ومنها: الاستعارة التمثيليةُ في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ حيث مثل حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء لاستئصالهم.
ومنها: الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما تعدهم إلا غرورًا، ولكنه عدل عن ذلك تهوينًا لأمره، واستصغارًا لأمر الغرور الذي يعدهم به.
ومنها: المجاز العقلي في نسبة الغرور، إلى الوعد على حد قوله: نهاره صائم، وليله قائم.
ومنها: التذييل في قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ لأنه كالتعليل لما سبق من تسيير السفن، وتسخيرها في البحر.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، وفي قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
تنجيتهم من الغرق ... تمم ذكر المنّة بذكر تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم. أو يقال: لما هددهم بما هدد به من الخسف، والغرق، وأنهم كافرو نعمته .. ذكر ما أنعم به عليهم، ليتذكّروا فيشكروا نعمه ويقلعوا عما كانوا فيه من الكفر، ويطيعوه تعالى، وفي ذكر النّعم وتعدادها هز لشكرها؛ أي: حثٌّ على شكرها.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله (١)، لما ذكر أحوال بني آدم في الدنيا، وذكر أنه أكرمهم على كثير من خلقه، وفضّلهم عليهم تفضيلًا .. فصّل في هذه الآيات تفاوت أحوالهم في الآخرة مع شرح أحوال السعداء، ثم أردفه ما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضّلال، والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر، والتلبيس ثمّ قفى على ذلك ببيان أنّ سنّته قد جرت بأن الأمم التي تلجىء رسلها إلى الخروج من أرضها، لا بدّ أن يصيبها الوبال والنكال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا عدد نعمه على بني آدم، ثمّ ذكر حالهم في الآخرة من إيتاء الكتاب باليمين لأهل السعادة، ومن عمى أهل الشقاوة .. أتبع ذلك بما يهم به الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع، والتلبيس على سيّد أهل السعادة المقطوع له بالعصمة، ذكره في «البحر».
قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر كيدهم للرسول ﷺ وما كانوا يرومون به .. أمره الله أن يقبل على شأنه من عبادة ربه، وأن لا يشغل قلبه بهم، وكان قد تقدّم القول في الإلهيات، والمعاد، والنبوات، فأردف ذلك بالأمر بأشرف العبادات والطاعات بعد الإيمان، وهي الصلاة.
стр. 7039
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر (١) كيد الكفّار واستفزازهم لرسول الله ﷺ ليخرجوه من أرضه، وسلّاه بما سلّاه به .. أمره بالإقبال على ربّه بعبادته، لينصره عليهم، ولا يبالي بسعيهم، ولا يلتفت إليهم، فإنه سبحانه يدفع مكرهم، وشرّهم، ويجعل يده فوق أيديهم، ودينه عاليا على أديانهم، ثمّ وعده بما يغبطه عليه الخلق أجمعون من المقام المحمود، ثمّ بيّن أن ما أنزل عليه من كتاب ربه فيه الشفاء للقلوب من الأدواء النفسية، والأمراض الاعتقادية، كما أنه يزيد الكافرين خسارة وضلالًا، لأنه كلّما نزلت عليه آية ازدادوا بها كفرًا وعتوًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر تنويع ما أنزل من القرآن شفاء ورحمة للمؤمن، وبزيادة خسار للظالم .. عرّض بما أنعم به، وما حواه من لطائف الشرائع على الإنسان، ومع ذلك أعرض عنه، وبعّد بجانبه عنه اشمئزازًا له، وتكبرًا عن قرب سماعه، وتبديلًا مكان شكر الإنعام كفره.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما (٢) امتنّ على نبيه بما أنزل عليه من الكتاب، وذكر أنه شفاء للناس، وأنه ثبته عليه حين كادوا يفتنونه عنه، ثمّ أردفه بمسألة الروح اعتراضا، لأنّ اليهود والمشركين اشتغلوا بها عن تدبر الكتاب والانتفاع به، وسألوا تعنتا عن شيء لم يأذن الله بالعلم به لعباده .. امتنّ عليه ببقاء ذلك الكتاب، وحذّره من فتنة الضالين، وإرجاف المرجفين، وهو المعصوم من الفتنة، فإنّه لو شاء لأذهب ما بقلبه منه، ولكن رحمة بالناس تركه في الصدور، وفي هذا تحذيرٌ عظيم للهداة والعلماء، وهم غير معصومين من الفتنة بأن يباعد بينهم وبين هدي الدين بمظاهرتهم للرؤساء، والعامة، وتركهم العمل به اتباعا لأهوائهم، واستبقاء لودهم، وحفظًا لزعامتهم على الناس.
стр. 7040
ثم ذكر أنّ القرآن وحيٌ يوحى فلا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض معينا، وقد اشتمل على الحكم والأحكام، والآداب التي يحتاج إليها البشر في معاشهم، ومعادهم، وكثيرٌ من الناس جحدوا فضله عتوًا وكبرًا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر (١) إنعامه على نبيه ﷺ بالنبوة، وبإنزال وحيه عليه .. ذكر ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر، وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله، وأنّه من أكبر النعم عليه، والفضل الذي أبقى له ذكرًا إلى آخر الدهر، ورفع له قدرا به في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله ، لما (٢) أقام الدليل على إعجاز القرآن، ولزمتهم الحجة، وغلبوا على أمرهم .. أخذوا يراوغون، ويقترحون الآيات، ويتعثرون في أذيال الحيرة، فطلبوا آية من آيات ست، فإن جاءهم بآية منها، آمنوا به وصدَّقوا برسالته.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ...﴾ الآيات، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن مردويه، وابن أبي حاتم، من طريق إسحاق عن محمد ابن أبي محمد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج أميّة بن خلف، وأبو جهل بن هشام، ورجال من قريش، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، تعالى تمسّح بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرقّ لهم، فأنزل الله قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾.
стр. 7041
قلت: هذا أصحُّ ما ورد في سبب نزولها، وإسناده جيد، وله شاهد.
وعن سعيد بن جبير، قال: كان النبي ﷺ يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلمّ بآلهتنا، فحدّث نفسه، وقال: «ما علي أنْ أُلمّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر، والله يعلم إني لها كاره»، فأبى الله ذلك، وأنزل عليه هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾، وهذا صريح في أنّ الآية مكية، وأخرجه ابن مردويه بلفظ أصرح منه.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو متوكِّىء على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيىء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه، فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾، قال الأعمش: هي كذا قراءتنا.
وعن ابن عباس ﵄ قالت قريش لليهود: علمونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوهُ عن الروح، فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.
قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلّا قليلًا، وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ قال الحافظ بن كثير
стр. 7042
(ج ٣/ ص ٦٠) في الكلام على الحديث الأول: وهذا الحديث يقتضي فيما يظهر بادىء الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أنّ السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنّها قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن إسحاق، وابن جرير من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: أتى النبيّ ﷺ سلّام بن مشكم في عامة من يهود، سماهم، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وإنّ هذا الذي جئت به لا نراه متناسقًا كما تناسق التوراة، فأنزل علينا كتابًا نعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...﴾ الآيات، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن شيخ من أهل مصر، عن عكرمة عن ابن عباس، أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البحتريّ والأسود بن عبد المطلب، وربيعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجّاج اجتمعوا فقالوا: يا محمد: ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد سببت الآباء، وعبت الدّين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تريد مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالا، وإن كنت إنما تطلب الشّرف فينا .. سوّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك ربّما يأتيك رئيًا تراه قد غلب، بذلنا أموالنا
стр. 7043
في طلب العلم، حتّى نبرئك منه، فقال رسول الله ﷺ : «ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم مبشرا، ونذيرا» قالوا: فإن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنّه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا منّا، ولا أقلّ مالا، ولا أشدّ عيشا منا، فلتسأل لنا ربك الذي بعثك، فليسير عنّا هذه الجبال التي ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا، فإن لم تفعل .. فسل ربّك ملكا يصدّقك بما تقول وأن يجعل لنا جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، نعينك بها على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش، فإن لم تفعل فأسقط السماء كما زعمت أنّ ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله ابن أبي أمية، فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثمّ سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم تفعل ذلك، ثمّ سألوك أن تعجّل ما تخوفهم به من العذاب، فو الله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثمّ ترقى فيه، وأنا أنظر، وحتى تأتي معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة، فيشهدوا لك أنّك كما تقول: فانصرف رسول الله ﷺ حزينا، فأنزل الله عليه ما قاله عبد الله ابن أبي أمية ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿بَشَرًا رَسُولًا﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٧٠ - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾؛ أي: وعزتي، وجلالي، لقد شرفنا بني آدم قاطبة، وكرمناهم في أنفسهم تكريما شاملا لبرهم وفاجرهم، بالصورة (١) والقامة المعتدلة، والتسلط على ما في الأرض، والتمتع به، والتمكن من الصناعات، والعلم والنطق، وتناول الطعام باليد، وغير ذلك. قال ابن عباس: هو أنهم يأكلون بالأيدي، وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض، وقال أيضًا: بالعقل،
стр. 7044
وقيل: أكرم الرّجال باللحى، والنساء بالذوائب، ولا مانع من حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه الأشياء، وأعظم (١) خصال التكريم العقل، فإنّ به تسلطوا على سائر الحيوانات، وميّزوا بين الحسن والقبيح، وتوسعوا في المطاعم، والمشارب، وكسبوا الأموال التي تسببوا بها إلى تحصيل أمور لا يقدر عليها الحيوان، وبه قدروا على تحصيل الأبنية التي تمنعهم مما يخافون، وعلى تحصيل الأكسية التي تقيهم الحر والبرد، وقيل: تكريمهم، هو: أن جعل محمدًا ﷺ منهم.
﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ على الدواب والقطر والسيارات ﴿وَ﴾ في ﴿الْبَحْرِ﴾ على البواخر، والسفن وفي الهواء على الطائرات، والمطاود واحدها منطاد، وهذا تخصيص لبعض أنواع التكريم ﴿وَرَزَقْناهُمْ﴾؛ أي: أعطيناهم ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ أي: من لذيذ المطاعم، والمشارب، وسائر ما يستلذونه وينتفعون به، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ هم ﴿تَفْضِيلًا﴾ عظيمًا؛ أي: على كثير من الخلق بالغلبة، والشرف، والكرامة، فعليهم أن لا يشركوا بربهم شيئًا، ويرفضوا ما هم عليه من عبادة غيره من الأصنام والأوثان، والمراد بالكثير من عدا الملائكة ﵈.
واعلم: (٢) أنّ الله قال في أوّل الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾، وفي آخرها ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ ولا بدّ من الفرق بين التكريم والتفضيل، وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال في الفرق: أنّ الله كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقيّةٍ، ذاتية طبيعيةٍ، مثل: العقل والنطق، والخط، وحسن الصورة.
ثم إنه سبحانه عرّفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل.
стр. 7045
والخلاصة: أن في الآية حثا للإنسان على الشكر، وألا يشرك بربه أحدًا؛ لأنه سخر له ما في البر والبحر، وكلأه بحسن رعايته، وهداه إلى صنعة الفلك لتجري في البحر، ورزقه من الطيبات وفضله على كثير من المخلوقات.
٧١ - ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾؛ أي: اذكر يا محمد لأمتك، أهوال يوم ندعو كل أناس بإمامهم؛ أي بكتابهم الذي فيه أعمالهم، التي قدّموها، ولا ذكر للأنساب حينئذ؛ لأنها مقطوعة، فلا يقال: يا ابن فلان، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشر، كما قال تعالى: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾.
والخلاصة (١): أن المعوّل عليه يومئذ الأعمال، والأخلاق، والآراء، والعقائد النفسية، التي تغرس في النفوس، لا الأنساب؛ لأن الأولى باقية، والثانية فانية، ويؤيد هذا قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وعلى هذا القول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وقيل (٢): معنى ﴿بِإِمامِهِمْ﴾؛ أي: بمن اقتدوا به؛ أي: بنبيهم كأن يقال: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى؛ يا أمة عيسى، يا أمة محمد، فيقوم أهل الحقّ الذين اتّبعوا الأنبياء، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، وكأن يقال: يا أتباع فرعون، يا أتباع نمروذ، يا أتباع أبي جهل، وبه قال الزجاج، وقال الضحاك، وابن زيد: بإمامهم أي بكتابهم الذي أنزل عليهم فينادى في القيامة يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وقيل: بمذاهبهم، فيقال: يا حنفي، يا شافعيُّ، يا معتزليُّ، يا قدريُّ، ونحو ذلك.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ بنون العظمة، وقرأ الحسن ومجاهد ﴿يدعو﴾ بياء الغيبة؛ أي: يدعو الله، وقرأ أبو عمران الجونيّ ﴿يوم يدعى﴾ بياء مضمومة، وفتح العين، وبعدها ألف «كل» بالرفع على أنه نائب فاعل ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ﴾؛ أي: فمن أعطي صحيفة أعماله ﴿بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: من جهة يمينه،
стр. 7046
وهم السعداءُ، وفي إيتاء الكتاب من جهة اليمين تشريف لصاحبه، ﴿فَأُولئِكَ﴾ الجمع باعتبار معنى ﴿من﴾ قيل: ووجه الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل، أو الإشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع، لا على وجه الإنفراد، ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ الذي أوتوه قراءة ظاهرةً مسرورين، فرحينَ بما فيه من الحسنات، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩)﴾ ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا ينقصون من أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم، ﴿فَتِيلًا﴾؛ أي: قدر فتيل بل يؤتونها مضاعفة، والفتيل هو ما يفتل بين أصبعين من الوسخ، أو القشرة التي في شقّ النواة، أو أدنى شيء، فإنّ الفتيل مثل في القلة والحقارة، وقد ثبت في علم الكيمياء أنّ وزن الذّرّات التي تدخل في كل جسم بنسب معيّنة، فلو أنّ ذرة واحدة في عنصر من العناصر الداخلة في تركيب؛ أي: جسم من النبات، أو الحيوان أو الجماد نقصت عن النسبة المقدّرة لتكوينه لم يتكون ذلك المخلوق، وخالق الدنيا هو خالق الآخرة، فالظّلم مستحيل هناك، كما استحال هنا في نظم الطّبيعة، فما أجلّ قدرة الله سبحانه، وما أعظم حكمته في خلقه.
٧٢ - ولم يذكر الأشقياء، وإن كانوا يقرؤون كتبهم أيضًا، لأنهم إذا قرؤوا ما فيها لم يفصحوا به خوفا وحياء، وليس لهم شيء من الحسنات ينتفعون به، ولكنه سبحانه ذكر ما يدل على حالهم القبيح فقال: ﴿وَمَنْ كانَ﴾ من المدعوين المذكورين ﴿فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمى﴾؛ أي: أعمى القلب لا يهتدي إلى رشده، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لا يرى طريق النّجاة، ويستولي الخوف والدهشة على قلبه، فيثقل لسانه عن قراءة كتابه ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ أي: بل هو أخطأ عن سبيل النجاة في الآخرة من الأعمى في الدنيا، لزوال الاستعداد، وتعطل الأسباب والآلات، وفقدان المهلة.
قال النّيسابوري (١): لا خلاف أن المراد بعمى الدنيا عمى القلب، وأما
стр. 7047
قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾، وفي هذا زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى القلب، وقيل: المراد بالآخرة عمل الآخرة؛ أي: فهو في عمل، أو في أمر الآخرة أعمى، وقيل: المراد من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا، فهو عن نعم الآخرة أعمى، وقيل: من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى، وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله، فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل: إنّ قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ أفعل تفضيل، أي: أشد عمى، وهذا مبنيٌّ على أنه من عمى القلب إذ لا يقال ذلك في عمى العين.
