← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

رأى إدريس في السماء الرابعة، ليلة المعراج" متفق عليه. وكان سبب رفعه إليها (١): أنه سار ذات يوم في حاجة، فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني قد مشيت فيها يومًا فأصابني منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيرة خمس مئة في يوم واحد؟ اللهم خفف عنها من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك .. وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فقال: يا رب خففت عني حر الشمس، فما الذي قضيت فيه، قال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فاجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خلةً، فأذن الله تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء. واختلف القائلون بأنه في السماء (٢)، أهو حيٌّ فيها أم ميت، فالجمهور: على أنه حيٌّ وهو الصحيح، وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء: اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى، كما في "بحر العلوم". ٥٨ - ﴿أُولَئِكَ﴾ العشرة المذكورون في هذه السورة من زكريا إلى إدريس - عليهم الصلاة والسلام - هم ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بأنواع النعم الدينية والدنيوية، حال كونهم ﴿مِنَ النَّبِيِّين﴾ والمرسلين بيان للوصول حالة كون بعضهم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بدل من النبيين، بإعادة الجار، ويجوز (٣) أن تكون ﴿مِنْ﴾ فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء، وأخص من الذرية؛ يعني به إدريس ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في سفينته؛ يريد: إبراهيم؛ لأنه من ذرية سام بن نوح ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ يعني: إسحاق وإسماعيل ويعقوب ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ عطف على إبراهيم؛ أي: ومن ذرية إسرائيل؛ أي: يعقوب وكان منهم موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية؛ لأن عيسى من مريم، وهي من نسل يعقوب ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾؛

стр. 7492

أي: وحالة كونهم من جملة من هديناهم، وأرشدناهم إلى الحق ﴿و﴾ من جملة من ﴿اجتبينا﴾ هم واصطفيناهم للنبوة والكرامة، قالوا: ﴿من﴾ فيه للتبيين، إن عطف على ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ وللتبعيض إن عطف على و ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ وتقرأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء الأنبياء ﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: آيات الترغيب والترهيب في كتبهم المنزلة عليهم ﴿خَرُّوا﴾؛ أي: سقطوا على الأرض حال كونهم ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين جمع ساجد ﴿وَبُكِيًّا﴾؛ أي: باكين جمع باكٍ، وأصله بكويًا؛ يعني (١): إن الأنبياء قبلكم مع مالهم من علو المرتبة في شرف النسب، وكمال النفس، والزلفى من الله تعالى، كانوا يسجدون ويبكون لسماع آيات الله تعالى، فكونوا مثلهم وفي الحديث: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان .. فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم .. فليبك قلبه. قال صالح المريّ: قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء اهـ. وقد استدل بهذه الآية على مشروعية سجود التلاوة. والمعنى: أي (٢) إذا تتلى على هؤلاء الأنبياء الذين أنعم الله عليهم أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه .. خروا لله سجدًا استكانةً له وتذللًا وخضوعاً لأمره، وانقيادًا له وهم باكون خشيةً منه، وحذرًا من عقابه، وقصارى ذلك إنه سبحانه أبان علو أمرهم في الدين والنسب والقرب منه. ويقول في سجود التلاوة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا. ذكره النسفي في "تفسيره" في هذا الموضع. فصل وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن (٣)، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه السجدة، وقيل: يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك السجدة، فإن قرأ سجدةَ سبحان .. قال: اللهم اجعلني من

стр. 7493

الباكين إليك والخاشعين لك، وإن قرأ سجدة مريم .. قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وإن سجد سجدة ﴿الم﴾ السجدة ... قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك. وقرأ الجمهور (١): ﴿تُتْلَى﴾ بتاء التأنيث، وقرأ عبد الله، وأبو جعفر، وشيبة، وشبل بن عباد، وأبو حيوة، وعبد الله بن أحمد العجلي، عن حمزة، وقتيبة في رواية, وورش في رواية النحاس، وابن ذكران في رواية الثعلبي: بالياء، وقرأ الجمهور ﴿بكيا﴾ بضم الباء، وعبد الله، ويحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي: بكسرها اتباعًا لحركة الكاف، كعسيّ ودليّ، والظاهر أنه جمع لمناسبة الجمع قبله، وقال ابن عطية: ﴿وبكياً﴾ بكسر الباء هو مصدر لا يحتمل غير ذلك. انتهى. ٥٩ - ولما مدح سبحانه هؤلاء الأنبياء بهذه الأوصاف ترغيبًا لغيرهم في الاقتداء بهم، وسلوك طريقتهم .. ذكر أضدادهم تنفيرًا للناس عن طريقتهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: جاء ووجد من بعد هؤلاء الأنبياء المذكورين وعقب عنهم ﴿خلف﴾؛ أي: عقب سوءٍ من أولادهم، وفي "الجلالين": بقي من بعد هؤلاء قوم سوء يعني اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير: خلف بفتح اللام ولعقب الشر خلف بسكون اللام، واختلفوا (٢) فيمن نزلت هذه الآية فيه، فقيل: في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل في قوم من أمة محمد ﷺ يأتون في آخر الزمان؛ أي: جاء من بعد هؤلاء المذكورين قوم سوء ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: تركوا أو أخروها عن وقتها، أو ضيّعوا ثوابها بعد الأداء، بالنميمة والغيبة والكذب ونحوها، أو شرعوا فيها بلا نيةٍ، وقاموا لها بلا خضوع ولا خشوع، وقيل: كفروا بها وجحدوا وجوبها، وقيل: لم يأتوا بها على الوجه المشروع، وقيل: إقامتها في غير الجماعات، وقيل: تعطيل المساجد

стр. 7494

والاشتغال بالصنائع والأسباب، والظاهر: أن من أخر الصلاة عن وقتها، أو ترك فرضًا من فروضها، أو شرطًا من شروطها، أو ركنًا من أركانها، فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها المرة أو حجدها دخولًا أوليًا. وقرأ عبد الله، والحسن، وأبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن مقسم ﴿الصلوات﴾ جمعًا ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: ارتكبوا شهوات أنفسهم، وآثروها على طاعة الله تعالى؛ أي: فعلوا ما تشتهيه أنفسهم، وترغب إليه من المحرمات، كشرب الخمر، والدخان، والحشيش، وفعل الزنا، واللواط، وإدمان النظر إلى الأجنبيات، والاختلاط بهن، وإضاعة الوقت في استماع الملاهي والنظر إليها، كالتلفزيون والفيديو، والاشتغال بما لا يغني، من إكثار قيل وقال، والولع بقراءة الجرائد والأخبار عن تلاوة كتاب الله تعالى وقراءة الحديث، إلى نحو أولئك من الشهوات التي انهمك فيها أهل الزمان، حتى يظنونها من الأمور الدينية، لجهلهم أو لعدم مبالاتهم بدينهم، وبالجملة فالشهوات عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة، وذكر الله تعالى، كاللعب بالكريات مما لا ينفع في الحرب. والمعنى: أي (١) فجاء من بعد الأنبياء الذين ذكروا، خلف سوءٍ خلفوهم في الأرض، كاليهود والنصارى، ومن على شاكلتهم من أهل الضلال، إذ تركوا الصلوات المفروضة عليهم، وآثروا شهواتهم على طاعة الله تعالى، فانكبوا على شرب الخمور، وشهادة الزور، ولعب الميسر، وإتيان الفاحشة خفيةً وعلانيةً. وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم، في جماعة آخرين، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وتلا هذه الآية قال: "يكون خلف من بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن، لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت

стр. 7495

رسول الله ﷺ قال: "سيهلك من أمتي أهل الكتاب، وأهل اللبن" قلت: يا رسول الله، ما أهل الكتاب؟ قال: "قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا" قلت: وما أهل اللبن؟ قال: "قوم يتبعون الشهوات، ويضيعون الصلوات" ثم ذكر عاقبة أعمالهم وسوء مآلهم فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ﴾ في الآخرة ﴿غَيًّا﴾؛ أي: شرًا وخسرانًا لإهمالهم أداء واجبات الدين، وانهماكهم في المعاصي والآثام، فإن كلّ (١) شر عند العرب غي، فكل خير رشاد، وعن الضحاك: أي جزاءَ غي، كقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾،؛ أي: جزاءَ أثام وقيل ﴿غَيًّا﴾؛ أي: واديًا في جهنم، يستعيذ من حرّه أوديتها، أعد للزاني، وشارب الخمر، وآكل الربا، وشاهد الزور، ولأهل العقوق، وتارك الصلاة، وقيل: الغيّ الضلال، وقيل: الخيبة، وقرىء فيما حكى الأخفش: ﴿يَلْقَوْنَ﴾ بضم الياء وفتح اللام وشد القاف ٦٠ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ منهم ورجع مما فرط منه من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات، إلى طاعة الله تعالى ﴿وَآمَنَ﴾ بالله من الكفر ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ بعد التوبة والندم، وفي هذا (٢) الاستثناء دليل على أن الآية في الكفرة، لا في المسلمين ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالتوبة، والإيمان والعمل الصالح ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ بموجب الوعد المحتوم، قرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن كثير، وابن محيصن، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر ﴿يَدْخُلُونَ﴾ بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الخاء وقرأ ابن غزوان عن طلح: ﴿سيدخلون﴾ بسين إلاستقبال مبنيًا للفاعل. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان قليلًا، فإن الله يوفي إليهم أجورهم، وانتصاب ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ على البدل من الجنة بدل البعض لكون جنات عدن بعضًا من الجنة، ويكون قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ اعتراضًا، أو حالًا كما في "البحر" قال الزجاج: ويجوز ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بالرفع وقرىء كذلك؛ يعني: على الابتداء، والخبر ﴿الَّتِي﴾، وقرأ الجمهور (٣)

