← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ جار ومجرور متعلق بخزيٌ، أو بمحذوفٍ صفةٍ لخزي ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو عاطفة ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ ظرفٌ ومضاف إليه متعلِّق بيردُّون ﴿يُرَدُّونَ﴾ فعل مغيّر الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ عطف فعليّة على إسميّة ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بيردّون، ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ الواو عاطفة مَا نافية حجازيّة ولفظ الجلالة اسمها مرفوع ﴿بِغَافِلٍ﴾ خبرها منصوب بفتحة مقدّرة والباء زائدة، وجملة مَا الحجازيّة من اسمها وخبرها في محلِّ النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾. ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بغافل مَا موصولة، أو موصوفة، أو مصدريّة في محل الجرّ بعن، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة للموصولة، أو صفة للموصوفة، أو صلةٌ لما المصدريَّة؛ أي: عن عملكم، وعائد الموصولة محذوف، تقديره: عمّا تعملونه. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿اشْتَرَوُا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل ﴿الْحَيَاةَ﴾ مفعول به ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلّق باشتروا ﴿فَلَا﴾ الفاء حرف عطف وتفريغ، ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُخَفَّفُ﴾ فعل مضارع مغيَّر الصيغة ﴿عَنْهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذَابُ﴾ نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اشْتَرَوُا﴾ على كونها صلة الموصول ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ خبره، تقديره: ولا هم منصورون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ عطف إسميةٍ على فعليّة. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا

стр. 772

كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية ﴿لقد﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿آتَيْنَا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى، أعطينا يتعدَّى لمفعولين ﴿مُوسَى﴾ مفعول أوّل ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلٌ لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ الواو عاطفة قفينا فعل وفاعل معطوفٌ على آتينا وهو بمعنى جئنا يتعدّى إلى المفعول بواسطة حرف الجر ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقفَّيْنا، أو متعلقٌ بمحذوفٍ حال من الرُّسل ﴿بِالرُّسُلِ﴾ جار ومجرور متعلِّق بقفينا أيضًا ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل معطوف على ﴿قفينا﴾. ﴿ابْنَ﴾ هو بدل أو صفة لعيسى ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة للعَلَميَّة والعجمية، أو التأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ مفعول ثان منصوب بالكسرة ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آتينا﴾. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأيدناه ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة لجواب كلّما على ذلك المحذوف؛ لأنّ حقَّ الهمزة والفاء أن يدخلا على الجواب؛ لأنّه المستفهم عنه، والموبَّخ عليه، والمعيَّر به، والتقدير: أدمتم على التكذيب يا معشر اليهود! واستكبرتم عن الإيمان كلّما ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾. ﴿كلّما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبنيٌّ على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلِّق بالجواب ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ فعل ومفعول به وفاعل، و ﴿جاء﴾ هنا بمعنى: أتى يتعدَّى إلى المفعول بلا واسطة حرف جرٍّ، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿كلّما﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بجاءكم ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَهْوَى﴾ فعل مضارع ﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ فاعل، والجملة صِلةٌ لما الموصولة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، تقديره: بما لا تهواه أنفسكم ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كلّما﴾ من فعل شرطها وجوابها، جملةٌ إنشائيّة لا محل لها من الإعراب ﴿فَفَرِيقًا﴾ الفاء عاطفة ﴿فَرِيقًا﴾ مفعول به مقدَّم لكذبتم؛ قُدِّم للاهتمام به ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾

стр. 773

على كونها جوابًا لكلّما ﴿وَفَرِيقًا﴾ الواو عاطفة ﴿فريقا﴾ مفعول مقدّم لتقتلون؛ لرعاية الفواصل ﴿تَقْتُلُونَ﴾ هو فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَذَّبْتُمْ﴾. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو استئنافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وعطف، للإضراب الإبطالي ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ماض ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر وجوبًا ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ مُتعلِّق بلعنهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَقَلِيلًا﴾ الفاء استئنافية، أو عاطفة ﴿قليلًا﴾ منصوب على المصدرية بيؤمنون، قدّم عليه؛ لرعاية الفاصلة؛ لأنّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يؤمنون إيمانًا قليلًا، أو منصوب على الظرفية بيؤمنون أيضًا؛ لأنّه صفة لزمان محذوف، تقديره: أي يؤمنون زمانًا قليلًا، أو على الحالية من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: حال كونهم جمعًا قليلًا و ﴿مَا﴾ زائدة؛ زيدت لتأكيد القلّة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ الواو استئنافية ﴿لمَّا﴾ حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ومفعول به ﴿كِتَابٌ﴾ فاعل، والجملة فعل شرطٍ للمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة أولى لكتاب، تقديره: منزَّلٌ من عند الله ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة ثانية لكتاب، وفي قراءة: بالنصب على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ كما مرّ ﴿لِمَا﴾ اللام حرف جرٍ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجرّ باللام متعلِّق بمصدق ﴿مَعَهُمْ﴾ (مع) منصوب على الظرفية، والهاء ضمير الغائبين في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوفٍ صلة ﴿لِمَا﴾ الموصولة، وجواب ﴿لِمَا﴾ محذوف؛ لعلمه من جواب ﴿لمَّا﴾ الآتية، تقديره: كذّبوه وأنكروه، وجملة ﴿لِمَا﴾ مع جوابها المحذوف مستأنفة ﴿وَكَانُوا﴾ الواو حالية ﴿كانوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿مِن﴾ حرف جر ﴿قَبْلُ﴾ ظرف زمان في محل الجر بمن، مبني على الضمّ؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا؛ لافتقاره إلى المضاف إليه

стр. 774

المحذوف لنية معناه، والجار والمجرور متعلق بيستفتحون، أو بكانوا ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان في محل النصب حال من فاعل الجواب المحذوف ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بيستفتحون، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الفاء عاطفة بمعنى الواو ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم جَاءَهُم فعل ومفعول به ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿عَرَفُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما عرفوه، وجملة ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل شرط لِلَمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل جواب ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بكفروا، وجملة ﴿لَمَّا﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفةٌ على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾ الفاء استئنافيّة، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت صنعهم القبيح، وأردت بيان ما يستحقون به، فأقول لك: لعنة الله على الكافرين ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾. ﴿بِئْسَمَا﴾ ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذمّ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: يعود على شيء ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿اشْتَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق باشتروا، والجملة صفة لما، والرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لما، ولكنّها سببية، والتقدير: بئْسَ الشيء شيئًا مشترًى به أنفسهم ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَكْفُرُوا﴾ فعل مضارع منصوب بأن، والواو فاعل ﴿بِمَا﴾ جار - ومجرور متعلق بيكفروا ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد محذوف، تقديره: بما أنزل الله به، وجملة ﴿يَكْفُرُوا﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، على كونه

стр. 775

مخصوصًا بالذمّ لبئس، وجملة ﴿بئس﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبرٌ عنه، والتقدير: كفرهم بما أنزل الله به، بئس شيئًا باعوا به أنفسهم، والجملة من المبتدأ والخبر جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، أو مرفوعٌ على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: والمخصوص بالذمّ كفرهم بما أنزل الله، كما قال: ابن مالك في "خلاصته": ويُعْرَبُ المَخْصُوص بَعْدَ مُبْتَدَا ... أوْ خَبَر اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أبدَا ﴿بَغْيًا﴾ مفعول لأجله منصوب بيكفروا ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المصدرية، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: بغيًا وحسدًا على إنزال الله من فضله على من يشاء، والجار المحذوف متعلِّقٌ ببغيًا؛ لأنّه بمعنى حسدًا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف معمول لـ ﴿يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾، تقديره: أن ينزّل الله وحْيًا كائنًا من فضله وإحسانه ﴿عَلَى مَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بينزّل ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والجملة صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: على من يشاؤهُ ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿فَبَاءُوا﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، تقديره: إذا عرفت بغيهم الشنيع، وحسدهم الفظيع، وأردت بيان جزائهم، فأقول لك: باءوا بغضبٍ ﴿باءوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلِّق بباءوا، أو حال من فاعل ﴿باءوا﴾؛ أي: حال كونهم ملتبسين بغضب ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ صفة لغضب ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الواو استئنافية ﴿للكافرين﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿مُهِينٌ﴾ صفة العذاب، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.

стр. 776

﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ الواو استئنافية ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بقيل ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نائب فاعل محكي لقيل مرفوع بضمّة مقدّرة على لفظ الجلالة الممنوعة بحركة الحكاية، والجملة من الفعل المُغيَّر ونائب فاعله، في محل الجر بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، وإن شئت قلت: ﴿آمِنُوا﴾ فعل أمر وفاعله، والجملة في محل الرفع نائب فاعل ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بآمنوا ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ (ما﴾، والعائد محذوف، تقديره: بما أنزله الله ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿نُؤْمِنُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على اليهود، تقديره: نحن، والجملة في محل النصب مقول لقالوا ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بنؤمن ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾ تقديره: هو، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنزَلَ﴾ ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ الواو حالية ﴿يكفرون﴾ فعل وفاعل. والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾ تقديره قالوا ذلك حال كونهم كافرين بما وراءه ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بيكفرون ﴿وَرَاءَهُ﴾ منصوب على الظرفيّة، والهاء مضاف إليه، والظرف متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿الْحَقُّ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حالٌ من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ والعامل فيها ﴿يكفرون﴾ تقديره: ويكفرون بما وراءه حالة كونه حقًّا ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال ثانية من ﴿مَا﴾ أيضًا مؤكّدة لمضمون الجملة؛ لأنّ تصديق القرآن لازم له، لا ينتقل عنه؛ لأنّ قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ قد تضمّن معناها، وصاحبها ضمير دلّ عليه الكلام، وعاملها فعل مضمر، تقديره: أحقّه مصدّقًا ﴿لِمَا﴾ جار ومجرور متعلّق بمصدّقًا ﴿مَعَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليهم متعلق بمحذوف صلة ﴿لِمَا﴾، أو صفة لها ﴿قُل﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَلِمَ﴾ الفاء رابطة لجواب شرط