والمعنى: أي (١) ومن كان في دار الدنيا أعمى القلب لا يبصر سبل الرشد، ولا يتأمّل حجج الله وبيناته التي وضعها في صحيفة الكون، وأمر بالتأمل فيها فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة، وأضلُّ سبيلا منه في الدنيا؛ لأنّ الرّوح الباقي بعد الموت، هو الروح الذي كان في هذه الحياة الدنيا، وقد خرج من الجسم، وكأنه ولد منه كما تلد المرأة الصبيّ، وكما يثمر النّخل الثمر، والأشجار الفواكه، وما الثمر والفواكه إلا ما كان من طباع الشجرة فهكذا الروح الباقي هو هذا الروح نفسه، قد خرج بجميع صفاته، وأخلاقه، وأعماله، فهو ينظر إلى نفسه، وينفر أو ينشرح بحسب ما يرى، وما الثمر إلا بحسب الشجر، فإذا كان هنا ساهيًا لاهيًا، فهناك يكون أكثر سهوًا ولهوًا، وأبعد مدى في الضلال لأنّ آلات العلم والعمل قد عطّلت، وبقي فيه مناقبه ومثالبه، ولا قدرة على الزيادة في الأولى ولا النّقص في الثانية. وقرأ (٢) حمزة، والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم ﴿أعمى﴾ في الموضعين بالإمالة؛ أي: بكسر الميم، وقرأ يعقوب، وابن كثير، ونافع، وابن عامر ﴿أعمى﴾ في الموضعين بفتح الميم؛ أي: بغير إمالة، وقرأ أبو عمرو ﴿في هذه أعمى﴾ بكسر الميم؛ أي: بالإمالة ﴿فَهُوَ فِي
стр. 7048
الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ بفتحها مفخّمًا؛ أي: بغير إمالة (١)؛ لأن أفعل التفضيل تمامه بمن كانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة، فلا يقبل الإمالة، وأما الأول فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف، فقبلت الإمالة.
٧٣ - وبعد أن ذكر سبحانه درجات الخلق في الآخرة، وشرح أحوال السعداء، أردفه بتحذيرهم من وساوس أرباب الضلال والخديعة بمكرهم، فقال: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ و ﴿إن﴾ مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية؛ أي: وإنّ الشّأن والحال قد قارب المشركون بخداعهم أن يوقعوك في الفتنة بصرفك ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾؛ أي: عما أوحيناه إليك من الأحكام من الأمر والنهي والوعد والوعيد ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾؛ أي: لتختلق وتتقوّل وتكذب علينا غير الذي أوحيناه إليك، ممّا اقترحوا عليك. ﴿وَإِذًا﴾؛ أي: ولو اتبعت أهواءهم، وفعلت ما طلبوا منك، وعزتي وجلالي ﴿لَاتَّخَذُوكَ﴾؛ أي: لجعلوك ﴿خَلِيلًا﴾؛ أي: صديقا، ووليا لهم، وكنت وليًا لهم، وخرجت عن ولايتي، و ﴿إذا﴾ حرف جواب وجزاء، يقدّر بـ ﴿لو﴾ الشرطية كما أشرنا إليه في الحل، وعبارة «السّمين»: ﴿إذًا﴾ حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: ﴿لَاتَّخَذُوكَ﴾ جواب قسم محذوف، تقديره؛ أي: وإن افتتنت وافتريت والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى، لأن إذا تقتضي الاستقبال إذ معناها المجازاة، وقوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾؛ أي: في (٢) ظنّهم لا أنهم قاربوا إذ هو ﵇ معصوم أن يقاربوا فتنته عمّا أوحي إليه، وتلك المقاربة في زعمهم سببها رجاؤهم أن يفتري على الله غير ما أوحى الله إليه، من تبديل الوعد وعيدًا، أو الوعيد وعدًا، ذكره أبو حيان.
٧٤ - ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾؛ أي: ولولا تثبيتنا إياك على الحق وعصمتنا لك عما دعوك إليه موجود ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾ وقاربت ﴿تَرْكَنُ﴾ وتميل ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى مرادهم ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ من الركون الذي هو أدنى ميلٍ فنصبه على المصدرية؛ أي:
стр. 7049
لقاربت (١) أن تميل إلى اتّباع مرادهم شيئًا يسيرًا من الميل اليسير، لقوة خداعهم، وشدة احتيالهم، لكن أدركتك العصمة فمنعتك من أن تقرب من أدنى مراتب الركون إليهم، فضلا عن نفس الركون، وهذا صريح في أنه ﵇ ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليلٌ على أنّ العصمة بتوفيق الله وعنايته وحفظه، وقرأ قتادة، وابن أبي إسحاق، وابن مصرّف ﴿تركن﴾ بضم الكاف مضارع ركن بفتحها.
وخلاصة ذلك: أنك كنت على أهبة الرّكون إليهم، لا لضعف منك، بل لشدة مبالغتهم في التحيّل والخداع، ولكن عنايتنا بك منعتك أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم،
٧٥ - ثم توعّده على ذلك أشد الوعيد، فقال: ﴿إِذًا﴾؛ أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركنة والله ﴿لَأَذَقْناكَ﴾ يا محمّد ﴿ضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْحَياةِ﴾؛ أي: الدنيا ﴿وَضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْمَماتِ﴾، أي: الآخرة؛ أي (٢): ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة، فهو ﷺ ، لو ركن إليهم .. يكون عذابه ضعف عذاب غيره على مثل هذا الفعل؛ لأن الذّنب من العظيم يكون عقابه أعظم، ومن ثم يعاقب العلماء على زلّاتهم أشدّ من عقاب العامّة، لأنهم يتبعونهم، ونظير ذلك من وجه ما جاء في نسائه ﷺ من قوله: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
وكان أصل الكلام (٣): عذابًا ضعفًا في الحياة وعذابًا ضعفًا في الممات بمعنى مضاعفًا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت مقامه الصفة، وهو الضعف، ثمّ أضيفت إضافة موصوفها، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة، وأليم الممات.
وخلاصة ذلك (٤): أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون همك، لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار
стр. 7050
عذابك مثلَيْ عذاب المشرك في الدنيا، ومثلي عذابه في الآخرة، وقد ذكروا في حكمة هذا أنّ الخطير إذا ارتكب جرمًا وخطأ خطيئةً يكون سببًا في ارتكاب غيره مثله والاحتجاج به، فكأنه سنّ ذلك، وقد جاء في الحديث: «من سن سنةً سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» أخرجه مسلم وغيره. ﴿ثُمَّ﴾ بعد إذاقتنا إيّاك ضعف العذاب ﴿لا تَجِدُ لَكَ﴾؛ أي: لنفسك ﴿عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يدفع عنك العذاب أو يرفعه عنك روي عن قتادة أنه قال: لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلخ قال ﷺ : «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» فينبغي للمؤمن أن يتدبرها حين تلاوتها، ويستشعر الخشية، ويستمسك بأهداب دينه، ويقول كما قال النبي ﷺ : «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» قال النيسابوري (١): اعلم أنّ القرب من الفتنة لا يدلّ على الوقوع فيها، والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها، فلا يلزم من الآية طعن في العصمة
٧٦ - ﴿وَإِنْ كادُوا﴾؛ أي: وإنّ الشّأن والحال قارب أهل مكة، ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم، وينزعونك بسرعة ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ التي أنت فيها، وهي أرض مكة، ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ بما فعلوه من حصرك والتضييق عليك، وقد وقع ذلك بعد نزول الآية، وصار ذلك سببا لخروجه ﷺ حتى هاجر بأمر ربه، بعد أن هموا به.
فإن قلت (٢): أليس أخرجوه بشهادة قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾؟
قلت: لم يتحقق الإخراج بعد نزول هذه الآية، ثم وقع بعده حيث هاجر ﵇ بإذن الله تعالى، وكانوا قد ضايقوه قبل الهجرة ليخرج، وقوله: ﴿وَإِذًا﴾؛ أي: ولئن أخرجوك، والله ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾؛ أي: لا يمكثون في الدنيا، أو تلك الأرض ﴿خِلافَكَ﴾؛ أي: بعد إخراجك ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إلّا زمانًا قليلًا، وقد كان الأمر كذلك؛ فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته ﵇، لثمانية
стр. 7051
عشر شهرًا من ذلك التاريخ (١). معطوف على ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾؛ أي: لا يبقون بعد إخراجك إلا زمنًا قليلًا ثم عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعًا.
