← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أي: ذليلين مطرودين عن الرحمة والشرف. وأصل هذه القصة (١): أنهم كانوا في زمن داود ﵇ بأرض يقال لها: أيلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم، فحرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك، إمّا ابتلاء لأولئك القوم، وإما لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس بن متى، في كل سبت يجتمعن لزيارتها، ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها، وإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شيء منها، ثمّ إن الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال من أهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرون على الخروج؛ لبعد عمقها؛ وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد يصطادونها، فأخذوا، وأكلوا، وملّحوا، وباعوا، فكثرت أموالهم، ففعلوا ذلك زمانا أربعين سنة، أو سبعين لم تنزل عليهم عقوبة، وكانوا يتخوّفون العقوبة، فلمّا لم يعاقبوا استبشروا وتجرّءوا على الذنب، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، ثم أستنّ الأبناء سنة الآباء، فلو أنهم فعلوا ذلك مرة أو مرتين لم يضرهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحوا من سبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا فنهوهم عن ذلك، وقالوا: يا قوم! إنكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم البلاء، فلم يتعظوا وأبوا قبول نصحهم، فعاقبهم الله بالمسخ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ثمّ إنّ المجرمين لما أبوا قبول النصح قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار وصيّروها بذلك ثنتين، فلعنهم داود، وغضب الله عليهم؛ لإصرارهم على المعصية، فمسخوا ليلا، فلما أصبح الناهون أتوا أبوابها فإذا هي مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان،

стр. 632

فتسوّروا الحيطان ودخلوا، فرأوهم قد صار الشّبّان قردة، والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن ذلك، فكانوا يشيرون برؤوسهم؛ أي: نعم والدموع تفيض من أعينهم، ودلّ ذلك على أنهم لمّا مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل، ثمّ لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء، بل كانت قبلهم قردة، وهؤلاء حولوا إلى صورتها؛ لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم، وماتوا بعد ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا، والقردة التي في الدنيا: هي نسل قردة كانت قبلهم ٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها﴾ (١)؛ أي: صيّرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عبرة تنكل من اعتبر بها؛ أي: تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾؛ أي: لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون؛ لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين واعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: تذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متّق سمعها، فاللام للاستغراق العرفيّ على كلا التقديرين، وخصّ المتقين بالذكر؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمعنى: ﴿فَجَعَلْناها﴾؛ أي (٢): جعلنا تلك العقوبة، والمسخة التي مسخناهم بها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عقوبة رادعة زاجرة ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾؛ أي: للأمم التي في زمانها، التي ترى تلك الفرقة الممسوخة عن الإتيان بمثل فعلهم ﴿وَما خَلْفَها﴾؛ أي: وزاجرة للأمم التي تأتي بعدها إلى يوم القيامة أن يعملوا بمثل ما عملوا، فيمسخوا مثل ما مسخوا ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: عبرة وتذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ المؤمنين من هذه الأمة؛ لئلّا يفعلوا مثل فعلهم؛ فإن كلّ من سمع تلك الواقعة يخاف أن ينزل به مثل ما نزل بهم إن فعل مثل فعلهم، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمن اليهود،

стр. 633

والنصارى، والصابئين، ومؤمن غيرهم في كينونة الأجر لهم، وأن ذلك عند من يرى أن إيمانهم في الدنيا أنتج لهم الأمن في الآخرة، فلا خوف مما يستقبل، ولا حزن على ما فات، إذ من استقر له أجره عند ربه فقد بلغ الغاية القصوى من الكرامة. انتهى. من «البحر». واعلم: أن عقوبة الأمم الماضية بالخسف والمسخ على الأجساد، وعقوبة هذه الأمة على القلوب، وعقوبات القلوب أشدّ من عقوبات النفوس. قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ...﴾ الآية. ثم علامة (١) مسخ القلوب ثلاثة أشياء: لا يجد حلاوة الطاعة، ولا يخاف من المعصية، ولا يعتبر بموت أحد، بل يصير أرغب في الدنيا كل يوم. كذا في «زهرة الرياض». وروي عن عوف بن عبد الله أنه قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. وقال محمد بن علي الترمذي: صلاح أربعة أصناف في أربعة مواطن: صلاح الصبيان في الكتّاب، وصلاح القطّاع في السجن، وصلاح النساء في البيوت، وصلاح الكهول في المساجد. انتهى. الإعراب ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! إذ قلتم ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ونفي واستقبال ﴿نَصْبِرَ﴾

стр. 634

فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلتم، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسى﴾ إلى قوله ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ مقول محكي لقلتم؛ لأن مرادنا لفظه لا معناه عَلى طَعامٍ جار ومجرور متعلق بنصبر ﴿واحِدٍ﴾ صفة لطعام ﴿فَادْعُ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿ادع﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت يعود على موسى، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ على كونها مقولا لقلتم ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلق بادع ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿يُخْرِجْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا، تقديره: هو يعود على ربك، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿لَنا﴾ متعلق بيخرج ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بيخرج أيضا على أنه مفعول به ليخرج، أو مفعول يخرج محذوف؛ تقديره: يخرج لنا شيئا ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لذلك المحذوف؛ أي: شيئا كائنا مما تنبت الأرض ﴿وتُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: شيئا مما تنبته الأرض ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ جار ومجرور ومضاف إليه بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ بدل تفصيل من مجمل، أو حال من مفعول تنبت المحذوف، تقديره: حال كونه كائنا من ﴿بَقْلِها﴾ و ﴿وَقِثَّائِها﴾ معطوف على ﴿بَقْلِها﴾، وكذا قوله: ﴿وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾ معطوف على بقلها جريا على القاعدة المشهورة عندهم: أن العطف إذا كان بغير مرتب يكون على الأول ولو كثرت المعطوفات، وإن كان بمرتب، كالفاء، وثم، يكون الكل معطوفا على ما قبله. ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، أو على الرب سبحانه، والجملة مستأنفة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مقول محكي لقال، لأن مرادنا لفظه لا معناه، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري المضمن

стр. 635

للتوبيخ، والمعنى: لا ينبغي لكم ذلك الاستبدال ولا يليق بكم ﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿هُوَ أَدْنى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول ﴿بِالَّذِي﴾ متعلق بتستبدلون ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول ﴿اهْبِطُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول قول محذوف، تقديره: قلنا لهم ﴿مِصْرًا﴾ مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على قراءة التنوين وهو خط المصحف؛ لأنه نكرة؛ لأن المعنى انزلوا بلدا من البلدان؛ لأنهم كانوا وقتئذ في صحراء التيه. وقيل: معرفة؛ لأن المعنى اهبطوا مصر فرعون، وإنما صرف حينئذ، لخفته بسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح، ولوط، ونحوها. وقرأه الحسن وغيره بلا تنوين، كأنهم عنوا مكانا بعينه، كما سبق ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء تعليلية ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لإن ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر ﴿سَأَلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: فإن ما سألتموه من البقول كائن وحاصل لكم في مصر لا في التيه، وجملة إن مستأنفة؛ مسوقة لتعليل الأمر بالهبوط في مصر ﴿وَضُرِبَتْ﴾ الواو استئنافية، أو اعتراضية؛ لأن قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معترض في خلاف القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى ﵇، يدل على هذا قوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. ذكره في «الجمل». ضرب: فعل ونائب فاعل مغير الصيغة، والتاء علامة تأنيث نائب الفاعل ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق بضربت ﴿الذِّلَّةُ﴾ نائب فاعل ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة. ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ﴿وَباؤُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ضربت ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلق بباؤا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لغضب ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة للمفرد البعيد في محل الرفع مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء

стр. 636

حرف جر وسبب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب أنهم كانوا، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معترضة ﴿أنهم﴾ ناصب واسمه ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ خبر كان بِآياتِ اللَّهِ متعلق بيكفرون، وجملة كان في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على يكفرون ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق بيقتلون، أو بمحذوف حال من فاعل يقتلون، تقديره: حالة كونهم ملتبسين بغير الحق، أو حالة كونهم ظالمين متنكرين للحق في اعتقادهم، ولو اعترفوا لاتصفوا بالواقع ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ ﴿بِما﴾ الباء حرف جر وسبب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معترضة ﴿عَصَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم ﴿وَكانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْتَدُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة عصوا على كونها صلة لما المصدرية، والتقدير: ذلك كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل النصب معطوف على الموصول الأول وجملة ﴿هادُوا﴾ صلة للموصول الثاني ﴿وَالنَّصارى﴾ معطوف على اسم إن، وكذلك قوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ معطوف على اسم إن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب بدل من اسم إن، وجملة ﴿آمَنَ﴾ صلة من الموصولة ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بآمن ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾ صفة لليوم ﴿وَعَمِلَ﴾ معطوف على آمن ﴿صالِحًا﴾ مفعول به لعمل، أو مفعول مطلق لعمل؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: وعمل عملا صالحا ﴿فَلَهُمْ﴾ الفاء رابطة الخبر باسم إن؛ لما في الموصول من معنى الشرط، أو رابطة الجواب بالشرط إن قلنا ما شرطية ﴿لهم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿أَجْرُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الرفع خبر إن إذا

