← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

منه ﴿فَيُصْلَبُ﴾؛ أي: فيقتل صَلْبًا ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾ الكواسر، كالحدأة، والرخمة، ونحوهما ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾ رُوي أنه ﵇ قال له: بئس ما رأيتَ؟ أمَّا خروجك من المطبخ، فخُروجُك من عملك، وأما السلال الثلاث فَثلاثَةَ أيامٍ تمُرُّ ثم يُوجه الملك إليكَ عند انقضائهن، فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. وفي "الكواشي": أكْلُ الطير من أعلاها إخراجه في اليوم الثالث، انتهى. ﴿قُضِيَ﴾؛ أي: نُفذَ وفرغ، وأتِمَّ، وأحكِم ﴿الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تطلبان فتواهُ، وتأويلَه، وهو ما رأياه من الرؤيين. وإسناد (١) القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله، وهو نَجَاةُ أحدهما، وهلاك الآخر؛ لأنه في الحقيقة عَيْنُ ذلك المآل، وقد ظَهر في عالم المثال بتلك الصورةِ؛ أي: تَمَّ الأمر الذي تسألان عنه، رأيتما أو لم تَرَيَا، فكما قلتما، وقُلْتُ لكما كذلك يكونُ. رُوِيَ أنَّه لمَّا عَبَّر رؤياهما جَحَدا، وقَالا: ما رأينا شَيئًا فأخْبَرَ أنَّ ذلك كائن صدقتما، أو كذبتما, ولعَلَّ الجحودَ من الخباز؛ إذ لا داعي إلى جحود الساقي إلَّا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه، فكان الأمر كما عبَّر يُوسُف. قال ابن مسعود (٢) ﵁: فلما سمعا تعبيرَ يوسف ﵇، وقَولَه ذلك قالا: ما رأينا شيئًا، إنما كنا نَلْعَبُ قال يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: فُرغَ من الأمر الذي سألتما عنه، ووجب حُكْمُ الله عليكما بالذي أخبرتكما به، رأيتما شيئًا أم لم تَرَيا. ٤٢ - ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾؛ أي: يوسف؛ أي: عِلمَ وتَحَقَّق، فالظَّنُّ بمعنى العلم، والظان (٣) هو يوسف ﵇؛ لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الساقي، وهلاك الخَبَّاز، وهكذا قال جمهور المفسرين. وقيل: الظن على ظاهره، ومعناه: لأنَّ عابِرَ الرؤيا إنما يَظُنُّ ظَنًّا، والأُولى أَولى، وأنسبُ بحال الأنبياء، ولا سيما وقد أخبَر عن نفسه ﵇ بأنه قد أطلَعه الله على شيء مِنْ علم الغيب كما في قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ

стр. 5917

تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية. ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾؛ أي قال يوسف للرجل الذي ظَنَّهُ نَاجِيًا من القتل منهما؛ أي: من صاحبيه، وهو الساقي. وجملة قوله: ﴿اذْكُرْنِي﴾ أيُّها الساقي ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: سيدك الملك الأكبر، هي مقول القول؛ أي: اذكر حالي عند سيدك، فقل له: إنَّ في السجن غلامًا مَحبوسًا، مظلومًا، طال حبسه نحوَ خمسِ سنينَ. يعني أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير، والاطلاع على شيء من علم الغيب. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فأنسى الشيطان الساقي ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: أن يذكر يوسُفَ عند الملك؛ أي: أنسَى الشيطان بوسوسته الساقيَ ذكره ليوسف عند الملك، فالإنساء في الحقيقة لله تعالى، وهذا قول عامَّة المفسرين، قالوا: لأنَّ صَرْفَ وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل الساقي، حتى أنساه ذكرَ يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. وقيل: الضمير في أنساه عائد على يوسف. والمعنى: أن الشيطان أنْسَى يوسفَ ذكرَ ربه حتى طَلَب الفَرَجَ من مخلوق مثله، وتلك غفلة عرضت ليوسف ﵇، فإنَّ الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة في الشريعة، إلا أنه لما كان يوسف في أشرف المراتب، والمقامات، وهي منصب النبوة، والرسالة، لا جَرَمَ صارَ يوسف مؤاخذًا بهذا القدر من الاستعانة، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين. فإن قلتَ (١): كيف تمَكَّن الشيطان من يوسف حين أنساه ذكر ربّه؟. قلت: بشغل الخاطر، وإلقَاءِ الوسوسة، فإنه قد صحَّ في الحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدم"، فأما النِّسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر، وإزالته عن القلب بالكلية، فلا يقدر عليه. وبالجملة: فالأولى بالصدِّيقين أن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب، ولذلك جوزي يُوسُفُ بسنتين في الحبس كما قال: ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ﴾ بسبب ذلك القول ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾؛ أي: سبعَ سنينَ خَمْسًا منها قبل ذلك القول، وثنتين بعده، هذا هو الصحيح. وقيل: لَبِثَ

стр. 5918

بعد هذا القول سبعَ سِنين، وقَبْلَه خمسًا، فالجملة اثنتا عشرةَ سنةً. وهذه الجملة تؤيِّدَ (١) عَوْدَ الضمير في أنساه إلى يوسف، ويؤيِّد عوده إلى الذي نجا منهما قوله فيما سيأتي: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي سنة. والمعنى: وقال يوسف (٢) للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند سيدك الملك، بما رأيتَ مني، وما سمعتَ، وعلمت من أمري عَلَّه ينصفني ممَّنْ ظلمني، ويخرجني من ضائقة السجن، ومما هو جدير أن يذكره به من دَعْوَتِهِ إياهم إلى التوحيد، وتأويله للرؤيا، وإنبائهم بكل ما يأتيهم من طعام وشراب، وغيرهما، قبل إتيانه، وفُتْيَاه التي أفتى بها ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: فأنسى الشيطانُ ذلك الساقيَ النَّاجيَ تذكر إخبار ربه؛ أي: أن يَذْكُرَ يوسف للملك ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ منسيًّا مظلومًا. والبضع من ثلاث إلى تسع، وأكثرُ ما يطلق على السبع، وعليه الأكثرون في مدة سجن يوسف. وقيل: ثنتا عشرة سَنَةً. وقيل: أربع عشرةَ سنةً. وقيل: خَمس سنينَ. رؤيا ملك مصر وتأويل يوسف ﵇ لها ٤٣ - ولما دنا فرج يوسف ﵇، وأراد الله إخراجَه من السجن رأى مَلِكَ مِصْرَ الأكبر رُؤيا عجيبةً هالته، وذلك أنه رَأَى في منامه سَبعَ بقرات سمان، قد خَرَجْنَ من البحر، ثُمَّ خَرَجَ عَقِيبَهن سبع بقرات عجاف، في غاية الهزال، فابتلع العِجافُ السمانَ، ودَخَلْن في بطونهن، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ورأى سنبلات خضرًا قد انعَقَد حبها، وسبعَ سنبلات أخر اليابسات، قد استحصدت، فالتوت يابسات على الخُضْر، حتى علون عليهن، ولم يبقَ من خضرتها شيء، فجَمَع السحرة والكهنة والمعبّرين، وقص عليهم رؤياه التي رآها فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾؛ أي: ملك مصر الأكبرُ، وهو الريَّانُ بن الوليد الذي كَانَ العزيز، وزيرًا له، ﴿إِنِّي أَرَى﴾ في المنام عَبَّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية، وكذلك قوله الآتي: ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾؛ أي:

стр. 5919

قال: إني رأي فيما يَرَى النائم رُؤْيا جَلِيَّةً كأني أراها الآن ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ جمع سمين، وسمينة خرجن من نهر يابس في إثرهن سبع عجاف؛ أي: مهازيلُ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾؛ أي: يأكل تلك السمان ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾؛ أي: فابتلعت العجاف السمان. والعجاف: جمع عجفاءَ على غير قياس. وقياس جمعه: عُجْفٌ؛ لأنَّ فَعْلاَءَ وأفْعل لا يجمع على فعال كما سيأتي في مبحث الصرف إن شاء الله تعالى، ولكنه عَدَلَ عن القياس حَمْلًا على سمان. ﴿و﴾ إني رأيت ﴿سبع سنبلات﴾ جمع سنبلة، وهي ما يكون فيه الحب كسنبلة الحنطة ﴿خُضْرٍ﴾ قد انعَقَدَ حبها جمع خضراء، وهي التي لم تبلغ أوانَ الحصاد ﴿و﴾ رأيت سبعًا ﴿أُخَرَ يابسات﴾ قَدْ أدركت، وبلغت أوانَ الحصاد جمع يابسة، واليابس من السنبل ما آن حصاده، فالْتَوَتْ اليابساتُ على الخضر، حتى غلبن عليها، واستغنى عن بيان حالها، بما قصَّ مِنْ حال البقرات. فلما (١) استيقظ من منامه، اضطرب بسبب أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الناقص الضعيفَ، استولى على الكامل القوي، فشهدت فطرته بأنَّ هذه الرؤيا صورة شر عظيم، يقع في المملكة إلا أنه ما عَرَفَ كَيفية الحال فيه، فاشتاقَ ورغِبَ في تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه، فجمع أعْيَانَ مملكته من العلماء والحكماء، وكذا الكهنة والمنجمين، وأخْبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها فأعجزهم الله تعالى عن تأويل هذه الرؤيا؛ ليكون ذلك سببًا لخلاص يُوسُفَ من السجن، وذلك قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والأشراف من قومي المعبرون للرؤيا فهو خطاب للأشراف من العلماء، والحكماء، أو للسحرة، والكهنة، والمنجمين، وغيرهم ﴿أَفْتُونِي﴾ وأجيبوا لي ﴿فِي﴾ تأويل ﴿رُؤْيَايَ﴾ هذه؛ أي: عبِّروها لي وبيِّنوا حكمَها، وما تؤول إليه من العاقبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾؛ أي: إن كنتم تعلمون تعبيرَ جنس الرؤيا، وتفسيرَ المنام؛ أي: عبروها (٢) لي إنْ كنتم تعبرون الرؤيا، وتبينونَ المعنى الحقيقيَّ المرادَ من المعنى المثاليّ، فيكون حالكم حالَ