стр. 7496

﴿جَنَّاتِ﴾ نصبًا جمعًا بدلًا من الجنة كما مر آنفًا، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر، والأعمش، وأحمد بن موسى عن أبي عمرو ﴿جنات﴾ رفعًا جمعًا؛ أي: تلك جنات أو الخبر (التي) وقرأ الحسن بن حي وعلي بن صالح ﴿جنة عدن﴾ نصبًا مفردًا، ورويت عن الأعمش، وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقرأ اليماني، والحسن، وإسحق الأزرق عن حمزة ﴿جنة عدن﴾ رفعًا مفردًا وقرىء بصرف ﴿عَدْنٍ﴾ ومنعه، على أنها علم لمعنى العدن وهو: الإقامة، أو علم لأرض الجنة، ومعنى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ إلخ؛ أي: لكن (١) من أنابوا إلى ربهم، وأقلعوا عن ذنبهم، وآمنوا باللهِ ورسوله، وأطاعوه فيما أمر به، وأدوا فرائضه، فأولئك يدخلهم ربهم جناته، ويغفر لهم حوباتهم، فالتوبة تجبُّ ما قبلها، كما جاء في الحديث "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا ينقصون شيئًا من ثواب أعمالهم، إذ أفعالهم السابقة ذهبت هباءً، وصارت نسيًا منسيًا بكرم اللطيف الخبير، وعظيم حلمه على عباده، ٦١ - ولما ذكر أن التائب يدخل الجنة .. وصف هذه الجنة بأمورٍ فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ أي: هذه الجنة هي جنات إقامة مؤبدة، لا كجنات الدنيا، وجنات عدن علم لجنة مخصوصة، كشهر رمضان، وقد يحذف فيقال: جاء رمضان، وقيل: جنات عدن: علم لدار الثواب جميعًا، والعدن: الإقامة وهو الإنسب بمثل هذا المقام، فإن جنة عدن المخصوصة، وجنة الفردوس لا يدخلها العوام بالأصالة، لأنهما مقام المقربين ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾؛ أي: وعدها إياهم حالة كونها متلبسة ﴿بِالْغَيْبِ﴾ عنهم؛ أي: والحال أنها غائبة (٢) عنهم غير حاضرة، أو حالة كونهم غائبين عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الأخبار، والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى، وفي الإضافة في قوله: ﴿عِبَادَهُ﴾ إشارة إلى أن المراد من يعبده مخلصًا له في العبودية، لا يعبد الدنيا، والنفس والهوى، إذ كمال التشريف بالإضافة، إنما يحصل بهذا المعنى، فله جنة عدن المخصوصة ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾؛ أي: موعوده

стр. 7497

الذي هو الجنة ﴿مَأْتِيًّا﴾؛ أي: يأتيه من وعد له لا محالة بغير خلف؛ لأن وعده تعالى لا يخلف، فالمأتي بمعنى المفعول من الإتيان؛ أي: مفعولًا أو بمعنى الفاعل؛ أي: جائيًا آتيًا ألبتة. ٦٢ - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنان ﴿لَغْوًا﴾؛ أي: فضول كلامٍ لا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يُجتنب عنه في هذه الدار ما أمكن ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن يسمعون تسليم الملائكة، أو تسليم بعضهم على بعض، والمعنى: إن (١) أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم، وإنما يسمعون ما يسلمهم ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: ولأولئك الموصوفين بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ﴿رِزْقُهُمْ﴾؛ أي: ما يشتهون من المطاعم والمشارب ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في جنات عدن ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾؛ أي: في قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار أيام الدنيا؛ أي: إن (٢) الذي بين غدائهم وعشائهم في الجنة قدر ما بين غداء أحدنا في الدنيا وعشائه، إذ لا نهار ثمة ولا ليل، بل هم في نور أبدًا، وإنما وصف الجنة بذلك لأن العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي. وخلاصة ذلك: أنه لا بكرة في الجنة ولا عشي، إذ لا ليل ولا نهار، وإنما يؤتون بأرزاقهم في مقدار طرفي النهار، كما كانوا في الدنيا, ٦٣ - ولما ذكر أن هذه الجنة تخالف جنات الدنيا .. ذكر الدواعي التي توجب استحقاقها فقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: هذه الجنة التي وصفت بهذه الصفات الشريفة هي ﴿الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾؛ أي: مجتنبًا عن الشرك والمعاصي، مطيعًا لله تعالى؛ أي: نورثها ونعطيها بغير اختيار الوارث من كان من أهل التقوى من عبادنا؛ أي: هي التي نجعلها ملكًا وميراثًا لعبادنا المتقين، الذين يطيعون الله في السر والعلن، ويحمدونه على السراء والضراء، كملك الميراث الذي هو أقوى تمليك، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: نورث من كان تقيًا من عبادنا، والمعنى (٣):

стр. 7498

نبقيها عليهم بتقواهم ونمتعهم بها كما نبقي على الوارث مال مورثه ونمتعه به، قال في "الأسئلة المقحمة": كيف قال ﴿نُورِثُ﴾ والميراث ما انتقل من شخص إلى شخص؟ والجواب أن هذا على وجه التشبيه، أراد أن الأعمال سبب لها، كالنسب سبب ملك بلا كسب ولا تكلف، وكذا الجنة عطاء من الله ورحمة منه، خلافًا للقدرية. انتهى. وجاء بمعنى الآية قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى أن قال ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿نُورِثُ﴾ مضارع أورث وقرأ الأعمش: ﴿نورثها﴾ بإبراز الضمير العائد على الموصول، وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة، ورويس، وحميد، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، ومحبوب عن أبي عمرو: بفتح الواو وتشديد الراء المكسورة، من ورث المضعف. ٦٤ - قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾؛ أي: قال الله سبحانه: قل يا جبريل لمحمد جوابًا عن استبطائه لنزولك: وما تتنزل الملائكة يا محمد بالوحي على الرسل وقتًا بعد وقت ﴿إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وإذنه وإرادته على ما تقتضيه حكمته، وتدعو إليه مصلحة عباده، ويكون فيه الخير لهم. في دينهم ودنياهم، وقرأ الجمهور: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ بالنون عن جبريل نفسه والملائكة، وقرأ الأعرج ﴿يتنزل﴾ بالياء على أنه خبر من الله تعالى، ذكره في "البحر" ثم علل الملك ذلك بقوله: ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من الأزمنة المستقبلة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ من الأزمنة الماضية ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين الأيدي والخلف من الأزمنة الحاضرة فلا ننزل في زمانٍ دون زمان إلا بإذنه، فهو المدبر لنا في جميع الأزمنة، أو المعنى (٢)؛ أي: لربك ما قدامنا وما خلفنا من الجهات، وما نحن فيه فلا ننتقل من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان، إلا بأمره ومشيئته.

стр. 7499

وقصارى ذلك: أن أمرنا موكول إلى الله تعالى، يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته، لا اعتراض لأحد عليه، فلا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه ، وقيل المعنى (١): له ما سلف من أمر الدنيا، وما يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك، وهو ما بين النفختين، وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، وقيل: ما مضى من أعمارنا وما غير منها، والحالة التي نحن فيها، وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى: أن الله سبحانه هو المحيط بكل شيء، لا يخفى عليه خافيةٌ ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، فلا تقدم على أمر إلا بإذنه، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ولم يقل: وما بين ذينك بالتثنية؛ لأن المراد: وما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿نَسِيًّا﴾؛ أي: تاركاً لك بتأخير الوحي عنك، فعدم النزول لعدم الأمر به لحكمةٍ بالغةٍ فيه، قال أهل التفسير (٢): ﴿نَسِيًّا﴾ فعيل بمعنى فاعل من النسيان بمعنى: الترك؛ أي: تاركاً لك كما زعمت الكفرة، وإن تأخر الوحي عنك لمصلحة، أو بمعنى نقيض الذكر الذي هو الغفلة؛ أي: غافلًا عنك، والمعنى؛ أي: إنه (٣) تعالى لإحاطة علمه بملكه لا يطرأ عليه غفلة ولا نيسان، حتى يغفل عنك، وعن الإيحاء إليك، وإنما كان تأخير الوحي لحكمة علمها جل شأنه. أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني في جماعة آخرين، عن أبي الدرداء مرفوعًا قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، ثم تلا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ". ٦٥ - ثم أقام الدليل على ما تقدم بقوله هو سبحانه ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مالكهما وخالقهما، فهو: خبر لمبتدأ محذوف كما قدرنا ﴿وَ﴾ خالق ﴿مَا

