البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرير في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ فإنّ نفي العوج معناه: إثبات الاستقامة، وإنما جنح إلى التكرير: لفائدة منقطعة النظير، وهي التأكيد والبيان، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، مجمع على استقامته، ومع ذلك، فإن الفاحص المدقق قد يجد له أدنى عوج، فلما أثبت له الاستقامة، أزال شبهة بقاء ذلك الأدنى، الذي يدق على النظرة السطحية الأولى.
ومنها: المطابقة في هذه الآية فقد طابق سبحانه بين العوج، والاستقامة، فجاء الكلام حسنًا، لا مجال فيه لمنتقد.
ومنها: الطباق بين ﴿يُبَشِّرَ﴾ و ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وبين ﴿يَهْدِ﴾ و ﴿يُضْلِلْ﴾ وبين ﴿أَيْقاظًا﴾ و ﴿رُقُودٌ﴾ وبين ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ و ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾.
ومنها: نفي الشيء بإيجابه في قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وله تسمية أخرى وهي عكس الظاهر، وهو من مستطرفات علم البيان، وهو أن تذكر كلامًا يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف، وهي نفي للموصوف أصلًا، ولقائل أن يقول: إنّ اتّخاذ الله ولدًا هو في حد ذاته محال، فكيف ساغ قوله: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾؟
قلنا: إن الولد في حدّ ذاته محالٌ لا يستقيم تعلق العلم به، ولكنه ورد على سبيل التهكم، والاستهزاء بهم.
ومنها: الإطناب بذكر الخاص في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ بعد ذكر العام في قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ لشناعة دعوى الولد لله. وفيه من بديع الحذف، وجليل الفصاحة حذف المفعول الأول في قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾؛ أي: لينذر الكافرين بأسًا شديدًا، ثم ذكر المفعول الأول، وحذف الثاني في قوله ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾؛ أي: عذابًا شديدًا، فحذف العذاب لدلالة الأول عليه، وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني
стр. 7177
عليه، وهذا من ألطف الفصاحة، فيكون في الكلام احتباك.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ حيث شبّه حاله ﷺ مع المشركين، وهو آسف من عدم هدايتهم بحال من فارقته أحبته، فهمّ بقتل نفسه، أو كاد يهلك وجدًا وحزنًا عليهم.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ فإن الجرز حقيقة في الأرض التي قطع نباتها، فجعله هنا وصفا لما عليها من النبات، فكأنّه مجازٌ، علاقته المجاورة ذكره في «الفتوحات».
ومنها: الاستعارة التصريحية التّبعيّة في قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، كما تضرب الخيمة على السكان، ثمّ استعير الضرب للإنامة، ثم اشتقّ من الضرب بمعنى الإنامة ﴿ضربنا﴾ بمعنى: أنمنا على طريق الاستعارة التّصريحية التبعية.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ للتنصيص على وصفهم، وسنهم، فكانوا في سن الشباب مردًا، وكانوا سبعة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: إذ أووا.
ومنها: الطباق المعنوي بين ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ لأن معنى الأول: أنمناهم، والثاني: أيقظناهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لأن الربط في الأصل: هو الشد بالحبل، والمراد هنا: شددنا على قلوبهم، كما تشد الأوعية، بالأوكية؛ أي: قوينا على قلوبهم، بالصّبر على هجر الأوطان، والفرار بالدين إلى الكهوف، والغيران، وافتراش صعيدها، وجسرناهم على قول الحق، والجهرية أمام دقيانوس الجبار.
ومنها: الجناس الناقص بين ﴿قامُوا﴾ و ﴿قالوا﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا﴾؛ لأن التشبيه هنا جاءت الأداة فيه فعلًا من أفعال الشك واليقين، تقول: حسبت زيدًا في جرأته الأسد،
стр. 7178
وعمرًا في جوده الغمام، وفي الآية: تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالأيقاظ في بعض صفاتهم، لأنه قيل: إنّهم كانوا مفتّحي العيون في حال نومهم.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ لأن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي، وعمل في ذراعيه النصب على إرادة حكاية الحال الماضية، كما قاله الكسائي، ومن تبعه؛ أي: إنه تقدّر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي، واقعة في حال التكلم، والمعنى: يبسط ذراعيه، فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ واو الحال، ولذا قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ بالمضارع الدالِّ على الحال، ولم يقل وقلبناهم بالماضي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وجاءتا معترضتين أثناء القصة؛ لما تضمّنتاه من تعليم عباده تفويض الأمور كلها إليه، سبحانه، وبيان أنه لا يحدث في ملكه إلا ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لما ذكر قصص أهل الكهف، ودل اشتمال القرآن عليه على أنه وحي من علام الغيوب .. أمر سبحانه رسوله ﷺ بالمواظبة على درسه وتلاوته، وأن لا يكترث بقول القائلين له ائت بقرآن غير هذا، أو بدّله، ثمّ ذكر ما يلحق الكافرين من النكال، والوبال يوم القيامة، وما ينال المتقين من النعيم المقيم، كفاء ما عملوا من صالح الأعمال.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ ...﴾ الآيتين، روي أن هاتين الآيتين نزلتا حين سألت قريشٌ رسول الله ﷺ عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين فقال ﵊: «غدا أخبركم» ولم يستثن - لم يقل إن شاء الله - فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يومًا، فشق ذلك عليه، وكذبته قريش.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن مردويه، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في أميّة بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبيّ ﷺ إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ ، وعنده سلمان، فقال عيينة: إذا نحن أتيناك فأخرج هذا، وأدخلنا، فنزلت الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٢١ - ﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: وكما أنمناهم، وبعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم حين رقدوا ليتساءلوا بينهم، فيزدادوا بصيرة بعظيم سلطانه تعالى، ومعرفة حسن دفاع
стр. 7181
الله عن أوليائه ﴿أَعْثَرْنا﴾؛ أي: أطلعنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أحوال أهل الكهف الفريق الذين كانوا في شك من قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وفي مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد البلى ﴿لِيَعْلَمُوا﴾؛ أي: ليعلم الفريق الذين أعثرناهم على أحوالهم العجيبة، وهم الملك ورعيته ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ تعالى بالبعث للروح، والجثة معا ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: صدق لا شك فيه، بطريق أن القادر على إنامتهم مدة طويلة، وإبقائهم على حالهم بلا غذاء، قادر على إحياء الموتى، قال بعض العارفين: اليقظة بعد النوم علامة على البعث بعد الموت. ﴿وَ﴾ ليوقنوا ﴿أَنَّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامة مع ما فيها من الحساب والجزاء آتية ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾؛ أي: لا شك في مجيئها، إذ لا حجّة لمن أنكرها إلا الاستبعاد، ولكن وقوع ذلك الأمر العظيم، وعلمهم به مما يخفف من غلوائهم، ويكبح جماح إنكارهم، ويردهم إلى رشدهم.
ذلك أن حال هؤلاء الفتية في تلك الحقبة الطويلة، وقد حبست عن التصرف نفوسهم، وعطلت مشاعرهم وحواسهم، وحفظت من التحلل والتفتت أبدانهم، وبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب، ثمّ رجعت بعدئذ تلك المشاعر والحواس إلى حالها، وأطلقت النّفوس من عقالها، وأرسلت إلى تدبير أبدانها، فرأت الأمور كما كانت، والأعوان هم الأعوان، ولم تنكر شيئًا عهدته في مدينتها، ولم تتذكر حبسها المدى الطويل عن التصرف في شؤونها، وحال الذين يقومون من قبورهم بعد ما تعطلت مشاعرهم، وحبست نفوسهم، من واد واحد في الغرابة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، أو معاندٌ، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني، ولا يبقى بعد ذلك شك في أن وعد الله حق، وأنّ الله سيبعث من في القبور، فيرد عليهم أرواحهم، ويجازيهم جزاء وفاقًا بحسب أعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر، وهو الحكم العدل اللطيف الخبير.
والظرف في قوله: ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْثَرْنا﴾؛ أي: وكذلك أعثرنا الناس - بيدروس وقومه - على أصحاب الكهف، حين يتنازعون، أي: يتنازع الناس
стр. 7182
بعضهم بعضًا فيما ﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: في (١) أمر بعثهم، فمن مقر به وجاحد له، وقائل تبعث الأرواح دون الأجساد، ففرح الملك، وفرحوا بآية الله على البعث، وزال ما بينهم من الخلاف في أمر القيامة، وحمدوا الله إذ رأوا ما رأوا ممّا يثبتها ويزيل كل ريب فيها.
والمعنى: أي (٢) أعثرنا عليهم وقت التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل: في أمر أصحاب الكهف، في قدر مكثهم، وفي عددهم، وفيما يفعلونه بهم بعد أن اطلعوا عليهم ﴿فَقالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أصحاب الكهف ﴿بُنْيانًا﴾ يسترهم عن أعين الناس لئلا يتطرق الناس إليهم، وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم، وهم أحياء أمات الفتية، فانقسموا في شأنهم فريقين: فريق يقول: نسد عليهم باب الكهف، ونذرهم حيث هم، وفريق يقول: نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس، وقد غلب هذا الفريق الفريق الأول في الرأي، كما سيأتي.
ثم قال سبحانه حاكيًا لقول المتنازعين فيهم، وفي عددهم، وفي مدة لبثهم، وفي غير ذلك مما يتعلق بهم، ﴿رَبُّهُمْ﴾؛ أي: رب أصحاب الكهف ﴿أَعْلَمُ بِهِمْ﴾؛ أي: أعلم بعددهم، وبمدة لبثهم من هؤلاء المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضًا للعلم إلى الله سبحانه، وقيل: هذه الجملة معترضةٌ من كلام الله تعالى، ردًّا لقول الخائضين فيهم، ممن أعثروا عليهم، أو ممن كان في عهده ﷺ من أهل الكتاب، في بيان أنسابهم، وأسمائهم، وأحوالهم، ومدة لبثهم؛ أي: دعوا ما أنتم فيه من التنازع، فإنّي أعلم بهم منكم.
وقال بعض المفسرين (٣): والظرف في قوله: ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ﴾ متعلق بـ ﴿اذكر﴾ مقدرًا، وقال: هو الأظهر، والأنسب لترتيب ﴿الفاء﴾ الآتية عليه، ويكون كلامًا منفصلًا عما قبله، ويؤيّده أن الإعثار، ليس في زمن التنازع، بل
стр. 7183
قبله، والمتنازعون هم: قوم بيدروس، والمعنى: أي: واذكر يا محمد قصة حين يتنازع قوم بيدروس فيما بينهم، في تدبير أمر أصحاب الكهف، حين توفاهم الله ثانيا بالموت كيف يخفون مكانهم، وكيف يستر الطريق إليهم، ﴿فَقالُوا﴾؛ أي: بعض أهل المدينة ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على باب كهفهم ﴿بُنْيانًا﴾ كي لا يعلم أحد تربتهم، وتكون محفوظة من تطرق الناس، كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة، قائلين: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾؛ أي: بحالهم وشأنهم، لا حاجة إلى علم الغير بمكانهم.
ويمكن (١) أن يجاب عن صاحب هذا القول، بأن يقال: إن أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم، قرنا بعد قرن، منذ أووا إلى الكهف، إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك، أن خبرهم كان مكتوبًا على باب الغار، كتبه بعض المعاصرين، وهم من المؤمنين الذين يخفون إيمانهم من دقيانوس ملكهم كما قاله المفسرون.
﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: على أمر أهل الكهف، وتدبير شأنهم، وهم (٢): الملك والمسلمون، أو أولياء أصحاب الكهف، أو رؤساء البلد، وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي ﴿غُلِبُوا﴾ بضم الغين، وكسر اللام ذكره في «البحر». ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾؛ أي: لنبنيّن على باب كهفهم مسجدًا يصلي فيه المسلمون، ونستبقي آثارهم بسبب ذلك المسجد، قال الزجاج: وهذا يدل على أنّه لما ظهر أمرهم، غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأنّ المساجد للمؤمنين؛ أي: كانت الكلمة لهم، وكان كلامهم هو النافذ، لأن ملك الوقت كان من جملتهم، وكان مسلمًا، وأما الملك الذي خرجوا هاربين منه .. فقد مات في مدة نومهم. اهـ شيخنا.
فصل
وقد ذكر العلماء: أن اتخاذ القبور مساجد منهي عنه، أشدّ النهي، حتى ذكر
стр. 7184
ابن حجر في كتابه «الزواجر»: أنه من الكبائر، لما روي في صحيح الأخبار من النهي عن ذلك، روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس: أنّ النبي ﷺ قال: «لعن الله تعالى زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسّرج» وزاد مسلم «ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك».
وروى الشيخان، وأحمد، والنسائي، قوله ﷺ : «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق يوم القيامة».
وروى أحمد والطبراني: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» إلى نحو ذلك من الآثار الصحيحة.
اللهم ألهم المسلمين رشدهم، وثبتهم في أمر دينهم، ولا تجعلهم يحذون حذو من قبلهم، حذو القذّة بالقذّة، وأرجعهم إلى مثل ما كان يفعله المسلمون في الصدر الأول وما بعده، فرجاله هم الأسوة، وقد صحّ أن عمر بن الخطاب ﵁ لما وجد قبر دانيال في عهده بالعراق، أمر أن يسوى بالأرض، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، وفيها شيء من الملاحم وغيرها من الأخبار.
٢٢ - ولما ذكر سبحانه القصة، ونزاع المتخاصمين فيما بينهم، شرع يقص علينا ما دار في عهد النبي ﷺ من الخلاف في عدد أصحاب الكهف. فقال: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ الخ، والضمائر (١) في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبي ﷺ من أهل الكتاب والمسلمين، لكن لا على وجه إسناد كل قول إلى كل منهم، بل على التوزيع، سألوا رسول الله ﷺ عن أصحاب الكهف، فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارًا بما سيجري بينهم من اختلافهم
стр. 7185
في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم.
قيل: وإنما أتى (١) بالسين في هذا، لأن في الكلام طيًّا وإدماجًا، تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم سيقولون، ولم يأت بهم في باقي الأفعال، لأنها معطوفة على ما فيه السين، فأعطيت حكمه من الاستقبال. اهـ «سمين»؛ أي: سيقول عبيد الله (٢) اليهود لك يا محمد عند سؤالك إياهم عن عدد أصحاب الكهف: هم؛ أي: أصحاب الكهف: ﴿ثَلاثَةٌ﴾؛ أي: ثلاثة أشخاص، وقرأ ابن محيصن، ﴿ثلاث﴾ بإدغام الثّاء في التاء، وحسن ذلك لقرب مخرجهما، وكونهما مهموسين؛ لأنّ الساكن الذي قبل (الثّاء) من حروف اللين فحسن ذلك، ذكره في «البحر»، وجملة قوله: ﴿رابِعُهُمْ﴾؛ أي: جاعلهم أربعة، بانضمامه إليهم، ﴿كَلْبُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من (ثلاثة)؛ أي: حالة كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم.
﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: النصارى، وإنما لم يأت بالسين فيه؛ اكتفاء بعطفه على ما هي فيه: هم ﴿خَمْسَةٌ﴾؛ أي: أصحاب الكهف خمسة أشخاص، وقرأ شبل بن عباد، عن ابن كثير، بفتح ميم خمسة، وهي لغة كعشرة، وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم، وبإدغام التاء في السين، وعنه أيضًا: إدغام التنوين في السين، بغير غنة ذكره في «البحر». وجملة قوله: ﴿سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من خمسة؛ أي: حالة كونه جاعلهم ستة كلبهم بانضمامه إليهم، ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يقول كلا الفريقين ما قالوا من العدد رجمًا بالغيب، أي: ظنًّا بالغيب؛ أي: بما خفي عنهم من غير دليل، ولا برهان، وانتصابه على الحالية من الضمير في الفعلين معًا؛ أي: يقول كلا الفريقين ما قالوا حالة كونهم راجمين بالغيب؛ أي: ظانين بالخبر الخفي عنهم، أو على المصدرية منهما، فإن الرجم والقول واحد؛ أي: يرجمون ذلك رجمًا بالغيب؛ أي: يقولونه قولًا بالغيب.
стр. 7186
والحاصل: أن المقصودين بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين، القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة، ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: المسلمون هم ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
وقرىء: ﴿وثامنهم كالبهم﴾؛ أي: صاحب كلبهم، وهذا هو الحقّ، بدليل أنه تعالى حكم على القولين السابقين بأنّهما رجم بالغيب، فأرشد ذلك إلى أن الحال في الأخير بخلافه، وأنهم إنما قالوه عن ثبات علم، وطمأنينة نفس، بطريق التلقن من الوحي؛ لأن الوحي مقدم على المقالة المذكورة على ما يدل عليه السين، فعرفوا ذلك بإخبار الرسول ﷺ عن جبريل ﵇.
و ﴿الواو﴾ (١) الداخلة على الجملة الثالثة هي ﴿الواو﴾ التي تدخل على الجملة الواقعة صفة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالًا عن المعرفة، في قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، وفائدتها: توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه ﴿الواو﴾ هي التي أذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم، دليله أن الله تعالى أتبع القولين الأوّلين قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، وأتبع القول الثالث قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد - تحقيقًا للحق، وردًا على الأولين -: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ منكم؛ أي: عالم بعدد أصحاب الكهف، وقد أخبركم بها، بقول: سبعة، وثامنهم كلبهم.
والمعنى: هو سبحانه أقوى علمًا، وأزيد في الكيفية، فإنّ مراتب اليقين متفاوتة في القوة، ولا يجوز أن يكون التفضيل بالإضافة إلى الطائفتين الأوليين، إذ لا شركة لهما في العلم، اهـ «كرخي» ثم أثبت علم ذلك لقليل من الناس فقال: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ﴾؛ أي: ما يعلم ذواتهم فضلًا عن عددهم، أو ما يعلم عددهم فهو على حذف مضاف، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ من الناس قد وفقهم الله تعالى، وهم القائلون: هم سبعة، وثامنهم كلبهم.
стр. 7187
روى قتادة عن ابن عباس أنه قال: أنا من القليل الذي استثنى الله تعالى، كانوا سبعة سوى الكلب.
وفي هذا (١): دلالة على أن المهمّ ليس هو معرفة العدد، بل المهم الاعتبار بذلك القصص، وبما يكون نافعا لعقولنا، وتطهيرا لأخلاقنا، ورقيا في حياتنا الدنيوية، والأخروية، وفي «الفتوحات»: المثبت في حق الله تعالى هو الأعلمية بالمعنى الذي عرفته، وفي حق القليل العالمية، فلا تعارض، وهذا هو الحق، لأنّ العلم بتفاصيل كائنات العالم وحوادثه في الماضي والمستقبل لا يحصل إلا عند الله تعالى، أو عند من أخبره الله تعالى عنها، اهـ رخى».
وبعد أن ذكر سبحانه هذا القصص نهى رسوله ﷺ عن شيئين: المراء في أمرهم، والاستفتاء في شأنهم، فقال: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾، والفاء لتفريع (٢) النهي على ما قبله؛ أي: إذا عرفت جهل أصحاب القولين الأولين، فلا تجادلهم، ولا تنازعهم ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في شأن أصحاب الكهف ﴿إِلَّا مِراءً ظاهِرًا﴾؛ أي: إلّا جدالًا ظاهرًا غير متعمق فيه، ونزاعًا سهلًا لينًا، وهو أن تقصّ عليهم ما في القرآن من غير تكذيب لهم، في تعيين العدد، ولا تصريح لهم بجهلهم، وتفضيح لهم، فإنه ممّا يخل بمكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها، ولا يترتب على ذلك كبير فائدة؛ لأن المقصد من القصة هو العظة والاعتبار، ومعرفة أن البعث حاصل لا محالة، وهذا لا يتوقف على عدد معين، بل تقول هذا التعيين لا دليل عليه، ونحو الآية قوله: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾؛ أي: ولا تسأل في شأن أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ أي: أحدًا من أهل الكتاب، فإنّهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجمًا بالغيب من غير استناد إلى دليل قاطع، ولا نص صريح، وقد جاءك ربك بالحق الذي لا مرية فيه، فهو الحكم المقدم على كل ما تقدم من الكتب والأقوال
стр. 7188
السالفة، وفي الآية (١) دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم.
٢٣ - وقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ نهي تأديب؛ أي: ولا تقولنّ يا محمد ﴿لِشَيْءٍ﴾؛ أي: لأجل شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، ﴿إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ﴾ الشيء ﴿غَدًا﴾؛ أي: فيما يستقبل من الزمان مطلقًا، فيدخل فيه الغد، وهو اسم لليوم الذي بعد يومك، دخولًا أوليًا، فإنّه نزل حين قالت اليهود لقريش، سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فسألوه ﷺ فقال: «ائتوني غدًا أخبركم» ولم يستثن؛ أي: لم يقل إن شاء الله، وتسميته استثناءً لأنه يشبه الاستثناء في التخصيص، فأبطأ عليه الوحي أيامًا حتى شق عليه، وكذبته قريش، وقالوا ودّعه ربه وأبغضه، كما مر في أسباب النزول،
٢٤ - ﴿إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: إلّا قائلًا إن شاء الله تعالى، فهو استثناء مفرّغٌ من النهي؛ أي: لا تقولن لشيء: إنّي فاعل ذلك غدًا في حال من الأحوال، إلّا في حال تلبسك بالتعليق بالمشيئة على الوجه المعتاد، كأن تقول: إن شاء الله.
والمعنى: أي ولا تقولنّ أيها الرّسول لشيء: إنّي سأفعل ذلك غدًا إلّا أن تقول: إن شاء الله، ذاك أنه ربّما مات المرء قبل مجيء الغد، أو ربما عاقه عائق عن فعله، فإذا لم يقل: إن شاء الله .. صار كاذبًا في ذلك الوعد، ونفر الناس منه.
قال ابن الجوزي (٢): وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب، إذا لم يفعل ما حلف عليه، كقوله: في قصة موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾، ولم يصبر، فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه اهـ.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ يا محمد؛ أي: واذكر مشيئة ربّك؛ أي: قل إن شاء الله ﴿إِذَا
стр. 7189
نَسِيتَ﴾ المشيئة، أولًا؛ أي (١): واذكر مشيئة ربّك إذا فرط منك نسيان، ثم تذكرت ذلك، وهذا أمر بالتدارك حين التذكر سواء أطال الفصل أم قصر. أو المعنى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ بالتسبيح والاستغفار، وغيرهما ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ كلمة المشيئة، وهذا مبالغة في الحث على ذكر هذه الكلمة.
وقد حقق الله سبحانه له ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة، وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف.
وخلاصة ذلك: اطمع من ربك أن يهديك لأقرب مما أرشدك إليه خيرًا، ومنفعة في ضمن ما ألقى إليك من الأوامر، والنواهي، وقد استجاب الله دعاءه، فهداه فيما أنزل عليه ما هو خير منفعة، وأجدى فائدة للمسلمين، في دنياهم وآخرتهم، وآتاهم من الخير العميم ما جعلهم به خير أمة أخرجت للناس، وقيل (٢): الإشارة إلى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾؛ أي: عسى أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشيء آخر، بدل هذا المنسيّ، وأقرب منه رشدًا، وأدنى منه خيرًا ومنفعة، والأولى أولى.
٢٥ - ثم بيّن سبحانه ما أجمل في قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾؛ أي: لبث الفتية في كهفهم أحياء نيامًا حين ضربنا على آذانهم، ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ فقط؛ أي: ثلاث مئة سنةٍ فقط، على حساب أهل الكتاب الذين علّموا قومك السؤال عن شأنهم؛ لأنّ السّنين عندهم شمسيّةٌ ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؛ أي: وازداد أصحاب الكهف في لبثهم تسع سنوات على ثلاث مئة على حساب قومك الذين سألوك عن ذلك، فجملة ما لبثوا في كهفهم على حساب قومك، ثلاث مئة سنة وتسع سنوات، لأنّ السنين عندهم قمريةٌ، ولا شك (٣) أنّ في هذا البيان معجزة لرسوله ﷺ النبي الأمي، الذي لم يقرأ، ولم
стр. 7190
يكتب، ولم يدرس الحساب، ولا الهندسة ولا الفلك، فمن أين له أن كل مئة سنة شمسية، تزيد ثلاث سنين قمرية، وكلّ ثلاث وثلاثين سنةً شمسيةً تزيد سنةً قمريةً، وكل سنة شمسية تزيد عشرة أيامٍ، وإحدى وعشرين ساعةً، وخمس ساعة على السنة القمرية.
والسنة الشمسية (١): مدّة وصول الشمس إلى النقطة التي فارقتها من ذلك البرج، وذلك ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا وربع يوم.
والسنة القمرية: اثنا عشر شهرًا قمريًا، ومدتها ثلاث مئة وأربعة وخمسون يومًا وثلث يوم، وقرأ الجمهور ﴿مِائَةٍ﴾ بالتنوين، فسنين بدل أو عطف بيان لثلاث مئة لا تمييز (٢)، وإلا لكان أقل مدة لبثهم عند الخليل ست مئة سنة، لأن أقلّ الجمع عنده اثنان، وعند غيره تسع مئة، لأن أقله ثلاثة عندهم، هذا على قراءة ﴿مئةٍ﴾ بالتنوين، وأمّا على قراءة الإضافة، فأقيم الجمع مقام المفرد؛ لأنّ حق المئة أن يضاف إلى المفرد، وجه ذلك: أن المفرد في ثلاث مئة درهم في المعنى جمع، فحسن إضافته إلى لفظ الجمع، كما في الأخسرين أعمالًا فإنه ميّز بالجمع.
وقرأ حمزة (٣)، والكسائي، وطلحة، ويحيى، والأعمش، والحسن، وابن أبي ليلى، وخلف، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جبير الأنطاكي: ﴿مئة﴾ بغير تنوين مضافًا إلى سنين، أوقع الجمع موقع المفرد، كما مر آنفًا، وقرأ أُبيٌّ ﴿سنة﴾ وكذا في مصحف عبد الله، وقرأ الضحاك: ﴿سنون﴾ بالواو على إضمار، هي سنون، وقرأ الحسن، وأبو عمرو، في رواية اللؤلؤي عنه ﴿تسْعا﴾ بفتح التاء كما قالوا عشر،
٢٦ - ثم أكد أن المدّة المضروبة على آذانهم، هي هذه المدة، فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد إذا نازعوك فيما ذكرنا: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِما لَبِثُوا﴾؛ أي: بمدة لبثهم، وقد أخبرنا بمدّته، فهو الحق الذي
стр. 7191
لا يحوم حوله شك، وقال البغويُّ: وهذه الجملة مرتبة على محذوف تقديره: إن الأمر في مدة لبثهم كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها فأجبهم، و ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾؛ أي: بالزمان الذي لبثوا فيه، لأن علم الخفيّات مختص به تعالى، ولذلك قال: ﴿لَهُ﴾ خاصة ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: علم ما غاب عن أهل الأرض، والسموات فيهما، يعني: أنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهلها، فإنه العالم وحده به، فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف، لا يعزب عنه علم شيء منه، فسلّموا له علم ما لبثت به الفتية في الكهف، وإذا علم الخفي فيهما، فهو بعلم غيره أدرى.
ومن ذلك العلم الغائب على كثير من العقول، حساب السنة الشمسية والقمرية، فقد غيّبه الله عن بعض الناس، ولم يطلع عليه إلّا العارفين بحساب الأفلاك، ومن ثم يعجبون من أمر نبيهم، ويعلمون أنّ هذا مبدأ زينة الأرض وزخرفها.
وفائدة تأخير بيان مدة لبثهم (١): الدلالة على أنهم تنازعوا فيها أيضًا، كما تنازعوا في عددهم على أن هذا البيان من الغيب الذي أخبر الله به نبيه ﷺ ليكون معجزة له، وجاء قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ تذييلًا لسابقه ليكون محاكيًا قوله في حكاية عددهم ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾.
