خبره، وجملة إن في محل النصب مقول يقول ﴿لا﴾ نافية ﴿فارِضٌ﴾ صفة لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة، وجوزوا اعتراض لا النافية بين الصفة والموصوف؛ لأنه شائع كثير في كلامهم، كما في قولهم: مررت برجل لا طويل ولا قصير ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿بِكْرٌ﴾ معطوف على ﴿فارِضٌ﴾ وتكررت لا؛ لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أو حال وجب تكرارها، كقولهم: زيد لا قائم ولا قاعد، ومررت به لا ضاحكا ولا باكيا ﴿عَوانٌ﴾ صفة ثانية لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة بَيْنَ منصوب على الظرفية الاعتبارية، وهو مضاف. واسم الإشارة ﴿ذلِكَ﴾ في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بعوان؛ لأنه بمعنى متوسط. وجوّز إضافة بين إلى مفرد كونه بمعنى متعدد؛ لأن اسم الإشارة هنا قائم مقام اثنين، حيث وقعت الإشارة به إلى الفارض والبكر معا. نظير قول عبد الله بن الزبعري يوم أحد قبل إسلامه:
إنّ للخير وللشرّ مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
﴿فَافْعَلُوا﴾ الفاء فاء الفصيحة مبنية على الفتح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما يقول الرب تعالى، وأردتم بيان ما هو الأصلح واللازم لكم، فأقول لكم: افعلوا ما تؤمرون ﴿افعلوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به وجملة ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تؤمرون به.
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾.
﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ﴿لَنا﴾ متعلق به ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا. ﴿يُبَيِّنْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الرب لَنا متعلق بيبين، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾ اسم استفهام في
стр. 667
محل الرفع مبتدأ ﴿لَوْنُها﴾ خبر، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول به ليبين ﴿قالَ﴾ فعل وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ يَقُولُ ...﴾ إلخ. مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة إن في محل النصب مقول يقول ﴿صَفْراءُ﴾ صفة لبقرة ﴿فاقِعٌ﴾ صفة صفراء ﴿لَوْنُها﴾ فاعل فاقع، ويجوز أن يكون ﴿فاقِعٌ﴾ خبرا مقدما و ﴿لَوْنُها﴾ مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة لصفراء ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على البقرة، والجملة صفة ثانية لبقرة، تقديره: سارّة للناظرين.
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾.
﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن أردت بسط إعرابه، فقد تقدّم لك قريبا، فجدّد به عهدا ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ ناصب واسمه ﴿تَشابَهَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على البقر ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بتشابه، وجملة تشابه في محل الرفع خبر إن، وجملة إن جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، ولكن في محل النصب مقول قالوا ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم ﴿شاءَ﴾ في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، وجواب الشرط محذوف، تقديره: اهتدينا، وجملة إن الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين إن وخبرها لَمُهْتَدُونَ اللام حرف ابتداء ﴿مهتدون﴾ خبر إن مرفوع بالواو وجملة إن معطوفة على جملة قوله ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ على كونها مقولا لقالوا، وعلى كونها تعليلية.
﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول يقول ﴿لا﴾ نافية ﴿ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة، وإن شئت قلت ﴿لا﴾ اسم بمعنى غير في محل الرفع صفة
стр. 668
لبقرة، ولكن نقل إعرابها إلى ما بعدها؛ لكونها على صورة الحرف ﴿ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة ﴿تُثِيرُ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ذلول ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لذلول، تقديره: لا ذلول مثيرة الأرض، ويجوز أن تكون جملة ﴿تُثِيرُ﴾ حالا من الضمير في ذلول، تقديره: لا تذل في حال إثارتها، وهذه الجملة الفعلية في المعنى مفسرة لذلول، فالنفي مسلط على الموصوف وصفته؛ أي: إنها بقرة انتفى عنها التذليل وإثارة الأرض، وانتفى عنها سقي الحرث أيضا على ما سيأتي ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ زائدة زيدت؛ لتأكيد نفي لا الأولى ﴿تَسْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ذلول ﴿الْحَرْثَ﴾ مفعول به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة تثير الأرض على كونها صفة ثانية لذلول، تقديره: لا ذلول مثيرة الأرض وساقية الحرث، فالنفي مسلط على الموصوف بصفته ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ صفة ثانية لبقرة لا نافية للجنس تعمل عمل إن ﴿شِيَةَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿فِيها﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: لا شية موجودة فيها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الرفع صفة ثالثة لبقرة، تقديره: موصوفة بعدم وجود شية فيها ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل مستأنف ﴿الْآنَ جِئْتَ﴾ ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح، لشبهه بالحرف شبها معنويا؛ لتضمنه معنى حرف التعريف، أو معنى حرف الإشارة، كأنه قلت: هذا الوقت والظرف متعلق بجئت، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من فاعل ﴿جِئْتَ﴾؛ أي: حال كونه ملتبسا بالحق ﴿فَذَبَحُوها﴾ الفاء عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فطلبوها فوجدوها عند فتى بار فذبحوها. ﴿ذبحوها﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، وتلك المحذوفة معطوفة على جملة قالوا ﴿وَما﴾ الواو حالية ﴿ما﴾ نافية ﴿كادُوا﴾ فعل ناقص واسمه، لأنه من أفعال المقاربة، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ في محل النصب خبر كاد، وجملة كاد في محل النصب حال من فاعل ذبحوها؛ أي: حال كونهم غير مقاربين فعل الذبح؛ يعني؛ قبل زمان الذبح.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة قصة على قصة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في
стр. 669
محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي وحين قتلتم نفسا ﴿قَتَلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿نَفْسًا﴾ مفعول به ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ الفاء عاطفة ﴿ادارأتم﴾ فعل وفاعل ﴿فِيها﴾ متعلق بادرائتم، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿قَتَلْتُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو اعتراضية ﴿اللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف الذي هو قوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والمعطوف عليه الذي هو قوله ﴿فَذَبَحُوها﴾. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿مُخْرِجٌ﴾؛ لأنه اسم فاعل من أخرج يعمل عمل الفعل الصحيح، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره: هو يعود على الله ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكْتُمُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: تكتمونه.
فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟
قلت: قد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ، كما حكي الحاضر في قوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾.
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
﴿فَقُلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿قلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: فذبحوها ﴿اضْرِبُوهُ﴾، فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مقول القول ﴿بِبَعْضِها﴾ جار ومجرور متعلق باضربوه ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وجوبا؛ لوقوعه صفة لمصدر محذوف، تقديره: يحيي الله الموتى يوم القيامة إحياء مثل إحياء هذا القتيل ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين قصتي بني إسرائيل ردا على مشركي العرب المنكرين للبعث، كما سبق في مبحث التفسير ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿يُرِيكُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله ﴿آياتِهِ﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله كذلك: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ على كونها معترضة لا محل لها من الإعراب ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبرها،
стр. 670
وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها سيقت لتعليل الإرادة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿قَسَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء علامة تأنيث الفاعل ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فضربوه فحيي القتيل، ثم قست قلوبكم، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والأول أوضح وأولى ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقست ﴿فَهِيَ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿هي﴾ مبتدأ ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، أو الكاف اسم بمعنى مثل في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿الحجارة﴾ مضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة مفرّعة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى بل ﴿أَشَدُّ﴾ بالرفع معطوف على الكاف إذا كانت اسما، أو على ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ لأن الجار والمجرور في موضع رفع. وقرىء أشد بالفتح على أنه معطوف على الحجارة ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز نسبة منصوب بأشد ﴿وَإِنَّ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿مِنَ الْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم لأنّ ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ فعل مضارع ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، وتقدير الكلام: وإن الذي يتفجر منه الأنهار لكائن من الحجارة.
﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ الواو عاطفة ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿مِنْها﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر ﴿يَشَّقَّقُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، وتقدير الكلام: وإن الذي يشقق فيخرج منه الماء لكائن من الحجارة، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى
стр. 671
﴿فَيَخْرُجُ﴾ الفاء عاطفة ﴿يخرج﴾ فعل مضارع ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به ﴿الْماءُ﴾ فاعل ليخرج، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَشَّقَّقُ﴾ على كونها مستأنفة ﴿وَإِنَّ﴾ الواو عاطفة إِنَّ حرف نصب وتوكيد ﴿مِنْها﴾ خبر مقدم لإن ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿يَهْبِطُ﴾ فعل مضارع. وفاعل مستتر يعود على ما، والجملة صلة الموصول، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيهبط ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية ﴿مَا﴾ نافية حجازية تعمل عمل ليس ﴿اللَّهِ﴾ اسمها ﴿بِغافِلٍ﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف جر زائد، والباء زائدة، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية مستأنفة ﴿عَمَّا﴾ ﴿عن﴾ حرف جر ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر بعن، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: عما تعملونه، والجار والمجرور متعلق ﴿بِغافِلٍ﴾ ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلتها، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بعن، تقديره: وما الله بغافل عن عملكم، والجار والمجرور متعلق بغافل أيضا.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الذبح: قطع أعلى العنق. والنحر: طعن أسفله. والبقرة واحد البقر تقع على الذكر والأنثى، نحو: حمامة وحمام، والصفة تميّز الذكر من الأنثى. تقول: بقرة ذكر وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر الثور، نحو: ناقة وجمل، وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض؛ أي: يشقها بالحرث، أو بقرنه، ومنه: بقر بطنه إذا شقّه، ومنه سمي محمد الباقر، وهو محمد بن علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، وكان هو وأخوه زيد بن علي من العلماء الفصحاء.