وقال أبو حيان (٢): ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ جواب قسم محذوف؛ أي: والله إن استفزوك فخرجت لا يلبثون، ولذلك لم تعمل إذًا لأنها توسطت بين قسم مقدر والفعل، فلا يلبثون ليست منصبة عليه من جهة الإعراب، ويحتمل أن تكون ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، يدل عليه المعنى تقديره: وهم إذًا لا يلبثون، فوقعت إذًا بين المبتدأ وخبره، فألغيت اهـ. وقرأ (٣) عطاء ابن أبي رباح ﴿لا يلبثون﴾ بضم الياء وفتح اللام، والباء مشددة، وقرأ يعقوب كذلك إلا أنه كسر الباء، وقرأ أبي ﴿وإذًا لا يلبثوا﴾ بحذف النون أعمل إذًا فنصب بها على قول الجمهور، وبأن مضمرة بعدها على قول بعضهم: وكذا هي في مصحف عبد الله محذوف النون، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، ﴿خلفك﴾ بمعنى بعدك، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم ﴿خِلافَك﴾ قال الأخفش: ﴿خِلافَكَ﴾ في معنى خلفك وبعدك، وقال ابن الأنباري ﴿خِلافَك﴾ بمعنى مخالفتك، والمعنى عليه على مخالفتك، فسقط حرف الخفض، ومما يدل على أنّ ﴿خِلَاف﴾ بمعنى بعد قول الشاعر:
عَفَتِ الدِّيَار خِلَافَهَا فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيْرَا
يقال: شطبت المرأة الجريد: إذا شققته لتعمل منه الحصير، قال أبو عبيدة: ثم تلقيه الشاطبة إلى المثقبة، وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل ﴿خُلَّافُك﴾ بضم الخاء وتشديد اللام، ورفع الفاء، وقرأ عطاء ابن أبي رباح ﴿بعدك﴾ مكان ﴿خلفك﴾، والأحسن أن يُجعل تفسيرا لخلفك لا قراءة لأنها تخالف سواد المصحف،
٧٧ - وقوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا﴾ منصوب على المصدرية؛ أي: سننّا ذلك الإهلاك سنة كسنّتنا في أقوام من قد أرسلنا ﴿قَبْلَكَ﴾ يا محمد ﴿مَنْ
стр. 7052
رُسُلِنا﴾؛ أي: عادةً كعادتنا فيهم، فسنة الله تعالى فيهم أن يهلك كلّ أمة أخرجت رسولهم من بين أظهرهم، فالسنة لله تعالى، وإضافتها إلى الرسل؛ لأنها سنّت لأجلهم كما يدلّ عليه قوله: ﴿وَلا تَجِدُ﴾ يا محمد ﴿لِسُنَّتِنا﴾؛ أي: لعادتنا بإهلاك مخرجي الرسل من بينهم ﴿تَحْوِيلًا﴾؛ أي تغييرًا عما كانت عليه أوّلا؛ فإن ما أجرى الله به العادة لا يمكن لأحد سواه أن يغيره، ولا أن يحوله.
والمعنى (١): أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا، وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم، أن يأتيهم العذاب، ولولا أنه ﷺ رسول الرحمة، لجاءهم من النّقم ما لا قبل لهم به، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية.
٧٨ - ولما ذكر سبحانه الإلهيات المعاد والجزاء .. أردفها بذكر أشرف الطاعات، وهي الصلاة فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ يا محمد؛ أي: أدّ الصّلاة المفروضة عليك، وعلى أمتك ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ أي: بعد دلوك الشمس، وزوالها ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: إلى ظلمة الليل، ويشمل ذلك الصلوات الأربع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء ﴿وَ﴾ أقم ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: صلاة الصبح بالنصب عطفا على مفعول، أقم، أو على الإغراء، أي إلزم، وسميت قرآنًا؛ لأنه ركنها كما تسمى ركوعًا وسجودًا، فالآية تدل على تفسير الدلوك بالزوال جامعة للصلوات الخمس.
وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين (٢):
أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر، وابنه، وأبو هريرة، وأبو برزة، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، واختاره ابن جرير.
والقول الثاني: أنه غروب الشمس، قاله علي، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وروي عن ابن عباس.
стр. 7053
وقد (١) بيّنت السنة المتواترة من أقواله وأفعاله ﷺ تفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، ممّا تلقوه عنه خلفًا عن سلف، قرنًا بعد قرن، وقد تقدّم في سورة البقرة، أنّ المراد بإقامة الصلاة: أداؤها على الوجه الذي سنه الدين، والنهج الذي شرطه من توجيه القلب إلى مناجاة الرب، والخشية منه في السر والعلن، مع اشتمالها على الشرائط والأركان التي أوضحها الأئمة، المجتهدون، والصلاة لب العبادة، لما فيها من مناجاة الخالق، والإعراض عن كلّ ما سواه، ودعائه وحده، وهذا هو مخّ كلّ عبادة، وفي الحديث «أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: إنّ صلاة الصبح ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده ويحضره ملائكة الليل، وملائكة النهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل، وأوّل ديوان النهار.
وقد يكون المراد كما قال الرازي: أنّ الإنسان يشهد فيه آثار القدرة، وبدائع الحكمة في السموات والأرض، فهناك الظلام الحالك الذي يزيله النور الساطع، وهناك يقظه النوم بعد الخمود، والغيبوبة عن الحس إلى نحو ذلك من مظاهر القدرة، في الملك، والملكوت، فكلّ العالم يقول بلسان حاله أو مقاله: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكة والروح).
٧٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: وبعض ساعات الليل ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن؛ أي: فاسهر بتلاوته في قيام الليل، وأزل به الهجود، والنوم، أو المعنى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: وبعض ساعات الليل ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾؛ أي: فصل بالقرآن حالة كون تلك الصلاة ﴿نافِلَةً﴾؛ أي: فريضة زائدة على الصلوات الخمس خاصة. ﴿لَكَ﴾ دون أمتك يعني فريضة زائدة على سائر الفرائض التي فرضها الله عليك، كما روي عن عائشة ﵂ «ثلاث هن عليّ فريضة، وهن سنة لكم: الوتر، والسواك، وقيام الليل». وقيل: إنّ الوجوب صار منسوخًا في حقه كما في
стр. 7054
حق الأمة، فصار قيامُ الليل نافلةً؛ لأنّ الله قال: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ولم يقل: عليك.
فإن قلت: ما معنى التخصيص إذا كان زيادة في حق المسلمين كما في حقه ﷺ ؟
قلت: فائدة التخصيص: أن النَّوافل كفارات لذنوب العباد، والنبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت له نافلةً، وزيادة في رفع الدرجات.
ويجوز أن تكون ﴿نافِلَةً﴾ مصدرًا كالعافية والعاقبة فتكون مفعولًا مطلقًا، والمعنى فتنفل نافلة لك.
فصل في الأحاديث الواردة في قيام الليل
عن المغيرة بن شعبة قال: قام رسول الله ﷺ حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» متفق عليه.
وعن زيد بن خالد الجهني قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة فتوسدت عتبته، أو فسطاطه (فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثمّ صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلّى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمّ أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة) أخرجه مسلم، وأبو داود، وهذا لفظ أبي داود.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على أكثر من إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» متفق عليه.
стр. 7055
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ويسجد سجدتين قدر ما يسجد ويقرأ أحدكم خمسين آيةً قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذّن من صلاة الفجر، وتبيّن له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة) متفق عليه؛ وعنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) أخرجه البخاري.
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: (قمت مع رسول الله ﷺ ليلةً فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف، وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء، والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام، فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة النساء) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وعن عائشة ﵂ قالت: (قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة) أخرجه الترمذي.
وعن الأسود بن يزيد قال: سئلت عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل، قالت: (كان ينام أوله ويقوم آخره، فيصلي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذّن المؤذن، وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج) متفق عليه.
وعن أنس بن مالك قال: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلّا رأيناه) أخرجه النسائي، زاد في رواية غيره، قال: (وكان يصوم من الشهر حتى نقول: لا يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شيئًا).
﴿عَسَى﴾؛ أي: حق وثبت ووجب ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ﴾ ويقيمك ﴿رَبُّكَ﴾ يا محمد في الآخرة، ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾، أي: قيامًا محمودًا يحمدك فيه كل الخلائق من الأولين والآخرين، وخالقهم ﵎، فعسى هنا تامة، وجملة أن المصدرية
стр. 7056
مع مدخولها فاعله، قال ابن جرير: قال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من الأهوال في ذلك اليوم.
أخرج النسائي، والحاكم، وجماعة عن حذيفة ﵁ قال: «يجمع الله الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاةً عراةً كما خلقوا قيامًا لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادى يا محمد فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله .
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته .. حلت له شفاعتي».
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر وما من نبي يومئذٍ، آدم فمن سواه .. إلا تحت لوائي» الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا» متفق عليه.
