ - ﴿قَالَ﴾ يوسف ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في اليقظة في منزلكما على حسب عادتكما، المطَّرِدَةِ ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا﴾ وأخبرتكما ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بقدَرَهِ ولونه، والوقت الذي يصل إليكما فيه، والاستثناء (٣) مفرَّغ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا
стр. 5909
يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلّا حالَ ما نبأتكما؛ أي: بينت لكما ماهيَتَهُ وكيفيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾؛ أي: قبل أن يَصِلَ إليكما، وأيُّ طعام أكلتم، وكم أكلتم؟ ومتى أكلتم؟
وهذا مِثْلُ معجزة عيسى ﵇، حيث قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. فقالا ليوسف ﵇: هذا من علم العرَّافِينَ والكهنة، فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن، ولا عرَّاف، وإنما ذلك مما علَّمنِيه رَبي، كما سيأتي بيانه. وقيل: أراد به في النوم، يقول: لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في اليقظة.
والمعنى (١): أي قال لهما لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما به، وهو عند أهله، وبما يريدون من إرساله، وما ينتهي إليه بعد وصولِهِ إليكما. روي أنَّ رِجَالَ الدولة كانوا يرسلون إلى المجرمين طعامًا مسمومًا، يقتلونهم به، وأنَّ يوسف أراد هذا من كلامه.
وفي ذلك إيماء إلى أنه أُوتي عِلم الغيب، وهذا يجري مجرى قول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
ومن هذا يعلم أن وحيَ الله جاءَهُ وهو في السجن، وبذلك تَحَقَّقَ قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. كما أنَّ وَحْي الإلهام جَاءه حين إلقائه في غيابة الجب، كما تقدم ذكره. وكأنه سبحانه جَعَلَ في كلَّ مِحْنَةٍ مِنْحَةً، وفي كلِّ ما ظاهره بلاءً نِعْمةً.
﴿ذَلِكُمَا﴾؛ أي: ذلك الذي أنبأتكما به أيها الفَتَيان. ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾؛ أي: بعض ما علمني ربي سبحانه بوحي، وإلهام منه، لا بكهانة ولا عرافة، ولا يشبه ذلك من تعليم بشرى يلتبس به الحق بالباطل، ويَشْتَبِهُ فيه الصواب بالخطأ. وذلك (٢) أنه لما نَبَّأَهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قَبْلَ أن يَأتِيَهُما ويَصِفُه لهما، ويقول: اليومَ يأتيكما طعام من صفته كيت وكيتَ، قالا هذا من
стр. 5910
فعل العرافين، والكهَّان، فمن أيْنَ لك هذا العلم، فقال: ما أنا بكاهن؛ وإنما ذلك العلم مما علمني ربي.
وفيه دلالة على أنه له علومًا جَمَّةً ما سَمِعاه قِطْعةً من جملتها، وشعبة من دَوْحَتها.
وكأنَّه قيل: لماذا علمك ربُّك تلك العلوم البديعة؟ فقيل: ﴿إِنِّي﴾؛ أي: لأني ﴿تَرَكْتُ﴾؛ أي: رفضتُ من أول أمري ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ﴾؛ أي: دينَ قوم؛ أيَّ قوم كانوا من قوم مصر وغيرهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: لا يُصَدِّقُون بوحدانية الله تعالى. والمراد بالقوم (١) هنا: الكنعانيون وغيرهم من سكان أرض الميعاد، والمصريون الذين هم بينهم، فقد كانوا يعبدون آلهةً منها الشمس، وعجلهم، وفراعنتهم، وكان التوحيد خاصًّا بحكمائهم وعلمائهم. ومعنى تركها أنه تَركَ دخولها، واتباعَ أهلها من عبدة الأوثان على كثرة أهلها. وفي ذلك لفت لأنظارهما لأن يَتْرُكَا تلك الملةَ التي هم عليها.