وفي «المصباح» وبقرت الشيء بقرا من باب قتل، شققته وبقرته فتحته، والمراد بقرة مبهمة، كما هو ظاهر النظم، فكانوا يخرجون من العهدة بذبح أي بقرة كانت، كما في الحديث السابق، لكن ترتب على تعنتهم فسخ الحكم الأول بالثاني، والثاني بالثالث تشديدا عليهم، لكن لا على وجه ارتفاع حكم المطلق
стр. 672
بالكلية، بل على طريقة تقييده وتخصيصه شيئا فشيئا، ولا يصح أن يكون المراد من أول الأمر بقرة معينة، كما قيل: إذ لو كان كذلك لما عدّت مراجعتهم المحكية من قبيل الجنايات، بل كانت تعدّ من قبيل العبادات، فإن الامتثال للأمر بدون الوقوف على المأموريّة مما لا يتيسر. اه. من «أبي السعود». والمراد من تذبحوا بقرة؛ أن تذبحوها وتأخذوا بعضها وتضربوا به القتيل فيحيا فيخبركم بقاتله، ففي الكلام اختصار يدل عليه السياق ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ وفي «المصباح» هزأت به أهزأ مهموزا من باب تعب، وفي لغة من باب نفع سخرت منه، واسم المصدر منه الهزؤ بضم الزاي وسكونها؛ للتخفيف، وقرىء بهما في السبع. اه. أي أتصيرنا هزوا، وهزوا مفعول ثاني لتتخذنا، وفي وقوعه مفعولا ثلاثة أقوال:
أحدها: على حذف مضاف، أي: ذوي هزؤ.
والثاني: أنه اسم مصدر واقع موقع المفعول؛ أي مهزوا بنا.
والثالث: أنهم جعلوا نفس الهزؤ مبالغة وهذا أولى. اه. «سمين». ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ والعياذ والمعاذ: الاعتصام والالتجاء، والفعل.
منه عاذ يعوذ، وأصل أعوذ: أعوذ بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى العين، فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد ﴿أَكُونَ﴾ أصله: أكون، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فسكنت الواو وضمت الكاف فجعلت الواو حرف مد، كما مر في أعوذ ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ الجهل معروف وهو ضد العلم، والفعل منه جهل يجهل. قيل: وقد جمع على أجهال وهو شاذ. قال الشّنفرى:
ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى ... سؤولا بأطراف الأقاويل أنمل
ويحتمل أن يكون جمع جاهل، كأصحاب جمع صاحب، وهو أبلغ من قولك: أن أكون جاهلا، فإنّ المعنى أن أنتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ﴾ أصله: يقول بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد ﴿لا فارِضٌ﴾ الفارض: المسنّ التي انقطعت ولادتها من الكبر. يقال: فرضت من بابي قعد وكرم، والمصدر الفروض، والفرض القطع، ويقال لكل ما قدم وطال أمره: فارض، وكأنّ المسنة سمّيت
стр. 673
فارضة؛ لأنها فرضت سنّها؛ أي: قطعتها وبلغت آخرها. قال خفّاف بن ندبة:
لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا ... تساق إليه ما تقوم على رجل
ولم تعطه بكرا فيرضى سمينه ... فكيف تجازى بالمودّة والفضل
وفي «المختار» فرضت البقرة طعنت في السن، ومنه قوله تعالى: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ وبابه جلس وظرف. اه. فالمصدر فراضة وفروضا، كما في «القاموس» ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ والبكر: الصغيرة التي لم تلد من الصغر. وقال ابن قتيبة التي ولدت ولدا واحدا، والبكر من النساء التي لم يمسّها الرجل. وقال ابن قتيبة أيضا: هي التي تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى. قال الراجز:
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت منّي كذراع من عضد
والبكر بفتح الباء الفتى من الإبل، والأنثى بكرة، وأصله: من التقدم في الزمان، ومنه البكرة والباكورة ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ والعوان: النصف وهي التي ولدت بطنا أبو بطنين. وقيل: التي ولدت مرة. وفي «المصباح» العوان النصف في السن من النساء والبهائم، والجمع عون بضم العين وسكون الواو، والأصل: عون بضم الواو، لكن سكّن تخفيفا. اه. و ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان متوسط متصرف. تقول: هو بعيد بين المنكبين، ونقيّ بين الحاجبين. قال تعالى: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ودخولها إذا كانت ظرفا بين ما تمكن البينة فيه، والمال بين زيد وبين عمرو مسموع من كلامهم، وينتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها ما، أو الألف فيزول عنها الاختصاص بالأسماء، فيليها إذ ذاك الجملة الإسمية والفعلية، وربما أضيفت بينا إلى المصدر. ولبين في كتب الكوفيين باب معقود كبير. ذكره في «البحر».
﴿ما لَوْنُها﴾ واللون: عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر، كما مر. وجمعه على القياس ألوان، واللون أيضا النوع، ومنه ألوان الطعام؛ أي: أنواعه. وقالوا: فلان متلوّن إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد، ومنه قولهم: يتلون تلون الحرباء، وذلك أن الحرباء لصفاء جسمها أيّ لون قابلته ظهر عليها، فتنقلب من لون إلى لون ﴿صَفْراءُ﴾ والصّفرة: لون بين البياض والسواد وقياس الفعل من هذا المصدر صفر فهو أصفر وهي صفراء، كقولهم: شهب فهو أشهب
стр. 674
وهي شهباء، والهمزة في صفراء مبدلة من ألف، وذلك أن أصلها: صفرى كسكرى، فزيدت ألف قبل الألف الأخيرة؛ للمد كألف كتاب وغلام، فأبدلت الألف الثانية همزة. قال ابن مالك في الكافية:
من حرف لين آخر بعد ألف ... مزيد ابدل همزة وذا ألف
وهذا أشمل من قوله في الألفية: فأبدل الهمزة من واو ويا؛ لأنه لم يذكر الألف في ألفيته. وذكره في الكافية، حيث ذكر حروف اللين ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾؛ أي: شديد الصفرة. والفقوع بضم الفاء: نصوع الصفرة وخلوصها، فالفاقع شديد الصفرة وقد فقع لونه من بابي خضع ودخل. اه. «مختار» والفقوع أشدّ ما يكون من الصفرة وأبلغه يقال: أصفر فاقع ووارس، وأسود حالك وحايك، وأبيض نقق ولمق، وأحمر قاني وزنجيّ، وأخضر ناضر ومدهامّ، وأزرق خطباني وأرمك ردانيّ ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أصله: تسرر بوزن تفعل، نقلت حركة الراء الأولى إلى السين، فسكنت فأدغمت في الراء الثانية. والسرور: لذة في القلب عند حصول نفع، أو توقعه، أو رؤية أمر معجب رائق، ومنه السرير الذي يجلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت شبيها له به في الصورة وتفاؤلا بذلك. وقال قوم: السرور، والفرح، والحبور، والجذل نظائر، ونقيض السرور الغمّ ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ شاء أصله: شيء بوزن فعل بكسر العين، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ أصله: مهتديون جمع مهتد اسم فاعل من اهتدى، استثقلت الضمة على الياء فحذفت وسكنت الياء؛ فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمّت الدال؛ لمناسبة الواو، أو كما يقول بعضهم: نقلت حركة الياء إلى الدال والمؤدّى واحد ﴿لا ذَلُولٌ﴾ الذلول: الريض الذي زالت صعوبته. يقال: دابة ذلول بيّنة الذل بكسر الذال، ورجل ذليل بين الذلّ بضم الذال، والفعل ذلّ يذل والذّلّ بالكسر ضد الصعوبة، وبالضم ضدّ العزّ، والمراد به هنا الأول ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ الإثارة: الاستخراج والقلقلة من مكان إلى مكان قال النابغة:
يثرن الحصى حتّى يباشرن تربه ... إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
وأصل تثير: تثور بوزن تفعل واويّ العين، نقلت حركة الواو إلى الثاء،
стр. 675
فسكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياء حرف مد ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ والحرث: مصدر حرث يحرث وهو شقّ الأرض ليبذر فيها الحبّ، ويطلق على ما حرث وزرع، وهو مجاز في قوله تعالى: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ والحرث الزرع، والحرث الكسب، والحرائث الإبل الواحدة حريثة. وفي الحديث: (أصدق الأسماء الحارث)؛ لأنّ الحارث هو الكاسب، واحتراث المال اكتسابه. يقال: حرث من باب نصر وكتب.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ المسلمة: المخلصة المبرأة من العيوب. يقال: سلم له كذا؛ أي: خلص سلاما، وسلامة مثل لذاذا ولذاذة ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ والشّية: مصدر وشي الثوب يشيه وشيا وشية، إذا حسّنه وزيّنه بخطوط مختلفة الألوان، ومنه قيل للساعي في الإفساد بين الناس: واش؛ لأنه يحسّن كذبه عندهم حتى يقبل. والشية: اللّمعة المخالفة للون البدن، كما مر. ومنه ثور موشّى القوائم، والشية في الأصل: مصدر وشي من باب وعد وشيا وشية، إذا خلط لونا بلون آخر، والمراد هنا نفس اللون، والتصرّف فيها كالتصرف في عدة. اه. شيخنا. وفي «السمين» وشية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا وشية، فحذفت فاؤها؛ لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل ما في الباب عليه وعوّض عنها تاء التأنيث في المصدر، ووزنها علة، ومثلها صلة وعدة وزنة ومنه ثوب موشى؛ أي: منسوج بلونين فأكثر، وثور موشى القوائم؛ أي: أبلقها، ويقال: ثور أشيه، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، كلّ ذلك بمعنى أبلق. اه.
﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان يقتضي الحال ويخلص المضارع له عند جمهور البصريين، وهو لازم للظرفية لا يتصرّف غالبا بني؛ لتضمنه معنى حرف الإشارة، كأنك قلت: هذا الوقت؛ أو لتضمنه معنى حرف التعريف، كأنك قلت: الوقت الحاضر. واختلف في أل التي فيه، فقيل: للتعريف الحضوريّ. وقيل: زائدة لازمة. اه. «كرخي» وزعم الفراء أنه منقول من الفعل. يقال: آن يئين أينا؛ أي: حان ﴿جِئْتَ﴾ أصل الفعل: جيأ بوزن فعل من باب ضرب، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فصار جاء، فأسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرّك فسكّن آخره، فصار جاءت، فالتقى ساكنان الألف وآخر الفعل، فحذفت الألف فصار
стр. 676
جأت على وزن فلت، فاحتيج إلى معرفة عين الفعل المحذوفة، هل هي واو أو ياء؟ فحذفت حركة الفعل وعوّض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة وهي الكسرة، فقيل: جئت بوزن فلت، وهكذا كلّ ما كان من هذا الباب ﴿كادُوا﴾ أصل: كاد كود بوزن فعل بكسر العين يفعل بفتحها، بدليل قولهم: يكاد، تحركت الواو في الماضي وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فقيل: كاد، والدليل على أنّ أصل العين واو قولهم: كاد يفعل كذا كودا ومكادة؛ أي: قارب ولم يفعل ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها﴾ والقتل: نقض البنية بوجوه تنتفي الحياة عندها. فادرائتم: من الدرء وهو الدفع، كقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ وادّارأ تفاعل منه، ولمصدره حكم يخالف مصادر الأفعال التي أوّلها همزة وصل. ذكر في النحو. اه. «بحر». وأصله: تدارأتم بوزن تفاعل من الدرء وهو الدفع؛ أي: تدافعتم، فأدغمت تاء الافتعال في الدال التي هي فاء الفعل بعد أن أبدلت التاء دالا، ثم استجلبت همزة الوصل؛ للتوصل به إلى النطق بالساكن؛ يعني: الحرف المدغم، فقيل: ادارءتم. وعبارة «السمين» هنا: أصل ادارأتم: تفاعلتم من الدرء وهو الدفع، فاجتمعت التاء مع الدال وهما متقاربان في المخرج، فأريد الإدغام، فقلبت التاء دالا وسكنت لأجل الإدغام ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل؛ ليبتدأ بها، فبقي اددارأتم فأدغم. اه.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ فيه حذف همزة أفعل من اسم الفاعل، إذ القياس مؤخرج ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ أصله يحيي بوزن يفعل، حذفت منه همزة أفعل وسكنت ياؤه الأخيرة؛ للتخفيف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ مضارع الرباعي، والرؤية هنا بصرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولا ثانيا وهو آياته، والمعنى: ويجعلكم مبصرين آياته، والكاف هو المفعول الأول، وأصله: يرئيكم بوزن يفعل، نقلت حركة الهمزة عين الفعل إلى الراء فائه، ثم حذفت الهمزة تخفيفا، فقيل: يرى، فالعين من أرى الرباعي في الماضي والمضارع محذوفة دائما ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ القساوة والقسوة: غلظ القلب وصلابته وعدم لينه لقبول الخير. يقال: قسا يقسو من باب عدا قسوا، وقساوة وقسوة، وفيه إعلال بالحذف. أصله: قسو، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح، فلما اتصلت
стр. 677
بالفعل تاء التأنيث الساكنة التقى ساكنان الألف والتاء، فحذفت الألف ﴿أَشَدُّ﴾ أصله: أشدد بوزن أفعل صيغة تفضيل، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين، فسكنت فأدغمت في الدال الثانية ﴿يَشَّقَّقُ﴾ أصله: يتشقق، أبدلت التاء شينا وأدغمت في الشين. والشقّ: أن يجعل الشيء شقين وتشقق منه ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والخشية: الخوف مع تعظيم المخشيّ. يقال: خشي يخشى، كرضي يرضى ﴿وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ الغفلة، والسهو، والنسيان متقاربة. يقال: منه غفل يغفل، ومكان غفل لم يعلم به. اه. «بحر».
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرير للسؤال والجواب وهو داخل في باب الإطناب، كأنهم يكررون السؤال استكناها لحقيقة البقرة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأنّ قبل هذه الجملة جمل محذوفة، تقديرها: فطلبوها ووجدوها عند فتى بار لوالدته، فاشتروها فذبحوها.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ لأن هذه الجملة معترضة بين قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ وقوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال، تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسنا. وفائدة الاعتراض هنا: إشعار المخاطبين بأنّ الحقيقة ستنجلي لا محالة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ حيث شبه عدم الإذعان بالقسوة بجامع عدم قبول التأثير في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من القساوة قست بمعنى لم تذعن، فلم تقبل المواعظ ولم تؤثر فيها. اه. «صاوي» وقيل: فيه الاستعارة المكنية التبعية تشبيها لحال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بما هو ماثل أمامها، ناطق بلسان الحال بالحجارة النابية التي من خصائصها القسوة والصلابة.
стр. 678
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف، فقد شبّه قلوبهم في نبوّها عن الحق وتجافيها مع إحكامه بالحجارة القاسية، ثم ترقّى في التشبيه فجعل الحجارة أكثر لينا من قلوبهم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ حيث أطلق المحلّ الذي هو المجرى المسمّى بالنهر، وأراد الحالّ فيه وهو الماء، والقرينة حالية؛ لأن التفجر إنما يكون للماء لا للنهر.
ومنها: المجاز العقليّ في إسناد الخشية إلى الحجارة،؛ لأنه مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى، وأنها لا تمتنع عمّا يريد منها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد، ولا تلين، ولا تخشع، ولا تفعل ما أمرت به.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ومنه يرجى نجاح كل الآراب، لا سيما تفسير أفضل الكتاب (١).
* * *
стр. 679
شعر
العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ والربُّ ذُو قدَرٍ ... والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والعِلْمُ مَقْسُوم
والخَيْرُ أجْمعُ فيما اخْتار خالِقُنَا ... وفي اختيار سواه اللُّومُ والشُّوم
آخر
فَلَيْتَكَ تَحْلُو والحياةُ مَرِيْرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى والأنامُ غِضَابُ
ولَيْتَ الذي بَيْنِي وبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وبَيْني وبَيْنَ العَالَمِين خَرَابُ
آخر
فَزادِي قَلِيلٌ ما أُراه مُبلِّغي ... على الزادِ أبكي أم لِبُعْدِ مَسافَتي
أتَيْتُ بأعمالٍ قِبَاحٍ رَدِيئَةٍ ... وَمَا في الوَرى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايتي
стр. 680
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثاني»
стр. 681
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 682
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأوّلين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلّا في كتاب مبين. والصلاة والسلام على من أُوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشان، سيدنا محمد، الذي أجرى من مسجله ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم ببلاغته كُلَّ متكلّم مِنطيق، وفسَّر الآيات في الأنفس والآفاق، على مراد الله الملك الخلّاق، وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممَّن تخلَّق بالقرآن في كُلّ آنٍ وزمانٍ، صلاة وسلامًا دائمين بدوام المدى والأوان.
أمَّا بعد: فيقول العُبَيْد المعترف بذنبه وخَطاه، المنادي لربه في عفوه وعطاه، الراجي في إسبال سجاف النَّدى عليه، المناجي في إرسال رسول الهدى إليه، حفظه الله سبحانه وأخلَّاءه، وأعاذه وإيَّاهم من الشيطان الرجيم، وجعل يومه خيرًا من أمسه إلى الإياس من حياة نفسه، سميُّ محمد الأمين الهرريُّ.