٨٠ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد داعيًا ربك ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ في كل (١) مقام تريد إدخالي فيه في الدنيا وفي الآخرة ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾؛ أي: إدخالًا صادقًا؛ أي: يستحق الداخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ من كل ما تخرجني منه ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾؛ أي: إخراجًا صادقًا؛ أي: يستحق الخارج منه أن يقال له:
стр. 7057
أنت صادق في قولك وفعلك.
وقيل المعنى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ في المدينة ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، أي: إدخالًا مرضيًا ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ من مكة إلى المدينة ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾؛ أي: إخراجًا مرضيًا، وذلك (١) حين أمر النبي ﷺ بالهجرة كما قاله ابن عباس، والحسن، أو المعنى: وأخرجني من المدينة إلى مكة غالبًا عليها بفتحها. وقيل: الأكمل مما سبق أن يقال: ربّ أدخلني في الصلاة، وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص، وحضور قلبي بذكرك، ومع القيام بلوازم شكرك. والأكمل من ذلك أن يقال: رب أدخلني في القيام بأداء مهمات شريعتك، وأخرجني بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى عليّ منها تبعة والأعلى مما سبق أن يقال: رب أدخلني في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك، ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول، ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الفرد المنزه عن التغيرات، وقيل: المعنى رب أدخلني القبر إدخالًا مرضيًا وأخرجني منه عند البعث إخراجًا مرضيًا ملقى بالكرامة.
وخلاصة ذلك (٢): رب أدخلني إدخالًا مرضيًا كإدخالي للمدينة مهاجرًا، وإدخالي مكة فاتحًا، وإدخالي في القبر حين الموت، وأخرجني إخراجًا محفوظًا بالكرامة والرضا، كإخراجي من مكة مهاجرًا، وإخراجي من القبر للبعث.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿مُدْخَلَ﴾ و ﴿مُخْرَجَ﴾ بضم ميمهما، وهو مقيس في مصدر أفعل الرباعي نحو أكرمته مكرمًا؛ أي: إكرامًا، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وحميد، وإبراهيم ابن أبي عبلة بفتحهما، وقال صاحب «اللوامح» وهما مصدران من دخل وخرج، لكنه جاء من معنى أدخلني، وأخرجني، المتقدمين دون لفظهما، ومثلهما ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ ويجوز أن يكونا اسم المكان، وانتصابهما على الظرف، وقال غيره: منصوبان مصدرين على تقدير فعل؛ أي: أدخلني فأدخل مدخل
стр. 7058
صدق، وأخرجني فأخرج مخرج صدقٍ، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود، قال الواحدي: وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو مدح.
ثم سأل الله القوة بالحجة والتسلط على الأعداء فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي﴾ يا إلهي ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾؛ أي: من خزائن نصرك ورحمتك ﴿سُلْطانًا﴾؛ أي: برهانًا وقهرًا ﴿نَصِيرًا﴾ (١) ينصرني على أعداء الدين، أو ملكًا، وعزًّا ناصرًا للإسلام مظهرًا له على الكفر، فأجيبت دعوته بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فإن ﴿حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أو المعنى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾، أي (٢): حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقيل: اجعل لي من لدنك ملكًا وعزًا قويًا، وكأنه ﷺ علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا.
٨١ - ثم أمره أن يخبر بالإجابة بقوله: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد للمشركين مهددًا لهم قد ﴿جاءَ الْحَقُّ﴾ الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان، والعلم النافع، ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ أي اضمحل باطلهم، وهلك إذ لا ثبات له مع الحق كما قال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾؛ أي: مضمحلًا لا ثبات له في كل آن، والحق كان ثابتًا في كل آن، أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وكان حول البيت ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾: - ﴿جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾.
وفي رواية للطبراني، والبيهقي عن ابن عباس أنه ﷺ جاء، ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها، فيخر لوجهه فيقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ حتى مر عليها كلها، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان
стр. 7059
من صفر فقال: «يا عليُّ ارم به» فصعد فرمى به فكسره
٨٢ - ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ عليك يا محمد ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ بيان (١) مقدم على المبيّن اعتناء بشأنه، فإنّ كل القرآن في تقويم دين المؤمنين واستصلاح نفوسهم، كالدواء الشافي للمرضى ﴿ما هُوَ شِفاءٌ﴾؛ أي: ما به يستشفى من الجهل والضلالة، وتزول به أمراض الشك والنفاق والزّيغ والإلحاد ﴿وَ﴾ ما هو أيضًا ﴿رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ به الذين يعملون بما فيه من الفرائض، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، فيدخلون الجنّة وينجون من العذاب.
واختلف أهل العلم في معنى كونه ﴿شِفاءٌ﴾ على قولين (٢):
الأول: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها، وذهاب الرّيب، وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه.
القول الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظّاهرة بالرقى، والتعوذ، ونحو ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه، وقرأ الجمهور ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ بالنون ومجاهد بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقرأ زيد بن علي ﴿شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ بنصبهما ويتخرج النصب على الحال، وخبر ﴿هُوَ﴾ قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والعامل فيه ما في الجار والمجرور من الفعل، ونظيره قراءة من قرأ ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ بنصب ﴿مطويات﴾ ثم لمّا ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة عليهم، فقال: ﴿وَلا يَزِيدُ﴾ القرآن كله، أو بعض منه الكافرين ﴿الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الواضعين للأشياء في غير موضعها، الذين وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشكّ والارتياب موضع اليقين والاطمئنان؛ أي: لا يزيدهم مع كونه في نفسه شفاءً من الأسقام ﴿إِلَّا خَسارًا﴾؛ أي: إلّا خسرانًا سرمديًا، وهلاكًا أبديًا بكفرهم وتكذيبهم له، لأنهم كلما سمعوا آيةً منه
стр. 7060
ازدادوا بعدًا عن الإيمان، وازدادوا كفرًا بالله تمردًا وعنادًا؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)﴾.
وفي الآية (١): إيماء إلى أنّ ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك.
٨٣ - ثمّ نبه على قبح بعض ما جبل عليه الإنسان من الطبائع المذمومة، فقال: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا﴾؛ أي: أحسنا وأفضنا ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾؛ أي: على هذا الجنس بالنّعم التي توجب الشكر كالمال والعافية، والفتح والنصر، وفعل ما يريد ﴿أَعْرَضَ﴾ عن شكرنا عليها، وعن طاعتنا، وعبادتنا، أو اغتر بها غافلًا عن شكرنا، وطاعتنا ﴿وَنَأى﴾؛ أي: تباعد عن أمرنا لاويا ﴿بِجانِبِهِ﴾ وعطفه عن اتباعه مستكبرًا عن قبول الحق، معجبا بنفسه، معاديا لأهل الحق غير مقتد بهم، تعظما لنفسه كديدن المستكبرين من أهل الدنيا، وعبارة «الخازن» هنا؛ أي: تباعد عنا بنفسه، وترك التّقرّب إلينا بالدعاء، وقيل: معناه تكبر وتعظّم، انتهت. وهو (٢) تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه؛ أي: ناحيته، والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه، ويولّيه ظهره، ولا يبعد أن يراد بالإعراض هنا: الإعراض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله عند نزول البلوى والمحنة به، ويُراد بالنأي بجانبه: التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم.
стр. 7061
وقرأ الجمهور (١) ﴿وَنَأى﴾ بفتحتين بلا إمالة، وقرأ حمزة، والكسائي بالإمالة فيهما، وأمال شعبة والسوسي الهمزة فقط، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر ﴿ناء﴾ مثل باع بتأخير الهمزة، قيل: هو مقلوب ﴿نَأى﴾ فمعناه بَعُدَ، وقيل: معناه نهض بجانبه، وقال الشاعر:
حَتَّى إِذَا مَا الْتَأَمَتْ مَفَاصِلُهْ ... وَنَاءَ فِيْ شَقِّ الشِّمَالِ كَاهِلُهْ
أي: نهض متوكئًا على شماله ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أي: وإذا أصابته الجوائح، وانتابته النوائب من فقر أو مرض، أو نازلة من النوازل، وفي إسناد (٢) المساسِ إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة، إيذان بأنَّ الخير مرادٌ بالذات والشر ليس كذلك ﴿كَانَ يَؤُسًا﴾؛ أي: شديد اليأس من روح الله وفضله، والمعنى (٣): أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي، وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته شيء من ذلك، استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين مذمومة.
وهذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه الآية، ولا يبعد أن يقال: لا منافاة بين الآيتين، فقد يكون مع شدة يأسه، وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه.