стр. 5920

من يعبرُ النَّهْرَ من ضفةٍ إلى أخرى. وأصلُ العبارة (١): مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت النهر: بلغت شَاطِئَه، فعابرُ الرؤيا يخبر بما يؤول إليه أمرها. قال الزجاج: (اللام) في (للرؤيا) للتبيين؛ أي: إن كنتم تعبرون، ثمّ بَيَّن فقال: (للرؤيا). وقيل: هي للتقوية وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفَواصل. ٤٤ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال مقدر، فكأنه قيل: فماذا قال الملأ للملك؟ فقيل: قالوا، إلخ. والأضْغَاثُ (٢): جمع ضغث، وهو كل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما. والأحلامُ: جمع حلم، وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقةَ لها، كما يكون من حديث النفس، ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من أو من قبيل إضافة لجين الماء، وجمعوا الأحلام ولم يكن من الملك إلا رُؤْيَا واحدة مبالغةً منهم، في وصفها بالبطلان، ويجوز أن يَكُونَ رأى مع هذه الرؤية غيرها مما لم يَقُصَّه الله تعالى علينا، أو لتضمنها أشياءً مختلفةً من السبع السمان، والسبع العجاف: والسنابل السبع: الخضر والأخر اليابسات؛ أي: قالوا هذه الرؤيا أضْغَاثُ أحلام؛ أي: أخالِيطُ الأحلام وأباطيلها وأكاذيبها من حديث نفس أو وسوسة شيطانٍ؛ أي: هذه أحلام مختلطَةُ ورؤيا كاذبة، لا حقيقةً، ولا معنى لها ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾؛ أي: بتعبير المنامات الباطلة التي لا أصل لها ﴿بِعَالِمِينَ﴾؛ لأنه لا تأويلَ لها، وإنما التأويل للمنامات الصادقةِ لا لأنَّ لها تأويلًا، ولكن لا نعلمه. قال الزجاج: المعنى: بتأويل الأحلام المختلَطَة، نفُوا عن أنفسهم عِلْمَ ما لا تأويلَ له، لا مطلقَ العلم بالتأويل. وقيل: إنَّهُم نَفَوْا عن أنفسهم عِلْمَ التعبير مطلقًا، ولم يَدَّعُوا أنه لا تعبيرَ لهذه الرؤيا. وقيل: إنهم قَصدوا مَحْوَها من صدرِ المَلِكِ حتى لا يشتغل بها، ولم يكن ما ذكروه مِنْ نَفْيِ العلم حقيقةً. ويجوز (٣) أن يكون ذلك اعترافًا منهم بقصور علمهم، وأنَّهم لَيسوا بِنَحَارِير في تأويل الأحلام، مع أنَّ لها تأويلًا فكأنهم قالوا: هذه الرؤيا مختلطة من أشياء

стр. 5921

كثيرة، والانتقال فيها من الأمور المخَيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية، ليس بسهلٍ، وما نحن بمتبحِّرين في علم التعبير، حتى نهتدي إلى تعبير مثلها، ويَدُلُّ على قصورهم قول الملك ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، فإنه لو كان هنا متبحِّر: لبت القولَ بالإفتاء، ولم يعلِّقْه بالشرطِ، وهو اللائحُ بالبال، وعلى تقديرِ تبحرهم عَمى اللَّهُ عليهم، وأَعْجَزَهم عن الجواب؛ ليصير ذلك سببًا لخلاص يوسف من الحبس، وظهور كماله وفَضْلِهِ. وقرأ (١) أبو جعفر بالإدغام في (الرؤيا) وبَابُه (بعد) قلب الهمزة واوًا، ثمَّ قلبها ياءً لاجتماع الواو والياء، وقد سَبَقَتْ إحداهما بالسكون، ونصُّوا على شُذُوذِه؛ لأنَّ الواوَ هي بدلٌ غيرُ لازم و (اللام) في ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ مقوية لوصول الفعل إلى مفعوله، إذا تقدَّمَ عليه، فلو تأخَّرَ لم يَحْسُن ذلك بخلاف اسم الفاعل، فإنه لِضَعْفِهِ قد تَقوَّى بها، فتقول: زيد ضاربٌ لعمرٍو فصيحًا. وقد كان حديث الملك في رؤياه، مع كهنته، وعلمائه، ورجال دولته، مذكرًا للذي نجا من الفَتَيَيْنِ بِيُوسُفَ، وحُسْنِ تعبيره للرؤيا بعد أن مضَى على ذلك مدَّةً من الزمان، كما يشير إلى هذا ما بعده. ٤٥ - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾ وخرج من السجن ﴿مِنْهُمَا﴾؛ أي: من صاحبي يوسف، وهو السَّاقي ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿ادَّكَرَ﴾؛ أي: قد تذكَّر يوسفَ وما قاله ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: بعد مدة طويلة من الزمان. وادّكر: أصله: إذْتكر، فقلبت التاء دَالًا، والذال دالًا، وأدغمت كما سيأتي في مباحث الصرف. أي: تذكَّر (٢) الناجي منهما يوسفَ، وتأويلَه رؤياه، ورؤيا صاحبه، وطَلَبَه أن يَذْكُره عند الملك، فجَثى بين يَدَي الملك؛ أي: جَلَس النَّاجِي على ركبتيه، قُدَّامَ الملك فقال للملك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: أنا أُخبركم ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بتأويل هذا المنام الذي أَشْكَلَ عليكم وتعبيره. خَاطبه بلفظِ الجمع تعظيمًا له ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾؛ أي: فابعثون إلى السجن، فإن فيه رجلًا حكيمًا من آل يعقوب، يقال له: يُوسُفُ يعرِفُ تعبير الرؤيا، قد عَبَّر لنا قبلَ ذلِكَ فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فاعتذَرَ إليه، فاسْتَفْتَاه فيما عَجَزُوا عنه، ٤٦ - وقال: يا ﴿يُوسُفُ﴾، ويا

стр. 5922

﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾؛ أي: أيها البالغ غاية الكمال في الصدق، وإنما وَصَفَهُ بذلك، لأنه جَرَّب أحوالَه، وعرف صِدْقه في تأويل رؤياه، ورؤيا صاحبه. وجملةُ مجيء الرسول ليوسف في السجن أربعَ مرات، الأولى في قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ﴾، والثانية في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾، والثالثة في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ إلخ، والرابعة في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ إلخ؛ أي: يا يُوسُفُ البالغُ غَايَةَ الكمال بصدقك في أقوالك وأفعالك، وتأويل الأحاديث وتعبير الأحلام ﴿أَفْتِنَا﴾؛ أي: أخْبِرنَا، وبيّنَ لنا ﴿فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: أخْبِرْنا في رؤيا مَنْ رَأَى في منامه سبع بقرات سمان، يَبْتَلِعهُنَّ سبعُ بقرات مهازِيلُ، وفي رؤيا مَن رأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خضر، وسبعًا أخرى يابسات، فإنّ الملِكَ قَدْ رَأَى هذه الرؤيا، وعَجَز المعبّرون عن تعبيرها. ففي قوله (١): ﴿أَفْتِنَا﴾ مع أن المستفتي واحد إشعارٌ بأن الرؤيا لَيْسَتْ له، بل لغيره ممن له ملابسةٌ بأمور العامة، وأنه في ذلك سَفِيرٌ، ولم يُغَيّر لفظ الملك، وأصاب فيه، إذ قد يكون بعض عبارات الرؤيا متعلقة باللفظ ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾؛ أي: إلى الملك ومَنْ عنده من الملأ، وأعود إليهم بفَتْوَاك ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما تأتي به في تأويل هذه الرؤيا، أو يعلمون فَضْلَكَ ومعرفِتَكَ فنَّ التعبير، فيطلبوك ويُخَلِّصوك من محنتك. والمعنى: أفتِنا (٢) في هذا المنام الذي رآه الملك، وإنّي لأرجو أن يحقِّقَ اللَّهُ أمَلَكَ بالخروج من السجن، وانتفاعَ المَلِكِ وملئه بفضلك، وعِلْمِك، وإنَّما لم يبتَّ الكلامُ فيهما لأنه لم يكن جازمًا بالرجوع، فرُبَّما اخْتَرَمَتْهُ المنية دونه، ولا يُعْلِمهم. ذكره "البيضاوي". وقرأ (٣) الجمهورُ: ﴿وَادَّكَرَ﴾ بالدال المهملة المشدَّدة. وقرأ الحسن: ﴿واذكر﴾ بإبدال التاء ذالًا، وإدغام الذال فيها. وقرأ الأشْهَبُ العقيليُّ: ﴿بعد إمَّة﴾ بكسر الهمزة؛ أي: بعدَ نعمة أنْعَم الله عليه بالنجاة من القَتْل. وقال ابن عطية: بعد نعمةٍ أنعم الله بها على يوسف في تقريب إطلاقه