стр. 7500

بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: ما بين السموات والأرض، ومالكه، ومن كان كذلك فالنسيان محال عليه، فإن من بيده ملكوت كل شيء، كيف يتصور أن تحوم حوله الغفلة والنسيان: ثم بيَّن ما ينبغي لرسوله أن يفعله بعد أن عرف هذا من عبادته والصبر عليها، فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ (الفاء) فيه فاء الفصيحة؛ أي: إذا عرفت يا محمد أنه الرب المسيطر على ما في السموات والأرض، وما بينهما، والقابض على أعنتها، وأردت بيان ما ينبغي لك .. فأقول لك أعبده واثبت على عبادته، والعبادة: قيام العبد بما تعبد به وتكلف من امتثال الأوامر واجتناب النواهي. وفي "التأويلات النجمية": ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ بجسدك ونفسك وقلبك وسرك وروحك، فعبادة جسدك إياه بأركان الشريعة، وهي الائتمار بما أمرك الله به، والانتهاء عما نهاك عنه، وعبادة نفسك بآداب الطريقة، وهي ترك موافقة هواها، ولزوم مخالفة هواها، وعبادة القلب الإعراض عن الدنيا وما فيها، والإقبال على الآخرة ومكارمها، وعبادة السر خلوّه عن تعلقات الكونين اتصالًا بالله تعالى، ومحبةً. وعبادة الروح: ببذل الوجود لنيل الشهود ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ؛ أي: واصبر على مشاقها وشدائدها, ولا تحزن بإبطاء الوحي واستهزاء الكفرة، وشماتتهم بك، فإنه يراقبك ويراعيك، ويلطف بك في الدنيا والآخرة، وإياك أن يصدك عنها ما يحدث من إبطاء الوحي وتقوُّل المشركين الخراصين عن سببه. وتعدية (١) الاصطبار باللام، لا بحرف الاستعلاء كقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ لتضمنه معنى الثبات للعبادة، فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق، كقولك للمبارز اصطبر لقرنك؛ أي: أثبت له فيما يورد عليك من شدائده وحملانه. ثم أكد الأمر بالعبادة بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ﴾؛ أي: هل تعلم يا محمد للرب سبحانه ﴿سَمِيًّا﴾؛ أي: مشاركًا له في اسمه؛ أي: في تسميته بلفظ الجلالة، أو برب السموات والأرض، والاستفهام (٢) فيه للإنكار، والمعنى: أنه ليس له مثل

стр. 7501

ولا نظير حتى يشاركه في العبادة، فيلزم من ذلك أن تكون غير خالصة له سبحانه، فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن يفرد بالعبادة، وتخلص له، وهذا مبتي على أن المراد بالسمي هو الشريك في المسمى، وقيل: المراد به: الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب، فقيل: المعنى إنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط، يعني: بعد دخول الألف واللام التي عوِّضت عن الهمزة، ولزمت، وقيل: المراد هل تعلم أحدًا اسمه الرحمن غيره. قال الزجاج: تأويله - والله أعلم - هل تعلم له سميًا يستحق أن يقال له خالق، وقادر، وعالم بما كان وبما يكون، وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه؛ لأن غيره وإن سمي بشيء من أسمائه فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. والمعنى (١): هل تعلم له سبحانه شبيهًا ومثلًا يستحق العبادة، لكونه منعمًا متفضلًا بجليل النعم وحقيرها، ومن ثم يجب تعظيمه غاية التعظيم، بالاعتراف بربوبيته، والخضوع لسلطانه، روي (٢) أن بعض الجبابرة سمى نفسه بلفظ الجلالة فصهر ما في بطنه من دبره، وهلك من ساعته. وقال فرعون مصر للقبط: أنا ربكم الأعلى، ولم يقدر أن يقول أنا الله. وقرأ الجمهور (٣): ﴿هَلْ تَعْلَم﴾ بإظهار اللام عند التاء، وقرأ الأخوان حمزة، والكسائي، وهشام وعلي بن نصر، وهارون كلاهما عن أبي عمرو، والحسن، والأعمش، وعيسى، وابن محيصن: بالإدغام فيهما قال أبو عبيدة: لغتان، وعلى الإدغام أنشدوا بيت مزاحم العقيلي: فَذَرْ ذَا وَلَكِنْ هَلْ تُعِيْنُ مُتَيَّمَاً ... عَلَى ضَوْءِ بَرْقٍ آخِرَ اللَّيْلِ نَاصِبِ ٦٦ - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ بطريق الإنكار والاستبعاد للبعث، وهو أبيّ بن خلف حين فتّ عظمًا باليًا فقال: يزعم محمد أنا نبعث بعدما نموت ونصير إلى هذه الحال!

стр. 7502

فأل فيه للتعريف العهدي وقيل (١): اللام في الإنسان للجنس بأسره وإن لم يقل هذه المقالة إلا البعض وهم الكفرة، فقد يسند للجماعة ما قام بواحدٍ منهم ﴿أَإِذَا مَا مِتّ﴾ وكنت رميمًا ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ من القبر حالة كوني ﴿حَيًّا﴾ وتقديم (٢) الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار، لما أن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابه بفعلٍ دل عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ وهو البعث لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها لصدارتها، وهي في الأصل: للحال، وهاهنا للتأكيد المجرد؛ أي: لتأكيد معنى همزة الإنكار في ﴿أَءِنَا﴾ ولذا جاز اقترانها بسوف الذي هو حرف الاستقبال، وفي "التكملة" اللام في قوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ﴾ ليست للتأكيد فإنه منكر، فكيف يحقق ما ينكر، وإنما كلامه حكايته لكلام النبي ﷺ كأنه ﷺ قال: إن الإنسان إذا مات لسوف يخرج حيًا، فأنكر الكافر ذلك، وحكى قوله فنزلت الآية على ذلك. حكاه الجرجاني في كتاب "نظم القرآن". قال في "بحر العلوم" (٣): لما كانت هذه اللام لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر .. وجب تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله لأنا سوف أخرج حيًا وما في ﴿إِذَا مَا﴾ للتوكيد أيضًا وتكرير التوكيد إنكار على إنكار. انتهى ﴿والهمزة﴾ في قوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذول و (الواو) عاطفة للجملة المنفية على ذلك المحذوف، والذكر في الأصل هو العلم بما قد علم من قبل، ثم تخلله سهو وهم ما كانوا عالمين، فالمراد به هنا التذكر والتفكر، والتقدير: أيقول الإنسان ذلك الكلام؛ أعني قوله: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾؛ أي: أيقول ذلك ولا يتفكر ولا يتذكر ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ وأوجدناه من نطفة منتنة ﴿مِنْ قَبْل﴾؛ أي: من قبل هذه الحالة التي هو فيها الآن، وهي حالة بقائه ﴿و﴾ الحال أنه ﴿لَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ موجودًا بل كان عدمًا صرفًا، فيعلم أن من قدر على الابتداء من غير سبق مادة قدر على الإعادة بجمع المواد بعد تفريقها، وفي

стр. 7503

هذا دليل على صحة القياس، حيث، أنكر عليه جهله في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى، فيستدل به على البعث والإعادة، قيل: لو اجتمع الخلق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار .. ما قدروا. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ أصله (١): لم يكن، حذفت النون تخفيفًا لكثرة الاستعمال، أو تشبيهًا بحروف العلة في امتداد الصوت، وقال الرضي: النون مشابه للواو في الغنة. والمعنى: أي (٢) أيقول ذلك ولا يتفكر الإنسان المجترىء على ربه المنكر لتلك الإعادة بعد الفناء، وللأحياء بعد الممات، أن الله خلقه من قبل مماته، فانشأه بشرًا سويًا من غير شيءٍ، فليعتبر بذلك، وليعلم أن من أنشاه كذلك لا يعجز عن إحيائه بعد مماته، وإيجاده بعد فنائه. والخلاصة: أي (٣) ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه، فيستدل بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة؛ لأن النشأة الأولى هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجود، ابتداعًا وإختراعًا، لم يتقدم عليه ما يكون كالمثال له، وأما النشأة الآخرة، فقد تقدم عليها النشأة الأولى، فكنت كالمثال لها. وقرأ الجمهور (٤): ﴿أَإِذَا﴾ بهمزة الاستفهام وقرأت فرقة - منهم ابن ذكوان بخلافٍ عنه -: ﴿إذا﴾ بدون همزة الاستفهام، وقرأ الجمهور: ﴿لَسَوْفَ﴾ باللام، وقرأ طلحة بن مصرف ﴿سأخرج﴾ بغير لام وسين الاستقبال عوض سوف، فعلى قراءته تكون إذا معمولًا لقوله: ﴿سأخرج﴾ لأن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده من الفعل فيما قبله، على أن فيه خلافًا شاذًا، وصاحبه محجوج بالسماع، قال الشاعر: فَلَمَّا رَأَتْهُ آمِنَاً هَانَ وَجْدُهَا ... وَقَالَتْ أَبُوْنَا هَكَذَا سَوْفَ يَفْعَلُ

стр. 7504

فهكذا منصوب بيفعل، وهو بحرف التنفيس، وحكى الزمخشري: أن طلحة بن مصرف قرأ: ﴿لسأخرج﴾ وقال الزمخشري: فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلا مخلصةً للتوكيد، كما أخلصت الهمزة في يا ألله للتعويض واضمحلّ عنها معنى التعريف. انتهى وقرأ الجمهور ﴿أُخْرَجُ﴾ مبنيًا للمفعول، وقرأ الحسن، وأبو حيوة: مبنيًا للفاعل، وقرأ أبو بحرية، والحسن، وشيبة، وابن أبي ليلى، وابن مناذر، وأبو حاتم، ومن السبعة عاصم، وابن عامر، ونافع ٦٧ - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ﴾ خفيفًا مضارع ذكر، وقرأ باقي السبعة، بفتح الذال والكاف وتشديدهما، أصله: يتذكر أدغم التاء في الذال، وقرأ أبيّ ﴿يتذكر﴾ على الأصل، قال الزمخشري: الواو عاطفة ﴿لا يذكر﴾ على يقول، ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف. وهذا رجوع منه إلى مذهب الجماعة، من أن حرف العطف إذا تقدمته الهمزة فإنما عطف ما بعدها على ما قبلها، وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام، وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة والحرف ما يصلح أن يُعطف عليه ما بعد الواو، فيُقرَّ الهمزة على حالها, وليست مقدمةً من تأخير، وقد رددنا عليه هذه المقالة، ٦٨ - ثم لما جاء بهذه الحجة التي أجمع العقلاءُ على أنه لم يكن في حجج البعث حجة أقوى منها .. أكدها بالقسم باسمه سبحانه مضافًا إلى رسوله تشريفًا وتعظيمًا، فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾؛ أي: فأقسمت لك يا محمد بربك ومالك أمرك لنحشرن هؤلاء القائلين بعدم البعث، أي: لنجمعنهم بالسوق إلى المحشر، ومعنى (١): ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لنسوقنهم إلى المحشر بعد إخراجهم من قبورهم أحياءً، كما كانوا، (والواو) في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ للعطف على الضمير المنصوب، أو بمعنى مع، روي أن كل كافر يحشر مع شيطانه الذي يضله في سلسلة.