ثم زاد في المبالغة والتأكيد، فجاء بما يدل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات فقال: ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ ﴿وَأَسْمِعْ﴾ به تعالى؛ أي: ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع، فهو لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهذا أمر عظيم من شأنه أن يتعجّب منه، وقد ورد مثل هذا في الحديث «سبحانك ما أحلمك عمن عصاك، وأقربك ممن دعاك، وأعطفك على من سألك».
فأفاد هذا التركيب التعجب من علمه ، ودل على (٢) أن شأنه
стр. 7192
سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين، وأنّه يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفي والظاهر، والصغير والكبير، واللطيف والكثيف، وكأن أصله: ما أبصره وما أسمعه، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء، و ﴿الباء﴾ زائدة عند سيبويه، وخالفه الأخفش، والبحث عنه مقرر في علم النحو، وسنذكر طرفًا منه في مبحث الإعراب، وقرأ عيسى ﴿أسمع به وأبصر﴾ على الخبر فعلًا ماضيًا لا على التعجب؛ أي: أبصر عباده بمعرفته، وأسمعهم، و ﴿الهاء﴾ كناية عن الله تعالى ﴿ما لَهُمْ﴾؛ أي: ما لأهل السموات والأرض، وقيل: لأهل الكهف، وقيل: لمعاصري محمد ﷺ من الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يلي أمورهم، وناصر ينصرهم، ومدبر يدبر شؤونهم، فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير إعلامه تعالى، وفي هذا بيان لغاية قدرته، وأن الكلّ تحت قهره. ﴿وَلا يُشْرِكُ﴾ ﴿فِي حُكْمِهِ﴾ وقضائه، أو في علم غيبه ﴿أَحَدًا﴾ من مخلوقاته، فله خاصة الخلق والأمر، لا معقّب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك، تعالى الله وتقدست أسماؤه.
أي: لا (١) يجعل الله تعالى أحدًا من الموجودات العلوية والسفلية شريكًا لذاته العلية في قضائه الأزلي إلى الأبد، لعزته وغناه، قال الإمام: المعنى أنه تعالى لما حكى أنّ لبثهم هو هذا المقدار .. أراد أنه ليس لأحد أن يقول بخلافه، انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَلا يُشْرِكُ﴾ بالياء على النفي، وقرأ مجاهد بالياء، والجزم قال يعقوب: لا أعرف وجهه. وقرأ ابن عامر، والحسن، وأبو رجاء وقتادة، والجحدري، وأبو حيوة، وزيد، وحميد بن الوزير، عن يعقوب، والجعفي، واللؤلؤي، عن أبي بكر، ﴿ولا تشرك﴾ بالتاء والجزم على النهي، والمعنى: ولا تشرك أيها الإنسان
٢٧ - ﴿وَاتْلُ﴾، أي: واقرأ يا محمد ﴿ما أُوحِيَ إِلَيْكَ؛﴾ أي: ما أنزل إليك ﴿مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾؛ أي: من القرآن بيان للموحى
стр. 7193
إليه، للتقرب إلى الله تعالى بتلاوته، والعمل بموجبه، والاطلاع على أسراره، ولا تسمع لقولم، ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾، والفرق (١) بين التلاوة والقراءة: أن التلاوة قراءة القرآن متابعة كالدراسة، والأوراد الموظفة، والقراءة أعم؛ لأنها جمع الحروف باللفظ لا اتباعها، قيل (٢): ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿وَاتْلُ﴾ واتبع أمرًا، من التّلوّ لا من التلاوة.
﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾؛ أي: لكلمات الله ؛ أي: لا مغير للقرآن؛ أي: لا قادر على تبديله، وتغييره غيره تعالى كقوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ فهو عامّ مخصوصٌ فافهم، فإن قلت (٣): موجب هذا أن لّا يتطرق النسخ إليه؟.
قلت: النسخ في الحقيقة ليس بتبديل؛ لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ، فالناسخ المغاير، فكيف يكون تبديلا، وقيل: معناه لا مغير بما أوعد الله بكلماته أهل معاصيه، وقيل: معناه لا مغيّر بأوامره ونواهيه، وبوعده لأولياه، ووعيده لأعدائه.
﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ أبد الدهر، وإن بالغت في الطلب ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملجأً وحرزًا تعدل إليه عند نزول بلية، قال الزجاج: لن تجد معدلًا عن أمره ونهيه، أي: إنك إن لم تتبع القرآن وتتله، وتعمل بأحكامه لن تجد معدلًا تعدل إليه، ومكانًا تميل إليه.
وحاصل معنى الآية: أي (٤) واتل أيها الرسول الكتاب الذي أوحي إليك، والزم العمل به، واتّبع ما فيه من أمر ونهي، وإن أحدًا لا يستطيع أن يغير ما فيه من وعيد لأهل معاصيه، ومن وعد لأهل طاعته، فإن أنت لم تتبعه، ولم تأتمّ به، فنالك وعيد الله الذي أوعد المخالفين حدوده، فلن تجد من دونه موئلًا، ولا ملجأ تلتجىء إليه؛ إذ قدرة الله محيطةٌ بك، وبجميع خلقه، لا يقدر أحدٌ على
стр. 7194
الهرب من أمر أرادهُ به.
وفي (١) أمره تعالى أن يتلو ما أوحي إليه، وإخباره أنه لا مبدّل لكلماته، إشارةٌ إلى تبديل المتنازعين في أهل الكهف، وتحريف أخبارهم، وهذه الآية آخر قصّة أهل الكهف.
٢٨ - ثمّ شرع سبحانه في نوع آخر، كما هو دأب الكتاب العزيز فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾؛ أي: احبسها وثبتها مصاحبة ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، ويذكرونه ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾؛ أي: في أول النهار وآخره، والمراد الدوام؛ أي: مداومين على الدعاء في جميع الأوقات، أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير، والعشي لطلب عفو التّقصير، وقال ابن عمر، ومجاهدٌ، وإبراهيم: ﴿وَالْعَشِيِّ﴾ إشارة إلى الصلوات الخمس، وقال قتادة: إلى صلاة الفجر، وصلاة العصر.
وقرأ نصر بن عاصم، ومالك بن دينار، وأبو عبد الرحمن، وابن عامر: ﴿بالغدوة﴾ بالواو، واحتجوا بأنها في المصحف كذلك مكتوبة بالواو قال النّحّاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول: الغدوة، وجملة قوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ بدعائهم في تلك الأوقات ﴿وَجْهَهُ﴾ تعالى، ورضاه، حال من الضمير المستكن في يدعون؛ أي: يدعون ربهم حالة كونهم مريدين بدعائهم، وعبادتهم، وجهه تعالى ورضاه، لا شيئًا آخر من أعراض الدنيا.
والمعنى: أي احبس نفسك وثبتها مع فقراء الصحابة، كعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، وابن مسعود، وأضرابهم ممن يدعون ربّهم بالغداة والعشي بالتسبيح، وصالح الأعمال، ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون عرضًا من أعراض الدنيا، ولا شيئًا من لذاتها ونعيمها.
روي: أن عيينة بن حصن الفزاري، أتى النبي ﷺ قبل أن يسلم، وعنده جماعة من فقراء أصحابه، فيهم سلمان الفارسي، وعليه شملة قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه، ثم ينسجه، فقال له: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات
стр. 7195
مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم النّاس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحّهم حتى نتبعك أو اجعل لهم مجلسًا، فنزلت هذه الآية كما مر في أسباب النزول، ونحو الآية قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ومقال هؤلاء شبيه بمقالة قوم نوح ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ثم أمره سبحانه بمراقبة أحوالهم فقال: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾؛ أي: ولا تلتفت عيناك، ولا تنصرف ولا تمل ﴿عَنْهُمْ﴾ إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، وهذا نهيٌ (١) للعينين، والمراد صاحبهما، يعني نهيه ﵇ عن الازدراء بفقراء المسلمين، لرثاثة زيهم، طموحًا إلى زيّ الأغنياء، وقيل: معناه: لا تحتقرهم عيناك، حالة كونك يا محمد ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أي: تطلب مجالسة الأغنياء والأشراف، وصحبة أهل الدنيا، وفي إضافة الزينة إلى الحياة الدنيا تحقير لشأنها، وتنفير عنها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ على نسبة الفعل إلى العينين، وقرأ الحسن: ﴿تعد﴾ عينيك بالتشديد، والتخفيف من عدّى أو أعدى، وقرأ الأعمش، وعيسى: ﴿وَلا تَعْدُ﴾ بالتشديد ﴿وَلا تُطِعْ﴾ يا محمد، أي: لا توافق في تنحية الفقراء عن مجلسك، ﴿مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾؛ أي: من جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا، كعيينة بن حصن، وقيل: أميّة بن خلف، والغفلة: معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور؛ أي: جعلنا قلبه في فطرته الأولى غافلًا عن الذكر، ومختومًا عن التوحيد، كرؤساء قريش، وفيه تنبيه على أنّ الدّاعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات، وانهماكه في المحسوسات، حتى خفي عليه أن الشّرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وأنه لو أطاعه كان مثله في الغباوة؛ أي: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: عن توحيدنا ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أي: شهوته في عبادة الأصنام ﴿وَكانَ أَمْرُهُ﴾ وشأنه، وعملُه ﴿فُرُطًا﴾؛ أي: ضائعًا لا ينتفع به في الدنيا والآخرة.
وفي «التأويلات النجمية»: وكان أمره في متابعة الهوى هلاكًا وخسرانًا،
стр. 7196
وقيل: متجاوزًا عن حدّ الاعتدال، وقرأ أبو مجلز (١)، وعمر بن فائد، وموسى الأسوأريّ، وعمرو بن عبيد ﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ بفتح لام أغفلنا، ورفع باء القلب بإسناد الإغفال إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة والمجازاة. ومعنى الآية ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ الخ؛ أي (٢): ولا تصرف بصرك، ونفسك عنهم رغبة في مجالسة الأغنياء لعلهم يؤمنون.
وخلاصة ذلك: النهي عن احتقارهم، وصرف النظر عنهم إلى غيرهم، لسوء حالهم وقبح بزتهم، روي أنّ رسول الله ﷺ قال: - لما نزلت الآية - «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه» ثم هذا النهي بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا﴾ الخ؛ أي: ولا تطع في تنحية الفقراء عن مجلسك من جعلنا قلبه غافلًا عن ذكر الله وتوحيده، لسوء استعداده، واتباع شهوته، وإسرافه في ذلك غاية الإسراف، وتدسيته نفسه حتى ران الكفر والفسوق والعصيان على قلبه، وتمادى في اجتراح الآثام والأوزار،
٢٩ - وبعد أن أمر رسوله ﷺ أن لا يلتفت إلى قول أولئك الأغنياء، الذين قالوا: إن طردت أولئك الفقراء آمنّا بك، أمره أن يقول لهم ولغيرهم على طريق التهديد والوعيد، هذا هو الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَقُلِ﴾ أيها الرسول لأولئك الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتّبعوا أهواءهم، هذا الذي أوحي إلي هو ﴿الْحَقُّ﴾ حالة كونه كائنًا ﴿مِنْ﴾ عند ﴿رَبِّكُمْ﴾ ومالك أمركم، لا من قبل نفسي، وهو الذي يجب عليكم اتّباعه، والعمل به، فقد جاء الحقّ، وانزاحت العلل، فلم يبق إلّا اختياركم لأنفسكم، ما شئتم مما فيه النّجاة أو الهلاك، ﴿فَمَنْ شاءَ﴾ أن يؤمن به ويدخل في غمار المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يصلح أن يكون معذرة له، ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ به، لأن الحقّ قد وضح، واختفى الباطل ﴿وَمَنْ شاءَ﴾ أن يكفر به، وينبذه وراء ظهره، ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾، ولست بطارد - لأجل أهوائكم - من كان للحق متبعًا، وبالله وبما أنزل عليّ مؤمنًا، فالله تعالى لم يأذن لي في طرده لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار، وهذه الجملة وردت مورد تهديد، لا مورد
стр. 7197
تخيير، ولذلك عقّبه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ﴾.
وخلاصة ذلك (١): أنّني في غنى عن متابعتكم، وإنني لا أبالي بكم، ولا بإيمانكم، وأمر ذلك إليكم، وبيد الله التوفيق، والخذلان، والهدى، والضلال، وهو لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يضره كفر الكافرين كما قال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقرأ (٢) أبو السمال قعنب ﴿وقل الحَقُّ﴾ بفتح اللام، حيث وقع. قال أبو حاتم: وذلك رديء في العربية انتهى. وعنه أيضًا ضم اللام حيث وقع كأنّه إتباع لحركة القاف، وقرأ أيضًا الحقّ بالنصب، قال صاحب «اللّوامح» هو على صفة المصدر المقدر؛ لأنّ الفعل يدل على مصدره، وإن لم يذكر، فينصبه معرفة كنصبه إيّاه نكرة، والتقدير: وقل القول الحقّ، وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي بكسر لامي الأمر.
ولما هدد السامعين بأن يختاروا لأنفسهم ما يجدونه غدًا عند الله، أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والمعاصي، والوعد على الأعمال الصالحة، وبدأ بالأول فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا﴾ راجع (٣) لقوله: ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ الخ راجع لقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ فهو لف ونشر مشوش؛ أي: إنّا أعددنا وهيأنا، ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: للكافرين ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾؛ أي: نارًا عظيمةً عجيبةً، أحاط بهم سورها، وجدرانها، وفسطاطها، فلا مخلص لهم منها؛ أي: إنا قد أعددنا لمن ظلم نفسه، وأنف من قبول الحق، ولم يؤمن بما جاء به الرسول نارًا، يحيط بهم لهيبها، المستعر من كل جانب، كما يحيط السّرادق والفسطاط بمن حل فيه، فلا مخلص منه، ولا ملجأ إلى غيره، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقّق، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش؛ أي: وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة، وهم في النار، فيطلبوا الماء لشدة ما هم فيه من العطش لحر جهنم، كما قال في سورة الأعراف حكاية عنهم: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾، أي: كدري
стр. 7198
الزيت، أو كالفضّة المذابة ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ وينضجها، والشيُّ: الإنضاج بالنار من غير إحراق، كما سيأتي في مبحث التصريف؛ أي: إذا قرب إلى الفم ليشرب سقطت فروة وجهه؛ أي: يؤتى لهم بماء غليظ كدريّ الزّيت وعكره؛ إذا قرب إليهم للشرب سقطت جلود وجوههم، ونضجت من شدّة حره.
روى أحمد، والترمذي، والبيهقي، والحاكم عن أبي سعيد الخدري: أن النبيّ ﷺ قال: «المهل كعكر الزيت» - بفتحتين - ما بقي في أسفل الإناء، «فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه» وعن ابن عباس قال: أسود كعكر الزيت.
والمعنى: أنّه ينضج به جميع جلودهم. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ ذلك الماء الموصوف؛ لأن المقصود بشرب الماء تسكين الحرارة، وهذا يبلغ في الإحراق مبلغًا عظيمًا، فالمخصوص بالذم محذوف تقديره: هو؛ أي: ذلك الماء المستغاث به كما قدرنا ﴿وَساءَتْ﴾ النار، وقبحت ﴿مُرْتَفَقًا﴾؛ أي (١): متكأ، ومنزلًا، وأصل الارتفاق نصب المرفق، تحت الخد، وهو تمييز محول عن الفاعل، والأصل: قبح مرتفقها، فحوّل الإسناد إلى النار، ونصب مرتفقًا على التمييز مبالغة وتأكيدًا؛ لأن ذكر الشيء مبهمًا ثمّ مفسرًا أوقع في النفس من أن يفسّر أولًا، وأعربه بعضهم مصدرًا بمعنى الارتفاق، فعبر عن الإضرار والعذاب بالمرتفق الذي هو المنتفع به، أو نفس الانتفاع على سبيل المشاكلة، لقوله في الجنة: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وإلّا فأي ارتفاق في النار؟!
والمعنى: أي ما أقبح هذا الشراب الذي هو كالمهل، فهو لا يطفىء غلة، ولا يسكن حرارة الفؤاد، بل يزيد فيها إلى أقصى غاية، وما أسوأ هذه النار منزلًا ومرتفقًا، ومجتمعًا للرفقة مع الكفار والشياطين، وجاء في الآية الأخرى ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)﴾
٣٠ - ثم ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بالحقّ الذي أوحي إليك، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ من الأعمال؛ أي: جمعوا بين عمل القلب، وعمل الأركان، والصالحات؛ جمع صالحة وهي (٢) في الأصل صفة، ثمّ غلب استعمالها فيما حسّنه الشرع من الأعمال، فلم تحتج إلى
стр. 7199
موصوف، ومثلها الحسنة فيما يتقرب به إلى الله تعالى. ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ﴾ منهم ﴿عَمَلًا﴾ مفعول أحسن، والتنوين فيه للتقليل، والأجر: الجزاء على العمل؛ أي: لا نبطل ثواب من أخلص منهم عملًا، ووضع الظاهر موضع المضمر، إذ حق العبارة أن يقال: إنّا لا نضيع أجرهم، للدلالة على أن الأجر إنما يستحق بالعمل دون العلم، إذ به يستحق ارتفاع الدرجات، والشرف، والرّتب، وقرأ عيسى الثقفي ﴿إنا لا نضيِّع﴾ من ضيع عداه بالتضعيف، والجمهور من أضاع عدوه بالهمزة.
والمعنى: أي (١) إن الذين آمنوا بالحق الذي يوحى إليك، وعملوا ما أمرهم به ربهم، فالله لا يضيع أجرهم على ما أحسنوا من الأعمال، ولا يظلمهم على ذلك نقيرًا ولا قطميرًا،
٣١ - ثمّ بيّن ما أعدّ لهم من النعيم بقوله:
١ - ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات السابقة، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: بساتين إقامة وخلود، يعني تخلد هي، ويخلد فيها صاحبها، ويجوز (٢) أن يكون العدن: اسمًا لموضع معين من الجنة، وهو وسطها، وأشرف مكان فيها، وقوله: جنّات لفظ جمع، فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)﴾ ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢)﴾، ويمكن أن يكون نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة.
٢ - ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾؛ أي: من تحت مساكنهم، وقصورهم ﴿الْأَنْهارُ﴾ الأربعة من الخمر، واللبن، والعسل، والماء العذب، وذلك لأن أفضل البساتين في الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار؛ أي: إنّه لهم جنات يقيمون فيها، تجري من تحت غرفها الأنهار.
٣ - ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾؛ أي: يلبسون في تلك الجنات، وحكى الفراء ﴿يَحْلَوْنَ﴾ بفتح الياء وسكون الحاء، وفتح اللام من حليت المرأة، إذا لبست الحلي، وهي ما تتحلى وتتزين به من ذهب وفضة وغير ذلك من الجواهر. ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ قيل:
стр. 7200
﴿مِنْ﴾ زائدة بدليل سقوطها في سورة ﴿هَلْ أَتى﴾ ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وقيل:
ابتدائية، وأساور جمع أسورة، وهي جمع سوار، وهي زينة تلبس في الزند من اليد، وهي من زينة الملوك، يعني في الزمن الأول، وتنكيرها لتعظيم حسنها، قال في «بحر العلوم» (١): وتنكير أساور للتكثير والتعظيم، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيانية صفة لأساور، وتنكيره لتبعيده من الإحالة به، وظاهر (٢) الآية: أنها جميعها من ذهب، وجاء في آية أخرى ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، وفي أخرى ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، ولؤلؤ فيجمع بينها بأنهم يحلون بالأساور الثلاثة، إما على سبيل المعاقبة، أو على سبيل الجمع كما تفعله نساء الدّنيا، فيكون في الواحد منهم سوار من ذهب، وآخر من فضة، وآخر من لؤلؤ، وقرأ أبان عن عاصم، من: ﴿أسوره﴾ من غير ألف، وبزيادة هاء، وهو جمع سوار.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» أخرجه البخاري ومسلم، وغيرهما.
٤ - ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ فيها ﴿ثِيابًا خُضْرًا﴾؛ أي: ذوات خضرة؛ لأن (٣) الخضرة أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، وأحبها إلى الله تعالى، ولأنها هي اللون الموافق للبصر، وقرأ أبان: ﴿ويلبسون﴾ بكسر الباء وعبارة «المراغي» هنا: واختير اللون الأخضر، لأنه أرفق بالأبصار، ومن ثمّ جعله الله لون النبات والأشجار، وجعل لون السماء الزرقة؛ لأنه نافع لأبصار الحيوان أيضًا، وقد قالوا: أربعة مذهبة للهم والحزن: الماء، والخضرة، والبستان، والوجه الحسن، ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ بيان لتلك الثياب، صفة لها، وهو ما رق من الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ منه، والدّيباج: الثوب الذي سداه ولحمته إبريسم وحرير، وإنما جمع بين النوعين للدلالة على أن لبسهما مما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، وقرأ ابن محيصن: ﴿واستبرقَ﴾ بوصل الألف وفتح القاف حيث وقع جعله فعلًا ماضيًا على وزن استفعل من البريق، ويكون استفعل فيه موافقًا للمجرد الذي هو برق، ذكره في «البحر».
стр. 7201
فإن قيل: ما السبب في أنه تعالى قال في الحلي ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ بالبناء للمفعول، وفي اللباس: ﴿يَلْبَسُونَ﴾ بالبناء للفاعل؟
قلنا: بنى في الأول للمفعول إيذانًا (١) بكرامتهم، وأن غيرهم يفعل بهم ذلك، ويزينهم به، بخلاف اللبس، فإن الانسان يتعاطاه بنفسه شريفا أو حقيرا، وقدم التحلي على اللباس؛ لأنه أشهى للنفس اهـ «سمين».
وقال بعضهم: لا شك (٢) أن لباس السّتر يلبسه المرء بنفسه، ولو كان سلطانا .. فلذا أسند إليه، وأما لباس الزينة فغيره يزيّنه به عادة كما يشاهد في السلاطين والعرائس، ولذا أسند إلى غيره على سبيل التعظيم والكرامة.
٥ - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾؛ أي: حالة كونهم متكئين في الجنة، وجالسين فيها، ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ والسرر متربعين عليها، وفي «الجمل»: متّكئين: حال عاملها محذوف؛ أي: ويجلسون متكئين؛ أي: متربعين ومضطجعين جمع أريكة، وهي: السّرير في الحجال، ولا يسمى السرير وحده أريكة، إلّا إذا كان في الحجال والحجال: جمع حجلة، وهي بيت يزيّن بالثياب للعروس، وخص (٣) الاتكاء؛ لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرّتهم؛ أي: يتكئون فيها على سرر مزدانة بالستور، وفي هذا دليل على منتهى الراحة والنعيم، كما يكون ذلك في الدنيا، وأصل ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ موتكئين؛ لأنه من اتكأ، أصله: أوتكأ، كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى.
وقد اشتملت الآية (٤) على خمسة أنواع من الثواب كما أشرنا إليها بالأرقام، الأول: لهم جنات عدن، الثاني: تجري من تحتهم ... إلخ، الثالث: يحلّون فيها، الرابع: ويلبسون ثيابًا ... إلخ، والخامس: متكئين فيها ... إلخ اهـ شيخنا.
﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ الذي أثابهم الله به بأنواعه الخمسة المتقدمة، والثواب فاعل والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هي؛ أي: الجنات ﴿وَحَسُنَتْ﴾؛ أي:
стр. 7202
الجنات ﴿مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: مقرًا، ومنزلًا، ومجتمعا لعباده الصالحين، وقيل: ﴿حَسُنَتْ﴾؛ أي: الأرائك ﴿مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: متكأً ومقعدًا، ومنزلًا للاستراحة.
والمعنى: أي نعمت الجنة لهم جزاءً وفاقًا على جميل أعمالهم، وحسنت منزلًا، ومقيلًا، ونحو الآية ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)﴾.
الإعراب
﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿أَعْثَرْنا﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: أعثرنا عليهم قومهم، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، والتقدير: أعثرنا عليهم إعثارًا مثل: إنامتنا إياهم، وبعثنا إياهم، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾. ﴿لِيَعْلَمُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يعلموا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لعلمهم أن وعد الله حق، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعْثَرْنا﴾. ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسدّ مفعولي علم؛ أي: ليعلموا حقية وعد الله، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾: ناصب واسمه ﴿لا﴾: نافية ﴿رَيْبَ﴾ اسمها ﴿فِيها﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿لا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ المشددة، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر معطوف على مصدر أن الأولى تقديره: ليعلموا حقية وعد الله، وعدم وجود الريب في الساعة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿أَعْثَرْنا﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾: فعل وفاعل في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلق به ﴿أَمْرَهُمْ﴾: مفعول به منصوب بـ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ لأن تنازع إذا كان بمعنى التجاذب ينصب مفعولًا وقيل: منصوب بنزع الخافض أي في أمرهم.
стр. 7203
﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
﴿فَقالُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَعْثَرْنا﴾ ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت: قلت ﴿ابْنُوا﴾: فعل أمر وفاعل ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿ابْنُوا﴾ ﴿بُنْيانًا﴾: مفعول به ومنصوب على المصدرية، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿بِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ إن كان من كلامهم، أو جملة مستأنفة، إن قلنا إنه من كلام الله ﴿قالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿غَلَبُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿عَلى أَمْرِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿غَلَبُوا﴾ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿نتخذن﴾ فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَسْجِدًا﴾. ﴿مَسْجِدًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
﴿سَيَقُولُونَ﴾ ﴿السين﴾ حرف استقبال أتى بها للإشارة إلى أنّ النزاع في أمرهم، حصل في زمن النبي ﷺ ؛ أي: في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم، ﴿يقولون﴾ فعل وفاعل، والضمير يعود إلى الخائضين في قصتهم، زمن النبي ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، والجملة الفعلية مستأنفة، قال أبو حيان: وجاء (١) بسين الاستقبال؛ لأنه كان في الكلام طيٌّ، وإدماج، والتقدير: فإذا أجبتهم عن سؤالهم، وقصصت عليهم قصة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم، فإنهم إذا سألتهم، سيقولون، ولم يأت بالسين فيما بعده؛ لأنه معطوف على المستقبل، فدخل في
стр. 7204
الاستقبال، أو لأنه أريد به معنى الاستقبال، الذي هو صالح له، ﴿ثَلاثَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم ثلاثة أشخاص، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول القول ﴿رابِعُهُمْ﴾: مبتدأ ﴿كَلْبُهُمْ﴾: خبره، والجملة في محل الرفع، صفة لـ ﴿ثَلاثَةٌ﴾؛ أي: هم ثلاثة، موصوفون بكون جاعلهم، أربعة كلبهم بانضمامه إليهم، ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سَيَقُولُونَ﴾ ﴿خَمْسَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم خمسة أشخاص، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: مبتدأ، وخبر، والجملة في محل الرفع، صفة لـ ﴿خَمْسَةٌ﴾ تقديره: هم خمسة أشخاص، موصوفون بكون جاعلهم ستة كلبهم بانضمامه إليهم ﴿رَجْمًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: يرجمون ذلك رجمًا بالغيب؛ أي: يرمون رميًا بالخبر الخفي المظنون، أو على الحال من فاعل يقولون، أي: يقولون ذلك حالة كونهم راجمين بالغيب؛ أي: قائلين بما غاب عنهم، ﴿بِالْغَيْبِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَجْمًا﴾، ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سَيَقُولُونَ﴾ ﴿سَبْعَةٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم سبعة أشخاص، ﴿وَثامِنُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾ زائدة، زيدت تشبيهًا (١) للجملة الواقعة صفة للنكرة، بالجملة الواقعة حالًا عن المعرفة، في نحو قولك: جاء زيد، ومعه رجل آخر، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، ودلالة على أن اتصافه بها، أمر ثابت، مستقر في الأذهان، وهذا القول ما اختاره الزمخشري، وابن هشام من الأقوال المتلاطمة في هذه ﴿الواو﴾ التي لا طائل تحتها. ﴿وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿سَبْعَةٌ﴾ تقديره: ويقولون هم سبعة أشخاص، موصوفون بكون جاعلهم ثمانية كلبهم بانضمامه إليهم.