стр. 5923

من السجن، والإمَّةُ النِّعْمَةُ قال الشاعر: أَلاَ لاَ أَرَى ذَا إِمَّةٍ أَصْبَحَتْ بِهِ ... فَتَتْرُكُهُ الأيَّامُ وَهِيَ كَمَا هِيَا قال الأعلم: الإمَّةُ النِّعمة، والحالُ الحَسَنَةُ. وقرأ ابنُ عباس، وزيد بن علي، والضحاك، وقتادةُ، وأبو رجاء، وشبيل بن عزرة الضبعي، وربيعة بن عَمرو: ﴿بعد أَمَةٍ﴾ بفتح الهمزة، والميم مخففةً، وهاءٍ، والأَمَهُ: النِّسيانُ. وكذلك قرأ ابنُ عُمَرَ، ومجاهد، وعكرمة، واختلف عنهم. وقرأ عِكْرَمة، وأيضًا مجاهد، وشبيل بن عزرة: ﴿بعد أَمَهٍ﴾ بسكون الميم مصدر أمَهَ على غير قياس. وقال الزمخشري: ومَنْ قرأ بسكون الميم فَقَدْ أخطأ، انتهى. وهذا على عادته في نسبته الخطأ إلى القرَّاء. وقرأ الحسن: ﴿أنا آتيكم﴾ مضارعٌ آتى مِن الإتْيان، وكذا في مصحف أُبيٍّ. وقرأ يعقوب: ﴿فأرسلوني﴾ بالياء. ٤٧ - وجملة قوله: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، واقعةٌ في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال يوسف في التأويل؟ فقيل: قال يوسفُ لهم: تزرعون إن شاء الله تعالى في المستقبل. ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾؛ أي: متواليةً متتابعةً، فدأبًا مصدرٌ واقع موقعَ الصفة؛ أي: دائبةً متواليةً فهو مصدرٌ دَأَب في العمل، إذا جَدَّ فيه، وتعبَ، أو واقع موقِعَ الحال من فاعل ﴿تَزْرَعُونَ﴾ بمعنى دائبين؛ أي: مُستَمَرِّينَ على الزراعة على عادتكم بجِدٍّ واجتهاد. وقرأ حفص: (دَأَبًا) بفتح الهمزة والجمهور بإسكانها وهما مصدران لدأب. والفرق بين الحرثِ والزرع أنَّ الحرثَ إلقاء البذْر، وتهيئة الأرضِ، والزرعُ مراعاتُه، وإنباتُه. فعَبَّر يوسف ﵇ السبعَ البقراتِ السمانَ بسبع سنين فيها، خصبٌ والعجافَ بسبع سنين فيها جَدْبٌ. وهكذا عبَّر السبع السنبلات الخضرَ، والسبع السنبلات اليابسات، واستَدَلَّ بالسبع السنبلات الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ وقطعتم من الزروع في كل سنة من السنين المُخْصِبة ﴿فَذَرُوهُ﴾؛ أي: فاتركوا ذلك المحصودَ ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾؛ أي: كَوافرِهِ، وبقَصَبِهِ ليكون القصب عَلَفًا للدوابِّ، ولا

стр. 5924

تَدُوسوه، وتفصلوه عن سنبله، لئلا يأكله السُّوسُ كما هو شأن غلال مصر، ونواحيها، فإن ذلك أبقى له على طول الزمان. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ في هذه السنين المخصبة؛ فإنه لا بدَّ لكم من فصله عن سنبله وإخراجه عنها، وقتَ حاجتكم إليه، واقتصر على استثناء المَأْكُول دونَ ما يحتاجون إليه من البذر الذي يبذرونه في أموالهم؛ لأنه قد علم من قوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾. وفيه إرشاد منه ﵇ إلى التقليل في الأكل. وقرأ السلمي: ﴿مما يأكلون﴾ بالياء على الغيبة؛ أي: يأكل الناس، وهذا تأويل السبع السمان، والسبع الخضر. ٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعدِ السبع السنين المخصِبَة ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾؛ أي: سبع سنين مجدبة يصعب أمرها على الناس، وهذا تأويل السبع العجاف، والسبع اليابسات، ﴿يَأْكُلْنَ﴾؛ أي: يأكل أهلُهُنَّ؛ أي: يأكل أهل السبع الشداد فيهن ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾؛ أي: ما ادَّخرتم لأجلهن مِن الحبوب المتروكة في سَنَابِلِها. وإسناد الأكل إلى السنين مجاز، فهو من باب نهارُه صائمٌ؛ أي: تأكلون الحَبَّ المزروعَ وَقْتَ السنين المخصبة المتروك في سنبله في السنين المجدبة. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾؛ أي: مما تَحْبِسُون من الحب لتزرعوا به, لأن في استبقاء البذر تحصين الأَقْوات. وقال أبو عبيدة: معنى تُحْصِنُون تُحْرِزُون. وقيل: تَدَّخِرُون للبَذْرِ. والمعنى واحدٌ: فَأَكْلُ ما جُمِع أيامَ السنين المخصبة في السنين المجدبة، تأويل ابتلاع العجاف السمان. ٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد ما ذُكِرَ من السنين المجدبات ﴿عَامٌ﴾؛ أي: سنة ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك العام ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾؛ أي: يمطر الناسُ، وينقذون فيه من كرب الجدب بالغيث ﴿وَفِيهِ﴾؛ أي: وفي ذلك العام ﴿يَعْصِرُونَ﴾ ما منْ عادته أن يُعْصَر كالعنب، والقصب، والزيتون، والسمسم، ونحوها من الفواكه لِكَثْرَتِها. وقيل: معنى ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَحْلِبون الضُّروعَ. وقيل معناه: يمطرون. وقيل معناه: ينجون من الشدة. وعلى هذين المعنيَيْنِ يقرأ بالبناء للمفعول. قال

стр. 5925

أبو حيان (١): والجمهور على أنه من عَصَر النباتَ كالعنب، والقصب، والفجل، وجميع ما يعصر، ومصر بلد عصير لأشياء كثيرة، والحلب منه, لأنه عَصْرٌ للضروع. وروي أنهم لم يَعْصِرُوا شيئًا مدة الجدب، انتهى. وهذا مِن (٢) مدلولات المَنام, لأنه لما كانت العجاف سبعًا دَلَّ ذلك على أنَّ السِّنينَ المجدبة لا تزيدُ على هذا العدد. فالحاصلُ بعده: هو الخِصبُ على العادة الإلهية حيث يُوسِّع الله على عباده بعد تضييقه عليهم. وقيل: إنَّ الإنباءَ بهذا العام زَائِدٌ على تأويل الرؤيا, ولم يعرفه يوسف على التخصيص والتفصيل إلَّا بِوَحي من الله . وقرأ (٣) الأخوان حمزة، والكسائي: ﴿تعصرون﴾ بالتاء على الخطاب، وباقي السبعة بالياء على الغيبة. وقَرأ جعفر بن محمَّد، والأعرج، وعيسى البصرة: ﴿يُعصَرون﴾ بضم الياء، وفتح الصاد مبنيًّا للمفعول. وعن عيسى أيضًا: ﴿تعصرون﴾ بالتاء على الخطاب مبنيًّا للمفعول، ومعناه: يُنْجَونَ من عصره إذا أنجاه، وهو مناسب لقوله: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. وحكى النقاش أنه قُرِىء: ﴿يعصرون﴾ بضم الياء وكسر الصاد، وشدِّها من عَصَّر مشددًا للتكثير. وقرأ زيد بن علي: ﴿وفيه تعصرون﴾ بكسر التاء، والعين، والصاد، وشدها وأصلُه تعتصرون فأدغم التاء في الصاد، ونقَلَ حركتها إلى العين، وأتبع حركة التاءِ لحركة العين، واحتمل أن يكونَ من اعتصر العنبَ، ونحوَه، ومن اعتصر بمعنى نجا. ٥٠ - فلما رجع الساقي إلى المَلِك وأخْبَره بما ذكره يوسف استَحْسَنَه المَلِك ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾؛ أي: ملك مصر، وهو رَيَّان بن الوليد ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، أي: جيئوني بيُوسُفَ ﵇ كي أستمع كَلاَمَه مِنْ فمه، وأعْرِفُ دَرَجَة عَقْلِهِ، وأعلم تفضيلَ رَأْيِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾؛ أي: يوسف ﴿الرَّسُولُ﴾؛ أي: رسول الملك، وهو الساقي، وبلغه أمر الملك، وطلب إليه إنفاذه ﴿قَالَ﴾ يوسف للرسول ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: سيدك قبل شخوصي إليه، ومثولي بَيْنَ يديه ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ والبَالُ هو (٤) الأمر الذي