إنّي لمّا فرغْتُ من تفسير المجلّد الأول على الحزب الأوّل من القرآن الكريم .. عزمتُ إن شاء الله تعالى على الشروع في المجلّد الثاني على الحزب الثاني، وقد قصدت أن أخُصَّ كلَّ حزب من الأحزاب الستِّين بمجلَّدٍ، فيكون الكتاب ستين مجلّدًا، ولكن ما أدري ما سيفعل بي ربّي، وإنْ كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كُلُّ ذمير، وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كُلُّ أميرٍ، وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليلٌ، كالنَّيرين لغير كليلٍ، ومع خطر هذا الأمر فالأمد قصير، وفي العبد تقصيرٌ، وكَمْ ترى مِنْ تَحْرِيرٍ كاملٍ في التحرير
стр. 686
والتقرير، قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل، وذلك بحلول ريب المنون، والأجل، أو بتطاول أيدي الزمان، فإنَّ الدنيا لا تصفو لشاربٍ، وإن كانت ماء الحيوان، وأيُّ وجودٍ لا ينسج عليه عناكب العاهات، وأيُّ نعيم لا يكدِّره الدهر، هيهات هيهات.
اللهم كما وفَّقتني في الأوَّل خيرًا كثيرًا؛ فيسِّر لي الأمر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا للفوز بجنّات النعيم، بحقِّ كتابك الكريم، ذلك الحمد في الأولى والعُقبى على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
والله أعلم
* * *
стр. 687
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لمَّا ذكر تعنُّت اليهود، وعدم انقيادهم لأمر الله تعالى ومجادلتهم للأنبياء .. أردف ذلك بذكر بعض قبائحهم التي ارتكبوها، كتحريف كلام الله تعالى، وادعائهم بأنّهم أحباب الله، وأنّ النار لن تمسَّهم إلّا أيّامًا معدودةً، وبدأ ذلك بتيئيس المؤمنين من إيمانهم؛ لأنّهم فُطِروا على الضلال، وجُبِلوا على العناد.
قال أبو حيان: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ...﴾ الآية، مناسبة ارتباط هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله تعالى لمَّا بيَّن أمر الفرقة الضالّة التي حرَّفت كتاب الله، وهم قد عقلوه وعلموا بسوء مرتكبهم، ثُمَّ بيَّن أمر الفرقة الثانية المنافقين، وأمر الثالثة المجادلة .. أخذ يُبيِّن أمر الفرقة الرابعة، وهي العامَّة وهي التي طريقها التقليد وقبول ما يقال لهم، قال أبو العالية، ومجاهد، وغيرهما: ومن هؤلاء
стр. 688
اليهود المذكورون، فالآية مُنبِّهة على عَامَّتِهم وأتباعِهم؛ أي: إنَّهم لا يُطْمَعُ إيمانُهم. انتهى.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...﴾ الآية، نزلت في الأنصار (١)، كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوارٌ ورضاعةٌ، وكانوا يودُّون لو أسلموا، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير، عن السُّدّيّ قال: نزلت في ناسٍ من اليهود آمنوا ثُمَّ نافقوا، وكانوا يأتون المؤمنين من العرب بما تحدَّثُوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا: نحن أحبُّ إلى الله منكم وأكرم على الله منكم، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت في أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي ﷺ ، مكتوبةً في التوراة: أَكْحَلُ أَعْيَنُ، رَبْعَةٌ، جَعْدُ الشعر، حَسَنُ الوجه، فَمَسَحُوا ذلك حسدًا وبغيًا، وقالوا: نجده طويلًا، أزرق، سَبِطَ الشعرِ.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك، عن ابن عباس قالوا: لن ندخل النار إلّا تَحِلَّة القسم الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلةً، فإذا انقضت انقطع عنّا العذاب، فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها:
стр. 689
أنّه (١) لمَّا كان النبي ﷺ ، وأصحابه شديدي الحرص على دخول اليهود في ساحة الدين الجديد، طامعين في انضوائهم تحت لوائه؛ لأنَّ دينهم أقرب الأديان إلى دينهم، في تعاليمهم، ومبادئه، وأغراضه، فهم شركوهم في الاعتقاد بالتوحيد، والتصديق بالبعث والنشور، وكتابهم مصدّقٌ لما معهم.
قصَّ الله في هذه الآيات على المؤمنين من أنبائهم، ما أزال به أطْماعهم وإياسهم من إيمانهم، بذكر ما يحدث من أسلافهم مع نبيِّهم موسى ﵇ بَيْنَ آنٍ وآخر، من تمرُّدٍ وعنادٍ، وجحود وإنكار، فتأتيهم الآية تِلْو الآية، ويحلُّ بهم من العقاب ما هم له أهلٌ، فيطلبون من موسى أن يدعو الله، ليرفع عنهم العذاب ويستجيبوا لدعوته، حتى إذا ما رفعه عنهم عادوا سيرتهم الأولى معاندين جاحدين، وقد بلغ من عنادهم أن قالوا له: لا نصدِّق بك، ولا نطيع أوامرك حتى نسمع كلام الله، ومناجاته إيّاك، فاختار موسى بأمر الله تعالى، سبعين رجلًا منهم لسماع الوحي، ومصاحبته حيث يناجي ربَّه، فسمعوا كلامه بطريقٍ نحن لا نعرفها، ولا ندرك كنهها، واستيقنوا مناجاته ربَّه، وسمعوا أوامره ونواهيه.
ثمَّ كان منهم أن حرَّفوا كلام الله الذي حضروا وحيه، وصرفوه عن وجهه بالتأويل والتحريف، وهذا مثبتٌ عندهم في التوراة، وهي كتابهم المقدَّس. فلا عجيب إذًا في إعراض الحاضرين عن هدى الله الذي جئتَ به، فالمعارضة والاستكبار دأبهم، ورثوهما من أسلافهم الذين كانوا يحرِّفون، ويبدّلون، ويكابرون وهم يشاهدون الدلائل الحسّية تَتْرى بين يدي موسى ﵇، فأَحْرِ بهم أن يَجْحَدُوا دينًا دلائله عقليَّةٌ، وآياته الكبرى معنويَّةٌ، وهو القرآن الكريم، بِمَا اشتمل عليه من تشريعٍ فيه سهولةٌ وتيسيرٌ للناس، وفيه فصاحةٌ أعجزت فُصحاءَ العرب عن محاكاته، لجأُوا إلى السيف والسِّنان، بعد أن أعجزتهم الحجَّة والبرهان، ثم ذكر حالًا أخرى لعلمائهم هي: أنَّ علماءهم وقعوا في الحيرة
стр. 690
والاضطراب حين مجيء الدين الجديد، أيتَّبعونه؟ ولكن رُبّما خذله أتباعه، أم يحتفظون بالقديم، ولكن رُبّما كسدت سوقه وقلَّ أنصاره، وقالوا: من الخير كل الخير أن نُوافق كُلَّ حزبٍ نَخْلُو به، ونعَتِذرَ إلى الحزبِ الآخر إذا عَرَف ما كان منَّا، حتى يَتبيَّنَ اتّجاهُ ريحِ السفينة.
أمَّا عامَّتهم: فلا علم لهم بشيء من الكتاب، وما عندهم من الدين إلّا ظُنونٌ أخذوها عن أسلافهم، دون أن يكون لديهم دليلٌ على صحتها أو فسادها، ومثل هذا لا يسمَّى عِلْمًا، إنّما العلم ما كان عن حجّة وبرهان، ولا يقبل الله إلّا العلم الصحيح في عقائد الأديان.
التفسير وأوجه القراءة
٧٥ - والخطاب في قوله (١): ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ للنبي ﷺ وأصحابه، وكان ﷺ ، شديد الحرص على الدعاء إلى الحق، وقبول الناس الإيمانَ منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمرّدهم، فقصَّ الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع نبيّهم، مع مشاهدة الآيات الباهرة منه؛ تسليةً لرسوله ﷺ فيما يظهر من أهل الكتاب، في زمانه، من قلّة القبول، والاستجابة. والطَّمَعُ: تَعلُّقُ النفس بإدراك ما تُحِبُّ تعلُّقًا قويًّا، وهو أشدُّ من الرجاء. والهمزة فيه للاستفهام الإنكاريِّ الاستبعاديِّ، وهو حمل المخاطب على الإنكار، بأمر علم عنده نفيه مع استبعاده؛ أي: لإنكار الواقع واستبعاده، كما في قولك: أتضرب أباك، لا لإنكار الوقوع، كما في قولك: أأضرب أبي، داخلةٌ على محذوف يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون بعد ذلك في إيمانهم. ومآل المعنى: أي: أَبَعْدَ أَنْ علمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤيسَة، من إيمانهم تطمعون في: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ جميع اليهود أو علماؤهم، فإنّهم متماثلون في شدّة الشَّكيمة والأخلاق الذميمة، لا يتأتَّى من
стр. 691
أخْلافِهم إلّا مِثْلُ ما أتى من أسلافهم، فلا تحزنوا على تكذيبهم، واللام في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ لتضمين معنى الاستجابة؛ أي: أتطمعون في إيمانهم مستجيبين لكم، أو للتعليل؛ أي: في أن يُحْدِثُوا الإيمانَ لأجل دعوتكم إيّاهم، والمعنى (١): أي: أتعلمون وتسمعون أخبارهم، فتطمعون، وترجون أيُّها النبيُّ والمؤمنون في أن يؤمن هؤلاء اليهود بواسطتكم، ويستجيبوا لكم، ويصدِّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ ، ﴿و﴾ الحال أنَّه ﴿قد كان فريق﴾ كائنٌ ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: طائفةٌ ممن سلف من اليهود. والفريق: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، كالرهط؛ أي: والحال أنَّ جماعة منهم، وهم أحبارهم ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يسمعون كلام الله في التوراة من موسى ﵇، ويقرؤونه بأنفسهم ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾؛ أي (٢): يغيِّرونه ويبدِّلون معناه؛ أي: يغيِّرون ما فيها من الأحكام، كتغييرهم صفة محمد ﷺ وآية الرجم. وقيل: كان قومٌ من السبعين المختارين، سمعوا كلام الله حين كلَّم موسى بالطور، وما أمر به ونهى عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: (إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس).