стр. 7505

والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين يحشرهم الله تعالى مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم، وهذا ظاهر على جعل اللام في الإنسان للعهد، وهو الإنسان الكافر، وأما على جعلها للجنس فلكونه قد وُجد في الجنس من يحشر مع شيطانه ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ بعد الوقوف الطويل في المحشر ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ من خارجها حال كونهم ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جالسين (١) على الركب إهانةً لهم، أو لما يعرضهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، جمع جاث، من جثا يجثو ويجثى جثوًا وجثيًا فيهما، جلس على ركبتيه، كما في "القاموس" وعن ابن عباس ﵄ ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جماعات جماعاتٍ، جمع جثوة وهي الجماعة أو المجموع، من الشراب أو الحجارة ٦٩ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ أي: لنأخذن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أي: من كل فرقةٍ وجماعة منهم ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من هو أشد على الرحمن الذي غمرهم إحسانه ﴿عِتِيًّا﴾؛ أي: تكبراً وجراءةً على المعاصي ومجاوزة للحدود التى سنها لخلقه، والشيعة: الفرقة تبعت ديناً من الأديان، وخصص ذلك الزمخشري فقال: هي الطائفة التي شايعت؛ أي: تبعت غاويًا من الغواة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ ومعنى ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أي: ثم لنخرجن من كل أمة من كان أعصى لله وأعتى، فإنه ينزع من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم، والعتي هاهنا مصدر كالعتو، وهو: التمرد في العصيان، وقيل: المعنى: لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤساءَهم في الشر، وقصارى (٢) ذلك أن الله تعالى يحضرهم أولًا حول جهنم، ثم يميز بعضهم عن بعض، فمن كان أشدهم تمردًا في كفره .. خص بعذاب أعظم، فعذاب الضال المضل فوق عذاب من يضل بالتبع لغيره. وقرأ حمزة والكسائي وحفص (٣): ﴿جِثِيًّا﴾ و ﴿عِتِيًّا﴾ و ﴿صِلِيًّا﴾ بكسر الجيم والعين والصاد، والجمهور: بضمها وقرأ الجمهور ﴿أَيُّهُمْ﴾ بالرفع، وهي حركة

стр. 7506

بناء على مذهب سيبويه، وحركة إعرإب على مذهب الخليل ويونس، وقرأ طلحة بن مصرف، ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة، عن الأعمش ﴿أيهم﴾ بالنصب مفعولًا بـ ﴿لننزعن﴾ ٧٠ - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى﴾ وأحق ﴿بِهَا﴾؛ أي: بجهنم ﴿صِلِيًّا﴾؛ أي: دخولًا، فنبدأ بهم وهم المنتزعون من كل شيعة، والمعنى؛ أي: ثم لنحن العالمون بظواهر أعمالهم وبواطنها، وبما اجترحوا من السيئات، وبما دسوا به أنفسهم من الموبقات، وبمن هم أولى بجهنم دخولًا واحتراقًا، فنبدأ بهم أولًا، ثم بمن يليهم. وخلاصة ذلك: أنهم جميعًا يستحقون العذاب، لكنا ندخلهم في جهنم بحسب عتيهم وتجبرهم في كفرهم، ٧١ - ثم خاطب سبحانه الناس جميعًا، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: وما منكم أيها الناس، وقيل: القسم فيه مضمر؛ أي: والله ما منكم من أحد ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛ أي: واصل جهنم وداخلها ﴿كَانَ﴾ ورودهم إياها ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿حَتْمًا﴾؛ أي: أمرًا محتومًا، أوجبه الله سبحانه على نفسه، بمقتضى وعيده ﴿مَقْضِيًّا﴾؛ أي: مفروغًا منه قضاؤه، حتى إنه لا بد من وقوعه البتة؛ أي (١): وما أحد منكم أيها الناس إلا يدنو من جهنم، ويصير حولها، قد قضى ربك بذلك، وجعله أمرًا محتومًا مفروغًا منه، روى السدي عن ابن مسعود قال: "يرد الناس جميعًا الصراط، ويقومون حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل ... " في حديث طويل، وقال رسول الله ﷺ : "يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون بأعمالهم". ولا يخفى (٢) أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط، أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك؛ لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار، مع كون الداخل من المؤمنين مبعدًا من عذابها، أو بحمله على المضي فوق الجسر

стр. 7507

المنصوب عليها وهو الصراط. ٧٢ - ﴿ثُمَّ﴾ إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة، على قدر ما اجترحوا من الآثام والذنوب ﴿نُنَجِّي﴾ نحن ونسلم ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك والمعاصي منها بحسسب أعمالهم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: ونترك الظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في نار جهنم ﴿جِثِيًّا﴾؛ أي: جاثين جالسين على الركب كما جاؤوا، فإن قلت (١): إذا لم يكن في دخول المؤمنين عذاب، فما الفائدة فيه؟. قلت؛ فيه وجوه: الأول: أن يزيدهم سرورًا إذا علموا الخلاص منه. الثاني: يزيد غم أهل النار، لظهور فضيحتهم عند المؤمنين الذين يخوفونهم بالنار. والثالث: يرون أعداءَهم المؤمنين قد تخلصوا منها، وهم يبقون فيها. والرابع: أن المؤمنين إذا كانوا معهم فيها .. بكتوهم فيزداد غمهم. والخامس: أن مشاهدة عذابهم توجب مزيد التذاذهم بنعيم الجنة. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وجماعة (٢): ﴿وإن منهم﴾ بالهاء للغيبة على ما تقدم من الضمائر، وقرأ الجمهور: ﴿ثُمَّ﴾ بحرف العطف، وهذا يدل على أن الورود عام، وقرأ عبد الله، وابن عباس، وأبي، وعلي، والجحدري، وابن أبي ليلى، ومعاوية بن قرة، ويعقوب ﴿ثُمَّ﴾؛ أي: هناك، ووقف ابن أبي ليلى ﴿ثمة﴾ بهاء السكت، وقرأ الجمهور: ﴿نُنَجِّي﴾ بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ يحيى، والأعمش، والكسائي، وابن محيصن: بإسكان النون وتخفيف الجيم، وقرأ فرقة ﴿نجي﴾ بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة وقرأ علي ﴿ننحي﴾ بحاء مهملة مضارع نحَّى.

стр. 7508

الإعراب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾. ﴿وَاذْكُرْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿اذكر﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلق بـ ﴿اذكر﴾، ﴿مُوسَى﴾: مفعول به ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿مُخْلَصًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾: فعل ناقص وخبره واسمه ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ الأولى ﴿نَبِيًّا﴾ خبر ثان لـ ﴿كَانَ﴾ ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ الأولى ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ناديناه﴾. ﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفة لـ ﴿جَانِبِ﴾ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿ناديناه﴾. ﴿نَجِيًّا﴾ حال من أحد الضميرين في ﴿ناديناه﴾ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: مناجيًا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ناديناه﴾. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿وَهَبْنَا﴾ أيضًا ومعنى ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض؛ أي: بعض رحمتنا، أو للتعليل؛ أي: من أجل رحمتنا إياه ﴿أَخَاهُ﴾ مفعول به لـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿أَخَاهُ﴾. ﴿نَبِيًّا﴾ حال من ﴿هَارُونَ﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾. ﴿وَاذْكُرْ﴾ فعل أمر ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلق به وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ مفعول به والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾: فعل ناقص وخبره واسمه ضمير يعود على إسماعيل وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ فعل ناقص وخبره ﴿نَبِيًّا﴾: خبر ثان له واسمه

стр. 7509

ضمير يعود على ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ الأولى ﴿وَكَانَ﴾: فعل ناقص معطوف على ﴿كَانَ﴾: الأولى واسمه ضمير يعود على ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾. ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ وجملة ﴿يَأْمُرُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿يأمر﴾ ﴿وَالزَّكَاةِ﴾: معطوف على ﴿الصلاةِ﴾، ﴿وَكَانَ﴾: فعل ناقص معطوف على ﴿كَانَ﴾ الأولى واسمه ضمير يعود على ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مَرْضِيًّا﴾. ﴿مَرْضِيًّا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾. ﴿وَاذْكُرْ﴾ فعل أمر معطوف على ﴿اذكر﴾ الأول وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿في الْكِتَابِ﴾: متعلق به ﴿إِدْرِيسَ﴾: مفعول به ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كَانَ صِدِّيقًا﴾: فعل ناقص وخبره ﴿نَبِيًّا﴾: خبر ثان له واسمه ضمير يعود على ﴿إِدْرِيسَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ أي محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَرَفَعْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿مَكَانًا﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿رفعناه﴾. ﴿عَلِيًّا﴾: صفة لـ ﴿مَكَانًا﴾ وجملة ﴿رفعناه﴾ أي محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ والخطاب لمحمد ﷺ واسم الإشارة: واقع على الأنبياء المذكورين في هذة السورة, وهم عشرة: أولهم في الذكر زكريا وآخرهم إدريس ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في نحل الرفع خبر المبتدأ, أو بدل من اسم الإشارة, والجملة الاسمية, مستأنفة ﴿أَنْعَمَ الله﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾: والجملة صلة الموصول ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ حال من الموصول ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: بدل ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بإعادة الجار, ﴿وَمِمَّنْ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾. ﴿حَمَلْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة: صلة الموصول, والعائد: محذوف تقديره: وممن حملناه ﴿مَعَ نُوحٍ﴾ ظرف متعلق