стр. 5926

يَبْحَثُ عنه، ويُهْتَمُّ به؛ أي: واسأله عن حال النسوة اللاتي قطَّعْنَ أيدِيَهُنَّ ليعرِفَ حَقِيقةَ أمره؛ إذ لا أحبُّ أن آتيه، وأنا متَّهَمٌ بقضيَّةٍ عوقبت من أجلِهَا بالسجن، وقد طال مكثِي فيه دُونَ تعرف الحقيقة، ولا البحث في صميم التهمة. ولم يذكر (١) سيدته تأدُّبًا ومراعاةً لحقها، واحترازًا من مكرها، حيث اعتقدَها مقيمةً في عَدْوَةِ العَداوة، وأما النسوة فقد كان يَطْمَعُ في صَدْعهن بالحقِّ وشهادتهن بإقرارها، بأنها رَاوَدَتهُ عن نفسِهِ ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. قال العلماء (٢): إنما أبَى يُوسُفَ ﵇ أن يخرجَ من السجن، إلا بعد أن يتفحَّص المَلِكُ عن حاله مع النسوة. لتنكشفَ حقيقة الحال، عنده لا سيما عند العزيز، ويَعلم أنه سجِنَ ظُلمًا، فلا يقدِر الحاسد إلى تقبيح أمره، وليظْهَر كمال عقله، وصبْرِه ووقَارِه، فإن مَنْ بَقِيَ في السجن ثنتي عشرة سنةً إذا طلبه الملك، وأمر بإخراجه، ولم يبادر إلى الخروج، وصَبَرَ إلى أن تتبين براءتَهُ من الخيانة في حق العزيز، وأهله دَلَّ ذلك على براءته من جميع أنواع التُّهَمِ. وفي الحديث: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فلا يقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَم". ومنه قال ﵇ للمارين به في معتكفه وعنده بعض نساءه: "هِيَ فُلانةُ" نفيًا للتهمة. وروي عن النبي ﷺ أنه اسْتَحْسَنَ حَزْمَ يُوسُفَ وصَبْره حين دعاه الملك، فلم يُبَادِر إلى الخروج حيث قال ﵇: "لقد عَجِبْتُ من يوسُفَ وكرمه، وصبْرِه، والله يَغْفِرُ له حينَ سُئل عن البقرات العِجاف والسمانِ، ولو كنتُ مَكَانَه ما أخبرتهم حتى اشْتَرطت أن يُخْرِجوني، ولقد عَجِبْتُ حين أتاه الرسول فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾، الآية. ولو كنت مكانَه ولبثتُ في السجن ما لَبث .. لأسْرَعْتُ الإجابة، وبادَرْتُهم الباب، وما ابتغيت العذرَ، إنه كان حليمًا ذَا أناة". الحِلْمُ، بكسر الحاء: تأخير مكافأة الظُلّم، والأَناة على وزن القَنَاة: التأني وترك العجلة. قال ابن الملك: هذا ليس إخبارًا عن نبينا ﵊ بتَضَجُّره، وقلة صبره، بل فيه دلالة على مدح صبر يوسف، وترك الاستعجال بالخروج، لِيَزُولَ

стр. 5927

عن قلب الملك ما كان مُتَّهَمًا به من الفاحشة، ولا يُنْظَر إليه بعين مشكوكة، انتهى. وقال الطَّيبِي: هذا من رسول الله ﷺ على سبيل التواضع لا أنه كان مستعجلًا في الأمور غير متأن، والتَّواضُعُ لا يصغِّر كبيرًا، ولا يَضعُ رفيعًا، بل يُرحِّب لصاحبه فَضلًا، ويُورِثُه جَلالًا وقدرًا. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ، أو إن سيدي (١) ومربي، وهو ذلك الملك، قاله ابن عطية، ورُدَّ عليه. ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾؛ أي: بمكرهن ﴿عَلِيمٌ﴾ حين، قلنَ لي: أطع مَوْلاَتَكَ. وفيه استشهاد بعلم الله على أنهن كِدْنَه، وأنه بريء من التهمة كأنه قيل: احمله على التعرف، يتبيَّنُ له براءة ساحتي، فإنَّ الله يعلم أنَّ ذلك كان كيدًا منهن. والمعنى: أنه (٢) تعالى هو العالم بخفيات الأمور، وهو الذي صرَف عنِّي كيدهُن، فلم يَمْسَسْنِي منه سوء. وقد دلَّ هذا التمهل، والتأني من يوسف ﵇ عن إجابة طلب الملك له حتى تحقق براءته على جملة أمور: ١ - جميلُ صبره، وحُسْنُ أناته، ولا عَجَب، فمِثْلُه ممَّن لقيَ الشدائد جدير به أن يكون صبورًا حليمًا، ولا سيما ممن ورَثَ النبوة كابرًا عن كابر، وقد وَرد في "الصحيحين" مرفوعًا: "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدَّاعي"، وفي رواية أحمد: "لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغَيْتُ العُذْرَ". ٢ - عِزَّة نفسه وصون كرامته، إذ لم يَرْضَ أن تكون التهمة بالباطل عالقةً به، فطلب إظهار براءته، وعفَّتِه عن أن يَزِنَ بريبة، أو تَحُومَ حول اسمه شائبة السوء. ٣ - أنه عَفَّ عن اتهام النسوة بالسوء، والتصريح بالطعن عليهن، حتى يتحقق الملك بنفسه، حِينَ ما يسألهن عن السبب في تقطيع الأيدي، ويعلمُ ذلك

стр. 5928

منهن حينَ الإجابة. ٤ - أنه لم يذكر سيدَتَهُ معهن، وهي السبب في تلك الفتنة الشَّعواء وَفاءً لزوجها ورحمةً بها، وإنما اتَّهمها أولًا دِفاعًا عن نفسه، حين وَقَفَ موقفَ التهمة لدى سيدها، وبعد أن طَعنَتْ فيه. وقرأ (١) أبو حيوة، وأبو بكر، عن عاصم في رواية ﴿النُّسوة﴾ بضم النون وقرأت فرقة ﴿اللائي﴾ بالياء وكلاهما جمع التي. ومعنى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنَّ اللهَ عَالِمُ بصنيعهنّ، وما احتَلْنَ في هذه الواقعة من الحِيل العظيمة؛ فلمَّا أبي يُوسُفُ أن يَخْرُجَ من السجن، قبل تبين الأمر رَجَعَ الرسول إلى المَلِكِ، فأخبره بما قال يوسف ﵇، فأمر الملك بإحضارهنَّ، وكانت زليخا معهن، ٥١ - فلما حَضَرْنَ ﴿قَالَ﴾ الملك لهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾؛ أي: ما شأنكن وأمركن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ﴾ وطالبتن ﴿يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ والخطب: الشَّأْنُ (٢) العظيم الذي يقع فيه التخاطب، إما لغرابته، وإما لإنكاره، ومنه قولُه تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾، وعن موسى ﵇: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾. وإنما (٣) خاطَبَ الملكُ جميعَ النسوة بهذا الخطاب، والمراد بذلك امرأةُ العزيز، وَحْدَها لِيَكُون أسْتَر لها. وقيل: إنَّ امرأة العزيز راودته عن نفسه، وَحْدَها وسَائِر النسوة أمَرْنَه بطاعتها، فلذلك خاطبهن بهذا الخطاب؛ أي: فلمَّا اجْتَمَعْنَ بأمره سألهن بقوله: ما خطبكن الذي حَمَلَكُنَّ على مراودته عن نفسه، هل كان عن ميل منه إليكن؟ وهل رأيتُنَّ منه مواتاة واستجابةً بعدها؟ وماذا كان السببُ في إلقائِهِ في السجن مع المجرمين؟ ﴿قُلْنَ﴾؛ أي: جماعةُ النسوة مجيبات للملك ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾؛ أي: مَعاذًا وتنزيهًا لله تعالى عن كلِّ ما لا يليقُ به. وأصله: حَاشَا بالألف فحُذِفَت للتخفيف، وهو في الأصل حَرفٌ وضِعَ هنا موضعَ المصدر؛ أي: التنزيه، و (اللام) لبيان من يبرأ، وينزَّهُ وقد سبقَ في هذه السورة، فهو تنزيه له

стр. 5929

تعالى، وتعجب من قدرته على خَلْقٍ عَفيفٍ مِثله. ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: خيانَةٍ في شيء من الأشياء؛ أي: تَنْزِيهًا لله ، ما عَلِمْنَا على يوسف سوءًا، ولا ذَنْبًا يَشِينَهُ ويسوؤه لا قليلًا، ولا كثيرًا في شيء من الأشياء. ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ زُليخَا ﴿الْآنَ﴾؛ أي: في هذا الوقت الحاضر ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ظَهَرَ، وتَبَيَّنَ أنه مع يوسف بعد أن كانَ خَفِيًّا؛ أي: إنَّ الحقَّ في هذه القضية كان في رَأْي مَنْ بَلَغهم موزَّع التبعة بيننا معشر النسوة، وبين يُوسُفَ لكل منَّا حِصَّة بقدر ما عرض فيها من شبهة، والآن قد ظَهَرَ الحق في جانب واحد، لا خَفَاءَ فيه، وهُنَّ قد شَهِدْنَ بما علِمْنَ شهادة نَفْي، وها أنا ذَا أشهد على نفْسِي شهادةَ إيجاب بقولي: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ وطلبته ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لا أنَّه راودني بل اسْتَعْصَمَ، وأعرض عني ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإنَّ يوسف ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: حين افتريت عليه ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾. وإنَّما أقرَّت زُليخَا واعترفت بذنبها، وشَهِدَتْ ببراءة يوسف من الذنب، مُكَافأةً ليوسف على فعله، حيثُ تَرَكَ ذِكْرَهَا، وقال: ما بال النسوة اللَّاتي قَطَّعْنَ أيديهن، مع أنَّ الفِتَنَ كُلَّها إنما نشأت من جهَتِها، وقد عَرَفَتْ أنَّ ذلك لرعاية حقها, ولتعظيمها, ولإخفاء الأمر عليها. وفي هذا الاعتراف شهادةٌ مُريحة من امرأة العزيز، ببراءة يوسف من كلِّ الذنوب، وطهارته من كلِّ العيوب. ٥٢ - ﴿ذَلِكَ﴾ الاعترافُ منّي بالحق له، والشهادة بالصدق الذي علِمْتُهُ منه ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ عنه منذ سجن إلى الآن، فلم أَنَلْ من أمانته، أو أطْعَنَ في شَرَفِه، وعفَّتِه بالغيبة، بل صرَّحَت لأولئك النسوة بأني راودته عن نفسه، فاستعصم، وها أنا ذا أُقِر بهذا أمام الملك، ورجال دولته، وهو غائب عنَّا، وإن كنتُ قد قلت فيه ما قلت في حضرته، ثمَّ بالغت في تأكيد هذا القول فقالت ﴿و﴾ ليعلم يوسف ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: لا ينفذه، ولا يسدِّدُهُ بل يبطله، ويُزْهِقُهُ، وتكون عاقبته الفَضِيحَةُ، والنَّكال، ولقد كِدنا له، فصرف رَبّهُ عنه كيدنا، وسجَّنَّاه فبَرَّأه الله تعالى، وفَضَحَ مكرنا حتى شَهِدْنَا على أنفسنا في مثل هذا الحفل الرهيب، والمقام المنيف، ببراءته من كل