стр. 777

مقدّر، تقديره إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله، اللام حرف جرّ ﴿مَا﴾ اسم استفهام للاستفهام التوبيخي في محل الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة؛ فرقًا بينها وبين الموصولة؛ لشبهها بالحرف شبهًا معنويًّا، وقد تحمل الاستفهامية على الخبريّة فتثبت ألفها، وقد تحمل الخبريّة على الاستفهامية فتحذف ألفها. انتهى. "سمين". الجار والمجرور متعلق بتقتلون ﴿تَقْتُلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بأن الشرطيّة على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية المحذوفة في محل النصب على كونها مقولًا لقل ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلق بتقتلون ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بإن الشرطية على كونها فعل شرط لها ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم مؤمنين، فلم فعلتم ذلك، وجملة ﴿إن﴾ هو الشرطية في محل النصب مقول لقل. وفي "الفتوحات الإلهية" قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في ﴿إن﴾ قولان: أحدهما: أنّها شرطيّة، وجوابها محذوف، تقديره: إن كنتم مؤمنين، فَلِم فعلتم ذلك، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين، فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابها وهو فلِمَ تقتلون، وحذف الجواب من الثانية، وبقي شرطه، فقد حُذف من كل واحدٌ ما أثبت في الأخرى، فيُسمَّى هذا احتباكًا، عند البديعيين، وقال ابن عطيّة: جوابها متقدّم وهو قوله: ﴿فَلِمَ﴾ وهذا إنّما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأبي زيد. والقول الثاني: أَنّ ﴿إِن﴾ نافية بمعنى (ما)، أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاة ما صدر منكم للإيمان. اهـ. "سمين". ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو عاطفة جملة القسم على جملة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ على كونها مقولًا لقل، أو استئنافية، واللام موطِّئة للقسم ﴿قَدْ﴾ حرف

стр. 778

تحقيق ﴿جَاءَكُمْ مُوسَى﴾ فعل ومفعول به وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ فهو داخل تحت الأمر السابق، والتقدير: وقيل لهم: لقد جاءكم موسى بالبينات، كما في "الجمل". ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف حال من موسى، تقديره: حالة كونه متلبسًا بالبينات ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ في الرتبة، والدلالة على نهاية قبح ما صنعوا ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ فعل وفاعل ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أوّل، والثاني محذوف، تقديره: إلهًا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قد جاءكم﴾ على كونها جواب القسم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باتخذتم ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَالِمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾، تقديره: ثمّ اتخذتم العجل من بعده حالة كونكم ظالمين؛ أي: واضعين العبادة في غير موضعها، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ السفك: الصبُّ والإراقة، وفي "المصباح"؛ سفكت الدمع والدمّ سَفْكًا من باب ضرب، وفي لغةٍ من باب قتل، أَرَقْتُه، والفاعل السَّافِكُ وسَفَّاكٌ مبالغةٌ. اهـ. وفي "السمين": وقرىء: ﴿لَا تَسْفُكُون﴾ بضم الفاء، وتُسْفِكُون من أسفك الرباعيِّ. اهـ. ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ جمع دم، والدم معروفٌ وهو محذوف اللام، وهي ياءٌ لقول الشاعر: لَقَدْ جَرَى الدَّمْيانِ بِالخَبرِ اليْقِينِ أو واوٌ لقولهم: (دَمَوان) ووزنه فَعْلٌ، وقيل: فَعَلٌ، وقد سمع مقصورًا، قال: غفلَتْ ثُمَّ أتَتْ تَطْلُبُهُ ... فَإذا هِيَ بعِظَامٍ وَدَمَا وقال: آخر

стр. 779

وَلَكِنْ عَلَى أعْقَابِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا في رواية من رواه كذلك، وقد سمع مشدَّد الميم، قال الشاعر: أَهَانَ دَمَّكَ فَرْغًا بَعْدَ عِزَّتِهِ ... يَا عَمْرُو نَعْيُكَ إصْرارًا عَلَى الحَسَدِ قال سيبويه: أصله: دَمْيٌ على وزن فَعْل بالتسكين؛ لأنّه يجمع على دماء نظير ظَبْي وظِبَاءٍ، ولو كان مثل قفا وعصا لما جمع هذا الجمع، وعلى هذا فلامه الذاهبة ياءٌ، وقال المبرّد: أَصْلُهُ: دَمَيٌ بوزن فَعَلٍ بالتحريك، وجاء جمعه مخالِفًا لنظائره، ويثنَّى: على دَمَيان، وقال الجوهري: في "صحاحه": الدم أصله: دَمَوٌ بالتحريك، وإنّما قالوا: دَمِيَ يَدْمَى؛ لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رضي يرضى وهو من الرضوان، وعلى كُلِّ حالٍ، فالهمزة في قوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ إمّا بدلٌ من واوٍ، كما هو رأيُ الجوهري ومن وافقه، أو بدلٌ من ياءٍ، كما هو رأي سيبويه، والمبرد، وصاحب "القاموس" ومن وافقهم، تطرَّف حرف العلة بعد ألف زائدةٍ، فقلبت همزةً ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ جمع دار، وأصل دار: دَوَرٌ، تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فلمّا أُعِل اللفظُ في المفرد حُمل عليه الجمعُ، فأُعِلَّ بإبدال الواو ياءً، إذ الأصل في الجمع أن يقال: دِوَارٌ، ولمَّا وقعت الواو بين كسرةٍ وألفٍ قلبت ياءً، كما سيأتي نظائره في المصادر، كالصيام، والقيام، وعبارة "السمين" هنا: وديار جمع دار والأصل: دِوار؛ لأنّها من دار يدور، وإنّما قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، واعتلالها في الواحد. اهـ. وقال أبو حيان: الديار: جمع دار وهو قياسٌ في فَعَلٍ الاسم إذا لم يكن مضاعفًا، ولا معتلَّ لامٍ، نحو: طَلَلٍ، وفتى، والياء في هذا الجمع منقلبةٌ عن واو، إذ أصله: دِوَارٌ وهو قياسٌ - أعني: هذا الإبدال - إذا كان جمعًا لواحدٍ معتل العين، كثوب، وحوض، ودار بشرط أن يكون فعالٌ صحيح اللام، فإن كان معتلَّه لم يبدل، نحو: رَاوٍ، وقالوا في جمع طويل: طِوالٌ، وطِيالٌ. اهـ. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أقرَّ الشي اعترف به، والإقرار: شهادة المرء على نفسه وهو مجازٌ عن القبول، والرضا بالشيء. ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ تتعاونون عليهم كأنَّ المتظاهرين يسند كُلُّ واحد منهم ظهره إلى صاحبه، والظهر المعين، قريء

стр. 780

بتخفيف الظَّاء على حذف إحدى التاءين، والأصل: تتظاهرون على حدِّ قول ابن مالك في "الخلاصة" في باب الإدغام: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِى قدْ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كَـ (تَبَيَّنُ) العِبَرْ الأصل: تتبيَّنُ العبر، ولم يكن هناك سبيلٌ إلى الإدغام لاستدعائه همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع، ومذهب سيبويه، والجمهور: أنَّ المحذوفة الأخيرة؛ لأنَّ الثقل وقع بها؛ ولعدم دلالتها على معنى المضارعة، ومذهب الكوفيين: أنَّ المحذوفة الأولى، ولا طائل تحت هذا الخلاف. وقرىء: ﴿تَظَّاهَرُون﴾ بالتشديد، ووُجِّه ذلك أنَّ التاء الثانية أبدلت ظاءً وأدغمت في الظاء، وكذلك ما سيأتي في سورة التحريم من قوله: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وصلة الفعل محذوفةٌ، والمعنى: تظاهرون بحلفائكم من العرب حال كونكم مُلْتَبسين بالإثم والعدوان. اهـ. شيخنا. والإثم في الأصل: الذَّنْبُ، وجمعه آثام، ويطلق على الفعل الذي يستحقُّ به صاحبه الذم واللَّوْم، وقيل: هو ما تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، فالإثم في الآية يحتمل أن يكون مرادًا به ما ذكرتُ من هذه المعاني، ويحتمل أن يتجوَّز به عمّا يوجب الإثم إقامة للسبب مقام المسبب، والعدوان: التجاوز في الظلم وهو مصدرٌ، كالغفران، والكفران، والمشهور: ضمُّ فائه، وفيه لغةٌ بالكسر. اهـ. "سمين". ﴿أُسَارَى﴾ وفي "المصباح": أنَّ كُلًّا من أسرى، وأُسارى جمع أسير، وفي "السمين": يحتمل أنَّ أُسارى جمع أسرى، وأسرى جمع أسير. اهـ. وفي "البحر": الأسرى: جمع أسير، وفعلى مقيسٌ في فعيلٍ بمعنى: مُمْسَكٍ، أو مُوجَعٍ، كقتيلٍ، وجريحٍ، وأمّا الأُسارى فقيل: جمع أسير، وسمع الأَسارى بفتح الهمزة، وليست بالعالية، وقيل أُسارى: جمع أسرى، فيكون جمع الجمع، قاله المفضَّلُ. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوِثاقِ، والأسير هو المأخوذ على سبيل القهر والغلبة ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؛ أي: تنقذوهم. من الأسر بالمال، وفي "المختار": فاداه، وفداه: أعطى فداءه من المال، أو الرجال، فأنقذه. اهـ. وفي "البحر" الفداء بالكسر فيُمدُّ، كما قال النابغة:

стр. 781

مَهْلًا فِدَاءً لَكَ الأقْوَامُ كُلُّهُم ... وَمَا أثْمَرُوا مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ ويقصر قال: فِدًا لله مِنْ رَبِّ طَرِيْفِي وَتالِدِي وإذا فُتح أوّلهُ قصر يقال قُمْ فَدًا لَكَ أَبِي قاله الجوهري، ومعنى: فَدَى فلانٌ فلانًا أي أعطى عوضه. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ المحرَّم: اسم مفعول من حرَّم، وهو راجع إلى معنى المنع، تقول: حرَّمه يحرِّمه إذا منعه ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ الجزاء: المقابلة، ويطلق في الخير والشرّ، والهمزة فيه مبدلة من ياء؛ لتطرّفها إثر ألفٍ زائدة، فالأصل: جزايُ ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ الخزي: الهوان، قال الجوهري: خَزِي بالكسر يخزَى خِزْيًا، وقال ابن السكيت: وقع في بليّةٍ، وأخزاه الله أيضًا، وخزِي الرجل في نفسه، يخزى خزايةً إذا استحيا وهو خزيانٌ، وقومٌ خَزَايا، وامرأةٌ خَزْيا، وفي "المصباح": خَزِي خِزْيًا من باب علم، إذا ذَلَّ وهان، وأخزاه الله أذلَّه وأهانه، وخَزِي خَزايةً بالفتح وهو الاستحياء، فهو خَزْيانٌ. اهـ. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ تقدَّم أن ألف الحياة منقلبةٌ عن واو ﴿الدُّنْيَا﴾ وصفٌ جاء على وزن فعلى هو من الدُّنُوِّ بمعنى: القرب، والمعروف أنَّ فُعلى إذا كانت وصْفًا، وكانت لامُها واوًا أُعِلَّت؛ أي: أبدلت ياءً، كما في الدنيا، أصلها: الدُّنْو، أبدلت الواو ياءً، وسلمت في الاسم فلم تُبْدَل، ولم يأت ذلك في القرآن، ولكن ورد في "لسان العرب"، قال ذُو الرُّمَّةِ: أَدَارٌ بِحُزْوَى هُجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرَةً ... فَمَاءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أوْ يَتَرَقْرَقُ فَتراهُ قال: حُزْوَى، ولم يَقُلْ حُزْيا؛ لأنّه اسمٌ لا وَصْفٌ، وعلى العَكْسِ من ذلك إذا كانَتْ وَصْفًا، أما عَدمُ إعلالِ قُصْوَى في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ فهو فصيحٌ في الاستعمال نادرٌ في القياس، وقد بَيَّن ابنُ مالك هذه الأحكام، فقال: مِنْ لاَمِ فَعْلَى اسْمًا أتَى الوَاوُ بَدَلْ ... يَاءٍ كَتَقْوَى غَالِبًا جَا ذَا البَدَلْ بِالعَكْسِ جَاءَ لاَمُ فُعْلَى وَصْفاَ ... وَكَوْنُ قُصْوَى نَادِرًا لا يَخْفَى