والمعنى: إني بَرِئْتُ من ملة مَنْ لا يصدق بالله، ولا يقرُّ بوحدانيته، وأنه خَالِقُ السموات والأرض وما بينهما. وعبارة "روح البيان" هنا: والمراد (٢) بتركها، الامتناع عنها رَأْسًا، لا تركها بعد ملابستها، وإنما عَبَّرَ بذلك لكونه أدخلَ بحسب الظاهر في اقتدائهما به ﵇.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ وما فيها من الجزاء ﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: هم مختصون بذلك دون غيرهم، لإفراطهم في الكفر باللهِ تعالى. والمعنى: أي: وهم يكفرون (٣) بالآخرة، والحساب، والجزاء على الوجه الذي دعا إليه الأنبياء، إذ أنهم كانوا يصورون حياةَ الآخرة على صور مبتدعةٍ، منها: أنَّ فراعنتهم يعودون إلى الحياة الآخرة بأجسادهم المحنطة، ويَرجع إليهم الحكم والسلطان، كما كانوا في الدنيا، ومن ثَمَّ كانوا يَضَعُونَ معهم في مقابرهم جواهرهم، وحليهم، ويبنون
стр. 5911
الأهرام لحفظ جثَّتِهم، وما معهم، ولهم معتقدات أُخرى في تلك الحياة، لا تشاكل ما جاء منها على ألسنة الرسل ﵈.
٣٨ - قوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ معطوف على (تركت). وقرأ (١) الأشهب العقيلي والكوفيون: ﴿آبائي﴾ بإسكان الياء، وهي مروية عن أبي عمرو، وسماهم جميعًا آباء؛ لأنَّ الأجدادَ آباء، وقدَّمَ الجد الأعلى ثم الجدَّ الأقرب، ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي كان عليها أولاده، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم يعقوبُ. وفي ذكر ذلك ترغيب لصاحبيه في الإيمان بالله، والتوحيد، وتنفير لهما عما هما فيه من الشرك والضلال؛ أي: واتبعت ملةَ آبائي الذين دعوا إلى التوحيد، الخالص، وهم إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب. وعَرَّف (٢) شرَفَ نَسَبِه، وأنه من أهل بيت النبوة، لتتقوى رغبتهما في الاستماع منه، والوثوق عليه، وكان فضل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب أمرًا مشهورًا في الدنيا، فإذا ظَهَرَ أنه ولدهم عظموه، ونظروا إليه بعين الإجلال وأخذوا منه. ولذلك جوِّز للعالم إذا جهلت منزلته في العلم، أن يَصِفَ نَفْسَه، ويعلم الناسَ بفضله حتى يعرف، فيقتبس منه، وينتفع به في الدين، وفي الحديث: "إنّ الله يسألُ الرجلَ عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله". وقدم ذكر ترك ملة الكفرة على ذكر أتباعه لملة آبائه, لأن التخليَة بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة. وفيه إشارة إلى أنَّ الاتباعَ سبب للفوز بالكمالات، والظفر بجميع المرادات.
ثم بيَّن أساسَ الملة التي وَرِثَها عن أولئك الآباءِ الكرام، فكانت يقينًا له بقوله: ﴿مَا كَانَ﴾؛ أي ما صحَّ، وما استقام، فضلًا عن الوقوع ﴿لَنَا﴾ معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا، ووفور علومنا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيء كان من ملك أو جنيِّ أو إنسي فضلًا عن الجماد الذي لا يضر ولا ينفع؛ أي (٣): لا ينبغي لنا مَعْشرَ الأنبياء أن نشرك بالله شيئًا فنتخذه ربًّا مدبرًا معه، ولا إلَهًا معبودًا
стр. 5912
من الملائكة، أو البشر كالفراعنة فضلًا عمَّا دونهما من البقر، كالعجل أو من الشمس والقمر أو ما يُتَّخَذُ من التماثيل والصور لهذه الآلهة. ﴿ذَلِكَ﴾ التوحيد المدلول عليه بقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ إلخ ناشئ ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالوحي ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ كافَةً بواسطتنا، وإرسالنا لإرشادهم؛ إذ وجود القائد للأعمى رحمة من الله أيُّ رحمة.
والمعنى: أي عدم الإشراك من فضل الله علينا؛ إذ هدانا إلى معرفته وتوحيده في ربوبيته، وألوهيته بوحيه وآياته في الأنفس والآفاق. وعلى الناس بإرسالنا إليهم، ننشر فيهم الدعوةَ، ونقيم عليهم الحجة، فنهديهم سبيل الرشاد، ونبين لهم محجة الصواب، ونبعدهم عن طرف الغواية والضلال. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المبعوث إليهم ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ نِعَم الله عليهم فيشركون به أرْبابًا وآلهة من خلقه يذلون أنفسَهم بعبادتهم، وهم مخلوقون لله مثلهم، أو أدنى منهم.