قال في "التيسير": الصحيحُ أنهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطةٍ، فإنَّ ذلك كان لموسى ﵇ على الخصوص، لم يشركه فيه غيره في الدنيا.
ومعنى يسمعون كلام الله؛ أي: التوراة من موسى بقراءته، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾؛ أي: من بعدما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم يبق لهم شبهةٌ في صحته؛ أي: يحرِّفونه من بعد تعقُّلهم، ومعرفتهم تأويله ومعناه بعقولهم؛ أي: لم يفعلوا (٣) ذلك عن خطأ ونسيان، بل فعلوه عن تعمُّد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم يعلمون أنّهم مبطلون، ومفترون كاذبون، وذلك كنعت محمد ﷺ ، فكانت صفته ﷺ في التوراة: أكحل العين، ربعة القامة، جعد الشعر، حسن
стр. 692
الوجه، فكتبوا بدلها: طويلًا، أزرق العين، سبط الشعر، وكآية الرَّجْم بدَّلوها بالجَلْد، وغير ذلك.
٧٦ - يقول سبحانه: كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلّدون أولئك الآباء، فهم من أهل السوء الذين مضوا بالعناد، فلا تطمعوا في الإيمان منهم، ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ أي اليهود ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أصحاب محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾ أي: منافقوهم ﴿آمَنَّا﴾ كإيمانكم، وأنَّ محمدًا هو الرسول المُبشَّر به؛ أي: إذا رأى منافقوا اليهود المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمَنَّا﴾ وصدَّقنا بما جاء به محمد ﷺ ، وبأنَّكم على الحق، وأن رسولكم هو المُبشَّر به في التوراة، وقرأ الجمهور (١): ﴿لَقُوا﴾ من لقى الثلاثي. وقرأ ابن السميقع: ﴿لاقَوا﴾ من باب فاعل الرباعي الذي هو بمعنى المجرد، فمعنى القراءتين هنا واحد.
قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفةً مُنْبئةً عن نوع آخر من قبائح اليهود، الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ ، وكاشفةً عمَّا أكنُّوه من النفاق، ويحتمل أن تكون جملةً حاليةً معطوفةً على قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية؛ أي: كيف يطمع في إيمانهم، وقد كان من أسلافهم من يحرِّف كلام الله، وهؤلاء سالكوا طريقتهم، وهم في أنفسهم منافقون يظهرون موافقتكم إذا لقوكم، وأنَّهم منكم، وهم في الباطن كفارٌ، فمن جمع بين هاتين الحالتين، من اقتدائهم بأسلافهم الضُّلَّال، ومنافقتهم للمؤمنين، لا يطمع في إيمانهم، والذين آمنوا هنا هم: أبو بكر، وعمر، وجماعةٌ من المؤمنين. قاله جمهور المفسّرين، وقال بعضهم: المؤمنون هنا: جماعة من اليهود، آمنوا وأخلصوا في إيمانهم، والضمير في: ﴿لَقُوا﴾ لجماعةٍ من اليهود غير معيَّنة، باقين على دينهم، أو لجماعةٍ منهم أسلموا ثُم نافقوا، أو لليهود الذين أمرهم رؤساؤهم من بني قريظة أن يدخلوا المدينة، ويتجسَّسُوا أخبار النبي ﷺ ، قالوا: ادخلوا المدينة، وأظهروا الإيمان، فإنّه نهى أن يدخل المدينة إلا مؤمنٌ. انتهى.
стр. 693
﴿وَإِذَا خَلَا﴾ أي: إذا مضى وذهب ورجع ﴿بَعْضُهُمْ﴾ الذين نافقوا؛ أي: إذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين، ورجعوا من عندهم متوجِّهين ومنضمِّين ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: إلى رؤسائهم الذين لم ينافقوا، بحيث لم يبق معهم غيرهم؛ أي: رجع (١) هؤلاء المنافقون من عند المؤمنين إلى رؤسائهم الذين لم ينافقوا، ولم يؤمنوا ظاهرًا، ككعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهما.
﴿قَالُوا﴾ أي: قال الرؤساء للمنافقين الذين جاءوا من عند المؤمنين موبِّخين، وعاتبين لهم على ما صنعوا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: أتحدّثون أيّها المنافقون، وتخبرون لأصحاب محمَّد ﷺ ، والهمزة للاستفهام الإنكاري المضمَّن للنهي؛ أي: لا تحدِّثوهم، يعني: المؤمنين. ﴿بِمَا فَتَحَ الله﴾ ، وبيَّنه لكم في التوراة خاصّةً، من نعت النبيِّ المَبشَّر به في التوراة، والتعبير عنه بالفتح؛ للإيذان بأنَّه سرّ مكنون، وبابٌ مُغْلَقٌ لا يقف عليه أحدٌ، والسلام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ متعلقة بالتحديث (٢)، لا بالفتح كما توهَّمه بعضهم، والضمير في به، لما فتح الله؛ أي: ليجادلوكم ويخاصموكم بما أخبرتموهم، بما فتح الله عليكم، ويحتجُّوا عليكم به، ويبكتوكم ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في الآخرة، أو في حكمه وكتابه، كما يقال: هو عند الله كذا؛ أي: في كتابه وشرعه، والمحدِّثون به، وإن لم يحوموا حول ذلك الغرض، وهو المحاجَّة، لكن فعلهم ذلك لمَّا كان مستتبعًا له ألبتة، جُعلوا فاعلين للغرض المذكور إظهارًا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم؛ أي (٣): أتحدِّثون أصحاب محمَّد ﷺ بما فتح الله عليكم في التوراة.
وبيَّنه لكم، ليخاصموكم ويحتجّوا عليكم بإخباركم، فيقولوا لكم: قد أقررتم أنّه نبيٌّ حقٌّ في كتابكم، فلم لا تتبعونه، وذلك: أنَّ اليهود قالوا لأهل المدينة، حين مشاورتهم في اتّباع محمَّد ﷺ : آمنوا به، فإنّه نبيّ حقّ، ثُمَّ لام بعضهم بعضًا، فقالوا: أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم، لتكون لهم الحجَّة عليكم، عند
стр. 694
ربّكم في الدنيا والآخرة. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخيّ العتابيّ، داخلةٌ على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون فلا تعقلون الخطأ الفاحش، وهو أنَّ ذلك حجّة لهم عليكم، فالمنكَر عدم التعقُّل ابتداءً، أو تفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه، حتى تحتاجون إلى التنبيه عليه، فالمُنْكر حينئذٍ عدم التعقّل بعد الفعل.
قال أبو حيان: قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ (١) موصولة، والضمير العائد عليها محذوف، تقديره: بما فتحه الله عليكم، وقد جوَّزوا في ﴿مَا﴾: أن تكون نكرةً موصوفة، وأن تكون مصدريَّة؛ أي: بفتح الله عليكم، والوجه الأوَّل هو الأولى، والذي تحدثوا به هو ما تكلَّم به جماعةٌ من اليهود من صفة رسول الله ﷺ ، قاله أبو العالية وقتادة، أو عُذِّب به أسلافهم، قاله: السدّيُّ، وقال مجاهد: إنّ رسول الله ﷺ ، قال لبني قريظة: "يا إخوة الخنازير والقردة"، فقال الأحبار لأتباعهم: ما عُرِفَ هذا إلّا عندكم.