٨٤ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل إنسان منا ومنكم ﴿يَعْمَلُ﴾ عمله ﴿عَلَى شاكِلَتِهِ﴾؛ أي: على طريقته التي تشاكل وتوافق حاله التي جبل، وطبع عليها من الهدي والضلال، قال في «القاموس» الشّاكِلَة الشكل، والشكل المثل والنّظير والناحية، والنية، والطريقة، والمذهب انتهى.
وقيل: الطبيعة، وقيل: الدين، والمعنى: أنّ كلّ إنسان يعمل عمله على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وطبع عليها، وهذا ذم للكافر، ومدح للمؤمن ﴿فَرَبُّكُمْ﴾
стр. 7062
الذي برأكم على هذه الطبائع المختلفة، وابتلاكم بهذه الأديان المختلفة ﴿أَعْلَمُ﴾ منا ومنكم ﴿بِمَنْ هُوَ أَهْدى﴾ وأسدّ، وأصوب، وأوضح ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا، ودينًا فيؤتيه أجره موفورًا، وأعلم بمن هو أضل سبيلًا فيعاقبه بما يستحق؛ أي: يعلم المهتدي، والضال فيجازي كلاًّ بعمله؛ لأنه الخالق لكم، العالم بما جبلتم عليه من الطبائع، وما اختلفتم فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة، ولا ييأس عند المحنة، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم، والقنوط عند النقم.
وفي الآية (١): إشارة إلى أن الأعمال دلائل الأحوال، فمن وجد نفسه في خير وطاعة وشكر، فليحمد الله تعالى كثيرًا، ومن وجدها في شر وفسق، وكفران، ويأس فليرجع قبل أن يخرج الأمر من يده.
وبمعنى الآية قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ ولا يخفى ما في هذه الآية من تهديد شديد، ووعيد للمشركين.
٨٥ - ولما أجرى الكلام في ذكر الإنسان وما جبل عليه، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله - ﷺ - عن الروح فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾؛ أي: ويسألك اليهود يا محمد ﴿عَنِ﴾ حقيقة ﴿الرُّوحِ﴾ الذي يحيا به البدن، هل هو جسماني أو نوراني، أو عن صفته أقديم هو أم حادث؟.
قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحدًا من خلقه، ولن يعط علمه أحدًا من عباده، ولذا قال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد في جواب سؤالهم ﴿الرُّوحِ﴾ الذي هو سبب حياة البدن بنفخه فيه ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: شأن من شؤونه تعالى، وفعل من أفعاله، أحدث بتكوينه وخلقه وإبداعه من غير مادة، وقد استأثر بعلمه، لا يعلمه إلا هو سبحانه؛ لأنكم لا تعلمون إلّا ما تراه حواسكم، وتتصرف فيه عقولكم، ولا تعلمون من المادة إلّا بعض أوصافها، كالألوان، والحركات للبصر، والأصوات للسمع، والطعوم للذوق،
стр. 7063
والمشمومات للشم، والحرارة والبرودة للمس فلا يتسنى لكم إدراك ما هو غير مادي كالروح.
وقال القرطبي: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهمًا له وتاركًا تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه، مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا، كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحقّ تعالى أولى، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز، انتهى. أو المعنى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: شيء من الأشياء التي استأثر الله سبحانه بعلمها، ولم يعلم بها أحدًا من عباده، وقيل: معنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: من وحيه، وكلامه لا من كلام البشر، فعلى هذا المراد بالروح المسؤول عنه القرآن، والقول الأول هو الظاهر الحق.
وفي هذه الآية (١) ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته أبلغ زجر، ويردعهم أعظم
ردع، وما أحسن قول أحمد بن رسلان في «زبده»:
والرُّوحُ مَا أَخْبَرَ عَنْهَا الْمُصْطَفَى ... فَنُمْسِكُ المَقَالَ عَنْهَا أَدَبَا
وقد أطالوا البحث في هذا المقام بما لا يقتضيه الحال، وغالبه بل كله من فضول الكلام الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا، وقد حكى بعض المحقّقين أنّ أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومئة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ، والتعب العاطل عن النفع بعد أن عملوا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولا أذن لهم بالسؤال عنه، ولا في البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب!! حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه، ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن الله سبحانه بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه.
стр. 7064
ثم أكد عدم علم أحد بها بقوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ﴾؛ أيها الناس: مؤمنكم ولا كافركم؛ أي: وما أعطيتم ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ بالنسبة إلى علم الله تعالى، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إلا علمًا قليلًا تستفيدونه من طرق الحواس الخمس الظاهرة، السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس؛ أي: إن علمكم الذي علمكم الله سبحانه ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظًا من العلم وافرا، بل علم الأنبياء ﵈ ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر ﵉.
وخلاصة ذلك (١): أنه ما أطلعكم من علمه إلّا على القليل، والذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر بعلمه ﵎، ولم يطلعكم عليه.
وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش (٢): ﴿وما أوتوا﴾ بضمير الغيبة عائدًا على السائلين.
تنبيه: اختلف في المراد بالروح في هذه الآية على ثلاثةِ أقوالٍ:
الأول: أنّ المراد بالروح هنا القرآن، وهو المناسب لما تقدمه من قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ ولما بعَده من قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ ولأنه سمّي به في مواضع متعددة من القرآن كقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾، ولأن به تحصل حياة الأرواح والعقول، إذ به تحصل معرفة الله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، ولا حياة للأرواح إلا بمثل هذه المعارف.
والثاني: أن المراد بالروح هنا جبريل ﵇، وهو قول الحسن، وقتادة، وقد سُمِّي جبريل في مواضع عدّةٍ من القرآن بالروح كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ﴾ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ ويؤيد هذا أنه قال في هذه
стр. 7065
الآية ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وقال جبريل ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ فهم قد سألوا الرسول كيف جبريل في نفسه، وكيف يقوم بتبليغ الوحي.
والثالث: أنّ المراد بالروح هنا الذي يحيا به بدن الإنسان، وهذا قول الجمهور، ويكون ذكر الآية بين ما قبلها وما بعدها اعتراضًا للدلالة على خسارة الظالمين، وضلالهم، وأنهم مشتغلون عن تدبّر الكتاب، والانتفاع به إلى التعنت بسؤالهم عما اقتضت الحكمة سدّ الطريق على معرفته، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ بنفر من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، وقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنّه يوحى إليه، ثم قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية،
٨٦ - ولما ذكر سبحانه أنه ما أتاهم من العلم إلّا قليلا .. بيَّن أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل .. لفعل، فقال: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ و ﴿اللام﴾ الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية ﴿لام﴾ الجواب، وهذا الجواب ساد مسد جوابي القسم، والشرط، والمعنى: وعزتي وجلالي لو شئنا لنمحون بالقرآن الذي أوحينا إليك يا محمد من الصدور والمصاحف، ولا نترك له أثرًا، وبقيت كما كنت أولًا لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴿ثُمَّ﴾ بعد ذهابه ومحوه ﴿لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا﴾ لا تجد لنفسك برده علينا ﴿عَلَيْنا وَكِيلًا﴾ أي كفيلًا يرده عليك، وناصرًا لك علينا ينصرك فيحول بيننا وبين ما نريد بك، ولا قيمًا لك يمنعنا من فعل ذلك بك، وعبارة البيضاوي هنا، أي: لا تجد من يتوكل علينا باسترداده مسطورًا محفوظًا اهـ؛ أي: من يتعهد، ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه اهـ «شهاب».