стр. 637

جعلنا من موصولة، أو في محل جزم جواب الشرط إذا جعلناها شرطية، وجملة الشرط مع جوابها في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة، أو معترضة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الأجر، تقديره: فلهم أجرهم حال كونه ثابتا مدخرا لهم عند ربهم، أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وأفرد الضمير في آمن وعمل؛ نظرا للفظ من وجمعه في قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ نظرا لمعناه ﴿وَلا خَوْفٌ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة؛ تقدم النفي عليها وبطل عمل لا؛ لتكررها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وكذلك جملة قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معطوفة على جملة الجواب. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا ﴿أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به ومضاف إليه والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿وَرَفَعْنا﴾ الواو عاطفة، أو حالية ﴿رَفَعْنا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل الجر معطوف على ﴿أَخَذْنا﴾ أو في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخَذْنا﴾ ولكن بتقدير: قد ﴿فَوْقَكُمُ﴾ فوق منصوب على الظرفية المكانية متعلق برفعنا، والكاف في محل الجر مضاف إليه ﴿الطُّورَ﴾ مفعول به ﴿خُذُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف معطوف على ﴿أَخَذْنا﴾ تقديره: وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم، أو حال من فاعل رفعنا، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور قائلين خذوا ... إلخ: ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول لخذوا ﴿آتَيْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن آتى بمعنى أعطى، تقديره: آتيناكموه، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة صلة لما الموصولة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿خُذُوا﴾ تقديره: ملتبسين بقوة واجتهاد ﴿وَاذْكُرُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿خُذُوا﴾ ﴿ما﴾ اسم

стр. 638

موصول في محل النصب مفعول به لاذكروا ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة، تقديره: ما استقر فيه ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَتَّقُونَ﴾ خبرها، ومفعول التقوى محذوف، تقديره: لكي تتقون عقابي، وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، والتقدير: واذكروا ما فيه لإتقائكم عقابي. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على محذوف، تقديره: فقبلتم الميثاق ثم توليتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتوليتم ﴿فَلَوْلا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أخذ الميثاق منكم، ثم توليكم بعد ذلك وأردتم بيان ما يترتب على ذلك، فأقول لكم: لولا فضل الله ﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود مضمن معنى الشرط ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه وخبره محذوف وجوبا، تقديره: موجود، والجملة الإسمية قائمة مقام الشرط لا محل لها من الإعراب ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بفضل الله ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ معطوف على فضل الله ﴿لَكُنْتُمْ﴾ اللام واقعة في جواب لولا ﴿كنتم﴾ فعل ناقص واسمه ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ متعلق بمحذوف خبر كان، وجملة كان جواب لولا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿عَلِمْتُمُ﴾ فعل وفاعل ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وعلم هنا بمعنى عرف يتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب ﴿اعْتَدَوْا﴾ فعل ماض وفاعل، والجملة

стр. 639

صلة الموصول ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من الضمير في اعتدوا، تقديره: حالة كون المعتدين كائنين منكم ﴿فَقُلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿قلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿اعْتَدَوْا﴾ على كونها صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿لَهُمْ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق باعتدوا ﴿كُونُوا﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمها ﴿قِرَدَةً﴾ خبرها ﴿خاسِئِينَ﴾ خبر ثان لها، ولا مانع من جعلها صفة لقردة، وقيل: كلاهما خبرها، وإنهما نزلا منزلة كلمة واحدة، كقولهم: هذا حلو حامض، وهو قول جيد وجملة ﴿كُونُوا﴾ في محل النصب مقول ﴿فَقُلْنا﴾ ﴿فَجَعَلْناها﴾ فعل وفاعل ومفعول أول والجملة معطوفة على جملة ﴿فَقُلْنا﴾ ﴿نَكالًا﴾ مفعول ثان لجعلنا ﴿لِما﴾ اللام حرف جر و ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر باللام، والجار والمجرور صفة لنكالا، أو متعلق بنكالا، لأنه اسم مصدر لنكّل الرباعي ﴿بَيْنَ﴾ منصوب على الظرفية الاعتبارية ﴿بَيْنَ﴾ مضاف ﴿يَدَيْها﴾ مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه مثنى، ويدي مضاف والهاء مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة؛ أي: لما استقر بين يديها ﴿وَما﴾ معطوف على ﴿ما﴾ الأولى ﴿خَلْفَها﴾ ظرف متعلق بمحذوف صلة لما الثانية ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ معطوف على ﴿نَكالًا﴾ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ جار ومجرور صفة لموعظة، أو متعلق بموعظة، لأنه مصدر ميمي بمعنى عظة. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ ادع وزنه أفع لحذف لامه لبناء الأمر ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ والبقل: كلّ ما تنبته الأرض من النجم؛ أي: مما لا ساق له، وجمعه بقول ﴿وَقِثَّائِها﴾ والقثاء: اسم جنس معروف، الواحدة قثاءة، وفيها لغتان: المشهور منهما كسر القاف، وقرىء بضمها، والهمزة أصل بنفسها لثبوتها في قوله: أقثأت الأرض؛ أي: كثر قثاؤها، ووزنها فعّال. اه. «سمين». وقال الخليل: وهو الخيار، ويقال: أرض مقثاة؛ أي: كثيرة القثاء ﴿وَفُومِها﴾ قال الكسائي، والفراء، والنضر بن شميل، وغيرهم. الفوم هو الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا في مغفور: مغثور، وفي جدث: جدف، وفي عاشور: عافور. قال أمية بن أبي الصلت:

стр. 640

كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها القراديس والفومان والبصل وأنشد مؤرّج لحسّان: وأنتم أناس لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل يعني: الفوم والبصل، وهذا كما أبدلوا بالفاء الثاء، قالوا في الأثافي: الأثاثي وكلا البدلين لا ينقاس؛ أعني: إبدال الثاء فاء والفاء ثاء، وقال ابن قتيبة، والزجاج: هي الحبوب التي تؤكل، وقال أبو مالك وجماعة: الفوم: الحنطة، ومنه قول أحيحة بن الجلّاح: قد كنت أحسبني كأغنى واحد ... قدم المدينة عن زراعة فوم قيل: وهي لغة مصر، وهو اختيار المبرد. وقال الفراء: وهي لغة قديمة. وقيل: هي الحبوب التي تخبز. وقيل؛ هو الخبز نفسه. وقيل: إنه الحمص ﴿وَعَدَسِها﴾ والعدس معروف، وعدس من الأسماء الأعلام، وعدس زجر للبغل ﴿وَبَصَلِها﴾ البصل معروف بـ ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾ أصله: أدني بوزن أفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وهو أفعل تفضيل من الدنوّ وهو القرب. يقال: منه دنا يدنو دنوا، وقال عليّ بن سليمان الأخفش: هو أفعل من الدناءة وهي الخسّة والرداءة، خفّفت الهمزة بإبدالها ألفا، وقال أبو زيد في المهموز: دنؤ الرجل يدنأ دناءة ودناء. ودنأ يدنأ، وقال غيره: هو أفعل من الدون؛ أي: أحطّ في المنزلة، وأصله: أدون فصار وزنه أفلع؛ نحو: أولى لك؛ لأنه أفعل من الويل أصله: أويل، فقلب. وفي «الفتوحات» ﴿أَدْنى﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الظاهر، وهو قول الزجاج أن أصله: أدنو من الدنو هو القرب، فقلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدنو في ذلك القرب؛ لأنه أقرب وأسهل تحصيلا من غيره لخساسته، وقلة قيمته. والثاني: أصله: أدنأ مهموز من دنأ يدنأ دناءة، إلا أنه خففت همزته بقلبها ألفا.

стр. 641

والثالث: أنّ أصله أدون مأخوذ من الشيء الدون؛ أي: الرديء، نقلت الواو التي هي عين الكلمة إلى ما بعد النون التي هي لامها، فصار أدنو بوزن أفلع، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. اه. من «السمين». ﴿اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر فيه ما تطلبون، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل، بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقا. اه. من «الشهاب» وفي «المصباح» وهبطت من موضع إلى موضع من بابي ضرب وقعد، انتقلت وهبطت الوادي هبوطا نزلته. اه. ﴿مِصْرًا﴾ والمصر في أصل اللغة: الحد الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل هجر أنهم إذا كتبوا بيع دار، قالوا: اشترى فلان الدار بمصورها؛ أي: حدودها اه. «سمين» وفي «الخطيب» المصر البلدة العظيمة. اه. وقال عديّ بن زيد: وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ والسؤال الطلب، ويقال: سأل يسأل سؤالا والسؤل المطلوب، وسال يسال على وزن خاف يخاف، ويجوز تعليق فعله وإن لم يكن من أفعال القلوب، كما في قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ قالوا: لأن السؤال سبب إلى العلم فأجري مجرى العلم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ أي: ألزموها وقضي عليهم بها، والذلة بالكسر: الصغار، والهوان، والحقارة، والذّلّ بالضم ضدّ العزّ، والذلّة مصدر ذلّ يذلّ ذلا وذلّة. وقيل: الذلة كأنها هيئة من الذلّ، كالجلسة، والذّلّ الخضوع وذهاب الصعوبة ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ المسكنة: مفعلة من السكون، ومنه سمي المسكين؛ لقلة حركاته وفتور نشاطه، فهو مفعيل منه. ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وأصل باء بوأ بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم أسند الفعل إلى واو الجماعة فبني على الضم، فألف باء منقلبة عن واو لقولهم: باء يبوء، مثل: قال يقول، وقال ﷺ : (أبوء بنعمتك) والمصدر البواء، ومعناه: الرجوع. يقال: باء بكذا؛ أي: رجع قاله الكسائيّ، أو اعترف قاله أبو عبيدة، أو استحقّ قاله أبو روق، أو نزل وتمكّن قاله المبرد، أو تساوى قاله الزجاج، وانشدوا لكل قول ما يستدل به من كلام العرب، وحذفنا ذلك. اه. من «البحر».