стр. 7510

بـ ﴿حَمَلْنَا﴾ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، معطوف على قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾: معطوف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ﴿هَدَيْنَا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: هديناهم ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾: معطوف على ﴿هَدَيْنَا﴾. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿تُتْلَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾، متعلق به ﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ على كونه فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿خَرُّوا﴾ فعل وفاعل ﴿سُجَّدًا﴾ حال من فاعل ﴿خَرُّوا﴾. ﴿وَبُكِيًّا﴾ معطوف على ﴿سُجَّدًا﴾ وجملة ﴿خَرُّوا﴾: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إِذَا﴾ مع جوابها: مستأنفة لا محل لها من الإعراب إذا أعربنا ﴿الَّذِينَ﴾ خبرًا وإذا أعربنا ﴿الَّذِينَ﴾ بدلًا فتكون هي الخبر. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾. ﴿فَخَلَفَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة أو استئنافية ﴿خلف﴾: فعل ماض ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلف﴾ أو حال من ﴿خَلْفٌ﴾. ﴿خَلْفٌ﴾: فاعل والجملة: معطوفة على جملة الصلة في قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أو مستأنفة ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿خَلْفٌ﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. ﴿فَسَوْفَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت قبائح هؤلاء الخلف وأردت بيان عاقبتم .. فأقول لك ﴿سوف يلقون﴾. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس واستقبال ﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة: إذا المقدرة: مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء متصل على الراجح ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من فاعل ﴿يَلْقَوْنَ﴾ مبني على السكون ﴿تَابَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿وَآمَنَ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿تَابَ﴾ وكذلك ﴿وَعَمِلَ﴾: معطوف عليه ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به أو مفعول مطلق؛

стр. 7511

أي: عملًا صالحًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت هذا الاستثناء وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك ﴿أولئك﴾. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة: في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق ولك أن تجعله مفعولًا ثانيًا بتضمين ﴿يُظْلَمُونَ﴾ معنى ينقصون، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾. ﴿جَنَّاتِ﴾: بدل من الجنة منصوب بالكسرة ﴿عَدْنٍ﴾: مضاف إليه من عدن بالمكان إذا أقام، وقد جرى مجرى العلم، ولذلك ساغ وصفها بالتي ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية: صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: وعدها الرحمن عباده ﴿بِالْغَيْبِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿عِبَادَهُ﴾؛ أي: وعدهم إياها وهم غائبون عنها لا يرونها، أو حال من ضمير ﴿الجنة﴾ العائد على الموصول؛ أي: وعدها إياهم وهي غائبة عنهم ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، والضمير في إنه يعود على ﴿الرَّحْمَنُ﴾ والمعنى: إن الرحمن كان وعده مأتيًا، أو على الشأن، لأنه مقام تعظيم وتفخيم ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة: في محل النصب حال من ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم في الجنة ﴿لَغْوًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع ﴿سَلَامًا﴾ منصوب على الاستثناء ﴿وَلَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿رِزْقُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿فِيهَا﴾: حال من ضمير ﴿رِزْقُهُمْ﴾؛ أي: حالة كونهم مستقرين فيها، والجملة: مستأنفة ﴿بُكْرَةً﴾ ظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر في قوله ﴿لَهُمْ﴾. ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوف على ﴿بُكْرَةً﴾. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾.

стр. 7512

﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾: مبتدأ وخبره، والجملة: مستأنفة ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿الْجَنَّةُ﴾. ﴿نُورِثُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ولجملة: صلة الموصول، والعائد: محذوف تقديره: نورثها ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ جار ومجرور حال من اسم ﴿كَانَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿نُورِثُ﴾ ﴿كَانَ﴾. فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿تَقِيًّا﴾ خبرها وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية ﴿مَا﴾ نافية ﴿نَتَنَزَّلُ﴾ هو فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على جبريل ومن معه من الملائكة، والجملة: مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء من أعم الأحوال ﴿بِأَمْرِ رَبِّك﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿نَتَنَزَّلُ﴾؛ أي: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ في حال من الأحوال إلا في حالة كوننا متلبسين ﴿بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وإذنه ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر والجملة: في محل النصب حال من ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول ﴿أَيْدِينَا﴾: مضاف إليه للظرف ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مَا﴾ موصول في محل الرفع معطوف على ما الموصولة في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ﴿خَلْفَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿مَا﴾ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: معطوف أيضًا على ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة ﴿كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة: مستأنفة ﴿وَمَا﴾ اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره، إذا عرفت أنه مالك السموات والأرض، وأردت بيان ما هو اللازم لك في حقه سبحانه: فأقول لك ﴿اعبده﴾ ﴿أعبده﴾: فعل أمر ومفعول به وفاعله ضمير يعود على محمد،

стр. 7513

والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿فَاعْبُدْهُ﴾. وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لِعِبَادَتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿اصْطَبِرْ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري ﴿تَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، لـ ﴿تَعْلَمُ﴾ ﴿سَمِيًّا﴾ مفعول أول له والجملة الفعلية: جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾. ﴿وَيَقُولُ﴾ الواو: استئنافية ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ فعل وفاعل والجملة: مستأنفة ﴿إِذَا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بفعل محذوف دل عليه قوله ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾؛ لأن (اللام): تمنع من تعلقه بـ ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكور بعده لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، والتقدير: أإذا ما مت أبعث ﴿مَا﴾: زائدة ﴿مِتُّ﴾ فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿لَسَوْفَ﴾: اللام حرف ابتداء جيء بها لمجرد تأكيد الإنكار ﴿سوف﴾ حرف استقبال ﴿أُخْرَجُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على الإنسان ﴿حَيًّا﴾: حال من فاعل ﴿أُخْرَجُ﴾ وجملة ﴿أُخْرَجُ﴾: دال على جواب إذا لا محل لها من الإعراب، أو هي الجواب، واللام زائدة، والتقدير: أأخرج حيا وقت موتي، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾ وساغ اجتماع اللام وهي تمحض الفعل للحال وسوف وهي تمحضه للاستقبال؛ لأن اللام هنا لمجرد التوكيد، وإنما جردت اللام من معناها لتلائم ﴿سوف﴾ دون أن تجرد ﴿سوف﴾ من معناها لتلائم اللام لأنه لو عُكس هكذا للغت ﴿سوف﴾ إذ لا معنى لها سوى الاستقبال، وأما اللام فإنها إذا جردت من الحال .. بقي لها التوكيد فلم تلغ، ﴿أَوَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لا﴾ نافية ﴿يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾: فعل وفاعل والجملة: معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيًا، ولا يذكر أنا خلقنا .. إلخ. والجملة. المحذوفة: مستأنفة لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿خَلَقْنَاهُ﴾: فعل وفاعل

стр. 7514

ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ وجملة ﴿خَلَقْنَاهُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة: ﴿أن﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية فـ ﴿يذكر﴾ والتقدير: أولا يذكر الإنسان خلقنا إياه من قبل ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿لم﴾ حرف نفي وجزم ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾: وعلامة جزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة للتخفيف هي فعل من الأفعال الناقصة والناسخة، واسمها ضمير يعود على ﴿الْإِنْسَانُ﴾. ﴿شَيْئًا﴾: خبرها والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿خَلَقْنَاهُ﴾. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾. ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ الفاء: استئنافية. ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم ﴿رَبِّكَ﴾ مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره أقسم بربك يا محمد، والجملة المحذوفة: مستأنفة ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾: اللام موطئة للقسم ﴿نحشرن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله؛ ضمير يعود على الله، والهاء: ضمير الغائبين في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الشَّيَاطِينَ﴾: معطوف على ضمير الغائبين، أو الواو واو المعية ﴿الشَّيَاطِينَ﴾: مفعول معه ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف و ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿نحضرنهم﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ونون توكيد ومفعول به معطوف على ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾. ﴿حَوْلَ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿نحضرن﴾ ﴿جَهَنَّمَ﴾: مضاف إليه ﴿جِثِيًّا﴾: حال من هاء ﴿نحضرنهم﴾. ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ اللام: موطئة للقسم ﴿ننزعن﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله: ضمير يعود على الله والجملة: معطوفة على جملة ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾. ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾: جار ومجرور إليه متعلق بـ ﴿ننزعن﴾. ﴿أَيُّهُمْ﴾ ﴿أَيُّ﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل النصب مفعول به، مبني على الضم، لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا لافتقارها إلى جملة

стр. 7515

الصلة، وإنما حركت ليعلم أن لها أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة ضمة إيثارًا لها بأقوى الحركات، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع ﴿أَشَدُّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو أشد والجملة الاسمية: صلة لأي الموصولة ﴿عَلَى الرَّحْمَنِ﴾ متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾ ﴿عِتِيًّا﴾: تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذي هو ﴿أَشَدُّ﴾: منصوب باسم التفضيل، والأصل عتوه، أي: جراءَته على الرحمن أشد من جراءة غيره. ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿لَنَحْنُ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ ﴿أَعْلَمُ﴾ خبر والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾. ﴿بِالَّذِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿هُمْ أَوْلَى﴾: مبتدأ وخبر ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾ ﴿صِلِيًّا﴾ تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل والجملة الاسمية صلة الموصول وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب، لا التخصيص بأصل العذاب لاشتراكهم فيه. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية ﴿إنْ﴾ نافية بمعنى: ما. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار مجرور صفة لمبتدأ محذوف تقديره: وما أحد كائن منكم ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر ﴿وَارِدُهَا﴾ خبر المبتدأ، والجملة: مستأنفة ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على الورود ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ متعلق بـ ﴿حَتْمًا﴾. ﴿حَتْمًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿مَقْضِيًّا﴾ صفة ﴿حَتْمًا﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿نُنَجِّي الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ وما بينهما اعتراض ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿نُنَجِّي﴾: وفاعله ضمير يعود على الله ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿نذر﴾ أو بـ ﴿جِثِيًّا﴾. ﴿جِثِيًّا﴾: حال من ﴿الظَّالِمِينَ﴾: أو مفعول ثان لـ ﴿نذر﴾؛ أي: نتركهم فيها ﴿جِثِيًّا﴾.

стр. 7516

التصريف ومفردات اللغة ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾؛ أي: إن الله أخلصه واصطفاه، وأبعد عنه الرجس، وطهره من الذنوب والآثام، كما جاء في الآية الأخرى ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ﴿نَجِيًّا﴾؛ أي: مناجيًا مكلمًا لله بلا واسطة، أصله: نجيو من نجا ينجو، اجتمعت حرفا علة فسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً، ثم أدغمت الياء في الياء فصار ﴿نَجِيًّا﴾. ﴿مَرْضِيًّا﴾ العامة على قراءته كذلك معتلًا، وأصله: مرضووٌ بواوين الأولى زائدة كهي في مضروب، والثانية لام الكلمة لأنه من الرضوان، فأعل بقلب الواو الأخيرة ياءً، لوقوعها متطرفةً، فاجتمعت الياء والواو فسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً، فأدغمت الياء في الياء فصار ﴿مَرْضِيًّا﴾ ويجوز النطق بالأصل، وقرأ ابن أبي عبلة: بهذا الأصل وهو الأكثر اهـ. "سمين". ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ قيل سمي إدريس لكثرة دراسته كتاب الله ، وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان إفعيلًا من الدرس .. لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفًا، فامتناعه من الصرف دليل على عجمته، وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة .. كثرت منه أمثال هذه الهنات، ويجوز أن يكون معنى إدريس في تلك اللغة قريبًا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقًا من الدرس، وما أجمل حرية الرأي. اهـ من "إعراب القرآن". ﴿سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾: جمع ساجدٍ وباكٍ والأول قياس كراكع وركع وعاذل وعذَّل، والثاني شاذ؛ لأن قياس فاعل من المنقوص أن يُجمع على فعلة، كقاضٍ وقضاةٍ؛ وباغٍ وبغاةٍ ورامٍ ورماةٍ وساعٍ وسعاةٍ وطاغٍ وطغاةٍ؛، فقياس باكٍ هنا أن يجمع على بكاةٍ، كما قال ابن مالك: فِىْ نَحْوِ رَامٍ ذُوْ اطَّرَادٍ فُعَلَهْ ﴿فَخَلَفَ﴾؛ أي: وجد وحدث ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد النبيين

стр. 7517

المذكورين ﴿خلف﴾؛ أي: عقب، وجماعة يستعملون الخلف بسكون اللام كما هنا في الشر، فيقال خلف سوءٍ وبفتحها في الخير، فيقال: خلف صالح قال في "الكشاف" خلفه إذا عقبه، ثم قيل: في عقب الخير خَلَف بالفتح، وفي عقب السوء خلْف بالسكون، كما قالوا وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر، وقال اللحياني: الخلف بفتحتين الولد الصالح، والخلف بفتح فسكون الرديء ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: كلّ شرٍ عند العرب غي، وكل خيرٍ رشاد، قال المرقش الأصغر: فَمَنْ يَلْقَ خَيرَاً يَحْمَدِ النَّاسَ أَمْرُهُ ... وَمَنْ يَغْوَ لاَ يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لاَئِمَا ﴿جِثِيًّا﴾ على الركب يقال: جثا إذا قعد على ركبتيه، وهي قعدة الخائف الذليل، كما في "البحر" يجثو ويجثي جثوًا وجثايةً فهو جمع جاثٍ، وأصله: جثوو إن قلنا من جثا يجثو بواوين قلت الواو الثانية ياءً ثم الأولى كذلك، وأدغمت الياء في الياء، أو جثوى إن قلنا من جثا يجثي، فقلبت الواو ياءً وأدغمت في الياء، وعلى كلا الوجهين كسرت الثاء لتصح الياء، فالجيم مكسورة ومضمومة: قراءتان سبعيتان ﴿صِلِيًّا﴾؛ أي: دخولًا واحتراقًا، مصدر من صلي، يقال: صلي يصلى صليًا، مثل لقى يلقى لقيًا، وصلى يصلي مثل مضى يمضي مضيًا، أصله: صلوي اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، وكسرت اللام لتصح الياء، ويقال: صلى بالنار إذا قاسى حرها ﴿وَارِدُهَا﴾؛ أي: مار عليها ﴿حَتْمًا﴾؛ أي: واجبًا ﴿مَقْضِيًّا﴾؛ أي: قضي بوقوعه البتة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ شبه المكانة العظيمة، والمنزلة السامية بالمكان العالي بطريق الاستعارة. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾؛ أي: مبالغةً في الصدق.

стр. 7518

ومنها: الإشارة بالبعيد لعلو الرتبة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ تنزيلًا لبعد المعنوي منزلة البعد الحسين. ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ لتغير الحركات والشكل. ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ وهو قسمان: أحدهما: أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء، صفة مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها في صفة الذم المنفية، ومنه قول النابغة الذبياني: وَلاَ عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فقد جعل الفلول عيبًا علي سبيل التجوز، بتًا لنفي العيب بالكلية، كأنه يقول: إن كان فلول السيف من القراع عيبًا فإنهم ذوو عيب، معناه: إن لم يكن عيبًا فليس فيهم عيب البتة؛ لأنه لا شيء سوى هذا، فهو بعد هذا التجوز والفرض استثناء متصل. وثانيهما: أن تثبت لشيء صفة مدحٍ وتعقب ذلك بأداة استثناء، يليها صفة مدحٍ أخرى لذلك الشيء، نحو "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش". ومنها: التشبيه التمثيلي البليغ في قوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ فقد شبه عطاء الجنة لهم بالعطاء الذي لا يرد وهو: الميراث الذي يرثه الوارث، فلا يرجع فيه المورث؛ أي: نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم، كما يُبقى على الوارث مال مورثه، والوراثة أقوى لفظٍ يستعمل في التمليك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخٍ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. ومنها: الطباق في قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ وبين ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. ومنها: فن القسم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ وهو: أن يريد المتكلم الحلف على شيء، فيحلف بما يكون فيه، فخر له وتعظيم لشأنه، أو تنويه لقدره، أو ما يكون ذمًا لغيره، أو جاريًا مجرى الغزل والترقق، أو خارجًا

стр. 7519

مخرج الموعظة والزهد، فقد أفاد القسم هنا أمرين: أحدهما: أن العادة جرت بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافًا إلى رسوله ﷺ رفعًا منه لقدره، وتنويهًا بشأنه، كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. ومنها: الافتنان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ والافتنان أن يَفْتنَّ المتكلم، فيأتي في كلامه بفنَّين: إما متضادين أو مختلفين أو متفقين، والآية التي نحن بصددها جمعت بين المتضادين، جمعت بين الوعد والوعيد، وبين التبشير والتحذير، وما يلزم من هذين الفنين من المدح للمختصين بالبشارة، والذم لأهل النذارة. ومنها: الالتفات في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ففيه التفات من الغيبة في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ و ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ كان مقتضى السياق ﴿وإن منهم إلا واردها﴾ كما قرأ به عكرمة، وجماعة، لكن الأكثرون على أن المخاطب العالم كلهم كما في "الخازن". ومنها: ذكر العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الكافر، لأنه هو المنكر للبعث. ومنها: الطباق بين ﴿مِتُّ﴾ و ﴿حَيًّا﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7520

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أقام الحجة على مشركي قريش، المتكبرين للبعث بعد الفناء، وللعودة إلى حياة أخرى .. أتبعه بذكر شبهة أخرى قالوها، وعارضوا بها حجة الله التي يشهد بصحتها كل منصف، ويعتقدها من له أدنى مسكة من عقل. تلك أنهم قالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل .. لكان حالكم في