٣٩ - والإضافة في قوله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ من باب (١) الإضافة إلى الظرف؛ إذ الأصل: يا صاحبين لي في السجن، ويجوز أن يكونَ من باب الإضافة إلى التشبيه بالمفعول به، والمعنى: يا ساكني السجن كقوله: أصحاب النار، اهـ "سمين". والاستفهام في قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ تقريري؛ أي: لطلب الإقرار بجواب الاستفهام؛ أي: أقروا واعلموا أنَّ الله هو الخير، اهـ "جمل".
ومعنى التفرق هنا (٢): هو التفرق في الذوات، والصفات، والعدد، كذهب، وفضة، وحديد، وخشب، وحجارة، وغير ذلك، وجماد، وحيوان، وحي وميت.
والمعنى: هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم المختلفون في صفاتهم، المتنافون في عددهم خير لكما يا صاحبي السجن، أم الله المعبود بحق المتفرد في ذاته، وصفاته الذي لا ضدَّ له ولا نِدَّ ولا شريك القهار الذي لا يغالبه مغالب، ولا يعانده معاند، أورد يوسف ﵇ على صاحبي السجن هذه
стр. 5913
الحجةَ القاهرة على طريق الاستفهام, لأنهما كانا ممن يَعبُد الأصنام، وقد قيل: إنه كان بَيْنَ أيديهما أصنامٌ يعبدونها، عند أن خاطبهما بهذا الخِطَاب.
وعبارة المراغي: وهذا الاستفهام لتقرير ما يذكر بعده، وتوكيده، والمرادُ بالتفرق التفرقُ في الذوات، والصفات المعنوية التي يَنْعتونهم بها، والصفات الحسية التي يصوِّرها لهم بها الكَهَنة والرؤساء من رسوم منقوشة وتماثيل منصوبة في المعابد والهياكل.
والمعنى (١): أأرباب كثيرون متفرِّقون شأنهم التنازعُ والاختلاف في الأعمال، والتدبير الذي يُفْسِدُ النظام خير لكما, ولغيركما فيما تطلبون من كشف الضر، وجلب النفع، وكلِّ ما تحتاجون فيه إلى المعونة من عالم الغيب، أم اللَّهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمد الذي لا ينارع ولا يعارض في تصرفه، وتدبيره، وله القدرة التامَّةُ، والإرادةُ العامَّةُ، وهو المسخر لجميع القوى، والنواميس الظاهرة التي تَقُوم بها نظم العوالم السماوية، والأرضية، من نور وهواء وماء، والغائبة عنا كالملائكة، والشياطين مما كان الجهل بحقيقتها، هو سبب عبادتها، والقولُ بربوبيتها, ولا شكَّ أنَّ الجوابَ عن هذا مما لا يختلف فيه عاقلٌ، فلا خيرَ في تفرق المعبودات التي لا تستطيع ضرًّا ولا نفعًا في السموات والأرض.
٤٠ - ثم بين لهما أنَّ ما يعبدونه، ويسمونه آلهة إنما هي جَعْلٌ منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تَلَقَّاها خلف عن سلف، ليس لها مستندٌ من العقل، ولا الوحي السماويّ فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ما تعبدون من دون الواحد القهار ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ لمسميات ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾؛ أي: وضعتموها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ من قِبَلِكُم وتحملتموها صفات الربوبية، وأعمالها، وما هي بأرباب تَخْلُق، وترزق وتضر وتنفعُ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: ما أنزل الله حجةً وبرهانًا على أحد من رسله بتسميتها أربابًا، حتى يقالَ: إنكم تتبعونها تعبدًا له وحده، وطاعةً لرسله.
стр. 5914
والخلاصة: أنها تسمية لا دليلَ عليها من نقل سماوي، فتكونُ أصلًا من أصول الإيمان, ولا دليل عليها من عقل، فتكون من نتاج الحجة والبرهان.