стр. 642

﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ جمع نبي أصله: فعيل فمن قرأه بالهمز، كنافع لم يحدث فيه تغييرا، على أن آخر الكلمة همزة هي لامها، ومن قرأ بترك الهمز، إما أن يكون أبدلت فيه الهمزة ياء، ثم أدغمت فيها ياء فعيل، ثم جاءت ياء الجمع، وعلى أنّ لام الكلمة أصلها واو من النبوة، فهو فعيل بمعنى مفعول، اجتمعت الواو والياء؛ لأن الأصل على هذا نبيو، فلمّا اجتمعتا وسبقت إحداهما ساكنة، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، على حدّ قول ابن مالك: إن يسكن السّابق من واو ويا ... واتّصلا ومن عروض عريا فياء الواو اقلبنّ مدغما ... وشذّ معطى غير ما قد رسما قال الكسائيّ: النّبيّ: الطريق، سمّي به؛ لأنه يهتدى به. قالوا: وبه سمي الرسول؛ لأنه طريق إلى الله تعالى ﴿بِما عَصَوْا﴾ أصله: عصيوا بوزن فعلوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف لكونها أوّل الساكنين، وبقيت الفتحة دالّة عليها ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أصله: يعتديون من اعتدى من باب افتعل، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لمّا سكنت مع واو الجماعة، وضمت الدال؛ لمناسبة الواو، فوزنه يفتعون ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصله: أأمنوا أبدلت الهمزة الساكنة حرف مد للأول، وكذلك القول في ﴿آمن﴾ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ من هاد يهود من باب قال إذا تاب ورجع، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فهو أجوف واويّ. وقيل: من هاد يهيد من باب باع إذا تحرّك، وعليه قلبت الياء ألفا، فهو أجوف يائي، والأول أولى، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ ﴿وَالنَّصارى﴾ جمع نصران، كندامى جمع ندمان، وألفه للتأنيث، ولذلك منع الصرف في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى﴾ والياء في نصراني؛ للمبالغة، كما في أحمري، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا المسيح؛ أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران؛ أو ناصرة فسموا باسمها، أو باسم من أسسها. اه. «بيضاوي» ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ جمع صابىء. وفي «السمين» والصابىء التارك لدينه. اه. وفي «المصباح» وصبا يصبو صبوا من باب قعد، وصبوة أيضا، مثل شهوة إذا مال وصبأ من دين إلى دين،

стр. 643

يصبأ مهموز بفتحتين خرج فهو صابىء، ثم جعل هذا اللقب علما على طائفة من الكفار. يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصابئة والصابئون، ويدّعون أنهم على دين صابىء بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصابون وقرأ به نافع. اه. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ والأجر في الأصل مصدر. يقال: أجره الله يأجره أجرا من بابي ضرب وقتل، وقد يعبّر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. اه. «سمين» ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أصله: موثاق مفعال من التوثيق، سكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء حرف مد ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ والطّور: يطلق على أيّ جبل كان، كما في «القاموس» ويطلق أيضا: على جبال مخصوصة بأعيانها، وهذا الجبل الذي رفع فوقهم كان من جبال فلسطين، كما في «الخازن» عن ابن عباس. اه. «كرخي» ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلّ تعليلية؛ أي: لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. اه. «بيضاوي». وأصل تتقون: توتقيون بوزن تفتعلون؛ لأن أصل المادة من الوقاية، فأصل التقوى وقيا، أبدلت الواو تاء والياء واوا، فقيل: تقوى، وبعد هذا الإعلال يصير الإفتعال منه، كما هنا توتقوون بواوين، فتبدل الواو الأولى ياء؛ لكسر ما قبلها وهي في الطرف، واستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان الياء، وواو الجماعة، فحذفت الياء، ثم ضمت القاف؛ لمناسبة الواو، وسبب تشديد التاء؛ أنّ فاء الكلمة التي هي واو، كما مر آنفا أن المادة من الوقاية، أبدلت تاء، ثم أدغمت في تاء الافتعال؛ لأنّ فاء الكلمة إذا كان حرف لين وبني منها افتعال، أبدل تاء، وأدغم في تاء الافتعال على حدّ قول ابن مالك: ذو اللّين فاتا في افتعال أبدلا ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ التولي تفعّل من الولي، وأصله: الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. اه. «سمين» ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ علمتم بمعنى عرفتم فيتعدّى لواحد فقط. والفرق بين العلم والمعرفة: أنّ العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي عليه من الأحوال، نحو: علمت زيدا قائما، أو ضاحكا، والمعرفة تستدعي معرفة

стр. 644

الذات فقط، أو يقال في الفرق بينهما: إن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة على الله ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ أصله: اعتديوا؛ لأنه من العدوان واويّ اللام، أبدلت الواو ياء في الافتعال؛ لوقوعها خامسة، فاتصل بالفعل واو الجماعة فضمت الياء؛ لمناسبتها، ثم أبدلت الياء ألفا؛ لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان فحذفت الألف؛ فقيل: اعتدوا بوزن افتعوا ﴿فِي السَّبْتِ﴾ والسبت في الأصل مصدر سبت؛ أي؛ قطع، وقال ابن عطية: والسبت إما مأخوذ من السّبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت وهو القطع؛ لأن الأشياء فيه سبتت وتمّ خلقها، ثم سمي به اليوم من الأسبوع، ومنه قولهم: سبت رأسه؛ أي حلقه ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ أمر من كان يكون، وأصل يكون: يكون بوزن يفعل بضم العين، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فسكنت إثر ضمها فصارت حرف مد، فلمّا بني الأمر من مضارعه حذف منه حرف المضارعة ونون الرفع، فقيل: كونوا بوزن فعلوا ﴿خاسِئِينَ﴾ وفي «المختار»: خسأ الكلب طرده من باب قطع، وخسأ هو بنفسه خضع وانخسأ أيضا، وخسأ البصر حسر من باب قطع وخضع. اه. ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا﴾ والنكال المنع، ومنه النكل، والنكل: اسم للقيد من الحديد واللّجام؛ لأنه يمنع به، وسمي العقاب نكالا؛ لأنه يمنع به غير المعاقب أن يفعل فعله، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فعله الأول، والتنكيل: إصابة الغير بالنكال ليرتدع غيره، ونكل عن كذا ينكل نكولا من باب قعد إذا امتنع. اه. «سمين». البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿رَبَّكَ﴾. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾؛ لما فيه من إسناد ما للفاعل إلى المحل؛ لأن المنبت الحقيقي هو الله ، علاقته

стр. 645

المحلية؛ لأن الأرض لما كانت محلا للإنبات أسند إليها. ومنها: الإجمال ثم التفصيل في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها﴾. إلخ؛ لأنه أوقع في النفس. ومنها: الاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ في قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾. ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾؛ لأن ضربهما عليهم كناية عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه نظير قول الشاعر: إنّ السّماحة والمروءة والنّدى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج ومنها: الأمر للتعجيز والإهانة في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ على حد قوله: ﴿كُونُوا حِجارَةً﴾؛ لأنهم لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم، إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق. ومنها: التنوين في قوله: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ للتعظيم. ومنها: تقييد قتل الأنبياء بغير الحق في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ للإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق، إذ لم يكن أحد منهم معتقدا بحقية قتل نبي من الأنبياء، وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا ...﴾ إلخ. اه. من «أبي السعود». ومنها: تكرير اسم الإشارة في قوله: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ للتأكيد إن قلنا: إن الثاني مشار به إلى ما أشير إليه بالأول. ومنها: التعبير بالمضارع عن الماضي في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾. الخ؛ لإفادة الاستمرار والدوام. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ لأنه على تقدير القول؛ أي: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة واجتهاد.

стр. 646

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ إذ التولي حقيقة في الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. اه. «سمين». ومنها: استعمال الأمر في الإهانة والتحقير في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾؛ لأنه ليس لهم قدرة على تحولهم إلى القردة، بل المراد بالأمر الإخبار عن تعلق القدرة، بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾؛ لأنه استعير فيه ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 647

قال الله سبحانه جل وعلا: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾. المناسبة مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) فيما سبق بعض قبائح بني إسرائيل، وجرائمهم، من نقض المواثيق، واعتدائهم في السبت، أردفه بذكر نوع آخر من مساوئهم وقبائحهم، ألا وهو مخالفتهم لأنبيائهم وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إليهم، مع كثرة اللجاج والعناد للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وجفائهم في مخاطبة نبيهم موسى ﵇. وعبارة أبي حيان هنا: ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه تقدم ذكر مخالفتهم لأنبيائهم، وتكذيبهم لهم في أكثر أنبائهم، فناسب ذلك ذكر هذه الآية؛ لما تضمنت من المراجعة، والتعنت، والعناد مرة بعد مرة. اهـ.