стр. 7521

الدنيا أحسن وأطيب من حالنا، من قبل أن الحكيم لا يليق به أن يوقع المخلصين من أوليائه في الذل والمهانة، وأعدائه في العز والراحة، لكنا نجد الأمر على العكس من هذا، فإنا نحن الذين يمتعون برفاهية العيشى والرخاء والنعيم، وأنتم في ضنكٍ وفقرٍ وخوفٍ وذلٍ، فهذا دليل على أنا على الحق وأنتم على الباطل وقد رد الله تعالى عليهم مقالتهم بأن الكافرين قبلكم وكانوا أحسن منكم حالًا، وأكثر أموالًا، قد أبادهم الله، وأهلكهم بعذاب الاستئصال، فدل هذا على أن نعيم الدنيا لا يرشد إلى محبة الله لمن أوتوه، ولا إلى أنهم مصطفون له من بين خلقه. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه (١) لما ذكر الدلائل على صحة البعث، ثم أورد شبه المنكرين له وأجاب عنها بما فيه مقنع لكل ذي لب .. أردف ذلك بذكر مقالتهم التي قالوها استهزاءً وطعناً في القول بالحشر والبعث. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر إنكار المشركين للبعث مع قيام الدليل على إمكانه بما نشاهد من أمر الخلق في النشأة الأولى .. أردف ذلك بالرد على عباد الأصنام، الذين اتخذوا أصنامهم آلهة ليعتزوا بهم يوم القيامة عند ربهم، ويكونوا شفعاء لهم لديه، فبيَّن أنهم سيكونون لهم أعداء، وأنه ما جرَّأهم على تلك الغواية إلا وسوسة الشيطان لهم، ثم طلب إلى رسوله أن لا يستعجل المشركين، فإنما هي أنفاس معدودات ثم يهلكون، ثم ذكر ما يحوط المؤمنين من الكرامة حين وفودهم إلى ربهم، وما يحيق بالمشركين من الإهانة حين يرِدون عليه. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما (٢) رد على عبدة الأوثان، وأثبت لهم بقاطع

стр. 7522

الأدلة أنهم في ضلالهم يعمهون، وأنهم عن الحق معرضون .. أردف ذلك بالرد على من أثبت له الولد، كاليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة الآية لما قبلها؛ أن الله ، لما فصَّل أحوال الكافرين في الدنيا والآخرة، وبالغ في الرد عليهم .. ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين وبيّن أنه سبحانه سيغرس محبتهم في قلوب عباده، وبعد أن استقصى في السورة دلائل التوحيد والنبوة والحشر، ورد فيها على فرق المبطلين، بين أنه ذلك بلسان نبيه ﷺ ليبشر به المتقين، وينذر به قومًا من المشركين ذوي الجدل والمماراة. أسباب النزولى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه البخاري في (ج ٥/ ص ٢٢١) قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب قال: كنت قينًا في الجاهلية، وكان لى على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث، قال: دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتى مالًا وولدًا فأقضيك، فنزلت ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ والحديث رواه مسلم، والترمذي، وأحمد، والطيالسي، وابن سعد، وابن جرير، والطبراني، وغيرهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير، عن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر إلى المدينة .. وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة

стр. 7523

وأمية بن خلف، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ قال: محبةً في قلوب المؤمنين. التفسير وأوجه القراءة ٧٣ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على المشركين ﴿آيَاتُنَا﴾ القرآنية الناطقة بحسن حال المؤمنين، وسوء حال الكفرة حالة كونها ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: مرتلاتِ الألفاظ، مبينات المعاني، واضحاتِ الإعجاز، وهي (١) حال مؤكدة، فإن آيات الله لا ينفك عنها الوضوح، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: الذين مردوا منهم على الكفر، ومرنوا على العناد، كنضر بن الحارث وأتباعه الفجرة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: لفقراء المؤمنين الذين هم في خشونة عيش، ورثاثة ثياب، وضيق منزل، - واللام فيه للتبليغ - لأنهم شافهوا المؤمنين وخاطبوهم بقولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ منا ومنكم؛ أي: من المؤمنين والكافرين، كأنهم قالوا أينا ﴿خَيْرٌ﴾ وأحسن ﴿مَقَامًا﴾؛ أي: منزلًا ومسكنًا، أنحن أم أنتم، وهو موضع الإقامة ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾؛ أي: مجلسًا ومجتمعًا؛ أي: أنحن أم أنتم، قال بعض المفسرين: الندي المجلسى الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم، وقرأ الجمهور ﴿مَقَامًا﴾ بفتح الميم وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، والجعفي، وأبو حاتم عن أبي عمرو: بضم الميم واحتمل الفتح والضم أن يكون مصدرًا، أو موضع قيام، أو إقامةٍ وانتصابه على التمييز. والمعنى: أي وإذا تتلى على المشركين آياتنا واضحات الدلالة .. قالوا مفتخرين على المؤمنين، ومحتجين على صحة ما هم عليه من الباطل: أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشًا، وأنعم بالًا، وأفضل مسكنًا، وأحسن مجلسًا، وأجمع عددًا، أنحن أم أنتم؟ فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل وأولئك المستخفون المستترون في دار الأرقم ابن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا

стр. 7524

سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. روي (١): أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنوها، ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، فإذا سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها، والدخل عليها .. قالوا مفتخرين بالحظوظ الدنيوية على فقراء المؤمنين: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل .. لكان حالكم في الدنيا أحسن؛ لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه في العذاب والذل، وأعداءه في العز والراحة لكن الأمر بالعكس، وقصدهم بهذا الكلام، صرفهم عن دينهم، ٧٤ - فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وكم: خبرية بمعنى عدد كثير مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: بيان لإبهامها وأهل كل عمر قرن لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم مأخوذ من قرن الدابة، وهو: مقدمها وقوله: و ﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ في محل الجر على أنه صفة لقرن، وما في "الشوكاني" هنا أنه في محل نصب صفة لكم غير صواب ﴿أَثَاثًا﴾ تمييز عن النسبة وهو متاع البيت ﴿وَرِئْيًا﴾ هو المنظر والهيئة؛ أي: وقد أهلكنا قبل هؤلاء المشركن كثيرًا من أمةِ عاتيةٍ، كعاد، وثمود، وغيرهما ﴿هُمْ﴾؛ أي: أولئك القرون أحسن من هؤلاء المشركين أثاثًا ورئيًا؛ أي: أموالًا وأمتعةً، ومناظر ذات جمال وزخرف. والمعنى (٢): كثيرًا من القرون التي كانوا أفضل منهم فيما يفتخرون به، من الحظوظ الدنيوية، كعاد، وثمود، وأضرابهم من الأمم العاتية، قبل هؤلاء؛ أي: كفار قريش أهلكناهم بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا .. لما فعلنا بهم ما فعلنا؛ أي: فإن ما أنتم (٣) أيها المشركون فيه من النعم محض استدراج لم ينفعكم الترفه شيئًا عند نزول النبلاء بكم، كما وقع للأمم الماضية، حيث كانوا في رفاهيةٍ أكثر منكم، ومع ذلك أهلكهم الله بكفرهم، ولم ينفعهم الترفه شيئًا.

стр. 7525

وخلاصة هذا (١): إن كثيرًا ممن كانوا أعظم منكم نعمةً في الدنيا، كعاد، وثمود، وأضرابهم من الأمم العاتية، قد أهلكهم الله، فلو صدق ما تدعون من أن النعمة في الدنيا تدل على الكرامة عند الله .. ما أهلك أحدًا من المتنعمين بها، وفي هذا من التهديد والوعيد ما لا يخفى، وكأنه قيل: فليترقب هؤلاء أيضًا مثل ذلك، فسيحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم من المثلات. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَرِئْيًا﴾ بالهمزة من رؤية العين، فعل بمعنى مفعول، كالطحن بمعنى المطحون، والذبح بمعنى المذبوح، وقال ابن عباس: الرأي: المنظر، وقال الحسن: معناه صوراً، وقرأ الزهري، وأبو جعفر، وشيبة، وطلحة، في رواية الهمداني، وأيوب، وابن سعدان، وابن ذكوان، وقالون: ﴿وريا﴾ بتشديد الياء من غير همز، فاحتمل أن يكون مهموز الأصل من الرواء والمنظر، سهلت همزته بإبدالها ياءً، ثم أدغمت الياء في الياء، واحتمل أن يكون من الري ضد العطش؛ لأن الريان من الماء له من الحسن والنضارة ما يستحب ويستحسن، كما له منظر حسن من وجه آخر مما يرى ويقال، وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش عن عاصم وحميد ﴿وريئًا﴾ بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعًا، وكأنه من راء وقرىء ﴿ورياءً﴾ بياء بعدها ألف وبعدها همزة، حكاها اليزيدي، وأصله: ورئاء من المراآة؛ أي: يرى بعضهم بعضًا حسنه، وقرأ ابن عباس، فيما روى عن طلحة ﴿وريًا﴾ من غير همزٍ ولا تشديدٍ، فتجاسر بعض الناس وقال: هي لحن، وليس كذلك، بل لها توجيه: بأن تكون من الرواء وقلب فصار ﴿وَرِئْيًا﴾ ثم نقلت حركة الهمزة إلى الياء، وحذفت، أو بأن تكون من الري وحذفت إحدى الياءَين تخفيفًا كما حذفت في لا سيما، والمحذوفة الثانية؛ لأنها لام الكلمة؛ لأن الثقل إنما حصل للكلمة بأنضمامها إلى الأولى، فهي أولى بالحذف، وقرأ ابن عباس أيضًا، وابن جبير، ويزيد البربري، والأعصم المكي ﴿وزيا﴾ بالزاي مشدد الياء، والزي: الهيئة الحسنة والآلات المجتمعة المستحسنة، من زويت بمعنى جمعت، فيكون أصلها: زويًا فقلبت الواو ياءً ثم

стр. 7526

أدغمت في الياء، والزي محاسن مجموعة، وفي "التأويلات النجمية" في معنى الآية ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون متبعوا شهوات أنفسهم، ضاحكون مستبشرون ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ منا ومنكم ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: أفريقنا خير أم فريقكم خير ﴿مَقَامًا﴾؛ أي: منزلةً ومرتبةً في الدنيا، ووجاهةً عند الناس، وتوسعاً في المعيشة ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾؛ أي: مجلسًا ومنصبًا وحكمًا، فقال تعالى في جوابهم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾؛ أي: أهلكنا بحب الدنيا ونعيمها، إذ أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾؛ أي: استعدادًا واستحقاقًا في الكمالات الدينية منكم، كما قال ﵊ "خياركم في الإِسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا" اهـ. ٧٥ - ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يجيب هؤلاء المفتخرين بالمال والمنال بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين للمؤمنين: أي الفريقين خير مقامًا، وأحسن نديًا ﴿مَنْ﴾ شرطية ﴿كَانَ﴾ مستقرًا ﴿فِي الضَّلَالَةِ﴾؛ أي: في الكفر والجهل والغفلة عن عواقب الأمور ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أمر بمعنى الخبر؛ أي: يمد له الرحمن، ويزيده في شهواته، ويمهله بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكين من التصرفات؛ أي: يمد له الرحمن مدًا، ويزيده في المال زيادةً، ويمهله في العمر إمهالًا، استدراجًا له وقطعًا للمعاذير يوم القيامة. وإخراجه (١) على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يُفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير، أو للاستدراج، واعتبار الاستقرار في الضلالة، لما أن المد لا يكون إلا للمصرين عليها، إذ رب ضال يهديه الله، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية.