وقيل المعنى (١): ما تعبدون من دون الله تعالى إلا مسميات أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم آلهةً من عند أنفسكم، وليس لها من الإلهية شيء إلا مجردَ الأسماء لكونها جمادات لا تَسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾؛ أي: بتلك التسمية ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: من حُجَّةٍ تدل على صحتها، وإنما قال: ما تعبدون على خطاب الجَمع، وكذلك ما بعده من الضمائر؛ لأنه قَصَدَ خطاب صاحبي السجن، ومَنْ كان على دينهم. ومفعول سَمَّيتموها، الثاني محذوف كما قدرناه آنِفًا؛ أي: آلهةً من عند أنفسكم. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما الحكم (٢) الحق في الربوبية، والعبادة إلا لله وحده، يوحيه لِمَن اصطفاه من رسله، ولا يمكن بشرًا أن يَحْكُم فيه بهواه، ورأيه، ولا بعَقْله، واستدلاله ولا باجتهاده واستحسانه. وهذه قاعدة اتفقت عليها كلُّ الأديان دونَ اختلاف الأمكنة والأزمان.
ثمَّ بيَّنَ ما حَكَمَ به الله تعالى فقال: ﴿أَمَرَ﴾ على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بـ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ؛ أي (٣): أمَرَ ألَّا تعبدوا غَيْرَه، ولا تَدْعُوا سِوَاه، فله وحده اركعوا، واسجدوا، وإليه وحده توَجَّهوا حنفاءَ غير مشركين به شيئًا من مَلَك من الملائكة ولا ملك من الملوك الحاكمين، ولا شمس، ولا قمر، ولا نجم، ولا شجر، ولا حيوان كالعِجْل (أبِيسُ) لدى المصريين؛ لأنَّ (٤) العبادَة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمَنْ حَصَلَ منه نهاية الإنعام، وهو الله تعالى؛ لأنَّ منه الخلق والإحياء، والرزق والهداية، ونعم الله كثيرة، وجهاتُ إحسانه إلى الخلق غير متناهية، فالمؤمن الصادق الإيمان, لا يذِلُّ ولا يَخْضَعُ لأحد غير الله تعالى مما خلق بدعاء ولا استغاثة، ولا طلب فرج من
стр. 5915
ضيق، لإيمانه بأنه هو الرب المدبر لكل شيء، وأن كلَّ ما سواه فهو خاضع لسلطانه، ولا يملك لنفسه، ولا لغيره غير ما أعطَاه من القوى، فإليه وحده المَلْجَأُ في كل ما يعجز عنه الإنسانُ، أو يجهله من الأسباب، وإليه المصير في الجزاء على الأعمال يومَ يقوم الحساب والمعنى أنه (١) أمركم بتخصيصه بالعبادة دُونَ غيره مما تزعمون أنه معبودٌ.
ثم بين لهم أنَّ عبَادَته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره، فقال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تخصيصه بالعبادة ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: المستقيم الثابت؛ أي: إنَّ تَخْصِيصَه بالعبادة هو الدينُ الحق، الذي لا عِوَج فيه، والذي دعا إليه جميع الرسل، ودلَّتْ عليه براهينُ العقل والنقل. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذلك هو الدين الحق المستقيم، الذي لا اعْوِجَاجَ فيه، لا ما سَارُوا عليه تبعًا لآبائهم الوثنيين من الاعتقاد، بأرباب متفرقين لجهلهم بتلك البراهين.
٤١ - ولما فرغ يوسف ﵇ من بيان الحق لهما في مسألة التوحيد، وعبادة الله تعالى وحدَه، شرع في تعبير رؤياهما فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ الإضافة فيه بمعنى في؛ أي: يا صاحبين لي في السجن ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الساقي الذي رأى أنه يعصِرُ خَمْرًا، ولم يعينه ثقةً بدلالة الحال، ورعايةً لِحُسْن الصحبة، أو لكراهةِ التصريح للخبَّاز بأنه الذي سَيُصلب ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾؛ أي: فيسقي سيده، ومالكَ رقبته خَمْرًا. وقد رُويَ أنَّ يُوسُفَ قال له في تعبير رؤياه: ما أحْسنَ ما رأيتَ؟ أمَّا الكرمة فهي الملك، وحسنها حسن حالك عنده برجوعك إلى منزلتك الأولى، بل إلى أحسنَ منها، وأما الأغصان الثلاثة: فثلاثة أيام، تَمْضي في السجن، ثم تخرج، وتعود إلى عملك. وقرأ الجمهور: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ من سقَى، وفرقة: ﴿فيسقي﴾ من أسقى، وهما لغتان بمعنى واحد. وقال ابن عطية: وقرأ عكرمة والجحدري: ﴿فيُسْقَى ربه خمرًا﴾ بضم الياء، وفتح القاف؛ أي: ما يرويه، ذكره أبو حيان. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو الخبَّاز الذي رَأَى أنه يحمل خبزًا تأكل الطير
стр. 5916
منه ﴿فَيُصْلَبُ﴾؛ أي: فيقتل صَلْبًا ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾ الكواسر، كالحدأة، والرخمة، ونحوهما ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾ رُوي أنه ﵇ قال له: بئس ما رأيتَ؟ أمَّا خروجك من المطبخ، فخُروجُك من عملك، وأما السلال الثلاث فَثلاثَةَ أيامٍ تمُرُّ ثم يُوجه الملك إليكَ عند انقضائهن، فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. وفي "الكواشي": أكْلُ الطير من أعلاها إخراجه في اليوم الثالث، انتهى.