стр. 5930

العيوب، وسلامته من كل سوء. وعلى الجملة فالتحقيقُ أسْفَرَ عن أنَّ يُوسُفَ كان مثلَ الكَمال الإنساني في عفته ونزاهته، لم يمسسه سوء من فتنة أولئك النسوة، وأنَّ امرأة العزيز أقرَّتْ في خَاتِمَةِ المطاف بذنبها في مجلس الملك، إيثارًا للحق، وإثباتًا لبراءة يُوسُفَ ﵇. تنبيه: واختلفَ المفسِّرون في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ على قولين (١): أحدهما: أنه من قول المرأة، وهو الظاهر كما جَرَيْنا عليه في حَلِّنا سابقًا. ووجه هذا القول: أنَّ هذا كلام متَّصِلٌ بما قبله، وهو قول المرأة: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ثم قالت: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ إلخ. والمعنى عليه (٢): كما تقدَّم ذلك الإقرار، والاعتراف بالحق، ليعلم يوسُفُ أنّي لم أخنه في غيبته، وهو في السجن، ولم أكذب عليه بذنب، وهو بريء منه، بل قلت: أنا راودته عن نفسه، ثم اعتذرت عمَّا وقعت فيه، ممَّا يقع فيه البشرُ من الشهوات بقولها: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. والنفوسُ مائِلةٌ إلى الشهوات، أمَّارةٌ بالسوء. وقال الزمخشري: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ مع ذلك من الخيانة، فإني قَدْ خنته حين قذفته وقلتُ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ تريد الاعتذارَ لما كان منها؛ بأنَّ كل نفس لأمارة بالسوء إلّا نفسًا رَحِمَها الله تعالى بالعصمة، إنَّ ربي غفورٌ رحيمٌ، استغفرت ربَّها واسْتَرْحَمْتُهُ ممَّا ارتَكَبْت. والقول الثاني: أنه من كلام يُوسُفَ ﵇ اتصلَ بقول امرأة العزيز: أنا راودتُه عن نفسه من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة السامعين، لذلك مع غموض فيه؛ لأنه ذَكَرَ كلامَ إنسان، ثمَّ أتْبَعَه بكلام إنسان آخر، من غير فصل بين الكلامين. وقال الفراء: ولا يبعد وصْلُ كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلَّتِ القرينة

стр. 5931

الفارقة لكل منهما إلى ما يليق به. ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ هذا من قول الملأ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ هذا من قول فرعون. ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ هذا من كلام بلقيس ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من قوله تصديقًا لقولها. ومعنى الآية على هذا القول ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: طَلَب (١) البراءة أو ذلك التثبتُ، والتَّشَمُّرُ لظهور البراءة ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في حرمه؛ لأنَّ المعصية خيانة ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بظهر الغيب، وهو حال من الفاعل؛ أي: لم أخنْهُ، وأنا غائِبٌ عنه خفي على عينه، أو من المفعول؛ أي: وهو غائب عني خفي عن عيني، أو ظرف؛ أي: بمكان الغيب؛ أي: وراءَ الأستار والأبواب المغلَقة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: وليعلم العزيز أنَّ الله ﴿لَا يَهْدِي﴾ ولا ينفذ، ولا يسدِّد، ولا يتمِّم ﴿كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ بل يبطله، ويزهقه كما لم يسدد كَيْدَ امرأته، حتى أقرت بخيانة أمانة زوجها، وسُمِّي فعل الخائن كيدًا؛ لأنَّ شأنَه أنْ يُفْعَلَ بطريق الاحتيال، والتلبيس، فمعنى هداية الكيد، إتمامُه وجعله مؤدِّيًا إلى ما قُصِدَ به. وفيه تعريض، بامرأة العزيز في خِيَانَتِها أمانَتَهُ، وبنفس العزيز في خيانة أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسِ يوسف بعدما رأوا آيات نَزَاهَتِه. ويجوز أن يكون ذلك لتأكيد أمانته، وأنه لو كان خائنًا .. لمَا هَدَى الله أمره وأحسن عاقِبَتَهُ. وفيه إشارة إلى أنَّ الله يُوصِلُ عبادَه الصَّادِقين بعد الغمِّ إلى السرور، ويُخرِجُهم من الظلمات إلى النور. وفي (٢) الآية دلالة على أنَّ الخيانة من الصفات الذميمة، كما أنَّ الأمانَةَ من الخصال المحمودة. ثمَّ أراد (٣) يُوسُفُ أن يَتَوَاضَعَ لله، ويهضم نفسه لئلا يكون مُزَكِّيِّا لها, ولحالها في الأمانة مُعْجِبًا، وليبيِّنَ أنَّ ما فيه من الأَمانةِ ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله، ولُطْفِهِ، وعصمته فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ من الزلل، وما أشهدُ لها بالبراءة بالكلية، ولا أزكِّيها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ بالعصمةِ ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 5932

وعلى هذا القول الأخير: اختلفوا (١) أيْنَ كان يُوسُفُ حين قال هذه المقالة على قولين؛ أحدهما: أنَّه كان في السجن، وذلك أنَّه لمّا رَجَعَ إليه رسولُ الملك، وهو في السجن، وأَخْبره بجواب امرأة العزيز، للْمَلِك حينئذ قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن جريج. والقولُ الثاني: أنه قال هذه المقالَةَ عند حضوره عند الملك، وهذه روايةُ عطاء عن ابن عباس، ﵄، والله أعلم. الإعراب ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾. ﴿وَدَخَلَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. (دخل) فعل ماض. ﴿مَعَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق به. ﴿السِّجْنَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق به. ﴿فَتَيَانِ﴾ فاعل مرفوع بالألف، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: فسجنوه، ودَخَل معه السجن. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ فعل وفاعل، والجملةُ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئتَ قلت: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرَانِي﴾ فعل ومفعول أول ونون وقاية وفاعله ضمير يعود على أحدهما. ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على أحدهما، وجملة ﴿أَعْصِرُ﴾ في محل النصب مفعول ثاني لـ ﴿أَرَى﴾ الحلمية، وجملة ﴿أَرَانِي﴾ في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على قال الأول. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرَانِي﴾ فعل ومفعول أول و (نون) وقاية وفاعله ضمير يعود على الآخر. ﴿أَحْمِلُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الآخر. ﴿فَوْقَ رَأْسِي﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَحْمِلُ﴾. ﴿خُبْزًا﴾ مفعول لـ ﴿أَحْمِلُ﴾. ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به، وجملة

стр. 5933

﴿تَأْكُلُ﴾ صفة لـ ﴿خُبْزًا﴾، ولكنّها صفةٌ سببية، وجملة ﴿أَحْمِلُ﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَانِي﴾، وجملة ﴿أَرَانِي﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنِّي﴾، وجملة ﴿إِنِّي﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿نَبِّئْنَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ متعلِّق به، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿نَرَاكَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الفتيين. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان، أو حال من (الكاف)، وجملة ﴿نَرَاكَ﴾ في محل الرفع خَبر (إنَّ)، وجملة (إنَّ) مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ فعل ونائب فاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿طَعَامٌ﴾. ﴿إلا﴾ أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال. ﴿نَبَّأْتُكُمَا﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ متعلِّق به، والجملة في محل الجر بإضافة المستثنى المحذوف، والتقدير: لا يأتيكما طعام ترزقانه في حال من الأحوال إلا في حال تنبئني إياكما بتأويله. ﴿قَبْلَ﴾ منصوب على الظرفية. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الطعام، والجملةُ في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: قبل إتيانه إياكما، والظرفُ متعلق بـ ﴿نَبَّأْتُكُمَا﴾. ﴿ذَلِكُمَا﴾ مبتدأ. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور خبرُ المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ فعل ومفعول أول، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مما علَّمنِيه ربي، والجملة صلةٌ لـ (ما) أو صفةٌ لها، والعائد، أو الرابطُ الضمير المحذوف. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿تَرَكْتُ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ مفعول، ومضاف إليه، وجملةُ ﴿تَرَكْتُ﴾ في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إنَّ) مستأنفة على كونها مقولَ ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به والجملة في محل الجر