стр. 782

قال أبو حيان: والألف في الدنيا للتأنيث، ولا تحذف منها الألف واللام إلّا في شعرٍ: في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ سُدَّت والدنيا تارةً تستعمل صفةً، وتارة تستعمل استعمال الأسماء، فإذا استعملت صفةً، فالياء مُبْدَلة من واوٍ إذْ هي مشتقَّةٌ من الدُّنُوّ، وذلك نحو: العليا، ولذلك جَرَتْ صفةً على الحياة في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأمَّا القصوى والحلوى: فشاذٌّ، وإذا استعملت استعمال الأسماء فكذلك، وقال أبو بكر بن السرَّاج في "المقصور والممدود" له: الدُّنيا مؤنّثةُ الأدنى، مقصورةٌ تكتب بالألف، هذه لغة نجدٍ، وتميمٍ خاصَّةً، إلّا أنَّ أهل الحجاز، وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو، فيقولون: دُنْوَى، مثل: شُرْوَى، وكذلك يستعملون بكل فُعْلى موضع لامها واوًا يفتتحون أوَّلها، ويقلبون الواوَ ياءً؛ لأنّهم يستثقلون الضمّة والواو. انتهى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ القيامة فيه إعلال بالقلب، فالياء فيه منقلبة عن واو؛ لأنّه من قام يقوم، واويَّ العين، أعلَّت عين المصدر حملًا له على الفعل قام، فالأصل: القوامة، أبدلت الواو ياءً؛ لوقوعها إثر كسرةٍ وبعدها ألفٌ ﴿يُرَدُّونَ﴾ أصله: يردد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أصله: أشدد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أصله: اشتريوا من اشترى بوزن افتعل من الشراء، تحرَّكت الياء وانفتح ما قبلها، فَقُلِبَتْ ألفًا، فالتقى ساكنان الألف، وواو الجماعة، فحذفت الألف ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ آتينا أصله: أَأْتينا بوزن أَفْعلنا، أبدلت الهمزة الساكنة حرف مدّ للأولى ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يقال: قفوت الأثر اتَّبعته، والأصل: أن يجيء الإنسان تابعًا لقفا الذي اتَّبعه، ثُمَّ تُوسِّع فيه حتى صار لمطلق الاتباع، وإنْ بَعُد زمان المتبوع من زمان التابع، وقال أُميَّةُ: قَالَتْ لأخْتٍ لَهُ قُصِّيْهِ عَنْ جُنُبٍ ... وَكيَفْ تَقْفُو ولا سَهْلَ ولا جُدَدُ وفي "السمين": ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ التضعيف فيه للتعدية، إذ لو كان

стр. 783

كذلك لتعدَّى إلى اثنين؛ لأنّه قبل التضعيف يتعدَّى لواحدٍ، نحو: قفوت زيدًا، ولكنّه ضُمِّن بمعنى جئنا، كأنَّه قيل: وجئنا من بعده بالرسل، وأصله: قفَّونا، ولكن لمَّا وقعت الواو رابعةً قلبت ياء، واشتقاقه من قفوته إذا اتبعت قفاه، ثُمَّ اتسع فيه، فأُطلق على كُلِّ تابع وإن بعد التابع من زمان المتبوع، كما مرّ آنفًا، والقفا: مؤخّر العنق، ويقال له: القافية أيضًا، ومنه قافية الشعر. ﴿بِالرُّسُلِ﴾ جمع رسول بمعنى: المرسل، ولا ينقاس فُعْلٌ في فعول بمعنى مفعول، وتسكين عينه لغة أهل الحجاز، والتحريك لغة بني تميم ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى: اسمٌ أعجميٌّ، علم لا يصرف للعجمة والعَلَميَّة، ووزنه عند سيبويه: فِعْلى، والياء فيه مُلْحَقةٌ ببنات الأربعة بمنزلة ياء معزى؛ يعني: بالياء، الألف سمَّاها ياءً؛ لكتابتهم إيّاها ياءً. قال أبو علي: وليست، ألفه للتأنيث، كالتي في ذكرى؛ بدلالة صرفهم له في النكرة، ومن زعم أنّه مشتقٌّ من العيس وهو بياضٌ يخالطه شُقْرةٌ، فغير مُصيب؛ لأنَّ الاشتقاق العربيَّ لا يدخل الأسماء الأعجمية ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مريم باللُّغة السريانية، معناه: الخادم، وسُمّيت به أمُّ عيسى، فصار علمًا، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ومريم باللِّسان العربي من النساء، كالزِّيْرِ من الرجال، وبه فُسِّر قول رؤْبة: قُلْتُ لِزِيْرٍ لَمْ تَصلْهُ مَرْيَمُهْ والزِّيْرُ: الذي يُكْثِرُ خُلطةَ النساء وزيارتَهنّ، والياء فيه مبدلة من واو، كالريح، إذ هما من الزَّوْرِ، والرَّوْحِ، فصار هذا اللفظ مشتركًا بالنسبة إلى اللِّسانين، ووزن مَرْيَم عند النحويِّين مَفْعَلٌ؛ لأنَّ فَعْيَلًا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية، كما ثبت نحو: عَثْبَرٍ، وعَلْبَبٍ. قاله الزمخشري، وغيره ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ جمع بَيِّنَة بوزن فَيْعِلَة، فأصلها: بَيْيَنَةٌ بوزن فيْعَلَة، أدغمت ياء فيعل في عين الكلمة، وكذلك بَيِّنَاتٌ وَزْنُه فَيْعِلاتٌ، والبَيّنُ: الواضح من كل شيء من بان إذا وضح وظهر. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ وفي "المختار": آد الرجل: اشتدَّ وقوى، وبابه: باع، والأيد والآد بالمدِّ: القوَّةُ، تقول: أيَّده تأييدًا، والفاعل منه مُؤيِّد بوزن مُكَرِّم، وتأيَّد الشيء تقوَّى، ورجلٌ أيِّدٌ بوزن جَيّدٍ؛ أي: قَوِيٌّ. اهـ. يقال: أيَّد تأييدًا من باب

стр. 784

فَعَّل المضعَّف، وآيد إئْيادًا من باب أفعل، وكلاهما من الأيد، وهو القُوَّة ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ والرُّوح من الحيوان: اسمٌ للجزء الذي تحصل به الحياة، قال الراغب: واختلف الناس فيه وفي النفس، أهما من المشترك أم من المتباين؟ وفي ماهية الروح والنفس، وقد صُنِّف في ذلك ﴿الْقُدُسِ﴾ الطهارة، وقيل البركة ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ الرسول: فعول، بمعنى: المرسل وهو قليلٌ في كلامهم، ومنه الحلوب، والرَّكُوب بمعنى: المحلوب، والمَرْكُوب ﴿بِمَا لَا تَهْوَى﴾؛ أي: تُحِبّ وتختار، ماضيه على فَعِل كرضي، ومصدره الهوى، وفيه إعلالٌ بالقلب، أصله: تَهْوَى بوزن تَفْعَل، تحرَّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، وفي "الجمل": وتهوى: مضارع هَوِيَ بالكسر إذا مال وأحبَّ، وفي "المختار": هَوِيَ أحبَّ، وبابه: صَدِيَ، ويقال: هَوَى يَهْوِي، كرمى يرمي، هَوْيًا بالفتح إذا سقط. اهـ. وهُويًّا بضمّ الهاء وفتحها. انتهى. اهـ. "مصباح". ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ وفي "السمين": وغُلْفٌ بسكون اللام: جمع أغلف، كأحمر وحُمْرٍ، وأصفر وصفر، وهو الذي لا يفقه، والمعنى على هذا: إنّها خلقت وجبلت مُغشَّاةً لا يصل إليها الحق. اهـ. أو جمع غلافٍ وهو الغشاء، فيكون أصله التثقيل فخفِّف. اهـ. من "البحر" ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ واللَّعْنُ: الطَّرد والإبعاد، يقال: شَأْوٌ لَعِينٌ؛ أي: بعيدٌ، وقال الشَّمَّاخُ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنُغَيْتُ عَنْهُ ... مَقامَ الذِئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِيْنِ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ مضارع شَيِءَ بكسر العين يشاء بفتحها، كعلم يعلم، نقلت حركة الياء إلى الشين في المضارع، فسكنت الياء وفتح ما قبلها، ثُمَّ قلبت ألفًا نظرًا إلى حركتها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال، فكأنَّها توفَّرت فيها شروط القلب نظرًا لحالها الأوَّل، وحالها الرَّاهن، ولهذا نظائر كثيرةٌ في القرآن، مِثْلُ: يكادُ، ويراد، وفي كلام العرب. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ المعرفة: العلم المتعلق بالمفردات، ويسبقه الجهل، بخلاف أصل العلم، فإنّه يتعلَّق بالنِّسَبِ، وقد لا يسبقه الجهل، ولذلك لم يوصَفِ الله تعالى بالمعرفة، ووُصِفَ بالعلم ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ بئس: فعلٌ وضع للذمِّ، وأصله: فعل، وله، ولنِعْم باب معقودٌ في النحو ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾.

стр. 785

البَغْيُ: الظلم، وأصله: الفساد، من قولهم: بغى الجرح إذا فسد. قاله الأصمعي. وقيل: أصله: شدة الطلب، ومنه ما نَبْغِي، ومنه سُمِّيت الزانية: بَغِيًّا؛ لشدّة طلبها للزنا ﴿باءوا بغضب﴾ أصله: بَوَأ، تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثمّ أسند الفعل إلى ضمير الجماعة، فبني على الضمّ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ مهين: اسم فاعل من أهان الرباعي، واشتقاقه من الهوان، فأصله: مُهْوِنٌ على وزن مُفْعِل، نقلت حركة حرف العلة إلى الساكن الصحيح قبله، فسكنت الواو، إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ، والإهانة: الإذلال، ويقال: هان هوانًا لم يُحْتَمل به، وهو معنى الذُّلِّ، وهو كون الإنسان لا يُؤْبَهُ به، ولا يُلْتَفت إليه ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ والوَرَاءُ من الظروفِ المتوسطةِ التصرفِ، وتكون بمعنى: قُدَّام، وبمعنى: خلف، وهو الأشهر فيه. البلاغة وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا تُسَبِّبُوْا في إراقة دمائكم؛ لأنَّ من أراق دم غيره، فكأنَّما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز بأدنى ملابسةٍ؛ أو لأنّه يوجب قصاصًا، فهو من باب إطلاق المسبَّب وإرادة السبب. ومنها: الاستعارة التصريحيَّة التبعيَّة في قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ لأنّه استعار الإقرار لقبول الميثاق ورضاه، ثُمَّ اشتقَّ منه أقررتم بمعنى: قبلتم على طريقة الاستعارة التصريحية التبعيَّة. ومنها: الإسناد العقليُّ في قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ لأنَّ الإقرار إنَّما وقع للأسلاف، فأسنده إلى الأخلاف الذين خوطبوا بهذا الكلام؛ لرضاهم بما فعل أسلافهم. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ عبَّر عن قتل الغير

стр. 786

بقتل النفس؛ لأنَّ من أراق دم غيره، فكأنَّما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز لأدنى ملابسة، كما مرّ آنفًا. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾. ومنها: بيان جزائهم بطريق القصر في قوله: ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم بِبَعْضِ الكتاب، وإظهار أنّه لا أثر له أصلًا مع الكفر ببعض. ومنها: التنكير في قوله: ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾؛ لإفادة التهويل والتفخيم. ومنها: الاستعارة المكنية التبعية في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ حيث استعار الشراء للاستبدال تقدّم نظيرها. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فإنّه أطلق الملزوم الذي هو الإيمان، وأراد لازمه الشرعي وهو فعل الواجبات، وترك المنهيات، وقد فعلوا بعض الواجبات، وهو الفداء، ولم يتركوا المحرم، وهو القتال والإخراج. ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: ﴿فريقا كذّبتم﴾ وقوله: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ للاهتمام به، وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه؛ وللفاصلة. ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿فريقا تقتلون﴾ ولم يقل قتلتم، كما قال ﴿كذبتم﴾؛ لأنّ الفعل المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة، يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغًا عظيمًا، فكأنّه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السَّامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم، ويسمَّى هذا عند البلغاء: حكايته الحال الماضية، وصورتها: أن يُقدَّر، ويفرض الواقع في الماضي واقعًا وقت التكلُّم، ويخبرَ عنه بالمضارع الدال على الحال اهـ. من "الفتوحات". ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي:

стр. 787

بالروح المقدَّس وهو جبريل، وتسميته روحًا على سبيل الاستعارة، لمشابهته الروح الحقيقيَّ في أنَّ كُلًّا جسمٌ لطيفٌ نورانيٌّ، وأنَّ كلًّا مادّة الحياة، فجبريل تحيا به القلوب والأرواح من إتيانه بالوحي، والعلوم، والروح تحيا به الأبدان والأجساد. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف مستعارٌ من الأغلف الذي لا يُختَن؛ أي: مغشَّاةٌ بالغشاء المعنويِّ، كما أنَّ الحشفة مُغطَّاةٌ بالقُلْفة. ومنها: زيادة ما في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لإفادة المبالغة في القِلَّة. ومنها: وصف الكتاب بكونه من عند الله في قوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ للتشريف. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: عليهم؛ للدلالة على أنَّ اللَّعنة لحقتهم لكفرهم. ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾؛ حكايةً للحال الماضية، واستحضارًا لفعلهم الشَّنِيع. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ حيث لم يقل: ولهم؛ للإشعار بعِلِّية كفرهم لما حاق بهم. ومنها: المجاز العقليُّ في قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ حيث أسند الإهانة إلى العذاب؛ لكونه سببها. ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ حيث لم يقل: فلم قتلتم أنبياء الله؛ لحكاية الحال الماضية. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 788

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾. المناسبة قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات

стр. 789

لما قبلها: أنَّ الله ، لمّا عدَّد (١) في الآيات السالفة ما أنعم به على بني إسرائيل من النعم، وذكر ما قابلوها به من الكفران، ذكر هنا أنَّ الآيات البينات الدالة على صدق دعوة موسى، ووحدانية الله، وعظيم قدرته، لم تزدهم إلّا انهماكًا في الشرك، وتوغّلًا في ضروب الوثنية، فالنعم التي أسبغها عليهم لم يكن لها من شكر إلّا اتخاذ العجل إلهًا يعبدونه من دون الله، فكيف يعتذرون عن عدم الإيمان بمحمد ﷺ ، بأنَّهم لا يؤمنون إلّا بما أنزل إليهم، وهذا دليل على قسوة قلوبهم، وفساد عقولهم، فلا أمل فيهم لهداية، ولا مطمع لفكرٍ وتأمُّلٍ، بعد أن اختلَّ الوجدان، وضعف الجنان، وهذه الآيات البينات التي ذكرت هنا: كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وما ذكر من النعم هناك كان في أرض الميعاد. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في الآيات السالفة معاذير لليهود اعتذروا بها عن الإيمان بمحمد ﷺ ، وما جاء به من الآيات البينات، كقولهم: إنهم مؤمنون بكتابٍ من ربّهم، فلا حاجة لهم بهداية غيره، فَنَقَض دعواهم، وأَلْزمَهم الحجة، وقولَهم: إنّهم ناجون حتمًا في الآخرة؛ لأنّهم شَعْبُ الله وأبناؤُه، فأبطل مزاعمهم، ودَحضَ حُجَجهم ... ذكر (٢) هنا تَعِلَّةً أخرى هي أعجبُ من كل ما تقدَّم، وفنَّدَها كما فنَّد ما قبلها، تلك هي قولهم: إنَّ جبريل الذي يَنِزل على محمد ﷺ بالوحي عدوُّهم، فلا يؤمنون بما يجيء به منه، وقد أُثِر عنهم عدَّة روايات تشرحُ هذه المقالةَ: منها: أن أحد علمائهم وهو عبد الله بن صوريا، سأل النبي ﷺ عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي؟ فقال: هو جبريل، فقال ابن صوريا: هو عدو اليهود؛ لأنّه أنذرهم بخراب بيت المقدس، فكان ما أنذر به. ومنها: أنّ عمر بن الخطاب دخل مِدْراسهم، فذكر جبريل، فقالوا: ذاك

стр. 790

عدونا يطلع محمدًا على أسرارنا، وأنّه صاحب كل خسف وعذاب، وأنّ ميكائيل ملك الرحمة ينزل بالغيث والرخاء. ولا شكّ أنّ هذا منهم دليل على خطل الرأي، وعدم التدبُّر، وإنّما ذكره الكتاب الكريم؛ ليستبين للناس حجج أهل الكتابِ، ويعرفوا مِقدارَ مِرائهِم وسخفهم في جَدَلهِم، وأنهم ضعات الأحلام، قليلوا التَدبرِ في عواقب ما يقولون. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله ، لمَّا ذَكَّر فيما سبق ببعض أحوالهم الشَّنيعة، ومقالاتهم القبيحة .. بيَّن في هذه الآيات حالًا من أحوالهم هي عِلَّةُ ما يصدر عنهم من جحود، وعناد، ومعاداةٍ للنبي ﷺ ، هي أنَّ فريقًا منهم نبذوا كتاب الله الذي به يَفْخَروُن حين جاء الرسول بكتابٍ مصدِّقٍ لما بين أيديهم، فإنَّ ما في كتابهم من البشارة بنبيٍّ يجيءُ من ولد إسماعيل لا ينطبق إلّا على هذا النبي الكريم، وليس المراد (١): أنّهم نبذوا الكتاب جملةً وتفصيلًا، بل نبذوا منه ما يُبشّر بالنبي ﷺ ، ويُبيِّن صفاته، وما يأمرهم بالإيمان به واتباعه، ولا شك أنَّ ترك بعضه كترك كله، إذ إنَّه يُذْهِب باحترام، ويفتح البابَ لترك الباقي، وهذا الجحود لم يكن بِضَائرٍ للنبي ﷺ ، ولا لدعوته، وقد قبلها، واهتدى بها كثيرٌ من اليهود، ومن غيرهم، وحين نبذوه اشتغلوا بصناعات، وأعمال صادَّةٍ عن الأديان من صنع شياطين الإنس والجنّ، فاشتغلوا بالسحر، والشَّعوذة، والطلسمات التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أنَّ ملكه كان قائمًا عليها، وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدَّقوهم فيما زعموا منها، وكذّبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر، ولا يزال حال الدجالين من المسلمين إلى اليوم يتلون العزائم، ويخطُّون خطوطًا، ويعملون طلسمات يسمُّونها خاتم سليمان، وعهودًا يزعمون أنّها تحفظ

стр. 791

من يحملها من اعتداء الجنّ، ومسِّ العفاريت. وإنَّما قصَّ القرآن علينا هذا القصص (١)؛ للذكرى؛ وليبيِّن لنا ما افتراه أهل الأهواء على سليمان من أمر السحر، فكان صادًّا عن العمل بالدين وأحكامه لدى اليهود، ومن ثمَّ لم يهتدوا بالنبيِّ الذي بشَّر به كتابهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّه ، لما فرغ من الأحاديث الخاصَّة باليهود، انتقل إلى حديثٍ مشترك بينهم وبين المؤمنين، والنصارى في أمرٍ من أمور الدِّين. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنَّة إلّا من كان هودًا، فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روى البخاري عن أنس ﵁ قال: سمع عبد الله بن سلام، مقدم رسول الله وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي ﷺ ، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيٌّ ما أوّلُ أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: أخبرني بهنّ جبريل آنفًا، قال جبريل: قال نعم، قال: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ...﴾. قال شيخ الإِسلام ابن حجر العسقلانيُّ في "فتح الباري": ظاهر السياق: أن النبي ﷺ قرأ الآية ردًّا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا هو المعتمد: فقد صحَّ في سبب نزول الآية: قصّةٌ غير قصّة عبد الله بن سلام، فأخرج أحمد، والترمذي، والنسائي من طريق بكر بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن

стр. 792

ابن عباس قال: (أقبلت اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم! إنَّا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنّك نبيٌّ) فذكر الحديث، وفيه أنَّهم سألوه عمَّا حرَّم إسرائيل على نفسه، وعن علامة النبي، وعن الرَّعد وصوته، وكيف تذكر المرأة وتؤنث، وعمَّن يأتيه بخبر السماء؛ إلى أن قالوا: فأخبرنا عن صاحبك، قال: جبريل، قالوا: جبريل، ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب، عدوُّنا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان خيرًا، فنزلت. وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن جرير عن طريق الشعبي: أنَّ عمر كان يأتي اليهود فيسمع من التوراة، فيتعجَّب كيف تُصدِّق ما في القرآن، فمرَّ بهم النبيُّ ﷺ ، فقلت: نشدتكم بالله، أتعلمون أنّه رسول الله؟ فقال عالمهم: نعم نعلم أنَّه رسول الله، قلت: فلم لا تتبعونه؟ قالوا: سألناه عمَّن يأتيه بنبوّته، فقال: عدوُّنا جبريل؛ لأنّه ينزل بالغلظة، والشدّة، والحرب، والهلاك، قلت: فمن رسلكم من الملائكة؟ قالوا: ميكائيل ينزل بالقطر، والرحمة، قلت: وكيف منزلتهما من ربّهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن الجانب الآخر قلت: فإنّه لا يحلُّ لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحلُّ لميكائيل أن يسالم عدوَّ جبريل، وإنني أشهد أنَّهما وربَّهما سِلْمٌ لمن سالموا، وحَرْبٌ لمن حاربوا، ثمَّ أتيت النبيَّ ﷺ ، وأنا أريد أن أخبره، فلمَّا لقيته قال: ألا أخبرك بآياتٍ - أنزلت عليَّ؟ فقلت: بلى يا رسول الله! فقرأ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ قلت: يا رسول الله! والله ما قمت من عند اليهود إلّا إليك، لأخبرك بما قالوا لي وقلت لهم، فوجدت الله سبقني. وإسناده صحيح إلى الشعبي، لكنّه لم يدرك عمر، وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم من طريق آخر عن الشعبي، وأخرجه ابن جرير من طريق السدي، عن عمر، ومن طريق قتادة عن عمر، وهما أيضًا منقطعان. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ يهوديًّا لقي عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم هو عدوّ لنا، فقال عمر: من كان عدوًّا لله، وملائكته، ورسله، وجبريل، وميكائيل فإنَّ الله عدوُّه، قال: فنزلت على لسان عمر، فهذه طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا. وقد نقل ابن جرير الإجماع على أنَّ سبب الآية ذلك؛ أي: أنّها نزلت جوابًا لليهود، إذْ زعموا

стр. 793

أنَّ جبريل عدوٌّ لهم، وأنَّ ميكائيل وليٌّ، فيكون الإجماع مؤيِّدًا للحديث على ما به من الضعف؛ لأنّ بكير بن شهاب قد خولف فيه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال ابن صوريا للنبيِّ ﷺ : يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل في ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية. وقال: مالكُ بن الصيف حِينَ بُعِثَ رسول الله ﷺ ، وذكَرَ ما أُخذ عليهم من الميثاق، وما عُهد إليهم في محمد، والله ما عُهِدَ إلينا في محمدٍ، ولا أُخذَ علينا ميثاق، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا ...﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير، عن شهر بن حوشب، قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلُط الحقَّ بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحرًا يركب الريح؟! فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ...﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية: أنَّ اليهود سألوا النبيَّ ﷺ : زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلّا أنزل الله عليه ما سألوا عنه، فلمَّا رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منّا، وأنَّهم سألوا عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر (٢)، عن السدي قال: كان رجلان من اليهود مالك ابن الصيف، ورفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي ﷺ قالا وهما يكلِّمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، فظنَّ المسلمون أنّ هذا اللفظ كان أهل الكتاب يعظِّمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي ﷺ ذلك، فأنزل تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 794

لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. وأخرج أبو نعيم في "الدلائل" من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن ابن عباس قال: راعنا بلسان - اليهود: السَّبُّ القبيح، فلمَّا سمعوا أصحابه يقولون، أعلنوا بها له، فكانوا يقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فنزلت هذه الآية، فسمعها منهم سعد بن معاذ، فقال لليهود: يا أعداء الله! لئن سمعتها من رجل منكم بعد هذا المجلس لأضربنَّ عنقه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال: كان الرجل يقول: أرعني سمعك، فنزلت الآية. وأخرج عن عطية قال: كان أناسٌ من اليهود يقولون: أرعنا سمعك، حتى قالها أناسٌ من المسلمين، فكره الله لهم ذلك، فنزلت الآية. وأخرج عن قتادة قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك؛ فكان اليهود يأتون، فيقولون مثل ذلك، فنزلت الآية. وأخرج عن عطاء قال: كانت لغة الأنصار في الجاهليّة، فنزلت. وأخرج عن أبي العالية قال: إنّ العرب كانوا إذا حدَّث بعضهم يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك. التفسير وأوجه القراءة ٩٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾؛ أي: العهد منكم؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! قصّة حين أخذنا العهد المؤكَّد باليمين منكم، على العمل بما في التوراة ﴿وَرَفَعْنَا﴾ أي: قلعنا وحبسنا ﴿فَوْقَكُمُ﴾؛ أي: فوق رؤوسكم ﴿الطُّورَ﴾ أي: جبله ليسقط عليكم حين أبيتم، وامتنعتم من قبول التوراة قائلين لكم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجدٍّ واجتهادٍ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما أمرتم به في الكتاب سماع قبول وطاعةٍ ﴿قَالُوا﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك بآذاننا، ولكن لا سماع طاعةٍ وقبولٍ ﴿وَعَصَيْنَا﴾ وخالفنا أمرك بقلوبنا، ولولا مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر، فإذا كان حال أسلافهم هكذا فكيف يتصوَّر من أخلافهم الإيمان؟ وقيل: إنّهم يقولون ذلك بألسنتهم، ولكن لَمَّا سمعوه وتلقَّوه، تلقوه بالعصيان، فنسب ذلك إليهم. وقيل كأنَّهم يقولون: لولا

стр. 795

الجبل لسمعنا ذلك، وعصينا أمرك، وجملة قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿قَالُوا﴾؛ أي: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ والحال أنَّهم أشربوا وسُقوا ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بيانٌ لمكان الإشراب، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ﴿الْعِجْلَ﴾ أي: حبَّ عبادة العجل، فهو على حذف مضافين، يقال: أشرب قلبه كذا؛ أي: حلَّ محلَّ الشراب، أو اختلط، كما خلط الصبغ بالثوب. وحقيقة (١) أُشربَه كذا جعله شاربًا لذلك، فالمعنى: جُعلوا شاربين حبَّ العجل نافذًا فيهم نفوذ الماء فيما يَتغَلْغَلُ فيه. قال الراغب: من عاداتهم إذا أرادوا محاصرة حبِّ، أو بغضٍ في القلب، أن يستعيروا لها اسم الشراب، إذ هو أبلغ مساغًا في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطيَّة الأغذية والأدوية ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بسبب كفرهم السابق لهم في مصر من الوثنية الموجب لذلك، والمعنى: حُبّب إليهم العجل، وخالط حبُّه قلوبهم، كما يخالط الشراب أجزاء البدن الباطنة. قيل: كانوا مُجسِّمةً، أو حُلُوليَّةً، ولم يروا جسمًا أعجب منه، فتمكَّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامريُّ، وجَعَل حلاوةَ عبادةِ العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم. وفي القصص: أنَّ موسى ﵇، لمَّا خرج إلى قومه أمَرَ أَنْ يُبْرَدَ العجل بالمِبْرد ثم يُدرَّى في النهر، فلم يبق نهرٌ يجري يومئذٍ إلّا وقع فيه منه شيءٌ، ثم قال لهم: اشربوا منه فمن بقي، في قلبه شيءٌ من حبّ العجل ظهَرَتْ سُحَالة الذَهب على شاربه؛ أي: خَرَجت بُرادَتهُ على شاربه، وهذا (٢) قولٌ يردُّهُ قولهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ وروي أنَّ الذين تبيَّن لهم حُبُّ العجل أصابهم من ذلك الماء الجُبْنُ، وبناؤه للمفعول في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ دليلٌ على أنَّ ذلك فُعِل بهم، ولا يفعلُه إلّا الله تعالى. وقال أبو حيان: ومعناه: أنَّه داخلهم حبُّ عبادته، كما داخل الصبغُ الثوبَ، وأنشدوا:

стр. 796

إِذا مَا القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ ... فَلاَ تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرَافا وقال ابن عرفة: يقال: أُشرب قلْبُه حبَّ كذا؛ أي: حلَّ محلَّ الشراب، ومازَجَهُ. انتهى كلامه. وإنّما عبَّر عن حبّ العجل بالشرب دون الأكل؛ لأنَّ شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، ولهذا قال بعضهم: جَرَى حُبُّها مَجْرَى دَمِي في مَفَاصِلِي ... فَأصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بهَا شُغْلُ وأمّا الطعام (١)، فقالُوا: هو مجاور لها غير متغلغلٍ فيها، ولا يصل إلى القلب منه إلّا يسيرٌ، وقال: تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤَادِيْ ... فَبَادِيْه مَعَ الخَافِي يَسِيرُ والظاهر: أنَّ الباء في قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ للسبب؛ أي: الحامل لهم على عبادة العجل هو كفرهم السابق لهم في مصر. وقيل ويجوز أن تكون الباء بمعنى مع متعلِّقة بمحذوف وقع حالًا؛ أي: وأشربوا في قلوبهم حبَّ العجل حال كونه مصحوبًا بكفرهم السابق من الوثنية ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! توبيخًا (٢) لحاضري اليهود، إثر ما بُيِّنَ أحوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون في كُلِّ ما يأتون ويذرون ﴿بِئْسَمَا﴾ أي: بئس الشيء شيئًا ﴿يَأْمُرُكُمْ بِهِ﴾، أي: بذلك الشيء ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدَّعون، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: ما ذكر من قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وعبادتهم العجل، وفي إسناد الأمر إلى الإيمان تهكّم بهم، وإضافة الإيمان إليهم؛ للإيذان بأنّه ليس بإيمانٍ حقيقةً، كما ينبيء عنه قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة، إذ لم يُسوِّغ الإيمان بها مثلَ تلك القبائح، فلستم بمؤمنين بها قطعًا، فقد علم أن من ادَّعى أنّه مؤمن ينبغي أن يكون فعله مصدِّقًا لقوله: وإلّا لم يكن مؤمنًا؛ أي: بئس الشيء شيئًا يأمركم به إيمانكم بما أنزل عليكم من التوراة، والمخصوص بالذمّ قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وعبادتُهم العجل، والمعنى: بئس الإيمان إيمانٌ

стр. 797

يأمركم بعبادة العجل إن كنتم مؤمنين بالتوارة كما زعمتم، والمعنى: لستم بمؤمنين؛ لأنَّ الإيمان لا يأمركم بعبادة العجل، وهذا تكذيبٌ لقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وذلك أنّ آباءهم ادَّعوا الإيمان ثُمَّ عبدوا العجل، فقيل: لهم بئس الإيمان إيمانٌ يأمر بالكفر. والخلاصة: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل؛ يعني آباءهم، وكذلك كذبهم في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ حيث قال: ٩٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! أيضًا: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾؛ أي: نعيمها وهي الجنة مُدَّخرةً ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، ظَرْفٌ للاستقرار في الخير؛ أعني: لكم حالة كونها ﴿خَالِصَةً﴾؛ أي: خاصَّةً بكم منصوبٌ على الحالية من الدار؛ أي: إن كانت لكم الدار الآخرة حالة كونها سالمةً لكم خاصَّةً بكم ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ في محل النصب بـ ﴿خَالِصَةً﴾؛ أي: من دون محمد وأصحابه، فاللام في الناس للعهد، وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص، يقال: هذا إليَّ من دون الناس؛ أي: أنا مختصُّ به؛ أي: ليس لأحد سواكم فيها حقٌّ بأن صحَّ قولكم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾. والمعنى: إن صحّ قولكم لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودًا ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾؛ أي: أَحِبُّوه، واسألوه بالقلب واللسان، وقولوا: اللهم! أمتنا، فإنَّ من أيقن بدخول الجنّة اشتاق إليها، وتمنَّى سرعة الوصول إلى النعيم، والتخلُّص من دار البوار، وقرارة الأكدار، ولا سبيل إلى دخولها إلّا بعد الموت، فاستَعْجِلُوه بالتَّمنِّي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إنّ الجنة خاصَّةٌ لكم فتمنَّوه، وأصل التمنّي: تقدير شيء في النفس، وأكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له. قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ فسَّرُوا الدار الآخرة بأنّها هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا، وسميت آخرة؛ لأنّها متأخّرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن، فتشمل الجنة والنار، ولكن الكلام هنا على تقدير مضاف؛ أي: نعيم الآخرة. وقرأ الجمهور ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بضمّ الواو، وهي اللغة المشهورة في مثل: اخشوا القوم، ويجوز الكسر؛ تشبيهًا لهذه الواو بواو لو استطعنا، كما شبَّهوا واو

стр. 798

لو بواو اخشوا، فضَمُّوا، فقالوا: لو استطعنا. وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بالكسر، وحكى أبو علي الحسن بن إبراهيم بن يَزْداد، عن أبي عمرو، أنّه قرأ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بفتح الواو وحركها بالفتح؛ طلبًا للتخفيف؛ لأنَّ الضمة والكسرة في الواو يثقلان، وحكي أيضًا عن أبي عمرو اختلاس ضمّة الواو وكلها شاذة باستثناء ما عليه الجمهور وجواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ محذوفٌ، تقديره: إن كنتم صادقين في دعواكم أنَّ الجنّة لكم دون غيركم، فتمنوا الموت، وعَلَّق تمنِّيهم على شرطٍ مفقودٍ وهو كونهم صادقين، وليسوا بصادقين في أنَّ الجنة خالصةٌ لهم دون الناس، فلا يقع التمنِّي، والمقصود من ذلك التحدِّي، وإظهار كذبهم، وذلك أنَّ من أيقن أنّه من أهل الجنة اختار أن ينتقل إليها، وأن يخلص من المقام في دار الأكدار، وأن يصل إلى دار القرار، كما روي عمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، كعثمان، وعلي، وعمّار، وحذيفة، أنّهم كانوا يختارون الموت، وكذلك الصحابة كانت تختار الشهادة. وقد روي عن كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - تمنّي الموت عند القتال، معبِّرين بألسنتهم عمّا يجول في صدورهم من صدق الإيمان بما أعدَّ الله للمؤمنين في الدار الآخرة، فقد جاء في الأخبار: أنَّ عبد الله بن رواحة كان ينشد وهو يقاتل الروم: يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ واقْتِرابها طَيِّبةٌ وَبارِدٌ شَرابُها والرُّومُ رُوْمٌ قَدْ دَنَا عَذابُهَا وأنَّ عمَّار بن ياسر في حرب صفين قال: غَدًا نَلْقَى الأحِبَّهْ ... مُحمَّدًا وصَحْبَه وروي عن حذيفة أنّه كان يتمنَّى الموت، فلما احتُضِر قال: (حبيبٌ جاء على فاقةٍ). وعن علي أنّه كان يطوف بين الصفين بغلالةٍ، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيِّ المحاربين، فقال: يا بني! لا يبالي أبوك، أعلى الموت سقط أم عليه سقط الموت. وفي قصتي قتل عثمان، وسعيد بن جبير ما يدلُّ على اختيارهما

стр. 799

الشهادة، وذلك أنّ عثمان جاءه جماعة من الصحابة، فقالوا له: نقاتل عنك، فقال لهم: وكان له قريبٌ من ألف عبد، فشهروا سيوفهم لمَّا هُجِمَ عليه، فقال: من أغمد سيفه فهو حرّ، فصبر حتى قتل، وأمَّا سعيد بن جبير، فإنَّ الموكَّلين به لمَّا طلبه الحجاج لمَّا شاهدوا من لياذ السباع به، وتمسُّحها به، قالوا: لن ندخل في إراقة دم هذا الرجل الصالح، قالوا له: طَلَبك لِيَقْتلَك، فاذهب حيث شئت، ونحن نكون فداءك، فقال: لا والله، إنّي سالت ربّي الشهادة، وقد رزقنيها، والله لا بِرَحْتُ. وروي عن النبي ﷺ (١): لو تمنَّوا الموت - يعني: اليهود - لغص كل إنسانٍ منهم بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ، وذلك: أنَّ الله سبحانه، أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمنّي الموت، وأن يعلمهم أنَّه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيُّ ﷺ فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه فرقًا من الله سبحانه، وهذا من المعجزات؛ لأنّه إخبارٌ بالغيب، وكان كما أخبر به ولو وقع من أحد منهم تمني موته لنقل واشتُهر. وحاصل معنى الآية: أي إن صدق (٢) قولكم وصحت دعواكم: أنَّ الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودًا، وفي أنّكم شعب الله المختار، وأنَّ النار تمسُّكم أيامًا معدودات، فتمنَّوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم، الخالص، الدائم، الذي لا ينازعكم فيه أحدٌ، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة، ويختار الشقاء، فإن لم تتمنَّوه، بل كنتم شديدي الحرص على هذه الحياة، فما أنتم بصادقي الإيمان، وهذه حجةٌ تنطبق على الناس عامَّة، فيجب على المسلمين أن يجعلوها ميزانًا يزنون بها دعواهم اليقين بالإيمان، والقيام بحقوق الله، فإن ارتاحت نفوسهم لبذل أرواحهم في سبيل الله، والذود عن الدين، كانوا مؤمنين حقًّا، وإن ضنُّوا بها وكانوا شديدي الحرص على الحياة إذا جدَّ الجِدُّ، ودعا الداعي، كانوا بعكس ما يدَّعون. ٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾؛ أي: الموت ﴿أَبَدًا﴾ أي: في جميع الزمن المستقبل؛ لأنّ

стр. 800

أبدًا اسم لجميع مستقبل الزمان، كقطُّ لماضيه، وفيه (١) دليلٌ على أنَّ (لن) ليس للتأبيد؛ لأنّهم يتمنَّون الموت في الآخرة، ولا يتمنَّوه في الدنيا؛ أي: لن يسألوا الموت، ولن يطمعوا فيه أبدًا ما عاشوا ﴿بـ﴾ سبب ﴿ما قدمتـ﴾ ـه وعملته واجترحته ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي الموجبة لدخول النار، كالكفر بمحمد ﷺ ، وبالقرآن الذي أنزل عليه، وتحريف نعت محمد ﷺ المذكور في التوراة؛ لأنّهم عرفوا أنهم كفرةً، ولا نصيب لهم في الجنّة. فإن قلت: لِمَ قال هنا (لن) وفي الجمعة (لا)؟ قلت: لأنَّ (لن) أبلغ في النفي من (لا) حتى قيل: إنّها لتأبيد النفي، ودعواهم في (البقرة) بالغةٌ قاطعةٌ، وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص، فناسب ذكر (لن) فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرةٌ مردودة، وهي زعمهم أنّهم أولياء لله، فناسب ذكر (لا) فيها. انتهى من "فتح الرحمن". والمعنى: أي ولن يقع منهم هذا التمنِّي بحالٍ؛ لأنّهم يعرفون ما اجترحته أنفسهم من المعاصي، والذنوب التي يستحقون بها العقوبة، كتحريف التوراة وتبديلها، وتكذيب محمد ﷺ مع البشارة به في كتابهم. وخصَّ الأيدي بالذكر (٢)؛ لأنّ الأعمال غالبًا تكون بها، وهي من بين جوارح الإنسان مناط عامَّة صنائعه، ومدار أكثر منافعه، ولذا عبَّر بها تارةً عن النفس، والشخص، كما هنا، والأخرى عن القدرة ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: بالكافرين من اليهود، والنصارى، وغيرهم؛ أي: محيط علمه بهم، وبما صدر عنهم، وسيجازيهم عليه، ففيه معنى التهديد، والتخويف لهم، وإنّما (٣) خصَّهم بالظلم؛ لأنّه أعمّ من الكفر عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ لأنّ كلَّ كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرًا، فلهذا كان أعم، وكانوا أولى به.