وهذا (١) الكلام وارد على سبيل الفرض، والمحال يصح فرضه لغرض، فكيف ما ليس بمحال؟
٨٧ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: إلا أن يرحمك ربك، فيرد
стр. 7066
عليك، كأن رحمته تتوكل وتتكفل بالرد عليك، فالاستثناء متصل، وفي «السمين» في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن الرحمة تندرج في قوله: ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: إلّا رحمة فإنها إن نالتك فلعلّها تسترده عليك، والثاني أنه منقطع فيقدر بـ ﴿لكن﴾ عند البصريين، وبـ ﴿بل﴾ عند الكوفيين، والمعنى (١): أي: لكن أبقيناه إلى قرب قيام الساعة رحمة من ربك، فعند ذلك يرفع من الصدور والمصاحف. ﴿إِنَّ فَضْلَهُ﴾ ولطفه ﴿كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا إذ أرسلك للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليك الكتاب وأبقاه في حفظك، ومصاحفك، وفي حفظ أتباعك، ومصاحفهم، وصيرك ولد آدم وختم بك النبيين والمرسلين وأعطاك المقام المحمود، وغير ذلك،
٨٨ - ثمّ نبه إلى شرف القرآن العظيم، وكبير خطره، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل، بل يزعمون أنه من كلام البشر، والله ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾، أي: اتّفقوا، وتعاونوا ﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في البلاغة وكمال المعنى، وحسن النظم، والإخبار عن الغيب، وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل التحقيق ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾؛ أي: بمثل القرآن؛ أي: لا يأتون بكلام مماثل مشابه له في صفاته البديعة، وهو (٢) جواب قسم محذوف، دلّ عليه ﴿اللام﴾ الموطئة له في قوله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ وساد مسد جزاء الشرط، ولولاها .. لكان جوابًا له بغير جزم، لكون الشرط ماضيا، وإنما (٣) أظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن يقول: لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور، لدفع توهم أن يكون له مثل، وللإشعار بأنّ المراد نفي المثل على أي صفة كان.
والمعنى: قل يا محمَّد لمن يزعمون أن القرآن من كلام البشر متحديًا لهم، والله لئن اجتمعت الإنس والجن والملائكة كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في البلاغة، وحسن النّظم، وكمال المعنى .. لا يقدرون على الإتيان
стр. 7067
بمثله ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾؛ أي: مظاهرًا ومعاونًا في الإتيان بمثله؛ أي: لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو تعاونوا وتظاهروا، فإنّ هذا غير ميسور لهم، فكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثيل.
وتخصيص الثقلين بالذكر؛ لأن المنكر في كونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما، لا لأن غيرهما قادر على المعارضة
٨٩ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد رددنا وكرّرنا وبيّنا بوجوه مختلفة توجب زيادة بيان ﴿لِلنَّاسِ﴾، أي: لأهل مكة ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ المنعوت بالنعوت الفاضلة ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أي: من كلّ معنى بديع يشبه المثل في الغرابة ليتلقوه بالقبول.
والمعنى (١): وعزتي وجلالي، لقد رددنا القول في هذا القرآن بوجوه مختلفة، وكرّرنا الآيات والعبر، والترغيب، والترهيب، والأوامر، والنواهي، وأقاصيص الأولين، والجنة والنار، ليدبروا آياته، ويتّعظوا بها ﴿فَأَبى﴾ وامتنع ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ من أهل مكة، ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أي: إلّا الجحود والإنكار، والثبات على الكفر، والإعراض عن الحق، وأنكروا كون القرآن كلام الله بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وأظهر في مقام الإضمار، حيث قال: ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ توكيدًا، أو توضيحًا، وقرأ الجمهور ﴿صَرَّفْنا﴾ بتشديد الراء، والحسن بتخفيفها ذكره في «البحر» وإنما (٢) جاز الاستثناء المفرغ من الموجب مع أنّه لا يصح ضربت إلا زيدًا، لأن لفظة أبى هنا تفيد النفي، فيؤوَّل بالمنفيِّ فكأنه قيل: فلم يرضوا، ولم يقبلوا، ولم يختاروا إلا كفورًا.
وفي الآية فوائد: منها: أنّ القرآن العظيم أجلُّ النعم وأعظمها، فوجب على كل عالم وحافظ أن يقوم بشكره، ويحافظ على أداء حقوقه، قبل أن يخرج الأمر من يده.
٩٠ - ولما تم الإقناع بالحجة وقطعت ألسنتهم، وأفحموا، ولم يجدوا وسيلة للردّ، أرادوا المراوغة والمشاغبة باقتراح الآيات، وذكروا من ذلك ستّة أنواع:
стр. 7068
ذكر الأول منها سبحانه بقوله: ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: قال مشركو مكة، ورؤساؤهم كأبي سفيان، والنضر بن الحارث ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ يا محمد؛ أي: لن نصدّقك، ولن نعترف لك بنبوتك ورسالتك، ﴿حَتَّى تَفْجُرَ﴾؛ أي: تشقّق ﴿لَنا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكة ﴿يَنْبُوعًا﴾؛ أي: عينًا كثيرة الماء ينبع ماؤها، ولا يغور ولا ينقطع، وهو يفعول من نبع الماء و ﴿الياء﴾ زائدة كيعبوب من عب الماء إذا كثر.
والمعنى (١): وقال رؤساء مكة وصناديدها قول المبهوت المحجوج المتحير: لن نصدقك حتى تستنبط لنا عينًا من أرضنا، تدفق بالماء أو تفور، وذلك سهلٌ يسير على الله، لو شاء فعله وأجابهم إلى ما يطلبون، ولكن الله علم أنهم لا يهتدون كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾، وقال أيضًا ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ الآية، وقرأ حمزة والكسائي، وعاصم ﴿حَتَّى تَفْجُرَ﴾ مخففًا مثل تقتل، وقرأ الباقون بالتشديد من ﴿فجر﴾ المضعف، ولم يختلفوا في ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ﴾ أنها مشددة، ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار، وهي جمع.
٩١ - وذكر الثاني منها بقوله: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ﴾ وحدك ﴿جَنَّةٌ﴾؛ أي: بستان تستر أشجاره ما تحتها من العرصة؛ أي: بستان كائن ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ من أشجار ﴿عِنَبٍ﴾ وعبر بالثمرة، لأن الانتفاع بغيرها من الكرم قليل ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ﴾ والسواقي وتجريها أنت بقوة ﴿خِلالَها﴾؛ أي: وسطها ﴿تَفْجِيرًا﴾ كثيرًا، والمراد إما إجراء الأنهار وسطها عند سقيها، أو إدامة إجرائها كما ينبىء عنه الفاء لا ابتداؤه.
وقال في «القاموس»: خلال الدار، ما حوالي جدورها، وما بين بيوتها، وخلال السحاب مخارج الماء. انتهى، والمعنى: أو يكون لك بستانٌ فيه نخيلٌ وعنبٌ تفجر الأنهار خلاله تفجيرًا لسقيه.
стр. 7069
الإعراب
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية: و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَحَمَلْناهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿كَرَّمْنا﴾ ﴿فِي الْبَرِّ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿حملنا﴾ ﴿وَالْبَحْرِ﴾ ﴿الواو﴾ حرف عطف. ﴿الْبَحْرِ﴾: اسم معطوف على ﴿الْبَرِّ﴾ ﴿وَرَزَقْناهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ حرف عطف ﴿رزقنا﴾ فعل وفاعل ﴿هم﴾ ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وجملة ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ معطوفة على ﴿كَرَّمْنا﴾. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ متعلق بـ ﴿رزقنا﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿رزقنا﴾؛ لأنه بمعنى أعطيناهم، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿كَرَّمْنا﴾ ﴿عَلى كَثِيرٍ﴾ متعلق بـ ﴿فضلنا﴾ ﴿مِمَّنْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرٍ﴾ ﴿خَلَقْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: خلقناهم ﴿تَفْضِيلًا﴾ مفعول مطلق لـ ﴿فضلنا﴾.
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾.
﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ﴾ فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نَدْعُوا﴾ ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت دعاءنا إياهم، وأردت بيان حالهم بعد ذلك .. فأقول لك: ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما كما هو مقرر في كتب النحو، ﴿أُوتِيَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، وهو المفعول الأول لـ ﴿أُوتِيَ﴾ ﴿كِتابَهُ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أُوتِيَ﴾ لأنه بمعنى أعطي
стр. 7070
﴿بِيَمِينِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُوتِيَ﴾ ﴿فَأُولئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا ﴿أولئك﴾ مبتدأ ﴿يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية، في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، مستأنفة استئنافًا، بيانيًا، ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿يَقْرَؤُنَ﴾ ﴿فَتِيلًا﴾ منصوب على المفعولية، المطلقة، لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: ظلمًا قدر فتيل.
﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة مَنْ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿فِي هذِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَانَ﴾ ﴿أَعْمى﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿فَهُوَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية ﴿هو﴾ مبتدأ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور حال من المبتدأ، أو من الضمير في ﴿أَعْمى﴾. ﴿أَعْمى﴾ خبر المبتدأ، ﴿وَأَضَلُّ﴾ معطوف على ﴿أَعْمَى﴾. ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز محول من المبتدأ، منصوب بـ ﴿أَضَلُّ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جَوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى.
﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: وإنه ﴿كادُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وهو من أفعال المقاربة ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿يفتنونك﴾ فعل وفاعل، ومفعول ﴿عَنِ الَّذِي﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة، ﴿أَوْحَيْنا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف
стр. 7071
تقديره: أوحيناه إليك ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿تفتري﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق به، ﴿غَيْرَهُ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لافترائك علينا غيره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يفتنون﴾ ﴿وَإِذًا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء مقدر بـ ﴿لو﴾ الشرطية؛ أي: ولو فعلت ذلك الافتراء ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿اتخذوك خليلا﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مع جوابه، جواب لو المقدرة، والتقدير: ولو فعلت ذلك الافتراء، والله لا تخذوك خليلا، وجملة لو المقدرة معطوفة على جملة، قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا﴾.
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾.
﴿وَلَوْلا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿ثَبَّتْناكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل النصب بأن المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مرفوعٍ على الابتداء، والخبر محذوف تقديره؛ ولولا تثبيتنا إياك موجود ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب لولا قد حرف تحقيق ﴿كِدْتَ﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿تَرْكَنُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلّق به ﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ مطلقٌ لأنه بمعنى الركون ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لـ ﴿شَيْئًا﴾، وجملة ﴿تَرْكَنُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كاد﴾ وجملة ﴿كاد﴾ جواب ﴿لَوْلا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلا﴾ مستأنفة.
﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)﴾.
﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، مقدرة، بـ ﴿لو﴾ الشرطية؛ أي: ولو ركنت إليهم .. ﴿لَأَذَقْناكَ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿أذقناك﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿ضِعْفَ الْحَياةِ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه ﴿وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية، جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم جواب ﴿لو﴾ المقدرة، وجملة ﴿لو﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجِدُ﴾ فعل
стр. 7072
مضارع، وهو من وجد الضالة، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَجِدُ﴾ ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بـ ﴿نَصِيرًا﴾. ﴿نَصِيرًا﴾ مفعول ﴿تَجِدُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أذقناك﴾.
﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة ﴿كادُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿يستفزونك﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاد﴾، وجملة ﴿كاد﴾ في محل الرفع خبر إن المخففة، وجملة إن المخففة معطوفةٌ على جملة قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ﴿لِيُخْرِجُوكَ﴾ اللام حرف جر، وتعليل ﴿يخرجوك﴾ فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن المضمرة بعد لام كي ﴿مِنْها﴾ متعلق به، وجملة أن المضمرة مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإخراجك ﴿مِنْها﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يستفزونك﴾ ﴿وَإِذًا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذًا﴾ حرف جواب، وجزاء، مقدر بـ ﴿لو﴾ الشرطية، تقديره: ولو أخرجوك ﴿لا﴾ نافية ﴿يَلْبَثُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿خِلافَكَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَلْبَثُونَ﴾، لأنه بمعنى بعدك كما مر ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا لبثًا قليلًا، وجملة ﴿يَلْبَثُونَ﴾ جواب لقسم محذوف، تقديره؛ والله لا يلبثون، وجملة القسم المحذوف جواب لو المقدرة، وجملة لو المقدرة، معطوفة على جملة ﴿وَإِنْ كادُوا﴾. ﴿سُنَّةَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: سن الله ذلك سنة، والجملة المحذوفة مستأنفة، واختار الفراء نصبها بنزع الخافض؛ أي: كسنة الله في من قد أرسلنا قبلك، واختار بعضهم أن ينصب بفعل محذوف، تقديره: اتّبع: سنة من قد أرسلنا قبلك فالأوجه ثلاثة: ﴿سُنَّةَ﴾ مضاف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مضاف إليه، ﴿قَدْ أَرْسَلْنا﴾ فعل وفاعل صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من قد أرسلناه ﴿قَبْلَكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿مِنْ رُسُلِنا﴾
стр. 7073
حال من العائد المحذوف، أو من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة لا نافية ﴿تَجِدُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد لـ ﴿لِسُنَّتِنا﴾ متعلق بـ ﴿تَحْوِيلًا﴾ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مفعول به لـ ﴿تَجِدُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿سن﴾ المحذوفة.
﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾.
﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لِدُلُوكِ﴾ ﴿اللام﴾ ظرف بمعنى بعد متعلق بـ ﴿أَقِمِ﴾ أو حرف جر وتعليل متعلق به، وإنما جر بـ ﴿اللام﴾ لعدم اتّحاد الفاعل، ففاعل القيام المخاطب، وفاعل الدلوك، ﴿الشَّمْسِ﴾ وزمنهما مختلفٌ أيضًا، فزمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك، ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿أَقِمِ﴾ أو حال من الصلاة؛ أي: أقمها ممتدة إلى غسق الليل، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ معطوف على ﴿الصَّلاةَ﴾؛ أي: وأقم صلاة الصبح، أو منصوب على الإغراء؛ أي: إلزم قرآن الفجر، أي: صلاتها. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿كَانَ﴾ في محل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ﴿مَشْهُودًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلَها.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق، معطوف على ﴿أَقِمِ﴾ و ﴿مِنَ﴾ تبعيضية، والتقدير: واسهر بعض ساعات الليل ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تهجد﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِهِ﴾ متعلق به وجملة ﴿تهجد﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، أعني قولنا، واسهر ﴿نافِلَةً﴾ حال من الصلاة المعلومة من السياق، ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نافِلَةً﴾، أي: صل به الصلاة حالة كون الصلاة ﴿نافِلَةً لَكَ﴾. ﴿عَسَى﴾ فعل ماض تام بمعنى حق، ووجب، وثبت ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ ناصب، وفعل ومفعول وفاعل ﴿مَقَامًا﴾ مفعول مطلق معنوي، لـ ﴿يَبْعَثَكَ﴾ لأنه بمعنى يقيمك ﴿مَحْمُودًا﴾
стр. 7074
صفة لـ ﴿مَقَامًا﴾ وجملة ﴿يبعث﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿عَسَى﴾ تقديره: عسى بعث ربك إياك مقامًا محمودًا؛ أي: إقامته إياك من القبر، أو في الآخرة قيامًا محمودًا.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾.
﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فعل دعاء ونون وقاية ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مُدْخَلَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه مصدر ميمي لـ ﴿دخل﴾ وإضافته لـ ﴿صِدْقٍ﴾ من إضافة الموصوف إلى صفته، أو للبيان، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ فعل دعاء، ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَاجْعَلْ﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَدْخِلْنِي﴾. ﴿لِي﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لا جعل ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ حال من ﴿سُلْطانًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿سُلْطانًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ ﴿نَصِيرًا﴾ صفة له.
﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.
﴿وَقُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ ﴿جاءَ الْحَقُّ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾. ﴿إِنَّ الْباطِلَ﴾ ناصب واسمه ﴿كَانَ زَهُوقًا﴾ فعل ناقص، وخبره واسمه ضمير يعود على ﴿الْبَاطِلُ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا (٨٢)﴾.
стр. 7075
﴿وَنُنَزِّلُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿نُنَزِّلُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ حال من ﴿ما﴾ الموصولة على أنه بيان مقدم، ويجوز أن تكون لابتداءِ الغاية، أو تبعيضية فهي حينئذٍ متعلقة بـ ﴿نُنَزِّلُ﴾ كما اختاره أبو حيان ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿هُوَ شِفاءٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ معطوف على ﴿شِفَاءٌ﴾ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بـ ﴿شِفَاءٌ﴾ أو بـ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ على سبيل التنازع، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿لا﴾ نافية ﴿يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على القرآن، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿خَسَارًا﴾ مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أَنْعَمْنا﴾ فعل، وفاعل ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض مضاف إليه لإذا على كونها فعل شرط لها، ﴿أَعْرَضَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْإِنْسانِ﴾، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها من الإعراب، وجملة إذا معطوفة على جملة قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾. ﴿وَنَأى﴾ فعل ماض معطوف على ﴿أَعْرَضَ﴾. ﴿بِجانِبِهِ﴾ متعلق به، ﴿وَإِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الإنسان، ﴿يَؤُسًا﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إِذا﴾ الأولى.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، كل يعمل إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة، قصد العموم، ﴿يَعْمَلُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلٌّ﴾. ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَرَبُّكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