стр. 5934

صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾ الثاني تأكيد للأول. ﴿كَافِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على كونها صفةً لـ ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿وَاتَّبَعْتُ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِلَّةَ آبَائِي﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿تَرَكْتُ﴾ على كونها خبرًا لـ (إن). ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من ﴿آبَائِي﴾ بدل تفصيل من مجمل مجرور بالفتحة. ﴿وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ معطوفان على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَنَا﴾ خبرها مقدم على اسمها. ﴿أَنْ نُشْرِكَ﴾ ناصب وفعل، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿نُشْرِكَ﴾. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مفعول ﴿نُشْرِكَ﴾ و (من) زائدة، وجملة ﴿نُشْرِكَ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ والتقدير: ما كان إشراكُنَا بالله شيئًا كائنًا لنا، والجملة مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ معطوف على ﴿عَلَيْنَا﴾. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ خبر ﴿لكن﴾ والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾. ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وهو من إضافة الوصف إلى الظرف؛ أي: يا صاحبين لي في السجن، أو من باب الإضافة إلى الشبيه بالمفعول، والمعنى: يا ساكني السجن. ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ (الهمزة) للاستفهام التقريري. ﴿أرباب﴾ مبتدأ. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ صفة له، والجملة

стр. 5935

في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿خَيْرٌ أَمِ﴾ عاطفة متصلة. ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿أرباب﴾. ﴿الْوَاحِدُ﴾ صفة أولى للجلالة. ﴿الْقَهَّارُ﴾ صفة ثانية له. ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلق به، والمستثنى منه محذوف تقديره: ما تعبدون من دونه شيئًا. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء. ﴿أَسْمَاءً﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد لتاء المخاطبين، ليُعْطَفَ عليه ما بعده. ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾ معطوف على (تاء) الفاعل والمفعول الثاني لـ ﴿سميتم﴾ محذوف تقديره: سميتموها آلهةً، وجملة ﴿سَمَّى﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿أسماء﴾. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (ما) نافية. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾ و ﴿من﴾ زائدة. ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ ﴿إن﴾ نافية. ﴿الْحُكْمُ﴾ مبتدأ. ﴿إلا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمَرَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة على كَوْنِها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ (أن). ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿إِيَّاهُ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب مفعول ﴿تَعْبُدُوا﴾، وجملة ﴿تَعْبُدُوا﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: أمَرَ بعدم عِبَادَتِكم إلَّا إياه. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿الدِّينُ﴾ خبره. ﴿الْقَيِّمُ﴾ صفة لـ ﴿الدِّينُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ ناصب، واسمه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾.

стр. 5936

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمَّا﴾ حرف شرط وتفصيل. ﴿أَحَدُكُمَا﴾ مبتدأ، ومضاف إليه. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ فعل ومفعولان، و (الفاء) رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها، وفاعله ضمير يعود على الأحد. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿أما﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿أما﴾ حرف شرط. ﴿الْآخَرُ﴾ مبتدأ. ﴿فَيُصْلَبُ﴾ (الفاء) رابطة لجواب ﴿أما﴾. ﴿يصلب﴾ فعل مضارع مغيَّر الصيغة ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الآخر﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿أما﴾، وجملة ﴿أما﴾ معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى. ﴿فَتَأْكُلُ﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿تأكل الطير﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة (يصلب). ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿الَّذِي﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿الأمر﴾. ﴿فِيهِ﴾ متعلق بما بعده. ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير فيه. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾. ﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿قال﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾. ﴿لِلَّذِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿ظَنَّ﴾ فعل ماض ناسخ، وفاعله ضمير يعود على الموصول والجملة صلة الموصول. ﴿أَنَّهُ نَاجٍ﴾ ناصب واسمه وخبره. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستتر في ﴿نَاجٍ﴾؛ أي: حَالَة الناجي من جملة الاثنين، وجملة (أن) في تأويل مصدر سَادٍّ مسدَّ مفعولي ﴿ظَنَّ﴾ تقديره:

стр. 5937

وقال للذي ظن نجاته حَالَةَ كونه منهما. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اذْكُرْنِي﴾ فعل ومفعول و (نون) وقاية وفاعله ضمير يعود على ﴿الناجي﴾. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿أنساه الشيطان﴾ فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَبِثَ﴾ (الفاء) عاطفة. ﴿لبث﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿فِي السِّجْنِ﴾ متعلق بـ ﴿لبث﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أنساه﴾. ﴿بِضْعَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿لبث﴾ بضع مضاف. ﴿سِنِينَ﴾ مضاف إليه. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي أَرَى﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرَى﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الملك. ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿سِمَانٍ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾. ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل. ﴿عِجَافٌ﴾ صفة لـ ﴿سَبْع﴾ وجملة ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَى﴾ وجملة ﴿أَرَى﴾ في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ معطوف على ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾. ﴿خُضْرٍ﴾ صفة لـ ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾. ﴿وَأُخَرَ﴾ معطوف على ﴿سَبْعَ﴾ لا على ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ ويكون، قد حُذِفَ اسمُ العدد من قوله: ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ والتقدير: وسبعًا آخر، وإنما حذفَ لأن التقسيم في البقرات يقتضي التقسيم في السنبلات، اهـ "سمين". ﴿يَابِسَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿أُخر﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿الْمَلَأُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَفْتُونِي﴾

стр. 5938

فعل وفاعل ومفعول، و (نون) وقاية. ﴿فِي رُؤْيَايَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونِها جوابَ النداء. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونه فعلَ شرط لها. ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ (اللام) زائدة في المفعول. ﴿الرؤيا﴾ مفعول مقدم لـ ﴿تَعْبُرُونَ﴾. ﴿تَعْبُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوفٌ معلوم ممَّا قبله تقديره: إن كنتم تعبرون الرؤيا، فأفتوني في رؤياي، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محلَّ النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا﴾ مقول محكي، لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئتَ قلت: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه أضغاث أحلام، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾ نافية حجازية، أو تميمية. ﴿نَحْنُ﴾ اسمها أو مبتدأ. ﴿بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما بعده. ﴿بِعَالِمِينَ﴾ خبر ﴿ما﴾ الحجازية أو خبر المبتدأ و ﴿الباء﴾ زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِي﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾. ﴿نَجَا﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿نَجَا﴾. ﴿وَادَّكَرَ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال. ﴿ادكر﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي نَجَا﴾. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ادكر﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نَجَا﴾. ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت:

стр. 5939

﴿أَنَا﴾ مبتدأ. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي نَجَا﴾. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ مفعول ثان، و (الباء) زائدة، والجملة الفعلية في محل الرفع خَبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ (الفاء) عاطفة. (أرسلوا) فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾ فاعل، والنون للوقاية و (ياء) المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة (نون) الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ﴾. ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يُوسُفُ﴾ منادى مفرد العلم حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَيُّهَا﴾ منادى نكرة مقصودة حذفت منه حرف النداء للتخفيف. ﴿الصِّدِّيقُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿أَفْتِنَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جَوابَ النداء. ﴿فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَفْتِنَا﴾. ﴿سِمَانٍ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَاتٍ﴾. ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ فعل ومفعول. ﴿سَبْعٌ﴾ فاعل. ﴿عِجَافٌ﴾ صفة لـ ﴿سَبْعٌ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿سَبْعٌ﴾، ولكنها سببية، أو في محل النصب حال من ﴿سَبْعٌ﴾. ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ﴾ معطوف على ﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾. ﴿خُضْرٍ﴾ صفة لـ ﴿سَبْعِ﴾. ﴿وَأُخَرَ﴾ معطوف على ﴿سَبْعِ﴾ على كونه صفة لمحذوف تقديره: وسبعًا أخر مجرور بالفتحة للوصفية، والعدل؛ لأنه معدول عن الآخَر. ﴿يَابِسَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿أُخر﴾. ﴿لَعَلِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرْجِعُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الَّذِي نَجَا﴾. ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لَعَلِّي﴾ وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مسوقة لتعليل قوله ﴿أَفْتِنَا﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعلَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مسوقة لتعليل الترجي قبلها.

