وقد جاء مثل هذا النهي في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
وخلاصة ذلك: أبلغهم رسالة ربك، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنّما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم أسًى وحسرةً، فإنما أنت منذرٌ ولست عليهم بمسيطر، إن عليك إلا البلاغ،
٧ - ثم ذكر سبحانه سبب إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ بالبشارة والنذارة، وهو أنه تعالى جعل ما على الأرض زينة لها ليختبر المحسن والمسيء، ويجازي كلًا بما يستحقّ، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من حيوان، ونبات، ومعادن ﴿زِينَةً لَها﴾، ولأهلها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾؛ أي: لنعاملهم معاملة من يختبر حتى يظهر ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في ترك الدنيا، ومخالفة هوى نفسه، طلبًا لله ومرضاته؛ أي: أيهم أطوع لله، وأشدّ استمرارًا على خدمته، وأيهم أقبح عملًا في الإعراض عن الله وما عنده من الباقيات الصالحات، والإقبال على الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات.
قال في «الإرشاد» (١): أي استفهامية مرفوعة بالابتداء، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبرها، و ﴿عَمَلًا﴾ تمييز، والجملة في محل النصب معلقة لفعل البلوى لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته؛ أي: إنّا (٢) جعلنا ما على الأرض زينة لها، لنختبر حالهم في فهم مقاصد تلك الزينة، والاستدلال بها على وجود خالقها، والإخبات إليه، والطاعة له فيما أمر به، والبعد عما نهى عنه، فتقوم الحجة عليهم، فمن اعتبر بتلك الزينة، وفهم حكمتها، حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة أمره، ولم يفهم أسرارها ومقاصدها استحق العقوبة.
وخلاصة ذلك: أنّا جعلنا ما على الأرض زينةً لها، لنعاملهم معاملة من يختبرون، فنجازي المحسنين بالثواب، والمسيئين بالعقاب، ويمتاز أفراد الطبقتين بعضهم عن بعض بحسب درجات أعمالهم.
стр. 7142
روي: أن النّبيّ ﷺ قال: «إن الدنيا نضرة حلوة، والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» وقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قيل: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض». وروى البخاري أنّ عمر كان يقول: اللهم إنا لا نستطيع إلّا أن نفرح بما زيّنته لنا، اللهم إني أسألك أن ننفقه في حقه.
٨ - ﴿وَإِنَّا لَجاعِلُونَ﴾ فيما سيأتي عند تناهي عمر الدنيا، ﴿ما عَلَيْها﴾ أي: ما على الأرض من المخلوقات قاطبة ﴿صَعِيدًا﴾، أي: ترابا ﴿جُرُزًا﴾؛ أي: لا نبات فيه، وسنةٌ جرزٌ لا مطر فيها؛ أي: وإن الأرض وما عليها بائد فان، وإن المرجع إلى الله، فلا تأسى، ولا تحزن لما تسمع وترى، ونحو الآية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)﴾.
وإجمال المعنى: أنّ ما على الأرض سيصير ترابًا ساذجًا بعد ما كان يتعجّب من بهجته النظارة، وتسر برؤيته العيون، فلا تحزن لما عاينت من تكذيب هؤلاء، لما أنزل عليك من الكتاب، فإنا جعلنا ما على الأرض من مختلف الأشياء زينة لها لنختبر أعمال أهلها، فنجازيهم بحسب ما هم أهل له، وإنا لمفنون ذلك بعد حين، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ، وكأنه قيل: لا تحزن فإنّا ننتقم لك منهم.
وخلاصة النظم: لا تحزن يا محمد ممّا وقع من هؤلاء من التكذيب، فإنّا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا، فمجازوهم إن خيرًا .. فخيرٌ، وإن شرًا .. فشرٌ.
ملخص قصة أهل الكهف كما أثر عن العرب
روي أنّ النّصارى عظمت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم، حتى عبدوا الأصنام، وأكرهوا النّاس على عبادتها، وأصدر الملك دقيانوس الأوامر المشددة في ذلك، ومعاقبة من يخالفه، وأراد أن يلزم فتيةٌ من أشراف قومه عبادتها، وتوعّدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على دينهم، فنزع ثيابهم، وحليّهم، ولكنّه رحم شبابهم، فأمهلهم لعلهم يتوبون إلى رشدهم، وهكذا ذهب الملك إلى مدن أخرى، ليحث أهلها على عبادتها، وإلا قتلوا.
стр. 7143
أمّا الفتية: فإنهم انطلقوا إلى كهف قريب من مدينتهم، أفسوس أو طرسوس، في جبل يدعى نيخايوس، وأخذوا يعبدون الله فيه حتى إذا هجم عليهم دقيانوس وقتلهم ماتوا طائعين، وقد كانوا سبعة، فلما مرّوا في الطريق إلى الكهف، تبعهم راع ومعه كلبه فجلسوا هناك يعبدون الله، وكان من بينهم امرؤ يدعى تمليخا يبتاع لهم طعامهم، وشرابهم، يبلغهم أخبار دقيانوس الذي لا يزال مجدًا في طلبهم، حتى إذا عاد من مطافه، ووصل إلى مدينتهم، بحث عن هؤلاء العباد والنساك ليذبحهم، أو يسجدوا للأصنام، فسمع بذلك تمليخا بينما كان يشتري لهم الطعام خفيةً، فأخبرهم، فبكوا ثمّ ضرب الله على آذانهم، فناموا، وتذكرهم دقيانوس، فهدد آباءهم، إن لم يحضروهم، فدلوه عليهم، وقالوا: إنّهم في الكهف، فتوجه إليهم، وسده عليهم ليموتوا هناك، وينتهي الأمر على ذلك.
وقد كان في حاشية الملك رجلان يكتمان إيمانهما، وهما: بيدروس، وروناس فكتبا قصة هؤلاء الفتية سرا في لوحين من حجر، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التّابوت في البنيان، ليكون ذلك عظة واعتبارًا، وذكرى لمن سيجيىء من بعد.
ثم مضت قرون يتلو بعضها بعضًا، ولم يبق لـ: دقيانوس ذكرٌ ولا أثر، وبعدئذٍ ملك البلاد ملك صالح يسمى بيدروس، دام ملكه (٦٨) سنة، وانقسم الناس في شأن البعث والقيامة فرقتين، فرقة مؤمنة به، وأخرى كافرة، فحزن الملك لذلك حزنًا شديدًا، وضرع إلى الله أن يري الناس آية يرشدهم بها إلى أن الساعة آتية لا ريب فيها، وقد خطر إذ ذاك ببال راع يسمى أولياس، أن يهدم باب الكهف، ويبني به حظيرة لغنمه، فلما هدمه استيقظوا جميعًا، فجلسوا مستبشرين، وقاموا يصلون، ثم قال بعضهم لبعض: كم لبثتم نيامًا؟ قال بعضهم: لبثنا يومًا أو بعض يوم، وقال آخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الورق الفضة ﴿هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا﴾ وليحضر لنا جانبًا منه، فذهب تمليخا، كما اعتاد من قبل ليشتري لهم الطعام، وهو متلطف
стр. 7144
في السؤال مختف حذرًا من دقيانوس.
وبينما هو ماش سمع اسم المسيح ينادى به في كل مكان، فحدّث نفسه، وقال: عجبا لم لم يذبح دقيانوس هؤلاء المؤمنين، وبقي حائرًا دهشًا، وقال: ربما أكون في حلم، أو لعل هذه ليست مدينتنا، فسأل رجلًا ما اسم هذه المدينة؟ قال: أفسوس، وفي آخر مطافه تقدم إلى رجل، فأعطاه ورقًا ليشتري به طعامه، فدهش الرجل من نوع هذا النقد، الذي لم يره من قبل، وأخذ يقلبه ويعطيه إلى جبرته، وهم يعجبون منه، ويقولون له: أهذا من كنز عثرت عليه؟ فإنّ هذه الدّراهم من عهد دقيانوس، وقد مضت عليه حقبة طويلة، ثمّ أخذوه، وقادوه إلى حاكمي المدينة، فظنّ في بادىء الأمر أنهم ساقوه إلى دقيانوس، ولكن لما عرف أنه لم يؤت به إليه، زال عنه الكرب، وجفت مدامعه، ثمّ سأله حاكما المدينة - وهما: أريوس، وطنطيوس - أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ وبعد حوار بينه وبينهما، ذكر لهما خبر الفتية، ودقيانوس، وأنّ حديثهما كان أمس وإن كان لديكما ريب من أمري فها هو ذا الكهف، فاذهبا معي لتريا صدق ما أقول، فسارا معه حتّى وصلا إلى باب الكهف، وتقدّمهما تمليخا فأخبرهما بالحديث كله، فداخلهما العجب حين علما أنهم ناموا تسعا وثلاث مئة سنة، وأنّهم أفاقوا ليكونوا آية للناس.
ثم دخل أريوس فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم، وبداخله لوحان مكتوبٌ عليهما قصّة هؤلاء الفتية، وكيف هربوا من دقيانوس حرصًا على عقيدتهم، ودينهم، فسد عليهم بالحجارة، ولما رأى أريوس، ومن معه هذا القصص، خروا لله سجدًا، وأرسلوا بريدًا إلى ملكهم أن عجل واحضر لترى آية الله في أمر فتية بعثوا بعد أن ناموا تسعًا وثلاث مئة سنة، ثمّ سار الملك، ومعه ركب من حاشيته وأهل مدينته حتى أتوا مدينة أفنوس، وكان يوما مشهودًا، وحين رأى الفتية خر ساجدًا لله تعالى، ثمّ اعتنقهم، وبكى، وهم لا يزالون يسبحون ثمّ قال الفتية له: أيّها الملك، نستودعك الله، ونعيذك من شر الإنس والجن، ثمّ رجعوا إلى مضاجعهم، وقبضت أرواحهم، فأمر الملك أن يجعل كل منهم في
стр. 7145
تابوت من ذهب، وحين جنّ الليل، ونام، رآهم في منامه يقولون له: اتركنا كما كنّا في الكهف، ننام على التراب، حتى يوم البعث، فأمر الملك أن يوضعوا في تابوت من ساج، وأن لا يدخل عليهم أحد بعد ذلك، وأن يبنى على باب الكهف مسجد يصلّي فيه الناس، وجعل لهم ذلك اليوم عيدا عظيما. ذلك هو القصص الذي جعله النصارى دليلًا على البعث، أمّا القرآن الكريم، فإنه يقول: إن آياتي على البعث، وإعادة الأرواح بعد الموت ليست مقصورة على هذا القصص وحده، فآياتي عليه لا تعد ولا تحصى، فاقرؤوا صحائف هذا الوجود، ولا تقصروا أمركم على صحائف أهل الكهف والرقيم، واجعلوا أنظاركم تتجه إلى ما حواه الكون، لا إلى ما كتب في القصص، والحكايات، وإن كانت فيها الدلائل والآيات.