وقال ابن زيد؛ كانوا إذا سئلوا عن شيء قالوا: في التوراة كذا وكذا، فكره ذلك أحبارهم، ونهوا عن الخلوة عنه. فعلى ما قاله أبو العالية: يكون الفتح بمعنى: الإعلام والإذكار؛ أي: أتحدِّثونهم بما أعلمكم الله به من صفة نبيّهم. ورواه الضحاك، عن ابن عباس. وعلى قول السدي يكون بمعنى: الحكم والقضاء؛ أي: أتحدِّثونهم بما حكم الله به على أسلافكم وقضاه من تعذيبهم. وعلى قول ابن زيد: يكون بمعنى: الإنزال؛ أي: أتحدِّثونهم بما أنزل الله عليكم في التوراة. وقال الكَلْبِيُّ: المعنى: بما قضى الله عليكم، وهو راجع لمعنى الإنزال. وقيل المعنى: بما بيَّن الله لكم من أمر محمَّد ﷺ وصفته، وشريعته، وما دعاكم إليه من الإيمان به، وأخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه ونصرته.
وقيل المعنى: بما مَنَّ الله عليكم من النصر على عدوّكم، ومن تأويل كتابكم. والسلام في قوله: ﴿ليحاجوكم﴾ لام كي، والنصب بأن مضمرةٍ بعدها،
стр. 695
وهي جائزة الإضمار، إلاَّ إن جاء بعدها لا، فيجب إظهارها، وهي متعلِّقةٌ بقوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ فهي لام جرٍّ، وتُسمَّى لام كي، بمعنى: أنّها للسبب، كما أنَّ كي للسبب، ولا يعنون أنَّ النصب بعدها بإضمار كي، وإن كان يصحّ التصريح بكي، فتقول: لكي أكرمك؛ لأنّ الذي يضمر إنَّما هو أنْ، لا كَيْ، وقد أجاز ابن كيسان، والسيرافي: أن يكون المضمر بعد هذه اللام كي، أو أن، وذهب الكوفيون: إلى أنَّ النصب بعده اللام؛ إنّما هو بها نفسها، وأنَّ ما يظهر بعدها من كي، وأن؛ إنَّما ذلك على سبيل التأكيد، وتحرير الكلام في ذلك مذكورٌ في مبسوطات كتب النحو فراجعها. انتهى. وذهب بعض المعربين: إلى أنَّ اللام تتعلَّق بقوله: فتح، وليس بظاهرٍ؛ لأنَّ المُحَاجَّة ليست علةً للفتح، إنّما المحاجة ناشئةٌ عن التحديث، والضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ عائدٌ (١) إلى ما في قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله﴾، وبهذا يبعد قول من ذهب إلى أنَّ ﴿مَا﴾ مصدريّة؛ لأنَّ المصدريّة لا يعود عليها ضمير، وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ معمولٌ لقوله ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ والمعنى: ليحاجُّوكم به في الآخرة، فكنى بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عن اجتماعهم بهم في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾، وقيل: معنى ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في ربّكم، فيكونون أحقَّ به، فتكون عند بمعنى: في، وقيل: هو على حذف مضاف؛ أي: ليحاجُّوكم عند ذكر ربّكم، وقيل معناه: أنّه جعل المحاجَّة في كتابكم محاجَّةً عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله كذا، وهو عند الله كذا بمعنى واحدٌ، وقيل: هو معمولٌ لقوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ عند ربّكم؛ أي: من عند ربّكم ليحاجُّوكم، وهو بعث النبي ﷺ ، وأخذ ميثاقهم بتصديقه. قال ابن أبي الفضل: وهذا القول هو الصحيح؛ لأنّ الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا. انتهى.
والأولى: حمل اللفظ على ظاهره من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ إذا أمكن ذلك، وقد أمكن حمل قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ على بعض المعاني التي ذكرنا.
стр. 696
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: ظاهره أنّه مندرج تحت قول من قال: أتحدّثونهم بما يكون حجّةً لهم عليكم؟ أفلا تعقلون! فلا تحدّثونهم بذلك. وقيل: هو خطابٌ من الله للمؤمنين؛ أي: أفلا تعقلون! أنَّ هؤلاء اليهود لا يؤمنون، وهم على هذه الصفات الذميمة من اتّباعِ أسلافهم المحَرِّفين كلامَ الله، والتقليدِ لهم فيما حرَّفوه، وتظاهرهم بالنفاق، وغير ذلك بما نُعِيَ عليهم ارتكابُهُ.
وفي "الخازن" (١): نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قال ابن عباس ﵄: - (إنّ منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لهم: آمنّا بالذي آمنتم به، وإنّ صاحبكم صادقٌ، وقوله حق، وإنّا نجد نعته في كتابنا)، قال تعالى ردًّا عليهم:
٧٧ - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: اللائمون، أو المنافقون، أو كلاهما ﴿أَنَّ اللهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾؛ أي: ما يخفون من التكذيب بمحمّد ﷺ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: وما يظهرون من التصديق له ﷺ ، أو من إخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره، فيرتدعوا عن ذلك. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ للاستفهام التقريري، داخلةٌ على مقدّر ينساق إليه الذهن. والواو عاطفة ما بعدها على ذلك المقدَّر (٢)، وضمير الفاعل للموبِّخين، والتقدير: أيلومونهم على التحديث بما ذكر مخافة المحاجة، ولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؛ أي: بجميع ما يسرّونه وما يعلنونه، ومن ذلك إسرارهم الكفر، وإعلانهم الإيمان، فحينئذٍ يظهر الله للمؤمنين ما أرادوا إخفاءه بواسطة الوحي إلى النبي ﷺ ، فتحصل المحاجَّة والتبكيت، كما وقع في آية الرجم، وتحريم بعض المحرّمات عليهم، فأيُّ فائدةٍ في اللوم والعتاب؟
قال أبو حيان: قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ توبيخ من الله تعالى لهم (٣)؛ أي: إذا كان علم الله محيطًا بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن
стр. 697
ينافقوا، ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم الله منهم خلافه؟ فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأنّ الله عالم بذلك، والأولى حمل ما يسرّون وما يعلنون على العموم إذ هو ظاهر اللفظ. وقيل: الذي أسرُّوه الكفر، والذي أعلنوه الإيمان. وقيل: العداوة والصداقة. وقيل: قولهم لشياطينهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾، وقولهم للمؤمنين ﴿آمَنَّا﴾ وقيل: صفة النبي ﷺ ، وتغيير صفته إلى صفة أخرى حتى لا تقوم عليهم الحُجّة. وقرأ ابن محيصن (١) (أو لا تعلمون) بالتاء، قالوا: فيكون ذلك خطابًا للمؤمنين، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية، ويحتمل أن يكون خطابًا لهم، وفائدته: التنبيه على سماع ما يأتي بعد، ثُمَّ أعرض عن خطابهم، وأعاد الضمير إلى الغيبة إهمالًا لهم، فيكون ذلك من باب الالتفات، ويكون حكمته في الحالتين ما ذكرناه.
٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن اليهود رهْطٌ ﴿أُمِّيُّونَ﴾ لا يحسنون الكتْب، ولا يقدرون على القراءة جمع أمّيّ، والأُمِّيُّ: من لا يكتب ولا يقرأ، منسوبٌ إلى أمّة العرب، وهي الأمة الخالية عن العلم والقراءة، فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة أو إلى الأُمّ؛ لأنّه على حالة ولادة أُمّه، وظاهر الكلام أنّها نزلت في اليهود المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، قاله ابن عباس. وقيل: في المجوس، قاله عليُّ بن أبي طالب. وقيل: في اليهود والمنافقين، وقال عكرمة، والضحاك: في نصارى العرب، فإنَّهم كانوا لا يحسنون الكتابة. وقيل: في قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، فصاروا أمّيِّين؛ لجحودهم الكتاب، فصاروا بمنزلة من لا يحسن شيئًا، والقول الأوّل هو الأظهر؛ لأنَّ سياق الكلام إنما هو مع اليهود، فالضمير لهم، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: ﴿أُمِّيُّونَ﴾ بتخفيف الميم؛ أي: ومن (٢) اليهود جهلةٌ لا يكتبون ولا يقرؤون، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: لا يعرفون التوراة بكتابةٍ ولا قراءةٍ، وطريقتهم التقليد،
стр. 698
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؛ أي (١): إلا ما هم عليه من أمانيَّ وأكاذيب، وأحاديث مُختلقَةٍ يسمعونها من كبرائهم، والأمانيُّ جمع أُمنيَّةٍ بتشديد الياء فيهما وبتخفيفها فيهما، وهي في الأصل: ما يُقدِّره الإنسان في نفسه من مُنًى إذا قدَّر، ولذلك تطلق على الكذب، وعلى ما يتمنَّى، وعلى ما يقرأ، والاستثناء (٢) فيه منقطعٌ؛ لأنّها ليست من جنس الكتاب؛ أي: لكن الشهوات الباطلة ثابتةٌ عندهم، وهي المفتريات من تغيير صفة محمَّد ﷺ ، وأنَّهم لا يعذَّبون إلّا أيامًّا معدودة، وأنَّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّ الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم، ولا حُجَّة لهم في ذلك، والمعنى؛ أي: لكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدًا من المحرّفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم، من أنّ الجنّة لا يدخلها إلّا من كان هودًا، إلى غير ذلك. وقيل المعنى: إلّا ما يقرؤون قراءة عارية من معرفة المعنى، وتقدّم لك قريبًا أنّ الاستثناء هنا منقطع؛ لأنّ الأماني ليست من جنس الكتاب، ولا مندرجة تحت مدلوله، وهو (٣) أحد قسمي الاستثناء المنقطع، وهو الذي يتوجَّهُ عليه العامل. ألا ترى أنَّه لو قيل: لا يعلمون إلّا أماني لكان الكلام مستقيمًا، وهذا النوع من الاستثناء يجوز فيه وجهان:
أحدهما: النصب على الاستثناء وهي لغة أهل الحجاز.