стр. 5940

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿تَزْرَعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ فعل، وفاعل، ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿دَأَبًا﴾ مصدر واقع موقع الصفة، فهو صفة لـ ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾؛ أي: سبع سنين متواليةً متتابعة، أو واقع موقِع الحال، فهو حال من (واو) ﴿تَزْرَعُونَ﴾؛ أي: حَالَة كونكم متدائبين؛ أي: مستمرين في الزراعة في تلك السبع. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنَّكم تزرعون سَبْعَ سنين، وأرَدْتُم بَيَانَ ما تفعلون بالمحصود من الزرع، فأقول لكم: ﴿ما حصدتم﴾. ﴿مَا﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿حَصَدْتُمْ﴾ فعل، وفاعل في محل الجزم بما، والرابط محذوف تقديره: فما حصدتموه. ﴿فَذَرُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب. ﴿ذروه﴾ فعل وفاعل، ومفعول في محل الجزم على كونه جواب الشرط. ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ متعلق به، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إلا﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿تَأْكُلُونَ﴾ فعل وفاعل صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: مما تأكلونه. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتِي﴾. ﴿سَبْعٌ﴾ فاعل. ﴿شِدَادٌ﴾ صفة أولى له. ﴿يَأْكُلْنَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صفة ثانية لـ ﴿سَبْعٌ﴾ ولكنها صفة سببية، وجملة ﴿يَأْتِي﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تَزْرَعُونَ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَأْكُلْنَ﴾. ﴿قَدَّمْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُنَّ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾

стр. 5941

أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما قدمتموه لهن. ﴿إلا﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿تُحْصِنُونَ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: تحصنونه. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِي﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ متعلق به. ﴿عَامٌ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ الأول. ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُغَاثُ﴾. ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿عَامٌ﴾. ﴿وَفِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْصِرُونَ﴾. وجملة ﴿يَعْصِرُونَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُغَاثُ﴾. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ فعل، وفاعل معطوف على محذوف تقديره: فلما رجع الساقي إلى الملك، وأخبره بما ذكره يوسف استحسنه الملك، وقال: ائتوني به، كما مرَّ في مبحث التفسير. ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ائتوني﴾ فعل وفاعل، ومفعول. ﴿بِهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ فعل ومفعول، وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على محذوف تقديره: فرجع الرسول إلى يوسف من عند الملك ليخرجه من السجن، فلما جاءه الرسول، قال يوسف: ارجع إلى ربك. ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ارْجِعْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على الرسول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ متعلق به. ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿اسأله﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الرسول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة

стр. 5942

﴿ارْجِعْ﴾. ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿بَالُ النِّسْوَةِ﴾ خبر، ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿سأل﴾. ﴿اللَّاتِي﴾ صفة لـ ﴿النسوة﴾. ﴿قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾ متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الملك، والجملة مستأنفة. ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ مقول محكي، لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾ اسم استفهام للاستفهام الاستخباري في محل الرفع مبتدأ. ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَطْبُكُنَّ﴾ لأنه في معنى الفعل إذ المعنى ما فعلتن، وما أردتن به في ذلك الوقت، اهـ "سمين". ﴿رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاوَدْتُنَّ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿قُلْنَ﴾ فعل، وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْنَ﴾ وإن شئت قلت ﴿حَاشَ﴾ فعل ماض بمعنى بَعُدَ مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة، للتخفيف لكثرة الاستعمال، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق به، ولكنه على حذف مضاف، والتقدير: حاش يوسف عن المعصية لطاعة الله تعالى وخوفه كما ذكره أبو البقاء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿عَلِمْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿سُوءٍ﴾ مفعول به؛ لأن علم هنا بمعنى عرف، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾

стр. 5943

إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الْآنَ﴾ ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿حَصْحَصَ﴾. ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ فعل، وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾. ﴿أَنَا﴾ مبتدأ. ﴿رَاوَدْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إنه﴾ ناصب واسمه. ﴿لَمِنَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة الاسمية المذكورة قبلها. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿لِيَعْلَمَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل. ﴿يعلم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على يوسف على القول، بأنه من كلام زليخا، وهو الظاهر من السياق، أو يعود على العزيز إن قلنا: إنه من كلام يوسف، وفيه تكلف ظاهر كما مرت الإشارة إليه، في مبحث التفسير. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ذلك الاعتراف كائن مني لكي يعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب. ﴿أَنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿لَمْ أَخُنْهُ﴾ جازم وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا، والجملة في محل الرفع خبر (أن) وجملة (أن) في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾ تقديره: ذلك ليعلم يوسف عدم خيانتي إياه في الغيب. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ جار ومجرور إما حال من فاعل ﴿أَخُنْهُ﴾ تقديره: حَالَةَ كوني غَائِبًا عن عينيه أو من المفعول تقديره: حَالَةَ كونه غَائِبًا عن عيني، ويجوز أن تكون (الباء) ظرفية متعلقة بـ ﴿أَخُنْهُ﴾؛ أي: لم أخنه في مكان الغيب، ذكره "السمين". ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ المذكورة قبلها على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾ تقديره: ذلك الاعتراف ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف عدمَ خيانتي إياه، في الغيب، وعدم هداية الله تعالى كَيدَ الخائنين؛ أي: عَدَمَ إتمامه لهم مرادَهم من الكيد والمكر.

стр. 5944

التصريف ومفردات اللغة ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: في صحبته؛ أي: صَاحَبَاهُ في الدخول فَدَخَلَ الثلاثةُ في وقت واحد. ﴿فَتَيَانِ﴾ تثنية فتى قلبت ألفه ياء في التثنية، لكونها أصله؛ لأنه من فتِيَ بوزن رَضِيَ بمعنى شَبَّ، وذلك يدل على أنهما عبدان للملك الأكبر. ويحتمل أن يكون الفتى اسمًا للخادم، وإن لم يكن مملوكًا. ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ أي: عِنبًا فسمَّاه باسم ما يؤول إليه لكونه المقصود. ﴿خُبْزًا﴾ الخُبْزُ معروف، وجمعه خبز ومعانيه خبَّازٌ. ﴿الطَّيْرُ﴾ اسم جنس مفرده الطائر. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: أَخبرنا بتأويل ما قصصناه عليك من مجموع المرئيين، أو بتأويل المذكور لك من كلامنا. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: من العالمين بتعبير الرؤيا، والإحسان هنا: بمعنى العلم. وكذا قال الفراء: إن مَعْنَى ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من العالمين الذين أحسنوا العِلْمَ. وقال ابن إسحاق: من المحسنين إلينا، إن فسرت ذلك، أو من المحسنين إلى أهل السجن. ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ التَّرْكُ هنا عبارةٌ عن عدم التلبُّس بالشيء من أول الأمر، وعدم الالتفات إليه بالكلية، اهـ "خازن". ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾؛ أي: مُصَاحبين للسجن لطول مقامهما فيه. وقيل: المرادُ يا صاحبي في السجن؛ لأن السِّجْنَ ليس بمصحوب، بل مصحوب فيه، وأنَّ ذلك من باب يا سارق الليلة، وعلى الأول من باب قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾. ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾؛ أي: من أجناس مختلفة من حيوان، أو جماد، كذهب، وفضة، وحديد، وخشب، وحجارة. ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ السجن: المَحْبَسُ. والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، قاله قتادة. وقال مجاهد: من الثلاثة إلى السبعة. وقال أبو عبيدة: البضع لا يبلغ العقد، وإنما هو من الواحد إلى العشرة. وقال الفراء: ولا يُذْكَر البِضع إلا مع العشرات، ولا يُذْكَر مع مئة ولا ألف. ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ جمع سمينة، ويُجمع سَمِينٌ أيضًا عليه يقال: رِجالٌ سِمَانٌ كما يقال: نساء كرام، ورجال كرام. والسِّمَنَ مصدر سَمِن، يَسْمَنُ من باب فَرِح فهو سمين، فالمصدر واسم الفاعل جاءا على غير قياس، إذ قياسُهُما سَمْنًا بالفتح، فهو سَمِنٌ نحو: فَرِحَ فَرَحًا فهو فَرِح. وفي "المصباح": سَمِنَ يسمن من باب تَعِبَ، وفي لغة: من

стр. 5945

باب قتل إذا كَثُر لَحْمُهُ وشَحْمُه، ويتعدى بالهمزة والتضعيف. ﴿عِجَافٌ﴾ جمع عجفاء جمعًا سماعِيًّا، والقياسُ عُجْف كحمراء وحُمْر على حد قول ابن مالك: فُعْلٌ لِنَحْوِ أحْمَرٍ وَحَمْرَا لكنه حُمِل على سمان, لأنه نَقِيضُه كما ذكره "البيضاوي". والعجفاء: المهزولة جِدًّا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ عبَر الرؤيا إذا فَسَّرها من باب نصر، ينصر، ويستعمل أيضًا بالتشديد، كعلَّم يعلِّم تَعْلِيمًا، اهـ شيخنا؛ أي: إن كنتم عَالِمين بعبارة الرؤيا، وهي الانتقالُ من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالُها من العبور، وهو المجاوزة، وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها بالتشديد تعبيرًا، واللام للبيان أو لتقوية العامل، اهـ "بيضاوي". وفي "السمين": وحقيقةُ عَبَرْتُ الرؤيا ذَكَرْتُ عَاقِبَتَها وآخِرَ أمرها كما تقول: عَبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ أخر عرضه، اهـ. وفي "المصباح": عبرت النهر عَبْرًا من باب قتل، وعُبُورًا أيضًا إذا قطعته إلى الجانب الآخر، وعَبَرْت الرؤيا عَبْرًا أيضًا، وعبارةً إذا فسرتها، وبالتثقيل مبالغةً، وفي التنزيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اهـ. ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛ أي: هي تخاليط المنامات الباطلة التي لا معنَى لها جمع ضغث، وأصله: ما جمِعَ وحُزِم من أخلاط النبات، كالحزمة من الحشيش، فاستعير للرؤيا الكاذبة، والأحلام: جمع حلم، وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها، والإضافةُ على معنى منْ؛ أي: هي أضغاث من أحلام أخرجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة تؤولُ إليها، والأضغاث: جمع ضِغْثٍ بكسر الضاد، وهو ما جمع من النبات، سواءٌ كان جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطة، وهو أصغر من الحزمة وأكبر من القبضة. ﴿وَادَّكَرَ﴾ أصله: إذْتَكَرَ بوزن افْتَعَلَ من الدَّكر فوقعت تاء الافتعال بعد الذال، فأبدلت دالًا، فاجتمع متقاربان، فأبدل الأولُ من جنس الثاني، وأدغم، وكذا الحكمُ في (مدّكر) كما سيأتي في صورته إن شاء الله تعالى. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضم الهمزة، وتشديد الميم، وتاء منونة، وهيَ المدة الطويلة. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ وغيره: (بعد أَمَهٍ) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وهاء منونةٌ والأَمهُ: هو النسيان يقال: أمَهَ يأْمَهُ أَمَهًا، وأَمْهًا، والسكونُ غيرُ مقيس، والمعنى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾؛ أي: بعد حين، وهو سنتان، أو سبع، أو تسع، وسمِّي الحين من الزمان، أمة لأنه