إجمال القرآن لقصص أصحاب الكهف
٩ - وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ﴿أم﴾: هي (١) المنقطعة المقدرة بـ ﴿بل﴾، والهمزة التي للإنكار مع ملاحظة معنى النهي فيها عند الجمهور، وبـ ﴿بل﴾ وحدها عند بعضهم، والتّقدير: بل أحسبت، أو بل حسبت، ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر، لا لإبطال الأول والإضراب عنه كما هو معنى ﴿بل﴾ في الأصل، والمعنى أنّ القوم لما تعجّبوا من قصّة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول ﷺ على سبيل الامتحان قال سبحانه: بل أظننت يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ﴾ الكهف الغار الواسع في الجبل، فإن لم يكن واسعا فغار ﴿وَ﴾ أصحاب ﴿الرَّقِيمِ﴾ هو كلبهم بلغة الروم قال في «القاموس»: الرقيم - كأمير: قرية أصحاب الكهف، أو جبلهم، أو كلبهم، أو الوادي، أو الصّحراء، أو لوح رصاص أو حجري نقش ورقّم فيه نسبهم، وأسماؤهم، ودينهم ومم هربوا، وجعل على باب الكهف، فالرقيم عربيٌّ، فعيل بمعنى مفعول؛ أي: بل أظننت يا محمد أنهم ﴿كانُوا﴾ في بقائهم على الحياة مدة طويلة من الدهر ﴿مِنْ آياتِنا﴾؛ أي: من بين آياتنا، ودلائل
стр. 7146
قدرتنا ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: آية ذات عجب وضعًا موضع المضاف، أو وصفًا لذلك بالمصدر مبالغة، والعجيب ما خرج عن حد أشكاله، ونظائره وهو خبر لكانوا، و ﴿مِنْ آياتِنا﴾ حال منه.
والمعنى (١): أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادات، ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات، فإن لله تعالى آيات عجيبة، قصتهم عندها كالنزر الحقير؛ أي: لا تحسب (٢) أيّها الرسول أنّ قصّة أصحاب الكهف والرقيم، المذكورة في الكتب السّالفة حين استمروا أحياء أمدًا طويلًا عجيبةٌ بالإضافة إلى ما جعلناه على ظهر الأرض من الزينة، فليست هي بالعجب وحدها من بين آياتنا، بل زينة الأرض وعجائبها أبدع وأعجب من قصة أصحاب الكهف، فإذا وقف علماء الأديان الأخرى لدى أمثالها، دهشين حائرين، فأنا أدعوك وأمتك إلى ما هو أعظم منها، وهو النظر في الكون وعجائبه من خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر، والكواكب، إلى نحو أولئك من الآيات الدالة على قدرة الله، وأنه يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه، قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصّة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله؛ لأن خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم.
١٠ - وقوله: ﴿إِذْ أَوَى﴾ ظرف لـ ﴿عَجَبًا﴾ أو مفعول لاذكر محذوفًا؛ أي (٣): اذكر يا محمد قصّة حين صار وأتى، وانضم، والتجأ ﴿الْفِتْيَةُ﴾ والشبان من أشراف الروم، أكرههم دقيانوس ملكهم على الشرك، فأبوا، وهربوا ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ هو جيروم في جبلهم بنجلوس، واتّخذوه مأوى، والفتية جمع فتى، وهو الشاب القوي الحدث ﴿فَقالُوا﴾؛ أي: قالت الفتية في دعائهم: ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ﴾؛ أي: أعطنا من عندك، أي من خزائن رحمتك الخاصّة المكنونة عن عيون أهل المعاداة، فمن ابتدائية متعلقة بـ ﴿آتنا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾ خاصة تستوجب المغفرة والأمن
стр. 7147
من الأعداء ﴿وَهَيِّئْ لَنا﴾؛ أي: يسر لنا، وأصلح ورتِّب، وأتمم لنا ﴿مِنْ أَمْرِنا﴾ الذي هو مهاجرة الكفار، والمثابرة على الطاعة ﴿رَشَدًا﴾؛ أي: إصابةً للطريق الموصل إلى المطلوب، واهتداء إليه، وكلا الجارّين متعلق بـ ﴿هَيِّئْ﴾ لاختلافهما في المعنى.
أي: اذكر أيها الرسول حين أوى أولئك الفتية إلى الكهف، هربًا بدينهم من أن يفتنهم عباد الأصنام، والأوثان، وقالوا: إذ ذلك ربنا يسر لنا بما نبتغي من رضاك، وطاعتك رشدا من أمرنا وسدادا إلى العمل الذي نحب، وارزقنا المغفرة، والأمن من الأعداء.
١١ - ﴿فَضَرَبْنا﴾ فعقب هذا القول ﴿ضربنا﴾ وألقينا ﴿عَلَى آذانِهِمْ﴾ حجابًا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة من نومهم حالة كونهم مستقرين ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾؛ أي: سنين ذوات عدد كثيرة، وهي ثلاث مئة وتسع سنين، ويستفاد من وصف السنين بالعدد الكثرة، وقيل (١): منه التقليل؛ لأنّ الكثير قليل عند الله سبحانه
١٢ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد تلك السنين الكثيرة ﴿بَعَثْناهُمْ﴾؛ أي: أيقظناهم من تلك النومة الثقيلة الشّبيهة بالموت، وفيه دليل على أن النّوم أخو الموت في اللوازم من البعث، وتعطيل الحياة، والالتحاق بالجمادات، ﴿لِنَعْلَمَ﴾ ونختبر ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾؛ أي: أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير، والتفويض، وروي عن ابن عباس ﵄ أن أحد الحزبين الفتية، والآخر الملوك الذين تداولوا المدينة ملكًا بعد ملك، وذلك لأنّ اللام للعهد، ولا عهد لغيرهم، والتّصحيح ما سيأتي قريبا، وأيّ مبتدأ خبره قوله: ﴿أَحْصى﴾ فعل (٢) ماض، وهو الصحيح لا أفعل تفضيل، لأنّ المقصود بالاختبار إظهار عجز الكل عن الإحصاء رأسًا لا إظهار أفضل الحزبين وتمييزه عن الأدنى مع تحقق أصل الإحصاء فيهما؛ أي ضبط ﴿لِما لَبِثُوا﴾؛ أي للبثهم فما مصدرية ﴿أَمَدًا﴾؛ أي: غاية وزمنًا، فالمراد بالأمد هنا المدة، وهو مفعول به ﴿لأحصى﴾، والجار
стр. 7148
والمجرور حال منه قدمت عليه لكونه نكرة؛ أي: لنختبر أي الحزبين أحصى وضبط أمدًا ومدة للبثهم فيظهر لهم عجزهم، ويفوّضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرّفوا حالهم، وما صنع الله بهم من حفظ أبدانهم، وأديانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه، ويستبصروا أمر البعث، ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بيّنة لكفارهم، وقرأ (١) أبو الجوزاء وأبو عمران، والنخعي ﴿ليعلم﴾ بضم الياء على ما لم يسمّ فاعله، ويعني بالحزبين المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف؛ أي: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد، أو هؤلاء، فكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف، بعد خروجهم من بينهم، فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر، والظاهر أنّ المراد بالحزبين نفس أصحاب الكهف، لا أهل المدينة؛ لأنهم لمّا تيقظوا اختلفوا في أنهم كم لبثوا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم، فالحزبان هما: هذان، وكأنّ الذين قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، هم الذين علموا أنّ لبثهم قد تطاول اهـ من «الفتوحات».
وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والزهري (٢): ﴿وهيء﴾ ﴿ويهيء﴾ بيائين من غير همز، يعني أنه أبدل الهمزة الساكنة ياء، وفي كتاب ابن خالويه الأعشى عن أبي بكر، عن عاصم، و ﴿هي﴾ لنا ﴿ويهي﴾ لكم لا يهمز انتهى. فاحتمل أن يكون أبدل الهمزة ياءً، واحتمل أن يكون حذفها، فالأول: إبدالٌ قياسي، والثاني: مختلف فيه، ينقاس حذف الحرف المبدل من الهمزة في الأمر أو المضارع إذا كان مجزومًا.
وقرأ أبو رجاء ﴿رُشْدا﴾ بضم الراء وإسكان الشين، وقرأ الجمهور ﴿رَشَدًا﴾ بفتحهما، قال ابن عطية: وهي أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل وبعد، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظه تقتضي ذلك، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية، فإنها كافية.
١٣ - ثم شرع في تفصيل ما أجمل
стр. 7149
في قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾؛ أي: نخبرك يا محمد، ونبين لك ﴿نَبَأَهُمْ﴾؛ أي: خبر أصحاب الكهف، والرقيم ﴿بِالْحَقِّ﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: نقص قصًا متلبسًا بالحق والصدق، وفيه إشارة إلى أن القصاص كثيرا ما يقصون بالباطل، ويزيدون، وينقصون، ويغيرون القصّة كل واحد يعمل برأيه، موافقا لطبعه وهواه، وما يقص بالحق إلا الله تعالى، ثمّ فصّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن أصحاب الكهف والرقيم ﴿فِتْيَةٌ﴾؛ أي: شبان أحداث ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بالتحقيق لا بالتقليد، صفة لفتيةٌ، والجملة مستأنفة بتقدير سؤال ﴿وَزِدْناهُمْ هُدًى﴾ على ﴿هُدًى﴾ بالتثبيت على الإيمان والتوفيق للعمل الصالح، والانقطاع إلى الله، والزهد في الدنيا، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقد جرت (١) العادة أن الفتيان أقبل للحق، وأهدى للسبل من الشيوخ الذين قد عتوا، وانغمسوا في الأديان الباطلة، ومن ثمّ كان أكثر الذين استجابوا لله ورسوله ﷺ شبانًا، وبقي الشّيوخ على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، ونحو الآية قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)﴾، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقوله: ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ﴾.