стр. 648

التفسير وأوجه القراءة ٦٧ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ وهذا توبيخ آخر لأخلاق بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! قصة إذ قال موسى ﵇، لأسلافكم وأجدادكم الذين نكثوا ميثاقي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ أي: إن ربكم يأمركم أن تذبحوا بقرة حين تدافعوا في القتيل الذي وجد فيهم، ولم يظهر قاتله، فترافعوا إلى موسى، فاشتبه أمر القتيل على موسى، وكان (١) ذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله تعالى ليبين لهم بدعائه، فدعاه لهم، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها، فيحيا فيخبرهم بقاتله. واسم القتيل عاميل، وكان القاتل ابن عم المقتول، وكان مسكينا والمقتول كثير المال، فاستعجل ميراثه. وقيل: كان أخاه. وقيل: ابن أخيه ولا وارث له غيره، فلما طال عليه عمره قتله ليرثه. وقال عطاء: كان تحت عاميل بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال؛ فقتله لينكحها. كذا في «البحر». وأول هذه القصة، قوله الآتي: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها﴾ وإن كان مؤخرا في التلاوة، فحق (٢) ترتيبها أن يقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ إلخ. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلخ. ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ إلخ. وقوم موسى أتباعه وأشياعه. فإن قلت: إذا كان حق الترتيب هكذا، فما وجه عدول التنزيل عنه؟ قلت: وجهه أنه لما ذكر سابقا خبائثهم وجناياتهم ووبخوا عليها، ناسب أن يقدم في هذه القصة ما هو من قبائحهم، وهو تعنتهم على موسى، لتتصل قبائحهم بعضها ببعض. اه. من «الخازن». روي عن ابن عباس، وسائر المفسرين (٣): أن رجلا فقيرا في بني إسرائيل

стр. 649

قتل ابن أخيه، أو أخاه، أو ابن عمه لكي يرثه، ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى ﵇، فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه؟ فسأله فأوحى الله إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتعجبوا من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت البقرة لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين، ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها فذبحوها، وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فصار المقتول حيا وعين لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية، فقتلوه قودا، فلم يعط من ماله شيئا، ولم يورث قاتل بعده. وقد روى الحسن مرفوعا: أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده، لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم) (١) وإنّما اختصّ البقر من سائر الحيوانات، لأنهم كانوا يعظمون البقر ويعبدونها من دون الله، فاختبروا بذلك إذ هذا من الابتلاء العظيم، وهو أن يؤمر الإنسان بقتل من يحبه ويعظمه؛ أو لأن أراد تعالى أن يصل الخير للغلام الذي كان بارا بأمه، كما سيأتي. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ بضم الراء، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس، وإبدال الهمزة ألفا ﴿قالُوا﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ هل سارعوا إلى الامتثال أولا؟ فقيل: قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلنا مكان هزء وسخرية، وتستهزىء بنا وتلعب بنا يا موسى؟ حيث نسألك عن أمر القتيل فتأمرنا بذبح بقرة، ولا جامع بينهما، وإنما قالوا ذلك: لأنهم لم يعلموا أن الحكمة هي حياة القتيل بضربه ببعض البقرة، وإخباره بقاتله. قال بعض العلماء: كان ذلك هفوة منهم وجهالة، فما انقادوا للطاعة وذبحها، وقد كان الواجب عليهم أن يمتثلوا أمره ويقابلوه بالإجلال والاحترام، ثم ينتظروا ما يحدث بعد ﴿قالَ﴾ موسى وهو استئناف أيضا ﴿أَعُوذُ

стр. 650

بِاللَّهِ﴾؛ أي: امتنع بالله تعالى وألتجىء إليه من ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾؛ أي (١): من المستهزئين بالمؤمنين؛ لأن الهزء والسخرية في أثناء تبليغ أمر الله تعالى جهل وسفه، ودل على أن الاستهزاء بأمر الدين كبيرة، وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل، وصاحبه مستحق للوعيد، وليس المزاح من الاستهزاء. وقال علي ﵁ لا بأس بفكاهة يخرج بها الإنسان من حد العبوس. روي أنه قدم رجل إلى عبيد الله بن الحسين وهو قاضي الكوفة، فمازحه عبيد الله، فقال: جبتك هذه من صوف نعجة، أو من صوف كبش؟ فقال: أتجهل أيها القاضي؟ فقال له عبيد الله: وأين وجدت المزاح جهلا؟ فتلا هذه الآية، فأعرض عنه عبيد الله؛ لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء، أو المعنى من المبلّغين عن الله الكذب. اه. «صاوي». وأصل هذه القصة (٢): أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وله عجلة أتى بها إلى غيضة، وقال: اللهم! إني استودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل، فصارت العجلة في الغيضة عوانا؛ أي: نصفا بين المسنّة والشابّة، وكانت تهرب من كل من رآها، فلما كبر الابن كان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث، يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك قد ورثك عجلة استودعها في غيضة كذا، فانطلق وادع إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، أن يردها عليك، وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تلك البقرة تسمّى المذهبة؛ لحسنها وصفرتها؛ لأن صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها يقودها فتكلّمت البقرة بإذن الله تعالى، وقالت: أيها الفتى البارّ لوالدته! اركبني، فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمّي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله

стр. 651

بني إسرائيل، لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه، فقالت له: إنك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة. قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف برّه بأمه، وكان الله به خبيرا، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتي، فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي، فردّها إلى أمه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق بها إلى السوق فأتى الملك، فقال: أستأمرت أمك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا انقصها من ستة على أن استأمرها، فقال الملك إني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك، فقالت: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي؛ ليختبرك، فإذا أتى فقل له: أتأمر أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل، فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلا بملىء مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافأة له على برّه بوالدته، فضلا منه ورحمة. والوجه في تعيين البقرة دون غيرها من البهائم؛ أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل، وحبّب إليهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ثم تابوا وعادوا إلى طاعة الله تعالى وعبادته، فأراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم وقيل: كان أفضل قرابينهم حينئذ البقر، فأمروا بذبح البقرة؛ ليجعل الله التقرب لهم بما هو أفضل عندهم. وفي هذه القصة (١) بيان نوع آخر من مساويهم، لنعتبر به ونتعظ، وفيه من

стр. 652

وجوه العبر: ١ - أن التنطع في الدين والإلحاف في السؤال، مما يقضي التشديد في الأحكام، ومن ثم نهينا عن ذلك بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وبما جاء في الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ : «وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». ٢ - أنهم أمروا بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان؛ لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرون من تعظيمه، وليعلم بأجابتهم ما كان في نفوسهم من حب عبادته. ٣ - استهزاؤهم بأوامر الأنبياء. ٤ - أن يحيا القتيل بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدداها. ٦٨ - ثم إن القوم (١) لما علموا أن ذبح البقرة عزم من الله وجدّ، استوصفوها من موسى فـ ﴿قالُوا﴾ كأنه قيل: فماذا قال قوم موسى بعد ذلك؟ فقيل: توجهوا نحو الامتثال، وقالوا: يا موسى! ﴿ادْعُ لَنا﴾؛ أي: سل لأجلنا ﴿رَبَّكَ﴾ أن يبين لنا سنّها إن دعوته ﴿يُبَيِّنْ﴾ ويوضح ﴿لَنا﴾ ويعرّف ويعيّن ﴿ما هِيَ﴾؛ أي: جواب ما تلك البقرة؛ أي: ما سنّها؟ أصغيرة أم كبيرة. وهذا تشديد منهم على أنفسهم. و ﴿ما﴾ مبتدأ و ﴿هِيَ﴾ خبره، والجملة في حيز النصب بيبين؛ أي: يبين لنا جواب السؤال. وقد سألوا عن حالها وصفتها، لمّا قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى، فما ههنا سؤال عن الحال والصفة. تقول: ما زيد، فيقال: طبيب أو عالم؛ أي: ما سنّها وما صفتها من الصغر والكبر ﴿قالَ﴾؛ أي: موسى ﵇، بعد ما دعا ربه بالبيان وأتاه الوحي ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الله ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة المأمور بذبحها ﴿بَقَرَةٌ لا﴾ هي ﴿فارِضٌ﴾؛ أي: مسنة هرمة من الفرض وهو القطع، كأنها قطعت سنّها وبلغت