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿رَبِّي
стр. 7205
أَعْلَمُ﴾: مبتدأ، وخبر ﴿بِعِدَّتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿ما﴾ نافية ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾: فعل، ومفعول ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلٌ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط، مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه لا يعلمهم إلا قليل منهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: لا تمار فيهم، ويصحّ أن تكون ﴿الفاء﴾ تفريعية، كما في «روح البيان» كما مر عنه ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُمارِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مِراءً﴾: مفعول مطلق ﴿ظاهِرًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾ ناهية جازمةٌ ﴿تَسْتَفْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَلا تُمارِ﴾ ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق به، ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿أَحَدًا﴾ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به.
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾.
﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، أو استئنافية، ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَقُولَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله، ﴿فَلا تُمارِ﴾ أو مستأنفة ﴿لِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولَنَّ﴾؛ أي: لأجل شيء تقدم عليه، وتهتم به، وقيل: ﴿اللام﴾ بمعنى في ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿فاعِلٌ﴾ خبره ﴿ذلِكَ﴾: مفعول فاعل ﴿غَدًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بفاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي: لا تقل لشيء في حال من الأحوال، إلا في حال تلبسك بالتعليق، بالمشيئة ﴿أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكن
стр. 7206
على حذف مضاف، والتقدير: لا تقولن ذلك في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله، فحذف الوقت، وهو مراد، أو على الحال، والتقدير: لا تقولنّ أفعل غدا إلّا حالة كونك قائلًا إن شاء الله، أو إلا حالة كونك متلبسًا بقول إن شاء الله كما في «العكبري».
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾.
﴿وَاذْكُرْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، ﴿نَسِيتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذا﴾ تقديره: واذكر مشيئة ربّك وقت نسيانك إياها، عند تذكرك بها، ﴿وَقُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة اذكر ﴿عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، واسمها ضمير مستتر فيها: تقديره: هو يعود على الرب، والأولى أن يكون ﴿رَبِّي﴾ اسمها مؤخرًا، ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَهْدِيَنِ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية في محل النصب مفعول به، وفاعله لفظة ﴿رَبِّي﴾ أو ضمير يعود على الرب لتقدمه رتبة، ﴿لِأَقْرَبَ﴾ متعلق بـ ﴿يَهْدِيَنِ﴾ ﴿مِنْ هذا﴾ متعلق بـ ﴿أقرب﴾ ﴿رَشَدًا﴾: تمييز ﴿لِأَقْرَبَ﴾ أي: لشيء أقرب إرشادًا للناس، أو مفعول مطلق؛ أي: يهديني هدايةً فيكون ملاقيًا لعامله بهذا المعنى، والأول أقرب، وجملة يهديني مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على الخبرية، لـ ﴿عَسَى﴾، ولكنه في تأويل اسم الفاعل، ليصحّ الإخبار به، والتقدير: وقل عسى ربي هاديا لي لأقرب من هذا رشدًا.
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾.
﴿وَلَبِثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ ﴿فِي كَهْفِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿لَبِثُوا﴾ ﴿ثَلاثَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَبِثُوا﴾ ﴿مِائَةٍ﴾ مضاف إليه، ﴿سِنِينَ﴾ عطف بيان لثلاث مئة،
стр. 7207
ولا يصح أن يكون تمييزًا؛ لأن تمييز المئة يجرّ، وجره بالإضافة والتنوين مانع منها، نعم قرىء في السبعة بالإضافة، وعليه فـ ﴿سِنِينَ﴾ تمييز غير أنه قليل؛ لأن تمييز المئة، الكثير فيه الإفراد، كما قال ابن مالك:
ومئة والألف للفرد أَضِفْ ... ومئةٌ بالجمع نزرًا قد رَدِفْ
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿لَبِثُوا﴾ ﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿لَبِثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بالزمن الذي لبثوه ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم ﴿غَيْبُ السَّماواتِ﴾ مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَبْصِرْ﴾: فعل تعجب، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، والباء في ﴿بِهِ﴾ زائدة في الفاعل إصلاحًا للفظ ﴿وَأَسْمِعْ﴾: معطوف على ﴿أَبْصِرْ﴾، وجملة التعجب جملة إنشائية، لا محلّ لها من الإعراب.
﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.
﴿ما﴾: نافية ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ولي ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، تقديرا، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿يُشْرِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿فِي حُكْمِهِ﴾، متعلق بـ ﴿يُشْرِكُ﴾ ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية.
﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾.
﴿وَاتْلُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اتْلُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به
стр. 7208
﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ما، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أُوحِيَ﴾ ﴿مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿ما﴾ الموصولة ﴿لا﴾ نافية ﴿مُبَدِّلَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿لِكَلِماتِهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة لا في محل النصب حال من ﴿رَبِّكَ﴾ لأن المضاف كالجزء من المضاف إليه، ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَنْ تَجِدَ﴾: ناصب ومنصوب، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿مُلْتَحَدًا﴾ ﴿مُلْتَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لا﴾ على كونها حالا من ﴿رَبِّكَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاتْلُ﴾. ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾: ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اصْبِرْ﴾ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿بِالْغَداةِ﴾ متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾ ﴿وَالْعَشِيِّ﴾: معطوف على ﴿الغداة﴾ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الموصول، أو من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ ﴿وَلا تَعْدُ﴾: جازم ومجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة ﴿عَيْناكَ﴾: فاعل وعلامة رفعه الألف، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَعْدُ﴾ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ﴾: فعل ومفعول به، ومضاف إليه ﴿الدُّنْيا﴾ صفة لـ ﴿الْحَياةِ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المخاطب في ﴿عَيْناكَ﴾ لأن المضاف جزء من المضاف إليه.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
﴿وَلا تُطِعْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا تُطِعْ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿عَنْ
стр. 7209
ذِكْرِنا﴾ متعلق به، والجملة صلة من الموصولة، ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾؛ والجملة معطوفة على ﴿أَغْفَلْنا﴾ ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على جملة ﴿أَغْفَلْنا﴾ على كونها صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾.
﴿وَقُلِ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الْحَقُّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره؛ هذا الذي أوحي إليّ الحقّ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حال من الحق، والجملة في محل النصب مقول القول، لـ ﴿قُلِ﴾ ﴿فَمَنْ شاءَ﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، أو فصيحة ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿شَاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب من الشرطية، وجوبًا لكونه جملة طلبيّةً و ﴿اللام﴾ لام أمر وجزم ﴿يؤمن﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾ على كونها مستأنفة، أو مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾: جملة شرطية معطوفة على جملة من الأولى، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿أَعْتَدْنا﴾: فعل وفاعل ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ متعلق به ﴿نارًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿أَحاطَ﴾: فعل ماض ﴿بِهِمْ﴾ متعلق به ﴿سُرادِقُها﴾: فاعل وجملة ﴿أَحَاطَ﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿نارًا﴾؛ ولكنها صفة سببية.
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.
стр. 7210
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾: جازم وفعل وفاعل مجزوم على كونه فعل شرط، وعلامة جزمه حذف النون ﴿يُغاثُوا﴾: فعل، ونائب فاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف النون ﴿بِماءٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُغاثُوا﴾ ﴿كَالْمُهْلِ﴾: صفة أولى لـ ﴿ماء﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿يَشْوِي﴾: فعل مضارع ﴿الْوُجُوهَ﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الماء﴾، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿ماء﴾ أو حال منه لتخصصه بالصفة ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾: فعل وفاعل وهو من أفعال الذم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هو أي: ذلك الماء المستغاث به، وجملة ﴿بِئْسَ﴾ في محل الرفع خبر للمخصوص بالذم المحذوف، والجملة الاسمية، جملة إنشائية لا محلّ لها من الإعراب، ﴿وَساءَتْ﴾: فعل ماض، وهي لإنشاء الذم، وفاعله ضمير يعود على النار، ﴿مُرْتَفَقًا﴾: تمييز محول عن فاعل ﴿ساء﴾ والأصل: ساء مرتفقها فحول الإسناد من المضاف إلى المضاف إليه، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فجيء بضمير الرفع، فاستتر في الفعل، ثم جيء بالمضاف المحذوف تمييزًا، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي؛ أي: النار، والجملة معطوفة على جملة ﴿بِئْسَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿لا﴾: نافية ﴿نُضِيعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿أَجْرَ﴾: مفعول به ﴿مَنْ﴾: مضاف إليه ﴿أَحْسَنَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿عَمَلًا﴾: مفعول به، أو تمييز محول عن الفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر، ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الرفع خبر أول، لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والرابط الضمير المستتر في أحسن أو، الرابط تكرر الظاهر بمعناه، لأن حقّ العبارة أجرهم، ويجوز أن تكون جملة ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ معترضةً وخبر، ﴿إِنَّ﴾ الأولى جملة ﴿أُولئِكَ﴾.
стр. 7211
﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.
﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم للمبتدأ الثاني، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر ثان، لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى أعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، أو خبر لها، إن قلنا: جملة ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ معترضة ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتُ﴾؛ أو في محل النصب حال من ﴿جَنَّاتُ﴾ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان، لـ ﴿أُولئِكَ﴾ فِيها متعلق بـ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو حال من واو ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أي: حالة كونهم كائنين فيها ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿أَساوِرَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، وهو ممنوعٌ من الصرف لصيغة منتهى الجموع، أو جار ومجرور صفة لـ ﴿أَساوِرَ﴾. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ صفة لـ ﴿أَساوِرَ﴾ ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. ﴿ثِيابًا﴾: مفعول به ﴿خُضْرًا﴾: صفة أولى لـ ﴿ثِيابًا﴾ ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: جار ومجرور صفة ثانية لـ ﴿ثِيابًا﴾ أو حال من ﴿ثِيابًا﴾ لتخصصه بالصفة، ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: معطوف على ﴿سُنْدُسٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: حال إما من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾ أو من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾ ﴿فِيها﴾: جار ومجرور حال أيضًا من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾ وهي حال متداخلة ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾: فعل وفاعل وهو من أفعال المدح، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: هي؛ أي: الجنات، والجملة الفعلية خبر للمخصوص بالمدح، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿وَحَسُنَتْ﴾: فعل ماض لإنشاء المدح، معطوف على نعم، وفاعله ضمير يعود على الجنات ﴿مُرْتَفَقًا﴾: تمييز لفاعل ﴿حسن﴾ محول عن الفاعل، والتقدير: حسن مرتفقها، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هي؛ أي: الجنات.
стр. 7212
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أطلعنا عليهم قومهم، وأظهرناهم، وأعثر يتعدى بالهمزة، وأصل العثار في القدم، وفي «الأساس»: وعثر على كذا اطلع عليه، وأعثره على كذا أطلعه، وأعثره على أصحابه دلّه عليهم، ويقال للمتورط: وقع في عاثور، وفلان يبغي صاحبه العواثير، وأصله حفرة تحفر للأسد، وغيره يعثر بها، فيطيح فيها، ويقال: عثر عثورا، وعثارا: إذا سقط لوجهه، ويقال في المثل: «من سلك الجدد أمن العثار» ثم استعمل في الاطلاع على أمر من غير طلب له.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ والساعة: يوم القيامة، حين يبعث الله الخلائق جميعًا للحساب والمجازاة، والتنازع والتّخاصم ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: رميًا بالخبر الخفي، وإتيانًا به، والرجم القول بالظن والحدس، ويقال: لكل ما يخرص رجم فيه، وحديث مرجوم، ومرجّم، وفي «المصباح» الرّجم بفتحتين الحجارة، ورجمته رجما من باب قتل، ضربته بالرجم، وهي الحجارة الصغار، ورجمته بالقول، رميته بالفحش، قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: ظنًا: من غير دليلٍ، ولا برهان، كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب:
ومَا الحرب إلّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم
أي: المظنون، والغيب ما غاب عن الانسان، فالمراد أن يرمي الانسان ما غاب عنه، ولا يعرفه بالحقيقة، كما يقال: فلان يرمي بالكلام رميًا؛ أي: يتكلم من غير تدبر، والمراد هنا القول بالظن والتخمين.
﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾؛ أي: لا تجادل، يقال: مارى يماري مماراةً، ومراءً؛ أي: جادل وفي «القاموس» مارى مراء ومماراةً جادل، ونازع، ولاج وتماريا تجادلا وامترى في الشيء شك، والمرية بكسر الميم، والمرية الجدل؛ يقال: ما في ذلك مرية، أي: جدل وشك.
﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملتجأ تجنح إليه لائذًا، إن هممت بالتبديل للقرآن، وفي «المصباح» قال أبو عبيدة: ألحد إلحادًا جادل، ومارى، ولحد جار، وظلم،
стр. 7213
وألحد في الحرم، استحل حرمته وانتهكها، والملتحد بالفتح اسم الموضع، وهو: الملجأ. وفي «القاموس»: التحد عن الدين بمعنى ألحد، والتحد إلى كذا مال، والتحد إلى فلان التجأ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ في «المختار» الصبر: حبس النفس عن الجزع، وبابه: ضرب وصبره حبسه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ اهـ.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾؛ أي: لا تنصرف يقال: عداه إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طوره، وجاءني القوم عدا زيدًا، فحق الكلام، أن يقال: بالنصب؛ أي: لا تعد عينيك، وإنما عدل إلى الرفع لأنه أراد صاحب العينين، فهو من المجاز كما سيأتي في البلاغة ﴿فُرُطًا﴾ بضمتين؛ أي: مجاوزًا الحدّ. قال ابن عطية: الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط، والتضييع للذي يجب أن يلزم، ويحتمل: أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف اهـ «سمين».
والظاهر: أنه مصدر أفرط كما في «المختار» وعبارته: وأفرط في الأمر: جاوز فيه الحدّ اهـ. وعليه فيكون مصدرًا سماعيًا، لا قياسيًا، وفي «المختار» أيضًا: وأمرٌ فرطٌ بضمتين؛ أي: مجاوز فيه الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ اهـ ثمّ قال: وفرط إليه منه قول سبق، وبابه نصر اهـ.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنا﴾؛ أي: أعددنا، وهيأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين اختاروا الكفر بالله، والجحد له، والإنكار لأنبيائه نارًا عظيمة ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾؛ أي: اشتمل عليهم، والسّرادق واحد السرادقات، قال الجوهري: وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف؛ أي: قطن فهو سرادق، ومنه قول رؤبة:
يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود
وفي «الفتوحات»: والسرادق قيل: هو ما أحاط بشيء، كالمضرب والخباء، وقيل للحائط المشتمل على شيء: سرادق، قاله الهرويّ، وقيل: هو الحجرة، تكون حول الفسطاط، وقيل: هو ما يمد على صحن الدار، وقال الراغب: السّرادق فارسيّ معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد، ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا، وقيل: هو دخان يحيط بالكفار، قبل دخول النار، وقيل: حائط من نار يطيف بهم، وفي «الكشاف»: شبه ما يحيط بهم من النار
стр. 7214
بالسرادق، وهو الحجرة الّتي تكون حول الفسطاط اهـ.
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ الياء فيه منقلبةٌ عن واو، إذ الأصل يستغوثوا، فنقلت كسرة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت ياء لمناسبة الكسرة.
﴿المهل﴾ بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر، كالفضة، والحديد، والصفر، ما كان منها ذائبًا، والقطران الرقيق، والزيت الرقيق، والسم، والقيح، أو صديد الميت خاصة، وما يتحات عن الخبز من الرماد، وقيل: هو كعكر الزّيت؛ أي: ما بقي في الإناء منه.
والخلاصة: هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغشى منها النفس، وتتألم وتنفر ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾؛ أي: ينضجها إذا قدم ليشرب لشدة حرّه، والشيّ: الإنضاج بالنار من غير إحراق، ﴿مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: متّكأً يقال: بات فلان مرتفقا؛ أي: متّكئا على مرفق يده، وأصل الارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد، وهي هيئة المتحزن والمتحسر ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: جنات إقامة، واستقرار، يقال: عدن بالمكان إذا أقام فيه، واستقر، ومنه المعدن لاستقرار الجواهر فيه. ﴿أَساوِرَ﴾ جمع أسورة، والأسورة جمع سوار، كأحمرة جمع حمار، فالأساور جمع الجمع.
﴿السندس﴾ ما رق من الديباج، ﴿الاستبرق﴾ ما غلظ من الديباج، والاستبرق يونانيّةٌ والسندس فارسية، وقيل: هندية ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أصله موتكئين من اتّكأ أصله، اوتكأ، والاتكاء: التحامل على الشيء ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ جمع أريكةٍ، وفي «القاموس»: الأريكة - كسفينة - سرير في حجلة، أو كل ما يتكأ عليه من سرير، ومنصّة، وفراش، أو سرير متخذ مزين في قبة، أو بيتٍ، فإن لم يكن فيه سريرٌ .. فهو حجلة، والجمع أرائك اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة المكنية في قوله تعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ فقد شبّه
стр. 7215
أمرهم بشيء كثر النزاع حوله، ثم حذف ذلك الشيء، واستعير النّزاع القائم حوله.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ فقد شبه الغيب، والخفاء بشيء يرمى بالحجارة، واستعير الرجم له.
وفي «الفتوحات»: والرجم بمعنى الرمي، وهو: استعارة للتكلم بما لم يطّلع عليه لخفائه، عنه تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضًا اهـ.
ومنها: صيغة التعجب في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.
ومنها: المجاز العقليَّ في قوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾؛ لأنه أسند فعل عدا، أي: تجاوز إلى العينين، ومن حقه: أن يسندهما إليه؛ لأن عدا متعد بنفسه، وإنّما جنح إلى المجاز؛ لأنه أبلغ من الحقيقة، فكأنّ عينيه ثابتتان في الرنوّ إليهم، وكأنما أدركتا ما لا تدركان، وأحستا بوجوب النظر، إلى هؤلاء، وصبر النفس، ورياضتها على ملازمتهم، وقيل: هو من باب التضمين، فقد ضمّن عدا معنى نبا، وعلا من قولهم: نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وبين قوله: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾.
ومنها: المشاكلة (١) في قوله: ﴿يُغاثُوا﴾ إذ لا إغاثة لهم بالماء المذكور، بل إتيانهم به، وإلجاؤهم لشربه غاية الإضرار، والإغاثة هي الانقاذ من الشدة، فكأنّه قال: يضروا ويعذبوا بماء. الخ وعبر عن هذا الإضرار بالإغاثة مشاكلة لقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ اهـ شيخنا.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾، وفي قوله: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا﴾.
ومنها: اللف والنشر المشوش في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ﴾ فإنه راجع