стр. 7527

وذكر الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعًا اهـ شيخنا. وقيل (١): المراد بالآية الدعاء بالمد، والنفيس، قال الزجاج: تأويله أن الله سبحانه جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فيها؛ لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان المتكلم يقول: أفعل ذلك وآمر به نفسي. انتهى. وقال: بعضهم معنى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾؛ أي (٢): فليستدرجه الرحمن استدراجًا بمد عمره، وتوسيع ماله، وتكثير ولده، أو فليمهله الرحمن إمهالًا بمد راحته على الطغيان، وإيصال نعمته على وجه الإحسان حتى يقع في العقاب والعذاب، على سبيل التدريج لا التعجيل، فيكون عقابه وعذابه أكمل وأشمل أثرًا وألمًا؛ لأن الأخذ على طريق التدريج والنعمة، أشد منه على سبيل التعجيل والنقمة، مع أن مبدأ المد مطلقًا هو الرحمن دون القهار أو الجبار؛ لأن كلاً منهما مبدأ الشدة، ولذلك عبر به لا بغيره، هذا هو الخاطر ببالي في وجه التعبير بالرحمن، وإن كانت أشدية عقاب الرحمن وجهاً، لكن وجه أشدية عقابه ما ذكرنا؛ لأنه إذا أراد العقاب .. يأتي به على وجه الرحمة والنعمة، فيكون كدراً بعد الصفاء، وألمًا بعد الراحة، وشدةً بعد الرخاء، فهذا أقوى أثرًا، والحاصل: أنه لا يتصور وقوع المد المذكور، إلا من الرحمن؛ لأنه أصله ومنشؤه. انتهى كلامه. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ (٣) غاية للمد الممتد، وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى من، كما أن الإفراد في الضميرين الأولين باعتبار لفظها؛ أي: من كان في الضلالة يمد له الرحمن مدًا، ويستدرجهم استدراجًا، حتى إذا رأوا ما يوعدون من الله، وقوله: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ تفصيل للموعود على سبيل البدل، فإنه إما العذاب أو الساعة؛ أي: حتى إذا رأوا الموعود لهم، إما العذاب الدنيوي، بغلبة المسلمين، واستيلائهم عليهم، وتعذيبهم إياهم قتلًا وأسرًا، وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال، على طريقة الخلو

стр. 7528

دون الجمع، فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال، وقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ جواب الشرط؛ أي: حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي، أو الأخروي فقط .. فسيعلمون حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ أي: منزلًا من الفريقين ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾؛ أي: أنصارًا وأعوانًا منهما، بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يحسبونه فيعلمون أنهم شر مكانًا لا خير مقامًا ويرون أنهم أضعف جندًا وأعوانًا وأنصارًا، لا أحسن نديًا كما كانوا يدعونه. والمعنى: أنهم سيعلمون عند ذلك أنهم شر مكانًا لا خير مكانًا، وأضعف جندًا لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين، وليس المراد أن للمفتخرين هنالك جندًا ضعفاء، بل لا جند لهم أصلًا، كما في قوله سبحانه ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾. ومعنى الآية (١): أي قل يا محمد لهؤلاء المدعين أنهم على الحق، وأنكم على الباطل: إن ما افتخرتم به من زخرف الدنيا وزينتها , لا يدل على حسن الحال في الآخرة، فقد جرت سنة الله بأن من كانوا منهمكين في الضلالة، مرخين لأنفسهم الأعنة في سلوك المعاصي والآثام، يبسط لهم نعيم الدنيا، ويطيب عيشهم فيها، ويمتعهم بأنواع اللذات، ولا يزال يمهلهم استدراجًا لهم إلى أن يشاهدوا ما وعدوا به رأى العين، إما عذابًا في الدنيا كما حصل يوم بدر، وإما مجيء الساعة وهم بها مكذبون، وعن الاستعداد لها مفرطون، وإذ ذاك يعلمون من هو شرّ من الفريقين مكانًا، وأن الأمر على عكس ما كانوا يقدرون، وسيرون أنهم شر مكانًا، وأضعف جندًا، وأقل ناصرًا من المؤمنين، وهذا رد على قولهم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. وقصارى ذلك: أن من كان في الضلالة، فسنة الله أن يمد له، ويستدرجه ليزداد إثمًا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، إما بعذاب في الدنيا يأتيه من حيث لا يحتسب، وإما بعذاب في الآخرة لا قبل له بدفعه، وحينئذ يعلم أنه كان في

стр. 7529

ضلال مبين، ويندم ولات ساعة مندم: نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ ولا يجد عن النار محيصًا ولا مهربًا، ٧٦ - ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة .. أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالإيمان ﴿هُدًى﴾ بالإخلاص وبالعبادات المتفوعة على الإيمان, وبالثواب على ذلك الإيمان, وهذا كلام (١) مستأنف سيق لبيان حال المهتدين، إثر بيان حال الضالين؛ أي: ويزيد الله المؤمنين إيمانًا، وعملاً ويقينًا ورشدًا، كما زاد الضالين ضلالًا، ومدهم في استدراجهم، وذلك أن بعض الهدى يجر إلى البعض الآخر، والخير يدعو إلى الخير. والمعنى: أي (٢) ويزيد الله الذين اهتدوا إلى الإيمان هدىً بما ينزل عليهم من الآيات عوضًا مما منعوا من زينة الدنيا، كرامةً لهم من ربهم، كما بسط للضالين فيها لهوانهم عليه. ومجمل هذا: أن من كان في الضلالة من الفريقين .. يمهله الله، وينفس له في حياته، ليزداد في الإثم والغي، ويجمع له عذاب الدارين، ومن كان في الهداية منهما .. يزيد الله في هدايته، ويجمع له خيري السعادتين. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ﴾؛ أي: والأذكار التي يبقى ثوابها لصاحبها أبد الآباد والأعمال ﴿الصَّالِحَاتُ﴾ التي تبقى عائدتها أبدًا ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿ثَوَابًا﴾؛ أي: جزاءً مما يتمتع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾؛ أي: مرجعًا وعاقبةً؛ لأن مآلها رضوان الله، والنعيم الدائم، ومآل هذه السخط والعذاب المقيم، والتفضيل (٣): للتهكم بهم، للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلًا والمرد هنا: مصدر كالرد، والمعنى: خير ردًا للثواب على عامليها، فليست

стр. 7530

كأعمال الكفار التي خسروها. فبطلت، ذكره ابن الجوزي. واعلم: أن الباقيات الصالحات هي أعمال الآخرة كلها، ومنها الكلمات الطيبة، قال أبو الدرداء ﵁: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم وأخذ عودًا يابسًا، وأزال الورق عنه ثم قال: "إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ليحط الخطايا كما يحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، فهن الباقيات الصالحات، وهي من كنوز الجنة". والمعنى: أي (١) والطاعات التي بها تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، وتصل إلى القرب من الله، وقيل رضوانه خير عند ربك منفعةً وعاقبةً مما متع به أولئك الكفرة من النعم الفانية، التي يفخرون بها من مالٍ وولدٍ وجاهٍ ومنافعَ تحصل منها، فإن عاقبة الأولين السعادة الأبدية، وعاقبة أولئك الحسرة الدائمة، والعذاب المقيم. وخلاصة هذا: أن الطاعات التي يبقى ثوابها لأهلها، خير عند ربهم جزاءً وخير عاقبةً من مقامات هؤلاء المشركين بالله، وأنديتهم التي يفخرون بها على أهل الإيمان في الدنيا، ٧٧ - ثم أردف سبحانه مقالة أولئك المفتخرين بأخرى مثلها على سبيل التعجب فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ (الهمزة) فيه (٢) للاستفهام التعجبي من حاله، والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب أن يُرى ويقضى منها العجب داخلة على محذوف و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا التي من جملتها آيات البعث ﴿وَقَالَ﴾ مستهزئًا بها مصدرًا كلامه باليمين والله ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾؛ أي: لأعطين في الآخرة إن بعثت ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾؛ أي: انظر إليه يا محمد فتعجب من حالته البديعة، وجراءَته الشنيعة، والغرض من هذا الاستفهام: التعجيب، فكأنه (٣) قال: تعجب يا محمد
следующие страницы →