والوجه الثاني؛ الاتباع على البدل بشرط التأخُّر وهي لغة تميم، فنصب أمانيّ هنا يصحُّ من الوجهين.
والمعنى: إلّا ما هم عليه من أمانيِّهم، وأمانيُّهم أنّ الله يعفو عنهم، ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، إلى غير ذلك ما مرّ، أو ما يُمنِّيم أحبارهم من أنَّ النار لا تمسُّهم، إلّا أيّامًا معدودة، أو لا يعلمون إلّا أكاذيب مختلقةً سمعوها من علمائهم نقلوها على التقليد، قاله ابن عباس، ومجاهد، واختاره
стр. 699
الفرَّاء. وقيل معناه: لا يعلمون إلّا تلاوةً؛ أي: لا يعلمون فقه الكتاب، ومعناه: إنّما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم. قال أبو مسلم: حمله على تمنِّي القلب أولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَمَانِيَّ﴾ بالتشديد. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، وابن جمَّاز عن نافع، وهارون عن أبي عمرو: ﴿أَمَانِيَّ﴾ بالتخفيف، جمعه على أفاعل، ولم يعتدَّ بحرف المدّ الذي في المفرد. قال أبو حاتم: كُلُّ ما جاء من هذا النحو واحده مشددٌ فلك فيه التشديد والتخفيف، مثل: أثافي، وأغاني، وأماني، ونحوها. قال الأخفش: هذا كما يقال: في جمع مفتاح مفاتيح ومفاتح. وقال النحَّاس: الحذف في المعتل أكثر، كما قال:
وَهَلْ رَجَّعَ التَّسْلِيمَ أوْ يَكْشِفُ العَمَى ... ثَلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ
﴿وَإِنْ هُمْ﴾ (٢)؛ أي: وما هم في جحد نبوّة محمد ﷺ ، وغيره ممَّا يختلقونه ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: إلّا ظانُّون ظنًّا وتوهُّمًا لا أصل له فيجحدون نبوته بالظنّ، وليسوا على يقين، إلّا ما سمعوا من المحرِّفين أحبارهم، والمعنى؛ أي: ما هم إلّا قومٌ قصارى أمرهم الظنُّ والتقليد من غير أن يصلوا إلى مرتبة العلم، فأنَّى يُرْجَى منهم الإيمان المُؤسَّس على قواعد اليقين.
قال أبو حيان: و ﴿إِنْ﴾ (٣) هنا هي: النافية بمعنى ما، و ﴿هُمْ﴾ مرفوع بالابتداء، و ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ في موضع الخبر وهو من الاستثناء المفرَّغ، وإذا كانت إن نافية فدخلت على المبتدأ والخبر لم تعمل عمل ما الحجازيّة؛ لانتقاض نفيها هنا بإلا الاستثنائيّة، ومن أجاز شَرَطَ نَفْيَ الخبرِ وتأخيرَهُ، والصحيح أنّه لا يجوز إعمالها؛ لأنّه لم يحفظ من ذلك إلا بيتٌ نادرٌ، وهو قوله:
стр. 700
إنْ هُو مُسْتَوْلِيًا عَلَى أحدِ ... إلّا عَلَى أضْعَفِ المَجَانِين
وأتى بالخبر فعلًا مضارعًا ولم يأت باسم الفاعل؛ لأنّه يدلُّ على حدوث الظنّ وتجدده لهم شيئًا فشيئًا، فليسوا ثابتين على ظنّ واحد، بل يتجدَّد لهم ظنونٌ دالةٌ على اضطراب عقائدهم، واختلاف أهوائهم.
وفي هذه الآية (١): دليلٌ على أن المعارف كسبيَّةٌ، وعلى بطلان التقليد، وعلى أنّ المغترَّ بإضلال المُضِلّ مذمومٌ، وعلى أنَّ الاكتفاء بالظنّ في الأصول غير جائز، وعلى أنَّ القول بغير دليل باطلٌ، وعلى أنَّ ما تساوى وجوده وعدمه لا يجوز المصير إلى أحدهما إلّا بدليل سمعيّ، وتمسَّك بها أيضًا منكروا القياس وخبر الواحد؛ لأنَّهما لا يفيدان العلم. ثُمَّ ذكر الله ، جريمة هؤلاء الرؤساء المُضلين الذين أضلُّوا العوامَّ،
٧٩ - فقال: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: عذابٌ شديد، أو وادٍ في جهنّم، والويل كلمةٌ يقولها كُلُّ مَنْ وقع في هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب؛ أي: عقوبةٌ عظيمةٌ وهلكةٌ شديدة، أو هو وادٍ في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره، كما روي عن أبي سعيد الخدريِّ. وقال سعيد بن المسيّب إنه وادٍ في جهنّم لو سُجّرت فيه جبال الدنيا، لذابت من شدّة حرّه. رواه الترمذي وغيره مرفوعًا. وهو مبتدأ خبره ما بعده، وسوَّغ الابتداء به مع كونه نكرة؛ ما فيه من معنى الدعاء، إذ الدعاء أحد المسوغات للابتداء بالنكرة، وهي تقارب ثلاثين مسوّغًا، كما هو مبسوط في كتب النحو؛ أي: فعذابٌ شديدٌ وعقوبةٌ عظيمة كائنة ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يُحرِّفون التوراة عمَّا أنزلت عليه، ويكتبونه كتابةً مختلقةً من عند أنفسهم موافقةً لهواهم، وهم أحبار اليهود، وقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تأكيدٌ؛ لأنَّ الكتابة لا تكون إلّا بالأيدي؛ أو لأنّه يحتمل أن يأمر غيره بأن يكتب، فقال: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ لرفع هذه الشُّبهة، والمراد (٢) بالذين يكتبون الكتابَ اليهودُ، وذلك أنَّ رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم، وزوال رياستهم حين قدم النبيُّ ﷺ المدينة، فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن
стр. 701
الإيمان به، فعمدوا إلى صفته في التوراة فغيَّرُوها، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعةً؛ أي: متوسِّط القامة، فغيروا ذلك وكتبوا مكانه: طويلٌ أزرق العينين، سبط الشعر؛ أي: جعده، وكانوا إذا سألتهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا، فيجدونه مخالفًا لصفته ﷺ فيكذبونه.
والكتابة معروفة ويقال: أوّل من كتب بالقلم إدريس ﵇. وقيل: آدم أبو البشر ﵇. وقيل: كتبوا في التوراة ما يدلُّ على خلاف صفة رسول الله ﷺ ، وبثُّوها في سفهائهم، وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل، وصار سفهاؤهم ومن يأتيهم من مشركي العرب إذا سألوهم عن صفة رسول الله ﷺ يقولون: ما هو هذا الموصوف عندنا في التوراة المبدَّلة المغيَّرة، ويقرؤونها عليهم، ويقولون: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله ليشتروا بها ثمنًا قليلًا. وقيل: خاف ملوكهم على ملكهم إذا آمن الناس كُلُّهم، فجاؤوا إلى أحبار اليهود فجعلوا لهم عليهم وضائع ومآكل، وكشطوها من التوراة وكتبوا بأيديهم كتابًا، وحلَّلوا فيه ما اختاروا، وحرَّموا ما اختاروا.
وقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال أبو حيان: تأكيدٌ يَرْفَعُ توهُّمَ المجاز؛ لأنّ قولك: زيد يكتب، ظاهره أنّه يباشر الكتابة، ويحتمل أن يُنسب إليه على طريقة المجاز، ويكون آمرًا بذلك، كما جاء في الحديث: (إن رسول الله ﷺ كتب)، وإنّما المعنى أمر بالكتابة؛ لأنّ الله تعالى قد أخبر أنّه النبيُّ الأمّيُّ، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ ونظير هذا التأكيد ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ و ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقوله:
نظَرْتَ فلم تَنْظُر بَعْينيك مَنْظرًا
فهذه كلَّها أُتى بها؛ لتأكيد ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ ولرفع المجاز الذي كان يحتمله، وفي هذا التأكيد أيضًا تقبيحٌ لفعلهم إذ لم يكتفوا بأن يأمروا بالاختلاق والتغيير، حتى كانوا هم الذين تعاطوا ذلك بأنفسهم واجترحوه بأيديهم ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لأتباعهم (١) وسفلتهم الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قُرىء لهم، ومعمول
стр. 702
القول هذه الجملة التي هي قوله: ﴿هَذَا﴾ المحرَّف هو الذي أنزل ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ في التوراة، وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾ علة في القول وهي لام كي، وهي مكسورة؛ لأنّها حرف جرّ فيتعلَّق بيقولون. وبنو العنبر يفتحون لام كي، قاله مكّيٌّ في "إعراب القرآن" له، وقد أبعد من قال: إنها متعلِّقة بالاستقرار، وقوله: ﴿بِهِ﴾ متعلّق بقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا﴾، والضمير عائد على الذي أشاروا إليه بقولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو المكتوب المحرَّف؛ أي: يقولون هذا المحرَّف من عند الله، ليأخذوا لأنفسهم بمقابلة المحرف من سفلتهم، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا لا يُعْبأَ به من الدنيا، وهو ما أخذوه من الرُّشَا في مقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ. وإنّما عبَّر عن (١) المشترى الذي هو المقصود بالذات في عقد المعاوضة، بالثمن الذي هو وسيلةٌ فيه؛ إيذانًا بتعكيسهم، حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة، والوسيلة مقصودة بالذات، وإنّما وصفه بالقلّة؛ إمّا لفنائه وعدم ثوابه، وإمّا لكونه حرامًا؛ لأنّ الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله تعالى. كذا في "تفسير القرطبي".
وقد جمعوا (٢) في هذا الفعل أنّهم ضلوا وأضلُّوا، وكذبوا على الله، وضمُّوا إلى ذلك حُبَّ الدنيا، وهذا الوعيد مرتَّب على كتابة الكتاب المحرَّف، وعلى إسناده إلى الله تعالى وكلاهما منكرٌ، والجمع بينهما أنكر، وهذا يدلُّ على تحريم أخذ المال على الباطل، وإن كان برضا المعطي ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾؛ أي: العقوبة العظيمة ثابتةٌ لهم ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: من أصل كتابهم إيّاه ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ﴾؛ أي: عذابٌ شديد حاصلٌ لهم ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: من أصل كسبهم وأخذهم الرشوة، وعملهم المعاصي، وأصل الكسب: الفعل لجر نفعٍ أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به .
وكتابتهم (٣) مقدّمةٌ نتيجتها كسب المال الحرام، فلذلك كرَّر الويل في كل
стр. 703
واحد منهما؛ لئلّا يتوهم أنَّ الوعيد هو على المجموع فقط، فكل واحد من هذين متوعَّد عليه بالهلاك، وظاهر الكسب هو ما أخذوه على تحريفهم الكتاب من الحرام، وهو الأليق بمساق الآية، وقيل المراد: بما يكسبون الأعمال السيّئة، والمعنى: فويلٌ لهم لأجل ما كتبته أيديهم من الكتاب المحرَّف، وويل لهم لأجل ما يصيبونه ويأخذونه من سفلتهم، ومن الرُّشا والحرام على تحريفهم.
وفي الآيات إشاراتٌ (١):
الأولى: أنَّ علم الرجل، ويقينه، ومعرفته، ومكالمته مع الله لا يفيده الإيمان الحقيقيّ، إلّا أن يتداركه الله سبحانه بفضله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ وأنَّ الله تعالى كلَّم إبليس وخاطبه بقوله: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وما أفاده ذلك الإيمان الحقيقيُّ، إذ لم يكن مؤيَّدًا من الله بفضله ورحمته، ولم يبق على الإيمان بعد العيان، فكيف يؤمن بالبرهان.
والثانية: أنَّ العالم المعاند، والعاميَّ المُقلِّد سواءٌ في الضلال؛ لأنَّ العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكنٌ من العلم، وأنَّ الدين ليس بالتَّمَنِّي، فالذين ركنوا إلى التقليد المحض واغترُّوا بظنونٍ فاسدةٍ، وتخميناتٍ مبهمةٍ، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلّا قراءتها دون معرفة معانيها، وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدّعي الإِسلام بلا معرفة قواعده، وامتثال مأموراته واجتناب منهيّاته، فالمدَّعي والمُتمنِّي عاقبتهما خسرانٌ وضلالٌ، وحسرةٌ وندامة، ووبال وأنكال.
والثالثة: أنَّ من بدَّل، أو غيَّر، أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخلٌ في الوعيد المذكور، وقد حذَّر رسول الله ﷺ أمته عن ذلك؛ لما علم ما يكون في آخر الزمان، فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين
стр. 704
وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، كلّها في النار إلّا واحدةً".
فحذَّرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله، أو سنّة رسوله ﷺ ، أو سنّة خلفائه، فيضلُّوا به الناس، وقد وقع ما حذره، وشاع، وكثر، وذاع، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
فعلى العاقل أن يجتهد في الوصول إلى الحق، ويتخلَّص من الموهوم الباطل، ولا يغترَّ بظواهر الحالات غافلًا عن بطون الاعتبارات، فإنَّ طريق الحق أدقُّ من كُلِّ دقيقٍ، وماءٍ عَمِيقٍ، وفجٍّ سحيقٍ، وأجهلُ (١) الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شكّ فيها، لظنِّ ما عند الناس من صلاحية حاله.
قال الحارث المحاسبيُّ رحمه الله تعالى: الراضي بالمدح الباطل كمن يهزأ به، ويقال له: إنّ العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحةٌ كرائحة المسك، وهو يفرح ويرضى بالسُّخرية به، فالعاقل لا يغترُّ بمثله، بل يجتهد إلى أن يصل إلى رضا ربّه، ويفتح له باب قربه بأن يكون سمعه، وبصره، ولسانه، ورجله، ويده التي يبطش بها، فويلٌ لواعظٍ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده، ورأى نفسه خيرًا من السامعين، ويتقيَّد بالمدح والذمّ، اللهم إلّا أن يخرج ذلك من قلبه، والمعيار مساواة المقبِّل، واللَّاطم عنده، بل رجحان اللاطم والضارب عنده. قال الجُنيد البغداديُّ في مجلس وعظه: لو لم أسمع قول النبي ﷺ : "إن الله يؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر لما اجترأت على الوعظ، فأنا ذلك الرجل الفاجر. اهـ. ولمَّا أوعدهم رسول الله ﷺ بالنار عند تكذيبهم إيّاه
٨٠ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت اليهود زعمًا منهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾؛ أي: لن تصيبنا النار، ولن تصل إلينا في الآخرة ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي: أيامًا قلائل محصورةً يسهل عدُّها قدر سبعة أيّام، فإنّهم يقولون: إنّ أيّام الدنيا سبعة آلاف سنة، فنعذَّب مكان كُل ألف سنةٍ يومًا واحدًا، أو قدر أربعين يومًا مقدار عبادة آبائهم العجل، ثم يزول عنّا العذاب.
стр. 705
قال أبو منصور - رحمه الله تعالى -: تُصرف الأيام المعدودة إلى العمر الذي عصوا فيه، وهم لم يروا التعذيب إلّا على قدر وقت العصيان، أو كانوا لا يرون التخليد في النار كالجهميِّ، أو لأنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه فلا نعذَّب أبدًا، بل نُعذَّب تعذيب الأب ابنه، والحبيب حبيبه في وقت قليل ثم يرضى. وهذا منهم باطل، وعقوبة الكفر مؤبَّدة، وثواب الإيمان كذلك؛ لأنَّ من اعتقد دينًا إنّما يعتقده للأبد، فعلى ذلك جزاؤه للأبد. وروي أنَّ سبب (١) نزول هذه الآية: أنّهم زعموا أنّهم وجدوا في التوراة مكتوبًا: إنَّ ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، قالو: إنّما نعذّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنّم وتهلك. روي ذلك عن ابن عباس. وقيل: إن النبي ﷺ قال: "إنّ اليهود من أهل النار" فقالوا: نحن، ثُمَّ تخلفوننا أنتم، فقال: "كذبتم لقد علمتم أنَّا لا نخلفكم" فنزلت هذه الآية.
والضمير في قوله (٢): ﴿وَقَالُوا﴾ عائد على الذين يكتبون الكتاب، جمعوا إلى تبديل كتاب الله وتحريفه، وأخذهم به المال الحرام، وكذبهم على أنّه من عند الله، الإخبار بالكذب البحت عن مدّة إقامتهم في النار.
فإن قلت (٣): لِمَ قال هنا ﴿مَعْدُودَةً﴾ بالإفراد، وفي آل عمران ﴿معدودات﴾ بالجمع؟.
قلت: إشارةً إلى الجمع بين الأصل والفرع، إذ الأصل في الجمع بالألف والتاء: إذا كان واحده مذكّرًا أن يقتصر في الوصف على تأنيثه مفردًا، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ وقد يقال: (سرر مرفوعات) على الجمع، فهو فرعٌ عن الأول، فذكر في البقرة على الأصل؛ لكونها أوّل، وفي آل عمران على الفرع؛ لكونها آخرًا، ثُمَّ قال تعالى رَدًّا عليهم وتكذيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد!