← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

تقديره: أوحيناه إليك ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿تفتري﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق به، ﴿غَيْرَهُ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لافترائك علينا غيره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يفتنون﴾ ﴿وَإِذًا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء مقدر بـ ﴿لو﴾ الشرطية؛ أي: ولو فعلت ذلك الافتراء ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿اتخذوك خليلا﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مع جوابه، جواب لو المقدرة، والتقدير: ولو فعلت ذلك الافتراء، والله لا تخذوك خليلا، وجملة لو المقدرة معطوفة على جملة، قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا﴾. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾. ﴿وَلَوْلا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿ثَبَّتْناكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل النصب بأن المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مرفوعٍ على الابتداء، والخبر محذوف تقديره؛ ولولا تثبيتنا إياك موجود ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب لولا قد حرف تحقيق ﴿كِدْتَ﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿تَرْكَنُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلّق به ﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ مطلقٌ لأنه بمعنى الركون ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لـ ﴿شَيْئًا﴾، وجملة ﴿تَرْكَنُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾ وجملة ﴿كاد﴾ جواب ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلا﴾ مستأنفة. ﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)﴾. ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، مقدرة، بـ ﴿لو﴾ الشرطية؛ أي: ولو ركنت إليهم .. ﴿لَأَذَقْناكَ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿أذقناك﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿ضِعْفَ الْحَياةِ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه ﴿وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية، جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم جواب ﴿لو﴾ المقدرة، وجملة ﴿لو﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجِدُ﴾ فعل

стр. 7072

مضارع، وهو من وجد الضالة، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَجِدُ﴾ ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بـ ﴿نَصِيرًا﴾. ﴿نَصِيرًا﴾ مفعول ﴿تَجِدُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أذقناك﴾. ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة ﴿كادُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿يستفزونك﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر إن المخففة، وجملة إن المخففة معطوفةٌ على جملة قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ﴿لِيُخْرِجُوكَ﴾ اللام حرف جر، وتعليل ﴿يخرجوك﴾ فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن المضمرة بعد لام كي ﴿مِنْها﴾ متعلق به، وجملة أن المضمرة مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإخراجك ﴿مِنْها﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يستفزونك﴾ ﴿وَإِذًا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذًا﴾ حرف جواب، وجزاء، مقدر بـ ﴿لو﴾ الشرطية، تقديره: ولو أخرجوك ﴿لا﴾ نافية ﴿يَلْبَثُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿خِلافَكَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَلْبَثُونَ﴾، لأنه بمعنى بعدك كما مر ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا لبثًا قليلًا، وجملة ﴿يَلْبَثُونَ﴾ جواب لقسم محذوف، تقديره؛ والله لا يلبثون، وجملة القسم المحذوف جواب لو المقدرة، وجملة لو المقدرة، معطوفة على جملة ﴿وَإِنْ كادُوا﴾. ﴿سُنَّةَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: سن الله ذلك سنة، والجملة المحذوفة مستأنفة، واختار الفراء نصبها بنزع الخافض؛ أي: كسنة الله في من قد أرسلنا قبلك، واختار بعضهم أن ينصب بفعل محذوف، تقديره: اتّبع: سنة من قد أرسلنا قبلك فالأوجه ثلاثة: ﴿سُنَّةَ﴾ مضاف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مضاف إليه، ﴿قَدْ أَرْسَلْنا﴾ فعل وفاعل صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من قد أرسلناه ﴿قَبْلَكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿مِنْ رُسُلِنا﴾

стр. 7073

حال من العائد المحذوف، أو من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة لا نافية ﴿تَجِدُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد لـ ﴿لِسُنَّتِنا﴾ متعلق بـ ﴿تَحْوِيلًا﴾ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَجِدُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿سن﴾ المحذوفة. ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾. ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لِدُلُوكِ﴾ ﴿اللام﴾ ظرف بمعنى بعد متعلق بـ ﴿أَقِمِ﴾ أو حرف جر وتعليل متعلق به، وإنما جر بـ ﴿اللام﴾ لعدم اتّحاد الفاعل، ففاعل القيام المخاطب، وفاعل الدلوك، ﴿الشَّمْسِ﴾ وزمنهما مختلفٌ أيضًا، فزمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك، ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿أَقِمِ﴾ أو حال من الصلاة؛ أي: أقمها ممتدة إلى غسق الليل، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ معطوف على ﴿الصَّلاةَ﴾؛ أي: وأقم صلاة الصبح، أو منصوب على الإغراء؛ أي: إلزم قرآن الفجر، أي: صلاتها. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿كَانَ﴾ في محل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ﴿مَشْهُودًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلَها. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق، معطوف على ﴿أَقِمِ﴾ و ﴿مِنَ﴾ تبعيضية، والتقدير: واسهر بعض ساعات الليل ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تهجد﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِهِ﴾ متعلق به وجملة ﴿تهجد﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، أعني قولنا، واسهر ﴿نافِلَةً﴾ حال من الصلاة المعلومة من السياق، ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نافِلَةً﴾، أي: صل به الصلاة حالة كون الصلاة ﴿نافِلَةً لَكَ﴾. ﴿عَسَى﴾ فعل ماض تام بمعنى حق، ووجب، وثبت ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ ناصب، وفعل ومفعول وفاعل ﴿مَقَامًا﴾ مفعول مطلق معنوي، لـ ﴿يَبْعَثَكَ﴾ لأنه بمعنى يقيمك ﴿مَحْمُودًا﴾

стр. 7074

صفة لـ ﴿مَقَامًا﴾ وجملة ﴿يبعث﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿عَسَى﴾ تقديره: عسى بعث ربك إياك مقامًا محمودًا؛ أي: إقامته إياك من القبر، أو في الآخرة قيامًا محمودًا. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾. ﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فعل دعاء ونون وقاية ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مُدْخَلَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مصدر ميمي لـ ﴿دخل﴾ وإضافته لـ ﴿صِدْقٍ﴾ من إضافة الموصوف إلى صفته، أو للبيان، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ فعل دعاء، ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَاجْعَلْ﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَدْخِلْنِي﴾. ﴿لِي﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لا جعل ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ حال من ﴿سُلْطانًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿سُلْطانًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ ﴿نَصِيرًا﴾ صفة له. ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)﴾. ﴿وَقُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ ﴿جاءَ الْحَقُّ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾. ﴿إِنَّ الْباطِلَ﴾ ناصب واسمه ﴿كَانَ زَهُوقًا﴾ فعل ناقص، وخبره واسمه ضمير يعود على ﴿الْبَاطِلُ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا (٨٢)﴾.

стр. 7075

﴿وَنُنَزِّلُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿نُنَزِّلُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ حال من ﴿ما﴾ الموصولة على أنه بيان مقدم، ويجوز أن تكون لابتداءِ الغاية، أو تبعيضية فهي حينئذٍ متعلقة بـ ﴿نُنَزِّلُ﴾ كما اختاره أبو حيان ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿هُوَ شِفاءٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ معطوف على ﴿شِفَاءٌ﴾ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿شِفَاءٌ﴾ أو بـ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ على سبيل التنازع، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿لا﴾ نافية ﴿يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على القرآن، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿خَسَارًا﴾ مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أَنْعَمْنا﴾ فعل، وفاعل ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض مضاف إليه لإذا على كونها فعل شرط لها، ﴿أَعْرَضَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْإِنْسانِ﴾، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها من الإعراب، وجملة إذا معطوفة على جملة قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾. ﴿وَنَأى﴾ فعل ماض معطوف على ﴿أَعْرَضَ﴾. ﴿بِجانِبِهِ﴾ متعلق به، ﴿وَإِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الإنسان، ﴿يَؤُسًا﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾ الأولى. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، كل يعمل إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة، قصد العموم، ﴿يَعْمَلُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلٌّ﴾. ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَرَبُّكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾

стр. 7076

تعليلية، أو استئنافية ﴿ربكم أعلم﴾ مبتدأ، وخبر ﴿بِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿هُوَ أَهْدى﴾ مبتدأ وخبر ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب بأفعل التفضيل، والجملة الاسمية صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة، أو معترضة ﴿عَنِ الرُّوحِ﴾ متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿سأل﴾ ﴿قُلِ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الرُّوحِ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾ ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿أُوتِيتُمْ﴾ فعل، ونائب فاعل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ متعلق به إِلَّا أداة استثناء مفرغ، ﴿قَلِيلًا﴾ مفعول ثان، لـ ﴿أُوتِيتُمْ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على الجملة الاسمية، أعني قوله: ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿شِئْنا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرطٍ لها، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: ذهبنا به على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم، من حذف جواب المتأخر منهما استغناءً عنه بجواب المتقدم، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ ﴿اللام﴾ واقعة في جواب القسم، مؤكدة للأولى، زيدت بعد الشرط، إشعارا بأنّ الجواب المذكور للقسم لا للشرط ﴿نذهبن﴾ فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح والنون المشددة للتوكيد، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِالَّذِي﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على

стр. 7077

جملة قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ ﴿أَوْحَيْنا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره، بالذي أوحيناه إليك ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف بمعنى الواو ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجِدُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾. ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور حال من ﴿وَكِيلًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَجِدُ﴾ ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بـ ﴿وَكِيلًا﴾. ﴿وَكِيلًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَجِدُ﴾؛ أي: لا تجد من يتوكل لك علينا؛ أي: من ينصرك علينا باسترداده بعد رفعه ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿رَحْمَةً﴾ مستثنى من ﴿وَكِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء، أو على البدل من ﴿وَكِيلًا﴾ ويجوز أن يكون منقطعًا، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، فيعرب ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولًا من أجله، والتقدير: حفظناه عليك للرحمة، أو مفعولًا مطلقًا، والتقدير: لكن رحمناك رحمةً ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾ ﴿إِنَّ فَضْلَهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الفضل ﴿عَلَيْكَ﴾ حال من ﴿كَبِيرًا﴾ لأنه كان صفة لـ ﴿كَبِيرًا﴾ و ﴿كَبِيرًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿وَالْجِنُّ﴾ معطوف على ﴿الْإِنْسُ﴾ ﴿عَلَى﴾ حرف جر ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل ﴿بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره على إتيانهم بمثل هذا القرآن الجار والمجرور متعلقان بـ ﴿اجْتَمَعَتِ﴾ أو حال من فاعل ﴿اجْتَمَعَتِ﴾، أي: متظاهرين، ومتعاونين على ذلك، وجواب الشرط محذوفٌ على القاعدة المشهورة عندهم، تقديره: قل إن اجتمعت الإنس والجن على ذلك لا يأتون به، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه، على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿لا يَأْتُونَ﴾

стр. 7078

فعل وفاعل ﴿بِمِثْلِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على مقدر تقديره: لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم الخ، وقد حذف المعطوف عليه، حذفًا مطّردًا لدلالة المعطوف دلالةً واضحةً عليه، فإن الإتيان بمثله حيث انتفى عند التظاهر، فلأن ينتفى عند عدمه أولى، وعلى هذه النكتة، يدور ما في ﴿إن﴾ و ﴿لَوْ﴾ الوصليَّتين من التأكيد، ﴿لَوْ﴾ حرف شرط، ﴿كَانَ بَعْضُهُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿لِبَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿ظَهِيرًا﴾ ﴿ظَهِيرًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف معلوم مما قبلها تقديره: ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .. لا يأتون بمثله، وجملة ﴿لَوْ﴾ مع جوابها في محل النصب معطوفة على المحذوف الذي قدرناه سابقًا، والجملة المحذوفة في محل النصب حال من فاعل ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ على كل حال مفروض، ولو في هذه الحال المنافية لعدم الإتيان بمثله فضلًا عن غيرها، وفيه حسم لأطماعهم الفارغة، في روم تبديل بعض آياته ببعض، ذكره أبو السعود، والمعنى: لا يأتون بمثله حَالة كونهم غيرَ متظاهرينَ، وكونهم متظاهرين ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿بَعْضُهُمْ﴾ اسمها ﴿لِبَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿ظَهِيرًا﴾. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿صَرَّفْنا﴾ فعل وفاعل ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿صَرَّفْنا﴾ وكذا قوله: ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ يتعلق به أيضًا ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾ مفعول ﴿صَرَّفْنا﴾ على مذهب الكوفيين، من جواز زيادة من في الإثبات، وعلى مذهب البصريين مفعول ﴿صَرَّفْنا﴾ محذوف: تقديره البينات، والعبر، ومن كل مثل بيان، لذلك المحذوف، والجملة الفعلية، جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿فَأَبى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أبى أكثر الناس﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿صَرَّفْنا﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، مفرغ لأن ﴿أبى﴾ متأول بالنفي كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورًا ﴿كُفُورًا﴾ مفعول به لـ ﴿أبى﴾.

стр. 7079

﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١)﴾. ﴿وَقالُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أبى﴾ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ ناصب ومنصوب، وفاعله ضمير يعود على المشركين، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُؤْمِنَ﴾ ﴿حَتَّى﴾، حرف جر وغاية ﴿تَفْجُرَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَنَّا﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿يَنْبُوعًا﴾ ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿تَفْجُرَ﴾ ﴿يَنْبُوعًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿تَفْجُرَ﴾ صلة ﴿أن﴾ المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره، إلى فجر ينبوع لنا من الأرض، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نُؤْمِنَ﴾ ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتنويع ﴿تَكُونَ﴾ فعل ناقص معطوف على ﴿تَفْجُرَ﴾. ﴿لَكَ﴾ خبرها مقدم ﴿جَنَّةٌ﴾ اسمها مؤخر ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ صفة لـ ﴿جَنَّةٌ﴾ ﴿وَعِنَبٍ﴾ معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿فَتُفَجِّرَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تفجر الأنهار﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿تَكُونَ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿خِلالَها﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَنْهارَ﴾؛ أي: كائنةً خلالها ﴿تَفْجِيرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ من حملته حملًا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم فيهما حتى لا تخسف بهم الأرض، ولم يغرقهم الماء اهـ «بيضاوي». أو من حملته على كذا، إذا، أعطيته ما يركبه، وعليه فالمحمول عليه، محذوفٌ يقال: حملته على فرسٍ إذا، أعطيته إياها ليركبها. ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ﴾ وفي «القاموس»: الأناس جمع الناس، وفي «المصباح»: الإنسان من الناس اسم جنس يقع على المذكر، والمؤنث، والواحد، والجمع، والأناس قيل: فعال بضم ﴿الفاء﴾، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفًا غير قياسٍ، فيبقى ناس اهـ. فعلى هذا ناس وزنه عال، لأن الفاء التي

стр. 7080

هي الهمزة، قد حذفت اهـ. ﴿بِإِمامِهِمْ﴾؛ أي: كتابهم، فهو كقوله: وَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتِيلًا﴾ والفتيلُ: الخيط المستطيلُ في شق النّواة طولًا، وبه يضرب المثل في الشيء الحقير، التافه، ومثله النّقير والقطمير. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ لولا: هي كلمة موضوعة للدلالة على امتناع جوابها، لوجود شرطها، وفي «المصباح»: ركنت على زيد اعتمدت عليه، وفيه لغات: إحداها من باب تعب وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والثانية: ركن ركونًا من باب قعد، والثالثة: ركن يركن بفتحتين فيهما، وليست بالأصل بل من تداخل اللغتين؛ لأن شرط باب فعل يفعل بفتحتين أن يكون حلقي العين أو اللام اهـ والرّكون إلى الشيء، الميل إلى ركن منه ﴿ضِعْفَ الْحَياةِ﴾؛ أي: عذابًا مضاعفًا في الحياة الدنيا ﴿وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾؛ أي: عذابًا مضاعفًا في الممات في القبر، وبعد البعث. ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: معينًا يدفع عنك العذاب ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾؛ أي: لا يبقون ﴿خَلْفَكَ﴾ بعدك ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا﴾؛ أي: سنتنا بك؛ أي: عادتنا فيك سنة الرّسل قبلك ﴿تَحْوِيلًا﴾؛ أي: تغييرًا. ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ دلوك الشمس: زوالها: عن دائرة نصف النهار، والدُّلوك مصدر دلكت الشمس، وفيه ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه الزَّوالُ، وهو نصف النهار. والثاني: أنه من الزوال إلى الغروب، قال الزمخشري: واشتقاقه من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، قلت: وهذا يفهم أنه ليس بمصدر، لأنه جعله مشتقًا من المصدر. والثالث: أنه الغروب، وقال الراغب: دلوك الشمس ميلها للغروب اهـ. وفي «المصباح» دلكت الشيء دلكًا من باب قتل مرسته بيدك، ودلكت الشمس، والنجوم دلوكًا من باب قعد، زالت عن الاستواء ويستعمل في الغروب أيضًا، وفي «القاموس»: دلكت الشمس دلوكًا غربت، أو اصفرت، ومالت أو زالت عن كبد السماء.

стр. 7081

﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ والغسق: دخول أول الليل، قاله ابن شميل، وقيل: هو سواد الليل وظلمته، وأصله من السيلان، يقال: غسقت العين؛ أي: سال دمعها فكأنّ الظّلمة تنصب على العالم، وتسيل عليهم، ويقال: غسقت العين امتلأت دمعًا، وغسق الجرح امتلأ دمًا، فكأنّ الظلمة ملأت الوجود، وسالت عليهم، ويقال: غسق الليل، وأغسق، وظلم وأظلم، ودجى، وأدجى، وغبش وأغبش نقله الفراء اهـ «سمين». ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾؛ أي: إنّ صلاة الصبح تشهده شواهد القدرة، وبدائع الحكمة، وبهجة العالم العلويّ والسفليّ فمن ظلام حالك، أزاله ضوء ساطع، ونور باهر، ومن نوم وخمود إلى يقظة، وحركة وسعي إلى الأرزاق، فسبحان الواحد الخلاق، فهل هناك منظر أجمل في نظر الرّائي من ظهور ذلك النور، ينفلت من خلال الظلام الدامس يدفعه بقوّة ليضيء العالم، بجماله، ويقظة النوام، وحركتهم على ظهر البسيطة، وقد كانوا في سكون، فهي حياة متجددة بعد موت، وغيبوبة للحواسّ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ التهجد الاستيقاظ من النوم للصلاة ﴿نافِلَةً﴾؛ أي: فريضةً زائدةً على الصلوات الخمس المفروضة عليك، والمعروف في كلام العرب: أن الهجود عبارة عن النوم، بالليل، يقال: هجد فلان، إذا نام بالليل، ثم لما رأينا في عرف الشرع، أنّه يقال لمن انتبه بالليل من نومه، وقام إلى الصلاة: إنه متهجّد وجب أن يقال: سمي ذلك متهجدًا من حيث إنه ألقى الهجود اهـ. وفي «السمين»: والتهجد ترك الهجود، وهو النّوم وتفعّل يأتي للسلب نحو تحرّج، وتأثّم اهـ. والمقام المحمود: مقام الشفاعة العظمى، حين فصل القضاء حيث لا أحد إلّا، وهو تحت لوائه ﷺ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ المدخل والمخرج بضم الميم، فيهما مصدران ميميان بمعنى الإدخال، والإخراج، فهما كالمجرى، والمرسى وإضافتهما للبيان، أو من إضافة الموصوف إلى صفته، اهـ «سمين». وفُسِّر الصدق بالمرضى، لأنَّ الصّدق من أوصاف العقلاء، فإذا وصف به غيرهم كان دالًا على أنه مرضي اهـ «شهاب». ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ والسلطان الحجة البينة

стр. 7082

والنصير الناصر والمعين وفي «السمين» يجوز أن يكون بمعنى فاعل للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول، أي: منصورًا به ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ في «المختار»: زهقت نفسه خرجت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ وزهق الباطل؛ أي: زال واضمحلَّ، وبابهما خضع، وزهقت من - باب تعب - زهوقًا لغة فيه عند بعضهم اهـ. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ النأي بالجانب أن يوليه عطفه، ويوليه ظهره، وأراد به الاستكبار؛ لأن ذلك ديدن المستكبرين، وفي «المصباح»: ونأى نأيا - من باب سعى - إذا بعد، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، وهو الأكثر فيقال: نأيته، ونأيت عنه، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنأيته ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ مذهبه، وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى، والضلالة من قولهم: طريق ذو شواكل وهي الطريق التي تتشعب منه، والمعنى: كل إنسان يعمل حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفةً طاهرةً، صدرت عنه أفعالٌ جميلة، وإن كانت نفسه كدرةً خبيثةً، صدرت عنه أفعالٌ خبيثةٌ فاسدةٌ ﴿يَؤُسًا﴾؛ أي: شديد اليأس، والقنوط من رحمة الله، ﴿أَهْدى﴾؛ أي: أسد طريقًا وأقوم منهجًا ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا﴾؛ أي: ملتزمًا استرداده بعد الذهاب به كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكّل عليه، ﴿ظَهِيرًا﴾؛ أي: معينًا في تحقيق ما يتوخّونه من الإتيان بمثله ﴿صَرَّفْنا﴾؛ أي: كرّرنا، وردّدنا ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أي: جحودًا ﴿يَنْبُوعًا﴾ والينبوع بفتح الياء عين كثيرة الماء لا ينقطع ماؤها، ووزنه يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر؛ أي: كثر موجه، ومنه: البحر الزّاخر اهـ «بيضاوي»، «وشهاب». ﴿جَنَّةٌ﴾؛ أي: بستان تستر أشجاره ما تحتها من الأرض. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الطباق بين ﴿الْبَرِّ﴾، و ﴿الْبَحْرِ﴾ في قوله: ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.

стр. 7083

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ حيث استعير الإمام الذي هو حقيقة في الذي يتقدَّم الناس في الصلاة، لكتاب الأعمال؛ لأنه يرافق الإنسان، ويتقدمه يوم القيامة. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يضرب مثلًا للقلة؛ أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم مقدار الخيط الذي في شق النواة. ومنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الخ بعد ذكر كتاب الأعمال. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿أذقناك﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾. وفيه: الحذف أيضًا، فقد حذف العذاب تكريما لمقام النبي ﷺ ، وهو في الأصل موصوف؛ أي: عذابًا ضعفًا في الحياة، وعذابًا ضعفًا في الممات، ثمّ حذف الموصوف، وأقيمت الصّفة مقامه، وهو الضعف، ثمّ أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ حيث أطلق الجزء على الكل؛ أي: قراءة الفجر، والمراد بها: الصّلاة، لأنّ القراءة جزء منها، فالعلاقة الجزئية. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار، لمزيد الاهتمام، والعناية في قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ بعد قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ حيث ذكر القرآن أوّلًا بمعنى صلاة الصبح، وأعيد عليه الضمير بمعنى القرآن المشهود، والاستخدام عند البديعيّين ذكر الشيء بمعنى، وعود الضمير عليه بمعنى آخر.

стр. 7084

ومنها: المقابلة اللطيفة بين ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، وبين ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين أدخلني، ومدخل، وأخرجني، ومخرج. ومنها: التذييل في قوله: ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، وهو: أن يذيّل النَّاظم والناثر كلامه بعد تمامه، وحسن السكوت عليه بجملة تحقّق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدًا، وتجري منه مجرى المثل، لزيادة التحقيق، وهذه الآية من أعظم الشواهد عليه، فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج مخرج المثل السائر. ومنها: إسناد الخير إلى الله، والشر لغيره في قوله: ﴿أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾، ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ لتعليم الأدب مع الله تعالى. لطيفة: ذكر أنّ عالمًا ممن ينكر المجاز، والاستعارة في القرآن الكريم جاء إلى شيخ فاضل عالم منكرًا عليه دعوى المجاز في القرآن، وكان ذلك السائل المنكر أعمى فقال له الشيخ: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾؛ هل المراد بالعمى الحقيقة؟ وهي عمى البصر، أم المراد به المجاز، وهو عمى البصيرة، فبهت السائل، وانقطعت حجته. ومنها: الزيادة والحذف في عدة موضع. والله أعلم * * *

стр. 7085

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ ...﴾ الآيات، مناسبة (١) هذه

стр. 7086

الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، فتبين عجزهم عن ذلك وإعجازه، وانضمّت إليه معجزات أخر، وبينات واضحة، فلزمتهم الحجة، وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح آيات فعل الحائر المبهوت، المحجوج، فقالوا: ما حكاه الله عنهم من الآيات المذكورة. ثم حكى عنهم شبهة أخرى (١)، وهي استبعادهم أن يرسل الله بشرًا رسولًا، فأجابهم بأنّ أهل الأرض لو كانوا ملائكةً .. لوجب أن تكون رسلهم من الملائكة؛ لأن الجنس أميل إلى جنسه. ثم سلّى رسوله ﷺ على ما يلاقي من قومه، بأن الهداية، والإيمان بيد الله تعالى، ولا قدرة له على شيء من ذلك ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وسيلقون جزاءهم نار جهنم بما كسبت أيديهم، ودنسوا به أنفسهم، من الكفر، والفجور، والمعاصي، وإنكار البعث والحساب، وهم يعلمون أنّ الذي خلق السموات والأرض، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى، ثمّ بيّن أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا من إجراء الأنهار والعيون، وتكثير الأموال، واتساع المعيشة .. لما كان هناك من فائدة، ولما أوصلوا النفع إلى أحد، فالإنسان بطبعه شحيح بخيل. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: أن المشركين لما قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ فطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدهم لتكثر أقواتهم، وتتسع عليهم، بيّن تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله .. لبقوا على بخلهم، وشُحِّهم، ولما أقدموا على إيصال النفع لأحد، وعلى هذا، فلا فائدة في إسعافهم بما طلبوا، هذا ما قيل في ارتباط هذه الآية، وقاله العسكري. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله (٣) ، لما ذكر فيما سلف ما اقترحوه من

стр. 7087

الآيات، وأبان لهم أن الرسل ليس من شأنهم أن يقترحوا على الله شيئًا، ذكر هنا أنه قد أنزل على موسى مثل ما اقترحتم، وأعظم منه، ولم يجد فرعون وقومه شيئًا، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا فائدة لكم فيما اقترحتموه من الآيات، وكفاكم الآيات العلمية التي أنزلها على عبده ورسوله محمد ﷺ ، فإن لم تؤمنوا بعد ظهور تلك الحجج .. أهلكناكم، كما أهلك فرعون بالغرق، وفي ذلك تسلية لرسوله ﷺ بذكر ما جرى لموسى مع فرعون، وما جوزي به فرعون وقومه. قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا أبان أنّ القرآن معجز دال على صدق الرسول بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ...﴾ الآية، ثمّ حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا معجزات أخرى، وأجابهم ربّهم بأنه لا حاجة إلى شيء سواه، وبأن موسى أتى فرعون وقومه بتسع آيات، فجحدوا بها، فأهلكوا، فلو أتاكم محمد ﷺ بتلك المعجزات التي اقترحتموها، ثم كفرتم بها، أنزل عليكم عذاب الاستئصال، ولم يكن ذلك من الحكمة التي أرادها لعلمه أن منكم من يؤمن، ومنكم من لا يؤمن، ولكن سيظهر من نسله من يكون مؤمنًا. عاد هنا إلى تعظيم حال القرآن، وجلالة قدره، وبيان أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه أنزله على نبيه مفرّقا، ليسهل حفظه، وتعرف دقائق أسراره، وأنكم سيان، آمنتم به أو لم تؤمنوا، فإن من قبلكم من أهل الكتاب إذا تلي عليهم خروا له سجدًا وبكيا، ثم أردف ذلك ببيان أنكم إن ناديتم الله، أو ناديتم الرحمن، فالأمران سواء، ثمّ قفّى على ذلك بطلب التوسط في القرآن في الصلاة بين الجهر والخفوت، ثم أمر نبيه ﷺ أن يقول حين الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ...﴾ الآية، أخرج (١) ابن مردويه وغيره عن ابن

стр. 7088

عباس، قال: كان رسول الله ﷺ بمكّة ذات يوم، فدعا، فقال في دعائه: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابىء، ينهانا أن ندعوا إلهين، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البخاري وغيره، عن ابن عباس ﵁ قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ مختف بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن، وكان المشركون إذا سمعوا القرآن سبّوه ومن أنزله، ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾؛ أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾، وأخرج البخاري، وغيره أيضًا عن عائشة ﵂ أنها نزلت في الدعاء. وأخرج ابن جرير وغيره، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن، وهو يصلي تفرقوا، وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو، وهو يصلّي، استرق السّمع دونهم فرقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، فإن خفض رسول الله ﷺ صوته .. لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله عليه ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيتفرّقوا عنك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ فلا يستمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾، وهذا لفظ ابن جرير، ولا تنافي بين هذه الأسباب إذ يحتمل أنّ المشركين يسبون القرآن، ومن جاء به، ويؤذون من رأوه يستمع للقرآن كما أنه يحتمل أنّ المراد ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي: بدعائك فى الصلاة، ورواية: أنّ ذلك في التشهد، كما عند ابن جرير (ج ١٥/ ص ١٨٧) مبينة لموضعه، والله أعلم. التفسير وأوجه القراءة ٩٢ - والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ﴾؛ أي: أو

стр. 7089

حتّى تسقط علينا جرم السماء إسقاطًا مماثلًا لما زعمت في قولك: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ والكاف في قوله: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ في محل النصب صفة لمصدر محذوف، كما قدرنا، وقوله: ﴿كِسَفًا﴾ جمع كسفة، كقطع، وقطعة، لفظًا، ومعنًى حال من السماء. وخلاصة ذلك: لن نؤمن لك يا محمد حتى تسقط علينا جرم السماء، حالة كونها متقطعة قطعا عقوبة لنا إسقاطًا مماثلًا لما زعمت، يعنون بذلك قول الله سبحانه ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ وقيل: هو ما في هذه السورة من قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا﴾ ونحو الآية قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ تُسْقِطَ﴾ بتاء الخطاب مضارع أسقط ﴿السَّماءَ﴾ نصبًا، وقرأ مجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وحميد، والجحدري ﴿أو تَسْقُطَ﴾ بتاء الغيبة مضارع سقط ﴿السماء﴾ رفعا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي (٢): ﴿كسفًا﴾ بسكون السين في جميع القرآن، إلا في الرّوم (٤٨) فإنهم حركوا السين، وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين، وفي باقي القرآن بالتسكين، وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين، وفي باقي القرآن بتسكينها. قال الزجاج: من قرأ ﴿كسَفًا﴾ بفتح السين جَعَلَها جمع كسفة، وهي القطعة، ومن قرأ ﴿كِسْفًا﴾ بتسكين السين فكأنهم قالوا: أسقطها طبقًا علينا، واشتقاقه من كسفت الشيء: إذا غطيته، يعنون أسقطها علينا قطعة واحدة.

стр. 7090

والرابع منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: أو حتى تأتيَ لنا بالله حالة كونه قبيلًا أي مقابلًا مواجهًا مرئيًا لنا ﴿وَ﴾ بـ ﴿الملائكة﴾ حالة كونهم ﴿قَبِيلًا﴾؛ أي: مقابلين مواجهين مرئيين لنا، فالقبيل بمعنى المقابل، كالعشير (١) بمعنى المعاشر، فهو حالٌ من الجلالة، وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها؛ أي: والملائكة قبيلًا، وقيل (٢): هو جمع القبيلة؛ أي: تأتي بأصناف الملائكة قبيلةً قبيلةً، قاله مجاهد وعطاءً، وقيل (٣): قبيلا؛ أي: كفيلًا من قبله بكذا، إذا كفله، والقبيل والزّعيم، والكفيل بمعنى واحد. وقال الزمخشري: ﴿قَبِيلًا﴾؛ أي: كفيلًا بما تقول شاهدًا لصحته، والمعنى أو تأتي بالله قبيلًا، والملائكة قبيلًا، وقرأ الأعرج ﴿قُبُلًا﴾ من المقابلة. وخلاصة ذلك: أي أو تأتي لنا بالله، والملائكة، نقابلهم معاينةً ومواجهةً، ونحو الآية قولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾. ٩٣ - والخامس منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَوْ﴾ حتى ﴿يَكُونَ لَكَ﴾ يا محمد ﴿بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾؛ أي: من ذهب وفضةٍ كامل الحسن، وقرأ الجمهور ﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (٤)، وقرأ عبد الله بن مسعود ﴿من ذهب﴾ ولا تحمل على أنها قراءة لمخالفة السواد، وإنما هي تفسير. وقال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف؛ حتى رأيت في قراءة عبد الله من ذهب. والسادس منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَوْ﴾ حتى ﴿تَرْقى﴾ وتصعد ﴿فِي﴾ معارج ﴿السَّماءِ﴾ ومدارجها وسلالمها، ونحن ننظر إليك، فحذف المضاف يقال: رَقَى في السلم وفي الدرجة، من باب رقِيَ رقيًا، أي: صعد وعلا صعودًا وعلوًّا، والظاهر أن السّماء هنا هي المظلة، وقيل: المراد: إلى مكان عالٍ، وكلُّ ما علا

стр. 7091

وارتفع يسمى سماء ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ﴾ بك؛ أي: لن نصدقك ﴿لِرُقِيِّكَ﴾؛ أي: لأجل رقيك، وصعودك فيها، وحدك، فـ ﴿اللام﴾ للتعليل، أو لن نصدّق رقيّك، وصعودك فيها فـ ﴿اللام﴾ صلة أي زائدة. ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ﴾ منها ﴿عَلَيْنا كِتابًا﴾ من الله فيه تصديقك ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ نحن بلغتنا على نهج كلامنا، من غير أن يتلقّى من قبلك، وكانوا يقصدون بمثل هذه الاقتراحات اللجاج والعناد، ولو كان مرادهم الاسترشاد .. لكفاهم ما شاهدوا من المعجزات؛ أي: ولمّا ظهر لهم كون القرآن معجزا .. التمسوا من رسول الله ﷺ ستّة أنواع من المعجزات، فأمر سبحانه رسوله ﷺ أن يأتي بما يفيد التعجب من قولهم، والتنزيه للرب سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد متعجبًا من مقترحاتهم، ومنزهًا ربك من أن يقترح عليه أحد، أو يشاركه في القدرة، قرأ (١) نافع وعاصم وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ﴿قُلْ﴾ وقرأ، ابن كثير، وابن عامر ﴿قال﴾ وكذلك في مصاحف أهل مكة والشام، ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾؛ أي: أنزِّه رَبِّي عن أن يكون له إتيان وذهابٌ، وأتعجب من اقتراحاتهم والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ كُنْتُ﴾ للإنكار بمعنى النفي؛ أي: ما كنت ﴿إِلَّا بَشَرًا﴾ لا ملكًا حتى أصعد إلى السماء، ﴿رَسُولًا﴾؛ أي: مأمورًا من قبل ربي بتبليغ الرسالة كسائر الرسل، لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله سبحانه على أيديهم من الآيات، بحسب ما تقتضيه المصلحة من غير تفويض إليهم فيه، ولا تحكم منهم عليه. وخلاصة ذلك (٢): قل أن يتقدم أحدٌ بين يديه سبحانه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء .. أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء .. لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم، أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله ، ٩٤ - ثم أعقب ذلك

стр. 7092

بشبهة أخرى، وهي استبعادهم أن يكون من البشر رسولٌ فقال: ﴿وَما مَنَعَ النَّاسَ﴾؛ أي: وما منع مشركي مكّة، وهم من حكيت أباطيلهم من ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ بك، ويصدّقوا رسالتك ﴿إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾؛ أي: القرآن؛ أي: ما منعهم من الإيمان بك حين مجيء الوحي المقرون بالمعجزات، التي تستدعي الإيمان بنبوتك، وبما نزل عليك من الكتاب، ﴿إِلَّا أَنْ قالُوا﴾؛ أي: إلا قولهم جهلا ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ إنكارًا منهم أن يكون الرسول من جنس البشر، واعتقادًا منهم بأن الله سبحانه لو بعث رسولًا إلى الخلق .. لوجب أن يكون من الملائكة، و ﴿بَشَرًا﴾ حال من رَسُولًا كما في «الكشاف» ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ...﴾ الآية وقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا ...﴾ الآية. وقال فرعون وملؤه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ وكذلك قالت الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ ٩٥ - فأجابهم الله سبحانه عن هذه الشبهة ذاكرًا وجه الحق منبهًا إلى المصلحة بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد من جهتنا جوابًا لقوله: ﴿لَوْ كَانَ﴾ ووجد ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿كَانَ﴾ فيها من البشر ﴿مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ عليها بالأقدام، كما يمشي البشر حالة كونهم ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾؛ أي: مستقرين فيها ساكنين بها كما يسكن البشر من غير أن يعرجوا إلى السماء، وعبارة «الجمل»: أي مستوطنين فيها لا يظعنون عنها إلى السماء اهـ. ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الملائكة الساكنين في الأرض ﴿مِنَ السَّماءِ مَلَكًا﴾ حال من ﴿رَسُولًا﴾ ليبيّن (١) لهم ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدين؛ لأن الجنس إلى الجنس يميل، ولما كان سكان الأرض بشرًا وجب أن يكون رسولهم بشرًا، ليمكن الإفادة والاستفادة، وهم جهلوا أنّ التجانس يورث التّآنس، والتخالف يوجب التنافر. أي: لنزلنا (٢) عليهم من السماء رسلًا من الملائكة للهداية، والإرشاد،

стр. 7093

وتعليم الناس ما يجب عليهم تعلُّمُه، ولكن طبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر، فلا يسهل عليهم التخاطب والتفاهم معهم، لبعد ما بين الملك وبينهم، ومن ثم لم نبعث إليهم ملائكةً، بل بعثنا خواصّ البشر؛ لأنّ الله قد وهبهم نفوسًا زكيّة، وأيدهم بأرواح قدسية، وجعل لهم ناحيةً ملكيةً بها يستطيعون أن يتلقوا من الملائكة، وناحية بشرية بها يبلّغون رسالات ربهم إلى عباده. وإجمال القول في ذلك: أنه لو جعل الرسل ملائكةً .. لما استطاع الناس التخاطب معهم، ولما تمكنوا من الفهم منهم، فلزم أن يجعلوا بشرا حتى يستطيعوا أداء الرسالة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)﴾ وقد ثبت أن جبريل ﵇، جاء في صورة دحية الكلبيّ مرارًا عدة، فقد صح أنّ أعرابيًا جاء وعليه وعثاء السفر، فسأل رسول الله ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فأجابه ﵇ بما أجابه، ثم انصرف، ولم يعرفه أحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقال ﷺ : «هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم». ٩٦ - ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد من جهتك ﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ وحده ﴿شَهِيدًا﴾ على أني بلّغت ما أرسلت به إليكم، وأنّكم كذبتم وعاندتم، وقال: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، ولم (١) يقل: بيننا تحقيقًا للمفارقة الكلية، وقيل: إنّ إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق. أي قل (٢): إنّ الله تعالى لما أظهر المعجزة، وفق دعواي، كان ذلك شهادة منه على صدقي، ومن شهد له الله .. فهو صادق، فادعاؤكم أنّ الرسول يجب أن يكون ملكا تحكم منكم وتعنُّتٌ. وخلاصة ذلك: أن الله شاهد عليَّ وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت

стр. 7094

كاذبًا عليه .. لانتقم منّي أشد الانتقام كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ ثم علل كونه سبحانه شهيدًا كافيًا بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كَانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا ببواطن أحوالهم، ﴿بَصِيرًا﴾؛ أي: عالمًا بظواهرها؛ أي: أنه سبحانه محيط بأحوال عباده الظاهر منها، والباطن، وأعلم بمن يستحق الإحسان، والرّعاية، ومن هو أهل للشقاء والضلال، فيجازي كلًا بما يستحق، وفي هذا إيماء إلى أنه ما دعاهم إلى إنكار نبوته ﷺ إلّا الحسد، وحب الرياسة، والتكبّر عن قبول الحق، كما أنّ فيه تسلية له ﷺ على ما يلقاه من الإصرار والعناد، والإمعان في إيذائه، ٩٧ - ثم بيّن سبحانه أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته، فقال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ ابتداء كلام ليس بداخل تحت الأمر؛ أي: ومن يرد الله سبحانه هدايته ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ إلى الحقّ، كل مطلوب ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾؛ أي: ومن يرد إضلاله ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ﴾ ينصرونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه، أو إلى طريق النجاة، وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ حملًا على المعنى، ووجه المناسبة في ذلك، والله أعلم: أنّه لما كان الهدى شيئًا واحدًا غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولما كان الضلال له طرق متشعبة، نحو ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ناسبه الجمع ذكره في «الفتوحات» والخطاب في قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ إما للنبي ﷺ ، أو لكل من يصلح له. أي: ومن يهد الله للإيمان به، وتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك، فهو المهتدي إلى الحق، المصيب سبيل الرشد، ومن يضلله لسوء اختياره، وتدنيسه نفسه، وركوبه في الغواية والعصيان، كهؤلاء المعاندين، فلن تجد لهم أنصارا ينصرونهم من دونه تعالى، ويهدونهم إلى الحق، ويمنعون عنهم العذاب الذي يقتضيه ضلالهم. وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ قرأه (١) نافع، وأبو عمرو بالياء في الوصل،

стр. 7095

وحذفاها في الوقف، وأثبتها يعقوب في الوقف، وحذفها الأكثرون في الحالتين. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: ونجمعهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ في موقف الحساب بعد تفرقهم في القبور حالة كونهم مسحوبين ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾، أو ماشين عليها، فإنّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم. وعن أنس ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ أيحشر الكافر على وجهه؟! قال رسول الله ﷺ : «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»، قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربّنا. متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم» قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك». أخرجه الترمذي الحدب كل ما ارتفع من الأرض. وقوله: ﴿عُمْيًا﴾ حال من ضمير وجوههم جمع أعمى؛ أي: حالة كونهم لا يبصرون ما يسر أعينهم ﴿وَ﴾ حالة كونهم ﴿بُكْمًا﴾؛ أي: لا ينطقون ما يقبل منهم، جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق ﴿وَ﴾ حالة كونهم ﴿صُمًّا﴾؛ أي: لا يسمعون ما يلذ مسامعهم، جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، وهذه (١) هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر، وعدم النطق، وعدم السمع، مع كونهم مسحوبين على وجوههم، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه. والمعنى: أي (٢) ونجمعهم في موقف الحساب بعد تفرقهم في القبور عميًا، وبكمًا، وصمًا، كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون، ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة لا يبصرون ما تقر به أعينهم، ولا

стр. 7096

يسمعونَ ما يلذ لمسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، كما قال: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ ثم من وراء ذلك ﴿مَأْواهُمْ﴾؛ أي: المكان الذي يأوون إليه، ويسكنون فيه؛ أي: منزلهم ومسكنهم ﴿جَهَنَّمُ﴾، والجملة في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة لا محل لها أي ثم بعد أن يتمّ حسابهم يكون منقلبهم ومصيرهم جهنم. ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ جهنم؛ أي: كلما سكن لهبها، بأن أكلت جلودهم، ولحومهم، ولم يبق ما تتعلق به وتحرقه ﴿زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾؛ أي: زدناها لهبًا، وتوقدًا بهم، بأن نعيدهم إلى ما كانوا عليه فتستعر وتتوقد، وكأن هذا عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الإفناء، بتكرارها مرة بعد أخرى، ليروها عيانا حيث أنكروها برهانًا، وأدغم التاء في ﴿خَبَتْ﴾ في زاي ﴿زِدْناهُمْ﴾ أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون يقال: خبت النّار تخبو خبوًا، إذا خمدت، وسكن لهبها. قال ابن قتيبة: ومعنى ﴿زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ تسعرًا، وهو التلهب فإن قلت: (١) إن في خبو النار تخفيفًا لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾؟. قلت: إنّ المراد بعدم التَّخفيف أنَّه لا يتخلَّل زمان محسوسٌ بين الخبو والتسعر، وقيل: إنّها تخبو من غير تخفيف عنهم، من عذابها، ٩٨ - ثمّ بيّن علة تعذيبهم، لعله يرجع منهم من قضي بسعادته، فقال: ﴿ذلِكَ﴾ العذاب ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ الذي أوجبه الله لهم، واستحقوه عنده، والباء في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ للسببية؛ أي: بسبب كفرهم بها، فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية، ولا تفكروا في الآيات التكوينية، واسم الإشارة مبتدأ، خبره، ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ و ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ خبر آخر، ويجوز (٢) أن يكون ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأً ثانيًا، وخبره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ الأول، ﴿وَقالُوا﴾ منكرين لقدرتنا أشدّ الإنكار ﴿أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا﴾؛ أي: ترابًا رميمًا، و ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام الإنكاري، و ﴿خَلْقًا﴾ في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ مصدر من غير لفظه؛ أي: بعثًا جديدًا، أو حال؛ أي: مخلوقًا جديدًا.

стр. 7097

والمعنى (١): أي ذلك العذابُ الذي جازيناهم به من البعث على العمى والبكم والصمم هو جزاؤهم الذي يستحقونه على تكذيبهم بالبينات والحجج الّتي جاءتهم، وعلى استبعادهم وقوع البعث، وقولهم: أبعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى، والهلاك، والتفرق في أرجاء الأرض نعاد مرة أخرى؟ استنكارًا منهم، وتعجبًا من أن يحصل ذلك، ٩٩ - ثم استدل على البعث، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يتفكروا ولم يعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ من غير مادّةٍ مع عظمهما، ﴿قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصغر على أن المثل مقحم، والمراد بالخلق: الإعادة؛ أي: من هو قادر على خلق هذا، فهو على إعادة ما هو أدنى منه أقدر. والمعنى: أي ألم يعلموا ولم يتدبّروا أنّ الذي خلق السموات والأرض ابتداعا على غير مثال سابق، وأقامهما بقدرته قادرٌ على أن يخلق أمثالهم من الخلق بعد فنائهم، وكيف لا يقدر على إعادتهم، والإعادة أهون من الابتداء؟. وبعد أن أثبت أنّ البعث أمر ممكن الوجود في نفسه .. أردف ذلك بأن لحصوله وقتًا معلومًا عنده، فقال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾؛ أي: لإعادتهم، وقيامهم من قبورهم ﴿أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: غير مرتاب فيه؛ أي: أجلًا مضروبًا، ومدة مقدرة لا بدّ من انقضائها، لا يعلمها إلا هو، كما قال: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ وجملة ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بنفسها، فليس داخلًا في حيز الاستفهام، أو مستأنفة، لأنه في قوة قد رأوا لأن الاستفهام تقريريٌّ، والمعنى (٢) قد علموا أنّ من قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس، وجعل لهم ولبعثهم أجلًا محققًا، لا ريب فيه هو يوم القيامة.

стр. 7098

وقيل (١): في الكلام تقديم وتأخير، أي: أولم يروا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض، وجعل لهم أجلًا لا ريب فيه؛ قادر على أن يخلق مثلهم. ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: أبى المشركون، وامتنعوا من الانقياد للحق، ولم يرضوا ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أي: إلا جحودًا به، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، للحكم عليهم بالظلم، ومجاوزة الحد؛ أي: وبعد إقامة الحجة عليهم، أبوا إلا تماديا في ضلالهم، وكفرهم مع وضوح الحجة، وظهور المحجة، ١٠٠ - ثمّ بيّن السّبب في عدم إجابتهم إلى ما طلبوا من الجنات والعيون بأنهم لو ملكوا خزائن الدنيا .. لبقوا على شحهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَوْ﴾ تملكون ﴿أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾؛ أي: خزائن رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات، وأنتم مرفوع بفعل يفسره المذكور، على أنّ الضمير المنفصل بدل من الضمير المتصل، وهو ﴿الواو﴾ لا مبتدأ؛ لأن ﴿لو﴾ لا تدخل إلا على الفعل، والأصل لو تملكون أنتم تملكون كما قدّرنا آنفًا ﴿إذا﴾؛ أي: لو ملكتموها ﴿لَأَمْسَكْتُمْ﴾ ما ملكتم عن الإنفاق ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾؛ أي: مخافة الفقر، فلا فائدة في إسعافكم بذلك المطلوب الذي التمستموه. أو معنى ﴿لَأَمْسَكْتُمْ﴾ لبخلتم (٢)، من قولك للبخيل ممسك، فلا يقدّر له مفعول، ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾؛ أي: مخافة عاقبة الإنفاق، وهو النفاد ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾؛ أي: جنسه ﴿قَتُورًا﴾؛ أي: بخيلًا منوعًا بطبعه، لأن يبني أمره على الحاجة، والضنة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذل، فالبخل والحرص من الصفات المذمومة، فلا بدّ من تطهير النفس عنهما، وتحليتها بالسّخاء والقناعة، وترك طول الأمل، فإن الشّيطان يستعبد البخيل، ولو كان مطيعًا، وينأى عن السخيِّ، ولو كان فاسقًا، وجنس الإنسان، وإن كان قتورًا مخلوقًا على القبض واليبوسة كالتراب، إلا أن من أفراده خواص متخلقين بصفات الله تعالى، ومتحققين بأسرار فعاله. قال حسان بن ثابت ﵁ في مدح النبي ﷺ :

стр. 7099

له راحةٌ لو أنَّ مِعْشَارَ جُودها ... على البرِّ كَان البرُّ أَنْدى من البحرِ الراحة: باطن الكف، والمعشار بمعنى العشر. وعبارة المراغي هنا: المراد من الإنفاق هنا: الفقر، كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، وروي نحوه عن قتادة، وإليه ذهب الراغب فقال: يقال: أنفق فلان إذا افتقر، وقال أبو عبيدة: أنفق، وأملق، وأعدم، وأصرم بمعنى. أي: قل لهم أيها الرسول: لو أنكم تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الفقر؛ أي: خشية أن تزول وتذهب، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا، وقصارى ذلك، أنّكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها .. لبقيتم على الشح والبخل، وفي هذا إيماء إلى أن الله لا يجيبكم إلى ما طلبتم من نبيه ﷺ من بساتين، وعيون تنبع، لا بخلا منه، ولكن اقتضت الحكمة أن يكون نظام الدنيا هكذا، ولا رقيّ للإنسان إلا على هذا المنوال، فهو يوسع الرزق على قوم، ويضيقه على آخرين، على مقتضى الحكمة والمصلحة، ومن ثمّ لم ينزل ما اقترحتموه. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾؛ أي: بخيلًا منوعًا بطبعه، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾؛ أي: لو أنّ لهم نصيبًا في ملك الله .. لما أعطوا أحدًا شيئًا، ولا مقدار نقير. وإجمال المعنى (١): أن الله لم يجب محمدًا إلى ما طلبتم، لا هوانًا لنبيه، ولا لأنه ليس بنبي، ولا بخلًا - حاشاه - بل لحكمة منه، فربّما كانت وفرة العطاء إذا نزلت على غير وجهها مصايب على الناس، فأما أنتم فمنعكم يجري على طريق البخل، فلو سلّم لكم السموات والأرض، وادارستموها لم تفهموا إلا الإمساك، ومن ثمّ لا يسلمكم مفاتيح خزائنه، لئلّا تمسكوا المال لأنفسكم، ولا تنفعوا خلقه.

стр. 7100

١٠١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أعطينا موسى بن عمران ﵇ ﴿تِسْعَ آياتٍ﴾؛ أي: معجزات ﴿بَيِّناتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على صحة نبوته، وصدقه وصحة ما جاء به من عند الله، حين أرسل إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وقد ذكر سبحانه في كتابه العزيز ستّ عشرة معجزةً لموسى ﵇: ١ - أنّه أزال، العقدة من لسانه؛ أي: أذهب العجمة عن لسانه، وصار فصيحًا. ٢ - انقلاب العَصَا حيّةً. ٣ - تلقّف الحيّة حبالهم وعصيّهم على كثرتها. ٤ - اليد البيضاء. ٥ - الطوفان. ٦ - الجراد. ٧ - القمّل. ٨ - الضفادع. ٩ - الدم. ١٠ - شق البحر. ١١ - انفلاق الحجر في قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾. ١٢ - إظلال الجبل في قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾. ١٣ - إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. ١٤ و١٥ - الجدب ونقص الثمرات في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾.

стр. 7101

١٦ - الطمس على أموالهم من الحنطة والدقيق والأطعمة. وقد اختلفوا (١) في المراد من هذه التسع، أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، من طرق عدة، عن ابن عباس: أنها العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: المراد بالآيات الأحكام، فقد أخرج أحمد، والبيهقي، والطبراني، والنسائي، وابن ماجه: أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي فنسأله، فأتياه ﷺ فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فقال ﵊: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت» فقبَّلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي، قال: «فما يمنعكما أن تسلما»؟ قالا: إن داود دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود. قال الشهاب الخفاجي: وهذا هو التفسير الذي عليه المعول في الآية، ثمّ خاطب نبيّه فقال: ﴿فَاسْأَلْ﴾ يا محمد ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ الذين كانوا في عصرك، وآمنوا بك كعبد الله بن سلام وأصحابه عن قصة موسى فيما جرى بينه، وبين فرعون وقومه، لتزيد طمأنينتك، ويقينك، ولتعلم أنّ ذلك أمر محقق ثابت عندهم في كتابهم، وليظهر صدق ما ذكرته عند المشركين، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد، وهذه (٢) الجملة اعتراضية بين العامل الذي هو ﴿آتَيْنا﴾، والمعمول الذي هو ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾؛ أي: حين جاء موسى بني إسرائيل الذين كانوا في زمانه ﵇، وهذا الظرف متعلق بـ ﴿آتينا﴾؛ أي: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات حين جاء موسى بني إسرائيل، فأظهر ما أتيناه من الآيات عند فرعون، وبلّغه ما أرسل به ﴿فَقالَ لَهُ﴾؛ أي: لموسى ﵇: ﴿فِرْعَوْنُ﴾

стр. 7102

اللعين ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾؛ أي: مغلوب العقل، مخلّطًا عليه أمره، أو مطبوبا؛ أي: سحروك، أو ساحرًا (١) بغرائب أفعاله، قاله الفراء وأبو عبيدة، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشؤوم، وميمون، أي شائمٌ ويامن. وقيل: إن (إذ) تعليلية لا ظرفيّة، معللة للسؤال؛ أي: فاسألهم يا محمد يخبروك، لأنّه جاءهم؛ أي: جاء آباءهم بهذه الآيات، وأبلغها فرعون فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مخلّط العقل، ومن ثمّ ادعيت ما ادعيت مما لا يقول مثله كامل العقل حصيف الرأي. وقيل: جملة قوله: ﴿فَسْئَلْ﴾ ليست معترضةً بل هي مقول لقول محذوف تقديره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فـ ﴿قلنا﴾ له ﴿اسأل﴾ فرعون ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: فك أولاد يعقوب من يده وأسره، أي: سلهم يا موسى من فرعون؟ وقل له: أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم، والظرف في قوله: ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ متعلق بذلك القول المحذوف، أو بـ ﴿اسأل﴾؛ أي: حين جاء موسى بني إسرائيل، وفرعون وقومه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ بصيغة الأمر لرسول الله ﷺ ، أو لموسى ﵇، كما مر تفصيله، وقرأ ابن عبّاسٍ، وابن نهيك (فسأل بني إسرائيل) على صيغة الماضي؛ أي: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فسأل موسى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل إذ جاءهم ... الخ. ١٠٢ - ﴿قالَ﴾ موسى لفرعون، والله ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعون ﴿ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾؛ أي: ما أنزل علي هذه الآيات التسع التي أريتكها، وأوجدها ﴿إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكهما حالة كونها ﴿بَصائِرَ﴾؛ أي: دلالات يستدل بها على قدرة الله تعالى، ووحدانيته، وحجة لي على حقيقة ما أدعوك إليه، وشاهدة لي على

стр. 7103

صدقي وصحة قولي: إني رسول الله، بعثني بها رب السموات والأرض، لأنه هو الذي يقدر عليها وعلى أمثالها، وهي بصائر لمن استبصر بها، وهدًى لمن اهتدى بها، يعرف من رآها أنّ من جاء بها فهو محق، وأنّها من عند الله، لا من عند غيره، إذ كانت معجزةً لا يقدر عليها إلا رب السموات والأرض، وقرأ (١) الجمهور ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ بفتح التاء على خطاب موسى لفرعون، وتبكيته في قوله عنه: إنه مسحور؛ أي: لقد علمت أن ما جئت به ليس من باب السحر، ولا أني خدعت في عقلي، بل علمت أنه ما أنزلها إلّا الله سبحانه، وما أحسن ما جاء به من إسناد إنزالها إلى لفظ رب السموات والأرض، إذ هو لما سأله فرعون في أول محاورته، فقال له: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ينبهه على نقصه، وإنه لا تصرف له في الوجود، وقرأ علي بن أبي طالب، وزيد بن علي، والكسائي ﴿علمت﴾ بضم التاء، أخبر موسى عن نفسه أنه ليس بمسحور كما وصفه فرعون، بل هو يعلم أنّ ما أنزل هؤلاء الآيات إلا الله، قال (٢) أبو عبيد: المأخوذ به عندنا قراءة الجمهور، أعني فتح التاء، وهو الأصح للمعنى؛ لأن موسى لا يقول: علمت أنا، وهو الداعي، وروي نحو هذا عن الزجاج. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾؛ أي: مصروفًا عن الخير، مطبوعًا على الشر، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؛ أي: ما صرفك أو هالكًا فإن الثبور الهلاك، وقرأ (٣) أبي ﴿وإن إخالك يا فرعون لمثبورا﴾ وهي إن المخففة، واللام الفارقة ١٠٣ - ﴿فَأَرادَ﴾ فرعون من نتائج ظنه الكاذب ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾؛ أي: أن يخرج موسى، وبني إسرائيل ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مصر بقتلهم واستئصالهم بحيث لا يبقي منهم أحدًا فعكسنا عليه مكره ﴿فَأَغْرَقْناهُ﴾؛ أي: فرعون في البحر ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من جنده من القبط ﴿جَمِيعًا﴾ فأخرجناه من أرضه أفظع إخراج، ونجينا موسى وقومه من نتائج ظنه الصادق ١٠٤ - ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد إغراق فرعون وقومه ﴿لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾، أي: لأولاد يعقوب، ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ التي أراد أن

стр. 7104

يستفزّكم منها، وهي أرض مصر، إن صح أنهم دخلوها بعده، أو الأرض مطلقًا، أو أرض الشام، وهي الأرض المقدّسة التي وعدتم بها ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: البعث بعد الموت؛ أي: البعث الموعود في الدار الآخرة، ﴿جِئْنا بِكُمْ﴾؛ أي: أحييناكم، وجئنا بكم من قبوركم إلى المحشر، حالة كونكم ﴿لَفِيفًا﴾؛ أي: مختلطين أنتم وهم فيختلط جميع الخلق المسلم والكافر، والبر والفاجر، ثمّ نحكم بينكم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم. ١٠٥ - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾؛ أي: وحالة كون هذا القرآن ملتبسًا بالحق، والحكمة المقتضية لإنزاله، وهي هداية الخلق، وقطع أعذارهم، أنزلناه عليك يا محمد ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: وحالة كونه ملتبسًا بالدين الحق من العقائد الصحيحة، والأحكام الحقة، نزل عليك يا محمد، أو المعنى: وبالحق أنزلناه من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر جملة واحدة، وبالحق نزل عليك منجّمًا بحسب الوقائع. وهذا الكلام (١) مرتبط في المعنى بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الخ، وهذا على أسلوب العرب حيث ينتقلون في كلامهم من سياق المقصود إلى غيره المناسب له، ثمّ يرجعون لما كانوا بصدده اهـ شيخنا، وفي الخطيب أنه معطوف على ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ وقيل معنى قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾؛ أي (٢): وأنزلنا عليك القرآن متضمنًا للحق، ففيه أمر بالعدل، والإنصاف، ومكارم الأخلاق، ونهي عن الظلم والأفعال الذميمة، وذكر براهين الوحدانية، وحاجة الناس إلى الرسل لتبشيرهم، وإنذارهم، وحثهم على صالح الأعمال انتظارًا ليوم الحساب، والجزاء، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: ونزل إليك محفوظًا محروسًا، لم يشب بغيره، فلم يزد فيه، ولم ينقص (٣)، وقد يكون المراد، ونزل إليك مع الحق، وهو شديد القوى، الأمين المطاع في الملأ الأعلى جبريل ﵇، وبعد أن مدح الكتاب، مدح من أنزل عليه، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها الرسول إلى من أرسلناك

стр. 7105

إليهم من عبادنا ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بالجنة من أطاعنا، فانتهى إلى أمرنا؛ أي: إلا هاديًا ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: ومنذرا لمن عصانا بالعقاب، فهؤلاء الجهال الذين اقترحوا عليك تلك المعجزات، وتمردوا عن قبول دينك، لا شيء عليك من كفرهم. ١٠٦ - ﴿وَقُرْآنًا﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره قوله: ﴿فَرَقْناهُ﴾؛ أي: وأنزلنا عليك قرآنًا فرقناه؛ أي: فصلناه وبيناه، وقيل: فرقنا به بين الحق والباطل، وقيل: معناه أنزلناه نجوما لم ينزل مرة واحدة، بدليل قوله: لتقرأه على الناس، وقد بدىء بإنزاله ليلة القدر، في رمضان، ثمّ أنزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَرَقْناهُ﴾ بتخفيف الراء أي: بينا حلاله وحرامه، قاله ابن عباس، وعن الحسن: فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقال الفراء: أحكمناه، وفصلناه كقوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ وقرأ أبي، وعبد الله، وعليّ وابن عباس، وأبو رجاء، وقتادة، والشعبيُّ وحميد، وعمر بن فائد، وزيد بن عليّ وعمرو بن ذر، وعكرمة، والحسن بخلاف عنه بشد الراء، أي: أنزلناه نجمًا بعد نجم، وفصلناه في النجوم، وقيل: معنى ﴿فرقناه﴾ بالتشديد فرقنا آياته بين أمر، ونهي، وحكم وأحكام، ومواعظ، وأمثال، وقصص وأخبار، مغيبات أتت، وتأتي، وقرأ أبي وعبد الله ﴿فرقناه عليك﴾ بزيادة عليك ثم ذكر سبحانه العلة لقوله: فرقناه فقال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾؛ أي: أنزلناه مفرّقًا لتقرأه على الناس على مكث؛ أي: على مهل، وتأن وتؤدة، شيئًا فشيئًا، فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم؛ أي: وحكمة نزوله هكذا بعضه إثر بعض أن تقرأه على الناس بتؤدة وتأن ليسهل عليهم حفظه، ويكون ذلك أعون على تفهم معناه، وقد (٢) اتفق القراء على ضمّ الميم في ﴿مكث﴾ إلا ابن محيصن، فإنه قرأ بفتح الميم، وهما لغتان ﴿وَنَزَّلْناهُ﴾ في ثلاث وعشرين سنة ﴿تَنْزِيلًا﴾ على قانون الحكمة، وحسب الحوادث، وجوابات السائلين، وفائدة قوله: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ بعد قوله: ﴿فَرَقْناهُ﴾

стр. 7106

بيان أنّ ذلك التنزيل لمقتض - وهو التنزيل بحسب الحوادث - للمصلحة، لأنهم لو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا، ولم يطيقوا، ١٠٧ - ثمّ هددهم سبحانه على لسان نبيه ﷺ بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لك ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿آمِنُوا بِهِ﴾، أي آمنوا إن شئتم بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتوا به، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ﴿أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ إن شئتم، فإن إيمانكم به لا يزيده كمالًا، وامتناعكم عنه لا يورثه نقصًا. ثم علل عدم المبالاة بهم، واحتقار شأنهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وأعطوه مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل نزول القرآن؛ أي: وإن تكفروا به أيها المشركون، فإنّ العلماء الذين قرؤوا الكتب السالفة من قبل نزول القرآن، وعرفوا أنّ الله سيبعث نبيًا في آخر الزمان، وعرفوا حقيقة الوحي، وأمارات النبوة كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام، ﴿إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ﴾؛ أي: يسقطون على وجوههم حالة كونهم، ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين لله شكرًا له على إنجاز وعده بإرسالك، وهذه الآية من عزائم السّجدات، وإنما قيّد (١) الخرور وهو السقوط بكونه للأذقان؛ أي: عليها لأنّ الذقن، وهو مجتمع اللحيين، أوّل ما يحاذي الأرض، قال الزجاج: لأنّ الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود، فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن. وقيل المراد تعفير اللحية في التراب، فإن ذلك غاية الخضوع، وإيثار اللام في ﴿للأذقان﴾ للدلالة على الاختصاص، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بالأذقان. والخلاصة (٢): أنكم إن لم تؤمنوا به، فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم، وفيه تسلية لرسوله ﷺ وازدراء لشأنهم.

стр. 7107

وحاصلها (١): أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم، ولا معرفة بكتب الله، ولا بأنبيائه، فلا تبال بذلك، فقد آمن به أهل العلم، وخشعوا له، وخضعوا عند تلاوته عليهم، خضوعًا ظهر أثره البالغ بكونهم يخرّون على أذقانهم سجّدًا لله. ١٠٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول الذين أوتوا العلم في سجودهم ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾؛ أي: تنزيهًا لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب، أو تنزيهًا له عن خلف وعده الذي في الكتب السالفة ببعث محمد ﷺ وإنزال القرآن عليه ﴿إِنْ كانَ﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي: إن الشّأن والحال كان ﴿وَعْدُ رَبِّنا﴾ بإنزال القرآن، وبعث محمد ﷺ ، ﴿لَمَفْعُولًا﴾؛ أي: منجزًا آتيًا كائنًا لا محالة واقعًا البتة؛ لأن الخلف نقص، والنّقص عليه تعالى محال، وقيل: الظاهر (٢) أنّ المراد بالوعد، وعد الآخرة كما يدل عليه سياق الآية، من قصة موسى، وفرعون، وما قبلها من قصة قريش في إنكار البعث، والله أعلم. ١٠٩ - ثم ذكر أنهم خروا لأذقانهم باكين فقال: ﴿يَخِرُّونَ﴾؛ أي: ويخر الذين أوتوا العلم، ويسقطون ﴿لِلْأَذْقانِ﴾؛ أي: على أذقانهم للسجود، لما أثر فيهم، من مواعظ القرآن حالة كونهم ﴿يَبْكُونَ﴾ من خشية الله تعالى، وكرر ذكر الخرور للأذقان لاختلاف السبب؛ فإن الأوّل: لتعظيم الله تعالى وتنزيهه، والثاني: للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم، ومزيد خشوعهم، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾؛ أي: سماع القرآن، أو القرآن بسماعهم له، أو البكاء، أو السجود، أو المتلو. ﴿خُشُوعًا﴾؛ أي: تواضعًا لله كما يزيدهم علمًا، ويقينًا بالله تعالى؛ أي: يزيدهم لين قلب، ورطوبة عين، فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن، وفي «الفتوحات»: وتكرر الخرور لاختلاف حاليه بالبكاء والسجود، وجاءت الحال الأولى اسمًا لدلالته على الاستمرار، والثانية فعلًا لدلالته على التجدد والحدوث اهـ «سمين».

стр. 7108

وقد جاء في مدح البكاء من خشية الله تعالى أخبار كثيرةٌ (١): فقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى». وأخرج مسلم، والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا اجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وغيرهما عن عبد الأعلى التميمي، أنه قال: إن من أوتي من العلم ما لم يبكه .. لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه؛ لأنّ الله تعالى نعت أهل العلم فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ﴾. ١١٠ - ثم رد على المشركين المنكرين إطلاق اسم الرحمن عليه فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾؛ أي: قل يا محمد لمشركي قومك الذين أنكروا اسم الرحمن، ادعوا الله؛ أي: سموا أيها القوم معبودكم الحقّ باسم الله إن شئتم، أو باسم الرحمن، إن شئتم؛ أي: قولوا في دعائه إن شئتم: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا﴾؛ أي: أي اسم من هذين الاسمين تدعوه به، فهو من أسمائه ﴿فَلَهُ﴾؛ أي: لأنّ له سبحانه أسماء هي ﴿الْأَسْماءُ﴾ الكثيرة، ﴿الْحُسْنى﴾ لدلالتها على الكمال والجلال فمعنى حسن أسماء الله تعالى كونها مفيدة لمعاني التّحميد، والتّقديس، والتمجيد، والتّعظيم؛ أي: فبأي اسمين منهما تسمونه فهو حسن، لأنّ كل أسمائه حسنى؛ إذ فيها التعظيم، والتقديس لأعظم موجود، وهو خالق السموات والأرض، وهذان الاسمان منها. قال البيضاوي: والدعاء (٢) في الآية بمعنى التسمية، وهو يتعدى إلى مفعولين، حذف أولهما استغناء عنه، وأو للتخيير، والتنوين في أيا، عوض عن المضاف إليه، و ﴿ما﴾ صلة لتأكيد ما في أي من الإبهام، والضمير في ﴿فَلَهُ﴾

стр. 7109

للمسمى، لأن التسمية له، لا للاسم، وكان أصل الكلام: أيًّا ما تدعوا فهو حسن وضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة، وللدلالة على أنها إذا حسنت أسماؤه كلها، حسن هذان الاسمان اهـ. فمعنى (١) ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾؛ أي: سموا المعبود بحق بالله، أو بالرحمن، فإنهما من الأسماء الحسنى، وإذا حسنت أسماؤه كلّها، فهذان الاسمان منها، والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو أفعل التفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء، كما في «القاموس»: وجملتها تسعة وتسعون اسمًا كما في الحديث الصحيح، بروايات متعددة عن علي، وأبي هريرة ﵄ «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ...» إلى آخر ما سرده الترمذي في جامعه، وقد شرحناها كلها شرحًا شافيًا، في كتابنا «هدية الأذكياء على طيبة الأسماء» وهو مطبوع منتشر فراجعه إن شئت. وقرأ طلحة بن مصرف (٢): ﴿أيا من﴾ فاحتمل أن تكون ﴿من﴾ زائدة على مذهب الكسائي، واحتمل أن يكون جمع بين أداتي شرط على وجه الشذوذ. ثم أمر رسوله ﷺ بالتوسط في القراءة، فلا يجهر صوته، ولا يخافت به، فقال: ﴿وَلا تَجْهَرْ﴾ يا محمد ﴿بِصَلاتِكَ﴾؛ أي: لا ترفع بقراءتك في الصلاة في المسجد الحرام، فيسمعها المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾؛ أي: بقراءة صلاتك؛ أي: لا تسرها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، فهو على حذف المضاف، للعلم بأن الجهر، والمخافتة من نعوت الصوت، لا من نعوت الصلاة؛ لأن الصّلاة أفعال، وأذكار، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ﴾؛ أي: واطلب بين الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: أمرًا وسطًا، فإنّ خير الأمور أوساطها، والتعبير (٣) عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه أمرٌ

стр. 7110

يتوجّه إليه المتوجهون، ويؤمه المقتدون، فيوصلهم إلى المطلوب، روي أن أبا بكر ﵁ كان يخفت، ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وعمر ﵁ يجهر بها، ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يرفع قليلًا وعمر أن يخفض قليلًا. ١١١ - ولما أمر الله سبحانه رسوله أن لا يناديه إلا بأسمائه الحسنى، علمه كيفية التّحميد بقوله: ﴿وَقُلِ﴾ أيها الرسول في ثناء ربك ﴿الْحَمْدُ﴾ اللائق، والشكر الدائم مستحق ﴿لِلَّهِ﴾ ، ذي الجلال والإكرام، ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ﴾ ولم يجعل لنفسه ﴿وَلَدًا﴾ ذكرًا ولا أنثى، لأن الولادة من صفات الأجسام والحوادث لا غير، وهو ردّ على اليهود والنصارى وبني مدلج حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿وَ﴾ الذي ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾؛ أي: في ملك العالم؛ أي: في الألوهية، فإن الكل عبيده، والعبد لا يصلح أن يكون شريكًا لسيده في ملكه، وهو رد على الثنوية القائلين بتعدد الإله ﴿وَ﴾ الذي ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ﴾؛ أي: ناصر ينصره ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾، والهوان؛ أي: لم يوال أحدًا من أجل مذلة به، ليدفعها بموالاته، فإنّه محال أن يذل فيحتاج إلى أحد يتعزز به، ويدفع عنه المذلة، إذ له العزّة كلها، فليس له مذلّة، ولا له احتياج إلى وليّ يدفع الذل عنه، وهو رد على المجوس والصابئين في قولهم: لولا أولياء الله لذل الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وفي «الأسئلة المقحمة»: كيف (١) جعل عدم الولد علة استحقاق الحمد؟. الجواب: إن هذا ليس بتعليل لوجوب الحمد، إنّما هو بيان من يقع له الحمد، كما تقول: الحمد لله، الأول الآخر، الحمد لله رب العالمين انتهى. وفي «الكشاف»: كيف رتب الحمد على نفي الولد، والشريك، والذل، أي: مع أنه لم يكن من الجميل الاختياري؟. قلت: إنَّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمةٍ فهو الذي
следующие страницы →