← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال الله سبحانه جَلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله ، لمَّا ذكر بني (١) إسرائيل في الآية السابقة بأهمّ ما أُمروا به، من إفراده تعالى بالعبادة، والإحسان إلى الوالدين وذي القربى، ثُمَّ بيَّن أنهم لم يأتمروا بذلك. ذكّرهم في هذه الآيات بأهم المنهيات التي أخذ عليهم العهد باجتنابها، ثم نقضوا الميثاق

стр. 737

ولم ينتهوا. والخطاب هناك للذين كانوا في عصر موسى ﵇، وهو هنا للحاضرين في عصر التنزيل؛ إرشادًا إلى أنَّ الأمَّة كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، ما داموا على سنتهم يحتذون بحذوهم، ويجرون على نهجهم، كما أنَّ ما يفعله الشخص حين الصغر يؤثِّر في قواه العقليَّة، وأخلاقه النفسية حين الكبر، والمشاهدة أكبر برهان على ذلك. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الدلائل" بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: (كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلّما التقوا هزموا يهود، فعاذت يهود بهذا الدعاء: اللهمّ! إنّا نسألك بحقّ محمدٍ النبيّ الأمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا فيهزمون غطفان، فلمَّا بعث النبيُّ ﷺ كفروا به، فأنزل الله سبحانه ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيدٍ، أو عكرمة عن ابن عباس: (أنَّ يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر اليهود! اتَّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنَّه مبعوثٌ، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني نضير: ما جاءنا بشيءٍ نعرفه، وما هو بالذي كنَّا نذكر لكم) فأنزل الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...﴾ هو الآية. التفسير وأوجه القراءة ٨٤ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وهذا شروع في بيان ما فعلوا بالعهد المتعلِّق بحقوق

стр. 738

العباد، بعد بيان ما فعلوا بالعهد المتعلِّق بحقوق الله، فخانوا كُلًّا من العهدين، وهي متضمنةٌ لأربعة عهود (١): الأوّل: لا يسفك بعضهم دماء بعضٍ. الثاني: لا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. الثالث: لا يتظاهر بعضهم على بعض بالإثم والعدوان. الرابع: إن وجد بعضهم بعضًا أسيرًا فداه ولو بجميع ما يملك. والخطاب (٢) هنا لليهود المعاصرين له ﷺ ، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى ﵇، على سنن التذكيرات السابقة. أي: واذكروا أيّها اليهود المعاصرون لمحمد ﷺ وقت أن أخذنا الميثاق، وجعلنا العهد على آبائكم في التوراة، وقلنا لهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ ولا تريقون ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يُرقْ بعضكم دم بعض، ولا يقتله ظلمًا وعدوانًا، فهو إخبارٌ بمعنى النهي، كأنّه سورع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، وإنّما جعل (٣) قتل الرجل غيره قتل نفسه؛ لاتصاله به نسبًا أو دينًا؛ أو لأنَّ من أراق دم غيره فكأنَّما أراق دم نفسه؛ لأنّه يوجب قصاصًا. وقرأ الجمهور (٤): ﴿تَسْفِكُونَ﴾ بفتح التاء، وسكون السين، وكسر الفاء، وقرأ طلحة، وشعيب بن أبي حمزة كذلك، إلّا أنهما ضَمَّا الفاء، وقرأ أبو نهيك، وأبو مجلز بضمّ التاء، وفتح السين، وكسر الفاء المشدّدة، وقرأ ابن أبي إسحاق كذلك، إلّا أنّه سكَّن السين وخفف الفاء. قال أبو حيان: وظاهر قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدَّةٍ تُصِيبكُم، وحَنَق يَلْحَقُكم،

стр. 739

وقد جاء في الحديث: أَمْرُ الذي وضع نصل سيفه في الأَرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، وإخبار رسول الله ﷺ : "إنّه من أهل النار"، وصحَّ: "من قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يتوجَّأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا"، وتظافرت على تحريم قتل النفس المِلَلُ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. وقيل معناه: لا تسفكوا دماءَ الناس، فإنَّ من سَفك دماءهم سُفك دمه، قال الشاعر: سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقُونَا بِمِثْلِهَا ... وَلَكِنَّهم كانوا على الموت أصبرا وقيل معناه: لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك، كالإرتداد والزنا بعد الإحصان، والمحاربة وقتل النفس بغير حق، ونحو ذلك مما يُزيل عصمةَ الدماء. وقيل معناه: لا يسفكْ بعضكم دماء بعض، وإليه أشار بقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وكُلُّ أهل دين كنفس واحدة. قاله قتادة، واختاره الزمخشريُّ. اهـ. "ابن عطيّة". قال ابن عطيّة: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقًا أن لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا ينفيه، ولا يسترقّه، ولا يدعه يُسترق، إلى غير ذلك من الطاعات. اهـ. ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وأوطانكم، والديار: جمع دار، وهو المنزلة الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال؛ أي: لا يخرج (١) بعضكم بعضًا من منزله ووطنه، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم، فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو لا تفعلوا ما تخرجون به أنفسكم من الجنّة التي هي داركم، أو لا تخرجون أنفسكم؛ أي: إخوانكم؛ لأنّكم كنفسٍ واحدةٍ، أو لا تفسدوا فيكون سببًا لإخراجكم من دياركم، كأنَّه يشير إلى تغريب الجاني، أو لا تفسدوا وتشاقوا الأنبياء والمؤمنين، فيكتب عليكم الجلاء، أقوالٌ ستّةٌ. وفي اقتران الإخراج من الديار بالقتل (٢)، إيذانٌ بأنّه بمنزلة القَتْلِ.

стр. 740

والمعنى: أي (١) واذكروا إذ أخذنا عليكم العهد، لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل، كأنّه نفسه، ودمه كأنَّه دمه، إذا اتصل به دِينًا، أو نسبًا، إشارةً إلى وحدة الأُمّة وتضامنها، وأنَّ ما يصيب واحدًا منها فكأنَّما يصيب الأمّة جَمْعَاءَ، فيجب أن يشعر كُلُّ فرد منها بأنَّ نفسه نفس الآخرين، ودمه دمهم، فالروح الذي يحيا به، والدم الذي يَنْبِضُ في عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحَّدت بينهما في المصالح العامة، وهذا ما يؤْمىء إليه الحديثُ: "إنّما المؤمنون في تراحمهم، وتعاطفهم، بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسَّهر"، وقد يجوز أن يكون المعنى لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل قصاصًا، أو بالإخراج من الديار، فتكونون كأنّكم قد قتلتم أنفسكم؛ لأنّكم فعلتم ما تستحقُّون به القتل، كما يقول الرجل لآخر، قد فعل ما يستحقُّ به العقوبة: أنت الذي جنى على نفسه. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ ذلك الميثاق، وقبلتموه، واعترفتم بلزومه، وبوجوب المحافظة عليه، يعني: قَبِلَ ذلك الميثاق، وأقرّ به أسلافكم ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أيّها المعاصرون لمحمدٍ ﷺ ﴿تَشْهَدُونَ﴾ على أسلافكم قَبُولَهم ذلك الميثاقَ والعهدَ، وتعلمون ذلك، أو المعنى؛ أي: ثمّ أقررتم بهذا الميثاق أيها الحاضرون المخاطبون، واعترفتم به، ولم تنكروه بألسنتكم، بل شهدتم به وأعلنتموه، فالحجة قائمةٌ عليكم، وقد يراد وأنتم أيها الحاضرون تشهدون على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق وقبوله، وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى ﵇، إِمَّا بالنقل المتواتر، وإمّا بما تتلونه في التوراة، وإن كان معنى الشهادة الحضور، فيتعيَّن أن يكون الخطاب لأسلافهم. وقال بعض المفسرين: ثمّ أقررتم عائدٌ إلى الخلق، وأنتم تشهدون عائد إلى السَّلفِ؛ لأنّهم عاينوا سَفْكَ دماءِ بعضهم بعضًا، وقال: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ لأنَّ الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذلك أطلق عليهم خطاب الحضرة. وقيل: إنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأكيدٌ للإقرار،

стр. 741

كقولك: فلان مقرٌّ على نفسه بكذا شاهدٌ عليها. ٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ خبرٌ، أي: ثم بعد ذلك الإقرار والشهادة، أنتم أيها المعاصرون لمحمد ﷺ ! هؤلاء المشاهدون، الحاضرون، الناقضون، الذين يخالفون ما أخذه الله تعالى عليهم في التوراة، فتقتلون أنفسكم وأهل دينكم مع المشركين إلى آخر الآية؛ يعني: أنكم - أيُّها المعاصرون لمحمد ﷺ قومٌ آخرون غير أولئك المقرّين الذين هم أسلافكم، وكأنّهم قالوا: كيف نحن، فقيل لهم: إنّكم ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: أهل دينكم مع حلفائكم من المشركين؛ أي: تقتلون الفريق الجارين مجرى أنفسكم باتحادكم في الدين، وهذا وما بعده من الإخراج، والمظاهرة، والمفاداة بيانٌ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾؛ لأنّ معنى قوله: ﴿أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أنّكم على حالة أسلافكم من نقض الميثاق، وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين؛ أي: ثمّ أنتم الذين تقتلون أنفسكم ... إلخ. وقيل: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، حذف منه حرف النداء، وجملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وما بعده خبرٌ له، والمعنى عليه، ثُمَّ بعد إقرار أسلافكم الميثاق، وشهادتكم على أسلافكم بقبول الميثاق، أنتم - يا هؤلاء المعاصرون لمحمد ﷺ تقتلون أنفسكم؛ أي: أهل دينكم مع المشركين، أي: ثُمَّ أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد، فتقتلون أنفسكم؛ أي: يقتل بعضكم بعضًا، كما كان يفعل مَن قبلكم، مع أنّكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم، ومن أمثلة ذلك: أنَّ بني قينقاع من اليهود كانوا حلفاء الأوس، وأعداءً لإخوانهم في الدين بني قريظة، كما كان بنو النضير حلفاء الخزرج، وكان الأوس والخزرج قبل الإِسلام أعداء يقتتلون، ومع كلٍّ حلفاؤه، وهذا ما نعاه الله على اليهود بقوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما سيأتي بسط هذه القصة عن السدّي. وقرأ الجمهور ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مخففًا من قَتَلَ الثلاثي. وقرأ الحسن ﴿تُقَتِّلونَ﴾ مشدَّدًا من قَتَّل الرباعيِّ، هكذا في بعض التفاسير، وفي تفسير المهدويّ: إنّها قراءة أبي نَهِيْك، قال: والزهريِّ والحسنِ ﴿تُقَتِّلونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ﴾ من قتَّلَ؛ يعني: مشدّدًا. والله أعلم بصواب ذلك.

стр. 742

﴿وَتُخْرِجُونَ﴾ أنتم - أيها المعاصرون لمحمد ﷺ ﴿فَرِيقًا﴾ وطائفةً ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل دينكم مساعدين للمشركين ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: من ديار أولئك الفريق وأوطانهم، غير مراعين لميثاق الله سبحانه عليكم في التوراة، وقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ وتتعاونون بحلفائكم من المشركين، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على إخراج أولئك الفريق من ديارهم، حالٌ من فاعل ﴿تُخْرِجُونَ﴾ أو من مفعوله مبيِّنةٌ لكيفية الإخراج، رافعةٌ لتوهُّم اختصاص الحرمة بالإخراج بطريق الأصالة والاستقلال، دون المظاهرة والمساعدة للغير، والمعنى: تُقوون ظُهوركَم بالمشركين للغلبة عليه، وقوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ حال من فاعل ﴿تَظَاهَرُونَ﴾؛ أي: حال كونكم ملتبسين بالإثم، وهو الفعل الذي يستحقُّ فاعله الذمَّ واللَّوم، ﴿و﴾ ملتبسين بـ ﴿العدوان﴾؛ أي: بالتجاوز للحد في الظلم. وفي "النهر": الإثم: ما يستحق متعاطيه الذمَّ، أو ما تنفر منه النَّفس، ولا يطمئن إليه القلب، كالقتل ظلمًا. والعدوان: مجاوزة الحدِّ في الظلم، كالإخراج من الديار، وأخذ الأموال، وسبْي الذراريِّ. وقرأ عاصمٌ، وحمزة، والكسائي: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين وتخفيف الظاء، وأصله: تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين وهي عندنا الثانية، لا الأولى خلافًا لهشامٍ، إذ زعم أنَّ المحذوف هي التي للمضارعة الدالَّة في مثلِ هذا المثال على الخطاب، وكثيرًا جاء في القرآن، حذف التاء، وقال الشاعر: تَعاطسون جميعًا حولَ دارِكُمُ ... فكلُّكُمْ يا بني حمدانَ مزكومُ يريد تتعاطسون. وقرأ باقي السبعة بتشديد الظاء؛ أي: بإدغام التاء في الظاء. وقرأ أبو حيوة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ بضمّ التاء، وكسر الهاء. وقرأ مجاهدٌ، وقتادة باختلافٍ عنهما ﴿تَظَّهَّرُوْنَ﴾ بفتح التاء والظاء والهاء مشدّدين دون ألف، ورويت عن أبي عمرو. وقرأ بعضهم: ﴿تتظاهرون﴾ على الأصل، فهذه خمس قراءات، ومعناها كُلِّها: التعاون والتناصر ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: وإن أتاكم هؤلاء الفريق الذين تظاهرون على إخراجهم، وجاءُوكم، ووقعوا في أيديكم حال كونهم ﴿أُسَارَى﴾ أي: مأسورين في يد حلفائكم المشركين، معنى إتيانهم لهم: وقوعهم في يد حلفائهم المشركين الأوس، أو الخزرج، فيتمكَّنون من افتدائهم منهم

стр. 743

بالمال، والأسارى: جمع أسرى بفتح الهمزة وسكون السين، والأسرى: جمع أسير، فالأسارى بضمّ الهمزة والقصر: جمع الجمع، كما ذكره أبو النجا في "حاشيته على متن الأجرُّوميَّة". والأسير: من أُخذ قهرًا، فهو فعيل بمعنى مفعول من الأسر بمعنى الشدِّ والإيثاق، كما سيأتي بسط الكلام فيه في مبحث اللغة. وقرأ الجمهور (١) ﴿أُسَارَى﴾ بضمّ الهمزة بوزن فعالى. وقرأ حمزة أسرى بفتح الهمزة بوزن فَعْلَى، وقوله: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ جواب إن الشرطيّة؛ أي: تخرجوهم من الأسر بأعطاء الفداء، والمفاداة تجري بين الفادي وبين قابل الفداء. وقرأ عاصم (٢)، ونافع، والكسائي ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بضمّ التاء وفتح الفاء، من فادى الرباعي. وقرأ الباقون ﴿تَفْدُوهُم﴾ بفتح التاء وسكون الفاء من فدى، ومعنى تفادوهم: تفدوهم إذ المفاعلة تكون من اثنين ومن واحدٍ، ففاعل بمعنى فعل المجرد وهو أحد معانيه وقيل: معنى فادى بادل أسيرًا بأسير، ومعنى فدى: دفع الفداء، ويشهد للأوّل قول العباس: (فادَيْتَ نَفسي وفاديت عقيلًا) ومعلوم أنّه ما بادل أسيرًا بأسير. وقيل: معنى تفدوهم بالصلح، وتفادوهم بالعنف. وقيل. تفادوهم: تطلبوا الفدية من الأسير، الذي في أيديكم من أعدائكم، ومنه قوله: قِفِي فَادِي أَسِيْرَكِ إنَّ قَوْمِي ... وَقَوْمَكِ ما أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا وتفدوهم: تعطوا فديتهم. وقال أبو عليّ: معنى تفادوهم في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئًا، وفاديت نفسي؛ أي: أطلقتها بعد أن دفعت شيئًا، وفادى وفدى يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني بحرف جرّ وهو هنا محذوف، تقديره: تفادوهم به؛ أي: بالمال، ذكره في "البحر". والمعنى: أي وإن يقع ذلك الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه أسيرًا في يد حلفائكم المشركين، تُخلِّصونه من الأسر بدفع مال الفداء

стр. 744

عنهم، وقوله: ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ؛ أي: الشأن ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ متعلّق (١) بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراضٌ، والضمير للشأن، كما ذكرنا في الحلِّ، أو مبهمٌ يفسِّره إخراجهم، أو راجعٌ إلى ما دلَّ عليه ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾ من المصدر، وإخراجهم بدلٌ منه، أو عطف بيان، وقال في "الروح" ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿مُحَرَّمٌ﴾ فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرًا عن ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾، والجملة خبر لضمير الشأن. اهـ. والمعنى (٢): أي وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، والحال أنَّ الشأن محرَّم عليكم إخراجهم من ديارهم أوّل مرّةٍ، وذلك أنَّ الله ، أخذ على بني إسرائيل في التوراة أربعة عهودٍ: ترك القتل؛ أي: أن لا يقتل بعضهم بعضًا، وترك الإخراج؛ أي: لا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وترك المظاهرة على أهل دينهم مع أعدائهم، وفك أسراهم من أيدي أعدائهم، وأيما عبدٍ، أو أمةٍ، وجدتموه من بني إسرائيل، فاشتروه، وأعتِقوه، فأَعْرَضوا عن الكلِّ إلّا الفداء. وكان النضير (٣)، وقريظة أخوين، كالأوس والخزرج، فافترقوا، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة، فكان كُلُّ فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا خرَّبوا ديارهم، وأخرجوهم من ديارهم، ثُم إذا أُسِرَ رجلٌ من الفريقين فدوه، كما لو أُسِرَ واحدٌ من النضير، ووقع في يد الأوس، افتدته قريظة منهم بالمال، وهكذا يقال في عكس ذلك، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنّةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا، يُعيِّرون قريظة والنضير، ويقولون لهم: كيف تقاتلونهم أوَّلًا ثم تفادونهم؟ فيقولون: أُمِرْنَا أن نفديهم، وحُرِّم علينا قتالهم، ولكن نستحي أن تُذَلَّ حلفاؤنا، فذمَّهم الله تعالى بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ﴾ ما في ﴿الْكِتَابِ﴾ والتوراة، وتصدِّقونه، وتمتثلونه وهو

стр. 745

المفاداة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ما فيه، وتجحدونه ولا تمتثلونه، وهو ترك القتل، والإخراج، والمظاهرة، والذي في الكتاب فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، فهم فعلوا الواجب الذي هو المفاداة، ولم يتركوا المحرَّم الذي هو القتل، والإخراج، والمظاهرة، وذلك منتهى ما يكون من الحماقة، فإنَّ الإيمان لا يتجزأ، والغرض من ذلك؛ التوبيخ لهم؛ لأنّهم جمعوا بين الكفر والإيمان، والكفرُ ببعض آيات الله كفرٌ بالكتاب كِلّه، فلهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ...﴾ إلخ. والهمزة في قوله (١): ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي المضمَّن للإنكار، داخلةٌ على محذوف يستدعيه المقام، والفاء عاطفةٌ على ذلك المحذوف، والتقدير: أتفعلون ذلك، فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ، مع أنَّ قضيَّة الإيمان، الإيمان بالباقي؛ لكون الكل من عند الله تعالى داخلًا في الميثاق، فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ نفي؛ أي: ليس جزاء ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان بالبعض ﴿مِنْكُمْ﴾ يا معشر اليهود: حالٌ من فاعل يفعل، ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ استثناءٌ (٢) مفرع وقع خبرًا للمبتدأ؛ أي: ذُلٌّ وهوانٌ مع الفضيحة، وهو قتل بني قريظة، وأسرهم، وإجلاء بني النضير إلى أذرعات، وأريحا من الشام، وقيل: هو أخذ الجزية ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صفة خزي، ولعلَّ بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر؛ لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب، وإظهار أنَّه لا أثر له أصلًا مع الكفر بالبعض ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: ويوم تقام فيه الأجزية، وهو عبارةٌ عن زمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أن يفصل بين العباد، ويدخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، ﴿يُرَدُّونَ﴾؛ أي: يرجعون، والردُّ: الرَّجع بعد الأخذ ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ وهو التعذيب في جهنّم، وهو أشدُّ من خزيهم في الدنيا، وأشدُّ من كل عذاب كان قبله، فإنَّه ينقطع وهذا لا ينقطع، وفي الحديث: "فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة"، وإنّما كان أشدَّ؛ لما أنَّ معصيتهم كانت أشدَّ المعاصي.

стр. 746

﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ أي: بساهٍ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من القبائح التي من جملتها هذا المنكر؛ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيجازيهم بها يوم البعث، وهذا تهديدٌ شديدٌ، وزجرٌ عظيمٌ عن المعصية، وبشارةٌ عظيمةٌ على الطاعة؛ لأنّ الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه تعالى، مع أنّه أقدر القادرين وصَلَتِ الحُقوقُ إلى مستحقِّيها، فهو مجازيكم على ما اجترحتم من السيّئات. وقرأ الجمهور (١): ﴿يُرَدُّونَ﴾ بالياء، وهو مناسب لما قبله من قوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ ويحتمل أن يكون التفاتًا، فيكون راجعًا إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ فيكون قد خرج من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة. وقرأ الحسن، وابن الهرمز باختلاف عنهما (تُردُّون) بالتاء، وهو مناسبٌ لقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون التفاتًا بالنسبة إلى قوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ فيكون قد خرج من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب، وأشدُّ العذاب الخلود في النار، وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو أنواع عذاب جهنّم؛ لأنّها دركاتٌ مختلفةٌ، وفيها أوديةٌ، وحَيَّاتٌ، أو العذاب الذي لا فرح فيه ولا رَوح مع اليأس من التخلُّصِ، أو الأشدِّية بالنسبة إلى عذاب الدنيا، أو الأشدِّية بالنسبة إلى عذاب عامَّتهم؛ لأنّهم الذين أضلُّوهم ودلَّسُوا عليهم، أقوالٌ خمسةٌ. وقرأ نافع (٢)، وابن كثير، وأبو بكر: (عمّا يعملون) بالياء، والباقون بالتاء من فوق، فبالياء ناسب ﴿يُرَدُّونَ﴾ قراءة الجمهور، وبالتاء تُناسب قراءةَ ﴿تُردُّون﴾ بالتاء، فيكون المخاطب بذلك من كان مخاطبًا في الآية قبل، ويحتمل أن يكون الخطاب لأمّةِ محمد ﷺ ، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إنَّ بني إسرائيل قد مضوا، وأنتم الذين تُعنَوْن بهذا يا أُمّة محمدٍ! وبما يجري مجراه). وهذه الآية من أوعظ الآيات إذ المعنى: إنّ الله بالمرصاد لكل كافرٍ وعاصٍ، ثُمَّ أكَّد عظيم حماقتهم وسيىء، إجرامهم، ثم شديد نكالهم على ما اجترحوا، فقال: ٨٦ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة التي منها الجمع بين

стр. 747

الإيمان والكفر، هم ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: استبدلوا الحياة الدنيا ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: عن الآخرة، وأعرضوا عن الآخرة مع تمكِّنهم من تحصيلها؛ أي (١) اختاروا لذَّات الحياة الدنيا على لذات الآخرة اختيار المشتري المبيع بدل الثمن؛ لأنّ الجمع بين لذَّات الدنيا ولذات الآخرة غير ممكنٍ، فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات الآخرة، أي: أولئك الذين آثروا الحياة الدنيا، واستبدلوها بالآخرة، فقدَّمُوا حظوظهم في هذه الحياة على حظوظهم في الحياة الآخرة، بما أهملوا من الشرائع، وتركوا من أوامرها التي يعرفونها كما يعرفون أبناءَهم، كالانتصار للحليف المشرك، ومظاهرته على قومه الذين تجمعهم وإيّاه رابطة الدين، والنسب، وإخراج أهله من دياره ابتغاءَ مرضاته ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ دنيويًّا، أو أخرويًّا، فلا يُهَوَّن عليهم العذاب، ولا يُقلَّل بنقص (٢) الجزية عنهم في الدنيا، والتعذيب في الآخرة. وقيل: نفس التخفيف مختصٌّ بالآخرة، والمعنى حينئذٍ: فلا يخفَّف عنهم العذاب في الآخرة بالانقطاع، ولا بالقلَّة في كل وقت، أو في بعض الأوقات ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: ولا هم يمنعون من عذاب الله؛ أي: ليس (٣) لهم ناصرٌ يدفع عنهم العذاب، وينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمديِّ، ويجيرهم منه. وهذا (٤) إخبار من الله ، بأنَّ اليهود لا يزالون في عذاب موفَّر، لازم لهم بالجزية، والصغار، والذلّة، والمهانة، فلا يُخفَّف عنهم ذلك أبدًا ما داموا، ولا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم، ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوِّهم. واعلم: أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنعٌ غير

стр. 748

ممكن، والله سبحانه مكَّن المكلَّف من تحصيل أيّتهما شاء وأراد، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما، فقد فوَّت الأخرى على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتابهم، وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا، كالبيع والشراء، وذلك من الله نهاية الذمِّ لهم؛ لأنَّ المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذمومٌ، فأنْ يُذَمَّ مشتري الدنيا بالآخرة أولى، فعلى العاقل أن يرغب في تجارة الآخرة، ولا يركن إلى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، ولا يخرج من ديار دينه التي عليها في الأصل الفطرة، فإنَّه إذًا يضِلُّ ويشقى. قال أبو حيان: وقد تضمّنت (١) هذه الآيات الكريمة من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى هنا، إخبار الله تعالى، أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بإفراد العبادة لله تعالى، والإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وبالقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنّهم نقضوا الميثاق بتولِّيهم، وإعراضهم، وأنه أخذ عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأنهم أقروا، والتزموا ذلك، فإن الميثاق الأول يتضمَّن الأوامر، والميثاق الثاني يتضمَّن النواهي؛ لأنَّ التكاليف الإلهيّة مبنيَّةٌ على الأوامر والنواهي، وكان البدء بالأوامر آكد؛ لأنّها تتضمَّن أفعالًا والنواهي. تتضمَّن تُروكًا، والأفعال أشقُّ من التروك، وكان من الأوامر: الأمر بإفراد الله بالعبادة وهو رأس الإيمان، إِذ مُتعلَّقه أشرف المتعلَّقات، فكان البدء به أولى، ثمَّ نعى عليهم التباسهم بما نهوا عنه، وإن كان قد تقدَّم إخباره أنَّهم خالفوا في الأوامر بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لأنَّ فعل المنهيات أقبح من ترك المأمورات؛ لأنَّها تروك، كما ذكرنا. ثمّ قرَّعهم بمخالفة نواهي الله، وأنّهم مستعينون في ذلك بغير الحق، بل بالإثم والعدوان، ثمَّ ذكر تناقض آرائهم، وسخف عقولهم بفداء من أتى إليهم

стр. 749

منهم، مع أنَّهم هم السبب في إخراجهم وأسرهم مع علمهم بتحريم إخراجهم، وبذكر أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، هذا مع أنَّه كُلَّه حَقٌّ وصِدْقٌ، فلا يناسب ذلك الكفر ببعض والإيمان ببعض، ثم ذكر أنَّ الجزاء لفاعل ذلك هو الخزيُ في الدنيا، وأشدُّ العذاب في الآخرة، وأنَّ الله تعالى لا يغفل عمَّا عملوه فيجازيهم على ذلك. ثم أشار إلى أنَّ من تحلَّى بهذه الأوصاف الذميمة، وخالف أمر الله ونهيه، هو قد اشترى عاجلًا تافهًا بآجلٍ جليلٍ، وآثر فانيًا مكدَّرًا على بَاقٍ صافٍ، وأنَّ نتيجة هذا الشراء أن لا يخفَّف عنهم ما حلَّ بهم من العذاب، ولا يجدوا ناصرًا يدفع عنهم سوء العذاب، وشديد العقاب، لقد خسروا تجارةً، وبدَّلُوا بالنعيم السرمديِّ نارًا وقودها الناس والحجارة، وإذا كان التخفيف قد نفي، فالرفع أولى، وهل هذا إلّا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؟!. انتهى. ٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: بالله لقد أعطينا يا بني إسرائيل ﴿مُوسَى﴾ بن عمران؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد أعطينا موسى بن عمران ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة جملةً واحدةً. ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها (١): أنّ إيتاء موسى الكتاب هو نعمة لهم، إذْ فيه أحكامهم وشرائعهم، ثُمَّ قابلوا تلك النعمة بالكفران، وذلك جَرْيٌ على ما سبق من عادتهم، إذ قد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء، فخالفوا أمر الله ونهيه، فناسب ذكْرُ هذه الآية ما قبلها، والإيتاء (٢): الإعطاء، فيحتمل أن يراد به الإنزال؛ لأنَّه أنزله عليه جملةً واحدةً، ويحتمل أن يراد آتيناه: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود، والأحكام، والأنباء، والقصص، وغير ذلك ممَّا فيه، فيكون على حذف مضاف؛ أي: آتينا موسى علم الكتاب، أو فهم الكتاب، وموسى هو نبيُّ الله موسى بن عمران صلى الله على نبيّنا وعليه وسلّم، وهو لغةٌ عبرانيةٌ، قد سبق عند قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى ...﴾ الآية. والكتاب هنا: التوراة في قول الجمهور، والألف واللام فيه للعهد إذ قرن بموسى، وانتصابه على أنّه مفعول ثان

стр. 750

لآتينا، وقال السهيليُّ: إنّه مفعول أوّل له، وموسى هو المفعول الثاني ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ يقال: قفاه به إذا أتبعه إيّاه؛ أي: أتبعنا، وأردفنا، وجئنا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد موسى بن عمران ﴿بِالرُّسُلِ﴾ زمن عيسى ﵈، متواترةً يظهر بعضهم إثر بعضٍ، والشريعة واحدة، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله عيسى ﵇، وجاءهم بشريعةٍ جديدةٍ، وغيَّر بعض أحكام التوراة. وقيل إنَّ مدَّة ما بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة وخمسٌ وعشرون سنةً. ذكره السيوطي في "التَّحْبِير". قيل (١): إنّ الرسل بعد موسى هم: يوشع بن نون، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرميا، وعزيرٌ، وحزقيلٌ، وإلياسُ، واليسعُ، ويونسُ، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، ومنْ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لابتداء الغاية وهو ظاهرٌ؛ لأنَّه يُحْكَى: أنَّ موسى لم يَمُتْ حتى نُبِّىء يوشعُ، والباء في قوله: ﴿بِالرُّسُلِ﴾ متعلقةٌ بقفينا، والألف واللام يحتمل أن تكون للجنس الخاص، ويحتمل أن تكون للعهد؛ لما استفيد من القرآن وغيره، أنَّ هؤلاء بعثوا من بعده، ويحتمل أن تكون التقفية هي كونهم يتَّبعون في العمل بالتوراة، وأحكامها، ويأمرون باتباعها والبقاء على التزامها. وقرأ الجمهور (٢). ﴿بِالرُّسُلِ﴾ بضمّ السين. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر بتسكينها، وهما لغتان فيه، ووافقهما أبو عَمْرو إن أُضيف إلى ضمير جمع، نحو: (رُسْلهم ورُسْلكم ورُسْلنا)؛ استُثقل توالي أربع متحركات، فسُكِّن تخفيفًا ﴿وَآتَيْنَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿عِيسَى﴾ بالسريانة (٣) اليسوع، ومعناه: المبارك، والأصحّ: أنّه لا اشتقاق له ولأمثاله في العربية، وأضافه إلى مريم أمّه؛ ردًّا على اليهود فيما أضافوه إليه. ﴿ابْنَ﴾ بإثبات الألف، وإن كان واقعًا بين العلمين؛ لندرة الإضافة إلى الأمّ ﴿مَرْيَمَ﴾ بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة، قد جعلتها أمّها محرّرة لخدمة المسجد، ولكمال عبادتها

стр. 751

لربّها، سمّاها الحقّ تعالى في كتابه الكريم مع الأنبياء ﵈ سبع مرّات، وخاطبها كما خُوطِب الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فشاركها مع الرجال. وقد أجمل (١) الله سبحانه ذكر الرسل، وفصل ذكر عيسى؛ لأنّ من قبله كانوا متّبعين شريعة موسى، وأمّا عيسى فنسَخَ شَرْعُه كثيرًا من شرع موسى؛ أي: وآتينا عيسى ابن مريم ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات الدَالَّة على نُبوّته، فيشمل كل معجزة أوتيها عيسى ﵇، وهذا هو الظاهر. وقيل: الإنجيل. وقيل: الحجج التي أقامها الله على اليهود، كإحياء الموتى وهو أربعةٌ: سامُ بن نوح، والعازِرو ابنُ العَجوز، وبنتُ العَشَّار، ومن الطير الخفاش. قيل: لم يكن مِنْ قَبْلِ عيسى، بل هو صوَّرهُ، والله نفخ فيه الروح، وقيل: كان قَبْلَهُ، فوضَع عيسى على مثاله. قالوا: وإنّما اختصَّ هذا النوع من الطير؛ لأنّه ليس شيءٌ من الطير أشدَّ خلقًا منه؛ لأنّه لحمٌ كلُّه، وكإبراء الأكمه سواء كان كمهه خلقيًّا، أو طارئًا، وإبراء الأبرص، والإخبار بالمغيَّبات. فائدة: ولفظ عيسى (٢) لغةٌ عبرانيةٌ معناه: السَّبُوح بفتح السين وضمّ الباء المخفّفة بمعنى: السَّابح، وهو من الخيل السريعُ الجري، وبالسريانية اسمه: أيشوع، ومعناه: المبارك، ولفظ مريم لغة سريانية معناه: خادمة الله، وفي كتاب "لسان العرب" هي: المرأة التي تكره مخالطة الرجال، وإنّما خصَّ عيسى بالذكر مع دخوله في قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ إشعارًا بفضله، ومزيَّته على غيره لكونه رسولًا مستقلًّا بشرع يخصه: لأنّه نسخ بعض ما في التوراة، وردًّا على اليهود حيث ادَّعوا أنهم قتلوه، وما بين موسى وعيسى: أربعة آلاف نبيٍّ، وقيل: سبعون ألف نبيٍّ، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ أي: قوَّينا عيسى ﵇. وقرأ الجمهور (٣) على

стр. 752

وزن فعَّلناه. وقرأ مجاهد، والأعرج، وحميد، وابن محيصن، وحسين عن أبي عمرو ﴿أَأْيَدْناه﴾ على وزن أفعلناه. وقرأ ابن كثير ﴿آيَدْنَاه﴾ بمد الهمزة وتخفيف الياء، وهاتان القراءتان من الشواذ والأصحّ أنّها كلها بمعنى: قوَّيناه، وكُلُّها من الأيد وهو القوّة؛ أي: قوَّيناه، وآنَسْنَاه، وشدَدْناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي: بالروح المُقدَّس؛ أي: المطهَّر الذي هو جبريل ﵇، وذلك لأنّه بشَّر مريم بولادتها له، وكان من نفخه في جيبها، وهو الذي ربَّاه في جميع الأحوال، وكان يسير معه حيث سار، وكان معه حين صعد به إلى السماء وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، وسُمِّي جبريل روحًا؛ لأنَّ به حياة القلوب بسبب وحيه إلى الأنبياء، كما أنَّ الروح المعروفة بها حياة الأبدان، ووصف بالقدس بمعنى الطُّهْرِ؛ لطهارته من المعاصي، والمخالفات، والأقذار، وقد مدحه تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فمعنى تقويته به: أنّه عصمه من أوّل حاله إلى كبره، فلم يدن منه الشيطان عند الولادة، ورفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله. وقيل (١): أيدناه بالروح المقدَّسة المطهرة، وهي روح عيسى ﵇، وُصِفَت بالقدس؛ للكرامة؛ لأنَّ القدس هو الله ، كالقدُّوس. وقرأ الجمهور (٢) بضمّ القاف والدال. وقرأ مجاهد، وابن كثير بسكون الدال حيث وقع في القرآن، وفيه لغةٌ: فتحها. وقرأ أبو حيوة: ﴿القُدُوْس﴾ بواوٍ. قال أبو حيان: والرُّوح هنا: اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى ﵇ يُحيي الموتى. قاله ابن عباس، أو الإنجيل، كما سَمَّى الله تعالى القرآن روحًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قاله ابن زيد، أو الروح الَّتي نفخها الله تعالى في عيسى ﵇، أو جبريل ﵇. قاله قتادة، والسديّ، والضحاك، والربيع، ونسب هذا القول لابن عباس. قاله ابن عطيّة. وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيُّ ﷺ لحسَّان بن ثابت: "أُهْجُ قُريشًا وروح القدس معك" ومرَّةً قال له: "وجبريل معك". انتهى كلامه.

стр. 753

قالوا ويُقوِّي ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وقال حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه -: وجبريلُ رسولُ اللهِ فينا ... وروحُ القُدْسِ لَيْس لَهُ كِفَاءُ وتسمية جبريل بذلك؛ لأنَّ الغالب على جسمه الرُّوحانيَّة، وكذلك سائر الملائكة؛ أو لأنّه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح، فإنَّه هو المتولِّي لإنزال الوحي؛ أو لتكوينه روحًا من غير ولادةٍ، وتأييد الله عيسى بجبريل ﵉؛ لإظهار حجته وأمر دينه؛ أو لدفع اليهود عنه إذ أرادوا قتله، أو في جميع أحواله، قالوا: وإطلاق الروح على جبريل، وعلى الإنجيل، وعلى اسم الله الأعظم مجازٌ؛ لأنَّ الرُّوح هو الريح المتردّدُ في مخارق الإنسان، أي: في منافذه، ومعلومٌ أنَّ هذه الثلاثة ما كانت كذلك. اهـ. من "البحر". وخلاصة معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ...﴾ إلخ؛ أي (١): ولقد أعطينا موسى الكتاب المقدس وهي التوراة، ثمّ أتبعنا من بعده رسولًا بعد رسول مقتفين إثره، فلم يمض زمنٌ إلّا كان فيه نبيٌّ، أو أنبياء، يأمرون وينهون، فلا عذر لهم في نسيان الشرائع، أو تحريفها، وتغيير أوضاعها، ثُمَّ خصَّ من أولئك الرسل عيسى ﵇، فقال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ .. الخ؛ أي: وأعطينا عيسى المعجزات الباهرة التي تدلُّ على صدق نُبوّته، وأنّه مُوحًى إليه من ربّه، وأيّدناه بروح الوحي الذي يُؤيِّد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم، ومعارفهم، وأرسلناه بعد ظهور كثيرٍ من الرسل، ولم يكن حظّهُ بينهم أحسن من حظِّ سابقيه، ثُمَّ بين ماذا كان حظُّ الرسل من بني إسرائيل، فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ خاطب بهذا أهل عصر محمد ﷺ ، وقد فعله أسلافهم؛ يعني: لم يوجد منهم القتل، وإن وجد منهم الاستكبار؛ لأنّهم يتولَّونهم ويرضون بفعلهم، والراضي بفعل الغير كفاعله، وقد كذَّبوا رسول الله ﷺ فيما جاء به، وسقوه السُمَّ ليقتلوه، وسحروه. ويجوز أن (٢) يكون الخطاب عامًّا لجميع بني إسرائيل،

стр. 754

إذ كانوا على طبق واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل، وكثرة سؤالهم لأنبيائهم، والشكِّ، والارتياب فيما أتوهم به، ويحتمل أن يكون الخطاب لأسلافهم الذين فعلوا ذلك، وسياق الآيات يدلُّ عليه. والهمزة (١) فيه للاستفهام التوبيخيّ داخلةٌ على محذوف، والفاء عاطفة لجواب كلّما على ذلك المحذوف؛ لأنَّ حقَّ الهمزة والفاء أن يدخلا على الجواب؛ أي: ألم تطيعوهم؟ فكلَّما جاءكم رسول ﴿بِمَا لَا تَهْوَى﴾ ولا تريد ﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ ولا يوافق هواكم من الحق الذي لا انحراف عنه ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: تكبَّرتم، وتعظَّمتم عن الاتباع له، والإيمان بما جاء به من عند الله، واستفعل هنا بمعنى: تفعَّل، وهو أحد معاني استفعل، وفسَّر رسول الله ﷺ الكِبْرَ بأنَّه: "دَفْعُ الحقِ، وغَمْطُ الناس"؛ أي: إنكار الحقِّ، واحتقار الناس. والمعنى: أدمتم يا معشر اليهود! على التكذيب، فاستكبرتم عن الإيمان كُلَّما جاءكم رسولٌ من الرسل بما لا تهوى، ولا تُحِبُّ أنفسكم؛ أي: استكبرتم عن الإيمان، ودمتم على التكذيب كُلَّ وقتٍ جاءكم رسولٌ منهم بالحقِّ الذي لا يوافق هواكم. ﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: طائفةً منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ كعيسى، ومحمدٍ ﵉، والجملة معطوفة على قوله: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: فنشأ عن الاستكبار مبادرتهم فريقًا من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، ولم يتمكَّنوا منه ﴿وفريقًا﴾ منهم ﴿تَقْتُلُونَ﴾ كزكريا، ويحيى، وغيرهما ﵈؛ أي: وفريقًا منهم بادروه بالقتل إذ قدروا على قتله، وتهيَّأ لهم ذلك، ومعلوم (٢) أنَّ من قتلوه فقد كذّبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه؛ للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وأجاز أبو القاسم الراغب أن يكون ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ ويكون قوله: أفكُلَّمَا مع ما بعده اعتراضًا بينهما على سبيل الإنكار، والأظهرُ في ترتيب الكلام الأوّلُ، وهذا أيضًا محتملٌ. وقدَّم المفعول وأخر العامل في قوله: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ ليتَواخى رؤُوسُ الآي، وثَمَّ محذوف،

стр. 755

تقديرُهُ: ففريقًا منهم كذبتم، وبدأ بالتكذيب؛ لأنَّه أوَّل ما يفعلونه من الشرِّ؛ ولأنه المشترك بين الفريقين المكذَّبِ والمقتولِ، وأَتَى بفعلِ القتل مضارعًا؛ لحكاية الحال الماضية؛ ولِمَا فيه من مناسبةِ رؤوس الآي التي هي فواصلُ، وإمَّا لكونه مستقبلًا، لأنّهم يَرُوموُن قَتْلَ رسولِ الله ﷺ ، ولذلك سَحَروه وسَمُّوه. اهـ. من "البحر". والمعنى: إنَّه نشأ من استبكارهم مبادرتهم لفريق من الرسل بالتكذيب، ومبادرتهم لآخرين بالقتل. وعبارة "الروح" هنا؛ وقدَّم (١) فريقًا في الموضعين؛ للاهتمام، وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم، لا للقصر، ولم يقل قتلتم، وإن أريد الماضي؛ تفظيعًا لهذه الحالة، فكأنَّها - وإن مضت - حاضرةٌ لشناعتها، ولثبوت عارها عليهم، وعلى ذرِّيتهم بعدهم، أو يراد: وفريقًا تقتلونهم بعد، وإنّكم على هذه النيَّة؛ لأنّكم حاولتم قتل محمد ﷺ ، لولا أنَّي عصمته منكم، ولذلك سحرتموه، وسممتم له الشاة حتى قال ﷺ عند موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني"؛ أي: يراجعني أثر سُمِّها في أوقاتٍ معدودة: "فهذا أوان قَطعَتْ أبهري" وهو عرقٌ منبسطٌ في القلب، إذا انقطع مات صاحبه. وقصته: أنّه لمّا فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز قرب المدينة، أهديت لرسول الله ﷺ شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال رسول الله ﷺ : "إنّي سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ فيه" قالوا: نعم يا أبا القاسم! قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا" قالوا: نعم، قال: "فما حملكم على ذلك" قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت صادقًا لم يضرَّك. واعلم: أنَّ اليهود أَنِفُوا من أن يكونوا أتباعًا، وكانت لهم رئاسةٌ، وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرئاسة، فما دام لم يخرج حُبُّ الرئاسة من القلب، لا تكون النَّفس مؤمنةً بالإيمان الكامل. وللنفس صفاتٌ سبعٌ مذمومةٌ: العجب، والكبر، والرياء، والغضب، والحسد، وحُبُّ المال، وحبّ الجاه. ولجهنَّم أيضًا أبوابٌ سبعةٌ: فمن زكى نفسه

стр. 756

عن هذه السبع، فقد أغلق سبعة أبواب جهنم، ودخل الجنّة. وأوصى إبراهيم بن أدهم بعض أصحابه، فقال: كُنْ ذَنَبًا ولا تكن رأسًا، فإنَّ الرأس يهلك، والذنب يسلم. ومعنى قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ ...﴾ إلخ؛ أي: أَبَلَغَ (١) الأمر بكم أنَّكم كُلَّما جاءكم رسولٌ من رسلي بغير الذي تهوى نفوسكم أعرضتم، فاستكبرتم عليه تجبُّرًا وبغيًا في الأرض، فبعضًا منهم تكذِّبون، وبعضًا تقتلون، فلا عجب بعد هذا إن لم تؤمنوا بدعوة محمدٍ ﷺ ، فإنَّ العناد والجحود من طبعكم، وسجيَّةٌ عرفت عنكم، ولا غرابة في صدور ما صدر منكم. قال ابن عطيّة: روي أنَّ بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سُوقهُم آخرَ النهار. وروي: قتلوا سبعين نبيًّا، ثمّ تقوم سُوقُ بَقْلِهم آخرَ النهار، فضلًا عن سوق الأقمشة النفيسة. ٨٨ - ثُمَّ أخبر عن اليهود المعاصرين لمحمد ﷺ وبين ضلالهم في اقتدائهم بأسلافهم، فقال حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: اليهود المعاصرون لمحمد ﷺ ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، كحمر جمع أحمر، مستعارٌ من الأغلف الذي لم يختن؛ أي: قلوبنا مغشّاة مغطّاة بأغشيةٍ جِبِليَّةٍ، وأغطية خِلْقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد ﷺ ، ولا تفقهُهُ، ولا تفهمُهُ. وقرأ الجمهور (٢) ﴿غُلْفٌ﴾ بإسكان اللام، واختلف في سكون اللام، أهو سكونٌ أصليٌّ، فيكون جمع أغلف، كحمر وأحمر؟ أم هو سكون تخفيف، فيكون جمع غلاف؟ وأصله: الضُمُّ، كحمار وحمر. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وابن هرمز، وابن محيصن ﴿غُلُف﴾ بضمّ اللام وهي مرويّةٌ عن أبي عمرو - وليست في المتواتر عنه - وهو جمع غلاف، ولا يجوز أن يكون في هذه القراءة جمع أغلف؛ لأنّ تثقيل فُعَّل الصحيح العين لا يجوز إلّا في الشعر، يقال: غلفت السيف، جعلت فيه غلافًا، وأمّا من قرأ ﴿غُلْفٌ﴾ بالإسكان، فمعناه: أنَّها مستورة عن الفهم والتمييز، وقال مجاهد؛ أي: عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابعٌ. وقال الزجاج: ذوات غلفٍ؛ أي: عليها غُلْفٌ لا تصل إليها الموعظة.

стр. 757

وقيل معناه: خُلِقَتْ غُلفًا لا تتدبَّر ولا تعتبر. وقيل: محجوبةٌ عن سماع ما تقُول، وفهمِ ما تُبيِّن، ويحتمل على هذه القراءة أن يكون قولهم هذا على سبيل البَهْتِ والمدافعة حتى يُسْكِتوا رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا منهم بحال قلوبهم؛ لأن الأوّل فيه ذَمُّ أنفسهم بما ليس فيها، وكانوا يدفعون بغير ذلك، وأسباب الدفع كثيرةٌ. وأمّا من قرأ بضمّ اللام (١)، فمعناه: أنّها أوعيةٌ للعلم، أقاموا العلم مقام شيءٍ مجسَّدٍ، وجعلوا الموانع التي يمنعهم غلفًا له؛ ليستدلّ بالمحسوس على المعقول، ويحتمل أن يريدوا بذلك أنَّها أوعية للعلم، فلو كان ما تقوله حقًّا وصدقًا لوَعَتْهُ، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ويحتمل أنّ يكون المعنى: أنَّ قلوبنا غُلُفٌ؛ أي: مملوءة علمًا فلا تسع شيئًا، ولا تحتاجُ إلى علمٍ غيرِه، فإنَّ الشيء المغلق لا يسع غلافه غيره، ويحتمل أن يكون المعنى: إنّ قلوبهم غُلْفٌ على ما فيها من دينهم وشريعتهم واعتقادهم؛ أي: أنَّ دوامَ ملَّتهم إلى يوم القيامة، وهي لصلابتها، وقوَّتها، تمنع أن يصل إليها غير ما فيها، كالغلاف الذي يَصُونُ المُغَلَّف أن يصل إليه ما يغيِّره. وقيل المعنى: كالغلاف الخالي الذي لا شيء فيه. اهـ. من "البحر". والغرض (٢): إقناطه ﷺ من إيمانهم، رَدَّ الله تعالى أن تكون قلوبهم مخلوقةً كذلك؛ لأنها خلقت على الفطرة، والتمكُّن من قبول الحق، وأضرب وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ﴾ وطردهم وأبعدهم ﴿اللَّهُ﴾ عن رحمته ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: بسبب كفرهم وضلالهم: أي: ليس عدم قبولهم لخللٍ في قلوبهم، ولكنَّ الله سبحانه أبعدهم عن رحمته، وخَذلَهم، وخلَّاهُم وشَأنَهم بسبب كفرهم العارض، وإبطالهم لاستعدادهم بسوءِ اختيارهم بالمرَّةِ. وقال أبو حيَّانْ و ﴿بَلْ﴾ هنا (٣) للإضراب الإبطاليّ عن النسبة التي تضمَّنها قولهم: إنّ قلوبهم غُلفٌ، وليس

стр. 758

إضرابًا عن اللفظ المقول؛ لأنّه واقعٌ لا محالة، فلا يضرب عنه، وإنَّما الإضراب عن النسبة المفهومة من قولهم: قلوبنا غلفٌ؛ لأنّها خُلقت متمكنة من قبول الحق، مفطورةً لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تُخْلق عليه، ثمّ أخبر تعالى أنّهم لُعِنُوا بسبب ما تقدّم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الذي هو اللَّعن المتسبَّب عن الذنب الذي هو الكفر، فانتصاب ﴿قليلًا﴾ في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ على المصدرية على أنّه نعت لمصدر محذوف، و ﴿مَا﴾ مزيدةٌ؛ لتأكيد القلَّة، والفاء لسببية (١) اللعن؛ لعدم الإيمان؛ أي: فَبسبَبِ ذلك اللعنِ يؤمنون إيمانًا قليلًا في غاية القلّة، قاله قتادة؛ أي: يؤمنون بالقليل مِمَّا كلفوا به؛ لأنّهم يؤمنون بالله، ويكفرون بالرسل، وبما جاؤوا به؛ أي: إيمانهم قليلٌ جدًّا، أو على الظرفية على أنّه نعت لزمان محذوف؛ أي: فيؤمنون زمانًا قليلًا في غاية القلة؛ لقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ أو على الحالية من فاعل يؤمنون حال كونهم جمعًا قليلًا؛ أي: المؤمن منهم قليلٌ، كعبد الله بن سلام، وأضرابه، وقال هذا المعنى ابن عباس، وقتادة أيضًا، وهو مذهب سيبويه، والأحسن من هذه المعاني كلِّها هو الأول؛ لأنّ دلالة الفعل على مصدره، أقوى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة، وعلى المفعول، وعلى الفاعل؛ ولموافقته ظاهر قوله تعالى: ﴿فلا يؤمنون إلّا قليلًا﴾ اهـ. من "البحر". ٨٩ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولما جاء اليهود المعاصرين لمحمد ﷺ ﴿كِتَابٌ﴾ وقرآن نازلٌ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ، ووصفه بقوله: من عند الله؛ للتشريف؛ وللدلالة على أنَّه جديرٌ بأن يقبل، ويُتَّبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو واردٌ من عند خالقهم، وإلههم الذي هو ناظرٌ في مصالحهم، ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: موافقٌ ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ أي: لكتابهم؛ أي: للتوراة التي في أيديهم في التوحيد، وبعض الشرائع، وصفة محمد ﷺ ، وهو صفةٌ ثانيةٌ، وقُدّمت (٢) الأولى عليها؛ لأنّ الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشيءٌ عن كونه

стр. 759

من عند الله تعالى، لا يقال: إنّه يحتمل أن يكون من عند الله متعلِّقًا بجاءهم، فلا يكون صفة؛ للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمولٌ لغير أحدهما. وفي مصحف أُبَيٍّ ﴿مصدقًا﴾ وبه قرأ ابن أبي عبلة، ونصبه على الحال من كتاب وإن كان نكرة، وقد أجاز ذلك سيبويه بلا شرطٍ، فقد تخصَّص هنا بالصفة فقَرَّبَتْهُ من المعرفة، وقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو التوراة والإنجيل، وتصديقه إمّا بكونهما من عند الله، أو بما اشتملا عليه من ذكر بعث الرسول ونعته. قال ابن التمجيد: المصدَّق به: ما يختصُّ ببعثة محمد ﷺ ، وما يدلُّ عليها من العلامات لا الشرائع والأحكام؛ لأنَّ القرآن نسخَ أكثرها. وجواب (١) ﴿لِمَا﴾ محذوفٌ دلَّ عليه جواب ﴿لِمَا﴾ الثانية تقديره: ولمَّا جاءهم كتابٌ من عند الله مصدّق لما معهم كذَّبوه. وقيل: جوابها جملة قوله الآتي: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ كما سيأتي قريبًا. ﴿و﴾ قد ﴿كانوا﴾؛ أي: اليهود ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل مبعث محمد ﷺ ، ونزول القرآن، وبُني لقطعِه عن الإضافة إلى معرفة ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ ويستنصرون؛ أي: يطلبون من الله الفتح والنصر ﴿عَلَى﴾ أعدائهم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأشركوا بالله؛ أي: يستنصرون به على مشركي العرب، وكفار مكة من أَسَدٍ، وغَطَفَانَ، ومُزَيْنَةَ، وجُهَيْنَةَ، ويقولون: اللهمّ! انصرنا عليهم بالنبيِّ الأميّ المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة، فكانوا يُنصَرون عليهم، وكانوا يقولون: لأعدائهم المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قَتلَ عاد وإرم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وظهر لهم ﴿مَا عَرَفُوا﴾ وما سبق لهم تعريفه للمشركين؛ أي: الحقُّ الذي عرفوه أوّلًا من كتابهم حقَّ المعرفة، وأخبروه للمشركين من بعثة محمد ﷺ ، ونزول القرآن: لأنَّ معرفة من أنزل هو عليه معرفةٌ له، والفاء (٢) للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير أن يتخلَّل بينهما مدّةٌ مَنْسِيَّةٌ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بذلك الحق؛ أي:

стр. 760

جحدوا، وأنكروا برسالته ﷺ وبِكَوْنِ القرآن من عند الله تعالى حسدًا، وخوفًا على الرئاسة، وحرصًا عليها، وغيَّروا صفته، وهو جواب ﴿لمَّا﴾ الأولى، والثانية تكريرٌ لها، كما مرت الإشارة إليه؛ أي: فيكون قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ تكريرًا لقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ للتأكيد؛ ولطول الفصل بين لمّا الأولى، وجوابها الذي هو جملة قوله: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: إِبعادُ الله سبحانه، وطَرْده من خيرات الدنيا والآخرة عليهم؛ أي: على اليهود، ففيه (١) وَضْعُ الظاهر موضع المضمر؛ إشعارًا بأنّهم استحقُّوا اللعنة لكفرهم، والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر، واللام في الكافرين للعهد، أو للجنس، ودخلوا فيه دخولًا أوَّليًّا؛ لأنّ الكلام فيهم. واعلم: أنّ (٢) اللعنة في حقّ الكفار: الطرد والإبعاد من الرحمة، والكرامة، والجنّة على الإطلاق، وفي حقّ المذنبين من المؤمنين: الإبعاد عن الكرامة التي وعد بها من لم يَخُضْ في ذلك الذنب، ومنه قوله ﷺ : "مَن احتكر فهو ملعون"؛ أي: من ادّخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه وقت زيادة الغلاء، فهو مطرودٌ من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار. واعلم: أن الصفات المقتضية للعن ثلاثٌ: الكفر، والبدعة، والفسق، وله في كل واحدة ثلاث مراتب: الأولى: اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين، أو المبتدعة والفسقة. والثانية: اللعن بأوصافٍ أخصَّ منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى، أو على القدريّة، والخوارج، والروافض، أو على الزُّناة والظلمة، وآكل الربا، وكُلُّ ذلك جائزٌ. والثالثة: اللعن علي الشخص، فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعًا، يجوز لعنه

стр. 761

إن لم يكن فيه أذًى على مسلم، كقولك: لعنة الله على فرعون، وقارون، وهامان، وأبي جهل؛ لأنّه ثبت أنَّ هؤلاء ماتوا على الكفر، وعُرف ذلك شرعًا، وإن كان ممن لم يثبت كفره شرعًا كلعنة الله على زيدٍ، أو عمرٍو، أو غيرهما بعينه، فهذا فيه خطرٌ؛ لأنَّ حال خاتمته غير معلوم، ورُبَّما يسلم الكافر، أو يتوب المذنب، فيموت مقرَّبًا عند الله تعالى، فكيف يحكم بكونه ملعونًا؟ ألا ترى أنَّ وحشيًّا قتَلَ عمَّ النبي ﷺ أعني حمزة ﵁ ثُمَّ أسلم على يد النبي ﷺ ، وبشَّره الله بالجنّة، وهذا حجةُ مَنْ لم يلعن يزيد بن معاوية؛ لأنّه يحتمل أن يتوب ويرجع عمَّا عليه، فمع هذا الاحتمال لا يُلْعنُ. قال بعضُهم: لَعْنُ يزيد على اشتهارِ كفره، وتواترِ فظاعةِ شرّه؛ لَمَّا أنَّه كفَرَ حين أمر بقتل الحُسين ﵁ ولمَا قال في الخمر: فإنْ حُرِّمَتْ يومًا على دينِ أَحمدٍ ... فخُذْهَا على دينِ المسيحِ ابنِ مريمِ واتَّفقوا على جواز اللَّعن علي من قتل الحُسَيْن ﵁ أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، كما قال سعد الدين التفتازانيُّ: الحقُّ إِنَّ رِضَى يزيد بقَتْلِ الحسين، واستبشاره به، وإهانَته أهلَ بيت النبي ﷺ ممَّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحادًا، فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله عليه، وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى. ثم اعلم (١): أن اللعنة ترتدُّ على اللاعن إن لم يكنْ الملعون أهلًا لذلك، ولعن المؤمن كقتله في الإثم، وربَّما يلعن شيئًا من ماله، فتنزع منه البركة، فلا يلعن شيئًا من خلق الله تعالى، لا للجماد ولا للحيوان، ولا للإنسان، قال ﷺ : "إذا قال العبد لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه" فالأولى أن يترك، ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح، إذ فيه ثوابٌ، ولا ثواب في اللعن، وإن كان يستحقُّ اللعن.

стр. 762

قال أبو حيان (١): وظاهر قوله: ﴿مَا عَرَفُوا﴾ أنّه الكتاب؛ لأنّه أتى بلفظ ما، ويحتمل أنّه يراد به النبيُّ ﷺ فإنَّ ﴿مَا﴾ قد يعبَّر بها عن صفات من يعقل، ويجوز أن يكون المعنى: ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته، وشريعته، وكتابه، وما تضمنه، وقوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لمَّا كان الكتاب جائيًا من عند الله إليهم فكذَّبوه، وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانةً بالمُرْسَلِ، والمُرْسَل به، قابلهم الله تعالى بالاستهانة والطَّرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة؛ لأنَّ من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقةً ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾، ثمّ إنّه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعليةً عليهم، كأنّه شيءٌ جاءهم من أعلاهم فجلَّلهم بها، ثُمَّ نبَّه على علّة اللَّعنة وسببها وهي الكفر، كما قال قبل: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ و ﴿مَا﴾ (٢) في قوله: ٩٠ - ﴿بِئْسَمَا﴾ نكرةٌ موصوفة منصوبةٌ على التمييز، مفسّرةٌ لفاعل بئس المحذوف وجوبًا، تقديره: بئس وقبح الشيء شيئًا ﴿اشْتَرَوْا﴾ صفة لما، واشترى بمعنى: باع وابتاع، والمراد هنا الأوَّل ﴿بِهِ﴾ عائد إلى ﴿مَا﴾؛ أي: بذلك الشيء ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ المرادُ (٣) بها الإيمان، وإنَّما وضع الأنفسَ موضع الإيمان؛ إيذانا بأنّها إنّما خُلقت للعلم، والعملِ به المُعبَّر عنه الإيمان، ولمّا بدّلوا الإيمان بالكفر كانوا كأنّهم بدَّلوا الأنفس به؛ أي: بئس الشيء شيئًا باعوا به أنفسهم؛ أي: إيمانَهم، والمخصوص بالذمِّ ما ذكره بقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ على محمد ﷺ ؛ أي: بالكتاب المصدِّق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته؛ أي: والمخصوص بالذمّ كفرهم بالقرآن الذي أنزل الله سبحانه على محمد ﷺ ، المصدّق للتوارة التي معهم ﴿بَغْيًا﴾ علّة (٤) لأنْ يَكْفُروا أي: حسدًا وطلبًا لما ليس لهم، كما أنّ الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من

стр. 763

جاه، أو منزلةٍ، أو خصلة حميدة، والباغي: هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسده، والمعنى: بئس الشيء شيئًا باعوه به إيمانَهم كُفْرُهم المعلَّلُ بالبغي الكائن لأجل ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ أي حسدًا على أن ينزّل، فإنَّ الحسد يستعمل بعلى؛ أي: حسدًا على أن ينزّل الله وحْيًا وكتابًا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، ويختاره، ويصطفيه ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ وخلقه المستأهلين لتحمُّل أعباء الرسالة. وهو محمدٌ ﷺ ، وطلبًا لما أُنزل عليه لأنفسهم، وذلك أنَّ كفر اليهود لم يكن من شكٍّ واشتباهٍ، وإنما كان حسدًا حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل، وذلك أنَّ اليهود كانوا يعتقدون نبيَّ آخر الزمان، ويتمنَّون خروجه، وهم يظنُّون أنَّه من ولد إسحاق، فلمَّا ظهر أنّه من ولد إسماعيل حسدوه، وكرهوا أن يخرج الأمر من بني إسرائيل، فيكون لغيرهم من العرب، وعِزُّ النبوّة من يعقوب إلى عيسى ﵉، كان في إسحاق فختم في عيسى، ولم يكن من ولد إسماعيل نبيٌّ غير نبينا محمد ﷺ ، فختمت النبوَّة على غيرهم، وعدموا العزّة، والشرف، والفضل، فحسدوا لذلك. وقرأ أبو عمرو (١)، وابن كثير: جميع المضارع مخفَّفًا من أنزل، إلّا ما وقع الإجماع على تشديده وهو في الحِجْرِ ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ إلّا أن أبا عمرو شدَّد ﴿على أن ننزل﴾ آيةٌ في الأنعام، وابن كثير شدد، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ و ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ وشدَّد الباقون المضارع حيثما وقع إلّا حمزة، والكسائي فخفَّفا ﴿وينزل الغيث﴾ في آخر لقمان ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في الشورى والهمزة والتشديد كُلٌّ منهما للتعدية. ﴿فَبَاءُوا﴾ أي: رجعوا وانصرفوا من الله ملتبسين ﴿بِغَضَبٍ﴾ كائنٍ ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: احتملوا بلعنةٍ من الله بسبب كفرهم بمحمد ﷺ ، وبالقرآن مع غضبٍ استحقُّوه، أوَّلًا بتضييع التوراة وبتبديله، وبالكفر بعيسى؛ أي: استحقُّوا غضبًا لاحقًا مع غضبٍ سابقٍ لهم، فاستحقُّوا لعنةً بعد لعنةٍ لأمور صدرت منهم،