تنبيه: في أي زمان كان قصص أهل الكهف؟ رجّح ابن كثير أن قصص أهل الكهف كان قبل مجيء النصرانيّة لا بعدها، كما رواه كثير من المفسرين متبعين ما أثر عن العرب، والدليل على ذلك أنّ أحبار اليهود، كانوا يحفظون أخبارهم، ويعنون بها، فقد روي عن ابن عباس، أنّ قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء الفتية، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، وفي هذا أعظم الأدلّة على أنّ ذلك كان محفوظا عند أهل الكتاب، وأنّه مقدّم على النصرانية.
١٤ - ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: قوّينا قلوبهم بالصبر على هجر الأهل، والأوطان، وفراق الخلان، والأخدان، والجراءة على إظهار الحق، والرد على
стр. 7150
دقيانوس الجبار، وألهمناهم قوة العزيمة، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان، ﴿إِذْ قامُوا﴾ ظرف منصوب بربطنا؛ أي: ربطنا على قلوبهم حين قاموا بين يدي الجبار دقيانوس إذ عاتبهم على تركهم عبادة الأصنام، فإنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبّت الله تعالى هؤلاء الفتية، حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله تعالى، وصرحوا بالبراءة من الشركاء، ﴿فَقالُوا﴾؛ أي: قالت الفتية ﴿رَبُّنا﴾؛ أي: مالكنا، وخالقنا ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: رب العالم، ومالكه، وخالقه، والصنم جزء من العالم، فهو مخلوق لا يصلح للعبادة ﴿لَنْ نَدْعُوَا﴾؛ أي: لن نعبد أبدًا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ ﴿إِلهًا﴾؛ أي: معبودًا آخر لا استقلالًا، ولا اشتراكًا، والعدول عن أن يقال: (ربًا) للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة.
أي: لن ندعو من دون رب السموات والأرض إلهًا لا على طريق الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك، إذ لا رب غيره، ولا معبود سواه، وقد أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الألوهية، والخلق، وبالجملة الثانية إلى توحيد الربوبية والعبادة، وعبدة الأصنام يقرون بتوحيد الأولى، ولا يقرون بتوحيد الثانية، بدليل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقوله سبحانه حكاية عنهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾، وكانوا يقولون في تلبيتهم في الحج: لبّيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
ثم علّلوا عدم دعوتهم لغيره تعالى بقولهم: ﴿لَقَدْ قُلْنا﴾؛ أي: والله لئن عبدنا غيره تعالى لقد قلنا: ﴿إِذًا﴾؛ أي: حين عبدنا غيره قولًا ﴿شَطَطًا﴾ كذبًا وزورًا، وإذا حرف جواب وجزاء مهمل، يقدر بـ ﴿لو﴾، أي: لو دعونا من دونه إلها، والله لقد قلنا قولًا خارجًا عن حد العقول مفرطًا في الظلم.
وفي هذا: إيماء إلى أنّهم دعوا لعبادة الأصنام، وليموا على تركها،
١٥ - ثم حكى سبحانه عن أهل الكهف مقالة بعضهم لبعض فقال: ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، وفي التعبير باسم الإشارة تحقير لهم. ﴿قَوْمُنَا﴾ عطف بيان يعنون أهل بلدهم.
стр. 7151
﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ خبر المبتدأ ﴿آلِهَةً﴾؛ أي: أصناما يعبدونها ﴿لَوْلا﴾ حرف تحضيض؛ أي: هلا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على عبادة الأصنام ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾؛ أي: بحجة واضحةٍ تصلح للتمسك بها، وفيه تبكيت لهم، لأن الإتيان بحجة على عبادة الأصنام محال.
أي: إن قومنا هؤلاء، وإن كانوا أكبر منا سنًا وأكثر تجربةً، قد أشركوا مع الله غيره، فهلا أتوا بحجة بينة على صدق ما يقولون، كما أتينا على صدق ما ندّعي بالأدلة الظاهرة، وإنّهم لأظلم الظالمين، فيما فعلوا، وفيما افتروا، ومن ثمّ قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: من أشد ظلمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، والاستفهام فيه إنكاري بمعنى النفي؛ أي: لا أظلم ممن افترى على الله الكذب، ونسب إليه الشريك، وزعم أن له ولدًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فإنّ (١) الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد.
والمعنى: أنّه (٢) أظلم من كلّ ظالم، وعذابه أعظم من كل عذاب؛ لأن الظّلم موجب للعذاب، فيكون الأعظم للأظلم،
١٦ - ثم قال بعض الفتية لبعض منهم، وقت اعتزالهم عن قومهم ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ﴾ وعبادتهم ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾، أي: إلّا عبادته ، أو وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله؛ أي: وإذ أردتم اعتزالهم، ومفارقتهم، واعتزال الشيء الذي يعبدونه ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: إلا عبادته.
وعلى التقديرين: فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، ﴿فَأْوُوا﴾؛ أي: التجئوا ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾، وصيروا إليه، واجعلوه مأواكم.
قال الفراء (٣): هو جواب إذ، ومعناه اذهبوا إليه، واجعلوه مأواكم، وقيل:
стр. 7152
هو دليل على جوابه؛ أي: إذ اعتزلتموهم اعتزالًا اعتقاديًا، فاعتزلوهم اعتزالًا جسمانيًّا، وإذا أردتم اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف، وفيه إشارةٌ إلى أن الاعتزال الاعتقادي يوجب الاعتزال الجسماني، ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾؛ أي: يبسط لكم ويوسع عليكم ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مالك أمركم ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: من تفضّله، وإنعامه في الدارين ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾؛ أي: يسهل لكم ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين ﴿مِرْفَقًا﴾؛ أي: ما ترتفقون، وتنتفعون به غدًا، وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم عن شوب الشك، وقوة وثوقهم.
أي: وإذ (١) فارقتموهم، وخالفتموهم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم بأبدانكم، والجؤوا إلى الكهف، وأخلصوا لله العبادة في مكان تتمكنون منها بلا رقيب، ولا حسيب، وإنّكم إن فعلتم ذلك، فالله تعالى يبسط لكم الخير من رحمته في الدارين، ويسهّل لكم من أمر الفرار بدينكم، والتوجّه إليه في عبادتكم ما ترتفقون وتنتفعون به، أخرج الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيّا إلا وهو شابّ. وقرأ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ٦٠﴾، ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ وقرأ (٢) أبو جعفر، والأعرج وشيبة، وحميد، وابن سعدان، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر، في رواية الأعشى، والبرجميّ، والجعفي عنه، وأبو عمرو في رواية هارون، بفتح الميم وكسر الفاء، وهو مصدر جاء شاذّا، كالمرجع والمحيض، فإن قياسه الفتح، وقرأ ابن أبي إسحاق، وطلحة، والأعمش، وباقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء؛ أي: رفقًا.
١٧ - ثم بيّن سبحانه حالهم بعد أن أووا إلى الكهف، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ يا محمد، أو يا من يصلح للخطاب ويتأتى منه الرؤية، وليس المراد به الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقًا بل الإنباء بكون الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس ﴿إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ أي تتزاور وتتنحّى وتميل بحذف إحدى التائين، من الزور بفتح الواو، وهو الميل ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الذي .. أووا إليه، فالإضافة لأدنى ملابسة
стр. 7153
﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾؛ أي: جهة (١) ذات يمين الكهف عند توجه الداخل إلى قعره؛ أي: جانبه الذي يلي المغرب، فلا يقع عليهم شعاعها، فيؤذيهم؛ لأنّ الكهف كان جنوبيًا؛ أي: كانت ساحته داخلة في جانب الجنوب، أو زوّرها الله عنهم، وصرفها على منهاج خرق العادة، كرامةً لهم، وحقيقتها: الجهة ذات اسم اليمين؛ أي: الجهة المسماة باسم اليمين، ﴿وَإِذا غَرَبَتْ﴾؛ أي: تراها عند غروبها. ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾، أي: تقطعهم وتتركهم ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾؛ أي: جهة ذات شمال الكهف، أي: جانبه الذي يلي المشرق، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: والحال أنهم في فجوة متسع من ذلك الكهف، ووسطه، فيصيبهم نسيم الهواء وبرده.
وخلاصة ذلك (٢): أنهم طول نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها، ولا في غروبها، إذ كان باب الكهف في مقابلة بنات نعش، فهو إلى الجهة الشمالية، والشمس لا تسامت ذلك أبدًا، لأنّها لا تصل إلى أبعد من خط السرطان، وكل بلاد بعده إلى جهة الشّمال تكون الشمس من ورائها لا أمامها، فيكون الظلّ مائلًا جهة الشمال طول السنة، كما يعلم ذلك من علم الفلك، وإيضاح ذلك أنه لو كان باب الكهف في ناحية الشرق، لمّا دخل إليه شيء منها حين الغروب، ولو كان من ناحية الجنوب، لما دخل منها شيء حين الطلوع ولا الغروب، وما تزاور الفيء لا يمينًا ولا شمالًا، ولو كان جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال، ولا تزال فيه إلى الغروب.