стр. 801

٩٦ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ من الوجدان العقليِّ وهو جار مجرى العلم، خلا أنّه مختصٌّ بما وقع بعد التجربة، ونحوها، واللام لام قسم؛ أي: وعزّتي وجلالي، لتجدنَّ يا محمد! اليهود ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ أي: أشدَّ الناس حرصًا ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ أي: على بقاء في الدنيا، وأشدَّهم كراهية للموت، والتنكير (١) للنوع، وهي الحياة المخصوصة المتطاولة، وهي حياتهم التي هم فيها؛ لأنّها نوعٌ من مطلق الحياة. وقرأ أُبيٌّ: ﴿على الحياة﴾ بالتعريف، قال الزمخشريُّ: التنكير أبلغ من قراءة أُبيٍّ لعمومه، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ عطفٌ على ما قبله بحسب المعنى، المعنى: كأنّه قيل: أي: ولتجدنّهم أحرص من جميع الناس، وأحرص من الذين أشركوا؛ أي: وأحرص من مشركي العرب المنكرين للبعث على الحياة؛ لعلمهم بأنّ مصيرهم إلى النار دون المشركين؛ لإنكارهم له؛ أي: فهم أكره للموت من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث. فإن قلت: الذين أشركوا قد دخلوا في الناس في قوله: ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ ولمَ أفردهم بالذكر؟ قلت: أفردهم بالذكر؛ لشدَّة حرصهم على الحياة، وفيه توبيخٌ عظيم لليهود؛ لأنَّ الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد، ولا بالمجازاة، ولا يعرفون إلّا الحياة الدنيا، فلا يستبعد حرصهم عليها؛ لأنّها جنّتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتابٌ، وهو مقرٌّ بالبعث والجزاء، كان حقيقًا بالتوبيخ العظيم. فإن قلت: لِمَ زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنّهم علموا لعلمهم بحالهم أنّهم صائرون إلى النار لا محالة، والمشركون لا يعلمون ذلك. وقيل: إنّ الواو في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ استئنافية، تقديره: ومن الذين أشركوا أُناسٌ يودُّون تعميرهم ألف سنة، أو أُناسٌ

стр. 802

حريصون على حياةٍ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف؛ أي: يحبُّ ويتمنَّى أحد هؤلاء اليهود، وأحد المشركين ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي؛ تعميره (١)، وعيشه، وحياته، وبقاءه في الدنيا ألف سنة؛ لأنّه يعلم أنَّ آخرته قد فسدت عليه، وليس المراد بألف سنة: خصوص هذا العدد، ولا قول الأعاجم: عشر ألف سنةٍ، بل المراد: التكثير والمبالغة. وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: واحدٌ (٢) منهم، وليس أحدٌ هنا هو الذي في قولهم: (ما قام أحدٌ)؛ لأنَّ هذا مستعملٌ في النَّفْي، أو ما جرى مجراه، والفرق بينهما: أنَّ أحدًا هذا أصوله همزةٌ وحاءٌ ودالٌ، وأصول ذلك واو وحاء ودال، فالهمزة في أحدهم بدلٌ من واو، والإتيان (٣) بالمضارع في ﴿يَوَدُّ﴾ حكايةٌ لودادهم و ﴿لَوْ﴾ مصدريَّةٌ فيه معنى التمنِّي، كأنَّه قيل: ليتني أُعمَّر، إلّا أنَّه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ كقولك: حلف بالله ليفعلنّ، ومحلُّه النصب على أنه معمول ليودُّ إجراءً له مجرى القول؛ لأنّه فعلٌ قلْبيٌّ، والمعنى: تمنَّى أحدهم أن يعطى البقاء والعمر ألف سنة، وهي للمجوسي، وخصَّ هذا العدد؛ لأنّهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العُطَاس والتحية: عشر ألف سنةٍ وألف نورٍ، وصحَّ إطلاق المشركين على المجوس؛ لأنّهم يقولون بالنور والظلمة، ﴿وَمَا هُوَ﴾؛ أي: وما طول عمره وتعميره ألف سنة، ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ أي: بمبعده، ومنجيه ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: من عذاب الله؛ لأنّه لا بدَّ للعمر، وإن طال من الفناء، والعمر: مدَّةٌ أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء، وجملة قوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدلٌ من الضمير الذي فسَّرناه سابقًا بالتعمير، ويحتمل عود الضمير على أحدهم، وهو اسم ﴿مَا﴾ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ خبر ﴿مَا﴾ والباء زائدة، و ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعلُ بمزحزحه. والمعنى عليه: وما أحدهم بمن يزحزحه ويبعده من العذاب والنار تعميره

стр. 803

ألف سنة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ﴾، أي: عالم ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، والبصير في كلام العرب: العالم بكنه الشيء، الخبير به؛ أي: عالمٌ بخفيَّات أعمالهم من الكفر، والمعاصي، لا يخفى عليه شيءٌ منها، فهو مجازيهم عليها لا محالة بالخزي، والذلِّ في الدنيا، والعقوبة في العقبى، وهذه الحياة العاجلة تنقضي سريعةً، وإن عاش المرء ألف سنةٍ، أو أزيد عليها، فمن أحبَّ طول العمر للصلاح فقد فاز، وفي الحديث: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله" ومن أحبَّه للفساد فقد ضلَّ، ولا ينجو ممَّا يخاف، فإن الموت يجيءُ ألبتة، واجتمعت الأمة على أن الموت ليس له سِنٌّ معلومٌ، ولا أجلٌ معلومٌ، ولا مرضٌ معلومٌ، وذلك ليكون المرء على أهبةٍ من ذلك، وكان مستعدًا لذلك بعض الصالحين ينادي بالليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل! فلمَّا توفّي فقد صوته أمير تلك المدينة، فسأل عنه، فقيل له: إنّه مات. مَا زَالَ يَلْهَجُ بِالرَحِيْلِ وذِكْرِهِ ... حَتَّى أناخَ بِبَابِهِ الجَمَّالُ فأصَابَهُ مُسْتَيْقِظًا مُتَسَمِّرًا ... ذَا أُهْبَةٍ لَمْ تُلْهِهِ الآمَالُ فإصابةُ الموت حقٌّ وإن كان العيش طويلًا، والعمر مديدًا، وهو ينزل بكل نفسٍ، راضيةً كانت، أو كارهةً. وقرأ الجمهور (١) ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء على نسق الكلام السابق. وقرأ الحسن، وقتادة، والأعرج، ويعقوب: بالتاء على سبيل الالتفات، والخروج من الغيبة إلى الخطاب، وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه تعالى محيطًا بأعمالهم السالفة، والآتية؛ لتواخي الفواصل. وقد تضمَّنت هذه الآية الكريمة: الامتنان على بني إسرائيل، وتذكارهم بنعم الله تعالى، إذ أتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل؛ لتجديد دين الله وشرائعه، وأتى عيسى الأمور الخارقة للعادة من إحياء الأموات، وإبراء الأكمه والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيَّبات، وغير ذلك، وأيَّده بمن ينزل الوحي على يديه وهو جبريل عليه

стр. 804

السلام، ثُمَّ مع هذه المعجزات والنعم، كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله تعالى، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسولٌ بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنَّهم في إثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم التي هي أردأ الأسواق، وأرذلها، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النَّفيسة؟ ثُمَّ نعى تعالى عليهم أنَّهم باقون على تلك العادة، من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا من قبل مجيئه يذكرون أنّه يأتيهم من عند الله، فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه، ويعرفونه كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة، وأنَّ سبب طردهم عن رحمة الله؛ هو ما سبق من كفرهم، وأنَّ إيمانهم كان قليلًا، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنّه سيأتي كتابٌ، ثُمَّ أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتَّب لهم على كفرهم بآيات الله، من المآكل، والرياسات المنقضية في الزمن اليسير؛ وأنَّ الحامل على ذلك هو البغي والحسد؛ لأن الله اختصَّ بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه، ولا باختياره، فباؤا بالغضب من الله، وأَعَدَّ لهم في الآخرة العذاب الذي يذلُّهم، ويهينهم، إذ كان امتناعهم من الإيمان إنّما هو للتكبُّر، والحسد، وعدم الرضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذَّبوا العذاب الذي فيه صغارٌ لهم، وذلَّةٌ، وإهانةٌ، ثُمَّ أخبر تعالى عنهم أنّهم إذا عُرِضَ عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا بأنَّهم يؤمنون بالتوراة، وأنّهم يكفرون بما سوى هذا، والكتب المنزَّلة من عند الله تعالى، سواءٌ إذ كُلُّها حقٌّ يُصدِّق بعضها بعضًا، فالكفر ببعضها كفرٌ بجميعها. ثُمَّ أخبر تعالى بكذبهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وذلك بأنّهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقةٌ باتّباع الأنبياء، والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم، ثُمَّ كرَّر عليهم؛ توبيخًا لهم أنَّ موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنّهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة، والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر، وغير ذلك، ومع ذلك اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاةِ ربِّه إلهًا من أبعد الحيوان ذهنًا، وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حُليِّهم، المشاهد إنشاؤهُ وعمله، وموسى لم يَمُتْ بَعْدُ، وكتاب الله طريٌّ نزولُه عليهم، لم

стр. 805

يتقادم عهده، وكرَّر تعالى: ذكر رفع الطور عليهم؛ ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان هذا، وهم ملجؤون إلى الإيمان، أو كالملجئين؛ لأنَّ مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم لينشد جوابه، جديرٌ بأن يأتي الإنسان ما أُمِر به، ويقبل ما كُلِّف به من التكاليف، وإِباؤُهم لذلك، وعدمُ قبولهم؛ سببَهُ أنَّ عبادة العجل خامرَتْ قلوبهم، ومازَجَتها حتى لم تسمح قبولًا لشيءٍ من الحق، والقلب إذا امتلأَ بحبِّ شيءٍ لم يسمع سواه، ولم يُصْغِ إلى مَلاَم، وأنشدوا: مَلأْتُ بِبَعْضِ حُبِّكَ كُلَّ قَلْبِي ... فَإنْ تُرِدْ الزِيَادَة هَاتِ قَلْبَا ثمَّ ذمَّهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقةً، بل نسب ذلك إليهم على سبيل التهكُّم من عبادة العجل، واتخاذه إلهًا من دون الله، ثُمَّ كذَّبهم في دعواهم أنَّ الجنّة هي خالصةٌ لهم لا يدخلها أحدٌ سواهم، فأمرهم بتمنِّي الموت؛ لأنَّ من اعتقد أنّه يصير إلى سرور، وحبور، ولذّةٍ دائمةٍ لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلَّة، والنَّكدِ. وأخبر تعالى أنَّ تمنِّي الموت لا يقع منهم أبدًا، وأنَّ امتناعهم من ذلك هو بما قدَّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنَّهم من أهل الجنة، ثُمَّ ذكر ترشيحًا لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنّهم أشدُّ الناس حرصًا على حياةٍ، حتى إنّهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، ثُمَّ ذكر أنَّ أحدهم يودُّ أن يُعَمَّر ألف سنة ومع ذلك فتعميره وإن طال ليس بمنجيه من عذاب الله. ثُمَّ ختم الآيات بأنَّ الله تعالى، مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها، وتبيَّن بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك ٩٧ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد! لهؤلاء اليهود الذين زعموا أنَّ جبريل عدوٌّ لهم من بين الملائكة؛ لأنّه ينزل بالعذاب والشدّة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ بِسَبَب نزوله بالقرآن المشتمل على سبِّهم وتكذيبهم، فليمت غيظًا؛ لأنَّ من عاداه فقد