стр. 764

فصاروا مستحقين غضبًا مترادفًا، ولعنةً إثر لعنةٍ لعله: بما اقترفوا من كُفْر على كُفْر، فإنّهم كفروا بنبي الحق، وبغوا عليه. وقال ابن عباس ﵄: (الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها، والثاني بكفرهم بمحمد ﷺ . وقيل: الأوّل بعبادتهم العجل، والثاني: بكفرهم بمحمد ﷺ . وقيل: الأوّل بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بمحمد ﷺ ، والقرآن ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ولهم، والإظهار (١) في مقام الإضمار؛ للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: ذو إهانة وإذلالٍ؛ أَيْ: وللجاحدين بنبوَّة محمد ﷺ من الناس كُلِّهم ﴿عَذَابٌ﴾ شديدٌ ﴿مُهِينٌ﴾؛ أي: مُذِلٌّ لهم؛ أي: ذو إهانة وإذلال لهم، ولا يوصف بذلك إلّا عذاب الكافرين؛ لأن كفرهم سببه التكبُّر والحسد، فقوبلوا بالإهانة والصغار، وأمّا ما يقع للعصاة في الدنيا من المصائب، وفي الآخرة من دخول النار، فهو تطهيرٌ لهم. ودلَّت الآية على أنَّ عذاب المؤمنين تأديبٌ وتطهيرٌ، وعذاب الكافرين إهانةٌ وإذلالٌ، وأنّ المراتب الدُّنيويَّة والأخرويَّة كُلَّها من فيض الله وفضله، فليس لأحدٍ أن يعترض عليه، ويحسده على الألطاف الإلهيَّة، فإنَّ الكمالات، مثل: النبوّة والولاية، ليست من الأمور الاكتسابيَّة التي يصل إليها العبد بجهد كثير، وكمال اهتمامٍ. والمعنى: أي (٢) ولهم بسبب كفرهم عذابٌ يصحبه إهانةٌ وإذلالٌ في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فيما يصيبهم من الخزي، والنكال، وسوء الحال، ليكونوا عبرة لمن يخلفهم من بعدهم، وأمّا في الآخرة فبخلودهم في جهنَّم وبئس المصير. ثمَّ ذكر ما يكون منهم لدى الحوار مع رسول الله ﷺ ، فقال: ٩١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: وإذا قال المسلمون لليهود الموجودين في عصر النبي ﷺ في المدينة وما حولها، ومعنى اللام: الإنهاء، والتبليغ. وإسناد ﴿قِيلَ﴾ إلى ﴿آمِنُوا﴾ إسنادٌ له إلى لفظه، كأنّه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول، كقولك: أُلِّف (ضَرَبَ) من

стр. 765

ثلاثة أحرف ﴿آمِنُوا﴾ وصدِّقوا ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: بالقرآن الذي أنزل الله على محمد ﷺ ، أو بكُلِّ ما أنزل الله من الكتب الإلهيّة جميعًا ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت اليهود في جواب هذا القيل: ﴿نُؤْمِنُ﴾؛ أي: نستمر على الإيمان ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنون به التوارة، وما أنزل على أنبياء بني إسرائيل لتقرير حكمها، ويدسُّون فيه، أنَّ ما عدا ذلك غير منزل عليهم، وأسندوا الإنزال على أنفسهم؛ لأنّ المنزَّل على نبيٍّ، منزلٌ على أُمّته معنًى؛ لأنّه يلزمهم؛ أي: نؤمن ونصدِّق بما أنزل على أنبيائنا من التوراة، وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شريعة موسى ﵇؛ أي: يكفينا الإيمان به دون غيره ﴿و﴾ هم ﴿يكفرون بما وراءه﴾؛ أي: سوى ما أنزل عليهم؛ أي: بما بعد ما أنزل عليهم من الإنجيل والقرآن ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أنَّ ما وراء التوراة؛ أي: أنّ ما أنزل عليهم من القرآن ﴿الحق﴾ أي: الصدق الثابت من الله تعالى؛ أي: المعروف بالحقيقةِ، الحَقِيقُ بأن يُخَصَّ به اسمُ الحق على الإطلاق حال كونه ﴿مُصَدِّقًا﴾ وموافقًا في التوحيد ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة غير مخالف له حالٌ مؤكّدةٌ من الحق، والعامل فيها ما في الحق من معنى الفعل، وصاحب الحال ضميرٌ دَلَّ عليه الكلام: أي: أُحِقُّه مصدّقًا؟ أي: حال كونه موافقًا لما معهم، وفيه ردٌّ لمقالتهم؛ لأنّهم إذا كفروا بما يوافق التوراة، فقد كفروا بها فلا يصحّ دعواهم الإيمان بالتوراة. ثمَّ اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادِّعَائهم الإيمانَ بالتوراة (١)، والتوراة لا تسوِّغ قتل نبي بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! تبكيتًا لهم من جهة الله تعالى، ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم؛ أي: إلزامًا وبيانًا لكفرهم بالتوراة التي ادَّعوا الإيمان بها، إذا كان إيمانكم بالتوراة صحيحًا ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ أي فلم قتلتم أنبياء الله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل نزول القرآن، كزكريَّا ويحيى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة حقًّا، فإنَّ في التوراة تحريمَ القتل بغير حقّ، فأيُّ كتاب جوَّز لكم قتلهم؟ والمعنى: أنّهم لو آمنوا بالتوراة لما قتلوا الأنبياء، فآلَ أمْرُهُم إلى كفرهم بجميع ما أنزل الله تعالى، لا بالبعض فقط كما ادَّعوه.

стр. 766

قوله: ﴿فَلِمَ﴾ أصله: (لما) لامه للتعليل، دخلت على ما الاستفهامية، وسقطت الألف؛ فرقًا بين الاستفهامية والخبريّة. وصيغة الاستقبال في قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ لحكاية الحال الماضية، وهو جواب شرط محذوف، تقديره: قُلْ لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون، فلأيِّ شيءٍ تقتلون أنبياء الله من قبل وهو فيها حرام؟. فإن قلت: الخطاب (١) مع الموجودين في زمن النبي ﷺ ، فلم خوطبوا بالقتل مع أنَّ قتل الأنبياء ليس واقعًا منهم، بل من أسلافهم؟. قلتُ: خوطبوا بذلك؛ لأنّهم رضوا بفعل أسلافهم، والرضا بالكفر كفرٌ؛ أو لأنّهم أصرُّوا على قتل محمدٍ ﷺ ، وقد تسبَّبُوا في ذلك مرارًا، كما مرّ. وعبارة "الروح": وأسند فعل الآباء وهو القتل إلى الأبناء؛ للملابسة بين الآباء والأبناء. اهـ. قال أبو الليث: وفي الآية دليل على أنّ من رضي بالمعصية، فكأنَّه فاعلٌ لها؛ لأنّ اليهود راضون بقتل آبائهم، فسمَّاهم الله تعالى قاتلين، حيث قال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الآية. وقرأ نافع وحده ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ مهموزًا في جميع القرآن، ووقف (٢) البزّيُّ (فَلِمَهْ) بالهاء، ووقف غيره بغير هاء، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار، أو لانقطاع النفس. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط جوابه محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم، وهو تكريرٌ للاعتراض؛ لتأكيد الإلزام، وتشديد التهديد. وقيل: ﴿إن﴾ نافية؛ أي: ما كنتم مؤمنين؛ لأنَّ من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمنًا، فأخبر تعالى: أنَّ الإيمان لا يجامع مع قتل الأنبياء؛ أي ما اتَّصف بالإيمان مَنْ هذه صفته. قيل: والأظهر أنَّ ﴿إن﴾ شرطية، والجواب محذوف كما مرَّ آنفًا. ٩٢ - ثمّ ذكر سبحانه: أنّهم كفروا بالله مع وضوح الآيات في زمن موسى عليه

стр. 767

السلام، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى﴾ وهذا من (١) تمام التبكيت والتوبيخ، داخلٌ تحت الأمر بالقول، واللام موطِّئةٌ للقسم؛ أي: وعزّتي وجلالي: لقد جاءكم وأتاكم موسى بن عمران ﵇، حالة كونه ملتبسًا ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة الظاهرة الدالّة على صدقه، وصحّة نبوّته؛ يعني: الآيات التسع التي أوتيها موسى ﵇، المذكورةَ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وهي العصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والدم، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، وفلق البحر ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا وعبدتموه ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد مجيئه بها، أو من بعد ذهاب موسى إلى جبل الطور لأخذ التوراة، و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة، والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا، وجملة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسكم بعبادته، حال من فاعل ﴿اتخذْتُمُ﴾؛ أي: عبدتم العجل، والحال أنّكم واضعون العبادة في غير موضعها، أو حال كونكم ظالمين أنفسكم بعبادته، وهذه الآية توبيخ لليهود على كفرهم، وعبادتهم العجل بعدما رأوا آيات موسى، وبيان أنّهم كفروا بمحمد ﷺ ، فليس بأعجب من كفرهم في زمن موسى؛ لقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب قدرة الله تعالى التي أجراها على يد موسى ﵇، ومع ذلك عبدوا العجل وكرّرت هذه الجملة - أعني: جملة اتخاذ العجل - لدعواهم أنّهم يؤمنون بما أنزل عليهم وهم كاذبون في ذلك، ألا ترى أنّ اتخاذ العجل ليس في التوراة؛ بل فيها أن يفرد الله سبحانه بالعبادة؛ أو لأنّ عبادة غير الله أكبر المعاصي، فكرّر عبادة العجل؛ تنبيهًا على عظيم جرمهم؛ ولأنّ ذكر ذلك أعقبه تعداد النعم بقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ و ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ وهنا أعقبه التقريع والتوبيخ، ولأنّ في قصّة الطور ذكر توليهم عما أمروا به من قبول التوراة، وعدم رضاهم أحكامها اختيارًا حتى أُلْجِئُوا إلى القبول اضطرارًا، فدعواهم الإيمان بما أنزل إليهم غير مقبولة، ثمّ في قصّة الطور تذييلٌ لم يتقدّم ذكره، والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء، أو تعظيمه كرَّرته، وفي هذا - التكرار أيضًا من الفائدة: تذكارهم

стр. 768

بتعداد نعم الله عليهم، ونقمه منهم؛ ليزدجر الأخلاف بما حلّ بالأسلاف. اهـ. من "البحر". الإعراب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجرّ بإضافة ﴿إذ﴾ إليها، والظرف في محل النصب معطوف على الظروف السابقة المعطوفة على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! وقت أخذنا ميثاقكم ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جملة مفسّرة للميثاق لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وإذ أخذنا ميثاقكم وقلنا: لا تسفكون دماءَكم ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتخرجون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجرّ معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أنتم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَشْهَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من تاء ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾، تقديره: حالة كونكم شاهدين على آبائكم قبول ذلك الميثاق. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها حرف تنبيه ﴿أولاء﴾ اسم إشارة للجمع المطلق في محل النصب منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء للتخفيف، مبني بضمّ مقدّر على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، وجملة النداء جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المبتدأ والخبر ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به

стр. 769

ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: ثمّ أنتم يا هؤلاء! قاتلون أنفسكم، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾ الواو عاطفة ﴿تُخْرِجون فريقًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لفريقًا ﴿مِنْ دِيارهم﴾ جار ومجرور متعلّق بتخرجون، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾. ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ فعل مضارع وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿تخرجون﴾؛ أي: تخرجونهم من ديارهم حالة كونكم مُتعَاوِنيْن ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلِّقٌ بتظاهرون ﴿بِالْإِثْمِ﴾ هو جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ والباء للملابسة ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ معطوف على الإثم، والتقدير: تظاهرون عليهم حالة كونكم ملتبسين بالإثم والعدوان ﴿وَإِنْ﴾ الواو استئنافية، أو اعتراضية إِنْ حرف شرط وجزم ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل ومفعول به مجزوم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون ﴿أُسَارَى﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: حالة كونهم مأسورين لحلفائكم ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ فعل مضارع وفاعل ومفعول به مجزوم بإن الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف النون، وجملة إن الشرطية مستأنفة، أو معترضة؛ لاعتراضِها بين المعطوف وهو قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ ...﴾ الخ، والمعطوف عليه وهو جملة ﴿تَظَاهَرُونَ﴾. أو في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية ﴿هو﴾ ضمير الشأن في محل الرفع مبتدأ، ويسمّى ضمير القصّة، ولا يرجع إلّا على ما بعده، إذ لا يجوز للجملة المفسِّرة له أن تقدَّم هي، ولا شيءٌ منها عليه، وفائدته: الدلالة على تعظيم المخبَر عنه وتفخيمه، وهذا هو الظاهر من الوجوه المنقول فيه، فيكون في محل رفع بالابتداء، قال في "المغني": خالف القياس في خمسة أوجه: أحدها: عوده على ما بعده لزومًا، إذ لا يجوز للجملة المفسِّرة له أن تتقدَّم عليه، ولا شيءٌ منه. الثاني: أنَّ مفسِّره لا يكون إلّا جملةً.

стр. 770

الثالث: أن لا يتبع بتابع فلا يؤكَّد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه. الرابع: أنّه لا يعمل فيه إلّا الابتداء، أو ناسخٌ. الخامس: أنّه ملازم للإفراد، ومن أمثلته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. اهـ. "كرخي". ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبر مقدّم، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بمحرّم. ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبرٌ لضمير الشأن، ولم يحتج هنا إلى عائدٍ على المبتدأ؛ لأنَّ الخبر نفس المبتدأ وعينه. اهـ. "كرخي"، والجملة الاسمية من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ على كونها حالًا من فاعل ﴿تخرجون﴾، تقديره: وحالة كونكم محرّمًا عليكم إخراجهم، ولكنّها حالةٌ سببيّةٌ، أو من مفعوله، أو منهما، وما بينهما اعتراض. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، تقديره: أتفعلون ذلك، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف ﴿تؤمنون﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة ﴿بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتؤمنون ﴿وَتَكْفُرُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تؤمنون﴾ ﴿بِبَعْضٍ﴾ متعلق بتكفرون ﴿فَمَا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، تقديره: إذا عرفتم قبح صنيعكم، وأردتم بيان جزاء من يفعل ذلك، فأقول لكم: ما جزاء ﴿مَا﴾ نافيةٌ مهملةٌ؛ لانتقاض نفيها بإلَّا ﴿جَزَاءُ﴾ مبتدأ، وهو مضاف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الجرّ مضاف إليه ﴿يَفْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مفعول به، والجملة صلةُ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ حالٍ من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾، تقديره: حالة كونه كائنًا منكم ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿خِزْيٌ﴾ خبر

стр. 771

المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ جار ومجرور متعلق بخزيٌ، أو بمحذوفٍ صفةٍ لخزي ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو عاطفة ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ ظرفٌ ومضاف إليه متعلِّق بيردُّون ﴿يُرَدُّونَ﴾ فعل مغيّر الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ عطف فعليّة على إسميّة ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بيردّون، ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ الواو عاطفة مَا نافية حجازيّة ولفظ الجلالة اسمها مرفوع ﴿بِغَافِلٍ﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدّرة والباء زائدة، وجملة مَا الحجازيّة من اسمها وخبرها في محلِّ النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾. ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بغافل مَا موصولة، أو موصوفة، أو مصدريّة في محل الجرّ بعن، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة للموصولة، أو صفة للموصوفة، أو صلةٌ لما المصدريَّة؛ أي: عن عملكم، وعائد الموصولة محذوف، تقديره: عمّا تعملونه. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿اشْتَرَوُا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل ﴿الْحَيَاةَ﴾ مفعول به ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلّق باشتروا ﴿فَلَا﴾ الفاء حرف عطف وتفريغ، ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُخَفَّفُ﴾ فعل مضارع مغيَّر الصيغة ﴿عَنْهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذَابُ﴾ نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اشْتَرَوُا﴾ على كونها صلة الموصول ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ خبره، تقديره: ولا هم منصورون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ عطف إسميةٍ على فعليّة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا

стр. 772

كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية ﴿لقد﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿آتَيْنَا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى، أعطينا يتعدَّى لمفعولين ﴿مُوسَى﴾ مفعول أوّل ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلٌ لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ الواو عاطفة قفينا فعل وفاعل معطوفٌ على آتينا وهو بمعنى جئنا يتعدّى إلى المفعول بواسطة حرف الجر ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقفَّيْنا، أو متعلقٌ بمحذوفٍ حال من الرُّسل ﴿بِالرُّسُلِ﴾ جار ومجرور متعلِّق بقفينا أيضًا ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل معطوف على ﴿قفينا﴾. ﴿ابْنَ﴾ هو بدل أو صفة لعيسى ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة للعَلَميَّة والعجمية، أو التأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ مفعول ثان منصوب بالكسرة ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آتينا﴾. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأيدناه ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة لجواب كلّما على ذلك المحذوف؛ لأنّ حقَّ الهمزة والفاء أن يدخلا على الجواب؛ لأنّه المستفهم عنه، والموبَّخ عليه، والمعيَّر به، والتقدير: أدمتم على التكذيب يا معشر اليهود! واستكبرتم عن الإيمان كلّما ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾. ﴿كلّما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبنيٌّ على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلِّق بالجواب ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ فعل ومفعول به وفاعل، و ﴿جاء﴾ هنا بمعنى: أتى يتعدَّى إلى المفعول بلا واسطة حرف جرٍّ، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿كلّما﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بجاءكم ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَهْوَى﴾ فعل مضارع ﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ فاعل، والجملة صِلةٌ لما الموصولة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، تقديره: بما لا تهواه أنفسكم ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كلّما﴾ من فعل شرطها وجوابها، جملةٌ إنشائيّة لا محل لها من الإعراب ﴿فَفَرِيقًا﴾ الفاء عاطفة ﴿فَرِيقًا﴾ مفعول به مقدَّم لكذبتم؛ قُدِّم للاهتمام به ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾

стр. 773

على كونها جوابًا لكلّما ﴿وَفَرِيقًا﴾ الواو عاطفة ﴿فريقا﴾ مفعول مقدّم لتقتلون؛ لرعاية الفواصل ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هو فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَذَّبْتُمْ﴾. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو استئنافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وعطف، للإضراب الإبطالي ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ماض ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر وجوبًا ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ مُتعلِّق بلعنهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَقَلِيلًا﴾ الفاء استئنافية، أو عاطفة ﴿قليلًا﴾ منصوب على المصدرية بيؤمنون، قدّم عليه؛ لرعاية الفاصلة؛ لأنّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يؤمنون إيمانًا قليلًا، أو منصوب على الظرفية بيؤمنون أيضًا؛ لأنّه صفة لزمان محذوف، تقديره: أي يؤمنون زمانًا قليلًا، أو على الحالية من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: حال كونهم جمعًا قليلًا و ﴿مَا﴾ زائدة؛ زيدت لتأكيد القلّة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ الواو استئنافية ﴿لمَّا﴾ حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ومفعول به ﴿كِتَابٌ﴾ فاعل، والجملة فعل شرطٍ للمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة أولى لكتاب، تقديره: منزَّلٌ من عند الله ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة ثانية لكتاب، وفي قراءة: بالنصب على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ كما مرّ ﴿لِمَا﴾ اللام حرف جرٍ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجرّ باللام متعلِّق بمصدق ﴿مَعَهُمْ﴾ (مع) منصوب على الظرفية، والهاء ضمير الغائبين في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوفٍ صلة ﴿لِمَا﴾ الموصولة، وجواب ﴿لِمَا﴾ محذوف؛ لعلمه من جواب ﴿لمَّا﴾ الآتية، تقديره: كذّبوه وأنكروه، وجملة ﴿لِمَا﴾ مع جوابها المحذوف مستأنفة ﴿وَكَانُوا﴾ الواو حالية ﴿كانوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿مِن﴾ حرف جر ﴿قَبْلُ﴾ ظرف زمان في محل الجر بمن، مبني على الضمّ؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا؛ لافتقاره إلى المضاف إليه

стр. 774

المحذوف لنية معناه، والجار والمجرور متعلق بيستفتحون، أو بكانوا ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان في محل النصب حال من فاعل الجواب المحذوف ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بيستفتحون، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الفاء عاطفة بمعنى الواو ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم جَاءَهُم فعل ومفعول به ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿عَرَفُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما عرفوه، وجملة ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل شرط لِلَمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل جواب ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بكفروا، وجملة ﴿لَمَّا﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفةٌ على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾ الفاء استئنافيّة، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت صنعهم القبيح، وأردت بيان ما يستحقون به، فأقول لك: لعنة الله على الكافرين ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾. ﴿بِئْسَمَا﴾ ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذمّ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: يعود على شيء ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿اشْتَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق باشتروا، والجملة صفة لما، والرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لما، ولكنّها سببية، والتقدير: بئْسَ الشيء شيئًا مشترًى به أنفسهم ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَكْفُرُوا﴾ فعل مضارع منصوب بأن، والواو فاعل ﴿بِمَا﴾ جار - ومجرور متعلق بيكفروا ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد محذوف، تقديره: بما أنزل الله به، وجملة ﴿يَكْفُرُوا﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، على كونه

стр. 775

مخصوصًا بالذمّ لبئس، وجملة ﴿بئس﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبرٌ عنه، والتقدير: كفرهم بما أنزل الله به، بئس شيئًا باعوا به أنفسهم، والجملة من المبتدأ والخبر جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، أو مرفوعٌ على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: والمخصوص بالذمّ كفرهم بما أنزل الله، كما قال: ابن مالك في "خلاصته": ويُعْرَبُ المَخْصُوص بَعْدَ مُبْتَدَا ... أوْ خَبَر اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أبدَا ﴿بَغْيًا﴾ مفعول لأجله منصوب بيكفروا ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: بغيًا وحسدًا على إنزال الله من فضله على من يشاء، والجار المحذوف متعلِّقٌ ببغيًا؛ لأنّه بمعنى حسدًا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف معمول لـ ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾، تقديره: أن ينزّل الله وحْيًا كائنًا من فضله وإحسانه ﴿عَلَى مَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بينزّل ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والجملة صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: على من يشاؤهُ ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿فَبَاءُوا﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، تقديره: إذا عرفت بغيهم الشنيع، وحسدهم الفظيع، وأردت بيان جزائهم، فأقول لك: باءوا بغضبٍ ﴿باءوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلِّق بباءوا، أو حال من فاعل ﴿باءوا﴾؛ أي: حال كونهم ملتبسين بغضب ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ صفة لغضب ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الواو استئنافية ﴿للكافرين﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿مُهِينٌ﴾ صفة العذاب، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.
следующие страницы →