تنبيه: وهنا إشكالٌ لأنه قد تقدّم في القصة أنّ الملك الظالم الذي فرّوا منه بنى على باب الكهف سدًّا، وقال: لكي يموتوا جوعًا وعطشًا، وأنّ السد استمرّ عليهم مدة لبثهم نيامًا، وأنّ الملك الصالح اجتمع بهم حين تيقّظوا، وبنى على باب الغار مسجدًا، بعد موتهم، وصريح هاتين الآيتين يردّ هذا ويبطله، إذ لو كان
стр. 7154
باب الغار قد سدّ كما ذكر، لم يستقم قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ إلخ فليتأمّل وليحرّر، وقرأ (١) الحرميان - نافع وابن كثير - وأبو عمرو: ﴿تزَّاورَ﴾ بإدغام تاء تتزاور في الزاي، وقرأ الكوفيون، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن مناذر، وخلف، وأبو عبيد، وابن سعدان، ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وأحمد بن جبير الأنطاكي، بتخفيف الزاي، إذا حذفوا التاء، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن عامر، وقتادة، وحميدٌ، ويعقوب، عن العمري ﴿تَزْوَرُّ﴾ على وزن تحمر، وقرأ الجحدريُّ، وأبو رجاء، وأيّوبٌ السختيانيُّ، وابن أبي عبلة، وجابر، وورد عن أيوب ﴿تَزْوَارُّ﴾ على وزن تحمار، وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل ﴿تَزْوَأَرُّ﴾ بهمزة قبل الراء، على وزن قولهم: ادهأمَّ واشْعَأل فرارًا من التقاء الساكنين، وكلّها بمعنى الزور، بمعنى الميل، وقرأ الجمهور ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ بالتاء، وقرأت فرقة بالياء؛ أي: يقرضهم الكهف، وللمفسرين (٢) في تعيين مكان الكهف أقوال، فقيل: هو قريب من إيلياء - بيت المقدس - ببلاد الشام، وقال ابن إسحاق عند نينوى ببلاد الموصل، وقيل: ببلاد الروم، ولم يقم إلى الآن الدّليل على شيء من ذلك، ولو كان لنا في معرفة ذلك فائدة دينية .. لأرشدنا الله إليه، كما قال ﷺ : «ما تركت شيئًا يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار، إلا وقد أعلمتكم به».
وخلاصة ذلك: أي إن هدايتهم إلى التوحيد، ومخالفتهم قومهم، وآباءهم، وعدم الاكتراث بهم وبملكهم مع حداثتهم، وإيواءهم إلى كهف تلك صفته، بحيث تزاور الشمس عنهم طالعةً، وتقرضهم غاربة، وإخبارك بقصصهم، كل ذلك ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾ الكثيرة في الكون الدالّة على كمال قدرته، وعلى أنّ التّوحيد هو الدين الحق، وعلى أن الله يكرم أهله.
والمعنى (٣): أي ما صنع الله بهم من تزاور الشمس وقرضها حالتي الطلوع والغروب، مع كونهم في موقع شعاعها من آيات الله العجيبة الدالة على كمال
стр. 7155
علمه، وقدرته، وحقّية التوحيد، وكرامة أهله عنده، ثمّ بيّن أن هدايتهم إلى التوحيد كانت بعناية الله ولطفه، فقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أي: من يوفّقه الله للاهتداء بآياته، وحججه إلى الحق، كأصحاب الكهف. ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الذي أصاب سبيل الحق، وفاز بالحظ الأوفر في الدارين، فلن يقدر على إضلاله أحد، والمراد: إما الثناء عليهم، بأنهم المهتدون، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفّقه الله للاستبصار بها، كأصحاب الكهف، وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ بدون ياء في الرسم؛ لأنها من ياءات الزوائد، وهي لا تثبت فيه، وأما في النطق فعند الوقف تحذف عند الجميع، وعند الوصل بعض السبعة يحذفها، وبعضهم يثبتها اهـ شيخنا.
وفي هذا (١): إيماء إلى أن أصحاب الكهف أصابوا الصّواب ووفّقوا لتحقيق ما أمّلوا من نشر الرحمة عليهم، وتهيئة المرفق لهم، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾؛ أي: ومن يضلله الله لسوء استعداده، وصرف اختياره إلى غير سبل الهدى والرشاد، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾؛ أي: ناصرا يهديه إلى الحق، كدقيانوس وأصحابه؛ أي: فلن تجد له أبدًا خليلًا، ولا حليفًا يرشده لإصابة سبل الهداية، ويخلصه من الضلال؛ لأن التّوفيق والخذلان بيد الله، يوفق من يشاء من عباده، ويخذل من يشاء، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ وإرشادٌ له إلى أنه لا ينبغي له أن يحزن على إدبار قومه عنه، وتكذيبهم إياه، فإن الله لو شاء .. لهداهم وآمنوا.
١٨ - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾؛ أي: وتحسب أيها الرسول أو أيّها المخاطب أصحاب الكهف، وتظنّهم لو رأيتهم ﴿أَيْقاظًا﴾؛ أي: منتبهين لانفتاح أعينهم على هيئة الناظر ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾؛ أي: نيام جمع راقد كقاعد، وقعود؛ أي: والحال أنهم راقدون نائمون؛ أي: ولو رأيتهم .. لظننتهم في حال يقظة لانفتاح أعينهم، كأنهم ينظرون إلى من أمامهم، والحال أنهم: نائمون لما بهم من الحال الخاصة بالنوم، كاسترخاء المفاصل، والأعضاء، ولا سيما العينان والوجه ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾؛ أي:
стр. 7156
ونقلب هؤلاء الفتية في حال رقدتهم بأيدي الملائكة، أو بيد القدرة ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ نصب على الظرفية؛ أي: جهة تلي أيمانهم ﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾؛ أي: جهة تلي شمائلهم، كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم، على طول الزمان؛ أي: نحوّلهم في رقدتهم مرّة للجنب الأيمن، ومرّة للجنب الأيسر، كي ينال روح النّسيم جميع أبدانهم، ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث، والمراد بذات اليمين وذات الشمال هنا يمينهم وشمالهم أنفسهم، بخلاف ما تقدم، فإنّ المراد به يمين الكهف وشماله كما مر ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾؛ أي: وكلب أولئك الفتية، وهو كلب راع قد تبعهم على دينهم، واسمه قطمير ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حكاية حال ماضية؛ أي: وكلبهم ملق يديه على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين ﴿بِالْوَصِيدِ﴾؛ أي: بموضع الباب من الكهف والذراع (١) من المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى قال في «القاموس»: الوصيد الفناء والعتبة. انتهى قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة، ولا باب، وإنما أراد أنّ الكلب منه موضع العتبة من البيت ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على أهل الكهف، أي: لو شاهدت يا محمد، أو أيها المخاطب في رقدتهم التي رقدوها في الكهف ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: لأدبرت ﴿فِرارًا﴾ منهم، والفرار الهرب، وهو منصوب على المصدرية من معنى ما قبله، إذ التولية، والفرار معناهما واحد؛ أي: ولّيت توليةً، وفررت فرارًا. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ أي: ولملئت (٢) نفسك حين اطّلاعك عليهم خوفًا وفزعًا، فكل من رآهم فزع منهم فزعًا شديدًا لأنّ الله سبحانه قد ألبسهم هيبة ووقارًا كي لا يصل إليهم واصل ولا تلمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الحين الذي أراد أن يجعلهم فيه عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج عليهم من عباده، وليعلموا أنّ وعد الله حق، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ بالنون مزيد اعتناء الله بهم، حيث أسند
стр. 7157
التقليب إليه تعالى، وأنّه الفاعل ذلك، وحكى الزمخشريّ أنه قرىء ﴿ويقلِّبهم﴾ بالياء مشدّدًا؛ أي: يقلبهم الله، وقرأ أبو رجاء ﴿وتقلبهم﴾ بتاء مفتوحة، وسكون القاف، وتخفيف اللام المكسورة مضارع قلب مخففًا، وقرأ أبو الجوزاء، وعكرمة: ﴿ونقلبهم﴾ مثلها إلا أنه بالنون، وقرأ الحسن فيما حكى ابن جني، و ﴿تقلبهم﴾ مصدر تقلب منصوبًا بفعل مقدر، كأنه قيل: وترى، أو تشاهد، تقلبهم، وعنه أيضًا أنه قرأ كذلك إلّا أنه ضم الباء فهو مصدرٌ مرتفعٌ بالابتداء، قاله أبو حاتم، وقرأ أبو جعفر الصادق ﴿وكالبهم﴾؛ أي: صاحب كلبهم كما تقول لابن، وتامر؛ أي: صاحب لبن وتمر.
وقرأ ابن وثّاب، والأعمش، وأبو حصين ﴿لو اطلعت﴾ بضم الواو، وصلًا، وقرأ الجمهور بكسرها، وقد ذكر ضمها عن شيبة، وأبي جعفر، ونافع، وقرأ عاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ خفيفةً مهموزة، وقرأ ابن عباس، وابن كثير، ونافع، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ بتشديد اللام مهمزا، وقرأ أبو جعفر، وشيبة بتشديد اللام، وإبدال الياء من الهمزة، وقرأ الزهريّ بتخفيف اللام والإبدال، وتقدم الخلاف في ﴿رُعْبًا﴾ في آل عمران، وقرأ هنا بضم العين أبو جعفر وعيسى
١٩ - ﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: وكما (١) أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مر الأيام بقدرتنا. ﴿بَعَثْناهُمْ﴾ من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، ليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه، من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم العبادة لله الواحد القهار، إذا تبيّنوا طول الزمان عليهم، بهيئتهم حين رقدوا، و ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وليقع التساؤل بينهم، والاختلاف، والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال، وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة السؤال لا ينفي غيرها، وإنّما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار، وجملة قوله: قالَ ﴿قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ مبيّنة لما قبلها من التساؤل بينهم؛ أي: كم مدة لبثكم في النوم؟ قالوا:
стр. 7158
ذلك لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة.