стр. 653

آخره ﴿وَلا﴾ هي ﴿بِكْرٌ﴾؛ أي: فتية صغيرة، ولم يؤنّث البكر والفارض؛ لأنهما كالحائض في الاختصاص بالأنثى، والفارض المسنة التي لا تلد، والبكر الفتيّة التي لم تلد ﴿عَوانٌ﴾؛ أي: وسط نصف ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ المذكور من الفارض والبكر ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذبح البقرة تعرفوا القاتل، ولا تكثروا السؤال فيشدّد عليكم، وحذف الجار قد شاع في هذا الفعل، حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين، فأبوا عن الانتهاء فـ ﴿قالُوا﴾ تعنتا منهم لموسى، وهذا مستأنف أيضا، كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد هذا البيان الثاني والأمر المكرر، فقيل: ٦٩ - قالوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾؛ أي: سل لنا ربك ما لونها؟ أهي سوداء أم صفراء أم حمراء؟ ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جواب ﴿ما لَوْنُها﴾ من الألوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها، واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر. ﴿قالَ﴾ موسى ﵇، بعد المناجاة إلى الله تعالى ومجيء البيان منه تعالى ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة التي أمرتكم بذبحها ﴿بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾ والصفرة لون بين البياض والسواد وهي الصفرة المعروفة، وليس المراد بها هنا السواد، كما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾؛ أي: سود، والتعبير عن السواد بالصفرة؛ لما أنها من مقدماته؛ وإما لأن سواد الإبل يعلوه صفرة ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾؛ أي: صافية صفرتها لم يخالطها لون آخر، وهو مبتدأ وخبر، والجملة صفة ثانية لبقرة، والفقوع نصوع الصفرة وخلوصها. يقال في التأكيد: أصفر فاقع، كما يقال: أسود حالك. وفي إسناده إلى اللون مع كونه من أحوال اللون؛ لملابسته به ما لا يخفى من فضل التأكيد، كأنه قيل: صفراء شديدة الصفرة صفرتها، كما في جد جده، وجنونك جنون. قيل: كانت صفراء الكل حتى القرن والظلف ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ إليها وتبهجّهم، أي: تعجبهم لحسن صورتها، ومنظرها، وهيئتها، وشدة صفرتها لغرابتها وخروجها عن المعتاد، والمعنى: يعجبهم حسنها، وصفاء لونها، ويفرّح قلوبهم لتمام خلقتها، ولطافة قرونها وأظلافها، والسرور: لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقعه، وعن علي ﵁ (من لبس نعلا صفراء قلّ همّه)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ونهى ابن الزبير، ومحمد بن كثير عن لباس النعال السود؛ لأنها تهمّ. وذكر أنّ الخفّ الأحمر خفّ فرعون، والخفّ

стр. 654

الأبيض خفّ وزيره هامان، والخفّ الأسود خفّ العلماء. وروي أنّ خفّ النبي ﷺ كان أسود؛ أي: إنها بقرة صفراء فاقع لونها فاذبحوها، ولا تكثروا السؤال، فأبوا عن قبول ذلك ف ٧٠ - ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾؛ أي: سل لنا ربك ما حالها؟ أعاملة هي أم سائمة؟ إن دعوته ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جواب ﴿ما هِيَ﴾؛ أي: ما حال تلك البقرة؟ أعاملة أم سائمة؟ وفي «الكشاف» هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد؛ ليزدادوا بيانا لوصفها، والاستقصاء شؤم. وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطي فلانا شاة، سألتني أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني وفي الحديث: «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم لأجل مسألته». ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾؛ أي: إن (١) جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فـ ﴿تَشابَهَ﴾ أي: تشاكل ﴿عَلَيْنا﴾؛ أي: فاشتبه أمرها علينا، فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها ﴿وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ هدايتنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها، وسنعرف ما التبس علينا من أمرها وتشابه، أو لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها. وعن عطاء: لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد؛ أي: لو لم يقولوا إن شاء الله. وقال الطبري: لما زادوا نبيهم أذى وتعنتا، زادهم الله عقوبة وتشديدا، ولو أنّ بني إسرائيل، كما قال ابن عباس (أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدد الله عليهم) والمراد بالاستثناء هنا التعليق بالمشيئة، وسمي التعليق بها استثناء؛ لصرفه الكلام عن الجزم، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق بما لا يعلمه إلا الله تعالى. اه. «كرخي» قال أبو عبد الله (٢)، محمد بن أبي الفضل المرسيّ في «ريّ الظمآن»: وجه الاشتباه عليهم: أنّ كلّ بقرة لا تصلح عندهم أن تكون آية؛ لما علموا من ناقة صالح، وما كان فيها من العجائب، فظنّوا أن الحيوان لا يكون آية إلا إذا كان على ذلك الأسلوب، وذلك لمّا نبّئوا أنها آية سألوا عن ماهيتها وكيفيتها، ولذلك لم يسألوا موسى عن ذلك، بل سألوه أن يسأل الله لهم عن ذلك، إذ الله تعالى هو العالم بالآيات، وإنما سألوا عن

стр. 655

التعيين وإن كان اللفظ مقتضاه الإطلاق؛ لأنهم لو عملوا بمطلقه لم يحصل التقصّي عن الأمر بيقين. انتهى كلامه. وقال غيره: لما لم يكن التماثل من كل وجه، وحصل الاشتباه عليهم، ساغ لهم السؤال، فأخبروا بسنها فوجدوا مثلها في السن كثيرا، فسألوا عن اللون فأخبروا بذلك، فلم يزل اللبس بذلك، فسألوا عن العمل فأخبروا بذلك، وعن بعض أوصافها الخاصّ بها فزال اللبس بتبيين السن، واللون، والعمل، وبعض الأوصاف، إذ وجود بقر كثير على هذه الأوصاف يندر، فهذا هو السبب الذي جرّأهم على تكرار السؤال. وقرأ الجمهور (١) ﴿تَشابَهَ﴾ جعلوه فعلا ماضيا على وزن تفاعل مسندا لضمير البقر على أنّ البقر مذكر. وقرأ الحسن ﴿تشابه﴾ بضم الهاء جعله مضارعا محذوف التاء، وماضيه ﴿تَشابَهَ﴾ وفيه ضمير يعود على البقر على أنّ البقر مؤنث. وقرأ الأعرج كذلك، إلا أنه شدّد الشين جعله مضارعا وماضيه ﴿تشابه﴾ أصله: تتشابه، فأدغم، وفيه ضمير يعود على البقر. وروي عن الحسن أيضا. وقرأ محمد المعيطيّ المعروف بذي الشامة (تشبّه علينا) جعله ماضيا على تفعل. وقرأ ابن مسعود ﴿يشّابه﴾ بالياء وتشديد الشين جعله مضارعا من تفاعل، ولكنه أدغم التاء في الشين. وقرىء ﴿متشبّه﴾ اسم فاعل من تشبّه. وقرأ بعضهم ﴿يتشابه﴾ مضارع تشابه، وفيه ضمير يعود على البقر. وقرأ أبيّ ﴿تشابهت﴾ وقرأ الأعمش متشابه ومتشابهة وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿تشّابهت﴾ بتشديد الشين مع كونه فعلا ماضيا وبتاء التأنيث آخره. فهذه اثنتا عشرة قراءة، وتوجيه هذه القراءات ظاهر إلا قراءة ابن أبي إسحاق تشابهت، فقال بعض الناس: لا وجه لها، وتبيين ما قاله: أنّ تشديد الشين إنما يكون بإدغام التاء فيها، والماضي لا يكون فيه تاءان، فتبقى إحداهما وتدغم الأخرى، ويمكن أن توجه هذه القراءة على أن أصله: اشابهت، والتاء هي تاء البقرة، وأصله: إن البقرة اشابهت علينا، فأدغمت التاء في الشين فاجتلبت همزة الوصل. وقد أطال الكلام هنا أبو حيان، فراجعه فإنه لا يليق بمختصرنا هذا.

стр. 656

وقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾؛ أي: إلى عين البقرة المأمور بذبحها، أو إلى ما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا بذبح البقرة. وفي تعليق هدايتهم بمشيئة الله إنابة، وانقياد، ودلالة على ندمهم على ترك موافقة الأمر. وتوسط الشرط هنا بين اسم إنّ وخبرها؛ ليحصل توافق رؤوس الآي؛ وللاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله جاء خبر إن اسما؛ لأنه أدل على الثبوت، وعلى أن الهداية حاصلة لهم، وأكد بحرفي التأكيد إنّ واللام، ولم يأتوا بهذا الشرط إلا على سبيل الأدب مع الله تعالى، إذ أخبروا بثبوت الهداية لهم، وأكدوا تلك النسبة ولو كان تعليقا محضا لما احتيج إلى تأكيد ٧١ - ﴿قالَ﴾ موسى ﵇ ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة التي أمرتكم بذبحها ﴿بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾؛ أي؛ لا مذللة ذللها العمل. يقال: دابة ذلول بيّنة الذل بالكسر، وهو خلاف الصعوبة، وهو صفة لبقرة، بمعنى: أنها بقرة غير مذللة بأيّ عمل، ولا مهيّأة لأي خدمة. قال الحسن: كانت البقرة وحشية، ولهذا وصفت بأنها لا تثير الأرض بالحرث، ولا يسنى عليها فتسقي، ولم يقل: ذلولة بالتاء؛ لأن فعولا إذا كان وصفا لم تدخله الهاء، كصبور وقوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي تقلب الأرض للزراعة صفة ذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة للأرض، وقوله: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ معطوف على تثير على كونه صفة لذلول؛ أي: ليست بسانية يسقي عليها بالسواني، ولا الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، كذا في «الكشاف» والمعنى؛ أي: ولا تحمل الماء إلى الأرض المهيأة للزراعة، يعني: أنها فارغة من أي عمل ليست مسخرة لحرث الأرض، ولا لسقاية الزرع، ولا لغيرهما. قال الإمام أبو منصور - رحمه الله تعالى -: دلت الآية على أن البقرة كانت ذكرا؛ لأن إثارة الأرض وسقي الحرث من عمل الثيران، وأما الضمائر الراجعة إليها على التأنيث فللفظها، كما في قوله: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ﴾ فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لأبي يوسف، إلا أن يكون أهل ذلك الزمان يحرثون بالأنثى، كما يحرث أهل هذا الزمان بالذكر ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: سليمة من جميع العيوب، سلمها الله تعالى منها، أو معافاة من العمل وآثاره، سلّمها أهلها منه، أو مخلصة اللون