﴿قُضِيَ﴾؛ أي: نُفذَ وفرغ، وأتِمَّ، وأحكِم ﴿الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تطلبان فتواهُ، وتأويلَه، وهو ما رأياه من الرؤيين.
وإسناد (١) القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله، وهو نَجَاةُ أحدهما، وهلاك الآخر؛ لأنه في الحقيقة عَيْنُ ذلك المآل، وقد ظَهر في عالم المثال بتلك الصورةِ؛ أي: تَمَّ الأمر الذي تسألان عنه، رأيتما أو لم تَرَيَا، فكما قلتما، وقُلْتُ لكما كذلك يكونُ. رُوِيَ أنَّه لمَّا عَبَّر رؤياهما جَحَدا، وقَالا: ما رأينا شَيئًا فأخْبَرَ أنَّ ذلك كائن صدقتما، أو كذبتما, ولعَلَّ الجحودَ من الخباز؛ إذ لا داعي إلى جحود الساقي إلَّا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه، فكان الأمر كما عبَّر يُوسُف. قال ابن مسعود (٢) ﵁: فلما سمعا تعبيرَ يوسف ﵇، وقَولَه ذلك قالا: ما رأينا شيئًا، إنما كنا نَلْعَبُ قال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: فُرغَ من الأمر الذي سألتما عنه، ووجب حُكْمُ الله عليكما بالذي أخبرتكما به، رأيتما شيئًا أم لم تَرَيا.
٤٢ - ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾؛ أي: يوسف؛ أي: عِلمَ وتَحَقَّق، فالظَّنُّ بمعنى العلم، والظان (٣) هو يوسف ﵇؛ لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الساقي، وهلاك الخَبَّاز، وهكذا قال جمهور المفسرين. وقيل: الظن على ظاهره، ومعناه: لأنَّ عابِرَ الرؤيا إنما يَظُنُّ ظَنًّا، والأُولى أَولى، وأنسبُ بحال الأنبياء، ولا سيما وقد أخبَر عن نفسه ﵇ بأنه قد أطلَعه الله على شيء مِنْ علم الغيب كما في قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ
стр. 5917
تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية. ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾؛ أي قال يوسف للرجل الذي ظَنَّهُ نَاجِيًا من القتل منهما؛ أي: من صاحبيه، وهو الساقي. وجملة قوله: ﴿اذْكُرْنِي﴾ أيُّها الساقي ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: سيدك الملك الأكبر، هي مقول القول؛ أي: اذكر حالي عند سيدك، فقل له: إنَّ في السجن غلامًا مَحبوسًا، مظلومًا، طال حبسه نحوَ خمسِ سنينَ. يعني أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير، والاطلاع على شيء من علم الغيب. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فأنسى الشيطان الساقي ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: أن يذكر يوسُفَ عند الملك؛ أي: أنسَى الشيطان بوسوسته الساقيَ ذكره ليوسف عند الملك، فالإنساء في الحقيقة لله تعالى، وهذا قول عامَّة المفسرين، قالوا: لأنَّ صَرْفَ وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي، حتى أنساه ذكرَ يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. وقيل: الضمير في أنساه عائد على يوسف.
والمعنى: أن الشيطان أنْسَى يوسفَ ذكرَ ربه حتى طَلَب الفَرَجَ من مخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت ليوسف ﵇، فإنَّ الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة في الشريعة، إلا أنه لما كان يوسف في أشرف المراتب، والمقامات، وهي منصب النبوة، والرسالة، لا جَرَمَ صارَ يوسف مؤاخذًا بهذا القدر من الاستعانة، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فإن قلتَ (١): كيف تمَكَّن الشيطان من يوسف حين أنساه ذكر ربّه؟.