أي: وكذلك بعثناهم لتكون عاقبة أمرهم أن يسأل بعضهم بعضًا، فيقول قائل منهم لأصحابه: كم لبثتم؟ ذاك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ أي: قال بعضهم جوابًا عن سؤال من سأل منهم: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ظنًا منهم أنّ الأمر كذلك، قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله سبحانه آخر النهار، فلذلك قالوا يومًا، فلما رأوا الشّمس قالوا: أو بعض يوم، وكان قد بقيت بقية من النهار، ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال (١) بعض آخر منهم بما سنح لهم من الأدلة، أو بإلهام من الله ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثكم؛ لأنها متطاولة ومقدارها مبهم، وإنما يعلمها الله تعالى، وبه يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وهذا من الأدب البارع في الرد على الأولين بأحسن أسلوب، وأجمل تعبير، وحين علموا أنّ الأمر ملتبسٌ عليهم، عدلوا إلى الأهم في أمرهم، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾؛ أي: بدراهمكم ﴿هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ وهي: طرسوس - بفتح الراء - كما جزم بذلك فخر الدين الرازي، قالوه إعراضًا عن التعمق في البحث عن مدة لبثهم؛ لأنه ملتبسٌ لا سبيل لهم إلى علمه، وإقبالًا على ما يهمهم بحسب الحال، كما ينبىء عنه ﴿الفاء﴾، والورق: الفضة مضروبةً أو غير مضروبة.
وفي قولهم: ﴿هذِهِ﴾ إشارة (٢) إلى أنّ القائل كان قد أحضرها ليناولها، بعض أصحابه، وإلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم، ونحوها لمن خرج من منزله، لا ينافي التّوكّل على الله كما جاء في الحديث «اعقلها وتوكّل» وقرأ أبو (٣) عمرو، وحمزة، وأبو بكر، والحسن، والأعمش، واليزيديّ، ويعقوب في رواية، وخلف، وأبو عبيد، وابن سعدان: ﴿بوَرْقِكُم﴾ بإسكان الراء، وقرأ باقي
стр. 7159
السبعة، وزيد بن عليّ بكسرها، وقرأ أبو رجاء بكسر الواو، وإسكان الراء، وإدغام القاف في الكاف، وكذا إسماعيل عن ابن محيصن، وعن ابن محيصن أيضًا كذلك إلا أنه كسر الراء ليصحّ الإدغام، وقال الزمخشري: وقرأ ابن محيصن أيضًا كذلك إلا أنه كسر الراء ليصحّ الإدغام، وقال الزمخشري: وقرأ ابن كثير ﴿بورقكم﴾ بكسر الراء، وإدغام القاف في الكاف انتهى، وهو مخالفٌ لما نقل النّاس عنه، وحكى الزجاج قراءة بكسر الواو، وسكون الراء دون إدغام، وقرأ عليّ بن أبي طالب ﴿بوارقكم﴾ على وزن فاعل جعله اسم جمع كباقر، وجائل.
﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ ذلك الأحد ﴿أَيُّها﴾؛ أي: أي أهل المدينة ﴿أَزْكى طَعامًا﴾؛ أي: أطيب طعامًا وأحل مكسبًا، قال الضحاك: وكان أكثر أموالهم غصوبًا أو أرخص سعرًا، وقيل (١): يجوز أن يعود الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في المقام؛ أي: فليبصر أي الأطعمة أجود وألذ ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ﴾؛ أي: بقوت، وطعام، وهو ما يقوم به بدن الإنسان، ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الأزكى طعامًا ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾؛ أي: وليترفق في دخول المدينة، وفي شرائه، وفي إيابه منها، ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ﴾؛ أي: ولا يخبرن بمكانكم ﴿أَحَدًا﴾ من أهلها،
٢٠ - ثمّ ذكروا تعليل الأمر والنهي السالفين بقولهم: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: ليبالغ في التلطف وعدم الإشعار لأن أهل المدينة ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إن يطلعوا عليكم، ويظفروا بكم، والضمير (٢) للأهل المقدر في أيّها ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾؛ أي: يقتلوكم بالرّجم، وهو الرمي بالحجارة، إن دمتم على ما أنتم عليه، وهو أخبث القتلة، وكان ذلك من عادتهم، ولهذا خصّه من بين أنواع ما يقع به القتل، ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾؛ أي: يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله تعالى، أو يدخلوكم فيها كرهًا من العود بمعنى الصيرورة؛ أي (٣): إن الكُفَّار إن علموا بمكانكم، ولم تفعلوا ما يريدون منكم، بل ثبتم على إيمانكم، إمّا أن يقتلوكم رميًا بالحجارة، وكان ذلك هو المتسع في الأزمنة الغابرة فيمن يعلن خلاف ما عليه الجماهير في الأمور الدينية والسياسية التي لها شأن في الدولة، وإما أن يعيدوكم إلى ملة
стр. 7160
آبائكم التي هم مستمسكون بها، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا﴾؛ أي: وإن دخلتم في دينهم، وملّتهم، ولو بالإكراه، والإلجاء لن تفوزوا بخير ﴿أَبَدًا﴾، أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة، والاستمرار عليها، فيكون قد كتب عليكم الشقاء عند ربكم، والخذلان الذي لا خذلان بعده.
وفي «الكرخي»: واستشكل الحكم عليهم بعدم الفلاح، مع الإكراه المستفاد من ﴿إِنْ يَظْهَرُوا﴾ إذ المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، لخبر «رفع عن أمّتي» الخ، وأجيب بأنّ المؤاخذة به كانت في غير هذه الشريعة بدليل ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وخبر «رفع عن أمتي» الخ اهـ وقرأ الحسن، ﴿وليتلطف﴾ بكسر لام الأمر، وعن قتيبة الميال، ﴿وليُتلَطَّفْ﴾ بضم الياء مبنيًا للمفعول، وقرأ أبو صالح، ويزيد بن القعقاع، وقتيبة ﴿ولا يشعرن بكم أحد﴾ ببناء الفعل للفاعل، ورفع ﴿أحدٌ﴾ وقرأ زيد بن عليّ ﴿يظهروا﴾ بضم الياء مبنيًّا للمفعول.
الإعراب
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿الْكِتابَ﴾: مفعول به ﴿وَلَمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَمْ يَجْعَلْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، في محل المفعول الأول ﴿عِوَجًا﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة ﴿قَيِّمًا﴾: حال من ضمير له، وهي حال مؤكدة، ويجوز أن تكون ﴿الواو﴾ حالية، والجملة الفعلية حال أولى من ﴿الْكِتابَ﴾ ﴿قَيِّمًا﴾: حال ثانية منه متداخلة، والتقدير: أنزله غير جاعل له عوجًا قيمًا.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾.
стр. 7161
﴿لِيُنْذِرَ﴾: ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿ينذر﴾: منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على ﴿الْكِتابَ﴾ و ﴿ينذر﴾ يتعدى إلى مفعولين أولهما محذوف، تقديره: لينذر الذين كفروا به ﴿بَأْسًا﴾: مفعول ثان له ﴿شَدِيدًا﴾: صفة لـ ﴿بَأْسًا﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ والتقدير: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب لإنذاره الذين كفروا به بأسًا شديدًا، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على الكتاب، والجملة معطوفة على جملة ﴿ينذر﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للمؤمنين ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، خبرها، مقدم ﴿أَجْرًا﴾ اسمها مؤخر ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿أَجْرًا﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يُبَشِّرَ﴾ على رأي من يرى أن ﴿يُبَشِّرَ﴾ يتعدى لمفعولين، وقيل: هو في تأويل مصدر، منصوب بنزع الخافض، والخافض المحذوف متعلق بـ ﴿يُبَشِّرَ﴾ والتقدير: ويبشرُ المؤمنين بكون أجر حسن لهم، ﴿ماكِثِينَ﴾: حال من ﴿الهاء﴾ في ﴿لَهُمْ﴾ ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ماكِثِينَ﴾ و ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿ماكِثِينَ﴾ أيضًا.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول أول معطوف على ﴿يُنْذِرَ﴾ الأول وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والمفعول الثاني محذوف تقديره بأسًا شديدًا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿ما﴾ نافية ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿عِلْمٍ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، ﴿لِآبائِهِمْ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في ﴿لَهُمْ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتقرير جهالتهم، وأنهم
стр. 7162
يقولون ما لا يعرفون، ﴿كَبُرَتْ﴾: فعل ماض لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مبهم مستتر فيه وجوبًا مفسر بالنكرة، المذكورة ﴿كَلِمَةً﴾: منصوب على التمييز لفاعل ﴿كبر﴾، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: تلك الكلمة، وجملة ﴿كَبُرَتْ﴾ في محل الرفع خبر مقدم للمخصوص بالذم المحذوف، والجملة الاسمية جملة إنشائية، سيقت لإنشاء الذم، لا محلّ لها من الإعراب، ﴿تَخْرُجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على كلمة ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَخْرُجُ﴾ والجملة صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿كَذِبًا﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا قولًا كذبًا.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾.
﴿فَلَعَلَّكَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿لعل﴾: حرف ترج ونصب، وهي من أخوات إن و ﴿الكاف﴾ اسمها ﴿باخِعٌ﴾: خبرها ﴿نَفْسَكَ﴾: مفعول به لـ ﴿باخِعٌ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿باخِعٌ﴾ وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها ﴿بِهذَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿الْحَدِيثِ﴾: بدل من اسم الإشارة ﴿أَسَفًا﴾: مفعول لأجله منصوب بـ ﴿باخِعٌ﴾ أو منصوب على أنه مصدر واقع موقع الحال، وجواب الشرط محذوف دل عليه الترجي، والتقدير: إن لم يؤمنوا بهذا الحديث، فلا تحزن، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وجملة الشرط مستأنفة.
﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿جَعَلْنا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي المقصود من الترجي، ﴿ما﴾: في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ ﴿عَلَى الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صلة لها ﴿زِينَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ وإن كان بمعنى خلقنا، فتكون ﴿زِينَةً﴾ حالًا من ما الموصولة ﴿لَها﴾: جار ومجرور، صفة
стр. 7163
لـ ﴿زِينَةً﴾. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿نبلوهم﴾ فعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرةً بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿أَيُّهُمْ﴾: ﴿أي﴾: اسم استفهام مبتدأ و ﴿الهاء﴾: مضاف إليه ﴿أَحْسَنُ﴾: خبر المبتدأ ﴿عَمَلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿نبلو﴾ لأنه في معنى نعلم، وقد علّق عن العمل بـ ﴿أي﴾ الاستفهامية، ويجوز أن تكون ﴿أي﴾ موصولة بمعنى الذي وتعرب بدلًا من ﴿الهاء﴾ في ﴿نبلوهم﴾ والتقدير: لنبلو الذي هو أحسن، و ﴿أَحْسَنُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ﴿أَحْسَنُ﴾ والجملة صلة ﴿لأي﴾ الموصولة، وتكون الضمة في ﴿أي﴾ ضمة بناء؛ لأن شرطه موجود، وهو أن تضاف، ويحذف صدر صلتها، وجملة ﴿نبلوهم﴾ في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿لام﴾ التعليل الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾ والتقدير: إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لبلاء من عليها أيهم أحسن عملًا.
﴿وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)﴾.
﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿لَجاعِلُونَ﴾: خبره مرفوع بـ ﴿الواو﴾ و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى ما موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جاعلون﴾ ﴿عَلَيْها﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿صَعِيدًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جاعلون﴾. ﴿جُرُزًا﴾: صفة لـ ﴿صَعِيدًا﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة تقدر بـ ﴿بل﴾، وبهمزة الإنكار، ﴿حَسِبْتَ﴾: فعل وفاعل ﴿أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ﴾: ناصب واسمه، ومضاف إليه ﴿وَالرَّقِيمِ﴾: معطوف على ﴿الْكَهْفِ﴾. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مِنْ آياتِنا﴾ حال من ﴿عَجَبًا﴾ ﴿عَجَبًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾ وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي حسب، وجملة حسب مستأنفة، والاستفهام المستفاد من أم للإنكار، والنفي، واليس المراد نفي العجب عن قصة أهل الكهف، فهي عجب كما ذكرنا، ولكن القصد نفي كونها أعجب الآيات.
стр. 7164
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر إذ أوى ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوَى﴾. ﴿فَقالُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَوَى﴾ ﴿رَبَّنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ ﴿آتِنا﴾: فعل ومفعول أول لأنه بمعنى أعطنا، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رَحْمَةً﴾. ﴿رَحْمَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿رَبَّنا﴾ ﴿وَهَيِّئْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَنا﴾ متعلق بـ ﴿هَيِّئْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتِنا﴾. ﴿مِنْ أَمْرِنا﴾: جار ومجرور حال من ﴿رَشَدًا﴾. ﴿رَشَدًا﴾: مفعول به.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾.
﴿فَضَرَبْنا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ضربنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قالوا﴾ ﴿عَلَى آذانِهِمْ﴾ متعلق به، ومفعول ﴿ضربنا﴾ محذوف تقديره: حجابًا مانعًا من السماع، ﴿فِي الْكَهْفِ﴾: حال من ضمير آذانهم، لأن المضاف جزء من المضاف إليه، ﴿سِنِينَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، وعلامة نصبه الياء والظرف متعلق بـ ﴿ضربنا﴾. ﴿عَدَدًا﴾: نعت لـ ﴿سِنِينَ﴾ لأنه فعلٌ بمعنى مفعول، أي: سنين معدودة.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿بَعَثْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿ضربنا﴾ ﴿لِنَعْلَمَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، أو عاقبة ﴿نعلم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مع أن
стр. 7165
المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعلمنا أي الحزبين إلخ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بعثنا﴾ ﴿أَيُّ﴾: اسم استفهام مبتدأ مرفوع ﴿الْحِزْبَيْنِ﴾: مضاف إليه، ﴿أَحْصى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَيُّ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد مفعولي علم؛ لأنها معلقة عنها باسم الاستفهام ﴿لِمَا﴾: اللام حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية ﴿لَبِثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ الجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ ﴿أَمَدًا﴾ ولكنه لما قدّم عليه جعل حالا ﴿أَمَدًا﴾: مفعول أحصى، والتقدير: أحصى أمدا للبثهم.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدًى (١٣)﴾.
﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ ﴿نَقُصُّ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾ ﴿نَبَأَهُمْ﴾: مفعول به ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ أو من مفعوله، وهو النبأ، و ﴿الباء﴾ للملابسة ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لسرد قصتهم ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿فِتْيَةٌ﴾. ﴿وَزِدْناهُمْ هُدًى﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾.
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾.
﴿وَرَبَطْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿زِدْناهُمْ﴾ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿رَبَطْنا﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿رَبَطْنا﴾ ﴿قامُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿فَقالُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قامُوا﴾ ﴿رَبُّنا﴾: مبتدأ ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾: خبر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب
стр. 7166
مقول ﴿قالوا﴾ ﴿لَنْ نَدْعُوَا﴾: ناصب ومنصوب وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿إِلهًا﴾. ﴿إِلهًا﴾: مفعول ﴿نَدْعُوَا﴾. ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب، وجزاء، مهمل دال على شرط مقدر، تقديره: إن دعونا إلهًا من دونه .. لقد قلنا قولًا شططا. ﴿شَطَطًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر، محذوف؛ أي: قولًا ذا شطط، أي إفراط وظلم.
﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾.
﴿هؤُلاءِ﴾: مبتدأ. ﴿قَوْمُنَا﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿آلِهَةً﴾. ﴿آلِهَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، والأول محذوف تقديره: اتخذوا الأصنام آلهة من دونه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قالوا﴾، وهذه الجملة إخبار في معنى الإنكار، ويجوز أن يكون ﴿قَوْمُنَا﴾: هو الخبر، و ﴿اتَّخَذُوا﴾: حالًا. وفي «السمين»: و ﴿اتَّخَذُوا﴾: يجوز أن يتعدى لواحد، بمعنى عملوا؛ لأنهم نحتوها، بأيديهم، ويجوز أن يكون متعديًا لاثنين بمعنى صيّروا، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ هو الثاني قدم و ﴿آلِهَةً﴾ هو الأول، وعلى الوجه الأول، يجوز في ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أن يتعلق بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، وأن يتعلق بمحذوف حالًا من ﴿آلِهَةً﴾ إذ لو تأخر .. لجاز أن يكون صفة ﴿لآلهة﴾ اهـ. ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض مضمن معنى الإنكار، ﴿يَأْتُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: حال من ﴿سلطان﴾ ﴿بِسُلْطانٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتُونَ﴾ ﴿بَيِّنٍ﴾: صفة لـ ﴿سلطان﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع، مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على
стр. 7167
كونها مستأنفة ﴿افْتَرى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتَرى﴾ ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به لـ ﴿افْتَرى﴾.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾.
﴿وَإِذِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالجواب الآتي، ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل مضاف إليه، لـ ﴿إِذِ﴾ ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ معطوف على ﴿الهاء﴾ في ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ إن كانت موصولةً، أو موصوفةً، ويصح كونها مصدرية، والتقدير: وعبادتهم. ﴿يَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: وما يعبدونه ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء ﴿اللَّهَ﴾: مستثنى متصل من ﴿ما﴾ أو من العائد المحذوف على تقدير: كونهم مشركين، ومنقطع على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان، ﴿فَأْوُوا﴾: فعل وفاعل و ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِذِ﴾ الشرطية، وجوبًا كما قاله الفراء، نظير قولك: إذ فعلت فافعل كذا ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذِ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذِ﴾ الشرطية من شرطها وجوابها في محل النصب، معطوف على جملة قوله: ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالوا﴾.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.
﴿يَنْشُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به ﴿رَبُّكُمْ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على كونها جواب الطلب ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: جار ومجرور، صفة لمفعول محذوف تقديره: نجاحًا من رحمته، ﴿وَيُهَيِّئْ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يَنْشُرْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُهَيِّئْ﴾ ﴿مِنْ أَمْرِكُمْ﴾: حال من ﴿مِرْفَقًا﴾ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها ﴿مِرْفَقًا﴾: مفعول به.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على
стр. 7168
أيّ مخاطب، والجملة مستأنفة ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بـ ﴿تَرَى﴾ ويجوز أن تكون شرطية متعلّقة بما بعدها ﴿طَلَعَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّمْسَ﴾، والجملة في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿إِذا﴾ ﴿تَزاوَرُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الشمس، ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾: متعلق به ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾: ظرف، ومضاف إليه، والإضافة فيه من إضافة المسمى إلى الاسم، والظرف متعلق بـ ﴿تَزاوَرُ﴾، وجملة ﴿تَزاوَرُ﴾: في محل النصب حال من الشمس، أي: وترى الشمس وقت طلوعها، متزاورة عن كهفهم، ذات اليمين؛ أي: جهة يمين الكهف، ﴿وَإِذا غَرَبَتْ﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط، أضيف إلى الجملة، معطوف على قوله: ﴿إِذا طَلَعَتْ﴾ على كونه متعلقا بـ ﴿تَرَى﴾ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّمْسَ﴾. ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تقرض﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تَزاوَرُ﴾ على كونها حالًا من ﴿الشَّمْسَ﴾ ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِي فَجْوَةٍ﴾: خبره ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَجْوَةٍ﴾، والجملة في محل النصب حال من هاء ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾.
﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.
﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط، أو هما ﴿يَهْدِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مِنْ﴾ على كونه فعل الشرط لها، ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب ﴿هو﴾ ﴿الْمُهْتَدِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مِنْ﴾ على كونها جوابٌ لها، والجملة الشرطية مستأنفة، ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مِنْ﴾ اسم شرط مبتدأ، والخبر جملة الجواب كما مر آنفًا، ﴿يُضْلِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب وجوبًا لاقترانه بـ ﴿لن﴾. ﴿لن تجد﴾: ناصب ومنصوب وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على من يصلح للخطاب، ﴿لَهُ﴾ متعلق به
стр. 7169
وَلِيًّا: مفعول به لـ ﴿تَجِدَ﴾ لأنه من وجد بمعنى أصاب ﴿مُرْشِدًا﴾: صفة ﴿وَلِيًّا﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مِنْ﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿مِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مِنْ﴾ الأولى.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿رُقُودٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿نُقَلِّبُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله سبحانه، ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿نُقَلِّبُهُمْ﴾ ﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿كَلْبُهُمْ﴾: مبتدأ ﴿باسِطٌ﴾: خبره ﴿ذِراعَيْهِ﴾: مفعول ﴿باسِطٌ﴾ ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ متعلق بـ ﴿باسِطٌ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب حال من (هاء) ﴿نُقَلِّبُهُمْ﴾ ﴿لَوِ﴾ شرطية مبنية على سكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال بحركة التخلص من التقاء الساكنين، ﴿اطَّلَعْتَ﴾: فعل وفاعل فعل شرط، لـ ﴿لَوِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿لَوَلَّيْتَ﴾: ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوِ﴾. ﴿وليت﴾ فعل وفاعل جواب شرط لـ ﴿لَوِ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿فِرارًا﴾ ﴿فِرارًا﴾: مفعول مطلق من معنى الفعل قبله؛ لأنه مرادفه في المعنى، ويجوز أن يعرب مصدرًا في موضع الحال، أي فارًا، وجملة ﴿لَوِ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿اللام﴾: واقعة في جواب ﴿لَوِ﴾، ﴿ملئت﴾ فعل ونائب فاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿رُعْبًا﴾ ﴿رُعْبًا﴾: تمييز محول عن نائب الفاعل، ورجح أبو حيان أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿ملئت﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف
стр. 7170
تقديره: بعثناهم بعثًا كائنًا كإنامتنا إياهم المدة الطويلة في كون كل منهما آية من آياتنا ﴿بَعَثْناهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿لِيَتَساءَلُوا﴾: ﴿اللام﴾ حرف جر، وتعليل ﴿يتساءلوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرةً بعد لام كي ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف حال، من ﴿واو﴾ الفاعل تقديره: حالة كونهم متنازعين بينهم، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المضمرة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: وكذلك بعثناهم لتساؤلهم بينهم ﴿قالَ قائِلٌ﴾: فعل، وفاعل ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿قائِلٌ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة، استئنافًا بيانيًا، مسوقة لبيان التساؤل بينهم، ﴿كَمْ﴾ اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لَبِثْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قائِلٌ﴾ ﴿يَوْمًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَبِثْنا﴾ ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: معطوف على ﴿يَوْمًا﴾ و ﴿أَوْ﴾ فيه للشك ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿بِما﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما لبثتموه ﴿فَابْعَثُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف ﴿ابعثوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فاتركوا التساؤل، وخذوا فيما هو أهم وأجدى، لنا في موقفنا هذا، فابعثوا ﴿أَحَدَكُمْ﴾: مفعول به ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿ابعثوا﴾ أو حال من أحدكم، والباء للملابسة؛ أي: ملتبسًا بها، ومصاحبًا لها ﴿هذِهِ﴾: صفة لـ ﴿ورقكم﴾ ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ متعلق بـ ﴿ابعثوا﴾.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾.
﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ لام الأمر ﴿ينظر﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لام﴾ الأمر، وفاعله ضمير يعود على الأحد، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَابْعَثُوا﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالُوا﴾ ﴿أَيُّها﴾ ﴿أي﴾ اسم استفهام؛ مبتدأ مرفوع، و ﴿الهاء﴾ ضمير المؤنثة، مضاف إليه ﴿أَزْكى﴾: خبر المبتدأ ﴿طَعامًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل
стр. 7171
النصب سادة مسد مفعولي ﴿ينظر﴾ معلق عنها باسم الاستفهام، ويجوز أن يكون، أي: اسمًا موصولًا في محل النصب مفعول ﴿ينظر﴾، والضمة فيه ضمة بناء لا إعراب ﴿أَزْكى﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أيها هو أزكى طعامًا كما مر نظيره، في ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿فَلْيَأْتِكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة، و ﴿اللام﴾ لام الأمر ﴿يأتي﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿الام﴾ الأمر، وعلامة جزمه حذف الياء، وفاعله ضمير يعود على ﴿الأحد﴾، و ﴿الكاف﴾ في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾. ﴿بِرِزْقٍ﴾ متعلق بـ ﴿يأت﴾ ﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿رزق﴾ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ لام الأمر ﴿يتلطف﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لام﴾ الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿الأحد﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلْيَأْتِكُمْ﴾ ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿يُشْعِرَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿الأحد﴾ ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُشْعِرَنَّ﴾ ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾.
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿يَظْهَرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَظْهَرُوا﴾ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول مجزوم، بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جواب شرط لها؛ ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ ﴿فِي مِلَّتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُعِيدُوكُمْ﴾ أي: يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها مستأنفة «مسوقة» لتعليل قوله: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ﴿وَلَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ﴿تُفْلِحُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل، مقدر بـ ﴿أن﴾ أو بـ ﴿لو﴾ الشرطيتين ﴿أَبَدًا﴾: ظرف مستغرق للزمان المستقبل منصوب بفتحة ظاهرة متعلق بـ ﴿تُفْلِحُوا﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب.
стр. 7172
التصريف ومفردات اللغة
﴿عِوَجًا﴾ وفي «القاموس» وغيره من معاجم اللغة، عوج بكسر الواو، ويعوج بفتحها - من باب تعب - عوجًا، العود، ونحوه انحنى، والإنسان ساء خلقه، فهو أعوج، والعوج بكسر، ففتح الاسم من عوج: الالتواء، وعدم الاستقامة، ولم تفرّق هذه المعاجم بينهما، وفي «الأساس» - يقصد أساس البلاغة -: يقال في العود: عوج بفتحتين، وفي الرأي عوج بكسر، ففتح ففرّق بينهما، وهذا هو الحق بدليل الآية، فالعوج بكسر ففتح في المعاني، كالعوج بفتحتين في الأعيان، فالعوج في الآية بكسر، ففتح، الانحراف، والميل عن الاستقامة، فلا خلل في لفظه، ولا تناقض في معناه. قَيِّمًا؛ أي: مستقيما (١) معتدلًا، لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف، حتى يشق على العباد، ولا تفريط فيه بإهمال ما تمس الحاجة إليه، أو قيّمًا بمصالح العباد، فيكون وصفا للكتاب بالتكميل بعد وصفه بالكمال أو قيمًا على الكتب السابقة، مصدقًا لها شاهدًا بصحتها.
وفي «القاموس» و «التاج» و «اللسان»: القيم (٢) على الأمر متوليه، كقيم الوقف، وغيره، وقيم المرأة زوجها، وأمر قيم مستقيم، والديانة القيمة؛ المستقيمة، وفي التنزيل: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾؛ أي: دين الأمة القيمة، ويتعدى بـ ﴿الباء﴾ وبـ ﴿على﴾ ﴿والبأس الشديد﴾ العذاب في الآخرة ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي من عنده.
﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: قاتلها ومهلكها قاله ابن عباس، وأنشد قول لبيد:
لعَلَّكَ يومًا إن فَقَدْتَ مَزارَهَا ... عَلَى بُعْدهِ يومًا لنفسكَ باخعُ
يقال: بخع الرجل نفسه يبخعها - من باب نفع - بخعًا، وبخوعًا أهلكها وجدًا.
وقال الليث (٣): بخع الرجل نفسه قتلها من شدة وجده، وأنشد قول الفرزدق:
стр. 7173
ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيءٍ نحته عن يديهِ المقاديرُ
أي: نحَّته بشد الحاء فخفف.
﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أي: من بعدهم؛ أي: من بعد توليهم عن الإيمان، وتباعدهم عنه.
﴿صَعِيدًا﴾؛ أي: ترابًا، أو فتاتًا يضمحلُّ بالرياح، لا اليابس الذي يرسب. ﴿جُرُزًا﴾ بضمتين والجرز: الذي لا نبات فيه فهو حائل البهجة، باطل الزينة، ويقال (١): سنة جرزٌ، وسنون أجرازٌ لا مطر فيها، وأرضٌ جرز، وأرضون أجرازٌ لا نبات بها، وجرزت الأرض إذا ذهب نباتها بقحط، أو جراد، وجرز الجراد الأرض أكل ما فيها، والجروز المرأة الأكولة: قال الرّاجز:
إنَّ العجوز حيَّةٌ جروزا ... تأكل كُلَّ ليلةٍ قفيزَا
اهـ «سمين». وجرزه الزمان اجتاحه.
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ أم: حرف يدل على الانتقال من كلامٍ إلى آخر. وهو بمعنى ﴿بل﴾، وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أحسبت والخطاب في الظاهر للنبي ﷺ ، والمراد غيره كما سبق نظيره.
﴿أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ﴾ والكهف النَّقبُ المُتَّسع في الجبل فإن لم يكن متّسعًا، فهو غار، والجمع كهوف في الكثرة، وأكهف في القلّة ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ لوح حجري رقمت فيه أسماؤهم كالألواح الحجرية المصرية، التي يذكر فيها تاريخ الحوادث، وتراجم العظماء، وفي «القاموس» الرّقيم: الكتاب المرقوم، ورقم يرقم من باب نصر الكتاب بيّنه، وأعجبه بوضع النقط، والحركات، وغير ذلك ورقم الثوب خططه، والبعير كواه، والخبز نقشه، ويقولون: فلانٌ يرقم على الماء لمن يكون ذا حذق في الأمور.
﴿عَجَبًا﴾ والعجب: كل ما يتعجب منه لحسنه، أو قبحه، والتعجب انفعال يحدث في النفس، عند الشعور بأمرٍ خفي سببه، ولهذا يقال: إذا ظهر السّبب
стр. 7174
بطل العجب، ولا يطلق على الله أنه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه. ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾، أي نزلوه، وسكنوه، والتجؤا إليه، يقال: أوى إلى منزله من باب شرب إذا نزله بنفسه، وسكنه، والمأوى لكل حيوان سكنه. اهـ من «المصباح» و «القاموس».