стр. 5946

جماعة أيّامٍ؛ والأمَّةُ: الجماعة، اهـ "خازن". ﴿دَأَبًا﴾ قرأ حفص بفتح الهمزة والباقون بسكونها، وهما لغتان في مصدر دَأَبَ يَدْأَبُ؛ أي: دَاومَ على الشيء ولازمه، وهذا كما قالوا: ضَأَنَ وضَأْن ومعَز ومعْز، بفتح العين وسكونها، وأصل معنى الدأب التعب، ويُكنى به عن العادة المستمرة، لأنها تنشأ عن مداومة العمل اللازم له التعبُ، اهـ "شهاب". ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ وفي "المصباح": وسُنبُل بضم الفاء والعين، الواحدة سُنْبلةً، والسبل مثله، الواحدة سَبَلَة، مثل قَصَب وقَصَبَة، وسَنْبَل الزرع أخرج سُنْبُلَهُ وأسبل أخرج سبله، اهـ. ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ من الغيث على أنَّ الألف منقلبة عن ياءٍ، أو من الغوث على أنها منقلبة عن واو. والغيث مصدر غاث الله البلادَ يغيثها غيثًا، إذا أنزل بها الغيثَ، وهو المطر، والغوث الفرجُ، وزوالُ الهم، والكرب، وعلى هذا يكون فعله رُباعِيًّا يقال: استغاثَ اللهَ، فأغاثه؛ أي: أنْقَذَه من الكرب الذي هو فيه، كالحقط، اهـ "زاده". وفي "السمين": قوله: يغاث الناس، يجوز أن تَكُونَ الألف عن واو، وأن تكونَ عن ياء إمَّا من الغَوْثِ، وهو: الفَرَجُ، وفعلُه رباعي، يقال: أغاثنا الله من الغيث، اهـ. وفي "المصباح" أغاثه إغاثةً إذا أَعانَهُ، ونَصَره، فهو مُغِيث والغوث اسم منه، واستغاث به فأَغَاثَه، وأَغاثهم الله برحمته، كَشَفَ شدتَهم، وأغاثَنا المطر من ذلك فهو مغيث، وأغاثنا الله بالمَطر، والاسم الغِيَاث بالكسر، اهـ. وفيه أيضًا: الغَيْثُ المطرُ وغاث الله البلاد غَيثًا من باب ضَرب، أنزلَ بها الغيثَ، ويبنى للمفعول: فيقال: غِيثتِ الأرضُ تُغاثُ، وغاث الغيث الأرض غيثًا، من باب ضرَبَ نزل بها. وسمى النَّبَات غَيْثًا تسمية باسم السبب، ويقال: رعينا الغيثَ، اهـ. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بكسر الصاد من باب ضرب كما في "المصباح" و"القاموس". ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ والخطب الأمر والشأن الذي فيه خطر، وهو في الأصل مصدر خطب يخْطُب، وإنما يُخْطَبُ في الأمور العظام، اهـ "سمين". وفي "المختار": الخَطْبُ: الأمر، تقول: ما خَطْبُك. قال الأزهري: أي: ما أمْرُكَ، وتقول: هذا خطب جليل، وخَطْبُ يسير، وجمعه خُطُوب، اهـ. ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ظَهَرَ ووضح، وتبيَّنَ بعد خفاء، قاله الخليل. قال بعضهم: هو

стр. 5947

مأخوذ من الحصة، والمعنى: بانَتْ حصة الحق من حصة الباطل، كما تتميز حصحص الأراضي وغيرها. وقيل بمعنى: ثَبَتَ واستَقَرَّ. وقال الراغب: حَصْحَصَ الحق، وذلك بانكشاف ما يغمِزُه وحص، وحصحص، نحو: كف، وكَفْكَفَ وحصه قَطَعَه إما بالمباشرة، وإما بالحكم، والحصة القطعة من الجملة، وتُسْتَعمل استعمالَ النصيب، اهـ "سمين". ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: لا ينفذه، ولا يُمضيه، ولا يسدِّده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعلَ على الكَيْدِ مبالغةٌ، اهـ "بيضاوي". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ لأنه أطْلَقَ الخمر على العنب، باعتبار ما يؤول إليه، كما يطلق الشيء على الشيء، باعتبار ما كان كقوله تعالى: ﴿وءاتُواْ الْيَتامَي﴾. ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾ في الموضعين حكايةً للحال الماضية، وحق العبارة أن يقال: إني رأيتني، وكذا قول الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ فيه حكايةٌ للحال الماضية، وحق العبارة أن يقال: إني رأيتُ. ومنها: الطّباق بين قوله: ﴿سِمَانٍ﴾، وقوله: ﴿عِجَافٌ﴾، وبين قوله: ﴿خُضْرٍ﴾، وقوله: ﴿يَابِسَاتٍ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ فإنَّها من أبلغِ الاستعارة وألْطفها، فإن الأضغاثَ حقيقةُ في المختلط من الحشيش المضموم بعضه إلى بعض، فشبَّه اختِلاطَ الأحلام، وما فيها من المحبوب، والمكروه، والخير، والشر باختلاط الحشيش المجموع من أصناف كثيرةٍ. ومنها: براعة الاستهلال في قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ حيث قدَّم الثناء قبل السؤال، طَمَعًا في إجابة مطلبه. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ لأن السِّنينَ لا تأكل،

стр. 5948

وإنما يأكل الناسُ ما إدخروه فيها، فهو من باب الإسناد إلى الزمان كقول الفصحاء نهار الزاهد صائم، وليلُه قائم. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ وفي غير ذلك. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ لأن هدايةَ الكيد مجاز عن تنفيذه، وإمضائه، أو المراد لا يَهْدِي الخَائِنين بسبب كيدِهم، فأوقع الهدايةَ المنفيةَ على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزًا للمبالغة؛ لأنه إذا لم يهد السببُ علمَ منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى، اهـ "شهاب". ومنها: الزيادة والحذفُ في عدة مواضع (١). والله أعلم بمراد كلامه * * *

стр. 5949

شعرٌ وَقُلْ بِذُلٍّ رَبِّ لا تَقْطَعْنِي ... عَنْكَ بقَاطِعٍ وَلاَ تحْرِمْنِي منْ سِرِّكَ الأبْهَى الْمُزِيلِ لِلْعَمَى ... وَاخْتِمْ بِخَيْرٍ يَا رحِيْمَ الرُّحَمَا آخرُ والْحمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَى ... فَنِعْمَ مَا أَوْلَى ونِعْمَ الموْلَى

стр. 5950

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الرابع عشر»

стр. 5951

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 5952

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٤]

стр. 5953

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5954

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي أجرى من مسجله ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم ببلاغته كل متكلم منطيق، وفسر الآيات في الأنفس والآفاق على مراد الله الملك الخلاق، وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممن تخلق بالقرآن في كل زمان. أما بعد: فيقول العبد المعترف بذنبه وخطأه المنادي لربه في عفوه وعطاه، الراجي في إسبال سجاف الندى عليه، المناجي في إرسال رسول الهدى إليه، حفظه الله سبحانه وأخلاءه، وأعاذه وإياهم من الشيطان الرجيم، وجعل يومه خيرًا من أمسه إلى الإياس من حياة نفسه، سميُّ محمد الأمين الهرري: إني لما فرغت من تفسير الجزء الثاني عشر من القرآن الكريم .. عزمت - إن شاء الله على الشروع في تفسير الجزء الثالث عشر، وإن كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كل ذمير وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كل أمير وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليل كالنيرين لغير كليل. ومع خطر هذا الأمر، فالأمد قصير وفي العبد تقصير، وكم ترى من نحرير كامل في التحرير والتقرير قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل، وذلك بحلول ريب المنون والأجل، أو بتطاول يد الزمان، فإن الدنيا لا تصفو لشارب وإن كانت ماء

стр. 5955

الحيوان، وأي وجود لا ينسج عليه عناكب العاهات؟ وأي نعيم لا يكدره الدهر؟ هيهات. اللَّهم كما عودتني في الأول خيرًا كثيرًا، فيسر لي الأمر في الآخر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا لبياض الوجه كما تبيض وجوه أولئك، وامح مسودات صحائف أعمالي بحق كتابك الكريم، واجعل قراري في جنات النعيم، ولم أكن بدعائك رب شقيًّا بكرةً وعشيًّا ما دمت حيًّا، فلك الحمد في الأولى والأخرى على عنايتك الكبرى، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. والله أعلم * * *
следующие страницы →