قلت: بشغل الخاطر، وإلقَاءِ الوسوسة، فإنه قد صحَّ في الحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدم"، فأما النِّسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر، وإزالته عن القلب بالكلية، فلا يقدر عليه. وبالجملة: فالأولى بالصدِّيقين أن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب، ولذلك جوزي يُوسُفُ بسنتين في الحبس كما قال: ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ﴾ بسبب ذلك القول ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾؛ أي: سبعَ سنينَ خَمْسًا منها قبل ذلك القول، وثنتين بعده، هذا هو الصحيح. وقيل: لَبِثَ
стр. 5918
بعد هذا القول سبعَ سِنين، وقَبْلَه خمسًا، فالجملة اثنتا عشرةَ سنةً. وهذه الجملة تؤيِّدَ (١) عَوْدَ الضمير في أنساه إلى يوسف، ويؤيِّد عوده إلى الذي نجا منهما قوله فيما سيأتي: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي سنة.
والمعنى: وقال يوسف (٢) للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند سيدك الملك، بما رأيتَ مني، وما سمعتَ، وعلمت من أمري عَلَّه ينصفني ممَّنْ ظلمني، ويخرجني من ضائقة السجن، ومما هو جدير أن يذكره به من دَعْوَتِهِ إياهم إلى التوحيد، وتأويله للرؤيا، وإنبائهم بكل ما يأتيهم من طعام وشراب، وغيرهما، قبل إتيانه، وفُتْيَاه التي أفتى بها ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: فأنسى الشيطانُ ذلك الساقيَ النَّاجيَ تذكر إخبار ربه؛ أي: أن يَذْكُرَ يوسف للملك ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ منسيًّا مظلومًا. والبضع من ثلاث إلى تسع، وأكثرُ ما يطلق على السبع، وعليه الأكثرون في مدة سجن يوسف. وقيل: ثنتا عشرة سَنَةً. وقيل: أربع عشرةَ سنةً. وقيل: خَمس سنينَ.
رؤيا ملك مصر وتأويل يوسف ﵇ لها
٤٣ - ولما دنا فرج يوسف ﵇، وأراد الله إخراجَه من السجن رأى مَلِكَ مِصْرَ الأكبر رُؤيا عجيبةً هالته، وذلك أنه رَأَى في منامه سَبعَ بقرات سمان، قد خَرَجْنَ من البحر، ثُمَّ خَرَجَ عَقِيبَهن سبع بقرات عجاف، في غاية الهزال، فابتلع العِجافُ السمانَ، ودَخَلْن في بطونهن، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ورأى سنبلات خضرًا قد انعَقَد حبها، وسبعَ سنبلات أخر اليابسات، قد استحصدت، فالتوت يابسات على الخُضْر، حتى علون عليهن، ولم يبقَ من خضرتها شيء، فجَمَع السحرة والكهنة والمعبّرين، وقص عليهم رؤياه التي رآها فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾؛ أي: ملك مصر الأكبرُ، وهو الريَّانُ بن الوليد الذي كَانَ العزيز، وزيرًا له، ﴿إِنِّي أَرَى﴾ في المنام عَبَّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية، وكذلك قوله الآتي: ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾؛ أي:
стр. 5919
قال: إني رأي فيما يَرَى النائم رُؤْيا جَلِيَّةً كأني أراها الآن ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ جمع سمين، وسمينة خرجن من نهر يابس في إثرهن سبع عجاف؛ أي: مهازيلُ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾؛ أي: يأكل تلك السمان ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾؛ أي: فابتلعت العجاف السمان. والعجاف: جمع عجفاءَ على غير قياس. وقياس جمعه: عُجْفٌ؛ لأنَّ فَعْلاَءَ وأفْعل لا يجمع على فعال كما سيأتي في مبحث الصرف إن شاء الله تعالى، ولكنه عَدَلَ عن القياس حَمْلًا على سمان. ﴿و﴾ إني رأيت ﴿سبع سنبلات﴾ جمع سنبلة، وهي ما يكون فيه الحب كسنبلة الحنطة ﴿خُضْرٍ﴾ قد انعَقَدَ حبها جمع خضراء، وهي التي لم تبلغ أوانَ الحصاد ﴿و﴾ رأيت سبعًا ﴿أُخَرَ يابسات﴾ قَدْ أدركت، وبلغت أوانَ الحصاد جمع يابسة، واليابس من السنبل ما آن حصاده، فالْتَوَتْ اليابساتُ على الخضر، حتى غلبن عليها، واستغنى عن بيان حالها، بما قصَّ مِنْ حال البقرات.