стр. 657

صافيته من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان، ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾؛ أي: لا خلط في لونها يخالف لون جلدها، فهي صفراء كلّها حتى قرنها وظلفها. قال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد، بل هي صافية، وأصله: وشية، كالعدة، والصفة، والزنة. أصلها: وعد ووصف ووزن، واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال ألوان الغزل في نسجه، وقال بعضهم: الشية بكسر الشين العلامة، والمراد: لا لمعة فيها من لون آخر سوى الصفرة ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال قوم موسى لموسى عندما سمعوا هذا النعوت ﴿الْآنَ﴾؛ أي: في هذا الوقت الحاضر الذي أجبت فيه الجواب الأخير ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها. وقرأ الجمهور ﴿الأن﴾ بإسكان اللام والهمزة بعده. وقرأ ورش عن نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وهي في المتواتر وعن نافع - في الشاذ - روايتان: إحداهما: حذف واو قالوا إذ لم يعتدّ بنقل الحركة، إذ هو نقل عارض، والرواية الأخرى إثبات الواو اعتدادا بالنقل، واعتبارا لعارض التحريك؛ لأنّ الواو لم تحذف إلا لأجل سكون اللام بعدها، فإذا ذهب موجب الحذف عادت الواو إلى حالها من الثبوت. والمعنى: أي في هذا الوقت الحاضر الذي قلت فيه: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ نطقت بالبيان الشافي، وأتيت بالوصف التام الذي تتميّز به عن أجناسها، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار لأمه، فاشتروها بملىء جلدها ذهبا ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم ما قاربوا أن يذبحوها، لأجل غلاء ثمنها؛ أو لخوف الفضيحة بإظهار الله نبيه موسى على القاتل؛ أي: قاربوا أن يتركوا ذبحها لأجل ذلك، والجملة حال من ضمير ذبحوا؛ أي: فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. والخلاصة: أنهم ذبحوها بعد توقف وبطء. قيل: مضى من أول الأمر إلى الامتثال أربعون سنة، فعلى العاقل أن يسارع إلى الامتثال، وترك التفحص عن حقيقة الحال، فإن قضية التوحيد تستدعي ذلك، ٧٢ - ثم أخبر الله عن سبب أمرهم بذبح البقرة، وعمّا شاهدوه من آيات الله الباهرة، فقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ وهذا مؤخر لفظا مقدّم معنى؛ لأنه أول القصة؛ لأنّ أصيل

стр. 658

الكلام وتركيبه أن يقال: وإذ قتلتم نفسا، وأتيتم موسى وسألتموه أن يدعو الله تعالى، فقال موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وتضربوا القتيل ببعض البقرة فيحيى فيخبر عن قاتله، وإنما (١) أخّره ولم يقدّمه لفظا؛ لأن الغرض إنما هو ذبح البقرة؛ للكشف عن القاتل؛ وليواصل قبائح بني إسرائيل بعضها ببعض، كما مر. فهو اعتراض بين المعطوف وهو قول: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والمعطوف عليه وهو ﴿فَذَبَحُوها﴾ كما سيأتي في مبحث الإعراب. وأضيف القتل إلى اليهود المعاصرين لرسول الله ﷺ لرضاهم بفعل أولئك الأسلاف، وخوطبت الجماعة بالقتل مع كون القاتل واحدا؛ لوجود القتل فيهم. والقتل: نقض البنية الذي بوجوده تنتفي الحياة. واسم القتيل: عاميل بن شراحيل. وقيل: نكّار بن شراحيل، والمعنى: واذكروا يا بني إسرائيل! قصة إذ قتل أسلافكم نفسا محرّمة ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾؛ أي: اختلفتم، وتنازعتم، وتخاصمتم ﴿فِيها﴾؛ أي: في شأن قتل تلك النفس وبيان قاتلها، وأصبح كلّ فريق يدفع أن يكون قاتلها وينسبه إلى غيره من الدرء وهو الدفع؛ أي: تدافعتم وتخاصمتم في شأنها، إذ كلّ واحد من الخصماء يدافع الآخر؛ أي: يدفع الفعل عن نفسه، ويحيله على غيره. قال أبو حيان (٢): ويحتمل هذا التدارؤ وهو التدافع أن يكون حقيقة، وهو أن يدفع بعضهم بعضا بالأيدي لشدة الاختصام، ويحتمل المجاز بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح، أو بأن دفع بعضهم بعضا بالتّهمة والبراءة. اه. وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ بالإدغام. أصله: تدارأتم، فأدغمت التاء في الدال فتعذّر الابتداء بالمدغم الساكن، فاجتلبوا همزة الوصل، فصار ادرأتم. وقرأ أبو حيوة، وأبو السوار الغنويّ ﴿فادّرأتم﴾ بغير ألف قبل الراء، وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿مُخْرِجٌ﴾؛ أي: مظهر لا محالة ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ـه،

стр. 659

وتخفونه، وتسترونه من أمر القتل لا يتركه مكتوما مستورا. جملة معترضة بين المعطوف عليه وهو قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ وبين المعطوف وهو قوله: ٧٣ - ﴿فَقُلْنا﴾ لموسى ﴿اضْرِبُوهُ﴾؛ أي: اضربوا هذا القتيل، والضمير راجع إلى النفس بمعنى القتيل، أو بمعنى الشخص، أو بمعنى الإنسان ﴿بِبَعْضِها﴾؛ أي: ببعض البقرة أيّ بعض كان؛ أي: بعضو من أعضائها. قيل: بلسانها؛ لأنه آلة الكلام، أو بعجب الذنب؛ لأنه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركّب عليه الخلق. وقيل: بفخذها الأيمن. وقيل: غير ذلك من الأعضاء، والبعض أقلّ من النصف، وفي الكلام حذف، تقديره: فضربوه ببعضها، فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه، فقتل قاتله، فحرم ميراثه الذي استعجله؛ لأن من استعجل بالشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وفي الحديث: «ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة» ثمّ إنّ موسى ﵇، أمرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه؛ نفيا للتهمة، كيلا ينسب إلى السحر، أو الحيلة. والخطاب في قوله: ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإحياء العجيب ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ يوم القيامة لمنكري البعث في زمنه ﷺ ، والحاضرين عند نزول الآية الكريمة، فلا حاجة إلى تقدير القول، كما في القول الآتي، بل تنتهي الحكاية عند قوله: فـ ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ وقيل: الخطاب للحاضرين عند حياة القتيل، والكلام حينئذ على تقدير القول؛ أي: فضربوه فحيي وقلنا كذلك. إلخ؛ أي: كما أحيا الله سبحانه هذا القتيل بعد موته في الدنيا يحيي الله الموتى في الآخرة من غير احتياج إلى آلة. فإن قلت: إن بني إسرائيل كانوا مقرين بالبعث، فما معنى إلزامهم بقوله: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾؟. قلت: كانوا مقرين قولا وتقليدا، فثبته عيانا وإيقانا، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ أيها الكافرون المكذبون بمحمد ﷺ أو أيها الحاضرون حياة القتيل ﴿آياتِهِ﴾؛ أي: دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجعلكم مبصرين براهين قدرته وتوحيده، وإحيائه للموتى عند البعث، وصدق رسله ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعلموا وتفهموا قدرة الله، وأن محمدا محقّ صادق،

стр. 660

وأن من قدر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس كثيرة، فتصدّقوا بالبعث بعد الموت. يقال: عقلت نفسي عن كذا؛ أي: منعتها منه؛ أي: لتكمل عقولكم وتعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء الأنفس كلها، وتمنعوا نفوسكم عن هواها، وتطيعوا الله فيما يأمركم به. ولعل الحكمة في اشتراط ما اشترط في الإحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها، مع ظهور كمال قدرته على إحيائه ابتداء بلا واسطة أصلا؛ لاشتماله على التقرب إلى الله تعالى وأداء الواجب، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى، والشفقة على الأولاد ونفع بر الوالدين، وأنّ من حقّ الطالب أن يقدّم قربة، ومن حق المتقرّب أن يتحدّى الأحسن ويغالي بثمنه، كما يروى عن عمر ﵁: أنه ضحّى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار، وأنّ المؤثر هو الله تعالى، وإنما الأسباب أمارات لا تأثير لها. واعلم: أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه، ومن قال: إنهم مكثوا في طلبها أربعين سنة، أو من يقول: إنهم أمروا بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم، فلا يكون الضرب إلا بعد دفنه. قيل: على قبره. والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر، ٧٤ - ثم أخبر الله عن جفائهم وقسوة قلوبهم، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خطاب لأهل عصر النبي ﷺ من الأحبار، و ﴿ثُمَّ﴾؛ لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها. وعبارة «الصاوي» هنا: نزّل استبعاد قسوة قلوبهم؛ لظهور خوارق العادات العظيمة منزلة التراخي، فأتى بثم، وأكده بالظرف بعده. اه. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ والقسوة والقساوة: عبارة عن الغلظ والصلابة، كما في الحجر، ووصف القلوب بالقسوة والغلظ؛ مثل لنبوّها وتكبرها عن الاعتبار، وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها، أي ثمّ صلبت وغلظت قلوبكم يا كفار بني إسرائيل! فلم تقبل الحق الذي جاء به محمد ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾؛ أي: من بعد سماع تلك الآيات الباهرة، أو رؤيتها من إحياء القتيل وإخباره بقاتله، والمسخ قردة وخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر، وغيرها من الآيات، والقوارع التي تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور ﴿فَهِيَ﴾؛ أي: القلوب ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ أي: مثل الحجارة في

стр. 661

شدتها وقسوتها، والفاء لتفريع مشابهتها لها، على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه، كقولك: احمرّ خدّه فهي كالورد؛ أي: فقلوبكم أيها اليهود مثل الحجارة الجامدة في القساوة، والصلابة، واليبس ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ منها ﴿قَسْوَةً﴾؛ أي: بل هي أزيد قساوة وصلابة من الحجارة. وعنى بهذه القسوة. تركهم الإيمان بمحمد ﷺ بعد ما عرفوا صدقه، وقدرة الله على عقابهم بتكذيبهم إياه. وقوله: ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز أو بمعنى بل، أو للتخيير؛ أي: إن شئتم فاجعلوها أشدّ منها، كالحديد، فأنتم مصيبون، وإنما لم تحمل ﴿أَوْ﴾ على معناها الأصلي وهو الشكّ والتردّد؛ لمّا أنّ ذلك محال على علام الغيوب. فإن قلت: لم قيل: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾؟ وفعل القسوة مما يبنى فيه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة من لفظ أقسى؛ لأن دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة في معنى الشدة، بخلاف لفظ الأقسى، فإن دلالته على الشدة والزيادة في القسوة بالهيئة فقط. والحكمة في ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة، وتشبيهها بها دون غيرها من الأشياء الصلبة من الحديد، والصفر، وغيرهما؛ لأن الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين، كما لان لداود ﵇، وكذا الصفر حتى يضرب منها الأواني والحجر لا يلينه نار ولا شيء آخر، فلذلك شبّه قلب الكافر بها، وهذا والله أعلم في حقّ قوم علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، والمعنى؛ أي: إن قلوبكم صلبت بعد إذ رأيتم الحقّ وعرفتموه، واستكبرت عن الخضوع والإذعان لأمر الدين، فهي كالحجارة صلابة ويبسا، بل أشدّ منها. وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾ (١) بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و ﴿مِنَ الْحِجارَةِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والاسم قوله: ﴿لَما﴾ واللام لام الابتداء؛ أي: لأحجارا ﴿يَتَفَجَّرُ﴾؛ أي: يتفتح بكثرة وسعة ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى ما ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع

стр. 662

نهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء، والمعنى؛ أي: وإن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفّق منها الماء الكثير؛ أي: يتصبّب؛ أي: وإن من بعض الحجارة الحجر الذي يتصبّب ويخرج منه الأنهار الكبار. قيل: أراد به جميع الأحجار. وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ﵇، ليسقي الأسباط ﴿وَإِنَّ مِنْها﴾؛ أي: من الحجارة ﴿لَما يَشَّقَّقُ﴾ ويتصدّع ويتخرّق طولا أو عرضا. أصله: يتشقق، كما سيأتي. والتّصدّع جعل الشيء ذا نواحي ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾؛ أي: ينشق إنشقاقا قليلا بالطول أو بالعرض ينبع منه الماء؛ ليكون عينا نابعة دون الأنهار. وقرأ الجمهور ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾ ﴿وَإِنَّ مِنْها﴾ ﴿وَإِنَّ مِنْها﴾ في المواضع الثلاثة مشددة. وقرأ قتادة في كلها مخففة على جعلها مخففة من الثقيلة. ذكره في «البحر». وقرأ الجمهور (١): ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ بالياء مضارع تفجر. وقرأ مالك بن دينار ﴿ينفجر﴾ بالياء، والنون مضارع انفجر، وكلاهما مطاوع، أمّا يتفجر فمطاوع فجّر بالتشديد، وأما ينفجر فمطاوع فجر مخففا، والتفجّر التفتّح بالسعة والكثرة، والانفجار دونه، والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر. وقرأ أبيّ، والضحاك ﴿منها الأنهار﴾ بتأنيث الضمير. وقرأ الجمهور ﴿مِنْهُ﴾ بتذكيره، فالقراءة الأولى حمل على المعنى، وقراءة الجمهور حمل على اللفظ؛ لأنّ ما، لها هنا لفظ ومعنى؛ لأن المراد به الحجارة، ولا يمكن أن يراد به مفرد المعنى فيكون لفظه ومعناه واحدا، إذ ليس المعنى وإن من الحجارة للحجر الذي يتفجر منه الأنهار؛ إنما المعنى وإن من الحجارة للأحجار التي يتفجر منها الأنهار، كما مرّ. وقرأ الجمهور (٢) ﴿يَشَّقَّقُ﴾ بتشديد الشين، وأصله: يتشقق، فبه قرأ الأعمش، فقلبت التاء شينا وأدغمت الشين في الشين، فصار يشقق. وقرأ الأعمش أيضا تشقق بالتاء والشين المخففة، ورأيتها معزوة لابن مصرف، ورأيت في بعض نسخ تفسير ابن عطية ما نصه: وقرأ ابن مصرف ﴿ينشقق﴾ بالنون وقافين، والذي يقتضيه اللسان بقاف واحدة مشددة، وقد يجىء

стр. 663

الفك في شعر، وهي قراءة شاذة ﴿وَإِنَّ مِنْها﴾؛ أي: من الحجارة ﴿لَما يَهْبِطُ﴾ وينزل ويتردى من أعلى الجبل إلى أسفله. وقرأ الأعمش ﴿يَهْبِطُ﴾ بضم الباء، وقد تقدم أنها لغة. ذكره في «البحر» مِنْ ﴿خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي من خوف الله ، وانقيادها لأمره. والخشية هي الخوف عن العلم، وهنا مجاز عن انقيادها لأمر الله؛ أي: فخشيتها عبارة عن انقيادها لأمر الله، وأنها لا تمتنع عما يراد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود! لا تلين، ولا تخشع، ولا تتحرك من خوف الله تعالى، ولا تفعل ما أمر به، وهذا (١) كله تعليل لتفضيل الحجارة عليهم. والمعنى: أن الحجارة تتأثر وتنفعل، فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، ويتفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقيادا لما أراد الله تعالى به، وقلوب هؤلاء اليهود لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عن العمل الذي تعملونه، أو عن عملكم، فما إما موصول اسمي أو حرفي، وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب، وما يترتّب عليها من الأعمال السيئة، فقلب الكافر أشدّ في القساوة في الحجارة، وإنها مع فقد أسباب الفهم والعقل منه، وزوال الخطاب عنها تخضع له تعالى وتتصدع. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقلب الكافر مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة هيئة القبول لا يخضع، ولا يلين، والمعنى (٢)؛ أي: وليس الله سبحانه غافلا عن أفعالكم الخبيثة، ولا ساهيا عنها، بل هو محص لها وحافظ إياها، وسيعاقبكم عليها في الآخرة؛ أي: وإن الله لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم حتى يجازيهم عليها في الآخرة. قرأ الجمهور (٣): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، وهو الجاري على نسق قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقرأ ابن كثير، ونافع، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر بالياء؛ نظرا

стр. 664

إلى ما بعده، ويكون ذلك التفاتا إذ خرج من الخطاب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿يعملون﴾ وحكمة هذا الالتفات: أنه أعرض عن مخاطبتهم وأبرزهم في صورة من لا يقبل عليهم بالخطاب، وجعلهم كالغائبين عنه؛ لأن مخاطبة الشخص ومواجهته بالكلام، إقبال من المخاطب عليه وتأنيس له، فقطع عنهم مواجهته لهم بالخطاب؛ لكثرة ما صدر عنهم من المخالفات والخلاصة: إن (١) هذه الحجارة تارة تتأثر تأثرا يعود بمنفعة عظيمة على الناس، والحيوان، والزرع بخروج الأنهار، وأخرى تتأثر تأثرا ضعيفا يترتب عليه منفعة قليلة، فتنبع منه العيون والآبار، وحينا تتأثر بالتردّي والسقوط بلا منفعة للناس، وقلوب هؤلاء لا تتأثر بحال، فلا تجدي فيها الحكم والمواعظ التي من شأنها أن تنفذ في الوجدان، وتصل إلى الجنان، وإن الله تعالى لكم بالمرصاد، فهو حافظ لأعمالكم ومحصيها عليكم، ثم يجازيكم بها وهو يربّيكم بصنوف النّقم إذا لم تجد فيكم ضروب النعم، ولا يخفى ما في هذا من شديد التهديد والوعيد. الإعراب ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، والمعنى: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي، وحين قال موسى لقومه ﴿قالَ مُوسى﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ متعلق بقال ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فعل ومفعول به، والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول قال. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿تَذْبَحُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بحذف النون ﴿بَقَرَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بباء محذوفة متعلقة بيأمركم، تقديره: إن الله يأمركم بذبح