стр. 806

عادى الله؛ لأنَّ الله تعالى جعله واسطة بينه وبين رسله ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإنَّ جبريل الأمين ﴿نَزَّلَهُ﴾؛ أي: نزل هذا القرآن ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد! وإنَّما خصَّ القلب بالذكر؛ لأنّه محلُّ الحفظ ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله تعالى، وإذا كان نزوله بإذن الله تعالى، فلا وجه للعداوة، وإنّما كان لها وجهٌ لو كان النزول برأيه، فالضمير (١) في قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ الأول لجبريل، والثاني للقرآن، وإضماره في الثاني مع عدم سبق المرجع يدلُّ على فخامة شأن القرآن؛ كأنَّه لتعينه؛ وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره؛ ولدلالة (٢) المعنى عليه، ألا ترى إلى قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه كُلُّها من صفات القرآن، ولقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإنَّ جبريل نزَّل القرآن على قلبك. وقيل: الضمير في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على الله، وفي ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائدٌ على جبريل، والتقدير: فإن الله نزَّل جبريل بالقرآن على قلبك، وفي كل من هذين التقديرين إضمارٌ يعود على ما عليه سياق المعنى، لكن التقدير الأوَّل أولى لما ذكرناه آنفًا؛ وليكون موافقًا لقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ويُنْظَر للتقدير الثاني قراءةُ مَنْ قرأ ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد و ﴿الرُّوحَ﴾ بالنصب. وأتى بلفظ على في قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ لأنَّ القرآن مستعلٍ على القلب، إذ القلب سامع له، ومُطيعٌ يمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه، وكانت أبلغ من إلى؛ لأنَّ إلى تدلُّ على الانتهاء فقط، و (على) تدلُّ على الاستعلاء، وما استعلى على الشيء يُضمَّنُ الانتهاء إليه. وخصَّ القلب ولم يقل عليك؛ لأن القلب هو محلُّ العقل، والعلم، وتلقِّي الواردات؛ أو لأنَّه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها؛ أو لأنَّه سلطان الجسد. وفي الحديث: "إنَّ في الجسد مضغةً، ثُمَّ قال أخيرًا: ألا وهي القلب"؛ أو لأنَّ القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنّه بيت الله؛ أو لأنّه كنى به عن العقل إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ؛ أو عن الجملة الإنسانية، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

стр. 807

أو يكون إطلاقًا لبعض الشيء على كلّه أقوالٌ سبعة. وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب، ولم يُضفه إلى ياء المتكلم، وإن كان نظم الكلم يقتضيه ظاهرًا؛ لأنَّ قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ هو معمولٌ لقول مضمر، التقدير: قل يا محمد! قال الله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله (١) اختاره في المنتخب، ومنه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقد صرَّح ذلك في قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، أو بعلمه وتمكينه إيّاه من هذه المنزلة، قاله ابن عطيّة، أو باختياره، قاله الماوردي، أو بتيسيره وتسهيله، قاله الزمخشري. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من الضمير المنصوب في ﴿نَزَّلَهُ﴾ إن كان يعود على القرآن، والمعنى: أي: حالة كون القرآن مصدِّقًا وموافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع، وإن قلنا: إنّ ضمير ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على جبريل، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا من المجرور المحذوف لفهم المعنى، والمعنى: فإنّ الله نزّل جبريل بالقرآن حال كون القرآن مصدِّقًا لما بين يديه. والثاني: أن يكون حالًا من جبريل، وما في قوله: ﴿لِمَا﴾ موصولةٌ، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله، أو التوراة والإنجيل. والهاء في ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يحتمل أن تكون عائدةً على القرآن، ويحتمل أن تعود على جبريل، فالمعنى: مصدّقًا لما بين يديه من الرسل والكتب ﴿و﴾ حالة كون القرآن ﴿هُدًى﴾؛ أي: هاديًا للناس من الضلالة إلى دين الحق ﴿و﴾ حالة كونه ﴿بُشْرَى﴾؛ أي: مبشِّرًا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: للموحِّدين بالجنة، فلا وجه لمعاداته، فلو أنصفوا لأحبُّوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم، ويَنْصَحُ المُنزَّل عليهم.

стр. 808

وهذا (١) ردٌّ على اليهود حين قالوا: إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشدّة، فقيل لهم: إنْ كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين، فإنّه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين، وقوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾ (٢) معطوفان على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهما حالان، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل، كأنَّه قال: وهاديًا ومبشِّرًا أو من باب المبالغة، كأنّه لمَّا حصل به الهدى والبشرى، جُعِل نفس الهدى والبشرى، والألف في بشرى للتأنيث، كهي في رجعى وهو مصدر. والخلاصة: أنَّه وصف القرآن بتصديقه لِمَا تقَّدمه من الكتب الإلهية، وأنّه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التَّكْليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنّه بشرى لمن حصل له الهدى، فصار هذا الترتيب اللفظيُّ في هذه الأحوال؛ لكون مدلولاتها ترتبت ترتيبًا وجوديًّا: فالأوّل: كونه مصدِّقًا للكتب، وذلك؛ لأنَّ الكتب كلَّها من ينبوع واحد. والثاني: أنَّ الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق. والثالث: أنَّه بشرى لمن حصلت له به الهداية، وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّ الهدى والبشرى بالمؤمنين؛ لأنَّ غير المؤمنين لا يكون لهم هُدًى به ولا بشرى، كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾؛ ولأنَّ المؤمنين هم المبشَّرون، كما قال: ﴿فبشِّر عبادي﴾ ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. ودلَّت هذه الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزَّل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى. وهذه الآية (٣) تعلَّقت بها الباطنية حيث قالوا: إنّ القرآن إلهامٌ، والحروف

стр. 809

عبارة الرسول. ورُدَّ عليهم: بأنَّه معجزةٌ ظاهرةٌ بنظمه، وأنَّ الله سمَّاه وحيًا، وكتابًا عربيًّا، وأنَّ جبريل نزل به، والملهم لا يحتاج إلى جبريل، ثُمَّ عمَّم الشرط والجزاء ردًّا عليهم بقوله: ٩٨ - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ بمخالفته أمر الله عنادًا، وخروجه عن طاعته مكابرةً، أو بمعاداة المقرَّبين من عباده، وصدَّر (١) الكلم بذكر الله؛ تفخيمًا لشأنهم ﴿و﴾ لـ ﴿ملائكته﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿رسله﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿جبريل و﴾ لـ ﴿ميكال﴾ أفردهما بالذكر مع كونهما داخلين في جملة الملائكة؛ لبيان شرفهما؛ وإظهار فضلهما؛ وعلوِّ منزلتهما، فكأنَّهما جنسٌ آخر أشرف ممَّا ذكر تنزيلًا؛ للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس، وللردّ على اليهود حيث قالوا: جبريل عدوُّنا، وميكال ولِيُّنا. قال عكرمة: جبرَ، وميك، وإسراف، معناها: العبد بالسُّريانية، وإيل، وآيْل، معناهما: الله، ومعنى هذه الأسماء: عبد الله، أو عبد الرحمن، وحكى الماوردي عن ابن عباس: أن جبر بمعنى: عبد بالتكبير، وميكا بمعنى: عبيدٍ بالتصغير، فمعنى جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله، قال: ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفًا. اهـ. "سمين". أي: من عادى هؤلاء المذكورين، فقد كفر، والكافر عدوٌّ لله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط (٢)، ولم يقل: فإنَّه؛ لاحتمال أن يعود إلى جبريل، أو ميكال ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: عدوٌّ لهؤلاء اليهود، وغيرهم من الكفرة، وأظهر في موضع الإضمار؛ لأنَّ مقتضى السياق، فإنَّ الله عدوٌّ لهم؛ ليدلَّ على أنَّ الله إنّما عاداهم لكفرهم، والمعنى: من عاداهم عاداه الله، وعاقبه أشدَّ العقاب، أي: فإنّ الله سبحانه تولَّى بنفسه عداوة ذلك الكافر بالانتقام منه، وكفى رسله، وملائكته عن أمر من عاداهم. قال الواحديُّ: والمعنى: أنَّ من كان عدوًّا لأحد من هؤلاء، فإنَّ الله عدوٌّ له؛ لأنَّ عَدُوَّ الواحد منهم عدوٌّ للجمع، وعدوُّ محمدٍ ﷺ عدوُّ الله، وليس

стр. 810

المراد: مَنْ جَمَعَ عداوة الجميع فالله عدوُّهُ، والواو هنا بمعنى أوْ، وليست للجمع، وقال بعضهم: الواو للتفصيل. وليس المراد (١): من كان عدوًّا لجميع الملائكة، وجميع الرسل، بل هذا من باب التعليق على الجنس بصورة الجمع، كقوله: (إنْ كلَّمْتِ الرجال فأنتِ طالق) لا يريد بذلك إن كلمت كُلَّ الرجال، ولا أقلَّ ما ينطلق عليه الجمع، وإنّما علَّق بالجنس، وإن كان بصورة الجمع، فلو كلَّمَتْ رجلًا واحدًا طلقتْ، فكذلك هذا الجمع في الملائكة والرسل. فالمعنى: أن من عادى الله، أو ملكًا من ملائكته، أو رسولًا من رسله، فالله عدوٌّ له، والعداوة بين الله والعبد لا تكون حقيقةً، وعداوة العبد لله تعالى مجازٌ. ومعناها: مخالفة أمره، وعداوة الله للعبد مجازاته على مخالفته. وقرأ حمزة (٢)، والكسائي: جبرائيل بفتح الجيم والراء وهمزةٍ مكسورةٍ بعد الراء. وقرأ شعبة كذلك، إلّا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء، والباقون بكسر الجيم والراء من غير همزٍ بعد الراء، إلّا أنَّ ابن كثير: فتح الجيم. وقرأ أبو عمرو، وحفصٌ: ﴿ميكال﴾ بغير همزة، ولا ياءٍ بين الألف واللام. وقرأ نافع بهمزةٍ بعد الألف، ولا ياء بعد الهمزة، والباقون بهمزةٍ بعد الألف وياءٍ. والخلاصة: أي إنَّ (٣) من عادى الله وعادى هؤلاء المقرَّبين عنده، فالله عدوٌّ له؛ لأنَّه كافرٌ به ومعادٍ له، وهو الظالم لنفسه حين دعاه فلم يجب، وفي هذا من شديد الوعيد ما لا يخفى، إذ فيه تصريحٌ بأنّهم أعداء الحق، وأعداء كلِّ من يدعو إليه، ومعاداة القرآن، كمعاداة سائر الكتب السماويّة؛ لأنَّ المقصد من الجميع واحدٌ، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى سبيل الخير، ومعاداة محمد ﷺ ، كمعاداة سائر الأنبياء؛ لأنَّ رسالتهم واحدة، والمقصد واحدٌ. والواو في قوله:
следующие страницы →