فلما (١) استيقظ من منامه، اضطرب بسبب أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الناقص الضعيفَ، استولى على الكامل القوي، فشهدت فطرته بأنَّ هذه الرؤيا صورة شر عظيم، يقع في المملكة إلا أنه ما عَرَفَ كَيفية الحال فيه، فاشتاقَ ورغِبَ في تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه، فجمع أعْيَانَ مملكته من العلماء والحكماء، وكذا الكهنة والمنجمين، وأخْبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله تعالى عن تأويل هذه الرؤيا؛ ليكون ذلك سببًا لخلاص يُوسُفَ من السجن، وذلك قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والأشراف من قومي المعبرون للرؤيا فهو خطاب للأشراف من العلماء، والحكماء، أو للسحرة، والكهنة، والمنجمين، وغيرهم ﴿أَفْتُونِي﴾ وأجيبوا لي ﴿فِي﴾ تأويل ﴿رُؤْيَايَ﴾ هذه؛ أي: عبِّروها لي وبيِّنوا حكمَها، وما تؤول إليه من العاقبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾؛ أي: إن كنتم تعلمون تعبيرَ جنس الرؤيا، وتفسيرَ المنام؛ أي: عبروها (٢) لي إنْ كنتم تعبرون الرؤيا، وتبينونَ المعنى الحقيقيَّ المرادَ من المعنى المثاليّ، فيكون حالكم حالَ
стр. 5920
من يعبرُ النَّهْرَ من ضفةٍ إلى أخرى. وأصلُ العبارة (١): مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت النهر: بلغت شَاطِئَه، فعابرُ الرؤيا يخبر بما يؤول إليه أمرها. قال الزجاج: (اللام) في (للرؤيا) للتبيين؛ أي: إن كنتم تعبرون، ثمّ بَيَّن فقال: (للرؤيا). وقيل: هي للتقوية وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفَواصل.
٤٤ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال مقدر، فكأنه قيل: فماذا قال الملأ للملك؟ فقيل: قالوا، إلخ. والأضْغَاثُ (٢): جمع ضغث، وهو كل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما. والأحلامُ: جمع حلم، وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقةَ لها، كما يكون من حديث النفس، ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من أو من قبيل إضافة لجين الماء، وجمعوا الأحلام ولم يكن من الملك إلا رُؤْيَا واحدة مبالغةً منهم، في وصفها بالبطلان، ويجوز أن يَكُونَ رأى مع هذه الرؤية غيرها مما لم يَقُصَّه الله تعالى علينا، أو لتضمنها أشياءً مختلفةً من السبع السمان، والسبع العجاف: والسنابل السبع: الخضر والأخر اليابسات؛ أي: قالوا هذه الرؤيا أضْغَاثُ أحلام؛ أي: أخالِيطُ الأحلام وأباطيلها وأكاذيبها من حديث نفس أو وسوسة شيطانٍ؛ أي: هذه أحلام مختلطَةُ ورؤيا كاذبة، لا حقيقةً، ولا معنى لها ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾؛ أي: بتعبير المنامات الباطلة التي لا أصل لها ﴿بِعَالِمِينَ﴾؛ لأنه لا تأويلَ لها، وإنما التأويل للمنامات الصادقةِ لا لأنَّ لها تأويلًا، ولكن لا نعلمه. قال الزجاج: المعنى: بتأويل الأحلام المختلَطَة، نفُوا عن أنفسهم عِلْمَ ما لا تأويلَ له، لا مطلقَ العلم بالتأويل. وقيل: إنَّهُم نَفَوْا عن أنفسهم عِلْمَ التعبير مطلقًا، ولم يَدَّعُوا أنه لا تعبيرَ لهذه الرؤيا. وقيل: إنهم قَصدوا مَحْوَها من صدرِ المَلِكِ حتى لا يشتغل بها، ولم يكن ما ذكروه مِنْ نَفْيِ العلم حقيقةً.
ويجوز (٣) أن يكون ذلك اعترافًا منهم بقصور علمهم، وأنَّهم لَيسوا بِنَحَارِير في تأويل الأحلام، مع أنَّ لها تأويلًا فكأنهم قالوا: هذه الرؤيا مختلطة من أشياء