والفتية جمع فتيّ كصبي وصبية اهـ «بيضاوي» وفي «المصباح» مثله، وفي «القاموس» وفتيٌ كغني، الشاب من كل شيء اهـ. وقد كانوا من أبناء أشراف الروم، وعظمائهم لهم أطواق وأسورة من الذهب. ﴿وَهَيِّئْ لَنا﴾؛ أي: يسر لنا ﴿رَشَدًا﴾: والرشد بفتحتين، وضم فسكون: الهداية إلى الطّريق الموصل للمطلوب ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾؛ أي: أنمناهم نومًا شديدًا من ضربت على يده، إذا منعته من التصرف، وإرادة هذا المعنى على طريق الاستعارة التبعية، كما سيأتي في مبحث البلاغة ﴿عَدَدًا﴾؛ أي: ذوات عدد، والمراد: التكثير؛ لأن القليل لا يحتاج إلى العد غالبًا.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾؛ أي: أيقظناهم، وأثرناهم من نومهم ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ والحزبان: هما الحزب القائل: لبثنا يومًا، أو بعض يوم، والحزب القائل: ربكم أعلم بما لبثتم.
﴿أحصى أمدا﴾ فعل ماض لا اسم تفضيل، كما قيل: يقال: أحصى الشيء إذا حفظه، وضبطه، قال الزمخشري: فإن قلت فما تقول فيمن جعله أفعل التفضيل؟
قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي ليس بقياس اهـ. والأمد مدّةٌ لها حد ونهاية، ﴿نَبَأَهُمْ﴾ النّبأ الخبر العظيم ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالصدق ﴿وَرَبَطْنا﴾ والربط: الشدُّ، وربطت الدابة: شددتها بالرباط، والمربط الحبل، وربط الله على قلبه؛ أي: قوّى عزيمته ﴿إِذْ قامُوا﴾؛ أي: وقفوا بين يدي ملكهم الجبار، دقيانوس ﴿إِلهًا﴾؛ أي: معبودًا آخر لا استقلالًا، ولا اشتراكًا، شَطَطًا وقال الفراء: إشتط في الشؤم جاوز القدر، وشط المنزل إذا بعد شطوطًا، وشط الرجل، وأشط جار، وشطّت الجارية شطاطًا، وشطاطة طالت.
стр. 7175
﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾؛ أي: نحتوا أصنامًا وعبدوها، والسّلطان الحجّة. والبيّن: الواضح ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ والاعتزال والتعزل تجنب الشيء بالبدن أو بالقلب.
﴿مِرْفَقًا﴾ بكسر الميم، وفتح الفاء، وبالعكس، وقد قرىء بهما ما ترتفقون به من غداء وعشاء، أي: تنتفعون قال في «أساس البلاغة»: (وارتفقت به) انتفعت ومالي فيه مرفقٌ ومرفقٌ، وما فيها مرفقٌ من مرافق الدار نحو المتوضأ، والمطبخ، وقيل: بالكسر في الميم لليد وبالفتح للأمر، وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر حكاه الأزهري عن ثعلب.
﴿تَزاوَرُ﴾؛ أي: تمايل: أصله تتزاور: فخفف بإدغام التاء في الزاي، أو حذفها ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تقطعهم، وتتجاوز عنهم، فلا تصيبهم البتة مأخوذ من معنى القطيعة قال الكسائي: يقال: قرضت المكان إذا عدلت عنه، ولم تقربه ﴿فَجْوَةٍ﴾: متّسع من الفجاء، وهو تباعد ما بين الفخذين، ويقال: رجل أفجأ، وامرأة فجواء وجمع الفجوة، فجاء لقصعة وقصاع ﴿أَيْقاظًا﴾: جمع يقظ بضم القاف وكسرها، وهو المنتبه، وجمعه أيقاظ كعضد، وأعضاد، ويقاظ كرجل، ورجال. ورجل يقظان، وامرأة يقظى ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: جمع راقد، أي: نائم كقعود وقاعد، وجلوس وجالس ﴿الوصيد﴾: فناء الكهف ﴿رُعْبًا﴾؛ والرعب: الخوف يملأ الصدر.
﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ الورق بفتح ﴿الواو﴾ وكسر الراء ﴿الفضة﴾ مضروبة كانت أو غير مضروبة ﴿أَيُّها أَزْكى﴾ أي: أطيب وأجود، وفي «القاموس»: زكا يزكو زكاء وزكوًا الزرع نما، والأرض طابت. والزكيّ ما كان ناميًا طيّبًا صالحًا ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾؛ أي: يتكلف اللطف في المعاملة، كي لا تقع خصومة تجر إلى معرفته، ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ﴾؛ أي: لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم، ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إن يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم.
стр. 7176
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرير في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ فإنّ نفي العوج معناه: إثبات الاستقامة، وإنما جنح إلى التكرير: لفائدة منقطعة النظير، وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته، ومع ذلك، فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج، فلما أثبت له الاستقامة، أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى، الذي يدق على النظرة السطحية الأولى.
ومنها: المطابقة في هذه الآية فقد طابق سبحانه بين العوج، والاستقامة، فجاء الكلام حسنًا، لا مجال فيه لمنتقد.
ومنها: الطباق بين ﴿يُبَشِّرَ﴾ و ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وبين ﴿يَهْدِ﴾ و ﴿يُضْلِلْ﴾ وبين ﴿أَيْقاظًا﴾ و ﴿رُقُودٌ﴾ وبين ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ و ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾.
ومنها: نفي الشيء بإيجابه في قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر، وهو من مستطرفات علم البيان، وهو أن تذكر كلامًا يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف، وهي نفي للموصوف أصلًا، ولقائل أن يقول: إنّ اتّخاذ الله ولدًا هو في حد ذاته محال، فكيف ساغ قوله: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾؟
قلنا: إن الولد في حدّ ذاته محالٌ لا يستقيم تعلق العلم به، ولكنه ورد على سبيل التهكم، والاستهزاء بهم.
ومنها: الإطناب بذكر الخاص في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ بعد ذكر العام في قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ لشناعة دعوى الولد لله. وفيه من بديع الحذف، وجليل الفصاحة حذف المفعول الأول في قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾؛ أي: لينذر الكافرين بأسًا شديدًا، ثم ذكر المفعول الأول، وحذف الثاني في قوله ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾؛ أي: عذابًا شديدًا، فحذف العذاب لدلالة الأول عليه، وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني
стр. 7177
عليه، وهذا من ألطف الفصاحة، فيكون في الكلام احتباك.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ حيث شبّه حاله ﷺ مع المشركين، وهو آسف من عدم هدايتهم بحال من فارقته أحبته، فهمّ بقتل نفسه، أو كاد يهلك وجدًا وحزنًا عليهم.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ فإن الجرز حقيقة في الأرض التي قطع نباتها، فجعله هنا وصفا لما عليها من النبات، فكأنّه مجازٌ، علاقته المجاورة ذكره في «الفتوحات».
ومنها: الاستعارة التصريحية التّبعيّة في قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، كما تضرب الخيمة على السكان، ثمّ استعير الضرب للإنامة، ثم اشتقّ من الضرب بمعنى الإنامة ﴿ضربنا﴾ بمعنى: أنمنا على طريق الاستعارة التّصريحية التبعية.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ للتنصيص على وصفهم، وسنهم، فكانوا في سن الشباب مردًا، وكانوا سبعة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: إذ أووا.
ومنها: الطباق المعنوي بين ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ لأن معنى الأول: أنمناهم، والثاني: أيقظناهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لأن الربط في الأصل: هو الشد بالحبل، والمراد هنا: شددنا على قلوبهم، كما تشد الأوعية، بالأوكية؛ أي: قوينا على قلوبهم، بالصّبر على هجر الأوطان، والفرار بالدين إلى الكهوف، والغيران، وافتراش صعيدها، وجسرناهم على قول الحق، والجهرية أمام دقيانوس الجبار.
ومنها: الجناس الناقص بين ﴿قامُوا﴾ و ﴿قالوا﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا﴾؛ لأن التشبيه هنا جاءت الأداة فيه فعلًا من أفعال الشك واليقين، تقول: حسبت زيدًا في جرأته الأسد،
стр. 7178
وعمرًا في جوده الغمام، وفي الآية: تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ في بعض صفاتهم، لأنه قيل: إنّهم كانوا مفتّحي العيون في حال نومهم.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ لأن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي، وعمل في ذراعيه النصب على إرادة حكاية الحال الماضية، كما قاله الكسائي، ومن تبعه؛ أي: إنه تقدّر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي، واقعة في حال التكلم، والمعنى: يبسط ذراعيه، فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ واو الحال، ولذا قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ بالمضارع الدالِّ على الحال، ولم يقل وقلبناهم بالماضي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وجاءتا معترضتين أثناء القصة؛ لما تضمّنتاه من تعليم عباده تفويض الأمور كلها إليه، سبحانه، وبيان أنه لا يحدث في ملكه إلا ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر قصص أهل الكهف، ودل اشتمال القرآن عليه على أنه وحي من علام الغيوب .. أمر سبحانه رسوله ﷺ بالمواظبة على درسه وتلاوته، وأن لا يكترث بقول القائلين له ائت بقرآن غير هذا، أو بدّله، ثمّ ذكر ما يلحق الكافرين من النكال، والوبال يوم القيامة، وما ينال المتقين من النعيم المقيم، كفاء ما عملوا من صالح الأعمال.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ ...﴾ الآيتين، روي أن هاتين الآيتين نزلتا حين سألت قريشٌ رسول الله ﷺ عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين فقال ﵊: «غدا أخبركم» ولم يستثن - لم يقل إن شاء الله - فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يومًا، فشق ذلك عليه، وكذبته قريش.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن مردويه، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في أميّة بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبيّ ﷺ إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ ، وعنده سلمان، فقال عيينة: إذا نحن أتيناك فأخرج هذا، وأدخلنا، فنزلت الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٢١ - ﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم حين رقدوا ليتساءلوا بينهم، فيزدادوا بصيرة بعظيم سلطانه تعالى، ومعرفة حسن دفاع