стр. 665

بقرة ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كما مرت الإشارة إليه ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ مقول محكي منصوب بقالوا، وإن شئت قلت: ﴿أَتَتَّخِذُنا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿تتخذ﴾ فعل مضارع من أخوات ظن، وفاعله ضمير مستتر يعود على موسى، ونا ضمير لجماعة المتكلمين في محل النصب مفعول أول ﴿هُزُوًا﴾ مفعول ثان، ولكن على تأويله باسم مفعول، تقديره: مهزؤا بنا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا ﴿قالَ﴾ فعل وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿أَعُوذُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على موسى ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿أَكُونَ﴾ فعل مضارع ناقص منصوب بأن، واسمها ضمير يعود على موسى ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ خبر ﴿أَكُونَ﴾ وجملة ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: من كوني من الجاهلين، الجار والمجرور متعلق بأعوذ. ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة المستأنفة ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ مقول محكي منصوب بقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُ﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهي الواو، وفاعله ضمير مستتر يعود على موسى، والجملة في محل النصب مقول قالوا ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلق بادع ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿يُبَيِّنْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَنا﴾ متعلق بيبين، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿هِيَ﴾ ضمير للمفردة المؤنثة الغائبة في محل الرفع خبر لما الاستفهامية، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول به ليبين، ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: يبين لنا جواب ما هي ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿إِنَّهُ يَقُولُ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، وجملة إن في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها﴾ ناصب واسمه ﴿بَقَرَةٌ﴾

стр. 666

خبره، وجملة إن في محل النصب مقول يقول ﴿لا﴾ نافية ﴿فارِضٌ﴾ صفة لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة، وجوزوا اعتراض لا النافية بين الصفة والموصوف؛ لأنه شائع كثير في كلامهم، كما في قولهم: مررت برجل لا طويل ولا قصير ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿بِكْرٌ﴾ معطوف على ﴿فارِضٌ﴾ وتكررت لا؛ لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أو حال وجب تكرارها، كقولهم: زيد لا قائم ولا قاعد، ومررت به لا ضاحكا ولا باكيا ﴿عَوانٌ﴾ صفة ثانية لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة بَيْنَ منصوب على الظرفية الاعتبارية، وهو مضاف. واسم الإشارة ﴿ذلِكَ﴾ في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بعوان؛ لأنه بمعنى متوسط. وجوّز إضافة بين إلى مفرد كونه بمعنى متعدد؛ لأن اسم الإشارة هنا قائم مقام اثنين، حيث وقعت الإشارة به إلى الفارض والبكر معا. نظير قول عبد الله بن الزبعري يوم أحد قبل إسلامه: إنّ للخير وللشرّ مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل ﴿فَافْعَلُوا﴾ الفاء فاء الفصيحة مبنية على الفتح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما يقول الرب تعالى، وأردتم بيان ما هو الأصلح واللازم لكم، فأقول لكم: افعلوا ما تؤمرون ﴿افعلوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به وجملة ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تؤمرون به. ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ﴿لَنا﴾ متعلق به ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا. ﴿يُبَيِّنْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الرب لَنا متعلق بيبين، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾ اسم استفهام في

стр. 667

محل الرفع مبتدأ ﴿لَوْنُها﴾ خبر، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول به ليبين ﴿قالَ﴾ فعل وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ يَقُولُ ...﴾ إلخ. مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة إن في محل النصب مقول يقول ﴿صَفْراءُ﴾ صفة لبقرة ﴿فاقِعٌ﴾ صفة صفراء ﴿لَوْنُها﴾ فاعل فاقع، ويجوز أن يكون ﴿فاقِعٌ﴾ خبرا مقدما و ﴿لَوْنُها﴾ مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة لصفراء ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على البقرة، والجملة صفة ثانية لبقرة، تقديره: سارّة للناظرين. ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن أردت بسط إعرابه، فقد تقدّم لك قريبا، فجدّد به عهدا ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ ناصب واسمه ﴿تَشابَهَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على البقر ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بتشابه، وجملة تشابه في محل الرفع خبر إن، وجملة إن جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، ولكن في محل النصب مقول قالوا ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم ﴿شاءَ﴾ في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، وجواب الشرط محذوف، تقديره: اهتدينا، وجملة إن الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين إن وخبرها لَمُهْتَدُونَ اللام حرف ابتداء ﴿مهتدون﴾ خبر إن مرفوع بالواو وجملة إن معطوفة على جملة قوله ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ على كونها مقولا لقالوا، وعلى كونها تعليلية. ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول يقول ﴿لا﴾ نافية ﴿ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة، وإن شئت قلت ﴿لا﴾ اسم بمعنى غير في محل الرفع صفة

стр. 668

لبقرة، ولكن نقل إعرابها إلى ما بعدها؛ لكونها على صورة الحرف ﴿ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة مرفوع بالضمة الظاهرة ﴿تُثِيرُ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ذلول ﴿الْأَرْضَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لذلول، تقديره: لا ذلول مثيرة الأرض، ويجوز أن تكون جملة ﴿تُثِيرُ﴾ حالا من الضمير في ذلول، تقديره: لا تذل في حال إثارتها، وهذه الجملة الفعلية في المعنى مفسرة لذلول، فالنفي مسلط على الموصوف وصفته؛ أي: إنها بقرة انتفى عنها التذليل وإثارة الأرض، وانتفى عنها سقي الحرث أيضا على ما سيأتي ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ زائدة زيدت؛ لتأكيد نفي لا الأولى ﴿تَسْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ذلول ﴿الْحَرْثَ﴾ مفعول به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة تثير الأرض على كونها صفة ثانية لذلول، تقديره: لا ذلول مثيرة الأرض وساقية الحرث، فالنفي مسلط على الموصوف بصفته ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ صفة ثانية لبقرة لا نافية للجنس تعمل عمل إن ﴿شِيَةَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿فِيها﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: لا شية موجودة فيها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الرفع صفة ثالثة لبقرة، تقديره: موصوفة بعدم وجود شية فيها ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل مستأنف ﴿الْآنَ جِئْتَ﴾ ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح، لشبهه بالحرف شبها معنويا؛ لتضمنه معنى حرف التعريف، أو معنى حرف الإشارة، كأنه قلت: هذا الوقت والظرف متعلق بجئت، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من فاعل ﴿جِئْتَ﴾؛ أي: حال كونه ملتبسا بالحق ﴿فَذَبَحُوها﴾ الفاء عاطفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فطلبوها فوجدوها عند فتى بار فذبحوها. ﴿ذبحوها﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، وتلك المحذوفة معطوفة على جملة قالوا ﴿وَما﴾ الواو حالية ﴿ما﴾ نافية ﴿كادُوا﴾ فعل ناقص واسمه، لأنه من أفعال المقاربة، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ في محل النصب خبر كاد، وجملة كاد في محل النصب حال من فاعل ذبحوها؛ أي: حال كونهم غير مقاربين فعل الذبح؛ يعني؛ قبل زمان الذبح. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة قصة على قصة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في

стр. 669

محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي وحين قتلتم نفسا ﴿قَتَلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿نَفْسًا﴾ مفعول به ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ الفاء عاطفة ﴿ادارأتم﴾ فعل وفاعل ﴿فِيها﴾ متعلق بادرائتم، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿قَتَلْتُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو اعتراضية ﴿اللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف الذي هو قوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والمعطوف عليه الذي هو قوله ﴿فَذَبَحُوها﴾. ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿مُخْرِجٌ﴾؛ لأنه اسم فاعل من أخرج يعمل عمل الفعل الصحيح، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره: هو يعود على الله ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكْتُمُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: تكتمونه. فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟ قلت: قد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ، كما حكي الحاضر في قوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾. ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾. ﴿فَقُلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿قلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: فذبحوها ﴿اضْرِبُوهُ﴾، فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مقول القول ﴿بِبَعْضِها﴾ جار ومجرور متعلق باضربوه ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وجوبا؛ لوقوعه صفة لمصدر محذوف، تقديره: يحيي الله الموتى يوم القيامة إحياء مثل إحياء هذا القتيل ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين قصتي بني إسرائيل ردا على مشركي العرب المنكرين للبعث، كما سبق في مبحث التفسير ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿يُرِيكُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله ﴿آياتِهِ﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله كذلك: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ على كونها معترضة لا محل لها من الإعراب ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبرها،

стр. 670

وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها سيقت لتعليل الإرادة. ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿قَسَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء علامة تأنيث الفاعل ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فضربوه فحيي القتيل، ثم قست قلوبكم، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والأول أوضح وأولى ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقست ﴿فَهِيَ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿هي﴾ مبتدأ ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، أو الكاف اسم بمعنى مثل في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿الحجارة﴾ مضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة مفرّعة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى بل ﴿أَشَدُّ﴾ بالرفع معطوف على الكاف إذا كانت اسما، أو على ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ لأن الجار والمجرور في موضع رفع. وقرىء أشد بالفتح على أنه معطوف على الحجارة ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز نسبة منصوب بأشد ﴿وَإِنَّ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿مِنَ الْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم لأنّ ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ فعل مضارع ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، وتقدير الكلام: وإن الذي يتفجر منه الأنهار لكائن من الحجارة. ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ الواو عاطفة ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿مِنْها﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر ﴿يَشَّقَّقُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، وتقدير الكلام: وإن الذي يشقق فيخرج منه الماء لكائن من الحجارة، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى
следующие страницы →